← Фикх шафии

Фикх шафии · id 16934

بحر المذهب للروياني

عَبْد الواحِد الرُّوْياني

Полный текст (7 151 стр.). Показаны 5496–5535 · переход к 5501.

стр. 5496

فلأن تنقضي بهذا أولى, ولا تصير أم ولده لأنها إنما تصير أم ولده بثبوت الحرية في الولد ولم تثبت الحرية ههنا والغرة تجب للإنسان واسم الإنسان لا يقع عليه. ومن أصحابنا من زاد طريقة رابعة, وقال قول واحد: إنه لا يتعلق به شيء من الأحكام. وأراد بما نص في العدة إذا كانت فيها تصوير دقيقة. واعلم أن الشافعي قال ههنا: "مَا تَعْلَمُ أَنَّهُ وَلَدُ مُضْغَةِ أَو غَيْرِهَا"، وهذا يوهم أن ما دون المضغة كالمضغة في العلم بكونه ولدًا وليس كذلك لأن ما دون المضغة نطفة أو علقة, وإذا طرحت ذلك لا يتعلق به الحكم, وأراد الشافعي بقوله أو غيرها ما كان فوق المضغة لا ما دونها. مسألة: قَالَ: "وَلَوْ كَانَتْ تَحِيْضُ عَلَى الحَمْلِ تَرَكَتِ الَّصلاَةَ وَاجْتَنَبَهَا زَوْجُهَا". الفصل: اختلف قول الشافعي في الحامل هل تحيض أم لا؟ فقال في الجديد: تحيض وهو الأصح, وبه قال مالك, والدليل عليه ما روى أن رجلين تنازعا مولودًا فترافعا إلى عمر ﵁ فدعا القافلة فألحقوه بهما فدعا نسوة من قريش فسألهن عن ذلك فقلن: إنها حملت من الأول, ثم حاضت على الحمل فاستحشف الولد ثم أصابها الثاني فانتعش الولد من ماء الثاني, فأخذ الشبهة منهما, فقال عمر: الله أكبر وألحق الولد بالأول ولم ينكر عليهن قولهن حاضت على الحمل, وقالت عائشة ﵂: كنت قاعدة أغزل وكان رسول الله ﷺ : يخصف نعله, فنظرت إلى رسول الله- ﷺ فجعل جبينه يعرق وجعل عرقه يتولد نورًا فبهت, فنظر إليَّ رسول الله [ق ٦٠ أ] ﷺ فقال: "ما لك يا عائشة" فقلت: يا رسول الله نظرت إليك فجعل جبينك يعرق وجعل عرقك يتولد نورًا، ولو رآك أبو كثير الهذلي لعلم أنك أحق بشعره, قال: "وما يقول أبو كبير" قلت: يقول: وَمُبَرَّأ مِنْ كُلِّ غَيَّرِ حَيْضَةٍ وَفَسَادِ مُرْضِعَةٍ وَدَاءٍ مُعَضَّلِ وَإِذَا نَظَرْتَ إِلَى أَسِرَّة وَجْهِهِ بَرِقَتْ كَبَرْقِ العَارِضِ المُتَهَلِّلِ فوضع رسول الله ﷺ ما كان في يده وقام إليَّ وقبل عيني, ثم قال: "يا عائشة ما سررت مني كثير" وروي "منك" وروى عن عائشة ﵂ أنها سئلت عن الحائل

стр. 5497

ترى الدم فقالت: "لا تصلي". ومثله عن أنس بن مالك, فإن قيل: روي عن عطاء أنها قالت: الحبلى لا تحيض, فإذا رأت الدم صلت. قيل: أنكر يحيى القطان هذه الرواية وضعفها. وقال إسحاق الحنظلي قال لي أحمد بن حنبل: ما نقول في الحائل ترى الدم فقلت: تصلي, واحتججت بخبر عطاء عن عائشة ﵂, فقال أحمد أين أنت من خبر المدنيين عن عائشة ﵂, فإنه أصح. وهو ما ذكرنا عنها رواية أم علقمة مولاة عائشة عنها. قال إسحاق: فرجعت إلى قول أحمد ويحتمل أن عائشة كانت ترى أن لا تحيض في الأول, ثم رجعت عن ذلك على ما روينا. وقال في القديم: إنها لا تحيض فإذا رأت الدم كان دم فساد, وبه قال أبو حنيفة: واحتج بأن الحيض جعلت دليلًا على براءة الرحم, فلو كانت تحيض على الحمل بطلت الدلالة على ذلك قلنا: إنما جعلت دليلَا ظاهرًا على الغالب, ويجوز أن تحيض مع هذا كما أن الغالب في مدة الرضاع عدم الحيض, ثم إذا وجد حكم بكونه حيضًا. فرع: إذا قلنا إنها لا تحيض ففي أول زمانه وجهان: أحدهما: من وقت العلوق [ق ٦٠ ب] فإن تركت الصلاة عند رؤية الدم لخفاء أمارة الحمل قضت. والثاني: من وقت حركة الحمل التي تحتاج فيها إلى الاعتداد بدم الحيض فما كان ثخينًا محتدمًا فهو حيض, وإن كان رقيقًا أصفر فيه وجهان, لأن الحيض في الحمل غير معتاد والصفرة والكدرة في غير أيام العادة هل يكون حيضًا أم لا فيه وجهان: فرع آخر: لو انقطع دم حيضها ثم وضعت نُظر, فإن كان بين انقطاعه وبين الوضع أقل من أول

