Полный текст (7 151 стр.). Показаны 5286–5325 · переход к 5291.
стр. 5286
والثاني: استيفاء الحقوق بعد ثبوتها عند التدافع والتمتع، فإن كانت في الذمة ألزم الخروج منها، وإن كانت أعياناً سلمها إن امتنع من تسليمها.
والثالث: النظر في العقود من المناكح والبيوع وغيرها عند الاختلاف فيها، ليحكم باجتهاده في صحتها وفساده، أو ليخالف عليها.
والرابع: فصل التشاجر في حقوق الأملاك من الشفعة وحدودها والاستخلاف، والعمل بشواهد الأبنية، فأما مخارج الأبنية والأجنحة في الطرقات ومقاعد الأسواق، فإن جاءه فيها متظلم نظر فيه ودخل في ولايته، وإن لم يأت فيه متظلم دخل في المشيبة وكان المحتسب أحق بالنظر فيه، ثم إن لم يفتقر إلي اجتهاده تفرد المحتسب به، وإن افتقر إلي اجتهاده وكان القاضي أحق بالاجتهاد فيه وأولي من المحتسب، ويكون المحتسب فيه منفذاً لحكم القاضي.
والخامس: الولاية علي ألأيامي في المناكح منن أكافئهن عدم أوليائهن أو عضلهم.
والسادس: الولاية علي [٧٦/ أ] ذوي الحجر لصغرٍ أو جنون إذا عدم أولياء النسب، أو لسفهٍ يحجر به ويرتفع بإيناس الرشد.
والسابع: الحكم بنفقات الأقارب والزوجات والعبيد وتقريرها برأيه واجتهاده.
والثامن: النظر في الأوقاف والوصايا إن لم يكن فيها ناظر يتولي ذلك، وإن كان فيها ناظر يراعيها، فإن كانت لمعينين سقط الاجتهاد فيهم، وإن كان للموصوفين تعينوا باجتهاد الناظر قبل الحكم، وباجتهاد القاضي عند الحكم.
التاسع: النظر في التعديل والجرح والتقليد والعزل، فيعمل فيه علي اجتهاده سواء وافق فيه اجتهاد من قلده أو خالفه إلا في التقليد والعزل، فيكون اجتهاد من قلده فيه أنفذ.
والعاشر: إقامة الحدود علي مستحقيها فيما تعلق بحقوق الآدميين من إقامة حد القذف والقصاص.
فأما ما تعلق منها بحقوق الله تعالي المحصنة كحد الزنا وشرب الخمر وتارك الصلاة، فإن تعلق باجتهاد كان القاضي أحق بها لاختصاصه بالاجتهاد في الأحكام، ويأمر أمير البلد باستيفائها، وهو أولي من مباشرتها بنفسه، وعليه أن يعمل بأمره فيها، وإن لم يتعين بالاجتهاد كان الأمير أحق بها لتعلقها بتقويم السلطنة، فإن تعلق بها سماع البينة سمعها القاضي واستوفي الأمير.
فرع آخر
لو كان أموال الغائبين في بلد قضائه، فإن علموا بها فلا نظر للقاضي فيها لوقوفها علي اختيار أربابها. وإن لم يعلموا بها لأنهم ورثوها وهم لا يعلمون فهي داخلة في نظر القاضي وعليه حفظها حتى يقدموا أو يوكلوا فتخرج حينئذ من نظره.
стр. 5287
فرع آخر
هل يتولى القاضي قبض الصدمات وتفريقها في السهمان، فإن قلد الإمام عليها ناظراً كان أحق بها من القاضي. وإن لم يقلد عليها ناظراً ففي استحقاق هذا القاضي بمطلق ولايته النظر [٧٦/أ] فيها؟ وجهان:
أحدهما لاستحق؛ لأنها من حقوق الله تعالى فيمن سماه لها.
والثاني: له النظر فيها؛ لأنها من حقوق الأموال التي تحمل على اجتهاد الإمام.
فرع آخر
ليس للقاضي التعرض لأموال الفيء وجهاً واحداً؛ لأن وجوه مصرفها موقوف على اجتهاد الأئمة.
فرع آخر
الإمامة في صلاة الجمعة والأعياد بل تكون إليه فإن ندب لها إمام كأم أحق بها من القاضي، وإن لم يندب لها إمام ففي اختصاص القاضي بإقامتها وجهان: أحدهما: يقيمها؛ لأنها من حقوق الله تعالى العامة.
والثاني لا حق له في إقامتها؛ لأن الأمر بها أخص.
فرع آخر
لو قلده النظر الخاص يصح، وهو أن يقلده النظر في المدينات دون المناكح، أو الحكم بالإقرار من غير سماع بينٍة، أو في نصابٍ مقدر من المال فيجوز ويختص بما خص.
قال أبو عبدا لله الزهري: لم يزل الأمراء عندنا بالبصرة برهةً من الدهر يستقصون على المسجد الجامع قاضياً يسمونه قاضي المسجد يحكم في مائتي درهمٍ وعشرين ديناراً فما دونها، وبفرض النفقات ولا يتعدى بها موضعه ولا ما قدر له.
فرع آخر
لو قلده النظر في المناكح جاز أن يحكم بما يتعلق بها من صداق وفرض نفقٍة وسكن وكسوة، ويزوج ألأيامي، ولا يحكم بين الزوجين فيما يتعلق بالمدينات، ويجوز أن يحكم بأجره الرضاع، ولا يحكم بنفقة الأولاد ويحكم بنفقة خادم الزوجة ولا يحكم بنفقة خادم الزوج.
فرع آخر
لو قلده النظر في نصاب مقدر وهو مائتا درهم فنظر فيها بين خصمين جاز أن ينظر بينهما في هذا القدر ثالثةً.
فرع آخر
لو قلده النظر في مائتي درهم [٧٧/ أ] وكان شريكين أربعمائة درهم يجوز أن ينظر
стр. 5288
فيها، إذا كانت دعوى الشريكين متفرقة، ولا يجوز أن ينظر إذا كانت دعواهما واحدة.
فرع آخر
لو أراد أن ينظر في عروض قيمتها مائتي درهم جاز تغليباً لحكم التقدير دون الجنس، إلا أن يصرح بالنهي عن النظر في العروض، فلا يجوز حينئذ.
واعلم أن صاحب "الحاوي" رحمه الله تعالى ذكر ترتيباً حسناً فقال: ولاية القضاء تشتمل على خمسة شروط؛ مولِّي، ومولَّى، وعمل، ونظرٌ، وعقدٌ. فأما المولِّي ينقسم إلى أصل وفرع، فالأصل الإمام والفرع قاضي الأقاليم. وأما المُولَّى فتقلد القضاء من جهته من فروض الكافيات، ويدخل في فرضه كل من تكاملت فيه شروط القضاء حتى يقوم به أحدهم.
وأما العمل فيلزم الإمام أن يعين على البلد الذي تقلده القضاء، ويجوز أن يكون بالتقليد عاماً ومخصوصاً، والمخصوص ينقسم ثلاثة أقسام:
أحدهما: أن يكون مقصوراً على قضاء بعض البلد.
والثاني: أن يكون التقليد مقصوراً على بعض أهل البلد دون جميعهم.
والثالث: أن يكون التقليد مقصوراً على بعض الأيام دون الكل.
وأما الرابع وهو النظر فضربان؛ عام وخاص، وما يختص بنظر القضاة عشرة أقسامٍ على ما ذكرناه.
وأما الخامس: العقد الذي يصح به التقليد، وهو يشتمل على ثلاثة شروط؛ مقدمة العقد: وصفة العقد ولزوم العقد.
فأما الأول أن يكون المولى عارفاً بتكامل شروط القضاء في المولي. وأما صفى العقد معتبر باللفظ مع الحضور، وبالمكاتبة مع الغيبة. وما لزوم العقد: [٧٧/ب] فمعلومٌ وقد ذكرنا تفريعات كل فصل منها مبيناً مشروحاً وبالله التوفيق.
مسألة: قَالَ: " وَأَحبّ لِلقَاضِي أَنْ يَجْلِسَ فِي مَوْضِعٍ بَارِزٍ للنَّاسِ وَلاَ يَكُونُ دُونَهُ حِجَابٌ".
الفصل
إنما استحب الشافعي ﵁ للقاضي أن يجلس في موضع فسيح ظاهرٍ، إما رحباً أو غير ذلك ليكون في موضع ظاهرٍ يراه الخاص والعام، والقاطن والغريب، كان فسيحاً واسعاً ترتاح النفوس ولا يسرع فيه الملك، وفي بعض النسخ "بارزاً للناس" بالنصب، فقوله "بارز" بالخفض صفة للموضع، وبالنصب صفة للقاضي في ظهوره من غير إذن.
стр. 5289
قال أصحابنا: ولا يجلس في بيته وإن أذن عليه؛ لأنه ليس ببارز، ويقع فيه الحجاب ولا يعرف من جاء إليه بجلوسه، ولاسيما إذا كان غريباً.
قال أصحابنا: وإذا كان بارزاً لا يحتاج مع البروز إلي الاستئذان وإذنٍ، ولو نظر بينهم في داره التي لا يدخلها أحد إلا بإذنه جاز ولم يكره إن قل، لما روي عن أم سلمه- ﵂ أنها قالت: اختصم إلي رسول الله ﷺ رجلان من الأنصار في مواريث متقدمٍة فقضي رسول الله ﷺ بينهما في بيتي.
وروي أنه كان بين عمرو وأبي كعب- ﵄ منازعة فأتيا زيد ين ثابت في بيته فقضي بينهما، وقال لعمر-﵁: لو أمرتني لجئتك، فقال: في بيته يؤتي الحكم.
ولو كثرت المحاكمات [٧٨/ أ] عدل عن النظر في داره التي تحوج إلي الاستئذان إلي المجلس الذي وصفناه بالشرطين المتقدمين، وإن كان حكمه نافذاً في الأحوال كلها ويكره أن يكون له حاجب علي أن يكون وصول المتحكمين إليه موقوفاً علي إذنه؛ لما روى أن النبي ﷺ قال: " من ولي من أمر الناس شيئاً فاحتجب حجبه الله يوم القيامة". وروي أن أبا مريم ألأسدي قدم علي معاوية، فقال له معاوية: ما أقدمك؟ قال حديث سمعته من رسول الله ﷺ يقول: " من ولاه الله من أمر الناس شيئاً فاحتجب عن حاجتهم وخلتهم وفاقتهم احتجب الله يوم القيامة عن حاجته وخلته وفاقته".
وروي أن عمر ﵁ قلد سعد بن أبي وقاص ﵁ الكوفة، فقضي فيها زماناً بغير حاجب، ثم اتخذ حاجباً، فعزل عمر- ﵁ حاجبه. ولأنه ربما منع الحاجب ذا ظلامةٍ لهوى، وربما استعجل على الإذن وارتشى.
قال أصحابنا: فإن أتخذ حاجباً في غير مجلس الحكم لم يكره له، بل إذا احتجب عن الناس في غير مجلس الحكم وزمانه كان أحفظ لحشمته وأعظم لهيبته فيكون أولي. ومن قال يكره للقاضي اتخاذ الحاجب في زمان الاستقامة وسداد أهله، فأما في زمان الاختلاط والتهارج واستطالة السفهاء والفادغة، فالمستحب له أن يتخذ حاجباً لحفظ هيبته ويمنع من استطالة الخصوم، وبهذا أقول في زماننا هذا.
وقال الإقفال: لا يكره ذلك في وقت الحكم ليدفع الزحام عنه، فيكون في الحقيقة مرتباً لا حاجباً، ويكره في الأوقات الأخر؛ لأنه ربما يجئ صاحب حاجةٍ فيدفعه عنه، وهذا حسن.
стр. 5290
فرع آخر
لا يكره للأئمة اتخاذ الحُجاب، [٧٨/ ب] بل يستحب لهم؛ لأنهم ينظرون في عموم الأمور، فيحتاجون أن يفردوا لكل نظر وقتاً يحرسه الحجاب عليهم ويمنعوا من دخول أصناف الناس من عير أوقاتهم، وقد روي أنه كان علي باب عمر- ﵁ حاجب يسمي يرفا، فاجتمع علي بابه أبو سفيان وسهيل بن عمرو، وسلمان وبلال، وصهيب، وجماعة من وجوه العرب، فأذن لسلمان وصهيب وبطلاب-﵁ فتعمر وجه أبي سفيان، فقال له سهيل بن عمرو: يا أبا سفيان، إن هؤلاء دعوا ودعيت، فأجابوا وتأخرت، ولئن حسدتهم اليوم علي باب عمر بن الخطاب لأنت عدا أشد حسداً لهم علي باب الجنة.
ولأنه لولا الحجاب لما تميز هؤلاء بالسابقة، ولا ترتب الناس بحس فضائلهم وأقدارهم.
وحكي أنه استصعب الإذن علي المغيرة بن شعبة في خلوةٍ أرادها مع عمر- ﵁ فرشا يرفا حتى سهل له الإذن عيه، وكان يسأل يرفا أن يجس في الدهليز إذ تعذر عليه الدخول حتى يظن الناس انه وصل حتى تظهر له منزلة الاختصاص بعمر ﵁.
وفي مثل هذا يكره الحجاب؛ لأن الحاجب ربما فعل مالا يراه المحتجب، وقد كان الحسن حاجب عثمان، وقنبر حاجب علي ﵃.
فرع آخر
الشروط المعتبرة في الحجاب نوعان؛ واجب ومستحب، فالواجب ثلاثة؛ العدالة، والعفة، والأمانة. وأما المستحب فخمسة، أن يكون حسن المنظر، جميل المخبر عارفاً بمقادير الناس، بعيداً عن الهوى والعصبية، معتدل الأخلاق بين الشراسة واللين.
مسألة: قال: "وأن يكون في غير المسجد لكثرة الغاشية والمشاتمة بين الخصوم، في أرفق الأماكن به وأحرها ألا تسرع ملالته فيه".
أعلم أنه يكره للقاضي أن يجعل المسجد مجلساً لقضائه صغر المسجد أو كبر، وهذه كراهته تنزيه لا تحريم، وبه قال عمرين عبد العزيز وسعيد بن المصيب. وقال مالك، والشعبي، وشريحة، وأحمد، وإسحاق: لا يكره بحالٍ. وروي ذلك عن عمر، وعثمان، وعلي ﵃. وعن أبي حنيفة روايتان:
إحداهما: أنه يكره.
والثانية: أن لا يكره في المسجد الأعظم.
وقال ابن أبي ليلي: يستحب له القضاء فيه، لأنه طاعة. واحتجوا بما روي عن
стр. 5291
الشعبي قال: رأيت عمر ﵁ مستنداً إلي القبلة يقضي بين الناس.
ودليلنا ما روي أنر سول الله ﷺ سمع رجلاً ينشد ضالة في المسجد، فقال: "لا وجدها، إنما بنيت المساجد لذكر الله وإقامة الصلاة"، وروى أنه قال: " أيها الناشد غيرك الواجد". وروي أبو هريرة- ﵁ أن النبي ﷺ قال: "من سمع رجلاً ينشد ضالة في المسجد فليقل: لا ردها الله إليك، فإن المساجد لم تبن لهذا". وروي أنس ﵁ في خبر الأعرابي: إنما هي- يعني المساجد- لذكر الله والصلاة، وقراءة القرآن.
