← Фикх шафии

Фикх шафии · id 16934

بحر المذهب للروياني

عَبْد الواحِد الرُّوْياني

Полный текст (7 151 стр.). Показаны 5251–5290 · переход к 5256.

стр. 5251

فرع آخر لو قال: إن قدم غائبي فلله عليَّ أن أحج في عامي هذا، فإن قدم عامه سقط نذره ولا يجب عليه الحج، وإن قدم قبل حج عامٍ والوقت متسع لحجة لزمه وتعين في عامه، وإن تضيق الوقت عن إمكان الأداء ففي لزوم نذره وجوب الحج عليه وجهان؛ أحدهما: يلزمه كحجة الإسلام. والثاني: يلزمه ويقضيه بعد عامه؛ لأنه قد كان قادراً على استثنائه في نذره، وهو قول من لا يطرح الغلبة، ذكره صاحب "الحاوي". فرع آخر لو قال: لله عليَّ أن أحج سنة ولم يقل في عامي هذا، لم يحج في عامه وحج في عامٍ آخر إن أمكن. وإن مات قبل الإمكان فلا شيء عليه. وحكي عن أبي حنيفة ﵀ أنه قال: يلقى الله تعالى وعليه حجٌّ ولا يصح عندي عنه. مسألة: قَالَ: "وَلَوْ قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَصُومَ اليَوْمَ الَّذِي يَقْدِمُ فِيهِ فُلَانٌ، فَقَدِمَ لَيْلاً فَلَا صَوْمَ عَلَيْهِ". الفصل اعلم أنه إذا نذر أن يصوم يوم يقدم فيه فلان هل ينعقد نذره؟ فيه قولان: أحدهما: لا ينعقد؛ لأنه لا يمكن الوفاء به؛ لأنه إن قدم ليلاً لم يلزمه أن يصوم من الغد؛ لأن الصفة لم توجد، وغن قدم بالنهار وهو مفطر أو صائم عن غيره لم يمكنه أن يصوم عن نذره، وإن نوى من الليل قبل القدوم أن يصوم غداً فقد أتى ببعضه تطوعاً، وقد نذر صوم جميعه واجباً وهذا اختيار أبي حامد، [٥٢/ ب] وقاسه على ما لو قال: لله عليَّ أن أصوم أمسَ اليومِ الذي يقدم فيه فلان. والثاني: ينعقد نذره وهو الصحيح، وهو اختيار المزني والقاضي الطبري؛ لأنه يمكن أن يقف على قدومه قبله فينوي بالليل أن يصوم من الغد لقدومه، فإذا أمكن ذلك انعقد نذره. واحتج المزني فقال: قد يجب عليه الصوم في زمان لا يمكنه فعله فيه، ألا ترى أن الصبي الذي يبلغ في أثناء اليوم فيلزمه قضاءه، وكذلك المغمى عليه والحائض يلزمها قضاء الصوم وإن لم يمكنهما. وأما قياسه على ما قال: أصوم أمس اليوم الذي يقدم فيه فلان، فيحتمل أن يقال هنا: ينعقد النذر أيضاً. فإذا تقرر هذا فإذا قلنا لا ينعقد نذره فلا كلام، وإذا قلنا ينعقد نذره فإن قدم ليلاً لم يجب عليه شيء؛ لأنه نذر صوم يوم يقدم فيه ولم يوجب ذلك اليوم. قال الشافعي -

стр. 5252

رضي الله عنه-: "وأحب أن يصوم من الغد من أجل أنه قصد ذلك بنذره" وإن قدمها بالنهار وكان قد علمه بالليل ونوى يصوم لقدومه، ويجوز أن بكون أوله تطوعًا وآخره واجبًا، وإنما يعلم بأن أعلم أنه سيدخل فيه لقربه منه، وغنما صح صومه هكذا؛ لأنه قد نواه عن علم به، وهذا اختيار أبي إسحاق وجماعة. ومن أصحابنا من قال: لا يجوز أن يصوم هكذا؛ لأنه قد صام أوله قبل مقدمه، ولأنه يجوز أن يتأخر عنه مع الإخبار به، فلا يصير عالمًا بما يفعله، ولا يمكن قطع النية به، وهذا اختيار القفال. وإن قدم ولم يعلم وهو مفطر أو صائم عن التطوع أو واجب آخر يلزمه قضاءه؛ لأنه لم ينوه في أوله واجبًا. ومن أصحابنا من قال: [٥٣ أ] إذا كان مفطرًا يستحب له الإمساك في بقيته ولا يجب. وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه طريقان: أحدهما: يجب الإمساك فيه؟ قولان بناءً على أنه يجب عليه قضاء يوم آخر، وفيه قولان. والثاني: لا يجب قولاً واحدً وإن أوجبنا القضاء؛ لأن المسافر إذا قدم في خلال النهار لا يلزمه التشبه وإن لزمه القضاء. وإن كان صائمًا تطوعًا لا يجزئه عن نذره، وهل يتحتم صومه عليه؟ فيه وجهان: أحدهما: يتحتم؛ لأنه قد كان عند الله تعالى مستحقاً في نذره. والثاني: لا يتحتم، ويكون على خياره فيه إن شاء أفطر فيه وغن شاء أتمه وهو الأظهر اعتباراً بما انعقدت نيته عليه من تطوعه. وإن كان صائمًا عن فرض لم يتعين فيه كقضاء رمضان، أو صوم كفارة يلزم إتمامه عن فرضه الذي نواه، وهل يلزمه قضاءه عن ذلك الفرض؟ وجهان: أحدهما: يلزمه وهو اختيار أبي إسحاق؛ لان فرض صيامه صار مشتركًا. وقال ابن أبي هريرة: يستحب قضاؤه؛ ولا يجب لدخوله فيه عن نية انعقدت به، ثم عليه أن يقضي صوم نذره في المستقبل فيصوم على قول أبي إسحاق ثلاثة أيام، يومين عن فرضه ويومًا عن نذره. وعلى قول ابن أبي هريرة ثلاثة أيام؛ يومًا عن فرضه، ويومًا عن نذره، ويومًا يكون مستحقًا. مسألة: قَالَ: "وَلَوْ أَصْبَحَ فِيهِ صَائِمًا عَنْ نَذْرٍ غَيْرِ هَذَا أَحْبَبْتُ أَنْ يعُودَ لِصَوْمِهِ لِنَذْرِهِ وَيَعُودَ لِصَوْمِهِ لِقُدُومِ فُلاَنٍ". الفصل صورة هذه المسألة أنه نذر أن يصوم يوم الخميس ثم قال بعده: لله عليَّ أن أصوم يوم يقدم في فلان فقدم يوم الخميس، وهذا صائم عن نذره الأول. قال الشافعي ﵁: "مضى في نذره وأتمه، [٥٣/ ب] فإذا فرغ منه أحببت

стр. 5253

أن يعيده، فإن لم يعد أجزأه ثم قضى يومًا آخر لمقدم فلانٍ" وهو النذر الثاني؛ لأن هذا الزمان قد كان يصح صومه عن ذلك النذر ولكن صامه عن غيره فيلزمه القضاء عن نذره. فإن قيل: لم استحب الشافعي ﵁ أن يعيد ما صامه عن نذره؟ قلنا: لأنه صام يوم الخميس وقد استحق فيه أن يصوم عن مقدم فلان، فأحب أن يصوم في يوم لا يستحق صومه لغيره ولا يكون فرضه مشتركًا، فيصوم يومين يومًا فرضًا ويومًا مستحبًا. فإن قيل: هلا قلتم يصح صومه عن نذره الأول وقد استحق صومه لمقدم فلان كما قلتم فيمن صام رمضان من غيره لم يصح؛ لأنه مستحق لصوم رمضان قبل استحقاق النذر في وقت لا يمنع صحة غيره، ألا ترى أنه لو نذر ان يصلي في وقت بعينه، أو يوم ثم قضى فيه صلاة فائتة، أو صومًا عن القضاء أو التطوع كان جائزاً. فإن قيل: أليس لو نذر صوم يوم من شهر رمضان لم ينعقد نذره، فكيف انعقد هنا وقد وافق يومًا يعين عليه فيه صوم النذر؟. قيل: صوم شهر رمضان متعين فيه ولا يجوز أن يقع فيه صوم آخر، وليس كمذلك اليوم الذي استحق صومه بالنذر، فإنه لو صام فيه غيره صح صومه فافترقا. ثم قال الشافعي ﵁: "وَيَحْتَمِلُ القِيَاسُ أَنْ لاَ يَكُونَ عَلَيْهِ القَضَاءُ مَنْ قَبْلِ أَنَّهُ لاَ يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ فِيهِ صَائِماً عَنٍْ نَذْرِهِ" فحص قولان، وتفسير قوله: "لا يصلح أن يكون فيه صائمًا عن نذره" ما فسره المزني، فقال: يعني أنه لا صوم لنذره إلا بنيته قبل الفجر ولم يكن له سبيل إلى أن يعلم أن عليه صومه إلا بعد مقدمه، وفيه ضعف لما ذكرنا أنه ربما يعلم بالليل تقارب القدوم فينوي صومه [٥٤/ أ] فيصح صوم ذلك اليوم عن نذره. واختار المزني وجوب القضاء، فقال: قضاؤه عندي أولى. واختار في نذر الحج سنة بعينها وجوب القضاء أيضاً بكل حال. واحتج بصوم رمضان ومسألة الإغماء على ما ذكر وادعى أنه قول الشافعي ﵁، فقال: وقد قطع بهذا القول في موضع آخر، فسارت المسألة في المرض وحصر السلطان على قولين، هكذا ذكره الإمام الجويني ﵀. فرع لو قال: عبدي حر يقدم فلان فقدم ليلاً لا يعتق إلا أن يكون أراد باليوم الوقت. وقال أبو حنيفة: يعتق. فرع آخر لو قال: إن قدم عبدي كذا فعبدي حرٌّ، فقدم من ليلته لا يعتق إلا أن يريد جملة اليوم والليلة. وحكي عن أبي حنيفة ﵀: يعتق، ذكره القفال. مسألة: قَالَ: "وَلَوْ قَالَ لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَصُومَ اليَوْمَ الَّذِي يَقْدِمُ فًلاَنٌ أَبَداً، فَقَدِمَ

стр. 5254

يَوْمَ الاثْنَيْنِ فَعَلَيْهِ أَنْ يَصُومَ كُلَّ اثْنَيْنِ يَسْتَقْبِلُه". الفصل إذا قال: لله عليَّ أن أصوم اليوم الذي يقدم فيه فلان أبداً فقدم يوم الاثنين فقد ذكرنا أن نذره هل ينعقد في اليوم الذي يقدم فيه فلان؟ قولان. وأما الأثانين المستقبلة ينعقد النذر فيها قولاً واحداً؛ لأنه يمكنها صومها واجباً بعد وجود الشرط فانعقد النذر، فإن وافق أثانين رمضان فعليه أن يصومها عن رمضان؛ لأنه مستحق له، فإن صامه عن النذر لم يصح عن رمضان ولا عن النذر، ولا يلزمه قضاء الأثانين عن النذر، لان نذر صوم كل يوم اثنين وهو يعلم أنه لابد في رمضان من تخلل الأثانين وصومها عن النذر لا يصح، فصار ذلك كأنها مستثناة عن جملة النذر، فلا يتعلق حكمها بها. وإن وافق ذلك [٥٤/ ب] يوم الأضحى أو يوم الفطر، أو أيام التشريق، فليس له أن يصومها نذره، وهل يلزمه القضاء؟ فيه قولان: أحدهما: لا يلزمه القضاء، نص عليه في النذر، وهو اختيار المزني وهو الصحيح؛ لأن الزمان مستحق للفطر، فإذا وافقه وأفطر فلا قضاء، ولأن نذره لا يصح في يوم العيد فلا يلزمه قضاءه، كالأثانين في شهر رمضان. والثاني: يلزمه القضاء نص عليه في كتاب "الصوم" لأنه نذر صوم يوم يمكنه صومه عن نذره وهو أن يتفق يوم الاثنين في هذه الأيام، فإذا تعذر الصوم فيه يلزمه القضاء ويفارق الأثانين في رمضان، لأنه رمضان لا يخلو عنها بحالٍ. قال أبو إسحاق والقول الأول أقوى. مسألة: قَالَ: "وَلَوْ وَجَبَ عَلَيْهِ صَوْمُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ صَامَهُمَا وَقَضَى كُلَّ اثْنَيْنِ فِيهِمَا". جملة هذا أنه إذا نذر صوم بعينه عل التأييد وهو في المسألة التي تقدمت أو في غيرها ولزمه صوم شهرين متتابعين فعليه أن يصوم أولاً الشهرين؛ لأنته إذا صامهما أمكنه أن يقضي الأثانين التي وقعت في الشهرين فيأتي بالصومين معاً، وإذا صام الأثانين عن النذر ينقطع تتابع صوم الشهرين، فإن الجمع بين الأمرين أولى. وإذا ثبت هذا وصام الشهرين يلزمه قضاء كل اثنين تخلل الشهرين، لأنه أمكنه أن يصوم هذه الأيام عن نذره، فإذا ترك صومها لأمرٍ عرض لزمه القضاء كما لو ترك صومها لمرض. وقد قال الشافعي ﵁: "يلزمه القضاء" لأنه أدخل صوم الشهرين على نفسه. وقال صاحب الإفصاح: اختلف أصحابنا في هذا، فمنهم من قال: إذا تقدم وجوب النذر وتأخر وجوب الشهرين عنه، فأما إذا تقدم وجوب الشهرين وتأخر وجوب النذر