стр. 5498

الطهر فيه وجهان: أحدهما: دم فساد ولا يكون حيضًا؛ لأنه لا يجوز أن يكون بين الدمين أقل من خمسة عشر يومًا طهرًا. والثاني: وهو الأصح أنه حيض صحيح؛ لأنَّا نعتبر أقل الطهر بين الحيضتين: فأما بين حيض ووضع ونفاس عقيبه فلا يمنع أن يكون بينهما أقل الطهر, وغن كان بين انقطاعه وبين الوضع أقل الطهر فصاعدًا كان حيضًا بلا إشكال. فرع آخر: قال بعض أصحابنا: إذا قلنا: لا تحيض فدمها دم استحاضة, وهل تغتسل لكل صلاة احتياطًا أو تتوضأ؟ فيه وجهان, وهذا غريب بعيد. مسألة: قَالَ: "وَلاَ تُنْكَحُ المُرْتَابَةُ وَإِنْ أَوْفَتْ عِدَّتَهَا لأَنَّهَا لَا تَدْرِب مَا عِدِّتُهَا, فَإِنْ نُكِحَتْ لَمْ أَفْسَخُ". إذا عتدت المرأة بالأقراء, ثم ارتابت والريبة أن يظهر بها [ق ٦١ أ] أمارات الحمل وهو كبر البطن والثقل والحركة, فإنها تتوقف عن النكاح, فإن خالفت ونكحت قال الشافعي ههنا: "لَمْ أَفْسَخُ نِكَاحِهَا" فإن بانت حائلًا فالنكاح لحاله, وغن بانت حاملًا فالنكاح باطل. وكذا في "الأم", وقالت في موضع آخر: "فإن نكحت فالنكاح باطل" ولا يختلف أصحابنا أنها ليس على قولين, وإنما هي على اختلاف حالين واختلفوا في ذلك على ثلاثة طرق: أحدهما: قال ابن خيران, والأصطخري, وأبو إسحاق: معنى ما نقله المزني إذا عرضت الريبة بعد انقضاء عدتها فيستحب لها أن لا تتزوج, فإن تزوجت فقد أساءت والنكاح صحيح, وتستحب لزوجها أن يترك وطئها ولا يجب عليها ذلك ونظر فيه، فإن وضعت لدون الأقراء, فغن مضت ستة أشهر ولم تضع ثبت النكاح وما تلده بعد ذلك من الأولاد يكون ملحقًا بالثاني, والذي قال النكاح باطل أراد إذا عرضت الريبة في حال العدة فلا يحكم بانقضاء عدتها؛ لأنها لا تدري هل عدتها بالحمل أو بالأقراء, فإذا نكحت كان باطلًا. والفرق أن الريبة إذا حدثت بعد انقضاء العدة فقد حكم بانقضائها فلا يؤثر ما يطرأ من الشك في النكاح المعقود, وإذا حدثت في العدة فلم نحكم بانقضاء العدة فأثر ومنع النكاح, وهذا كما لو تغير حال الشهود بعد الحكم لا يضر الحكم على الريبة, فإذا