ووجه الدليل أن النبي ﷺ منع رفع الصوت لطلب الضالة في المسجد، ونحن نعلم أن رفع الأصوات والخصومات والمهاترات [٧٩/ب] في مجلس القضاء أكثر، فكان بالكراهة أولي. وروى معاذ- ﵁ أن النبي ﷺ قال: "جنبوا مساجدكم صبيانكم ومجانينكم وخصوماتكم، ورفع أصواتكم وسل سيوفكم، وإقامة حدودكم، وجمهروها في الجمع، واتخذوا علي أبواب مساجدكم مطاهر".
وروي أن عمر بن عبد العزيز كتب إلي عبد الحميد بن زيد: لا تقضي في المسجد فإنه يأتيك اليهودي والنصراني والحائض. وروى أنه كتب إلي القاسم بن عبد الرحم بمثل ذلك.
وقال سعيد بن المسيب: لو كان لي من الأمر شيء ما تركت اثنين يختصمان غي المسجد. وأيضا فسبيل الحاكم أن يجلس في موضع يصل إليه الطاهر والخائض، والمجنون، والصغير، والمشترك والمسجد يصان عن ذلك، وربما يتوجه الحد علي رجل فلا يمكن إقامته فيه، ولأن الغالب من المتخاصمين اللغط والتكاذب واللجاجة والشتائم، وينزه المسجد عن ذلك. وأما خبرهم فلا حجة لهم فيه؛ لأنه يحتمل أن يكون عن اتفاق مقع، وقد قال أصحابنا: لو كان في المسجد معتكفاً أو منتظراً للصلاة، فتحاكم اثنان لا يكره بينهما، وقد قضي رسول الله ﷺ والصحابة في المسجد علي هذا الوجه. وهذا لأن حضوره في المسجد لم يكن مقصوراً علي القضاء فيه.
وروي عن الحسن البصري أنه قال: دخلت المسجد فرأيت عثمان ﵁ قد ألقي رداءه ونام، فأتاه سقا بفربةٍ ومعه خصم، فجلس عثمان [٨٠/أ] ﵁ (وقضى) بينهما.
стр. 5292
فرع آخر
قال أصحابنا: لا يكره القضاء في المسجد في حالتين:
إحداهما: ما ذكرنا في موضع الاتفاق من غير قصدٍ.
والثانية: إذا لزم تغليظ الأيمان بالمكان؛ لأن النبي ﷺ غلظ لعان العجلاني في المسجد.
فرع آخر
قال أصحابنا: ولا يكره فيه الجلوس للفتيا وتعلم القرآن والعلم؛ لأنه ليس فيه ما ذكرنا في القضاء.
وأما قول الشافعي ﵁: في أرفق الأماكن به أراد أن يكون في موضع لا يتأذى منه بالشمس والغبار والدخان، والرائحة الكريهة؛ لأن عمر ﵁ كتب إلى أبي موسى ﵁: إياك والغضب والقلق والضجر، وهذه الأشياء تفضي إلى الضجر، وتمنع الحاكم من التوفر على الاجتهاد، وتمنع الخصوم من استيفاء الحجة، فإن حكم مع هذه الأحوال صح حكمه كما يصح إذا حكم في حال الغضب مع النهي الوارد فيه، وهكذا لا يجلس في موضع ضيق لا تصل إليه العجوز والشيخ والضعيف. وقيل: أراد به أن يكون الموضع إن احتاج فيه إلى البول والغائط قدر عليه، وإن عطش شرب الماء فيه، وإن جاع أكل فيه الطعام؛ لأنها أحوال لا يستغني القاضي عنها.
وقال بعض أصحابنا: يبني له دكة عظيمة في ساحة واسعة، وإن كان على باب داره دكة واسعة يجلس عليها، أو جلس في دهليز داره مفتوح الباب وكان واسعًا يراه الناس كان حسنًا. وقال بعض أصحابنا بخراسان: توطأ له فرشة ويجعل له متكأ ويوضع له وسادة ليكون أرفق به وأحبب له عند الحضور حتى لا يمل.
مسألة: قَالَ: "وَأَنَا لإِقَامَةِ الحَدِّ فِي المَسْجِدِ أَكْرَهُ".
إنما قال ذلك لما روى ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ [٨٠/ ب] قال: "لا تقام الحدود في المساجد" وروى حكيم بن حزام أن النبي ﷺ : نهى أن تقام الحدود في المساجد، وأن يستقاد فيها.
وروى أن عمر ﵁ أُتي برجل في شيء فقال: أخرجاه من المسجد واضرباه. وروي أن عليًا ﵁ أُتي بسارق في المسجد فقال: يا قنبر، أخرجه من المسجد واقطع يده.
стр. 5293
وحكي عن أبي حنيفة أنه قال: لا يكره إقامة الحدود في المسجد؛ لأنها أشهر نكالًا وأبلغ زجرًا، وأنها من حقوق الله تعالى، وهذا لا يصح لما ذكرنا. ولأنه إذا أقيم عليه الحد ربما يبول أو يتقاطر منه دم فيتلوث به المسجد، فلهذا كانت الكراهية فيه، وإن كان في إقامته تلويث المسجد مثل قطع اليد في السرقة ونحوه يحرم في المسجد.
فرع آخر
إذا سار القاضي إلى مجلسه سلم في الطريق على من يراه؛ لأن السنة أن يسلم الراكب على الماشي، والسائر على الجالس، والقليل على الكثير. وروي أن النبي ﷺ قال: "ألا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم، أفشوا السلام بينكم".
فرع آخر
إذا دخل مجلسه سلم على القوم، وكذلك يفعل الخصمان إذا وصلا إليه، ويرد القاضي جواب السلام، فإن عطس القاضي شمتاه أو أحدهما، وإن عطس أحدهما شمته القاضي أو صاحبه.
فرع آخر
يصلي عند التأهب للجلوس ركعتين، فإن جلوسه في المسجد كانت الصلاة تحية تجوز في أوقات النهي، وإن كانت في غير المسجد لا يصليها في أوقات النهي.
فرع آخر
إذا فرغ من الركعتين دعا الله تعالى بالتوفيق والعصمة والتسديد، ويستحب أن يدعو بما روت أم سلمة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ إذا خرج من بيته يقول: "اللهم إني أعوذ بك أن أزل أو أُزل، أو أضل، أو أضل، أو أظلم أو أُظلم، أو أجهل [٨١/ أ] أو يُجهل عليَّ".
وروي أن الشعبي كان يقولهن ويزيد عليهن: أو أعتدي أو يُعتدى عليَّ، اللهم أعنِّي بالعلم، وزيني بالحلم، وأكرمني بالتقوى حتى لا أنطق إلا بالحق، ولا أقضي إلا بالعدل.
فرع آخر
قال بعض أصحابنا: يستحب أن يقول هذا إذا جلس للحكم، ثم يشرع في نظره بعد استقبال القبلة، لا سيما إذا كان في المسجد؛ لأن النبي ﷺ قال: "خير المجالس ما استقبل به القبلة".
стр. 5294
فرع آخر
قال ابن أبي أحمد: ولا يتكئ في مجلسه لما روى عمرو بن الشريد، عن أبيه، أن النبي ﷺ رجلًا جالسًا وقد اتكأ على يده اليسرى، فقال: "هذه جلسة المغضوب عليهم"، فأنكر الاتكاء.
فرع آخر
قال: ويجمع الفقهاء فيجلسهم عن يمينه وشماله حتى يسمعوا كلامه وكلام الخصمين، ويرفع مجالسهم وينزلهم على قدر منازلهم من العلم والنهي، ويكون على رأسه مُحضر يقدم الخصوم ويؤخرهم، ويكون ثقةً أمينًا لئلا يميل مع بعض الخصوم.
مسألة: قَالَ: "وَمَعْقُولٌ فِي قَوْلِ رَسُولِ اللهِ ﷺ : لَا يَحْكُمُ الحَاكِمُ وَلَا يَقْضِي القَاضِيَ بَيْنَ اثْنَيْنِ وَهُوَ غَضْبَانُ".
جملة هذا أن يكره للقاضي أن يقضي في حال الغضب، لما روى عبد الرحمن بن أبي بكرة، أن النبي ﷺ قال: "لا يقضي القاضي بين اثنين وهو غضبان". وروي أن أبا بكرة ﵁ كتب إلى ابنه وهو على سجستان: أن لا تقضي بين اثنين وأنت غضبان، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول .... وذكر الخبر.
وروى أبو سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ قال: "لا يقضي القاضي إلا وهو شبعان ريان".
وروي أن النبي ﷺ قال: "لا يقضي القاضي [٨١/ ب] وهو غضبان مهموم، ولا مصاب محزون، ولا يقضي وهو جائع"، فإن الغضب يفسِد عقله وفهمه وخلقه، فيشوش اجتهاده وخاطره، وقد أمر الله تعالى بالتأني والتثبت في الأحكام. وقال أنس ﵁: قال رسول الله ﷺ : "التأني من الله، والعجلة من الشيطان".
وروى ابن عباس -رضي الله عهما- أن النبي ﷺ قال: "إذا تأنيت أصبت أو كدت تصيب، وإذا استعجلت أخطأت أو كدت تخطئ".
وقال أبو هريرة ﵁: قال رجلٍ للنبي ﷺ : أوصني، فقال: "لا
стр. 5295
تغضب". وروي أن شريحًا كان إذا جاع أو غضب قام فلم يقض.
وروي عن زياد بن أبي السكن أنه قال: دخلت على الشعبي عند طلوع الشمس وهو يأكل فقال: آخذ حلمي قبل الخروج إلى القضاء. وروي أنه كان يأكل قبل الفجر، فقيل له في ذلك فقال: آخذ حلمي ثم أخرج فأقضي بين الناس.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: هذا إذا غضب لنفسه، فإن غضب لحق الله تعالى فلا بأس أن يقضي في تلك الحالة؛ لما روي أن الزبير بن العوام ﵁ لما خاصم جارًا له في الماء، وقال له رسول الله ﷺ : "اسق زرعك ثم أرسل الماء إلى جارك" لوى خصمه شدقه، وقال: إن كان ابن عمتك، فغضب رسول الله ﷺ حتى احمرت وجنتاه، ثم قال للزبير: "احبس الماء حتى يبلغ الجدر" فقضي عليه في حال الغضب، وهذا غريب.
قال الشافعي ﵁: "وكل شيء يحدث في الإنسان ما يغير فهمه وخُلقه كالجوع الشديد والعطش، والفرح الشديد، [٨٢/ أ] والحر المزعج والبرد المؤلم، والغم الشديد، وكان يدافع الأخبثين، أو حضره العشاء ونفسه تتوق إليه، أو غلبة النعاس، فكل هذا في معنى الغضب فلا يقضي في هذه الأحوال، ولكن لو قضى فيها نفذ".
مسألة: قَالَ: "وَأَكْرَهُ لَهُ البَيْعَ وَالشِّرَاءَ خَوْفَ المُحَابَاةِ".
اعلم أنه يكره للقاضي أن يتولى البيع والشراء بنفسه؛ لأنه ربما يبتاع منه بنقصان أو يشتري منه بزيادةٍ، وذلك يجري مجرى الهبة والهدية، ويطلب بها الميل عند الحكم، وذلك محرم على القاضي.
وقال في "الأم": في مجلس الحكم أكره له هذا؛ لأن في مجلس الحكم علتين:
إحديهما: ما ذكرنا
والثانية: اشتغال قلبه. وفي غير مجلس الحكم علة واحدة، فتكون الكراهة أشد في مجلس الحكم.
فرع
قال: ويجوز أن يوكل إلى غيره ذلك، ولكن ينبغي أن يكون ذلك الوكيل منسوبًا.
فرع
قالَ: ويجوز أن يوكل إلى غيره ذلك، ولكن ينبغي أن يكون ذلك الوكيل منسوبًا إليه معروفًا به؛ لأن المحاباة تحصل كما تحصل لو باشر القاضي بنفسه، وإنما لا تحصل
стр. 5296
المحاباة إذا لم يعلم من بايعه أنه وكيل القاضي.
فرع آخر
قال في "الأم": "ولو اشترى أو باع لم أنقص البيع ولا الشراء لأنه ليس بمحرم".
وحكي عن أبي حنيفة ﵀ أنه قال: لا يكره له تولي البيع والشراء بنفسه، ودليلنا قوله ﷺ : "ما عدل والٍ اتجر في رعيته أبدًا".
وقال شريح: شرط عليَّ عمر ﵁ حين ولاني القضاء ألا أبيع ولا أبتاع، ولا أرتشي، ولا أقضي وأنا غضبان.
فإن قيل: أليس كان رسول الله ﷺ يبيع ويشتري؟ قيل: لأن الله تعالى نزه رسول ﷺ عما يتوجه إلى غيره من التهمة، فقال: "وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ" [التكوير: ٢٤]، أي بمتهمٍ، ولأنه ما فعل بعد النبوة إلا نادرًا قصد بها بنيان الأحكام. [٨٢/ ب].
فرع آخر
إذا لم يجد بدًا من مباشرة البيع والشراء وقد احتكم إليه، اخترنا له أن لا ينظر في حكومته بنفسه ويستخلف من ينظر فيها حتى لا يتهم، فإنه وإن حكم بالحق فإنه لا يؤمن أن يكون قلبه أميل إليه من خصمه إن باشره، أو إلى خصمه إن عاشره.
مسألة: قَالَ: "وَلَا أُحِبُّ أَنْ يَتَخَلَّفَ عَنِ الوَلِيمَةِ".
الفصل
اعلم أن إجابة الداعي إلى الوليمة واجبة على غير القاضي على ما تقدم بنيانه، فأما على القاضي قال بعض أصحابنا: إنها واجبة إلا أن يحللوه؛ لأن الشافعي ﵁ قال: "ولا أحب أن يتخلف عن الوليمة"، أو إما أن يجيب كلًا أو يترك كلًا فلم يجعلها واجبة، بل جعلها مستحبةً، وهذا لأنه أجير المسلمين، وفي مروره إلى الولائم ربما يحصل الضرر بالخصوم، فإنه لا يدري متى يتحاكم إليه، فأزيل عنه الوجوب وبقي الاستحباب.
ومن أصحابنا من قال: في الأئمة والقضاة ثلاثة أوجهٍ:
أحدهما: أنه كغيرهم.
والثاني: لا يلزمهم الإجابة لاختصاصهم بمصالح المسلمين، وبه قال ابن أبي هريرة.
والثالث: إن كان مرتزقًا لا يحضر، لأنه أجير المسلمين، وإن لم يكن مرتزقًا يلزمه الإجابة.
فتكون الإجابة على الوجه الأول فرضًا يأثم بتركها، وعلى الوجه الثاني الإجابة مستحبة يكره تركها، وعلى الوجه الثالث الإجابة مفضلة باعتبار حاله في الارتزاق والتطوع.
стр. 5297
فرع
قال أصحابنا: وإن كان إذا حضر الولائم كلها انقطع النظر بين الخصوم، أو يؤدي إلى البذلة لزمه النظر وترك الإجابة إلى الولائم؛ لأن الاشتغال بما أخذ عليه الجعل أولى من الاشتغال بغيره.