стр. 5255

[٥٥/ أ] في كل اثنين فإنه يصوم الشهرين المتتابعين ولا قضاء عليه، كما إذا صام شهر رمضان لا قضاء عليه. ومنهم من قال: لا فرق بينهما وعليه القضاء لأن أمكنه صيامها عن نذره فلم يصمها، ولو صامها عن النذر وقعت الموقع. وقيل: هذا القول نقله الربيع وهو المذهب. وقال القاضي الطبري: الأول أصح؛ لأن الشافعي ﵁ صرح به هاهنا، فقال: "لأن هذا شيء أدخله على نفسه بعدما وجب عليه صوم الاثنين" فدل على أن وجوب صوم الشهرين متأخر، وإن كان متقدماً لا تجئ هذه العلة، بل وجبت قبل النذر فلم ينصرف النذر إليها. مسألة: قَالَ: "وَلَوْ كَانَ النَّاذِرُ امْرَأَةً فَهِيَ كالَّرَّجُلِ". اعلم أن المرأة في نذرها كالرجل، فإذا نذرت أن تصوم اليوم الذي يقدم فيه فلا نأبداً ينعقد نذرها في الأيام المستقبلة، وفي اليوم الأول قولان كما في الرجل، فإذا وافق ذلك اليوم يوم حيضها فليس لها أن تصوم، وهل يلزمها القضاء؟ قولان: أحدهما: لا يلزم؛ لأن هذا الزمان مستحق بلفظه. والثاني: يلزم؛ لأنه يصح الصوم في هذا الزمان في الجملة، ولكن لا يصح منها لعارض عرض لها. ومن أصحابنا من قال قولاً واحداً لا يلزمها القضاء؛ لأن الحيض لا ينافي وجوب القضاء كما في رمضان، ولأن من قال لا يلزمها القضاء خرجه من أنه لا يلزمها قضاء يوم العيد في أحد القولين، وهذا التخريج لأن تحريم صوم يوم العيد عام في حق كل الناس، وتحريم الحيض خاص فيها. وقيل: التخريج صحيح والفرق ضعيف؛ لأن الشرع حرم عليها صوم زمان الحيض كما حرم عليها صوم زمان العيد، وسوى بينهما في نذر الزمانين أنه لا ينعقد [٥٥/ ب] فيستوي هذا أيضاً في هذا الحكم. ومن أصحابنا من رتب فقال: إن قلنا يقضي أيام العيد هاهنا أولى، وإن قلنا لا يقضي فهنا قولان. مسألة: قَالَ: "وَلَوْ قَالَتْ: لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَصُومَ أَيَّامَ حَيْضِي فَلاَ يَلْزَمُهَا شَيءٌ؛ لأَنَّهَا نَذَرَتْ نَذْرَ مَعْصِيَةٍ". الفصل جملته أنها إذا نذرت أن تصوم أيام حيضها لم ينعقد نذرها ولا يلزمها شيء بهذا النذر. وقال المزني: "هذا يدل على أنها لا تقضي نذر معصية"، وأراد به أنها إذا نذرت مطلقًا فوافق زمان الحيض، أو زمان العيد لا تقضي على ما اختار من القولين هناك. قال أصحابنا: الفرق أنها لم تقصد هناك غير ما هو معصية بل قصدت القربة والطاعة؛ فإذا وافقت زمان المعصية يلزم القضاء كما في رمضان بخلاف ما إذا قصدت

стр. 5256

نذر صوم الحيض بعينه. وحكي أن الربيع لما ذكر هذه المسألة قال: لا ينعقد نذرها ويلزمها كفارة يمين. قال: وفيه قول آخر أنه لا يلزمهم أن يكفر عن نذر المعصية بكفارة يمين وإن لم يكن في هذه المسألة قال أصحابنا: هذا قاله تخريجًا عن نفسه؛ لأن غيره لم يحكه ولا نقضيه أصول الشافعي، وكان الربيع إذا ألزم شيئًا يقول: وفيه قولاً آخر لقصوره عن الانفصال عنه، وإنما بروايته دون تخريجه، وتأويلها: روت عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال "لا نذر في معصية الله وكفارته كفارة يمين"، أن يحمل على بذل اللجاج الذي يخير فيه بين الوفاء وكفارة اليمين؛ ولأن أصحاب الحديث قالوا: لم يثبت إسناده، واعتماده على سليمان بن أرقم وهو متروك الحديث. [٥٦/ أ] فإن قيل: روى قتادة عن الحسن عن هياج بن عمران البرجمي أن غلامًا لأبيه أبق، فجعل لله عليه لئن قدر عليه ليقطعن يده، فلما قدر عليه بعثني غلى عمران بن الحصين ﵁ فسألته فقال: إني سمعت النبي ﷺ يحث في خطبته على الصدقة وينهي عن المثلة، فقل لأبيك فليكفر عن يمينه وليتجاوز عن غلامه. وبعثني إلى سمرة ﵁ فقال مثل ذلك. قيل: نحمله على الاستحباب بدليل أنه نذر ما لا يمكنه الوفاء به بحال فلا شيء عليه. فرع لو نذرت أن تصوم أيام حيضها صح النذر؛ لأنها جعلت أيام الحيض قدرًا ولم تجعلها زمانًا للصوم. مسألة: قَالَ: "وَإِذَا نَذَرَ الرَّجُلُ صَوْمًا أَوْ صَلاَةً وَلَمْ يَنْوِ عَدَدًا". الفصل جملة هذا أنه إذا نذر صومًا مطلقًا يلزمه صوم يوم واحد؛ لأنه أقل ما وقع عليه الاسم. وقاتل في "الحاوي": لو قيل: يلزمه صيام ثلاثة أيام كان مذهبًا؛ لأنه أقل صوم ورد فيس الشرع نصًا. ولو نذر صلاةً مطلقًا نقل المزني ﵀ أنه يلزمه ركعتان، وبه قال أبو حنيفة، وأحمد - رحمهما الله تعالى - في روايةٍ، ونقل الربيع يجزئه ركعة، وروي هذا عن أحمد. واتفق أصحابنا ﵏ على أن في المسألة قولان: أحدهما: يلزمه ركعتان، وقيل: هذا أصح؛ لأن أقل صلاة مقصودة متبوعة في الشرع ركعتان، وهي صلاة الصبح وصلاة الوتر، وغن كانت ركعة فهي تابعة غير مقصودة فلا يعتبر ذلك كما لا يعتبر سجدة واحدة، وإن كانت صلاة شرعية وهي سجدة التلاوة. والثاني: يلزمه ركعة؛ لأنها صلاة كاملة عندنا، ولا يعتبر بالمشروع؛ لأن المشروع

стр. 5257

في الصوم صوم شهر رمضان، ويكفيه في النذر صوم يوم واحدٍ. وقيل: هذان [٥٦/ ب] القولان مبنيان على أن النذر المطلق هل ينعقد بواجب الشرع أم لا؟ وفيه قولان. فرع هل يجوز صوم النذر بالنية قبل الزوال؟ ظاهر المذهب أنه لا يجوز، وقيل: فيه وجهان؛ لأنه يسلك بالمنذور مسلك النذر في وجهٍ. ثم قال الشافعي ﵁: "فإن مات قبل أن يقضيه وأوصى أن يقضى عنه ففي الصوم يطعم مكان كل يوم مدًا من طعامٍ، ويتقرب إلى الله عنه في الصلاة بما استطاعوا، ولا يُصَّلى ولا يصام عنه". وذكر بعض مشايخ طبرستان أن التقرب إلى الله تعالى في الصلاة وان يطعم مدا لصلاة يوم وليلةٍ، وغن زاد كان أولى، ولا يجب ذلك بحالًٍ. مسألة: قَالَ: "وَلَوْ نَذَرَ إِعْتَاقَ رَقَبَةٍ فأَيَّ رَقَبَةٍ أَعْتَقَ أَجْزأََهُ". اختلف أصحابنا في هذا، فمنهم من أخذ بظاهره أنه يجزئه أيُّ رقبةٍ كانت معيبة أو سليمة، مسلمة او كافرة. ومنهم من قال: لا يجزئه إلا ما يجوز في الكفارة وهي أن تكون مسلمة سليمة. قال الداركي: وهذا هو الصحيح؛ لأن مطلق كلام الناذر يحمل على معهود الشرع، والعتق واجب شرعًا لا يجوز إلا على الوصف الذي ذكرنا. قال الداركي: فإن قيل: هذا يبطل بمن قال: لله على هديٌ يجوز ما يقع عليه الاسم في أحد القولين، قيل: الفرق ان الهدي يجب في الشرع قليله وكثيره من مد طعام إلى أقل منه وأكثر، ويجب في قتل صغار الصيد صغار النعم، والشرع لم يرد بإعتاق رقبة كافرة أو معيبة بحالٍ، فظاهر كلام الشافعي ﵁ الأول. واعلم أن هذا العطف مشكل؛ لأنه أجاب في نذر الصلاة بأنه لا يجوز أقل من ركعتين، فاعتبر الشرع فيه، فكان ينبغي أن يقيد نذر العتق بواجب الشرع أيضًا. [٥٧/ أ] ولعل هذا العطف من جهة المزني، فنقل المسألة من موضع آخر وذكر في هذا المكان، ويحتمل أن معناه: فأي رقبة أعتق أجزأه من صغيرة أو كبيرة، أو رفيعة في القيمة أو وضيعة، ولم يرد به الكفر والإسلام والنقائص التي تمنع الإجزاء. وقيل: أصل الوجهين القولان في نذر الهدي مطلقًا هل يحمل على النعم أم لا؟. مسألة: قَالَ: "وَلَوْ قَالَ رَجُلٌ لآخَرَ: يَمِينِي فِي يَمِينِكَ". الفصل في هذا مسألتان؛ إحداهما: أن يكون صاحبه حلف يمينًا فقال له رجل: يميني في يمينك، فهل ينعقد للثاني يمين؟ ينظر، فإن كان الأول حلف بالله تعالى لم ينعقد للثاني

стр. 5258

يمين؛ لأن اليمين بالله تعالى لا تصح إلا بلفظ معظمٍ مفخمٍ. وقوله: "يميني في يمينك" ليس بلفظ معظم، وإن كان حلف بعتق أو طلاقٍ. قال المزني: قلت للشافعي: فإن يميني في يمينك بالطلاق فحلف أعليه شيء؟ فقال: لا يمين إلا على الحالف دون صاحبه. قال أصحابنا: معناه إذا لم ينو، فإذا نوى اليمين بالطلاق فحلف صاحبه لزمه؛ لأن اليمين بالطلاق والعتاق ينعقد بالكناية مع النية كما تنعقد بالصريح، وقد نص الشافعي ﵁ على مثل هذا في الإيلاء، فقال: "إذا قال لإحدى نسائه:؛ والله لا أصبتك فقد آلى منها، فإن قال لأخرى: فقد أشركتك معها لم يكن موليًا من الثانية وإن نوى اليمين؛ لأن اليمين بالله تعالى لا تقع بالكناية، ولو قال لإحدى نسائه إن طلقتك فأنت طالق فقد آلى منها، فإن قال لأخرى: فقد أشركتك معها، فإن لم يكن نية لم يكن موليًا من الثانية، وإن كان له نية صار موليًا منهما جميعًا". هكذا ذكر القاضي الطبري. قال بعض أصحابنا: سؤال المزني أن يكون الآخر لم يحلف بعد، وإنما أراد إذا حلف، فإذا قال: يميني في يمينك، يعني إذا حلفت [٥٧/ ب] يلزمني ما يلزمك، لا يتعلق به حلف بالله تعالى، أو بالطلاق نوى أو لم ينو؛ لأن حمل اليمين إنما يصير على يمين موجودة، ويمين الثاني لم توجد بعد، والذي يدل على أن صورة المسألة هكذا أنه لو قال: قلت له، فإن قال يميني في يمينك بالطلاق فحلف، وهذا يقتضي أنه استأنف الحلف بعد هذا القول، فإن كان حلف ذلك الرجل ثم قال: هو هذا، أن ينوي أن ينعقد له وإلا فلا، وهذا أظهر في مسألة الإيلاء وحد الحلف ثم شرك. وقال بعض أصحابنا بخراسان: اختلف أصحابنا فيما نقل المزني ﵀، فمنهم من غلط فيه، وإذا حلف بالطلاق فقال الآخر: يميني في يمينك، أي أنا معلق طلاق امرأتي كما علقت يصح، وكذلك لو قال ذلك ثم حلف المخاطب بعد. ومنهم من صحح ما نقله المزني وقال: التشريك والكناية في اليمين لا يصح بخلاف التشريك في نفس الطلاق، فلو حنث رجل بالطلاق فقال آخر يميني في يمينك وأراد وقوع الطلاق على امراته تطلق امرأته ويكون كناية في الطلاق، وكذلك لو قال قبل حنث الحالف: يميني في يمينك، أي إذا وجدت الصفة وطلقت امرأتك فامرأتي طالق أيضًا، فهذا تعليق نفس الطلاق بصفة فيصح ذلك، فحصل وجهان إذا لم يكن حنث الأول فقال هذا.

стр. 5259

كتاب أدب القضاء الأصل في وجوب القضاء وتنفيذ الحكم بين الناس الكتاب والسنة والإجماع. أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿يَا دَاوُودُ إنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ﴾ [ص: ٢٦] الآية، وأراد: إنا جعلناك خليفة لنا، وتكون الخلافة بالنبوة. وقيل: أراد خليفة لمن تقدمك فيها، [٥٨/ أ] وتكون الخلافة بالملك. والحكم مأخوذ من الحكمة التي توجب وضع الشيء موضعه، وقيل: مأخوذ من إحكام الشيء ومن حكمه اللجام لما فيه من الإلزام. وقوله: ﴿بِالْحَقِّ﴾ أي بالعدل، وقيل: بالحق الذي لزمك لله تعالى، وقوله: ﴿ولا تَتَّبِعِ الهَوَى﴾ أي الميل مع من تهواه، وقيل: أن تحكم بما تهواه ﴿فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أي دين الله، وقيل: عن طاعة الله. وقوله: ﴿بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ﴾ أي بما تركوا العمل ليوم الحساب، وقيل: بما أعرضوا عن يوم الحساب. وقوله تعالى: ﴿ودَاوُدَ وسُلَيْمَانَ إذْ يَحْكُمَانِ فِي الحَرْثِ﴾ [الأنبياء: ٧٨] الآيتين، النفش: رعي الليل، والهمل: رعي النهار، وكان الحكم في أغنام رجل رعت كرم آخر وزرعه، فحكم داود ﵇ بالغنم لصاحب الكرم والزرع، وحكم سليمان ﵇ بأن يدفع الغنم إلى صاحب الكرم لينتفع بدرها ونسلها ويدفع الكرم إلى صاحب الغنم ليعمره حتى يعود إلى حاله، ثم يرد الكرم ويسترجع الغنم، فقال الله تعالى: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ﴾ وكان حكم الله تعالى فيما حكم سليمان، فرجع داود عن حكمه إلى حكم سليمان. فإن قيل: كيف نقض داود ﵇ حكمه باجتهاد سليمان ﵇؟ قلنا: داود ﵇ كان قد أفتى بهذا لم يحكم ولم بنفذه، فلذلك رجع عنه، ويجوز أن يكون حكم سليمان من وحي فيكون نصًا يبطل به الاجتهاد. وقال الحسن البصري: لولا هذه الآية لرأيت الحكام قد هلكوا، لكن الله تعالى عذر هذا باجتهاده وأثنى على هذا بصوابه. وأيضًا قوله تعالى: ﴿فَلا ورَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النساء:٦٥] الآية، وهي نزلت في الزبير ورجلٍ من الأنصار وقد شهدا بدرًا، وقيل: إنه حاطب بن أبي بلتعة تخاصما إلى رسول الله ﷺ فيء شراج من الحرة كانا يسقيان به نخلاً لهما [٥٨/ ب] فقال ﷺ : "أسق يا زبير ثم أرسل إلى جارك" فغضب الأنصاري