стр. 5499

نكحت على الريبة فالنكاح باطل؛ لأنها لا تدري إن عدتها كانت بالأقراء فتكون قد حلت للأزواج, أو بالحمل فلم تحل وهي محرمة بيقين فلا تحل إلا بيقين. قال: ولا يجوز [ق ٦١ ب] أن يكون العقد في الابتداء موقوفًا ويجوز أن يطرأ ما يوقف به, ألا ترى أنه لو تزوج معتدة أو محرمة فإنه لا يجوز ولو تزوج ثم طرات العدة أو الإحرام جاز النكاح. قال الماسرجسي: وهذا أصح فاحفظوه, فإن في سواد المزني خللًا, وقال غيره: هذا ضعيف؛ لأنه مخالف النص ههنا حيث قال: "وَلَا تُنْكَحُ المُرْتَابَةُ, فَإِنْ نُكَحَتْ لَمْ أَفْسَخْ". فدل على أنها مرتابة عند عقد النكاح. وقال أيضًا: "فَإِنْ بَرِثَت مَنَ الحَمْلِ, فَالنِّكَاحُ صَحِيحٌ, وَقَدْ أَسَاءَتْ" فلو كان النكاح قبل الريبة لم تكن مسيئة. وقال بعض أصحابنا وهي الطريقة الثالثة: الذي قال: النكاح باطل إذا وضعت حملًا لدون ستة أشهر من حين عقد النكاح, والذي لا أفسخ إذا انقضت العدة من غير ريبة ثم ارتابت وتزوجت ووضعت لستة أشهر فأكثر من حين النكاح؛ لأنَّا لا نتحقق أنها كانت حاملًا حال عقد النكاح, وهذا أيضًا ضعيف لأنه قال: "فإن نكحت فالنكاح باطل" ولم يوقف على وضع الحمل, فإذا ثبت ما ذكرنا حصل ههنا ثلاث مسائل: إحداهما: إذا ارتابت قبل انقضاء العدة, ثم انقضت ونكحت فالنكاح باطل بلا خلاف. والثانية: إذا انقضت العدة من غير ريبة, ثم ارتابت، ثم تزوجت, قال ابن سريج: النكاح باطل, لأنَّا لو صححنا لوقع النكاح موقوفًا, ولا يجوز ذلك عند الشافعي والمذهب أنه صحيح؛ لأن العدة انقضت من غير ريبة وحكم بانقضائها حتى أبحنا النكاح وأسقطنا النفقة والسكنى فلا يبطل هذا الحكم بالشك, وقيل: فيه قولان, قال القفال: وهما كالقولين فيمن شك في وفاة أبيه الغائب فباع ماله, ثم بان أنه كان مات وورثه هو [ق ٦٢ أ] هل يجوز البيع؟ قولان. وكالقولين فيمن فرغ من صلاته, ثم اعترض الشك هل صلى ثلاثًا أو أربعًا؟ قال في "الإملاء": "صلاته تامة", وقال في موضع آخر: "إن كان الوقت قريبًا بني على صلاتِه وسجد للسهو, وإن كان بعيدًا استأنف". ثم قال المزني: جعل الشافعي الحامل تحيض ولم يجعل لحيضها معنى تعتد به, كما تكون التي لم تحيض تعتد بالشهور, فإذا حدث الحيض كانت العدة بالحيض والشهور, كما كانت تمر عليها وليست بعدة كذلك الحيض يمر عليها وليست بعدة, وليس كل حيض عدة كما ليس كل شهور عدة, وقصد المزني بهذا الكلام نصرة قول الشافعي أن الحامل تحيض وجواب سؤال لأبي حنيفة وهو أنه قال: لو كانت حيضًا لانقضت عدتها بثلاثة منها فأجابهم بأن العدة إنما تنقضي بما وصفها الله , فعدة الحامل بالحمل والدماء تمرّ عليها ولا تحسب كالشهور تمرّ عليها ولا تحسب, وعدة الوفاة بالشهور