فرع آخر
قال: إن للقاضي هذا في الوليمة خاصة دون سائر الدعوات، فإنه لا يستجيب في سائر الدعوات ما يستجيب في الوليمة؛ لأنها دعوة مسنونة فأكد الأمر في إجابتها. [٨٣/ أ] فرع: إذا أراد الإجابة ينبغي أن يجيب الكل بحيث لا ينل بالقضاء، فيكون قد فعل المستحب، ولا ينبغي أن يجيب البعض دون البعض، بل إذا لم يكن إلا ذلك ترك الكل. والأولى في زماننا هذا أن لا يجيب واحدًا؛ لأن السرائر قد خبثت والظنون قد تغيرت، ولكنه يعتذر إليهم ويسألهم التحليل، وهذا على سبيل الاستحباب والاحتياط، ولأنه إذا أجاب البعض يحمل ذلك على الميل إلى قومٍ دون قومٍ وذلك لا يجوز.
فرع
قال القفال: وإنما يجيب داعيًا لم يقع له خصومة، فأما إذا دعاه أحد الخصمين لا يجيب كما لا يقبل هديته بحالٍ؛ لأن الخصم الآخر ربما لا يمكنه اتخاذ دعوة فينكسر قلبه بحضور القاضي دعوة الخصم. قال: وعلى هذا إذا سلم عليه خصمان لم يخص أحدهما بالجواب، بل يجيبهما أو يدعوهما. وإفشاء السلام أولى غير أن تركه جائز؛ لأنه أهيب وأحرى أن لا يستأنس به الخصوم. قال: وقيل: إذا سلم عليه أحد الخصمين أمر للآخر أن يسلم أيضًا ثم يجيبهما، وإنما يأمر غيره بذلك إذ لا يحسن أن يقول هو بنفسه سلم عليَّ.
وقال بعض أصحابنا: إذا حضر الخصوم تسقط عنهم سُنة السلام، فإن سلما جميعًا رد القاضي عليهما، وإن سلم أحدهما ففيه ثلاثة أوجهٍ؛ أحدهما: يرد عليه في الحال.
والثاني: يرد عليه بعد الحكم بينهما.
والثالث: يرد في الحال عليهما.
ومن أصحابنا من قال: لا يرد عليهم القاضي جواب السلام أصلًا؛ لأنهم أوقعوا السلام في غير موقعه فلا يستحقون الرد عليهم.
فرع آخر
المرتزق إذا حضر الوليمة فإن قل زمان حضوره فيها كاليوم أو ما قاربه لم يلزم رد شيء من رزقه، وإن طال، وأقل زمان طوله ثلاثة أيام، رد من رزقه بقسط ما أخل بنظره. ذكر في "الحاوي".
стр. 5298
مسألة: قَالَ: "ويَعُودُ [٨٣/ ب] المَرضي، وَيَشْهَدُ الجَنَائِزَ، وَيَاتِي مَقْدَمَ الغَائِبِ". يستحب له أن يفعل كل ذلك لما روى أن رسول الله ﷺ عاد غلامًا يهوديًا في جواره وعرض عليه الإسلام فأسلم.
ويحضر كلها إن تيسر بخلاف الولائم؛ لأنها لا تطول والولائم تطول، فله أن يفعل البعض دون البعض. قال أبو إسحاق: ويخص بذلك من عرفه وقرب منه، والفرق بين هذا وبين حضور الولائم أن حضورها حق الداعي؛ لأنه ينفق ويتكلف الناس بحضوره إكرامًا له، وليس كذلك عيادة المريض وحضور الجنائز؛ لأن ذلك من أعمال البر والطاعة يقصد بها وجه الله تعالى والثواب.
وأيضًا فإن عيادة المرضي والجنائز تكثر وفي حضورها كلها مشقة شديدة، وانقطاع عما عليه من النظر لامتدادها بخلاف الولائم في الغالب، فيحضرها متى قدر، ولا يجوز أن يحضر بينهم.
وأما زيارة القادم فإن شاء زار البعض، وإن شاء تركها وليس عليه زيارة جميع القادمين؛ لأن ذلك مما يكثر ولا ينبغي أن يعتاد الزورات في البلد لهذه الأمور؛ لأن فيه ابتذالًا وتضييعًا للقضاء.
وقال ابن المرزبان: سمعت القاضي أبا حمدٍ يقول: الصحيح أن يعود الكل أو يترك الكل، وكذلك في الجنائز ومقدم الغائب، وهذا خلاف ما قاله سائر أصحابنا. والشافعي ﵁ ذكر ذلك في إجابة الوليمة دون غيرها، فلا يصح هذا القول.
فرع
إن جاءَه الخصمان بدأ بهما قبل صلاة الجنازة؛ لأن ذلك فرض على الكفاية والقضاء فرض على عينه.
فرع آخر
قال الشافعي ﵁: يجوز للقاضي اتخاذ السحن لما روي أن رسول الله ﷺ حبس رجلًا في تهمةٍ يومًا وليلةً. وروي أن عمر ﵁[٨٤/ أ] اشترى دارًا بمكة بأربعة آلاف درهم وجعلها سجنًا.
وروي أن عمر ﵁ حبس الحُطيئة الشاعر فقال:
مَاذَا تَقُولُ لأَفْرَاخ بِذِي مَرَخٍ زُغْبِ الحَوَاصِلِ لا ماءٌ وَلَا شَجَرُ
أَلْقَيْتَ كَاسِبهُمْ فِي قَعْرِ مظلمةٍ فَارْحَمْ عَليكَ سَلَامُ اللهِ يا عُمَرُ
стр. 5299
فخلاه وحبس آخر فقال:
يا عمر الفاروق طال حبسي ومرَّ مني إخوتي وعرسي
في حدث لم تقترفه نفسي إلا مراء ضوى من شعاع الشمس
وروي أن عليًّا ﵁ بنى سجنًا. ولأنه يحتاج إليه للتأديب ولاستيفاء الحقوق من المماطل بالدين.
فرع آخر
قال بعض أصحابنا: يستحب أن يتخذ درة يؤدب بها من استجوب التأديب، ويرهب بها السفيه؛ لما روي أن عمر ﵁ اتخذ درة يؤدب بها.
وروى أنس بن مالك ﵁ أن عمر بن الخطاب ﵁ ضرب مملوكةً بالدرة، وقال: اكشفي قناعك. وروي أن عمر ﵁ رأى زيد بن خالد الجهني ركع ركعتين بعد العصر، فمشى إليه حتى ضربه بالدرة. وروي أن عمر ﵁ كتب إلى أبي موسى ﵁: إذا رأيت الخصم يتعمد الظلم فأوجع رأسه.
فرع آخر
قد ذكرنا أنه ينبغي أن يكون على رأس القاضي رجل ينادي هل من خصمٍ ويقدم الأول فالأول. قال ابن المنذر: ويستحب أن يكون خادم من أجل النساء اللواتي يتقدمن إلى القاضي. وروي عن الشعبي أنه كان يقضي وعلى رأسه رجل ينادي هل من خصمٍ.
فرع آخر
قد ذكرنا أنه يجمع الفقهاء وقت القضاء، وقيل: يستحب أن يستحضرهم من كل مذهب ويستشيرهم فيما يشكل عليه، ثم إن شاء جمعهم في مجلس حكمه، وإن شاء أقعدهم [٨٤/ ب] ناحيةً حتى يستدعيهم إذا احتاج إليهم، وإذا حضروه لا يردون عليه إلا ما خالف نص الكتاب أو السنة أو الإجماع أو القياس الذي لا يحتمل إلا معنًى واحدًا، إلا أن يسألهم عن ذلك فيجيبون.
وينبغي أن يكون عنده شاهدان عدلان حتى إن احتاج يشهدهما فيتحملان الشهادة على ما يجري فإن في حكم القاضي بعلمه خلافًا بين العلماء فيخرج بذلك من الخلاف، ويجوز أن يقعدهما ناحيةً إذا قلنا يقضي القاضي بعلمه؛ لأن أكثر ما فيه أن يقر بعض الخصوم ثم جحد فيحكم بعلمه، ويجب أن يقعدهما بحضرته إذا قلنا لا يقضي القاضي بعلمه، حتى إن جحد الخصم بعد الإقرار شهدا به.
فرع آخر
ينبغي أن يكون القاضي مطرقًا رأسه عند دخول جميع المتنازعين عليه من شريفٍ
стр. 5300
ومشروفٍ، ويراعي الوقار فلا يبدأ أحدًا بكلامٍ أو سلامٍ أو إكرامٍ.
وحكي أن المهدي أمير المؤمنين تقدم مع خصوم له إلى مجلس عبيد الله العنبري قاضي البصرة، فلما رآه القاضي مقبلًا أطرق إلى الأرض حتى جلس مع خصومه مجلس المتحاكمين، فلما انفضت الخصومة قام القاضي فوقف بين يديه، فقال المهدي: والله لو قمت حين دخلت عليك لعزلتك، ولو لم تقم حين انقضى الحكم لعزلتك. وهذا لأن قيامه قبل الحكم ميل، وترك قيامه له بعد الحكم تركًا لحق الإمام، فيكون العزل الأول مستحقًا والعزل الثاني أدبًا.
فرع آخر
ينبغي أن يبعد مجالس الخصوم منه ليكون أبلغ في الهيبة، وأيضًا لا يسبق إليه تهمة أن يشير إلى أحدهما بخلاف الحق، ويكون البساط الذي يجلس عليه متميزًا عن بساط الخصوم حتى يكون أهيب له.
فرع آخر
ينبغي أن لا يحضر مجلسه مع الخصوم إلا من له بالحكم تعلقٌ، [٨٥/ أ] فإننا نستحب ألا يخلو مجلس الحكم من شهودٍ وفقهاءٍ، أما الشهود فليشهدوا بما جرى فيه، وأما الفقهاء للمشاورة على ما ذكرنا. ويمنع أن يحضر مع الخصم من ليس بوكيل له في المخاصمة.
فرع آخر
قال بعض أصحابنا: يستحب أن يسوي بينهما في مقعدهما والنظر إليهما وكلامه لهما، ولا يخص أحدهما بترتيب ولا نظرٍ ولا كلامٍ، وليكن جلوس الخصوم بين يديه جثيًا على الركب، ليتميز عن جلوس غيرهم فيكون أهيب. وينبغي أن يكون كلام الخصوم مقصورًا على الدعوى والجواب، وكلام القاضي مقصورًا على المسألة والحكم.
وقال في "الحاوي": ينبغي أن يميز مجلس الحكم من غيره من خمسة أوجهٍ:
أحدها: فضل وقار القاضي، فلا يبدأ بكلامٍ أو سلامٍ، ويطرق رأسه على ما ذكرنا.
والثاني: أن يبعد مجلس الخصوم عنه.
والثالث: ألا يحضر مع الخصوم إلا من له تعلق بالحكم.
والرابع: أن يسوى بينهما على ما ذكرنا.
والخامس: أن يكون كلامهم مقصورًا على الدعوى والجواب كما ذكرنا.
فرع آخر
إذا أراد القاضي أن ينظر في الأمور عند جلوسه للقضاء، فأول ما يبدأ بالنظر فيه أمر
стр. 5301
المحبوسين، فيتصفح عن أحوالهم، ولا يحتاج فيه إلى متظلم إليه لعجز المحبوس عن التظلم، وهذا لأن الحبس عذاب، فهم أهل بالنظر فيه من غيرهم.
فرع آخر
إذا بدأ بهم ينفذ إلى الحبس رجلين من إمائه حتى يكتب اسم من حبس له، وبأي شيء حبس. وقال بعض أصحابنا: [٨٥/ ب] ينفذ إلى الحبس ثقةً أمينًا ومعه شاهدا عدلٍ، وقيل: يبعث بثقةٍ ولا يعتبر العدد، وعندي الاحتياط في العدد ولكن يجوز أن يقتصر على واحدٍ؛ لأن طريقه الخبر.
فرع آخر
إذا أراد الأمين أن يكتب أسماءهم يقدم بالقرعة من خرجت عليه القرعة، وإذا حمل المكتوب إلى القاضي، ثم ينادي في الناس ثلاثة أيام إن كان البلد كبيرًا، أو يومًا واحدًا إن كان البلد صغيرًا، أن القاضي يبدأ بالنظر في أمر المحبوسين، فمن كان له على محبوسٍ حق فليحضر في يوم كذا. وقيل: ينادي هكذا أولًا ثم يبعث ثقةً مع شاهدين ليكتب اسم المحبوسين، ولا بأس بهذا عندي.
فرع آخر
إذا اجتمعوا أقرع بين المحبوسين فيمن يقدمه في النظر، ولا يقرع بين الخصوم؛ لأن نظرهُ للمحبوسين على خصومهم، ثم إذا أقرع أحدهم أمر بإخراجه وينادي بإحضار خصمه، ولا يفتقر إخراج المحبوس إلى إذن خصمه؛ لأنه يخرج في حقه لا في حق حبسه. وقيل: إذا استبين خصم المحبوس الذي خرجت عليه القرعة وجههُ القاضي مع أمينه إلى الحبس حتى يأخذ بيد خصمه ويأتي به إلى مجلس الحكم.
فرع آخر
لو كان الحبس بعيدًا أخرج بالقرعة جميع من يقدر على النظر بينهم في يومه قبل شروعه في النظر. فإذا تكاملوا بدأ بالنظر في أمر الأسبق بالقرعة السابقة ولا يستأنف قرعة ثانية، وإن كان الحبس قريبًا من مجلس الحكم لم يخرج منه ثانيًا إلا بعد فراغه من النظر في أمر الأول؛ [٨٦/ أ] لأن المقصود اتصال نظره، ولا يتصل مع البعد إلا بإخراج كلهم، ويتصل مع القرب بإخراج واحدٍ.
فرع آخر
إذا تقدم المحبوس إليه سأله عن سبب حبسه، ولا يقتصر على السؤال الأول في الحبس وعارضه به، فإن اتفق جوابه عمل عليه، وإن اختلف جوابه عمل على أغلظ الأمرين من الأول والثاني، فإن ثبت في ديوان الحكم سبب حبسه قابله بما قال في الأول والثاني وعمل على أغلظ الثلاثة.
فرع آخر
إذا استقر العمل بأحد الأمور كان له فيما يذكره من سبب حبسه خمسة أحوال:
стр. 5302
أحدها: أن يقول: حبسني تعزيرًا في اللدد كان مني ولم يحبسني خصم، فقد استوفي حق التعزير بعزل الأول، وأن يستكمل مدة حبسه مع بقاء نظر الأول؛ لأن القاضي الثاني لا يعزر لذنبٍ كان مع غيره، ولم يطلقه لجواز أن يكون له خصم لم يذكره حتى ينادي أيامًا بأن القاضي قد رأى إطلاق فلانٍ من حبسه، فإن كان له خصم قد حبس له فليحضر، فإذا مضت ثلاثة أيام ولم يحضر له خصم أطلقه بعد إطلاقه أنه ما حبس بحق خصمٍ.