стр. 5260

وقال: إن كان ابن عمتك، فتلون وجه رسول الله ﷺ حتى عرف أن قد ساءه، ثم قال: "يازبير احبس الماء إلى الجدر أو إلى الكعبين ثم خل سبيل الماء" فنزلت الآية: ﴿فَلا ورَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾، أي فيما تنازعوا فيه، وسميت المنازعة مشاجرة لتداخل كلامهما كتداخل الشجر الملتف ﴿ثُمَّ لا يَجِدُوا﴾ أي لا يجدوا في أنفسهم ﴿حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ ويُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾، أي تسليمًا لحكمك. وأيضًا قال الله تعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ يَامُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨]، وأيضًا قوله تعالى: ﴿وأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤٩]، وقوله تعالى: ﴿إنَّا أنزَلْنَا إلَيْكَ الكِتَابَ بِالحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ﴾ [النساء: ١٠٥] الآية، وقوله تعالى: ﴿إنَّمَا كَانَ قَوْلَ المُؤْمِنِينَ إذَا دُعُوا إلَى اللَّهِ ورَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وأَطَعْنَا﴾ [النور: ٥١] الآية، وقوله تعالى: ﴿وآتَيْنَاهُ الحِكْمَةَ وفَصْلَ الخِطَابِ﴾ [ص:٢٠]، قال أبو عبد الرحمن: فصل الخطاب: فصل القضاء. وقال شريح: الشهود والأيمان. وقوله تعالى: ﴿مَن يَشَاءُ ومَن يُؤْتَ الحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦٩]، قال ابن عباس ﵄: يعني المعرفة بالقرآن ناسخة ومنسوخة، ومتشابهه ومقدمه ومؤخره، وحلاله وحرامه وأمثاله. وأما السنة: فما روى بريدة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "القضاة ثلاثة؛ قاضيان في النار وقاضٍ يقضي ولا يعلم فأهلك حقوق الناس فذلك في النار، وقاضٍ قضى بالحق فذلك في الجنة". هكذا رواه ابن المنذر. وروى أبو داود عن بريدة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "القضاة ثلاثة؛ واحد [٥٩/ أ] في الجنة واثنان في النار، فأما الذي في الجنة فرجل عرف الحق فقضى به، ورجل عرف الحق فجار عنه، ورجل قضى للناس على جهل فهو في النار". وفي هذا الخبر دليل على أن كل مجتهد لا يكون مصيبًا، بل الحق في واحدٍ؛ لأنه لو لم يكن هكذا لم يكن للتقسيم معنى على هذا الوجه. وأيضًا روى عمرو بن العاص وأبو هريرة ﵄ أن النبي ﷺ قال: "إذا قضى القاضي فأصاب كان له عشرة أجورٍ، وإن أخطأ كان له أجرٌ أو أجران". وروي أن رجلين اختصما إلى عمرو بن العاص ﵁ فقضى بينهما، فسخط المقضي عليه، فأتى رسول الله ﷺ فأخبره، فقال: "إذا قضى واجتهد كان له عشرة أجور، وإذا اجتهد فأخطأ كان له أجر أو أجران". واعلم أن المخطئ إنما يؤجر به على اجتهاده في طلب الحق؛ لأن اجتهاده عبادة

стр. 5261

ولا يؤجر على الخطأ، بل يوضع عنه الإثم فقط، وهذا إذا كان جامعًا لآلة الاجتهاد، عارفًا بالأصول، عالمًا بوجوه القياس. وأيضًا روى أبو البحتري عن علي ﵁ أنه قال: بعثني رسول الله ﷺ إلى اليمن، فقلت: يا رسول الله، تبعثني وأنا شاب أقضي بينهم ولا أدري ما القضاء؟ قال: فضرب في صدري وقال: "اللهم أهد قلبه، وثبت لسانه"، قال: فو الذي فلق الحبة ما شككت في قضاءٍ بين اثنين. وروي أنه قال: "إن الله مثبت قلبك وهاد لسانك، فإذا حضر الخصمان إليه فلا تقضي لأحدهما حتى تسمع كلام الآخر، فإنه أحرى أن بتبين لك القضاء"، قال: فما أشكلت عليَّ قضية بعدها، وقدم منها على رسول الله ﷺ في حجة الوداع. وروي أنه قال له: "إن الله سيهدي قلبك ويثبت لسانك" فما شككت في قضاء بعد. وأيضًا روي أن رسول الله [٥٩/ ب] ﷺ لما أراد أن يبعث معاذًا إلى اليمن قال: "كيف تقضي إذا عرض لك قضاء؟ " قال: أقضي بكتاب الله ، قال: "فإن لم تجد في كتاب الله؟ " قال: بسنة رسول الله. قال: "فإن لم تجد في سنة رسول الله؟ " قال: أجتهد رأيي ولا آلو، فضرب رسول الله ﷺ صدره وقال: "الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضي رسول الله". وقوله: "أجتهد رأيي" أراد به الاجتهاد في رد القضية من طريق القياس إلى معنى الكتاب والسنة، ولم يرد به الرأي الذي يخطر بباله من غير أصل من كتاب أو سنة، وفي هذا إثبات القياس، وأنه ليس للحاكم أن يقلد غيره. وقوله: "لا آلو" معناه لا أقصر في الاجتهاد، ولا أترك بلوغ الوسع منه. وروت أم سلمة ﵂ أن النبي ﷺ قال: إنما أن بشر، وإنكم تختصمون إلى، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له ما أسمع منه، فمن قضيت له حق أخيه شيئًا، فإنما أقطع له قطعة من النار". وقوله: "ألحن بحجته": معناه أفطن بها، وألحن مفتوحة الحاء، ولحن الرجل في كلامه لحنًا بسكون الحاء. وروي أن عثمان قال لعبد الله بن عمر ﵃: اذهب واقض بين الناس، قال: أو تعفيني يا أمير المؤمنين، فإني أعزم عليك، قال: لا تعجل علي، هل سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من عاذ بالله فقد عاذ بمعاذٍ" قال: نعم،

стр. 5262

فأني أعوذ بالله أن أكون قاضياً، قال: فما تكره من ذلك وقد كان أبوك يقضى؟ قال: إن سمعت رسول الله ﷺ يقول:"من كان قاضياً فقضى بالجور كان من أهل النار, ومن كان قاضياً فقضى بالجهل كان من أهل النار، وما كان قاضياً فقضى بالعدل فبالحري أن ينفلت كفافاً " فما أرجو منه بعد ذلك. وأيضاً روى أبو أيوب الأنصاري [٦٠/ أ]﵁ أن النبي ﷺ قال " الله مع القاسم حين يقسم؛ ومع القاضي حين يقضى". وروى أبو هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال " إذا جلس القاضي للحكم بُعث إليه ملكين يسددانه؛ فإن عدل أقاما؛ وإن جار عرجا وتركاه". وأيضا روى أن النبي ﷺ استخلف عتاب بن أسيد على مكة بعد الفتح والياً وقاضياً؛ وقال " انههم عن بيع مالم يقبضوا؛ وربح مالم يضمنوا". وروى أنه ﷺ قلد دحية الكلبي قضاء ناحية. وأيضاً فقد قضى رسول الله ﷺ بين المتنازعين وحكم بين المتشاجرين على ما سنذكره بعد هذا إن شاء الله تعالى. وأما الإجماع؛ فلأنه لا خلاف بين المسلمين فيه. وقد حكم أبو بكر ﵁: بين الناس؛ وبعث أنس بن مالك ﵁ إلى البحرين قاضياً. وقال على ﵁: قَدمَ رسول الله ﷺ أبا بكر في مرضه لصلاة المسلمين؛ فلما توفي رسول الله ﷺ نظرنا فوجدناه أحق بالأمر فرضينا لدنيانا من رضيه رسول الله ﷺ لديننا؛ فبايعت أبا بكر؛ وكان لذلك أهلاً فأقام بين أظهرنا الكلمة واحدة والأمر واحد؛ لا يختلف عليه منا اثنان. وروى الحسن عن على ﵄ قال: لقد أمر النبي ﷺ أبا بكر أن يصلى بالناس؛ فأنى لشاهد ما أنا بغائبٍ ولا بى من مرض فنرضي لدنيانا من رضي رسول الله ﷺ لديننا. وحكم عمر- ﵁ بين الناس؛ وبعث أبا موسى الأشعرى ﵁ إلى البصرة قاضياً. وبعث ابن عباس [٦٠/ب]﵁ إلى البصرة قاضياً وناظراً. وأيضاً فالقضاء أمر بالمعروف ونهى عن المنكر؛ وقال الله : ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وتَنْهَوْنَ عَنِ المُنكَر﴾ الآية [آل عمران:١١٠]. وأيضاً ففي أحكام الاجتهاد ما يكثر فيه الاختلاف ولم تتعين هاتين المختلفتين فيه إلا بالحكم الفاصل والقضاء القاطع.

стр. 5263

فإذا تقرر هذا فالقضاء مأخوذ من إحكام الشيء والفراغ منه؛ قال الشاعر يرثى عمر بن الخطاب ﵁: قَضَيتَ أُموراً ثم غادَرْت بعدَها بوائِجَ مِن أكمَامِها لم تُفَتَّقِ أي أحكمت أموراً وأمضيتها؛ وخلقت بعدك دواهي خافية كامنة. وقد يراد بالقضاء إمضاء الحكم؛ ومنه قول الله : ﴿وقَضَيْنَا إلَى بَنِي إسْرَائِيلَ فِي الكِتَابِ﴾ [الإسراء:٤]؛ أي أمضينا وأنهينا. وقيل للحاكم قاض لأنه يمضى الأحكام ويحكمها؛ وسمى حاكماً لمنعه الظالم من الظلم؛ ومن ذلك سميت حكمة اللجام؛ لأنها تمنع الدابة عن ركوبها رأسها؛ وسميت الحكمة حكمة لمنعها الناس من هواهم. فإذا تقرر هذا فاعلم أن القضاء من فرائض الكفايات؛ فإذا قام به من يصح قضاؤه سقط فرضه عن الباقين؛ وإذا تركه الجميع ولم يقم به أحدٌ أثموا بتركه وكانوا تاركين للفرض لقوله ﷺ :" إن الله لا يقدس امة ليس فيهم من يأخذ للضعيف حقه ". وروى أن النبي ﷺ قال:" لتأمرنَّ بالمعروف أو ليسلطن الله عليكم شراركم". وأيضاً فإن نصب الإمام إذا كان واجباً كان نصب القاضي واجباً ولا فرق بينهما؛ لأنه من الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر؛ ذلك فرض على الكفاية بالإجماع فكذلك [٦١/ أ] القضاء. فإن قيل: هذا الذي قلتموه مخالف للسنة؛ لأن أبا هريرة ﵁ روى عن النبي ﷺ قال: "من ولى القضاء فقد ذبح بغير سكين " وهذا يحتمل معنيين. أحدهما: أن الذبح في العادة بالسكين فعدل به عن سنن العادة ليعلم أنه كان منه هلاك دينه دون هلاك بدنه. والثاني: أن الذبح الموحى الذي فيه إراحة لذبيحة وخلاصها من طول الألم إنما يكون بالسكين؛ لأنه يمور في حلق المذبوح فيجهز عليه؛ وإذا ذبح بغير السكين كان ذبحه خنقاً وتعذيباً؛ فضرب به المثل ليكون أبلغ في الحذر من الوقوع فيه. وروى عن على ﵁ أنه خطب بذي قارٍ وعليه عمامة سوداء؛ فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " ما من قاضٍ ولا والٍ إلا يؤتى به يوم القيامة فيوقف على الصراط فينشر له شبرة؛ فإن كان عادلاً نجاه الله بعدله؛ وإن كان غير ذلك انتفض الصراط به انتفاضه فصار ما بين كل عضو من أعضائه مسيرة مائة عام؛ فلا يلقى جهنم.

стр. 5264

إلا بحر وجهه وجبينه " وروى عن عائشة ﵂ أنها قالت:" ويل للأمراء؛ ويل للأمناء؛ ليأتين على أحدهم يوم يود لو كان معلقاً بالثريا يتذبذب بين السماء والأرض وإنه لم يلِ أحداً ". وروى عن رسول الله ﷺ قال لأبى ذر: " يا أبا ذر أحب لك ما أحب لنفسي؛ إني أراك ضعيفاً؛ فلا تأمرن على اثنين ولا تولين مال اليتيم ". وروى ابن أبى أوفي ﵁ أن النبي ﷺ قال "الله مع القاضي ما لم يجر؛ فإذا جار برئ الله منه ولزمه الشيطان". وروى أنس بن مالك ﵁ أن النبي ﷺ قال: " من ابتغى القضاء وسأل [٦١/ب] عنه الشفعاء وكل إلى نفسه؛ ومن أكره عليه أنزل الله ملكاً يسدده ". وحكي أن أبا هريرة ﵁ أراد محمد بن واسع على القضاء؛ فقال: لتخليني أو لأضربنك ثلاثمائة سوط إن تفعل فسلط؛ وذليل الدنيا خير من ذليل الآخرة. وقال مكحول: لو خيرت بين القضاء والقتل لاخترت القتل. وروى أن سفيان الثوري لقي شريك بن عبد الله - رحمة الله عليهما - بعد ما ولى القضاء بالكوفة؛ فقال: يا أبا عبد الله؛ بعد الإسلام والفقه والخير تلي القضاء وصرت قاضياً؟ فقال له شريك: يا أبا عبد الله؛ لابد للناس من قاض؛ فقال له سفيان يا أبا عبد الله؛ لابد للناس من شرطي. قلنا: أما الأول فلم يرد به تحريم القضاء ولا كراهية فعله؛ وإنما أراد به أن من جعل قاضياً فقد حمل أمراً عظيماً؛ وتحمل المشقة كما يتحمل الذبح؛ فإن جار فيه هلك؛ وإن عدل فاز بالثواب العظيم والأجر الجسيم ويدل عليه ما ذكرنا من الأخبار والآثار. وقال ﷺ في خطبته: " أصحاب الجنة ثلاثة؛ ذو سلطان مقسط موفق؛ ورجل رحيم رقيق القلب؛ ورجل ضعيف فقير متصدق".