стр. 5500

والدماء تمر عليها ولا تحسب كذلك ههنا. مسألة: قَالَ: "وَلَوْ كَنَتْ حَامِلًا بِوَلَدَيْن فَوَضَعَتْ الأَوَّلَ فَلَهُ الرَّجْعَةُ". إذا كانت حاملًا فطلقها زوجها فعدتها أن تضع حملها, فإن كانت حاملًا بولدين توأمين لا تنقضي عدتها حتى تضعهما معًا, فإن وضعت أحدهما فهي في عدتها وله مراجعتها, فإن وضعت الثاني بانت وانقطعت الرجعة, وبه قال كافة العلماء, وقال عكرمة: تنقضي عدتها بوضع الولد الأول, وهذا غلط لقوله تعالى ﴿وَأُوْلتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق:٤] وهذه لم تضع جميع حملها ولان العدة تراد لبراءة الرحم [ق ٦٢ ب] وهي لا تحصل إلا بوضع جميع الحمل. وقال عبد الله بن مسعود ﵁: أجل كل حامل أن تضع ما في بطنها. وروى عن علي, وابن العباس ﵃ أنهما قالا في التي في بطنها ولدان تضع واحدًا ويبقى الآخر: هو أحق برجعتها ما لم تضع الآخر, وبه قال عطاء, والشعبي أورده الإمام البيهقي ﵀. مسألة: قَالَ: "وَلَوْ ارْتَجَعَهَا وَقَدْ خَرَجَ بَعْضُ وَبَقِيَ بَعْضُ وَلَدِهَا كَانَتْ رَجْعََةٌ", إذا كان الحمل واحدًا فانقضاء العدة بانفصال جميعه, فإن خرج بعضه وبقي البعض وإن كان إصبعًا فهي في العدة وله مراجعتها. وقال عكرمة: تنقضي عدتها بخروج البعض ولا رجعة. وهذا غلط؛ لأن الله تعالى قال: ﴿أّن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطّلاق:٤] ووضع الحمل بانفصال جميعه, ولأنه لو أعتقت الأمة وخرج بعض ولدها عتق الولد بعتقها, ولو ضرب ضارب بطن امرأة حامل وكان قد خرج بعض الولد فخرج الباقي ميتًا تلزم الغرة, فدل أنه لا حكم له ما لم ينفصل كله. مسألة: قَالَ: "وَلَوْ أّوْقَعَ الطَّلَاقَ فَلَمْ يَدْرِ وِلَادَتُهًا بَعْدَهُ فَقَالَ: وَقَعَ بَعْدَمَا وَلَدَتْ". الفصل: إذا طلق امرأته ووضعت ولدًا, ثم اختلفا لا يخلو من ثمانية أحوالٍ:

стр. 5501

أحدها: أن يتفقا على وقت الولادة أنه في يوم الجمعة, واختلفا في وقت الطلاق فقال الزوج: طلقت يوم السبت, وقال الزوجة: بل طلقت يوم الخميس فالقول قوله مع يمينه, وعليها الاعتداد بالأقراء, وله الرجعة؛ لأن الطلاق من جهته, فكان القول فيه قوله [ق ٦٣ أ] والثاني: أن يتفقا على أن الطلاق كان في يوم الجمعة واختلفا في وقت الولادة, فقالت: ولدت يوم السبت, وقال الزوج: بل ولدت يوم الخميس فالقول قولها, وقد انقضت عدتها لأنها أعرف بما حدث منها من الولادة. والثالث: أن يختلفا في وقت الطلاق, وفي وقت الولادة, فقال الزوج: ولدت يوم الجمعة وطلقت يوم السبت, وقالت الزوجة: بل طلقت يوم الجمعة وولدت يوم السبت يتخالفان والبادئ باليمين أسبقهما بالدعوى, وفي كيفية اليمين وجهان: أحدهما: يحلف بالله ما طلقها إلا بعد ولادتها وتحلف الزوجة بالله ما ولدت إلا بعد طلاقه لأن هذا أوجز. والثاني: يحلفان على صفة الدعوى فتتضمن يمين كل واحد منهما إثبات ما ادعاه ونفي ما ادعى عليه, فيقول: بالله لقد ولدت يوم الجمعة وما طلقتها إلا يوم السبت, وتقول بالله لقد طلقني في يوم الجمعة ولقد ولدت يوم السبت, ولا يحتاج أن يقول: ما ولدت إلا في يوم السبت, وإن احتيج ذلك في الطلاق؛ لأن الولادة لا تتكرر والطلاق قد يتكرر, فإن نكلا يحكم عند نكولهما بقول أسبقهما بالدعوى, فإن كان الزوج حكم له بالرجعة وعليها العدة, وغن كانت الزوجة أسبق بالدعوى حكم لها بانقضاء عدتها, وإن حلف أحدهما دون الآخر حكم للحالف, وإن حلفا فالتحالف وقع على حكمين الرجعة والعدة فأنفهما الزوج لنفسه بيمينه وتنفيها الزوجة عن نفسها بيمينها, فوجب أن يلزم كل واحد منهما أغلظ الأمرين عليه [ق ٦٣ ب] وأنفي للتهمة عنه وتجب العدة على الزوجة بيمين الزوج لأنه أغلظ الأمرين عليها وأنفي للتهمة عنها. والرابع: أن يتفقا على وقت الولادة ويشكا في وقت الطلاق هل تقدمها أو تأخر عنها فيحكم عليها بالعدة وللزوج بالرجعة, لأنَّا على يقين من حدوث الطلاق وفي شك من تقدمه والورع له أن لا يرتجع. والخامس: أن يتفقا على وقت الطلاق ويُشكا في الولادة هل تقدمت أو تأخرت يحكم لها بانقضاء العدة وسقوط الرجعة, لأنَّا على يقين من حدوث الولادة وفي شك من تقدمها والورع لها أن تعتد. والسادس: أن يقول: علمت أني طلقتك بعد ولادتك, وقالت الزوجة: لا أعلم, قلنا لها: هذا ليس بجواب, فإن أصرت جعلناها ناكلة والقول قول الزوج بعلمه بما جهلته وعليها العدة وله الرجعة, ولها إحلافه على الرجعة دون العدة فإن لم يرتجعها لا يمين عليه.