والحالة الثانية: أن يقول: شهد الشهود عليَّ بحقٍ له ولكن لم تثبت عدالتهم فحبسني لتعديلهم، فاختلف أصحابنا في جواز الحبس لاستكشاف حال الشهود، فقال أبو إسحاق: يجوز؛ لأن الخصم قد أتى بما عليه، وإنما بقي الاستكشاف الذي إلى الحاكم. وقال الإصطخري: لا يجوز ذلك؛ لأنه ربما لا يعد لأن يكون حبسًا بحقٍ.
فإن قلنا بقول أبي إسحاق يرد إلى الحبس حتى يسأل عن أحوال الشهود. وإن قلنا بقول الإصطخري عليه بتكامل البينة بالعدد والصفة.
وقال بعض أصحابنا: إن قلنا بقول الإصطخري وكان القاضي قال: حكمت بحبسه لزوم حبسه [٨٦/ ب] باجتهاده، ولا يجوز إطلاقه، وإن لم يقل حكمت وجب إطلاقه، ولكن لا يعجل بإطلاقه حتى ينادي في الناس ثلاثة أيام على ما ذكرنا.
والحالة الثالثة: أن يقول: حبسني تعديًا بغير حقٍ ولغير خصم فقد ادعى ما يخالف الظاهر من أحوال القضاة، وحبسه حكم فلا ينقص إلا بتعيين الفساد، وعمل على بينةٍ إن كانت، فإن شهدت أنه حبس بحقٍ عزر في جرحه للقاضي الذي حبسه، وإن شهدت أنه حبس بظلم نادى ثلاثًا في حضور خصمٍ إن كان له ثم أطلق بعد ثلاثٍ إن لم يحضر، وإن لم تقم بينة بأحد أمرين لزم بأن ينادي ثلاثًا على ما ذكرنا، فإن لم يظهر له خصم خلاه ولا يخليه حتى يحلفه أنه لا خصم له؛ لأن دعواه تخالف الظاهر هنا هذا بخلاف المسألة قبلها. وقال في "الحاوي": يعيده إلى حبسه ويكشف عن حاله حتى ييأس القاضي بعد الكشف من ظهور حق عليه، وطالبه بكفيل بنفسه ثم أطلقه.
فإن قيل: الكفالة بالنفس لا تصح إلا ممن يثبت عليه حق. قيل: الحبس من جملة الحقوق، فإن عدم كفيلًا استظهر في بقاء حبسه على طلب كفيلٍ ثم أطلقه عند إعوازه، بينهما، وإن أنكر قيل: أنت مدعي ابتداءً فحكم أو أقم البينة أنه كان محبوسًا بدينك وإلا حبسناه.
والحالة الرابعة: أن يقول: حبسني الخصم بما لا يستحق بإراقة خمرٍ وقتل خنزير، فإن كان الخصم مسلمًا يطلقه، وإن كان الخصم ذميًا، فإن كان القاضي شفعويًا لا يرى وجوب غرمه كان حكمه باطلًا، وصار القاضي الثاني هو الحاكم، فإن كان شفعويًا
стр. 5303
أيضًا لا يرى وجوب الغرم حكم بإطلاقه، وإن كان حنيفًا حكم بمذهبه حكم يحبسه إن امتنع، وإن كان [٨٧/ أ] القاضي الأول حنفيًا يرى وجوب الغرم، فإن كان رأى القاضي مثل رأيه كان المحبوس على حبسه، وإن كان مخالفًا له لم ينتقض حكم الأول لنفوذه عن اجتهادٍ سائغ، وهل يجب إمضاؤه على الثاني؟ فيه قولان: أحدهما: يلزمه إمضاؤه؛ لأن اجتهاده انتقض بالاجتهاد.
والثاني: لا يلزمه إمضاؤه لبطلانه عنده، ويعيده إلى حبسه من غير أن يلزمه القضاء؛ لأنه لا يراه ولا يطلقه لأنه لا ينقض الحكم به وأقره فيه حتى يصطلحوا.
والحالة الخامسة: أن يقول: حبسني لخصم بحقٍ، فيسأل عن خصمه وعن الحق الذي حبس به، فإذا حضر وطالب فإن كان من حقوق الأبدان كالقصاص، فالحبس به غير مستحق؛ لأن تعجيل استيفائه منه ممكن وإن كان مالًا، فإن كان عينًا فإن استحقه بعقدٍ حكم فيه بما يوجب العقد من إقباض الثمن وتسليمه، وإن استحقه بغير عقدٍ كالمغضوب، فإن ثبت قبضها ببينةٍ حكم القاضي بتسليمها، وإن ثبت بإقراره رفع يده عنها، ولم يمنع المدعي منها ولم يحكم له بتسليمها لجواز أن تكون لغيره، وإن كان مالًا في الذمة أمره بقضائه إن كان مليًّا، وإن ادعى عسرة نظر في سبب الاستحقاق، فإن كان عن مقابلة مالٍ لم يقبل إلا بعد الكشف، وإن كان في غير مالٍ قبل قوله في العسرة مع يمينه، ووجب إطلاقه بها بعد النداء عليه، يقال: ألا إن فلان ابن فلان يُخلى، فإن كان له خصم آخر فليحضر، وهذا لجواز أن يكون له خصم آخر.
ولو أقام صاحب الدَّين البينة على أن للمحبوس مالًا، فإن لم يعين المال لم تسمع الشهادة للجهل بها، وإن عين المال بأن له هذه الدار، [٨٧/ ب] سُئل المحبوس، فإن اعترف بها حكم بقضاء الدين منها، ولو امتنع باعها عليه وقضى عنه دينه، وإن أنكرها فإن لم يقرّ بها لغيره لا يؤثر إنكاره وتباع عليه، وإن أقرّ بها لغيره فإن أحاله على إنسانٍ مجهول لا يعرفه بيعت عليه ولا يتوقف، وإن أحاله على معلوم وقال: هي لزيدٍ، سُئل زيد فإن أنكرها بيعت عليه ووكل القاضي عنه وكيلًا ببيعها، ولا يتولى القاضي مع إنكاره. وإن صدقه زيد قيل له: ألك بينة بأن الدار لك ملكًا، فإن أقامها حكم له بالدار؛ لأنه معه بإقرار المحبوس بينة ويدًا، فكان أولى من بينة المحبوس مع زوال يده بالإنكار، وإن لم يكن له بينة ففي الحكم بها لزيدٍ وجهان:
أحدهما: يحكم بها لزيدٍ؛ لأن المحبوس قد أبطل بينة فبطل شهادتها وصار مقرًا بها لزيدٍ فلزم إقراره.
والثاني: لا يحكم بها لزيد وتكون الدار ملك المحبوس؛ لأن البينة شهدت له بالملك، ولصاحب الدين بالقضاء، فإذا أكذبها ردت في حق نفسه ولم ترد في حق صاحب القرض، فإذا بيع المال عليه أو لم يبع ينادي عليه ويخلي.
وعلى ما ذكرنا لو قال: حبسني بحد الخمر، أو حد القذف لفلان، أو حد الزنا ينظر فيه ونحده إن لزمه الحد، ويخليه إلا إذا أمكن استيفاء الحد، فلا فائدة في
стр. 5304
التأخير. وإذا أراد تخليته أمر بالنداء عليه على ما ذكرنا.
ولو قال: حبسني فلان من غير الحكم لا يقبل ذلك؛ لأنه خلاف الظاهر، ويستكشف على ما ذكرنا إذا قال: حبسني ظلمًا، وإذا أراد أن يخليه حلفه، وقيل: إن كان فلان حاضرًا أحضره [٨٨/ أ] حتى يقيم عليه البينة أن له عليه حقًا وإلا أطلقه، وإن كان غائبًا ففيه وجهان:
أحدهما: يطلقه؛ لأن الأصل أن لا حبس. والثاني: لا يطلق؛ لأن الظاهر أنه حبسه القاضي بحقٍ. ذكره بعض أصحابنا بخراسان.
فرع آخر
إذا فرغ من أمر المحبوسين على ما ذكرنا نظر في أمور الأوصياء؛ لأن الوصي ينظر في مال من لا يمكنه المطالبة بحقه، ولا يعبر عن نفسه، وهم الأطفال والمجانين والمساكين، فكان النظر في أمرهم أولى. ثم لا يخلو الوصي من أربعة أقسامٍ:
أحدهما: أن يقيم البينة على أن الحاكم الذي نفذ وصيته وأطلق تصرفه في المال، فإن القاضي الثاني لا يتعرض له، ويمضي عليه ما ثبت من حكم الأول؛ لأن الظاهر أن الأول لم ينفذه إلا بعد ثبوت عدالته، إلا أن يعلم من حدوث فسقٍ أو خيانةٍ فينقضي ذلك.
والثاني: أن لا يكون الحاكم الأول نفذ وصيته، وأراد أن يقيم البينة عنده على الوصية، فإن الحاكم الثاني يسمع بينته، ونظر في عدالته، فإن كان عدلًا أمضاه، وإن كان فاسقًا انتزع المال من يده وجعله في يد أمينٍ عدلٍ. وإن شك في أمانته ففيه وجهان؛ قال الإصطخري: يقره في يده؛ لأن الظاهر الأمانة، كما لو نصبه الحاكم. وقال أبو إسحاق: ينتزع المال من يده حتى يعلم أمانته، ويفارق أمين الحاكم؛ لأن الحاكم لا ينصب إلا من هو ثقة مرضي، وإن كان أمينًا ضعيفًا ضمَّ إليه أمينًا يقويه.
والثالث: أن يقسم الوصي البينة أن فلانًا أوصى إليه وأمره بتفرقة المال، وقال: قد فرقت، نظر الحاكم، فإن كانت الوصية لأقوامٍ معينين لم يتعرض له قلوا أو كثروا؛ لأنهم يطالبون به وإن لم يوصله إليهم. وإن كانت الوصية لغير معينين مثل الفقراء والمساكين نظر، [٨٨/ ب] فإن كان عدلًا لم يضمنه، وإن كان فاسقًا ضمنه؛ لأن الفاسق لا يكون وصيًا، فكان تفرقة المال تعديًا منه عليه فيلزمه ضمانة، ورد تفريق ما يضمنه إلى أمينه حتى يفرقه عليهم، وليس للوصي أن يرجع على المساكين بما فرقه وإن صدقوه على الوصية؛ لأنه مقرٌ بوصوله إليهم بحقٍ، ذكره في "الحاوي".
وإن كان فسقه خفيًا يحتاج إلى الاجتهاد نفذ تصرفه ولا يضمنه إلا بالتعدي ما لم يحكم بفسقه، وإن كان الفسق ظاهرًا وباع شيئًا من التركة فسخ بيعه وإن لم يكن عرف
стр. 5305
المال بعد، فإن كان عدلًا قويًا فهو أكمل الأوصياء حالًا فيقره في يده ونفذ وصيته؛ لأنه من أهل الولاية. وإن أمينًا ضعيفًا لا يقدر على التفرد بتنفيذ الوصية يضم إليه أمينًا يقوى به في تنفيذها.
وإن كان فاسقًا عزله؛ لأن الوصية ولاية والفاسق ليس من أهل الولاية. ومن أصحابنا من قال: هذا إن كان خائنًا في الأمانة فاسقًا في الديانة ثقة في الأمانة، فإن كانت الوصية بالولاية على الأطفال أو بتفريق الثلث في غير معينين انتزعها منه وردها إلى غيره، وإن كانت لتفريق الثلث لمعينين أو في قضاء الدين لمسمين يجوز أن يقرها في يده، والفرق أن في تلك ولاية واجتهاد وليس الفاسق من أهلها، وهذه مقصورة بالتعيين على التنفيذ دون الاجتهاد.
والرابع: أن يقول: إن فلانًا أوصى بتفرقة هذا المال وخفت عليه الهلاك ففرقته بنفسي، ولم تكن الوصية إليَّ وأقام البينة على الوصية، فإن كان لأقوام معينين لم يتعرض له حتى يدعي من له الوصية، وإن كان لأقوام بأوصافٍ مثل الفقراء والمساكين فيه وجهان؛ [٨٩/ أ] أحدهما: يضمن؛ لأنه متعدي بتفرقته.
والثاني: لا يضمن؛ لأنه قد أوصله إلى أصحابه ووضعه في موضعه، والأول أصح عندي.
واعلم أنه إذا أراد النظر في أمور الأوصياء، بدأ بمن يرى من غير قرعةٍ بخلاف المحبوسين؛ لأن هذا من نظر اجتهادٍ، ولأن النظر فيه عليهم لا لهم.
وقيل: للوصي ثلاثة أحوالٍ: أحدهما: أن يكون وصيًا في الولاية على الأطفال أو المجانين فيلزمه في حقهم ثلاثة أشياء؛ حفظ أصول أموالهم، وتمييز فروعها، والنفقة عليهم بالمعروف.
والثانية: أن يكون وصيًا في تفريق الثلث وقضاء الدين، فلا يتعداه إلى ولاية الأطفال، ونظر في الوصية فإن كانت لمعينين سقط اجتهاده فيها، وصرف الدين والثلث إلى المسلمين، وإن كانت في موصوفين وصاروا بعد الدفع فيها كالمعينين، فإن عدل عن أهل تلك الصفة إلى غيرهم لم يجز، وضمن لأهل تلك الصفة، ولا يكون له استرجاع ما دفع إليهم إلا أن يصدقوه على الوصية والصفة.
والثالثة: أن يكون وصيًّا في الأمرين من ولاية الأطفال، وتفريق الثلث فهي الوصية العامة، فيلزمه أن يعمل في كل واحدٍ منهما ما كان يعمله لو تفرد به، فإذا عرف القاضي كيفية الوصية اختبر حال الوصي في أمانته وثبوته على ما ذكرنا.
فرع آخر
إذا فرغ من أمر الأوصياء نظر في أمور الأمناء، فالأمين هو الذي ينصبه القاضي في أموال الأيتام الذين لا وليَّ لهم، وفي أموال المحجور عليهم للسفه ينظر في أمرهم، فإن لم يكن حالهم تغيرت وكانوا من أهل الأمانة والنظر أقرهم، وإن تغيرت حالهم عزلهم، وإن أراد يولي غيرهم ويعزلهم من غير تغيير حالهم [٨٩/ ب] كان له ذلك،
стр. 5306
والفرق بين هذا وبين الوصي حيث قلنا ليس له أن يعزله إن تولية الوصي ابتداء لم تكن إليه، وتولية هذا إليه إن لم يكن القاضي الأول ولاه فكان له عزله أيضًا، وإن وجد فيه ضعفًا فالقاضي بالخيار بين أن يضم إليه قويًا من أمنائه، أو ينتزع من يده إلى قوي بخلاف الوصي.
وقال في "الحاوي": يعتبر فيهم ثلاثة أشياء. أحدها: ما هم عليه من قوة وأمانة.
والثاني: ما يتصرفون فيه من الولاية عن الأطفال والنظر في الأموال.
والثالث: ما فعلوه فيها من قبل وما يستأنفوه من العمل فيها من بعد.
ويبدأ بمن يراه منهم من غير قرعةٍ كالأوصياء، ولا يخلو حال الأمين فيها من أربعة أحوالٍ:
أحدهما: أن يكون عدلًا وقد فعل ما جاز فيكون على ولايته ونفاذ فعله.