стр. 5265

وروى عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أن النبي ﷺ قال: "المقسطون عند الله يوم القيامة على منابر من نور عن يمين الرحمن وكلتا يديه يمين؛ وهم الذين يعدلون في حكمهم وأهلهم وما ولوا" وروى عبد الله بن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ قال: لا حسد إلا في اثنتين؛ رجل آتاه الله مالاً فسلطه عليه في الخير، ورجل آتاه الله حكمة فهو يقضى بها ويعلمها ". [٦٢/ أ] وروى أبو سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ قال:" يوم من إمام عادل أفضل من عبادة ستين سنةٌ؛ وحدٌ يقام في الأرض أذكى من مطر أربعين يوما " وروى أن النبي ﷺ قال:" سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله؛ إمام عادل ..... " الخبر؛ فبدأ بذكر الإمام العادل. وقال مسروق: لأن أقضى بعدل أو حق أحب إلىَّ من أغزو في سبيل الله سنةٌ. قال الحسن البصري: كان يقال: لأجر حاكم يوماً أفضل من أجر رجلٍ يصلى في بيته سبعين سنةٌ. وقال عبد الله بن مسعود- ﵁:لأن أجلس فأقضى بين اثنين بحقٍ أحب إلىَّ من عبادة سبعين سنةٌ. وروى عن عمر ﵁ انه كتب في كتابه إلى أبى موسى الأشعري ﵁: أن القضاء في مواطن الحق مما يوجب الله به الأجر ويحسن به الذكر؛ فمن خلصت نيته في الحق ولو على نفسه كفاه الله ما بينه وما بين الناس؛ ومن تزين بما ليس في نفسه شانه الله؛ فإن الله تعالى لا يقبل من العباد إلا ما كان له خالصاً. فدل هذا على إن القضاء أفضل العبادات وأقرب القرب إلى الله تعالى إذا عرف من نفسه القيام به وأداء حقوقه. والأخبار الواردة في ذم من رغب فيه محمولة على من يشق عليه القيام به ويخاف أن لا يسلم فيه. وقال أبو قلابة: ما وجدت مثل القاضي العالم الأمثل السابح وقع في بحرٍ كم عسى يسبح حتى يغرق. وقال القاضي [٦٢/ب] الطبري: وحدثني بعض شيوخنا ببغداد أن أباه استصحبه في بعض أشغاله في باب الشام؛ فأراني دوراً مختومة فقال: هذه دور أبى (علي) بن خيران.

стр. 5266

طلبه الوزير بن الفرات ليوليه القضاء وقد هرب منه فختم داره؛ فقال لي: أحفظ هذا حتى تحكيه. فإذا تقرر هذا فالناس في القضاء على أربعة اضرب؛ ضرب يجب عليه أن يتولى القضاء؛ وضرب يستحب له ولا يجب عليه؛ وضرب يستحب له تركه ولا يستحب له فعله؛ وضرب يحرم عليه فعله والدخول فيه. فأما من يجب عليه فرجل يكون من أهل الفقه والأمانة ولا يوجد في بلده من يصلح للقضاء غيره من أهله؛ فإنه يتعين عليه فرضه؛ لأن الفرض على الكفاية إذا لم يكن من يقوم به غيره أحد يتعين عليه كما نقول في الفتوى؛ وغسل الموتى والصلاة عليه ودفنهم ونحو ذلك. ويجب على الإمام أن يعرضه عليه ويدعوه إلى الدخول فيه؛ فإن امتنع لم يحل له؛ وكان الإمام إجباره عليه. ومن أصحابنا من قال: ليس له إجباره عليه لقول ﷺ : "إن لا نجبر على القضاء أحداً"؛ ولأنه من فروض الكفايات فإذا أجبرناه عليه جعلناه من فرائض الأعيان؛ وهذا ضعيف لا وجه له؛ والخبر محمول على ما لو كان هناك نص وفرائض الكفايات قد تتعين على ما ذكرنا؛ ولأنه إذا ألزمه فلا يحل له تركه ويجوز إجباره على فعل الفرض الذي يتعلق بحقوق المسلمين؛ ولأن من اضطر إلى طعامه وهو لا يحتاج إليه [٦٣/ أ] أجبر على بذله؛ فإذا اضطر إلى منفعته أجبر على بذلها ولا فرق بينهما. فرع إذا تعين عليه ما ذكرنا يجب عليه أن يمضى للإمام ويعرض نفسه عليه لأنه بمنزلة الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر إذا تعين عليه؛ فإن لم يفعل ذلك عصى وأثم. وقال في " الحاوي": لا يتعين طلب القضاء؛ لأن فرض التقليد على المولّى دون المولى. فرع آخر لو كان هناك جماعة بهذه الصفة وجب عليهم على طريق الكفاية؛ حتى يقوم به أحدهم فيسقط فرضه عن جماعتهم؛ فإن عرض الإمام القضاء على واحدٍ منهم هل يجبره على قبوله إذا امتنع؟ ينظر فإن امتنع لعذرٍ لم يجبره؛ وإن امتنع لغير عذرٍ هل يجبره عليه؟ وجهان أحدهما: لا يجبره؛ لأنها نيابة كالوكالة؛ ولأنه إذا وجد غيره لم يتعين عليه فلا يجبره عليه. والثاني: يجبره؛ لأنه دعاه إلى واجبٍ رأى تعيينه فيه؛ ولأنه مأمور بطاعته؛ فإن تركه على امتناعه يجوز أن تكون حال غيره مثل حاله فيقضى الأمر إذاً تعطيل القضاء بخلاف الوكالة.

стр. 5267

فرع آخر لو استوى جماعه في شروط القضاء وفيهم طالبٌ وممسك فالأولى أن يقلد الممسك دون الطالب؛ لأنه أرغب في السلامة, فإن عدل الإمام عن الممسك إلى الطالب جاز وصح تقليده. فرع آخر إذا تكاملت الشروط في جماعةٍ فالأولى بالإمام أن يقلد أفضلهم؛ فإن عدل إلى المفضول انعقدت ولايته. فرع آخر لو تكاملت شروط الإمامة في جماعةٍ وجب على أهل الاختيار أن يقلدوا أفضلهم؛ فإن عدلوا إلى المفضول؛ قال جمهور العملاء: يجوز كما قلنا في القضاء. وذهب بعض الفقهاء إلى أنه لا يجوز؛ والفرق أن القضاء نيابة خاصة فجاز أن يعمل على اختيار المستنيب؛ والإمامة ولاية عامة فلم يصح فيها تفريط أهل الاختيار لافتياتهم على غيرهم. فرع آخر [٦٣/ ب] إذا تكاملت في واحدٍ دون غيره لا يصير بتفرده في عصره والياً يوَلّى ولو تكاملت شروط الإمامة في واحد منفرد بشروطها قال أكثر الفقهاء: لا تنعقد إمامته إلا بعقد أهل الاختيار كولاية القضاء. وقال فقهاء العراق وبعض المتكلمين: تنعقد إمامته من غير عقدٍ؛ لأن عقد أهل الاختيار إنما يراد لتمييز المستحق؛ فإذا تميز بصفته استغنى عن عقدهم ويفارق القضاء؛ لأنه نيابة خاصة يجوز صرفه عنها مع بقائه على صفته فافتقرت إلى عاقدٍ؛ والإمامة ولاية عامة لا يجوز أن يصرف عنها مع بقائه على صفته فلم تفتقر إلى عاقدٍ. ومن الفقهاء من سوى بين الإمامة والقضاء، وجعل ولاية القضاء فيمن تفرد بشروطه منعقدة من غير عاقد كالإمامة وهذا أدب، والأصح التسوية بينهما في البطلان؛ لأن الولايات عقود فافتقرت إلى عاقد. وأما الضرب الثاني من يستحب له ولا يجب عليه: فرجل من أهل العفة والأمانة والاجتهاد؛ وفي البلد مثله جماعة إلا أنه فقير لا كفايه له؛ فيتولى القضاء ليأخذ الرزق. وكذلك إذا كان له كفاية ولكنه خامل الذكر لا يعرف؛ فيريد القضاء ليعرف فينفع بعلمه فيستحب له طلبه والدخول فيه. فإن قيل: أليس قال ﷺ لعبد الرحمن بن سمرة: "لا تسأل الإمارة؛ فإنك إن أعطيتها عن مسألة وكلت إليها؛ وإن أعطيتها من غير مسألة أعنت عليها".

стр. 5268

وروى أبو موسى الأشعري ﵁ أن النبي ﷺ قال: " لا أستعمل - أو لا يُستعمل - على عملنا من أراده". قيل: قال الفقهاء: الأولى أن يطلب ذلك ولا يتعرض له حتى يُساق إليه من غير طلبه لهذا الخبر؛ ويستحب له أن يجيب إليه إذا كان مطلوباً؛ وهذا لأن الطلب تكلف والإجابة معونة. وقال [٦٤/ أ] بعض أصحابنا: يكره له الطلب بكل حالٍ؛ ولكن تستحب له الإجابة إذا كان مطلوباً ذكره في " الحاوي". وقال القاضي الطبري: تأويل الخبر عندي إذا أسرع الطلب من غير أن يقف الإمام على حاله؛ فهذا يكره حتى يستبحث الإمام عمن يستحقه ويصلح ويوليه؛ ولا يفوت عليه رأيه بالإطماع في الطلب هذا المنع على هذا الوجه؛ فأما إذا علم الإمام حاله ورآه موضعاً للقضاء يكره له طلبه؛ بل يستحب له على ما ذكرته والله أعلم. وهكذا إذا كانت الحقوق مُضاعة لجور أو عجزٍ والأحكام فاسدةٌ بجهلٍ أو هوى؛ فقصد بطلبه حفظ الحقوق وحراسة الأحكام؛ يستحب له طلبه ولا شك في هذا؛ لأنه يقصد أمراً بمعروفٍ ونهياً عن منكر؛ ويستحق به الأجر من الله تعالى. قال أصحابنا: وقد أخبر الله تعالى عن يوسف ﵊ إنه طلب فقال: ﴿اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ إنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ [يوسف:٥٥]؛ إنما طلب على المعنى الذي ذكرنا شفقة على المسلمين لا منفعة للمسلمين. وأما الضرب الثالث الذي لا يستحب له فعله ويستحب له تركه: فهو أن يكون رجلاً من أهل العفة والأمانة تقياً معروفاً بالعلم؛ يرجع إليه في الفتوى؛ فالأولى له الاشتغال بتعليم العلم والفتيا؛ ويترك طلب القضاء لما فيه من الضرر والخطر؛ وعلى هذا يحمل امتناع من امتنع من تقلد القضاء من الصحابة والتابعين؛ وقد قال تعالى: ﴿إنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ والأَرْضِ والْجِبَالِ﴾ الآية [الأحزاب:٧٣]. وأما اضرب الرابع الذي يحرم عليه القضاء: فهو أن يكون جاهلاً بالحكم أو فاسقاً؛ فلا يحل لهما أن يتوليا القضاء؛ وإن ولاهما لا تصح أحكامهما ولا تنفذ قضايهما. وقال في " الحاوي": والطلبة خمسة؛ مستحب؛ ومحظور؛ ومباح؛ ومكروه؛ ومختلف فيه: فأما المستحب: [٦٤/ب] فأن تكون الحقوق مضاعة على ما ذكرنا. وأما المحظور: فأن يقصد بطلبه انتقاماً من أعدائه أو تكسباً بارتشاء فيأثم به.

стр. 5269

وأما المباح: فأن يطلب لاستمداد رزقه أو لاستدفاع الضرر به فهو مباح؛ لأن المقصود به مباحٌ. وأما المكروه: فأن يطلب المباهاة والاستعلاء؛ قال الله تعالى: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًا فِي الأَرْضِ﴾ الآية [القصص:٨٣]. وأما المختلف فيه: فأن يطلب رغبة في الولاية. والنظر فيه ثلاثة أوجهٍ للسلف ولأصحابنا: أحدهما: يكره أن يكون طالباً ويكره أن يجيب إليه مطلوباً؛ وهو ظاهر قول ابن عمر- ﵄ ومكحول وأبى قلابة ومن يخشى من الفقهاء؛ وطلب السلامة لما ذكرنا من أخبار النهى. والثاني: يستحب أن يكون طالباً وأن يجيب إليه إذا كان مطلوباً؛ وهو ظاهر قول عمر ﵁ والحسن؛ ومسروق ومن يُساهل من الفقهاء وقال: إن التعاون على البر والتقوى لما روى أبو هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "من طلب القضاء حتى يُنال؛ فإن غلب عدله جوره فله الجنة؛ وإن غلب جوره عدله فله النار"؛ ولأنه فرض لا يؤدى بالتعاون؛ والله تعالى يقول: ﴿وتَعَاوَنُوا عَلَى البِرِّ والتَّقْوَى﴾ الآية [المائدة: ٢]. والثالث: وهو أعدلها يكره أن يكون طالباً ويستحب أن يجيب إليه مطلوباً؛ وهو قول أكثر المتوسطين في الأمور من الفقهاء؛ وهذا كله حسن. فرع آخر لو بذلك على طلب القضاء مالاً؛ فإن كان واجباً متعيناً عليه أو مستحباً له ليزيل جور غيره فبذله على هذا الطلب مستحب له؛ وقبوله على القابل له. وإن كان طلبه محظوراً فبذله على هذا الطلب محظور؛ وإن كان طلبه مكروهاً فبذله على هذا الطلب مكروه فيخلف الحكم بحال الطلب لامتزاجهما، فقبوله اشد محظوراً وتحريماً. [٦٥/ أ] وإن كان طلبه مُباحاً فيعتبر البذل؛ فإن كان بعد التقليد لم يحرم على الباذل وحرم على القابل؛ لقوله ﷺ :" هدايا الأمراء غلول ". وإن كان البذل قبل التقليد حرم على الباذل والقابل جميعاً؛ لأنها من الرشي المحظورة على باذلها وقابلها لرواية أنس ﵁ أن النبي ﷺ قال: "لعن الله الراشى والرائش والمرتشي". فالراشي: باذل الرشوة؛ والمرتشى: قابلها؛ والرائش: المتوسط بينهما. وقال عبد الله بن عمرو:

стр. 5270

"لعن رسول الله الراشى والمرتشى". وإنما تلحقهم العقوبة معاً إذا استووا في القصد؛ وهو أن يرتشوا لينال به باطلاً ويتوصل به إلى ظلمٍ؛ فأما إذا أعطى ليتوصل به إلى حق أو يرفع عن نفسه ظلماً؛ فإنه غير داخل في الوعيد. وقد روى ابن مسعود ﵁ أنه أخذ في شيء وهو بأرض الحبشة؛ فأعطى دينارين حتى خلى سبيله. وقال الحسن البصري؛ وجابر بن زيد وعطاء: لا بأس أن يصانع الرجل عن نفسه وماله إذا خاف الظلم. فرع آخر إذا حرمنا عليه بذل المال فبذل وقلده؛ فإن قال: قلدتك بهذا المال لا يصح التقليد؛ وإن قال: قلدتك القضاء مطلقاً فالتقليد صحيح؛ وإن تقدم بسببٍ هو معصية كالبيع إذا تقدمه شرط فاسد؛ وقيل: لا يصح التقليد؛ لأنه صار به فاسقاً فلا ينفذ حكمه حتى يتوب ثم يولى. فرع آخر يجب على الإمام تقليد القضاء؛ وهو فرض متعين عليه لدخوله في عموم ولايته؛ ولأن التقليد لا يصح إلا من جهته؛ ولا يجوز أن يتوقف حتى يسأله؛ لأنه من الحقوق المسترعاة. فرع آخر القاضي في إقليم من الأقاليم إذا عجز عن النظر في جميع النواحي يلزمه تقليد القضاء فيما عجز عن مباشرة النظر فيه؛ فإن بعد عن الإمام تعين [٦٥/ب] فرض التقليد على القاضي؛ وإن قرب منه كان فرض التقليد مشتركاً بين القاضي وبين الإمام ويتعين عليهما دون غيرهما؛ فأيهما تفرد بالتقليد سقط فرضه عنهما؛ فإن تفرد القاضي فيه بالتقليد كان فيه على عموم ولايته؛ وإن تفرد الإمام بالتقليد كان عزلاً للقاضي عنه؛ إلا أن يصرح في التقليد باستنابته عنه فيكون باقياً على ولايته. فرع آخر يجوز للإمام أن يعزل من قلده القاضي؛ ولا يجوز للقاضي أن يعزل من قلده الإمام إلا أن يكون مستناباً عنه؛ ففي جواز تفرد القاضي بعزله وجهان: أحدهما: يجوز كما لو كان هو المستنيب. والثاني: لا يجوز لا فتياته على الإمام في