стр. 5502

والسابع: أن تقول: علمت أني ولدك بعد طلاقك، وقال الزوج: لا أعلم قلنا له: هذا ليس بجواب، فإن أصر جعلناه ناكلاً والقول قولها ولا عدة ولا رجعة، وله إحلافها في سقوط العدة دون الرجعة انه لا يستبيح الرجعة مع الجهل باستحقاقها. والثامن: أن يجهلا وقت الطلاق والولادة معًا، قال الشافعي: ولم لم يدر واحد منهما كانت العدة عليها لأنها وجبت فلا يزيلها إلا بيقين، والورع أن لا يرتجعها، وهذا لأن الأصل ثبوت الرجعة فله أن يرتجعها في ظاهر الحكم والورع أن لا يفعل ذلك لجواز أن يكون الطلاق قبل الولادة، ولا يجئ في هذا القسم الإحلاف [ق ٦٤ أ] لأن الدعوى لا تسمع هكذا، وإن تداعيا مطلقًا، فقال الزوج: لم تنقض عدتك بوضع الحمل فعليك الاعتداد بالأقراء، وقالت: انقضت عدتي بالولادة، فالقول قوله؛ لأن الأصل بقاء العدة. مسألة: قَالَ: "وَلًَوْ طَلَّقَهَا فَلَمْ يَحْدِثْ لَهَا رَجْعَةً وَلاَ نِكَاحًا حَتَّى وَلَدَتْ لأَكْثَرِ مِنْ أَرْبَع سِنِينٍ وأَنْكَرَهُ الزَّوْجُ فَهُوَ مُنْتَفٍ عَنْهُ بِاللَّعَانِ لأَنَّهَا وَلَدَتْهُ بَعْدَ الطَّلاَقِ لَمَّا لاَ يَلِدُ لَهَ النَّسَاءُ". جملة هذه المسألة أن المطلقة إذا ولدت ولدًا فإن كان لأربع سنين فما دونها فهو لاحق بالمطلقة ما لم تتزوج، سواء كان الطلاق بائنًا أو رجعيًا، وسواء اعترفت بانقضاء عدتها أو لم تعرف؛ لأنه يمكن أن يكون بينة منه؛ لأن أكثر مدة الحمل أربع سنين، وإن كان الظاهر يخالفه وهذا كما لو أتت امرأته بولد لستة أشهر من يوم النكاح لحقه للإمكان وإن كان الظاهر يخالفه. وقد ذكرنا ما قيل في أكثر مدة الحمل. وقال الزهري، وربيعة، والليث: أكثر مدة الحمل سبع سنين، وعن مالك ثلاث روايات: إحداها: أربع سنين، والثانية: خمس سنين، والثالثة: سبع سنين، فإذا ثبت ما ذكرنا فإنها تكون معتدة به حتى تضعه ويثبت للزوج عليها الرجعة، وغن كان الطلاق رجعيًا وتستحق السكنى والنفقة حتى تضع، وإن كان لأربع سنين نظر، فإن كان الطلاق بائنَا لم يلحقه الولد وكان منفيًا عنه بلا لعان. ونقل المزني: فهو منفي عنه باللعان، ثم اعترض عليه قال: إذا كان الولد عنده لا يمكن أن تلده منه فلا معنى للعان. ويشبه أن يكون هذا غلطًا [ق ٦٤ ب] من غير الشافعي، ثم قال الشافعي في موضع آخر: لو قال لها: كلما ولدت ولدًا فأنت طالق فولدت ولدين بينهما سنة طلقت بالأول وحلت للأزواج بالآخر، ولم يلحق به الآخر لأن الطلاق وقع