والثانية: أن يكون عدلًا وقد فعل ما لم يجز بالجهالة فيكون على ولايته، ويرد ما فعله ويضمن إن فات استدراكه. والثالثة: أن يكون فاسقًا وقد فعل ما جاز، فولايته باطلة بفسقه، ولا يضمن ما تعين ويضمن ما لم يتعين كالوصي.
والرابعة: أن يكون فاسقًا وفعل ما لم يجز فولايته باطلة ويرد ما فعل ويضمن ما تصرف فيه.
فرع آخر
لو ادّعى هذا الأمين أجرة جعلها له الحاكم قبله، فإن أقام بينة أعطاه إذا لم يرد على أجرة مثله، وإن عدم البينة ففي استحقاقها وجهان مبنيان على الوجهين إذا ركب الدابة من ادعى إعارتها، وادعى المالك إجارتها، فإن قلنا هناك لا أجرة لمالك الدابة فلا أجرة للأمين هنا. وإن قلنا هناك يلزم الأجرة تلزم الأجرة هنا.
فرع آخر
إذا فرغ من أمور الأمناء نظر في أحوال الضوال [٩٠/ أ] واللقطة، فربما يكون من الناس من لا يختار وتملك اللقطة فيتركها عند الحاكم، فينظر الحاكم في ذلك فما لا يخاف تلفه ولا يلزمه مؤنةٌ في حفظه حفظه على صاحبه، وما يلزمه مؤنة في حفظه أو يخاف عليه التلف كالمواشي وغيرها باعها وحفظ ثمنها على صاحبها، وإن كانت دراهم أو دنانير أو نحو ذلك أخذها الحاكم وجعلها في بيت المال معرفة له عن خبرها، حتى إذا جاء صاحبها ردها عليه أو خلطها في مال بيت المال.
وقال في "الحاوي": جملة ما ذكرنا أن القاضي يبدأ بالنظر في الأمانات وهي خمسة:
أحدها: أن يتسلم ديوان الحكم ممن كان قبله.
стр. 5307
والثانية: أن يتصفح أحوال المحبوسين. والثالثة: النظر في أمور الأوصياء.
والرابعة: النظر في أمور الأمناء.
والخامسة: النظر في الوقوف العامة والخاصة.
ففي العامة لا يقف النظر على مطالبةٍ؛ لأن مستحقها لا يتغير. وفي الخاصة؛ لأن مصرفها إلى معين من الفقراء، فينظر هل يصل إليهم؟ وهل يستحق الولاية على من يعين منهم بصغرٍ أو جنونٍ، وليعلم سبيلها فتحمل على شروط واقفيها، وإن تغير حال الوالي عليها فعل به ما قدمناه في الأولياء والأوصياء.
فرع آخر
يجب على القاضي بعد تصفح حال الأمناء والأوصياء أن يثبت في ديوانه حال كل أمين ووصي فيما بيده من الأموال، ومن يلي عليه من الأيتام، ليكون حجة للجهتين، فإن وجد ذكره في ديوان القضاء الأول عارض به وعمل بأحوطها، وإذا تطاول مدة الوقف سجل به لتكون الحجة باقية ويثبته في ديوانه.
مسألة
قال: "وإذا بان له من أحد الخصمين لدد نهاه".
الفصل: أراد باللدد شدة اللجاج [٩٠/ ب] والخصومة. وفي اللغة: اللدد الالتواء والميل، يقال: لديد الوادي وهما جانباه لأنهما يكونان ملتويين، وسمي الوجور من أحد الشدقين لدودًا؛ لأنه يميل يقال: خصم ألدُّ وخصوم لد. قال الله تعالى: ﴿وَتُنذِرَ بِهِ قَوْمًا لُّدًّا﴾ [مريم: ٩٧]، وقال تعالى: ﴿وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾ [البقرة: ٢٠٤]، وهو لا يميل ولا يستقيم على جهةٍ واحدةٍ، ويقال: فلان يتلدد إذا كان يتلفت يمينًا وشمالًا. فإذا تقرر هذا، فهذا اللدد يوجد من الخصم ويظهر للحاكم من وجوهٍ؛ أحدهما: أن يقول: استحلف الخصم فإذا كان في أثناء التحليف يقول: اقطع فلي بينة، ثم لا يكون له بينة أو يقدمه إلى الحاكم، فإذا أراد أن يحكم يقول: لي بينة، ثم يمضي ويقدمه مرةً أخرى، ولا يكون له بينة، فإذا أراد أن يحكم يقول: لي بينة ويتكرر منه ذلك بحيث يعلم أنه يقصد الإضرار والتعنت، أو يحمله إلى مجلس الحكم ويهرب ثم يعود من الغد ويحمله ثانيًا ونحو ذلك، فإذا بان للحاكم ذلك أول دفعةٍ نهاه ولا يبدؤه بزبرٍ ولا زجر، فإن عاد ثانيًا زبره وزجره، ويعتبر ذلك من وجهين؛ أحدهما: بحسب لدده.
والثاني: على قدر منزلته. فإن عاد ثالثًا ضربه أو حبسه تعزيرًا يجتهد فيه بحسب اللدد على قدر المنزلة.
وقيل: في الأول نهاه، وفي الثاني زبره، وفي الثالث زجره وأغلظ القول، وفي الرابع عزره وهذا حسن عندي، وهو اختيار القاضي الطبري، وإنما يبدأ بالنهي لأنه
стр. 5308
ربما فعل ذلك ليضيق صدره، ثم إذا عاد يزيد في درجة النهي، وعلى هذا.
فرع
لو كان في لدده شتم وفحش وكان سفيهًا ضربه بالنعل وأطراف الثياب على مقداره، وإن كان شيخًا ساكتًا يمنع الحق ويخرج عن الواجب باللدد حبسه، فإن جمع [٩١/ أ] في لدده بين الأمرين جاز أن يجمع في تعزيره بين الضرب والحبس.
فرع آخر
قال بعض أصحابنا: يضرب ضرب تأديب بالدرة ضربًا رقيقًا لا يؤلم ألمًا شديدًا ولا يضربه بالسوط لأنه ينكأ في البدن ولا يصنعه؛ لأنه بذله ولا يبطحه ولايمده.
فرع آخر
لو ردَّ على القاضي وأغلظ له القول، فإن رأى تأديبه فعل، وقد ترك النبي ﷺ التأديب في قصة الزبير مع الأنصاري حين قال: إن كان ابن عمتك. وقيل: إن النبي ﷺ عزره حين قال للزبير: "أمر الماء على بطنه واحبسه حتى يبلغ الجدار"، وهذا القول منعه تعزيرًا. وروي أنه كان يقسم الصدقات، فقال له رجل: اعدل، فقال: "ويلك لم أعدل فمن يعدل". وهذا القول تعزيرًا، وفيه نزل قوله تعالى: "وَمِنْهُم مَّن يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ" [التوبة: ٥٨] الآية.
فرع آخر
قال الشافعي ﵁: "وأحب أن لا يكون القاضي جبارًا عسوفًا عييًا ولا ضعيفًا مهينًا"؛ لأنه إن كان جبارًا تهيبه الخصوم فلا يتمكنون من استيفاء حجتهم، وإن كان مهينًا ضعيفًا انبسطوا بين يديه واستخفوا به، ولكن يكون بين أمرين معتدل الأحوال وقورًا، كما وصف أبو بكر الصديق ﵁ شديد من غير عنف، ولين من غير ضعف. وقال عمر ﵁: لا يصلح لأمور الأمة إلا رجل قوي من غير عنف، ولين من غير ضعف، لا يأخذه في الله لومة لائم".
مسألة
قَالَ: "وَيُشَاوِرُ، قَالَ اللهُ تَعَالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٩] ". اعلم أنه إذا أراد القاضي أن يقضي، فإن كان يقضي في أمرٍ ظاهرٍ عليه نص كتابٍ، أو سنةٍ، أو إجماع أو قياسٍ، لا يحتمل إلا معنًى [٩١/ ب] واحدًا لا يحتاج في ذلك إلى المشاورة، إنما ترد للاجتهاد والنظر، وهذا أمر ظاهر لا يحتاج فيه إلى الاجتهاد والنظر، وإن كان يقتضي في أمر خفي يحتاج فيه اجتهاد ونظر، يستحب له أن يشاور لقوله تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾.
قال الحسن البصري ﵀: إن كان رسول الله ﷺ لغنيًا ولكن أراد أن يستن
стр. 5309
بذلك الأئمة والقضاة بعده. وقال تعالى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى: ٣٨]، وقال رسول الله ﷺ : "المستشير معان والمستشار مؤتمن". وقد شاور رسول الله ﷺ أصحابه في أسارى بدرٍ، فأشار أبو بكر الصديق ﵁ بالفداء، وأشار عمر بالقتل، فأخذ برأي أبي بكر الصديق وفادى، فأنزل الله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ﴾ [الأنفال: ٦٧]، الآية، فقال ﷺ : "لو نزل عذاب من السماء لما نجا منه إلا عمر بن الخطاب". وشاور أهل المدينة في شيئين؛ في حفر الخندق حتى اتفقوا عليه، وفي صلح الأحزاب على ثلث ثمار المدينة، فقالوا: إن كان الله أمرك بهذا فالسمع والطاعة لأمر الله تعالى، وإن كان غير ذلك فلا نطعمهم فينا فإنهم في الجاهلية لم يكونوا يصلون إلى ثمرة إلا بشراء أو قرى فامتنع. وشاور أبو بكر الصديق ﵁ الصحابة في الجدة أم الولد هل ترث؟ وشاورهم عمر ﵁ في أم الأب وفي دية الجنين [٩٢/ أ] التي أجهضت ما في بطنها. وشاورهم عثمان ﵁ في الأحكام. وقال الزهري: قال أبو هريرة ﵁ ما رأيت أحدًا أكثر مشاورة لأصحابه من رسول الله ﷺ .
وقال عمر بن عبد العزيز: القاضي لا ينبغي أن يكون قاضيًا حتى يكون فيه خمس خصالٍ؛ يكون عفيفًا حليمًا عالمًا بما كان قبله، مستشيرًا ذوي الألباب، لا يبالي بملامة الناس. ولأنه إذا شاور يكون أقطع للتهمة وأوضح لحكم المسألة، ويتنبه بالمشاورة ويتذكر بها ما نسيه. وقيل: كان علي ﵁ قليل الاستشارة في الأحكام؛ لأنه قد شاهد استشارة من قبله فاكتفي بها. وقيل: لأنه لم يبق في عصره عديل يشاوره. وقيل: كان استشارة رسول الله ﷺ في أمور الدنيا ومصالحها. واختلف أصحابنا في استشارته في الدين والأحكام كاختلافهم، هل له أن يجتهد رأيه فيها، فقال بعضهم: ما استشار ﷺ في الدين ولا في الأحكام؛ لأن الله تعالى قال: ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى (٤)﴾ [النجم: ٣، ٤]، وقال آخرون: استشارهم في الدين والأحكام، فمنه ما شاورهم في علامةٍ تكون لأوقات الصلوات، فأشار بعضهم بالناقوس وبعضهم بالقرن والقصة معروفة. وشاور أصحابه في حد الزنا والسارق، فقالوا: الله ورسوله أعلم، فقال: "هن فواحش وفيهن عقوبة" حتى أنزل الله تعالى فيهما ما أنزل، [٩٢/ ب] وهذا قول من جعل الاجتهاد رأيه فيها.
وأما غير رسول الله ﷺ من الصحابة ومن بعدهم فمشاورتهم في مصالح الدنيا
стр. 5310
وأحكام الدين فيما يختص منها بالدنيا ندب إليه عقلًا، وما اختص منها بالدين ندب إليه شرعًا، ولو لم يشاور وحكم نفذ إذا لم يخالف نصًا، أو إجماعًا، أو قياسًا جليًا، وليس على أهل الشورى أن يعارضوه فيه، ولا يمنعوه منه إذا كان مسوغًا في الاجتهاد.
مسألة
قَالَ: "وَلَا يُشَاوِرُ إِذَا نَزَلَ بِهِ المَشْكِلُ إِلَّا أَمِينًا عَالِمًا بِالكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالآثَارِ".
الفصل
اعتبر فيمن يشاور شروط المفتي وذكر سبع شرائط؛ الأمانة، والعلم بالكتاب، والعلم بالسنة، والعلم بالآثار -يعني أقاويل الصحابة- والعلم بأقاويل الناس -يعني العلماء بعدهم- فيما أجمعوا عليه وفيما اختلفوا فيه، والعلم بالقياس، والعلم بلسان العرب.
ومعنى قوله: عالمًا بالكتاب والسنة: أن يكون مع العلم بمعانيها مهديًا إلى ترتيب أحدهما على الثاني عند تقابل المختلفين، ولا يشاور العوام؛ لأن القصد من المشورة طلب الفائدة، ولا يكون ذلك إلا بالمشورة مع العلماء. واعلم أن المشكل وغير المشكل في ذلك سواء، وإن خص الشافعي ﵁ فقال: "إذا نزل به المشكل".
فرع
يجوز أن يشاور الأعمى، والعبد، والمرأة؛ لأنه يعتبر فيمن يشاور شروط المفتي، ولا يعتبر في المفتي البصر والحرية والذكورة، وإنما يعتبر شرطان؛ العدالة المعتبرة في المخبر دون الشاهد؛ لأن الحرية شرط في الشاهد دون المفتي، [٩٣/ أ] والثاني أن يكون من أهل الاجتهاد، فإنه يحيط علمه بخمسة أصولٍ:
أحدهما: علمه بكتاب الله تعالى في معرفة ناسخه ومنسوخه، ومحكمه ومتشابهه، ومفسره ومجمله، وعمومه وخصوصه وإن لم يقم بتلاوته.
والثاني: علمه بسنة رسول الله ﷺ ومعرفة أخبار التواتر والآحاد، وصحة الطرق والإسناد، وما تقدم منها وما تأخر، وما كان على سببٍ وغير سببٍ وإن لم يسمعها مسندة إذا عرفها من وجوه الصحة.
والثالث: علمه بالإجماع والاختلاف وأقاويل الناس، ليتبع الإجماع ويجتهد في المختلف فيه.
والرابع: علمه بالقياس الجلي والخفي، وقياس المعنى وقياس الشبه، وصحة العلل وفسادها.
والخامس: علمه بالعربية فيما تدعو إليه الحاجة من اللغة والإعراب؛ لأن لسان
стр. 5311
الكتاب والسنة عربي، فيعرف لسان العرب وصيغة ألفاظهم، وموضوع خطابهم، ليفرق بين الفاعل والمفعول، وحكم الأوامر والنواهي في الندب والإرشاد، والعموم والخصوص. فإن قيل: هذه الشرائط لا تجتمع في أحدٍ فيكون سد باب الاجتهاد والفتوى. قيل: لم يرد الشافعي ﵁ أن يكون محيطًا بكلها، بل إذا علم الأصول الخمسة وأشرف عليها حتى ينتبه بما علم على ما لا يعلم، وإن لم يصر أعلى الناس بها جاز أن يفتي، وجاز أن يُستفتى، وجاز أن يشاوره القاضي في الأحكام النازلة.