стр. 5271

اختياره. ذكره في "الحاوي". فرع آخر لو خلا بلد عن قاض فقلد أهل البلد قاضياً بينهم كان باطلاً إن كان في العصر إمام لافتياتهم عليه فيما هو أحق به؛ ولم يجز أن ينظر بينهم ملزماً؛ فإن نظر بطلت أحاكمه وصار بها مجروحاً؛ ويجوز أن ينظر بينهم متوسطاً مع التراضي؛ والأولى أن يعتزل عن الوسطة بينهم لئلا يشتبه بذوي الولايات الصحيحة ولما تقدم من التقليد. وإن خلا العصر من إمامٍ؛ فإن كان يرجى أن يتجدد لإمامٍ نظر في زمانٍ قريب كان تقليد القاضي باطلاً؛ وإن لم يرج فإن أمكنهم أن يتحاكموا إلى قاضى أقرب البلاد إليهم كان تقليدهم للقاضي باطلاً؛ إن لم يمكنهم التحاكم إلى غيره نُظر؛ فإن لم يمكنهم أن ينصروه على تنفيذ أحكامه كان باطلاً أيضاً لقصورهم عن قوة الولاه؛ وإن أمكنهم نصره وتقوية يده كان تقليدهم جائزاً حتى لا يتغالبوا على الحقوق إذا اجتمع على تقليده جميع أهل الاختيار منهم. فرع آخر لا يعتبر [٦٦/ أ] في تقليد الإمام اجتماع أهل الاختيار كلهم بخلاف القضاء في المسألة التي ذكرناها؛ والفرق أن ولاية الإمام عامة في جميع البلاد التي لا يمكن اجتماع أهلها على الاختيار سقط اعتبار اجتماعهم لتعذره؛ وولاية القاضي خاصة على بلدٍ واحدٍ يمكن اجتماع أهل الاختيار عليه؛ فلزم اعتبار اجتماعهم لإمكانه. فرع آخر لو قلده القضاء بعض أهل الاختيار منهم نظر في باقيهم؛ فإن ظهر منهم الرضا بالسكوت وعدم الاختلاف صح التقليد؛ وصار بالرضا كالمجتمعين عليه؛ لأنه يمكن يباشر جميعهم وإن ظهر منهم الإنكار بطل التقليد لعدم شرطه في الإجماع. فرع آخر لو كان للبلد جانبان فرض بتقليد أحد الجانبين دون الآخر صح تقليده في الجانب المرتضى فيه دون الجانب الآخر؛ لأن تميز الجانبين كتميز البلدين. فرع آخر إذا صحت ولايته في هذه المسألة نفذت أحكامه طوعاً وقصراً لانعقاد ولايته؛ فإن تجدد بعده إمامٌ لم ينقض له حكماً نفذ على الصحة وله عزله وإقراره؛ ولم يجز للقاضي أن يستأنف النظر إليه بعد إذنه؛ ولو كان تقليده عن إمام لم يلزمه الاستئذان؛ والفرق وجود الضرورة في تقليد أهل الاختيار وعدم الضرورة في تقليد الإمام.

стр. 5272

فرع آخر هذا القاضي في هذه المسألة يكتفي بإذن الإمام عن تجديد تقليد ويقوم الإذن له مقام التقليد، وإن لم يجز الاقتصار علي الإذن في الولايات المستحدثة؛ لأنه تقدم لهذا القاضي شروط التقليد، فكلن حكمه أخف، ذكره في "الحاوي". فرع آخر قال الشافعي-رضي الله- عنه في"أدب القضاء": "ولو أن القاضي والقاسم والكاتب للقاضي وصاحب الديوان [٦٦/ب] وصاحب بيت المال والمأذونين لم يأخذوا جعلاً وعملوا محتسبين كان أحبَّ إليَّ، وإن أخذوا جعلاً لم يحرم عليهم عندي، وبعضهم بالجعل من بعضٍ، وما منهم من أحدٍ كان أحبَّ إليَّ الجعل من المؤذن". ثم قال: "ولا بأس أ، يأخذ الجعل علي أن يكبل للناس ويزن لهم ويعلمهم القرآن والنحو، وما يتأدبوا به من الشعر مما ليس فيه مكروه". قال أصحابنا: إنما استحب الشافعي ترك الجعل لمن له كفاية يرجع إليها ويكتفي بها؛ لأن من الناس من قال: لا يجوز ذلك، فاستحب الخروج من الخلاف. فأما من له كفاية يرجع إليها فالمستحب أن لا يأخذ الرزق وبرر علي ما يحتاج إليه فيما يلتبس به في أمر القضاء والحكم، إلا أن أبا بكر الصديق- ﵁ أخذ في كل يوم درهمين من بيت المال، وروي أنه لما ولي الخلافة خرج برزمةٍ إلي السوق، فقيل له: ما هذا؟ فقال: أنا كاسب أهلي، فاجتمعت الصحابة وقدَّروا له درهمين في كل يوم. وروي عن عمر- ﵁ أنه قال: أنزلت نفسي من هذا المال منزلة وإلي اليتيم، ومن كان غنياً فليستعفف، ومن كان فقيراً فليأخذ بالمعروف. وروي عن النبي ﷺ أنه قال: "من استعملناه منكم علي عملٍ ممن لم يكن له امرأة فليتزوج امرأة، ومن لم يكنن له خادم فليتخذ خادماً، ومن لم يكنن له مسكن فليتخذ مسكناً". وروي عن عمر- ﵁ أنه بعث إلي الكوفة ثلاثة نفر؛ عبد الله بن مسعود قاضياً، وعمار بن ياسر أميراً، وعثمان بن حنيف ماسحاً، وجعل لهم كل يوم شاةً، نصفها مع السواقط لعمارٍ، والنصف الآخر بين عبدا لله بن مسعود وبين عثمان بن حنيف وروي عن عمر- ﵁ أنه رزق شريحاً [٦٧/ أ] كل شهر مائة درهم، فلما أفضت الخلافة إلي علي ﵁ جعل رزقه كل سنةٍ خمسمائة درهم. وروي أن عمر بن عبد العزيز بعث يزيد بنأبي مالكٍ، والحارث بن محمد في أمرٍ

стр. 5273

من أمور المسلمين وفرض لهم رزقاً، فقبل يزيد أبي مالك ولم يقبل الحارث، فقال عمر بن عبد العزيز ما نعلم بما فعل يزيد بأساً، وأكثر الله فينا مثل الحارث. وأيضاً فإن الله تعالي فرض للعاملين علي الصدقات سهماً وجعل لهم حقاً لسعيهم فيها وقيامهم ها، فالقاضي بذلك أولي، ولأن خمس الخمس لمصالح المسلمين وهذا من أهم المصالح أو مثل أهمها فوجب أن ينصرف إليه. فإن قيل: أليس وروي عن عمر- ﵁ أنه قال: لا ينبغي لقاضي المسلمين أن يأخذ علي القضاء أجراً؟ قلنا: أراد به إذا كان مستغنياً عنه فالأولي له ذلك، أو أراد به أخذ ذلك من غير بيت المال. ومن أصحابنا من قال: إذا كان له كفاية يكره له أخذ الرزق عليه وإذا لم يتعين عليه فرض القضاء، فإن تعين عليه فرضه وكان مكفياً لم يجز له أخذ الرزق من بيت المال، لأنه فرض متعين عليه، ولا يجوز أنن يأخذ في مقابلته عوضاً. وإن كان فقيراً وإذا اشتغل بالقضاء بطل كسبه وجب أن يرزق؛ لأنه تضييع حق نفسه بمراعاة حق غيره. فرع آخر قد ذكرنا أنه يجب علي الإمام أن يبعث القضاة إلي البلدان، ولا يكلفون السير في خصوماتهم إلي بلد الإمام لما ذكرنا أنه ﷺ بعث القضاة إلي البلاد، ولا بد من أن يكون الإمام عالماً بتكامل شروط القضاء في المولي ليقع العقد صحيحاً بعد معرفته به، فإن كان رجلاً قد عرفه علي معرفته وعلمه لا يحتاج إلي السؤال والبحث عنه وعن حاله، وإن لم كن عرف حاله يجمع بينه وبين أهل العلم [٦٧/ب] حتى يقف علي مقدار علمه، ثم يسأل عنه من يعرفه من جيرانه والمختلطين به، فإذا ثبت عدالته وعلمه ولاه القضاء. وقال الإصطخري: يحضر عنده الموافقين والمخالفين، وبأمرهم بالمناظرة بين يديه حتى يعرف من أهل الاجتهاد، فإذا عرفه سأل عنه في الباطن، ثم ولاه بعد ذلك، وهذا قريب كما ذكرنا. فرع آخر إذا استفاض الخبر بحاله كانت الاستفاضة أكد من الشهادة ولا يحتاج معها إلي الأخبار، وإن لم يستفيض به الخبر جاز أن يقتصر منها علي شهادة عدليين بتكامل شروط القضاء فيه، ويختبره ليتحقق باختياره صحة معرفته، وهذا الاختبار بعد شهادة عدليين هل يكون واجباً أو مستحباً؟ فيه وجهان: أحدهما: أنه استحباب يستظهر به، لأن صحة الشهادة يوجب العمل بها. والثاني: أنه واجب لجواز أن يطرأ عليه نسيان أو اختلال. فإن لما يشهد بتكامل صفاته شاهدان لزم اختباره قبل تقليده علي ما ذكرناه، وهذا لأن

стр. 5274

النبي ﷺ اختبر معاذ- ﵁ حين قلده قضاء اليمن، ولم يختبر عليَّا- ﵁ عند تقليه؛ لأنه أخبر منه بمعاد- ﵄. فرع آخر إذا قلده وهو لا يعلم تكامل الشروط فيه قم علمها كان التقليد باطلا حتى يستأنفه بعد العلم بتكاملها لوقوع التقليد مع الشك فيه. فرع آخر صفة العقد معتبٌر باللفظ مع الحضور، وبالمكاتبة مع الغيبة للضرورة، ولا يجوز أن يقتصر علي المكاتبة مع مع الحضور لارتفاع الضرورة. فرع آخر لفظ العقد يشتمل علي صريح وكناية ومختلف فيه، فالصريح أربعة ألفاظٍ، قلدتك القضاء، ووليتك القضاء، واستخلفك علي القضاء، أو استنبتك علي القضاء. [٦٨/أ] وأما الكناية فأربعة ألفاظ؛ قد اعتمدت عليك في القضاء، أو عولت عليك، أو عهدت إليك بالقضاء، أو وكلت إليك القضاء، فلا ينعقد لاحتمالها مال يقترن بها ما يزول به الاحتمال، بأن يقول: فالحكم، أو يقول: فانظر فتكون الكناية كالصريح. فأما المختلف فيه فأربعة ألفاظٍ؛ قد فوضت إليك القضاء، أو رددت إليك القضاء، أو أسندت إليك القضاء وفيهما وجهان؛ أحدهما: أنه صريح في التقليد. والثاني: أنها كناية وهو الأصح. فرع آخر يفتقر عقد التقليد إلي شيئين؛ أحدهما: ذكر البلد الذي تقلده. والثاني: صفة الحكم منن عموم وخصوص، فإن أطلق كان علي العموم في المنازعات وعلي الخصوص في الولايات. فرع آخر تمام العقد معتبر بقبول المولي، فإن كان حاضراً كان قبوله بالقول علي الفور، فيقول: قد قبلت، أو تقلدت، وإن كان غائباً جاز أن يكون قبوله علي التراخي. فرع آخر صحة القبول تفتقر إلي شرطين: أحدهما: أن يعلم المولي أن المولي مستحق للولاية التي استنابه فيها، فإن لم يعلم لا يصح قبوله. والثاني: أن يعلم المولي من نفسه أنه مستكمل للشروط المعتبرة في القضاء، فإن علم خلافه لم يصح قبوله، وكان بالقبول مجروحاً.