فرع
لا فرق بين المفتي الذي يوافق القاضي في مذهبه وبين المفتي الذي يخالفه؛ لأنه لا يمتنع عنه الجواب بل يسأله عن الدليل وعن التعليل، وقد قال الشافعي ﵁: "ويجمع الموافقين والمخالفين [٩٣/ ب] ليذكر كل واحد دليله ويتناظروا فيه فيظهر الحق وتنفتح له طرق الاجتهاد". وقال أيضًا: "ويجمع المختلفين لا يتأسد لتقصيه العلم" أي لاستقصائه ولكشف بعضهم عن بعضٍ. وقيل: التقصي الكشف بالسؤال والمناظرة في طلب الصواب.
فرع آخر
لو كان فاسقًا لم يحمل على قوله فيما تعلق بالرواية والفتيا. واختلفوا في جواز مباحثته فيما يتعلق بالمعاني والاستنباط، فقال ابن أبي هريرة لا يجوز؛ لأنه لا يوثق به حذرًا مما يستحدثه من شبهةٍ فاسدةٍ. وقال آخرون: يجوز، لأنه ربما ينكشف بمناظرته وجه الصواب؛ لأنه لا يؤخذ بقوله بل يُحمل على ما تنتهي إليه المناظرة من وضوح الصحة والفساد.
فرع آخر
لا يعول على مشاورة واحدٍ، بل يجمع عددًا ينكشف بمناظرتهم ما غمض، ولا يقلدهم وإن كان عددًا.
مسألة
قَالَ: "وَلَا يَقْبَلُ وَإِنْ كَانَ أَعْلَمَ مِنْهُ حَتَّى يَعْلَمَ كَعِلْمِهِ أَنَّ هَذَا لَازِمٌ لَهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ تَخْتَلِفِ الِّروَايَةُ فِيهِ، أو بِدَلَالَةٍ عَلَيْهِ، أَوْ أَنَّهُ لَا يَحْتَمِلُ وَجْهًا أَظْهَرَ مِنْهُ" فأما أن يقلده فلم يجعل الله ذلك لأحد بعد رسول الله ﷺ .
معنى هذا الفصل ما شرحه في الأم فقال: "ولا يقبل من المشير الإشارة حتى يخبره أنه أشار به من حيث يلزم، وذلك كتاب أو سنة أو إجماع أو قياس على هذا، ولا يقبل لذا قال هذا له حتى يقفه عليه ويعقل منه ما عقل، وحتى يسأل هل له وجهٍ يحتمل غير
стр. 5312
الذي قال، وأن الآية وجهان، أو سنة رويت مخففة، أو سنة ظاهرها يحتمل وجهين لم يعمل بأحد الوجهين حتى يجد دلالته في كتاب، أو سنة، أو إجماع، أو قياس على أن الوجه الذي [٩٤/أ] عمل به هو الوجه الذي يلزمه، والذي هو أولى به من الوجه الذي تركه، وهكذا لا يعمل بالقياس أبدًا حتى أولى بالشبه بالكتاب أو السنة أو الإجماع". والمقصود أنه لا يعمل بالتقليد وإنما يعمل بما يؤدي إليه اجتهاده، وبه قال أبو يوسف، ومحمد، وأحمد.
وقال أبو حنيفة: إن كان القاضي أعلم من مخالفه عمل على اجتهاد نفسه، وإن كان مخالفه أعلم منه عمل على اجتهاد مخالفه. وقال بعض أصحابنا ببغداد: إذا لم يبن له حكم الحادثة جاز له ترك الاجتهاد إلى قول من يوافقه، ولا يجوز أن يعمل بقول غيره وهو يعتقد خطأه، وظاهر مذهب أبي حنيفة ما تقدم. واحتج عليه بأنه قول من هو أعلم منه عنده إذا صار إليه، فهو ضرب من الاجتهاد وهذا لا يصح؛ لأنه من أهل الاجتهاد يجوز له التقليد كما لو قلد من هو مثله.
وأما ما ذكره فلا يصح؛ لأن من هو أعلم منه يجوز عليه الخطأ، فإذا اعتقد أن ما قاله خطأ لم يجز أن يعمل به، وجوز بعض العلماء تقليد علماء السلف، وجوز بعض أصحاب الحديث تقليد الصحابة والتابعين دون غيرهم لقوله ﷺ : "خير الناس قرني ثم الذين يلونهم". ومنهم من قال: يجوز تقليد الأربعة من الخلفاء ولا يجوز تقليد غيرهم. وقال بعضهم: يجوز تقليد أبي بكر وعمر ﵄ خاصة لقوله ﷺ : "اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر".
فإن قيل: ما قاله الشافعي ﵁ خطأ؛ لأنه جعل القبول من النبي ﷺ تقليدًا. قلنا: لم يرد به حقيقة التقليد، وإنما أراد به القبول من غير السؤال عن وجهه، وهل يقع عليه اسم التقليد؟ فيه وجهان؛ فمن قال بتناوله الاسم احتج بهذا الاستثناء، [٩٤/ب] فإن الشافعي ﵁ استثنى ذلك من التقليد في الجواز، وهذا هو الصحيح من المذهب. ومن قال لا يتناوله قال: هذا استثناء من غير الجنس - أي التقليد - لا يجوز، لكن قبول قول رسول الله جائز.
فرع
لو لم يصل القاضي باجتهاده إلى حكم الحادثة ففي جواز تقليده فيها وجهان: قال ابن سريج: يجوز أن يقلد فيها للضرورة، ويحكم فإنه ما م حاكم عالم إلا يجوز أن يشكل عليه أحكام بعض الحوادث. وقال أبو إسحاق: لا يجوز، بل يستخلف عليها
стр. 5313
من يحكم باجتهاده إن ضاق وقت الحادثة لا الحاكم ملزم، فلا يجوز أن يلزم ما لا يعتقد لزومه، وصورة التضييق أن يتقدم إليه مسافران في حادثة والقافلة ترحل ويخافان الانقطاع عنها.
فرع آخر
فإذا تقرر فساد التقليد وجب النظر في أصول الشرع ليصل إلى العلم بموجبها، وقال قوم من السلف: لا يجب النظر ويعول على الإلهام، وهذا غلط لقوله تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ﴾ [فصلت: ٥٣]، الآية، وقال أيضًا : ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: ١٠]، يعني إما بالنص على حكمه، وإما بالنص على أصله.
فصل
ذكره القاضي الإمام صاحب "الحاوي" رحمه الله تعالى في هذا الموضع يتصل بالأصول والفروع، فأوردته على وجهه حتى لا يشذ منه شيء، قال: إذا ثبت وجوب النظر [في الأصول الشرعية] فالسبب المؤدي إلى معرفة الأصول والعمل بها شيئان: علم الحس والعقل؛ لأن حجج العقل أصل لمعرفة الأصول، إذ لا تعرف صحة الأصول إلا بحجج العقول، ولذلك لم يرد الشرع إلا بما أوجبه العقل أو جوزه، ولم يرد بما حظره العقل [٩٥/ أ] وأبطله، قال الله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلاَّ الْعَالِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٣]، أي لا يعلمها إلا العاقلون. وقال تعالى: [إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لأُوْلِي النُّهَى] [طه: ٥٤] أي العقول. والسبب الثاني في معرفة الأصول الشرعية معرفة لسان العرب، وهو معتبر في حجج السمع خاصة، قال الله تعالى: [وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ قومه] [إبراهيم: ٤] الآية، وهذا لأنه لا يخاطبهم إلا بما يفهمونه ليكون حجة لهم وعليهم. وقال تعالى: ﴿لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ [النحل: ١٠٣]، فاحتاج الناظر إلى معرفة لسانهم، وموضوع خطابهم، ليفرق بين الحقيقة والمجاز، وبين الإثبات والنفي، وبين المطلق والمقيد، وبين العام والخاص، وبين المفسر والمجمل، والناسخ والمنسوخ، والفاعل والمفعول، ويعرف صيغة الأوامر والنواهي، فإن قصر عنها لم يصح منه، ولا نعني به أن يكون عالمًا بجميع لغتهم وإعراب كلامهم؛ لأن التشاغل به يقطعه عن عمل ما سواه، وإنما نعني به أن يكون عالمًا بموضوع كلامهم ومشتمل خطابهم، وهو مشهور على أربعة وجوه؛ أمر، ونهي، وخبر، واستخبار.
فأما من لا يقصد النظر المؤدي إلى العلم فالذي يلزمه من معرفة العربية ما يجب أن
стр. 5314
يتلوه في صلاته من القرآن والأذكار دون غيره، فإذا جمع الناظر بين هذين الشيئين من العقل ولسان العرب صح منه النظر في الأصول.
واختلفوا في العبارة عن الأصل والفرع، فقيل: الأصل ما دل على غيره، والفرع ما دل عليه غيره، وقال آخرون: الأصل ما تفرع منه غيره والفرع ما تفرع عن غيره. ثم اعلم أن أصول الشرع أربعة؛ الكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس. فالأصل الأول: [٩٥/ب] كتاب الله تعالى الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، قال الله تعالى: ﴿هَذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ﴾ [الجاثية: ٢٩]، وقال تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨]، وقال تعالى: ﴿ومَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: ١٠].
وكلام الله يشتمل على ثلاثة وجوه؛ أمر، ونهي، وخبر، وليس فيه استخبار لعلمه بما كان وما يكون، وما ورد فيه على صيغة الاستخبار والاستفهام، فالمراد به تقرير أو عيد، ومن أصحابنا من حل ما فيه بأخص من هذه العبارة، فقال: لأنه يشتمل على إعلام وإلزام.
فالإعلام وعد أو عيد، وليس يخلو ما فيه من القصص من أن يراد به وعد أو عيد، والإلزام أمر ونهي، فالأمر ما تقيد بلفظه، والنهي ما تقيد بتركه.
والأمر ينقسم بالقرائن ثلاثة أقسام، واجب، واستحباب، ومباح، فإن تجرد عن قرينة كان محمولاً عند الشافعي على الوجوب إلا بدليل تصرفه عن ظاهره. وقال غيره: هو محمول على الاستحباب، وقال جماعة: هو موقوف، وما قاله الشافعي ﵁ = أولى لفرق ما بين ورود الأمر وعدمه.
والنهي ينقسم إلى ثلاثة أقسام: تحريم، وكراهة، وتنزيه، فإن جرد عن قرينة؛ قال الشافعي: "يحمل على التحريم والفساد". والأمر يقتضي فعل المأمور به مرة واحدة، ولا يحمل على التكرار إلا بدليل. والنهي يقتضي ترك المنهي عنه دومًا. والنهي يقتضي الفور.
وفيما يقتضيه مطلق الأمر من الفور والتراخي وجهان؛ أحدهما: يحمل على الفور كالنهي، والثاني: على التراخي.
وقد يرد الأمر بلفظ الخبر كقوله: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨].
ويجوز أن يتوجه إليه الفسخ. وقال قوم: لا يجوز كالخبر، وهذا فاسد لأنه في معنى الأمر، [٩٦/أ] ومطلق الأمر والنهي متوجه إلى جميع الأحرار من الرجال والنساء، وفي دخول العبيد فيها ثلاثة أوجه:
стр. 5315
أحدها: يدخلون فيه لتوجه التكليف إليهم.
والثاني: لا يدخلون فيه إلا بدليل؛ لأنهم أتباع الأحرار.
والثالث: إن تضمن الخطاب تعبدًا توجه إليهم، وإن تضمن ملكًا أو عقدًا أو ولاية لم يدخلوا فيه.
وإذا ورد الخطاب باللفظ المذكور لا يدخل النساء فيه إلا بدليل، كما لو ورد بلفظ المؤنث لا يدخل فيه الرجال إلا بدليل، وهذا متفق عليه، وهذا مختلف فيه.
وما تضمنته شرائع من قبلنا فما لم يقصه الله تعالى علينا لم يلزمنا حكمه لانتقاء العلم بصحته، وأما ما قصه علينا في كتابه العزيز يلزمنا منه ما شرعه إبراهيم ﵇ لقوله تعالى: (ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنْ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً) [النحل: ١٢٣]. وفي لزوم ما شرعه غيره من الأنبياء وجهان؛ أحدهما: يلزم لكونه حقًا ما لم يقم دليل على نسخه.
والثاني: لا يلزم لكونه منسوخًا.
فصل
اعلم أن الذي يشتمل عليه نصوص الكتاب في الأحكام خمسمائة آية، وهي تنقسم ستة أقسام:
أحدها: العموم والخصوص، فالعموم الجمع والاشتراك، وأقل الجمع ثلاثة، ومن جعل أقل الجمع اثنين جعلها أقل العموم والخصوص هو الانفراد، وأقل الخصوص واحد، ويجوز أن يكون الخصوص مخرجًا لأقل العموم إذا انطلق على الباقي اسم العموم كالاستثناء، ويكون المخصوص غير مراد بالعموم خلاف النسخ، ويصير المراد بالعموم هو الباقي منه بعد الخصوص. ويجوز تخصيص العموم المؤكد كما يجوز تخصيص العموم المطلق. وقال بعض العلماء. لا يخصص المؤكد منه، وهذا غلط لوجود الاحتمال بعد التأكيد كوجوده من قبل. ثم العموم ثلاثة أحوال: [٩٦/ب] أحدها: أن يقترن به من الدلائل أو الشواهد ما يوجب حمله على العموم، كقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] الآية، فهو محمول على العموم في تحريم الأمهات والبنات من تخصيص.
والثانية: أن يقترن به ما يدل على تخصيصه كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المائدة: ٣٣] ثم قال ﴿إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ [المائدة: ٣٤] الآية.
والثالثة: أن يطلق، قال أهل الظاهر: لا صيغة للعموم توجب العمل بها، والواجب فيه التوقف حتى يقوم دليل على المراد بها كالمجمل. وقال بعض المتكلمين: يجب استعماله على عمومه ما لم يقم دليل على تخصيصه من غير نظر ولا اجتهاد امتثالاً لموجب الأمر. وقال أهل العراق إنه قبل التخصيص مستعمل على عمومه منغير اجتهاد ولا نظر، وبعد التخصيص مجمل لا يستعمل إلا بعد البيان؛ لأنه قبل
стр. 5316
التخصيص جليٌّ وبعد التخصيص خفيٌّ. والرابع: وهو مذهب الشافعي ﵁ أن لمطلق العموم صيغة توجب النظر والاجتهاد في أدلة تخصيصه، فإن وجد ما يخصه استعمل باقية بعد تخصيصه وإن لم يوجد ما يخصه أُجري على عمومه، ولا يجوز استعماله قبل النظر، ولا يصير مجملاً بعد التخصيص؛ لأنه قبل النظر والاجتهاد يتكافأ الاحتمال، وبعد إمعان النظر والاجتهاد يترجح الاستعمال، وليس لزمان الاجتهاد والنظر وقت مقدر وإنما هو معتبر بما يؤديه الاجتهاد إليه من الرجاء والإياس.
واعلم أن أدلة التخصيص تؤخذ من أحد أربعة أصول؛ الكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس. فأما تخصيص الكتاب كقوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، لأنه خص منه المطلقة قبل الدخول بقوله تعالى: ﴿فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ [الأحزاب: ٤٦] الآية.