стр. 5275

فرع آخر لو شرع في النظر قبل القبول، فليكون شروعه فيه قبولاً؟ وجهان: أحدهما: يكون قبولاً فتنقذ أحكامه. والثاني: لا يكون قبولاً حتى يصرح بالقبول نطقاً وتكون أحكامه مردودة قبله، وهذا لأن الشروع في النظر فرع لعقد الولاية فلم ينعقد به قبولها. فرع آخر إذا ولاه القضاء [٦٨/ب] علي البلد كتب له بالعهد بما ولي؛ لأن النبي ﷺ كتب العهد لعمرو بن حزم حين بعثه إلي اليمن، وكتب أبو بكر الصديق لأنس- ﵄ العهد إلي البحرين وختمه بخاتم الرسول النبي ﷺ . وروي جابر بن مضرب أن عمر- ﵁ كتب إلي أهل الكوفة: أما بعد فإني بعثت إياكم عماراً أميراً، وعبد الله بن مسعود قاضياً ووزيراً فاسمعوا لهما وأطيعوا فقد لآثرتكم يهما. ولا يشترط كتب العهد في صحة التقليد؛ لأن النبي ﷺ لم يكتب العهد لمعاد بن جبل ﵁ فاقتصر علي وصيته، وإنما يراد العهد ليكون شاهداً بما تضمنه من صفات التقليد وشروطه. فرع آخر إذا كتب العهد يأمره بتقوى الله تعالي، والتثبيت في القضاء، ومشاورة أهل العلم، وصفح أحوال الشهود وتأمل الشهادات، وتعاهد اليتامى وحفظ أموالهم، ومراعاة الأوقاف وغير ذلك مما يحتاج إلي مراعاته. وقد روي عن إدريس الآوي أنه قال: أخرج إلينا سعد بن أبي بردة كتاباً، فقال: هذا كتاب عمر بن الخطاب إلي أبي موسي: أما بعد، فإن القضاء فريضة محكمة، وسنة متبعة، الفهم الفهم، إذا آوى إليك أمر بين الناس ووجهك ومجلسك وعدلك حتى لا يطمع شريف في حيفك، ولا يخاف ضعيف من جورك، البينة علي من ادعي واليمن علي من أنكر، والصلح جائز بين الناس إلا صلحاً أحل حراماً أو حرم حلالاً، لا يمنعك من قضاء قضيته بالأمس أن تراجع الحق، فإن الحق قديم لا يبطل الحق شيء، ومراجعة الحق خير من التمادي في لباطل، الفهم فيما يختلج في صدرك ما لم يبلغك من القرآن، فتعرف الأمثال في الأشباه، ثم قس [٦٩/ أ] الأمور عند ذلك واعتمد إلي أحبها إلي الله تعالي وأشبها، فما تري اجعل للمدعي أمداً ينتهي إليه، فإن أحضر بينة وإلا وجهت عليه القضاء، فإن ذلك أجلي للعمى وأبلغ في العذر، والمسلمون عدول بعضهم علي بعض إلا مجلوداً في حدٍ، أو مجرباً بشهادة الزور، أو ظنيناً في ولاء أو قرابة، فإن الله تولي منكم السرائر ودرأ عنكم الشبهات. ثم إياك والضجر والقلق والتأذي بالناس، والتنكر بالخصوم في مواطن الحق التي يوجب الله بها الأجر

стр. 5276

ويكسب بها الذخر، وأنه من يصلح سريرته فيما بينه وبين ربه أصلح الله ما بينه وبين الناس، ومن تزين للناس بما يعلم الله منه غير ذلك يشنه الله فما ظنك بثواب الله تعالي في عاجل الدنيا وخزائن رحمته والسلام. فرع آخر إذا كتب له العهد نظر، فإن كان البلد الذي ولاه إياه بعيداً لا يستفيض إليه الخبر بما يكون في الأمام، أحضر شاهدين عدلين وقرأ العهد أو قرأه غيره بحضرته، وأشهدهما علي توليته ليمضيا معه إلي بلد ولايته يقيما له الشهادة عند أهله ويقول لهما: أشهد عليَّ أن قد وليت قضاء البلد الفلاني وتقدمت إليه ما يشتمل العهد عليه، وإن كان البلد قريباً من بلد الإمام كوسط من بغداد والكوفة منها ونحو ذلك، فهل تثبت ولايته عند أهل البلد باستفاضة الخبر دون الشهادة؟ وجهان: أحدهما: وهو اختيار الإصطخري يثبت بذلك؛ لأنها أوكد من شهادة شاهدين. والثاني: لا يثبت بذلك وهو اختيار أبي إسحاق؛ لأن الشهادة أخص، ولأنه عقد لا يقبل فيه الاستفاضة كالإجارة والوكالة. وقيل: أصل هذا الاختلاف في النكاح والوقف والعتق هل يثبت بالاستفاضة فيه وجهان؛ فإذا ثبت [٦٩/ب] بالاستفاضة يلزم الرعايا الانقياد له والطاعة، وإذا قلنا لا يثبت بها لا يلزمهم الطاعة. فرع آخر إذا قرظا الإمام العهد علي الشاهدين بنفسه لا يحتاج الشاهد إلي أن ينظر في الكتاب، فإن الإمام قد ثبتت أمانته، وإن قرأ غيره بحضرته نظر الشاهدان فيه ليعلما أن الأمر علي ما قرأه القارئ من غير زيادة ولا نقصان. فرع آخر إذا شهد شاهدان بالتقليد والعهد، والذي تضمنه الولاية، ن فإن عرف أهل البلد عدالتهما لزمتهم الطاعة، وإن لم يعرفوا عدالتهما لم يلزمهم الطاعة حتى يكشفوا عن الطاعة. فرع آخر لو لم يشهد بها شاهدان وورد القاضي المولي فأخبرهم بولايته لم تلزمهم الطاعة إن لم يصدقوه، وإن صدقوه هل تلزمهم طاعته؟ فيه وجهان: أحداهما: تلومهم؛ لأنهم اعترفوا بحق عليهم. والثاني: لا يلزمهم؛ لأنه يتضمن إقرارهم علي (المولى).

стр. 5277

فرع آخر لا يلزم عقد القضاء في حق المولي والمولي؛ لأنه في حقهما من العقود الجائزة؛ لأنها استنابة كالوكالة، ويجوز للمولي أن يعزله إذا شاء، والأولي أن لا يعزله إلا من عذرٍ، وأن لا يعزله المولي نفسه إلا لعذرٍ. وقال بعض أصحابنا بخراسان: لو عزله الإمام من غير عذرٍ هل ينعزل؟ وجهان. فرع آخر إذا كان العزل من المولي أشاعه حتى لا ينظر المولي بعد، فإن نظر قبل عمله بالعزل ففي نفوذ أحكامه وجهان قلنا في الموكل بالتصرفات هل ينعزل بعزله قبله علمه؟ ومن أصحابنا من قال هنا قولاً واحداً لا ينعزل ما لم يعلم؛ لأن القضاء آكد من الوكالة. وقيل: ينعزل من وقت العزل قولاً واحداً للاحتياط فيه، والصحيح الطريقة الأولي، وإن كان العزل من المولي شاعه ليقلد المولي غيره، فإن حكم بعد رد حكمه بلا خلاف. فرع آخر التقليد [٧٠/أ] لازم في حق أهل العمل من الرعايا، فيلزمهم التزام الحكم وإظهار الطاعة، فإن امتنعوا من التزامه لعذرٍ أوضحوه، وإن كان بغير عذرٍ أرهبوا، فإن أقاموا علي الامتناع حوربوا؛ لأن التزام القضاء من الفروض. فرع آخر قال الإمام جدي: إذا أنكر القاضي كونه قاضياً صار معزولاً، كما لو كان أنكر الوكيل الوكالة؛ لأن الإنكار أبلغ من عزله نفسه، وفيه وجه لا يصير معزولاً. فرع آخر إذا صحت توليته وأراد الخروج إلي بلد القضاء دعا من بحضرته من أهل ذلك البلد وسألهم من العدول والأمناء والعلماء الذين فيه، ومن يتولي أموال اليتامي وغيرها من الأموال، فإن لم يكن بحضرته أحد سأل في طريقة حتى يقف علي حقيقته ويدخل علي علم بحال البلد. فرع آخر إذا بلغ البلد فالمستحب أن يدخلها بسوادٍ؛ لأن النبي ﷺ دخل مكة وعلي رأسه عمامة سوداء، ولأنه أهيب له. فرع آخر قال أصحابنا: يستحب أن يدخل البلد يوم الاثنين؛ لأن النبي ﷺ دخل المدينة يوم الاثنين.

стр. 5278

فرع آخر إذا دخل البلد، فإن شاء قصد أوسع موضع في البلد من جامع أو رحبة مسجد أو غيرها، ويجمع الناس ويقرأ عليهم العهد، فإن كان معه شهود شهدوا بما في الكتاب، وإن شاء نزل في منزلٍ ثم أمر منادياً: ألا إن فلان ابن فلان قد ورد قاضياً في يوم كذا، ويريد أن يخرج إلي موضع كذا في يوم كذا لقراءة عهده، فمن أحب أن يحضر فليحضر إن شاء الله. فإن كان بلداً كبيراً أمر بالنداء يومين أو ثلاثة، وإن كان صغيراً أمر بالنداء يوماً واحداً. فرع آخر قال في "الأم": "وينزل متوسط المصر" وإنما قال ذلك ليكونن قريباً إلي الجميع، فإنه إذا نزل في طرفٍ بعد قصده عن قوم وقرب علي آخري، [٧٠/ب] ثم بدأ واستحضر الناس وسألهم في الباطن عليه الخير سأل عنه في العلانية كما عدلوه في السر، وقد ثبت عنه غيرهم، وإن كان قد بدأ وسألتهم في العلانية فقد ترك المستحب، فإذا فعل ذلك فمن عدل سأل عنه في الباطن، فإن جرحوه وقالوا توقينا لسانه وشره في العلانية قبل جرحهم ولا يفسقون بذلك. وقال "الحاوي": أول آدابه إذا ورد بلد عمله أن يعلمهم قبل دخوله بوروده قاضياً فيه، إما بكتاب أو رسولٍ ليعلم ما هم عليه من موافقةٍ واختلاف، فإن اتفقوا علي طاعته دخل، وإن اتفقوا على مخالفته توقف واستطلع رأي الإمام. والأولي أن يستصحب القاضي كتاب الإمام إلي أمير البلد بتقليده القضاء حتى يجمعهم علي طاعته جبراً إن خالفوا، فإن وافقه بعضهم اعتبر الأكثر، فإن كان موافقوه أكثر عدداً من مخالفيه وأقوي يداً دخل، وإن كان مخالفوه أكثر توقف، وعلي الإمام رد مخالفيه إلي طاعته ولو بقتالهم حتى يذعنوا له بالطاعة، ويعنيه فيما ينفذ أمره فيهم ويبسط عليهم ليقدر علي الانتصاف ن القوي للضعيف، ومن الشريف للمشروف، ثم ينادي في البلد بوردة إن اتسع الوقت ليعلم به الداني والقاصي، والخاص والعام، والصغير والكبير، فيكون أهيب في النفوس وأعظم في القلوب. وإذا دخل يسكن وسط البلد علي ما ذكرناه، ويحتاج أن يبدأ بقراءة عهده قبل نظرة؛ ليعلم الناس ما تضمنه من حدود عمله [٧١/أ] ومن صفة ولايته في عموم وخصوص، ويجمع الناس لقراءته في أفسح بقاعه من جوامعه ومساجده؛ لأنه يتضمن طاعة الله تعالي، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ثم ينظر بعد قراءته في حكومةٍ ولو بين.

стр. 5279

خصمين لتستقر ولايته بالنظر، ويتواطأ الخصوم في الحكم، وليعلم الناس قدر صنعته في عمله. قال: ثم أمرين يعتمدهما الخصوم في نظره: أحدهما: أن يجعل مجلس نظره من بُعٍد معروف بالمكان مخصوصاً بالنظر والأحكام حتى لا يسألوا عنه أن يخفى عليهم ولا يعدلوا عنه إن نظر في غير أحكامهم. والثاني: أن يكون زمان نظره معيناً عليه من الأيام ليتأهبوا فيه إلى التحاكم إليه، فإن كثرت المحاكمات لزمه النظر في كل يوم، ويكون وقت نظره من اليوم معروفاً ليكون باقيه مخصوصاً بالنظر في أمور المسلمين لراحته ودعته، فإن قلت المحاكمات جعل يوم نظره في الأسبوع مخصوصاً بحسب الحاجة في يوم أو يومين أو ثلاثةٍ بقدر الحاجة حتى يستعد الناس للتحاكم فيه. ويختار أن يكون أيام نظره من الأسبوع يوم السبت ويوم الاثنين ويوم الخميس، ولو تجدد في غير يوم النظر مالا يمكن تأخيره نظر فيه ولم يؤخره. فرع آخر إذا تصدى للحكم بعد استقرار ولايته وانقياد الناس لطاعته يبعث في الحال إلى الحاكم المعرف أن يدفع إليه ديوان الحكم، وهو حجج الخصوم من المحاضر والسجلات وكتب الوقف؛ لأن الحكام يستظهرون في حفظ الحقوق على أربابها بحفظ حججهم ووثائقهم في نسختين، فيسلم إلى المحكوم له إحداهما وتكون الأخرى في ديوانه يرجع إليها إذا احتاج ليكون على ثقةٍ مما في يده، وكان القاضي السابق [٧١/ب] أحق بإمساكها؛ لأن له نظراً وولاية، والآن قد زال ذلك، وصار النظر للثاني. فرع آخر إذا تسلمها واتسع له الزمان تصفحها وعمل بموجب ما تضمنها إذا دعت الحاجة إليه، ولا يحكم بما فيها إلا إذا شهد به شاهدان، ولا يحكم بخط القاضي قبله لاشتباه الخطوط وإمكان الخطوط وإمكان التزوير عليها. فرع آخر يجب على الإمام أن بسير أحوال البلاد في القضاء ويكشف عن أحوال القضاة فيها، فإذا علم أن في البلد قاضياً مستحقاً للنظر سقط عنه فرضه، وإذا علم أنه لا قاضي فيه، أو فيه من لا يستحق النظر وجب عليه أن يقلد فيه قاضياً، وكان ذلك عليه فرضاً متعيناً، وإن كان في البلد من يصلح للقضاء كان تقليده لمعرفته به وبأهله أولى من تقليد الغريب. فرع آخر لو قلد غير متعين فقال: من نظر من أهل البصرة في قضائها فهو مقلد من جهتي لم يجز؛ لأنه لا يجوز أن ينظر من ليس بأهله، ولو قال: من علمائه لم يجز أيضاً؛ لأن المقلد منهم مجهول.