[٩٧/ أ] وأما تخصيه بالسنة كقوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨]، خصه قوله ﷺ : "لا قطع في أقل من ربع دينار". وأما تخصيص الكتاب بالإجماع فإن قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمْ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١١] خصه الإجماع بأن العبد لا يرث، وخصته السنة في أن القاتل والكافر لا يرثان، فصار بعضها مخصوصًا بالسنة وبعضها مخصوصًا بالإجماع.
وأما تخصيصه بالقياس مثل قوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢] الآية، ثم خص الأمة بنصف الحد بقوله تعالى: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنْ الْعَذَابِ﴾ [النساء: ٢٥]. ثم خص العبد بنصف الحد قياسًا على الأمة، فصار بعض الآية خصوصًا بالقياس. ويجوز تخصيص العموم بالقياس الجلي، وفي جواز تخصصه بالقياس الخفي وجهان، فإن عدم المجتهد أدلة التخصيص من أحدد هذه الأصول الأربعة جاز القياس على الخصوص في العموم، ولم يجز القياس على الباقي من العموم، مثاله أن قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨] الآية، لما خص منه من سرق من ثمر أو كثر في سقوط القطع عنه، لم يجز أن نقيس على قطع السارق قطع من ليس بسارق، وجاز أن نقيس على التمر والكثر سارق غير التمر والكثر في سقوط القطع عنه.
والفرق بينهما أن العموم لما ضعف عن حكم استيفاء اسمه قوي معناه عن اجتذاب غيره، والمخصوص لما قوي حكمه عن استيفاء اسمه قوي معناه على اجتذاب غيره.
والقسم الثاني: المجمل والمفسر: فالمفسر هو الذي يفهم منه المراد، والمجمل هو الذي ما لم يفهم منه المراد، ومثله في الكتاب قوله تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١]، وقوله تعالى: [٩٧/ ب] ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣]. وقوله ﷺ : "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني
стр. 5317
دماءهم وأموالهم إلا بحقها".
فإن قيل: كيف جاز خطابهم بما لا يفهمونه من المجمل؟ قلنا: إنما جاز لأحد أمرين:
أحدهما: ليكون إجماله توطئة للنفوس على قبول ما يتعقبه من البيان، فإنه لو بدأ في تكليف الصلاة والزكاة ببيانهما جاز أن تنفر النفوس منهما ولا تنفر من إجمالها.
والثاني: أن الله تعالى جعل من الأحكام جليًا، وجعل منها خفيًا، ليتفاضل الناس في العمل بها، ويثابوا على الاستنباط لها، وكذلك جعل منها مفسرًا جليًا، وجعل منها مجملاً خفيًا.
ثم اعلم أن المجمل ضربان: أحدهما: أن يقع الإجمالي في الاسم المشترك كالقرء ينطلق على الطهر والحيض، والشفق على الحمرة والبياض، فإن اقترن تنبيه أخذ به، وإن تجرد عن تنبيه أخذ به وإن تجرد واقترن به عرف عمل عليه، وإن تجرد عن تنبيه وعرف وجب الاجتهاد في المراد منها، وكان من خفي الأحكام التي وكل العلماء فيها إلى الاستنباط، فصار داخلاً في المجمل لخفائه وخارجًا عنه لإمكان استنباطه.
والثاني: الإجمالي في الحكم المبهم.
وهو ضربان: أحدهما: ما كان إجماله في لفظه، كقوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣]، ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١].
والثاني: ما كان إجماله بغيره، مثل قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥] والربا صنف من البيوع، فصار به الباقي من البيوع مجملاً على قول كثير من أصحابنا. [٩٨/ أ] وقال بعضهم، وهو عموم خص منه الربا، ومثاله من السنة قوله ﷺ : "الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحًا أحل حرامًا أو حرم حلالاً"، وكلا الضربين مجمل يفتقر إلى بيان يفهم به المراد.
فإن قيل: التعبد بمثل هذا الخطاب قبل بيانه؟ قلنا: يلزم لأن النبي ﷺ بعث معاذًا ﵁ إلى اليمن، وقال له: "ادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، فإن أجابوك فأعلمهم أن في أموالهم حقًأ يؤخذ من أغنيائهم فيرد في فقرائهم" فتعبدهم بالتزام الزكاة قيل بيانها، وفي كيفية تعبدهم بالتزامه وجهان:
أحدهما: أنهم متعبدون قبل البيان بالتزامه بعد البيان.
والثاني: أنهم متعبدون قبل البيان بالتزامه مجملاً، وبعد البيان بالتزامه مفسرًا.
ثم اعلم أن البيان يختلف باختلاف المجمل وهو ضربان: أحدهما: ما وكل العلماء إلى اجتهادهم في بيانه من غير سمع يفتقر إليه، مثل قوله تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ
стр. 5318
يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩] فلم يرد سماع ببيان أقل الجزية حتى اجتهد العلماء في أقلها. وكقوله تعالى: ﴿إِذَا نُودِي لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩] الآية، فأجمل ذكر العدد الذي تنعقد بهم الجمعة حتى اجتهد العلماء فيه. وكقوله تعالى: ﴿لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ﴾ [الطلاق: ٧] الآية، فأجمل قدر النفقة حتى اجتهد العلماء في تقديرها، فهذا ونظائره من المجمل التي لا يفتقر إلى بيان السمع، فبيانه عن الرسول ﷺ ؛ لأنه مأخوذ من أصول الأدلة المستقرة، وقد سأل عمر رسول الله ﷺ [٩٨/ ب] عن الكلالة، فقال: "تكفيك آية الصيف"، فوكله إلى الاجتهاد ولم يصرح بالبيان ..
واختلف أصحابنا في هذا النوع من البيان الصادر عن الاجتهاد هل يؤخذ قياسًا أو تنبيهًا؟ على وجهين: أحدهما: يؤخذ تنبيهًا من لفظ المجمل وشواهد أحواله؛ لأن النبي ﷺ قال لعمر ﵁: "تكفيك آية الصيف" فردها إليه ليستدل بما تضمنها من تنبيه وشاهد حاله.
والثاني: يجوز أن يؤخذ قياسًا على ما استتر بيانه من نص أو إجماع، لأن عمر ﵁ سأل عن قُبلة الصائم، فقال: "أرأيت لو تضمضت" فجعل القبلة بغير إنزال كالمضمضة من غير ازدراد.
والثاني من المجمل: ما يفتقر بيانه إلى السمع، كقوله تعالى: (وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ) [البقرة: ٤٣]، لا يوصل إلى بيانه إلا من نص مسموع من كتاب أو سنة، فعلى هذا يجوز أن يتأخر بيانه وبيان تخصيص العموم عن وقت نزوله إلى وقت تقييده واستعماله أم لا؟ فعلى ثلاثة أوجه: أحدها: يجوز؛ لأن معاذًا ﵁ أخر بيان الزكاة لأهل اليمن إلى الوقت الذي أخذها منهم.
والثاني: لا يجوز، لاختلاف أحوال الناس في الحاجة إلى البيان وللتحرز بتعجيله من احترام المنية للرسول ﷺ المبين.
والثالث: يجوز تأخير بيان العموم؛ لأنه قبل البيان مفهوم، ولا يجوز تأخير بيان المجمل لأنه قبل البيان غير مفهوم.
القسم الثالث: المطلق والمقيد، وهو أن يرد الخطاب مقيدًا بحال، أو وصف، أو شرط، ثم يرد من جنسه مطلق غير مقيد بوصف ولا شرط، والكلام فيه مشتمل على فصلين:
أحدهما: في المقيد هل يجب أن يكون حكمه مقصورًا على الشرط المقيد به [٩٩/ أ] أم لا؟
والثاني: في المطلق هل يجب حمله على المقيد من جنسه أم لا؟
فأما الأول عندنا وعند جمهور العلماء ينقسم قسمين:
стр. 5319
أحدهما: ما كان تقييده بالوصف في ثبوت حكمه فيثبت الحكم بوجوده وينتفي بعدمه، كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ إلى قوله: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [المائدة: ٦]، فتقييد التيمم بالمرض والسفر شرطًا في إباحته، وهذا التيمم فيما كان معناه خاصًا.
والثاني: ما لا يكون بالوصف المقيد شرطًا في حكم الأصل ويعمم حكمه مع وجود الشرط وعدمه، كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنْ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمْ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النساء: ١٠١]، وليس الخوف شرطًا في جواز القصر، وكقوله في جواز الصيد: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنْ النَّعَمِ﴾ [المائدة: ٩٥]، ولا يكون العمد شرطًا في وجوبه.
وهذا القسم فيما كان معناه عامًا، والفرق بينهما يكون باعتبار معنى التقييد، فإن كان معناه خاصًا كالقسم الأول ثبت حكم التقييد، وإن كان معناه عامًا كالقسم الثاني سقط حكم التقييد. وقال داود وأهل الظاهر: لا معنى لهذا التقسيم، ويجري جميع المقيد على تقييده، ويكون شرطًا في ثبوت حكم يثبت بوجوده ويسقط بعدمه. ولا يعتبر معنى الأصل في عموم ولا خصوص؛ لأن الاعتماد على النصوص دون المعاني عندهم، وهذا غلط؛ لأن الله تعالى قال: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ﴾ [الإسراء: ٣١]، ولا يستباح قتلهم من إملاق كما لا يستباح مع وجوده، وقال تعالى: ﴿وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً﴾ [النور: ٣٣]، ولا يجوز الإكراه على البغاء وإن لم يردن تحصنًا. فلما سقط حكم التقييد في هذا ولم يصر نسخًا جاز أن يسقط في غيره ولا يكون نسخًا، فإن خص هذا بدليل فقد جعلوا للدليل تأثيرًا في إسقاط التقييد، وهو الذي ذكرنا. [٩٩/ ب] فإن قيل: فإذا سقط التقييد صار لغوًا غير مقيد. قلنا: يحتمل ذكر التقييد مع سقوط حكمه أمورًا.
منها: أمر يكون حكم السكوت عنه مأخوذ من حكم المنطوق به ليستعمله المجتهد فيما لم يجد فيه نصًا، فإ، أكثر الحوادث غير منصوص.
ومنها: أن يكون التقييد تنبيهًا على غيره، كما قال تعالى: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَامَنْهُ بِقِنطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَامَنْهُ بِدِينَارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾ [آل عمران: ٧٥] الآية، فنبه بالقنطار على الكثير، ونبه بالدينار على القليل، وإن كان حكم القليل والكثير فيهما سواء.
ومنها: أن يكون الوصف هو الأغلب من أحوال ما قيد به، فيذكره لغلبته كما قال تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] الآية، وإن كانت مفاداة الزوجين تجوز مع وجود الخوف وعدمه؛ لأن الأغلب من المفاداة أن تكون مع الخوف.
وإذا احتمل هذه الأمور وغيرها صار وجود التقييد مقيدًا مع سقوط حكمه وإن لم يكن لغوًا.
стр. 5320
فإذا تقرر هذا وجب النظر في كل مقيد، فإذا ظهر دليل على عدم تأثيره سقط حكم التقييد وصار في عموم حكمه كالمطلق، وإن عدم الدليل وجب حمله على تقييده وجعل شرطًا في ثبوت حكمه.
وأما حكم المطلق الوارد من جنس المقيد إذا جعل التقييد شرطًا في المقيد، فظاهر مذهب الشافعي ﵁ أنه يجب حمل المطلق على المقيد من جنسه ما لم يقم دليل على حمله على إطلاقه كما في العدالة في الشهود، وقوله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢] يحمل على قوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَى عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢]، وعلى هذا حمل إطلاق العتق في كفارة الظهار على العتق المقيد بالأيمان في كفارة القتل. وظاهر مذهب أبي حنيفة ﵀ أن المطلق محمول على إطلاقه ما لم يقم دليل [١٠٠/أ] على الحمل على المقيد من جنسه.
وذهب أصحابنا إلى أن حكم المطلق بعد المقيد من جنسه موقوف على الدليل، فإن قام الدليل على تقييده قيد، وإن لم يقم على واحد منهما دليل صار كالذي لم يرد فيه نص فيعدل فيه إلى غيره من أدلة الشرع والاجتهاد في استنباط المعاني، ويصير احتماله لأمرين مبطلاً لحكم النص فيه، وهذا قول من ذهب إلى وقف العموم حتى يقوم دليل على تخصيص أو عموم. وهذا أفسد المذاهب؛ لأن النصوص المحتملة يكون الاجتهاد عائدًا إليها ولا يعدل بالاحتمال إلى غيرها، ليكون حكم النص ثابتًا بما يؤدي إليه الاجتهاد من نفي الاحتمال عنه وتعيين المراد به. قال الإمام المارودي: "والذي عندي وأراه أولى المذاهب في المطلق والمقيّد أن يعتبر غلظ حكم المطلق والمقيد، فإن كان حكم المطلق أغلظ حمل على إطلاقه ولم يقيد إلى بدليل. وإن كان حكم المقيد أغلظ حمل المطلق على المقيد ولم يحمل على إطلاقه إلا بدليل؛ لأن التغليظ إلزام وما تضمنه الإلزام لم يسقط إلزامه بالإجمال". فإذا تقرر هذا الذي ذكرنا، ودب حمل المطلق على المقيد كان ذلك مستعملاً في إطلاق الصفة، ولا يكون مستعملاً في إطلاق الأصل، مثاله: أن مسح اليدين في التيمم مطلق، وفي الوضوء مقيد بالمرفقين فحمل عليه. وأطلق ذكر الرأس والرجلين في التيمم وذكرا في الوضوء، فلم يحتمل ترك ذكرهما في التيمم على إثبات ذكرهما في الوضوء؛ لأن ذكر المرافق سنة وذكر الرأس والرجلين أصل. وقال ابن خيران: المطلق يحمل على المقيد في الأصل أيضًا، فالله تعالى ذكر الإطعام في كفارة الظهار ولم يذكر في كفارة القتل فيحمل عليها. وفي هذا إثبات أصل بغير أصل، فإذا ثبت حمل المطلق على المقيد فهل وجب عليه حمله من طريق اللغة أو من طريق الشرع؟ وجهان:
أحدهما: من طريق اللغة؛ لأن في لسان العرب موضوع لهذا.
والثاني: بالشرع [١٠٠/ ب] المستقر على استنباط المعاني، لأن الأحكام لا تؤخذ إلا شرعًا من نص أو قياس.
стр. 5321
وإذا وردا مقيدين من جنس واحد بشرطين مختلفين، وأطلق ثالث من جنسهما وجب حمل المطلق على إطلاقه ولم يجز حمله على أحد المقيدين؛ لأنه ليس حمله على أحدهما بأولى من حمله على الآخر، وحمل كل من المقيدين على تقييد نظيره فينظر في صفتي التقييد فيهما. فإن تنافى الجمع بينهما لم يحمل أحدهما على الآخر، واختص كل واحد منهما بالصفة التي قيد بها، وذلك مثل تقييد صوم الظهار بالتتابع، وتقييد صوم التمتع بالتفرقة، ولا يمكن الجمع بين التتابع والتفرق فيختص كل واحد منهما بصفته، فإن أمكن اجتماع الصفتين ولم يتنافيا ففي حمل كل واحد منهما على تقييد نظيره وجهان: أحدهما: لا يحمل إلا على ما قيد به إذا قلنا المطلق لا يحمل على المقيد إلا بدليل.
والثاني: يحمل على تقييده وتقييد نظيره، فيصير كل واحد منهما مقيدًا بالصفتين إذا قلنا بجواز حمل المطلق على المقيد.
فعلى هذا يجوز أن يحمل ما أطلق من جنسهما على تقييدهما معًا، ويصير كل واحد من النصوص الثلاثة المتجانسة مقيدًا بشرطين.
والقسم الرابع: الإثبات والنفي، فينقسم ثلاثة أقسام؛ إثبات تجرد عن نفي، ونفي تجرد عن إثبات، وما اجتمع فيه نفي وإثبات. فأما الأول فضربان:
أحدهما: أن يقترن بحرف التحقيق فيكون إثباته نفيًا لما عداه، كقوله ﷺ : "إنما الأعمال بالنيات". وقوله ﷺ : "إنما الولاء لمن أعتق". وسواء كان هذا الإثبات جوابًا أو ابتداء. ولكن اختلف أصحابنا في النفي به هل هو بلفظ النقط أو بدليله على وجهين:
أحدهما: أن الذي أوجب النفي بعد الإثبات هو دليل اللفظ دون اللفظ، فيكون دليل الخطاب هو الموجب للنفي؛ لأنها لفظة [١٠١/أ] لجنس فجرى مجرى التأكيد.
والثاني: أنها أوجبت النفي والإثبات بنفس اللفظ؛ لأن لفظةُ إنما موضوعة في اللغة لإثبات ما اتصل ونفي ما انفصل عنها.
والثاني: أن يتجرد الإثبات عن حرف التحقيق، كقوله ﷺ : "في سائمة الغنم زكاة" وكقوله: "القطع في ربع دينار" فلمخرجه حالتان:
إحداهما: أن يكون جوابًا لسائل عن الزكاة في مسائمة الغنم فقال: "في سائمة الغنم زكاة"، ولسائل عن القطع في ربع دينار، فقال: "القطع في ربع دينار"، فلا يكون هذا الإثبات نفيًا لما عداه.
والثانية: أن يبدأ به الرسول ﷺ فيقول مبتدئًا: في سائمة الغنم زكاة، فيكون هذا الإثبات نفيًا لما عداه فلا يجب في غيرها، وهذا لأنه لا بد لتخصيص هذا بالذكر من موجبٍ، فلما خرج عن الجواب ثبت وردوه للبيان، وهذا هو الظاهر من مذهب
стр. 5322
الشافعي ﵁ وقول جمهور أصحابه. وذهب ابن سريج وأبو حامد إلى أن حكم ما عدا الإثبات موقوف على الدليل لما تضمنه من الاحتمال، وهذا فاسد لما ذكرنا من التعليل.
وإذا انتفى حكم الإثبات عما عداه على ما بيناه فقد اختلف أصحابنا في موجب نفيه عنه على وجهين؛ أحدهما: أنه أوجب لسان العرب لغة. والثاني: أنه أوجب دليل الخطاب شرعًا.
وأما القسم الثاني في النفي إذا تجرد عن إثبات فهو على ضربين:
أحدهما: أن يكون جوابًا لسؤال فلا يكون النفي موجبًا لإثبات ما عداه، كقوله ﷺ :
"لا تحرم الرضعة أو الرضعتان" لا يدل على التحريم بالثالثة.
والضرب الثاني: أن يبتدئ الرسول ﷺ فيقول: "لا يقبل الله صلاة بغير طهور" فدل على قبولها بالطهور، ويكون نفي الحكم عن تلك الصفة موجبًا لإثباته عند عدمها، وهو الظاهر من مذهب الشافعي ﵁.
ويحتمل قول من جعل ما عدا الإثبات موقوفًا، وإذا كان حكم النفي مطلقًا يحتمل نفي الجواز ونفي الكمال لعمومه، كقوله ﷺ : "لا صلاة إلا بطهور"، فكان هذا النفي مانعًا [١٠١/ب] من أجزائها.
فإن قام دليل على نفي الكمال حمل عليه، كقوله ﷺ : "لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد". ويجيء على مذهب من قال بوقف المحتمل بجعل هذا موقوفًا لأنه محتمل.
وأما القسم الثالث: الجامع للإثبات والنفي يشتمل على ثلاثة أنواع؛ الاستثناء، والشرط، والغاية.
فأما الاستثناء فالمعتبر في ثبوت حكمه ثلاثة أشياء:
أحدها: أن يرجع إلى أصل يبقى منه بعد الاستثناء بعضه وإن قل، فإن رفع جميعه لم يصح؛ لأنه يصير نسخًا، ويثبت حكم الأصل ويبطل الاستثناء.
والثاني: أن يكون الاستثناء من جنس الأصل ليصح به خروج بعضه، فإن عاد إلى غير جنسه صح عند الشافعي في المعنى دون اللفظ، وأبطله قوم في اللفظ والمعنى، وأجازه قوم في اللفظ والمعنى. مثاله أن يقول: لفلان عليَّ ألف درهم إلا دينار، فلا يجعل لفظ الدينار مستثنى من لفظ الدراهم؛ لأنه لا يجانسها، وإنما تجعل قيمته مستثناة من الدراهم؛ لأنه لا ينافيها فصار الاستثناء في المعنى دون اللفظ.
والثالث: أن يعلق على الاستثناء ضد حكم الأصل، فإن كان الأصل إثباتًا صار الاستثناء نفيًا، وإن كان الأصل نفيًا صار الاستئناء إثباتًا. فإن عاد الاستثناء إلى جمل مذكورة تقدمته يمكن أن يعود إلى جميعها، ويمكن أن يعود إلى بعضها، فعند الشافعي
стр. 5323
تعود إلى جميعها ما لم يخصه دليل، كقوله تعالى: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا﴾ [المائدة: ٣٤]، فكان راجعًا إلى كل ما تقدم من القتل والصلب والنفي.
وقال أبو حنيفة ﵀: يرجع إلى أقرب مذكور إلا أن يقم دليل، كقوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلاَّ أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾ [النساء: ٩٢]، فرجع إلى الدية دون الكفارة.
وكذلك ما اختلفا [١٠٢/أ] في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَاتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ إلى قوله: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا﴾ [المائدة: ٥٤]، فعند أبي حنيفة ترجع التوبة إلى الفسق وحده؛ لأنه أقرب مذكور، وعندنا ترجع إليه وإلى قبول الشهادة اعتبارًا بالعموم، ولا يرجع عندهما إلى الجلد لاختلافهما في التعليل، فعند أبي حنيفة لبعده عن أقرب مذكور، وعند الشافعي لخروجه بدليل، وهو أن حد القذف حق الآدمي فلا يسقط بالتوبة. وكذلك لم يجعل قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاَّ خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلاَّ أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾ [النساء: ٩٢] عائدًا إلى الكفارة، لأنها من حقوق الله تعالى التي لا تسقط بالعفو، ويكون عائدًا إلى الدية لسقوطها بالعموم.
وأما النوع الثاني وهو الشرط: فالشرط في اللغة هو العلامة، ومنه قوله تعالى: ﴿فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا﴾ [محمد: ١٨]، أي علاماتها، ولهذا يُسمى بالشرطي لتمييزه بعلامته. والشرط في الشرع هو الشيء الذي علق به الحكم لكونه علامة له. فإذا علق الحكم بشرط ثبت الحكم بوجوده وانتفى بعدمه، كقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦] الآية، فيتعلق به إثبات ونفي، فيجري مجرى الاستثناء من وجه وإن خالفه من وجه. فوجه اجتماعهما أنه قد يثبت حكمًا وينفي حكمًا. ووجه افتراقهما أن الشرط يثبت الحكم في حال وجوده وينفيه في حال عدمه، والاستثناء يجمع بين النفي والإثبات في حالة واحدة، وربما قيد الحكم فيقوم الدليل على ثبوت الحكم مع وجوده وعدمه فلا يتعلق بالشرط إثبات ولا نفي، ويصرفه الدليل عما وضع له من الحقيقة إلى ما قصد من المجاز، كقوله تعالى: ﴿وَاللاَّئِي يَئِسْنَ مِنْ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنْ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ﴾ [الطلاق: ٤]، وحكمها في العدة مع وجود الريبة وعدم الريبة سواء، فإن تجرد الشرط عن دليل حمل على موجبه في النفي والإثبات، وإن علق الشرط بجملة مذكورة عاد إلى جميعها ما لم يخصه دليل كالاستثناء. وجعلها أبو حنيفة [١٠٢/ب] عائدًا إلى أقرب مذكور. ودليلنا قوله تعالى: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ﴾ إلى قوله: ﴿فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ﴾ [المائدة: ٨٩]، وهذا يعود إلى جميع ما تقدم، ولا يعود إلى أقرب مذكور من تحرير الرقبة.
وأما الثالث: الغاية فهي على ثبوت الحكم قبلها وانتفائه بعدها، كقوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمْ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنْ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنْ الْفَجْرِ﴾ [البقرة: ١٨٧]، فكان الفجر حدًا لإباحة الأكل قبله وتحريمه بعده، فتعلق بالغاية إثبات ونفي كالاستثناء
стр. 5324
والشرط، غير أن الشرط موجب لثبوت الحكم بعده ولانتفائه قبله، والغاية موجبة لثبوت الحكم قبلها، ولا ينافيه بعدها. فإن اقترن بالغاية شرط تعلق الإثبات بها والنفي بأحدهما، كقوله تعالى: ﴿وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ وهذا غاية، ثم قال: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَاتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمْ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٢٢]، وهذا شرط [فتعلق حكم الإثبات بوجود الشرط بعد الغاية]، فلا يستباح وطئها إلا بالغسل بعد انقطاع الدم، وتنتفي الاستباحة بعدمها أو عدم أحدهما من غاية أو شرطٍ.
وأما القسم الخامس: وهو المحكم والمتشابه، فأصله قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ﴾ [آل عمران: ٧]، وفي المحكم والمتشابه للعلماء ثمانية أقوال: أحدها: وهو قوله ابن عباس وابن مسعود ﵃ المحكم الناسخ، والمتشابه المنسوخ.
والثاني: المحكم الفرائض والوعد، والمتشابه القصص والأمثال.
والثالث: المحكم الذي لم تتكرر ألفاظه، والمتشابه الذي تكررت ألفاظه.
والرابع: المحكم ما عرف العلماء تأويله وفهموا معناه، والمتشابه ما لم يكن لهم إلى علمه سبيل، كقيام الساعة، وطلوع الشمس من مغربها.
والخامس: المحكم ما أحكم الله تعالى بيان حلاله وحرامه، فلم تشتبه معانيه، والمتشابه ما اشتبهت معانيه.
[١٠٣/أ] والسادس: المحكم ما لم يحتمل من التأويل إلا وجهًا واحدًا، والمتشابه ما احتمل من التأويل أوجهًا.
والسابع: المحكم ما قال بنفسه ولم يحتج إلى الاستدلال، والمتشابه ما لم يقم بنفسه واحتاج إلى الاستدلال.
والثامن: المحكم ما كانت معاني أحكامه معقولة، والمتشابه ما كانت معاني أحكامه غير معقولة، كأعداد الصلاة، واختصاص الصيام بشهر رمضان.
وفي قوله تعالى: ﴿هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ ثلاثة أوجه: أحدها: أنه أراد الآي التي فيها الفرائض والحدود؛ لأنها أكثر المقصود.
والثاني: أراد فواتح السور التي يستخرج منها القرآن.
والثالث: أراد معقول المعاني؛ لأنه يتفرع عنه ما يشاركه في معناه، فيصير الأصل كفروعه كالأم لحدوثها عنه، فلذلك يسمى أم الكتاب.
﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾ [آل عمران: ٧]، فأراد به الأجل الذي أرادت اليهود أن يعرفوا من الحروف المقطعة في القرآن من انقضاء مدة النبي ﷺ بحساب الجمل.
والثاني: أنه معرفة غرائب القرآن في العلم بورود النسخ قبل وقته. ﴿ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ﴾:
стр. 5325
أي الشرك. وقيل: اللبس. وقيل: إفساد ذات البين. ﴿وَابْتِغَاءَ تَاوِيلِهِ﴾ أي التفسير، وقيل: إنه العاقبة المنتظرة. ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَاوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ﴾ قيل: تأويل جميع المتشابه؛ لأن فيه ما يعلمه الناس وفيه ما لا يعلمه إلا الله . وقيل: تأويله القيامة لما فيه من الوعد والوعيد [١٠٣/ب] كما قال تعالى: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ تَاوِيلَهُ يَوْمَ يَاتِي تَاوِيلُهُ﴾ [الأعراف: ٥٣]، ويعني يوم القيامة، وقيل: [إن تأويله وقت حلوله]. قوله: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ يعني الثابتين فيه والعاملين به. وقيل: يعني المستنبطين له والعالمين به، وفيهم وجهان:
أحدهما: أنهم داخلون في الاستثناء، وتقديره أن الذي يعلم تأويله هو الله تعالى والراسخون في العلم أيضًا يعلمونه. وقال مجاهد: قال ابن عباس ﵄: أنا ممن يعلم تأويله.
والثاني: أنهم خارجون من الاستثناء، ويكون معنى الكلام: وما يعلم تأويله إلا الله وحده، ثم استأنف فقال: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾ ﴿كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ وهذا يحتمل وجهين، أحدهما: أن علم ذلك عند ربنا.
والثاني: ما فصله الله تعالى من المحكم والمتشابه منزل من عند ربنا، وإنما جعل الله تعالى كتابه محكمًا ومتشابهًا استدعاءً للنظر من غير اتكال على الخبر ليتبين التفاضل ويستجزل الثواب.
وروى معاذ ﵁ أن النبي ﷺ قال: "القرآن على ثلاثة أجزاء؛ حلال فاتبعه، وحرام فاجتنبه، ومتشابه يشكل عليك فكله إلى عالمه".
فإذا وضح ذلك فما تضمنه كتاب الله تعالى من الأحكام والأعلام ينقسم أربعة أقسام؛ أحدها: محكم في جميع أحواله، ومتشابه في أحواله، ومتشابه في حالٍ ومحكم في حالٍ، ومحكم من وجه ومتشابه من وجه. فأما الأول فضربان: مفهوم ومعقول، والفرق بينهما أن المفهوم [١٠٤/ أ] ما لم يحتج إلى فكر، والمعقول ما احتاج إلى فكر.
والمفهوم ضربان: أحدهما: ما فهم بصريح لفظه كقوله تعالى في تحريم المناكح: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣].
والثاني: ما فهم بمخرج خطابه مثل قوله تعالى في تحريم الخمر والقمار: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾ [المائدة: ٩٠]، فدل وضع الخطاب على تحريمه.
وأما المعقول فضربان: أحدهما: ما علم بالتنبيه، كقوله تعالى: ﴿وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ [النساء: ١١]، فنبه بثلث الأم أن الباقي للأب.
следующие страницы →