стр. 5280

فرع آخر لو قال: إن نظر في قضاء البصرة زيد قلدته لم يجز وإن نظر؛ لأنه عقد بشرط. فرع آخر لو ذكر عدد أسماءهم وقلدهم ثم قال: فاتهم نظر فيه، فهو القاضي دون غيره صح التقليد في الناظر سواء قل العدد أو كثر؛ لأنه جعل نظره عدلاً لغيره ولم يجعله شرطاً في تقليده، ولو جعل جميعهم ناظرين فيه بطل تقليدهم إن كثروا، وهل يصح إن قلوا؟ فيه وجهان. فرع آخر لا يلزم في تقليد القضاء أن يكون مذهب المولى لمذهبه، فيجوز للشفعوي أن يقلد حنفياً، وللحنفي أن يقلد شفعوياً؛ لأن على القاضي أن يحكم بمذهبه لا بمذهب غيره. فرع آخر لو كان شفعوياً فأدى اجتهاده في قضيٍة أن يحكم فيها بمذهب أبي حنيفة-﵀ جاز. وقال بعض أصحابنا: [٧٢/ أ] من اعترى إلى مذهب منع أن يحكم بمذهب غيره لتوجه التهمة إليه، وهذا وجه تقتضيه السياسة بعد استقرار المذاهب وتمييز أهلها، ولكن حكم الشرع لا يوجب؛ لأن الاجتهاد في كل طريق الاجتهاد، فإن من قضى في حكم باجتهاد ثم أراد أن يقضي من بعد لزمه إعادة الاجتهاد، فإن أداه إلى خلاف الأول كان كل واحدٍ من الحكمين ماضياً، وهذا لما روي أن عمر ﵁ حكم في مسألة المشركة بتشريك الإخوة من الأم والأب مع الإخوة من الأم في عام، ولم يشركهم في عامٍ آخر. وقال: هذه علي ما قضينا وتلك علي ما مضينا. فرع آخر لو شرط المولي في عقد التقليد أن لا يحكم إلا بمذهب الشافعي ﵁، أو بمذهب أبي حنيفة رحمة الله عليه كان الشرط باطلاً سواء كان موافقاً لمذهب المولي أو مخالفاً؛ لأنه قد منعه من الاجتهاد فيما يجب الاجتهاد. وأما التقليد هل يصح؟ يعتبر بشرطه، فإن عدل به عن لفظ الشرط وأخرجه مخرج النهي فقال: لا يحكم بمذهب أبي حنيفة صح التقليد وإن بطل الشرط، وإن جعله بلفظ الشرط في العقد، فقال: قلدتك علي أن تحكم بمذهب أبي حنيفة أن جعله أمراً، أو أن لا تحكم بمذهب الشافعي أن جعله نهياً بطل التقليد لفساد الشرط؛ لأنه معقود علي شريطٍ فاسدٍ. وقال أهل العراق: لا يبطل التقليد، وإن بطل الشرط كما لو لم يخرج مخرج الشرط، وقد ذكرنا الفرق بينهما، فإن كان الشرط خاصاً في حكم بعينه فلا يخلو إما أن يكون أمراً أو نهياً، فإن كان أمراً فقد: قد من السلم بالكافر كان أمره بهذا الشرط فاسداً، فإن تجرد عن لفظ الشرط صح التقليد مع فساد الشرط، وإن قرنه بلفظ الشرط صح التقليد مع فساد الشرط، وإن قرنه بلفظ الشرط

стр. 5281

بطل التقليد لفساد الشرط، وإن كان الشرط نهياً فعلي ضربين: أحدهما: أن ينهاه عن الحكم في قتل المسلم بالكافر [٧٢/ب] ولا يقضي فيه بإيجاب قودٍ ولا بإسقاطه، فهو شرطٌ جائز وتقليد صحيح، لأنه اقتصر بولايته علي ما عداه فصار خارجاً عن نظره. والثاني: ألا ينهاه عن الحم فيه وينهاه عن القضاء بالقصاص فيه، فهذا النهي هل يوجب صرفه عن النظر؟ فيه وجهان: أحدهما: يوجب ذلك فلا يحكم فيه بإيجاب قودٍ ولا بإسقاطه، فعلي هذا يكون التقليد صحيحاً فيما عداه. والثاني: لا يوجب ذلك ويصير النهي عنه أمراً بضده، وهو أن يقتص من المسلم بالكافر، فإن تجرد عن لفظ الشرط صح التقليد مع فساد الشرط، ويحكم فيه بما يؤدي اجتهاده إليه من وجوب القصاص أو إسقاطه، وأن اقترن بلفظ التقليد بطل التقليد لفساد الشرط، وقال أهل العراق: يصح التقليد هنا أيضاً وإن فسد الشرط. فرع آخر يلزم الإمام أ، يعين علي البلد الذي تقلده فيقول: قلدتك قضاء البصرة، أو قلدتك قضاء الكوفة ليكون معلوماً. ولو قال: قلدتك البصرة أو قضاء الكوفة لم يجز للجهل بالعمل، وكذلك لو قال: قلدتك قضاء أي بلد شئت، أو أي بلد رضيك أهله لم يجز. فرع آخر لو قلده قضاء البصرة أو آمل، فإن نص علي دخول النواحي والسواد في تقليده دخل وينفذ قضائه في أعماله المنسوبة إليها، وإن نص علي خروجها من تقليده كانت ولايته مقصورة علي تلك البلدة وإن أطلق، فإن كان العرف جارياً بإفرادها عن قاضي البلد لم تدخل في ولايته، وإن جري العرف بإضافتها إلي قاضي البلد دخلت في ولايته، وإن اختلف العرف في إفرادها وإضافتها روعي أكثرهما عرفا"، فإن استويا عرفاً روعي أقربهما عهداً، فإن كان الأقرب إضافتها دخلت في ولايته، وإن كان بخلاف ذلك لا تدخل في ولايته. فرع آخر [٧٣/أ] يجوز أن يكون التقليد عاماً ومخصوصاً. فالعام: أن يقلده قضاء جميع البلد، والقضاء بين جميع أهله، والقضاء في جميع الأيام. والخصوص: أن يكون مقصوراً علي قضاء البلد، فيجوز إذا كان معيناً سواء اقتصر علي قضاء أكثر البلد أو أقله، أو محله من محالة؛ لأن القضاء يخص ولا يعم. فرع آخر لو قلده البصرة في جانب ربيعة جاز، سواء كان للجانب الآخر قاض أخر أو لا، ويختص بما (حصي).

стр. 5282

فرع آخر لو قلد أحدهما جانب ربيعة وقلد الآخر جانب مصر، كانت ولاية كل واحد منهما مقصورة علي جانبه. فرع آخر إذا خص جانب ربيعة علي ما ذكرنا يجوز أن ينظر بين أهله وبين الطائرين إليه من غير أهله، إلا أن يخص النظر بين أهله دون الطائرين إليه فلا يتعللوا. فرع آخر لو قلد أحدهما جانب ربيعة والآخر جانب مصر، وبين الجانبين موضع مشترك بينهما روعي الأغلب عليه في إضافته إلي أحدهما فجعل داخلاً، فإن استوي الأمران فيه روعي القرب، فما كان منه أقرب إلي جانب ربيعة دخل في ولاية قاضيه، وما كان منه أقرب إلي جانب مصر دخل في ولاية قاضيه. فرع آخر لو تحاكم من الجانبين رجلان، فدعي كل واحدٍ منهما إلي قاضي جانبه نظر، فإن كان عند التنازع؛ فليس لواحدٍ منهما أن يجير الآخر علي المحاكمة إلي قاضيه لا يقدر أن يعديه علي خصمه لخروجه عن نظره طالباً كان أو مطلوباً، فإن أراد الطالب أن يستعدي قاضي المطلوب علي خصمه [٧٣/ب] وجب عليه أن يعديه، ويحكم بينهما في جانبه لحصولهما في عمله، فإن حصل أحد القاضيين في جانب الآخر لم يكن له أن يحكم فيه تنازع إليه سواء كان من أهل عمله أو غير عمله؛ لأن حكمه لا يتعدي إلا في عمله. فرع آخر لو قلد قاضيين في بلدٍ لينظر كل واحدٍ منهما بين جميع أهله فيه وجهان: أحدهما: لا يجوز، لأنه يفضي أمرهما إلي التجاذب في تنازع الخصوم إليهما، وتبطل ولايتها إن جمع بينهما في التقليد، وتصح ولاية الأول إن قلد أحدهما بعد الآخر. والثاني: وهو قول الأكثرين يجوز؛ لأنهما استنابه كالوكالة، وقد نقل الشافعي ﵁ فلا نطلق الوجهان. فرع آخر إذا قلنا بالمذهب الصحيح فتنازع خصمان وجذب كل واحدٍ منهما الخصم إلي أحدهما، عمل علي قول الطالب منهما دون المطلوب، وحاكمه إلي من أراده منهما لأن حكم كل واحدٍ منهما الخصم إلي أحدهما، عمل علي قول الطالب منهما دون المطلوب، وحاكمه إلي من أراده منهما؛ لأن حكم كل واحدٍ من القاضيين نافذ عليهما.

стр. 5283

فرع آخر لو كان كل واحد منهما طالباً ومطلوباً لتنازعهما في قسمة ملك أو اختلافهما في ثمن منيع، عمل علي قول من دعا إلي أقرب القاضيين، فإن استويا في القرب ففيه وجهان: أحدهما: يقرع بينهما لتساويهما. والثاني: يقطع التنازع بينهما حتى يتفقا علي الرضا بأحدهما. فرع آخر لو قلده جميع البلد لينظر في أصح د جانبيه أو في جامعه لم يجز لعموم ولايته، وكان التقليد باطلاً أنن جعل ذلك شرطاً فيه، كقوله: قلدتك علي أنن تنظر فيه لتنافي حكم الشرط والإطلاق، ولو لم يكن شرطاً، [٧٤/ أ] بل كان أمراً، كقوله: قلدتك قضاء البصرة فانظر في جامعها صح التقليد وبطل الشرط، وله أن ينظر في غير الجامع؛ لأنه لا يملك الحجر عليه في مواضع جلوسه. فرع آخر لو قال: قلدتك علي أن تحكم في الجامع بين من قال فيه صح، ولم يجز أن يحكم في غيره، لأنه جعل الولاية هنا مقصورة علي من جاءه الجامع وهم لا يعينون إلا فيه. فرع آخر لو كان التقليد مقصوراً علي بعض أهل البلد دون جميعهم يجوز إذا تميزوا عن غيرهم، كقوله: قلدتك لتقضي بالبصرة بين العرب دون العجم، ويقلد الآخر القضاء بين العجم دون العرب فيجوز، ويختص بما خص وليس لواحدٍ منهما أن يحكم بين من ليس من العرب ولا من العجم كالنبط لخروجهم عن نظر كل واحدٍ منهما. فرع آخر لو كان في البلد عربي النسب عجمي اللسان أو عجمي النسب عربي اللسان فإن كان في التقليد ما يدل علي إرادة النسب دون اللسان، أو اللسان دون النسب يحمل عليه وإن لم يكن فيه ما يدل علي إرادة واحد منهما يحمل علي اعتبار النسب دون اللسان؛ لأن النسب لازمة واللسان صفة زائلة. فرع آخر لو كان في العجم فزال العرب ففي أحق الحاكمين بالنظر في أحكامهم وجهان مبنيان علي الوجهين في سؤالي ذوي القربى، هل يحرم عليهم من الصدقات ما يحرم علي ذوي القربى؟ فيه وجهان: فإن قلنا يحرم تغليباً للولاء علي النسب، فعلي هذا يكون قاضي العرب أحق بالنظر بينهم من قاضي العجم.

стр. 5284

والثاني: [٧٤/ب] يغلب النسب علي الولاء، فعلي هذا يكون قاضي العجم أحق. فرع آخر لو وقع التنازع بين عربي وعجمي واتفقا علي التحاكم إلي قاضي أحدهما، فإن اتفقا علي قاضي المطلوب ينفذ حكمه بينهما؛ لأنه مندوب إلي استيفاء الحقوق من أهل نظره والحق مستوفي من المطلوب للطالب، وإن اتفقا علي التحاكم إلي قاضي الطالب ففي نفوذ حكمه بينهما وجهان مخرجان من القولين في نفوذ حكم من تراضيا به من غير الحاكم. فرع آخر لو تجاذب العربي والعجمي ودعا كل واحدٍ منهما إلي نظر قاضيه ففيه وجهان: أحدهما: يوقف تنازعهما ويقطع تخاصمهما حتى يتفقا علي قاضي أحدهما، فإن اتفقا علي قاضي المطلوب جاز، وأن اتفقا علي قاضي الطالب فقد ذكرنا وجهين. والوجه الثاني: أن يجتمع القاضيان علي سماع الدعوي؛ لأن كل واحدٍ منهما موجود بين أهل نظره، وليس له الانفراد في هذا النظر فلزم اجتماعهما عليه، فإذا اجتمعا علي سماع الدعوي تفرد بالحكم منهما قاضي المطلوب دون الطالب، وإن اقتضي الحكم سماع البينة تفرد بسماعها قاضي المشهود عليه دون المشهود له، وإن اقتضي الحكم عرض اليمن استوفي قاضي الحالف دون المستخلف ليكون الحكم في الأحوال كلها نافذاً من قاضي المطلوب دون الطالب، فإن امتنع القاضيان من الاجتماع أتما بالامتناع وكان قاضي المطلوب أعصمهما أتماً، وأخذهما الأمير بالاجتماع جبراً. فرع آخر يجوز أن يكون القاضي مقصور الولاية علي النظر بين خصمين معينين، ولا ينظر بين غيرهما. فرع آخر إذا جوزنا هذا ينظر، فإن رد إليه النظر بينهما في كل تنازع يحدث منهما، فيكون بعد فصل الحكم بينهما انعزل، وإن قلده مطلقاً الحكم بينهما فيحمل علي العموم في كل ما تحدد من خصومتهما، وعلي هذا لو قلده [٧٥/أ] الإمام قضاء بلدٍ علي أن يستخلف عليه ولا ينظر فيه بنفسه، فهذا تقليد مراعاةٍ وليس بتقليد حكم ولا نظرٍ، فإذا قلد من اختاره ثبت ولاية لمختار، ولم يكن لمن اختاره عزله وله الإشراف عليه والمراجعة له، ولو كان الإمام علي من يستخلفه جاز، وكان هذا تقليد تنفيذ وإشراف وليس بتقليد حاكم ولا اختيار. فرع آخر يجوز أن يكون التقليد مقصوراً علي بعض الأيام دون الكل، فيجوز إذا عين علي اليوم الذي يحكم فيه ولا يجوز إن لم يعنيه؛ لا، النظر مقصوراً علي المتحكمين فيه، فوجب تعيين اليوم به الحضور.

стр. 5285

فرع آخر إذا قلده النظر في يوم السبت ففيه ثلاثة أحوالٍ: أحدهما: أن يجعله ناظراً في كل سبتٍ علي ولايته بعد انقضاء السبت، وإن لم يكن له أن ينظر في غيره لبقاء نظره في أمثاله. والحالة الثانية: أن يجعله ناظراً في سبتٍ واحدٍ فينعزل بعد غروب الشمس، وليس له أن يجمع في نظر السبت بين الليل والنهار. والحالة الثالثة: أن يطلق فيحمل علي الخصوص، وهو أول سبتٍ يكون بعد هذا التقليد. ولو لم ينظر فيه لم يجز أن ينظر في غيره. والفرق بين أن يقلده النظر بين اثنين فيحمل أطلاقة علي العموم في كل تنازع يكون بينهما، وبين أن يقلده النظر في يوم السبت فيحمل إطلاقه علي الخصوص في سبتٍ واحدٍ أن الخصمين باقيان يحمل النظر بينهما علي العموم، ويوم السبت ينقضي فيحمل النظر قيه علي الخصوص فرع آخر لو قلد قاضياً أن ينظر في يوم السبت، وقال آخر أن ينظر في يوم الأحد، كان كل واحد منهما مقصور النظر علي يومه. فرع آخر لو تدافع خصمان في يوم السبت إلي قاضيه ولم ينفصل الحكم بينهما فيه حتي رجعا في يوم الأحد، كان قاضي يوم الأحد أحق بالنظر بينهما. فرع آخر لو تنازع اثنان فدعا أحدهما إلي قاضي السبت ودعا الآخر [٧٥/ب] إلي قاضي الأحد، فإن كان تنازعهما في يوم السبت قاضيه أحق بالنظر بينهما، وإن كان تنازعهما في يوم الأحد كان قاضيه أحق بالنظر بينهما، وإن كان تنازعهما في غيرهما من الأيام لم يتراجع قول واحدٍ منهما حتى يستأنف الترافع في أحد اليومين، فيكون ذلك اليوم أحق بالنظر بينهما. فرع آخر لو قلده النظر في شهرٍ من السنة يختص بذلك الشهر ليلاً ونهاراً؛ لأن الشهر يجمعهما. فرع آخر لو قلده النظر في جميع الأحكام تكون ولايته مشتملة علي جميع ما يختص بنظر القضاة، ويشمل عشرة أقسام: أحدها: يثبت الحقوق عند الناكر من ديونٍ في الذمم وأعيان في اليد بعد سماع الدعوي، وسؤال الخصوم وثبوتها يكون من أحد وجهين إقرار أو بينة.

стр. 5286

والثاني: استيفاء الحقوق بعد ثبوتها عند التدافع والتمتع، فإن كانت في الذمة ألزم الخروج منها، وإن كانت أعياناً سلمها إن امتنع من تسليمها. والثالث: النظر في العقود من المناكح والبيوع وغيرها عند الاختلاف فيها، ليحكم باجتهاده في صحتها وفساده، أو ليخالف عليها. والرابع: فصل التشاجر في حقوق الأملاك من الشفعة وحدودها والاستخلاف، والعمل بشواهد الأبنية، فأما مخارج الأبنية والأجنحة في الطرقات ومقاعد الأسواق، فإن جاءه فيها متظلم نظر فيه ودخل في ولايته، وإن لم يأت فيه متظلم دخل في المشيبة وكان المحتسب أحق بالنظر فيه، ثم إن لم يفتقر إلي اجتهاده تفرد المحتسب به، وإن افتقر إلي اجتهاده وكان القاضي أحق بالاجتهاد فيه وأولي من المحتسب، ويكون المحتسب فيه منفذاً لحكم القاضي. والخامس: الولاية علي ألأيامي في المناكح منن أكافئهن عدم أوليائهن أو عضلهم. والسادس: الولاية علي [٧٦/ أ] ذوي الحجر لصغرٍ أو جنون إذا عدم أولياء النسب، أو لسفهٍ يحجر به ويرتفع بإيناس الرشد. والسابع: الحكم بنفقات الأقارب والزوجات والعبيد وتقريرها برأيه واجتهاده. والثامن: النظر في الأوقاف والوصايا إن لم يكن فيها ناظر يتولي ذلك، وإن كان فيها ناظر يراعيها، فإن كانت لمعينين سقط الاجتهاد فيهم، وإن كان للموصوفين تعينوا باجتهاد الناظر قبل الحكم، وباجتهاد القاضي عند الحكم. التاسع: النظر في التعديل والجرح والتقليد والعزل، فيعمل فيه علي اجتهاده سواء وافق فيه اجتهاد من قلده أو خالفه إلا في التقليد والعزل، فيكون اجتهاد من قلده فيه أنفذ. والعاشر: إقامة الحدود علي مستحقيها فيما تعلق بحقوق الآدميين من إقامة حد القذف والقصاص. فأما ما تعلق منها بحقوق الله تعالي المحصنة كحد الزنا وشرب الخمر وتارك الصلاة، فإن تعلق باجتهاد كان القاضي أحق بها لاختصاصه بالاجتهاد في الأحكام، ويأمر أمير البلد باستيفائها، وهو أولي من مباشرتها بنفسه، وعليه أن يعمل بأمره فيها، وإن لم يتعين بالاجتهاد كان الأمير أحق بها لتعلقها بتقويم السلطنة، فإن تعلق بها سماع البينة سمعها القاضي واستوفي الأمير. فرع آخر لو كان أموال الغائبين في بلد قضائه، فإن علموا بها فلا نظر للقاضي فيها لوقوفها علي اختيار أربابها. وإن لم يعلموا بها لأنهم ورثوها وهم لا يعلمون فهي داخلة في نظر القاضي وعليه حفظها حتى يقدموا أو يوكلوا فتخرج حينئذ من نظره.

стр. 5287

فرع آخر هل يتولى القاضي قبض الصدمات وتفريقها في السهمان، فإن قلد الإمام عليها ناظراً كان أحق بها من القاضي. وإن لم يقلد عليها ناظراً ففي استحقاق هذا القاضي بمطلق ولايته النظر [٧٦/أ] فيها؟ وجهان: أحدهما لاستحق؛ لأنها من حقوق الله تعالى فيمن سماه لها. والثاني: له النظر فيها؛ لأنها من حقوق الأموال التي تحمل على اجتهاد الإمام. فرع آخر ليس للقاضي التعرض لأموال الفيء وجهاً واحداً؛ لأن وجوه مصرفها موقوف على اجتهاد الأئمة. فرع آخر الإمامة في صلاة الجمعة والأعياد بل تكون إليه فإن ندب لها إمام كأم أحق بها من القاضي، وإن لم يندب لها إمام ففي اختصاص القاضي بإقامتها وجهان: أحدهما: يقيمها؛ لأنها من حقوق الله تعالى العامة. والثاني لا حق له في إقامتها؛ لأن الأمر بها أخص. فرع آخر لو قلده النظر الخاص يصح، وهو أن يقلده النظر في المدينات دون المناكح، أو الحكم بالإقرار من غير سماع بينٍة، أو في نصابٍ مقدر من المال فيجوز ويختص بما خص. قال أبو عبدا لله الزهري: لم يزل الأمراء عندنا بالبصرة برهةً من الدهر يستقصون على المسجد الجامع قاضياً يسمونه قاضي المسجد يحكم في مائتي درهمٍ وعشرين ديناراً فما دونها، وبفرض النفقات ولا يتعدى بها موضعه ولا ما قدر له. فرع آخر لو قلده النظر في المناكح جاز أن يحكم بما يتعلق بها من صداق وفرض نفقٍة وسكن وكسوة، ويزوج ألأيامي، ولا يحكم بين الزوجين فيما يتعلق بالمدينات، ويجوز أن يحكم بأجره الرضاع، ولا يحكم بنفقة الأولاد ويحكم بنفقة خادم الزوجة ولا يحكم بنفقة خادم الزوج. فرع آخر لو قلده النظر في نصاب مقدر وهو مائتا درهم فنظر فيها بين خصمين جاز أن ينظر بينهما في هذا القدر ثالثةً. فرع آخر لو قلده النظر في مائتي درهم [٧٧/ أ] وكان شريكين أربعمائة درهم يجوز أن ينظر

стр. 5288

فيها، إذا كانت دعوى الشريكين متفرقة، ولا يجوز أن ينظر إذا كانت دعواهما واحدة. فرع آخر لو أراد أن ينظر في عروض قيمتها مائتي درهم جاز تغليباً لحكم التقدير دون الجنس، إلا أن يصرح بالنهي عن النظر في العروض، فلا يجوز حينئذ. واعلم أن صاحب "الحاوي" رحمه الله تعالى ذكر ترتيباً حسناً فقال: ولاية القضاء تشتمل على خمسة شروط؛ مولِّي، ومولَّى، وعمل، ونظرٌ، وعقدٌ. فأما المولِّي ينقسم إلى أصل وفرع، فالأصل الإمام والفرع قاضي الأقاليم. وأما المُولَّى فتقلد القضاء من جهته من فروض الكافيات، ويدخل في فرضه كل من تكاملت فيه شروط القضاء حتى يقوم به أحدهم. وأما العمل فيلزم الإمام أن يعين على البلد الذي تقلده القضاء، ويجوز أن يكون بالتقليد عاماً ومخصوصاً، والمخصوص ينقسم ثلاثة أقسام: أحدهما: أن يكون مقصوراً على قضاء بعض البلد. والثاني: أن يكون التقليد مقصوراً على بعض أهل البلد دون جميعهم. والثالث: أن يكون التقليد مقصوراً على بعض الأيام دون الكل. وأما الرابع وهو النظر فضربان؛ عام وخاص، وما يختص بنظر القضاة عشرة أقسامٍ على ما ذكرناه. وأما الخامس: العقد الذي يصح به التقليد، وهو يشتمل على ثلاثة شروط؛ مقدمة العقد: وصفة العقد ولزوم العقد. فأما الأول أن يكون المولى عارفاً بتكامل شروط القضاء في المولي. وأما صفى العقد معتبر باللفظ مع الحضور، وبالمكاتبة مع الغيبة. وما لزوم العقد: [٧٧/ب] فمعلومٌ وقد ذكرنا تفريعات كل فصل منها مبيناً مشروحاً وبالله التوفيق. مسألة: قَالَ: " وَأَحبّ لِلقَاضِي أَنْ يَجْلِسَ فِي مَوْضِعٍ بَارِزٍ للنَّاسِ وَلاَ يَكُونُ دُونَهُ حِجَابٌ". الفصل إنما استحب الشافعي ﵁ للقاضي أن يجلس في موضع فسيح ظاهرٍ، إما رحباً أو غير ذلك ليكون في موضع ظاهرٍ يراه الخاص والعام، والقاطن والغريب، كان فسيحاً واسعاً ترتاح النفوس ولا يسرع فيه الملك، وفي بعض النسخ "بارزاً للناس" بالنصب، فقوله "بارز" بالخفض صفة للموضع، وبالنصب صفة للقاضي في ظهوره من غير إذن.

стр. 5289

قال أصحابنا: ولا يجلس في بيته وإن أذن عليه؛ لأنه ليس ببارز، ويقع فيه الحجاب ولا يعرف من جاء إليه بجلوسه، ولاسيما إذا كان غريباً. قال أصحابنا: وإذا كان بارزاً لا يحتاج مع البروز إلي الاستئذان وإذنٍ، ولو نظر بينهم في داره التي لا يدخلها أحد إلا بإذنه جاز ولم يكره إن قل، لما روي عن أم سلمه- ﵂ أنها قالت: اختصم إلي رسول الله ﷺ رجلان من الأنصار في مواريث متقدمٍة فقضي رسول الله ﷺ بينهما في بيتي. وروي أنه كان بين عمرو وأبي كعب- ﵄ منازعة فأتيا زيد ين ثابت في بيته فقضي بينهما، وقال لعمر-﵁: لو أمرتني لجئتك، فقال: في بيته يؤتي الحكم. ولو كثرت المحاكمات [٧٨/ أ] عدل عن النظر في داره التي تحوج إلي الاستئذان إلي المجلس الذي وصفناه بالشرطين المتقدمين، وإن كان حكمه نافذاً في الأحوال كلها ويكره أن يكون له حاجب علي أن يكون وصول المتحكمين إليه موقوفاً علي إذنه؛ لما روى أن النبي ﷺ قال: " من ولي من أمر الناس شيئاً فاحتجب حجبه الله يوم القيامة". وروي أن أبا مريم ألأسدي قدم علي معاوية، فقال له معاوية: ما أقدمك؟ قال حديث سمعته من رسول الله ﷺ يقول: " من ولاه الله من أمر الناس شيئاً فاحتجب عن حاجتهم وخلتهم وفاقتهم احتجب الله يوم القيامة عن حاجته وخلته وفاقته". وروي أن عمر ﵁ قلد سعد بن أبي وقاص ﵁ الكوفة، فقضي فيها زماناً بغير حاجب، ثم اتخذ حاجباً، فعزل عمر- ﵁ حاجبه. ولأنه ربما منع الحاجب ذا ظلامةٍ لهوى، وربما استعجل على الإذن وارتشى. قال أصحابنا: فإن أتخذ حاجباً في غير مجلس الحكم لم يكره له، بل إذا احتجب عن الناس في غير مجلس الحكم وزمانه كان أحفظ لحشمته وأعظم لهيبته فيكون أولي. ومن قال يكره للقاضي اتخاذ الحاجب في زمان الاستقامة وسداد أهله، فأما في زمان الاختلاط والتهارج واستطالة السفهاء والفادغة، فالمستحب له أن يتخذ حاجباً لحفظ هيبته ويمنع من استطالة الخصوم، وبهذا أقول في زماننا هذا. وقال الإقفال: لا يكره ذلك في وقت الحكم ليدفع الزحام عنه، فيكون في الحقيقة مرتباً لا حاجباً، ويكره في الأوقات الأخر؛ لأنه ربما يجئ صاحب حاجةٍ فيدفعه عنه، وهذا حسن.

стр. 5290

فرع آخر لا يكره للأئمة اتخاذ الحُجاب، [٧٨/ ب] بل يستحب لهم؛ لأنهم ينظرون في عموم الأمور، فيحتاجون أن يفردوا لكل نظر وقتاً يحرسه الحجاب عليهم ويمنعوا من دخول أصناف الناس من عير أوقاتهم، وقد روي أنه كان علي باب عمر- ﵁ حاجب يسمي يرفا، فاجتمع علي بابه أبو سفيان وسهيل بن عمرو، وسلمان وبلال، وصهيب، وجماعة من وجوه العرب، فأذن لسلمان وصهيب وبطلاب-﵁ فتعمر وجه أبي سفيان، فقال له سهيل بن عمرو: يا أبا سفيان، إن هؤلاء دعوا ودعيت، فأجابوا وتأخرت، ولئن حسدتهم اليوم علي باب عمر بن الخطاب لأنت عدا أشد حسداً لهم علي باب الجنة. ولأنه لولا الحجاب لما تميز هؤلاء بالسابقة، ولا ترتب الناس بحس فضائلهم وأقدارهم. وحكي أنه استصعب الإذن علي المغيرة بن شعبة في خلوةٍ أرادها مع عمر- ﵁ فرشا يرفا حتى سهل له الإذن عيه، وكان يسأل يرفا أن يجس في الدهليز إذ تعذر عليه الدخول حتى يظن الناس انه وصل حتى تظهر له منزلة الاختصاص بعمر ﵁. وفي مثل هذا يكره الحجاب؛ لأن الحاجب ربما فعل مالا يراه المحتجب، وقد كان الحسن حاجب عثمان، وقنبر حاجب علي ﵃. فرع آخر الشروط المعتبرة في الحجاب نوعان؛ واجب ومستحب، فالواجب ثلاثة؛ العدالة، والعفة، والأمانة. وأما المستحب فخمسة، أن يكون حسن المنظر، جميل المخبر عارفاً بمقادير الناس، بعيداً عن الهوى والعصبية، معتدل الأخلاق بين الشراسة واللين. مسألة: قال: "وأن يكون في غير المسجد لكثرة الغاشية والمشاتمة بين الخصوم، في أرفق الأماكن به وأحرها ألا تسرع ملالته فيه". أعلم أنه يكره للقاضي أن يجعل المسجد مجلساً لقضائه صغر المسجد أو كبر، وهذه كراهته تنزيه لا تحريم، وبه قال عمرين عبد العزيز وسعيد بن المصيب. وقال مالك، والشعبي، وشريحة، وأحمد، وإسحاق: لا يكره بحالٍ. وروي ذلك عن عمر، وعثمان، وعلي ﵃. وعن أبي حنيفة روايتان: إحداهما: أنه يكره. والثانية: أن لا يكره في المسجد الأعظم. وقال ابن أبي ليلي: يستحب له القضاء فيه، لأنه طاعة. واحتجوا بما روي عن
следующие страницы →