стр. 5503

بولادتها ثم لم يحدث لها نكاحًا ولا رجعة، ولم تقر به فيلزمه إقراره فكان الولد منفيًا عنه بلا لعان، وغير ممكن أن يكون في الظاهر منه. قال المزني: فوضعها لما لا تلد له النساء من ذلك أبعد، وبأن لا يحتاج إلى لعان به أحق. والجواب: أن الشافعي ذكر هذه المسألة في الأم وقال: إذا ولدته لأكثر من أربع سنين فهو منفي عنه بلا لعان. فهذا غلط إما أن يكون من الكاتب أو من المزني في نسخته، وتعليل الشافعي يدل على هذا لأنه قال: لأنها وارثة لما لا تلد له النساء. فتأمل هذا ويحتمل أنه التزق اللام من لا بلام اللعان، فقدر أنه باللعان. وأما مسألة الولدين فعلى ما ذكره ونقله، وقد ذكرنا فيما قبل أن في مسألة الولدين لا يلجق به الثاني وإن كان لأقل من أربع سنين؛ لأنهما ليس بحمل واحد، ولم تكن بعد ولادة الأول فراشًا حتى يتوهم العلوق بالولد الثاني منه فنفيناها عنه، كما لو جاءت به لأكثر من أربع سنين في غير هذا الموضع، وإن كان الطلاق رجعيًا فهل يلحق به الولد الثاني وهو إذا أتت به لدون سنة أشهر من ولادة الأول، إذا قلنا لا يلحقه، وهو فيما نقله المزني تنقضي عدتها بوضع هذا الولد الثاني؛ لأن هذا الولد يمكن أن يكون منه بوجه أشبهه أو تجريد نكاح [ق ٦٥ أ] فانقضت به العدة، وإن نفينا عنه في الظاهر، ألا ترى أنه لو اعترف بما ذكرنا لحق به الولد، وهو كما نقول في الملاعنة تنقضي عدتها بوضع الحمل، وإن كان منفيًا عنه باللعان لإمكان أن يكون منه، فإنه لو اعترف به يلحقه، وكذلك في المسألة السابقة إذا أتت به لأكثر من أربع سنين وكانت اعتدت بالشهور أو الأقراء، وقلنا: يلحقه تنقضي عدتها بهذه الولادة. ومن أصحابنا من اعتبر دعواها سببًا يلحق به الولد، فإن لم تدع ذلك لا تنقضي عدتها؛ لأن المشاهدة توجب خلاف ذلك، وما انتفي عنه لعدم الإمكان لا تنقضي به العدة، كزوجة الصغير إذا ولدت لا تنقضي عدتها به، وفي ولد الملاعنة لم يحكم بانقضاء عدتها بغيره فجاز أن تنقضي عدتها به، وههنا بخلافه؛ لأن ذلك يمكن أن يكون منه بالنسب المتقدم بخلاف هذا، وهذا اختيار جماعة من أصحابنا، وإن تزوجت في عدتها بزوج آخر فحبلت منه ووضعته لا تنقضي عدتها بوضعه من الأول، وإن أمكن أن يكون منه؛ لأن هذا الولد ألحقناه بالثاني وجعلنا العدة من الثاني، ولا يجوز أن تداخل العدتين عندنا وليس كذلك في مسألتنا؛ لأن الولد غير ملحق بغيره ولا يتعلق به انقضاء العدة من غيره فافترقا، وإن كان الطلاق رجعيًا في مسألة الكتاب فيه قولان: أحدهما: أنها بمنزلة الثانية؛ لأن الرجعية محرمة عندنا تحريم المبتوتة. والثاني: أن ولدها يلحقه وإن ولدت لأكثر من أربع سنين وأصل هذا أن الرجعية هل هي فراش أم لا؟ قولان:

стр. 5504

أحدهما: أنها فراش لبقاء النكاح بدليل صحة ظهاره وإيلائه منها. والثاني: أنها لا تكون فراشًا [ق ٦٥ ب]. فإذا قلنا: إنها فراش فإلى متى يلحقه الولد؟ قال أبو إسحاق: يلحقه أبدا، وقال الماسرجسي: سئل أبو إسحاق عن ولد الرجعية إلى متى يلحقه قال: إلى ثلاثة ألاف سنة، وهذا مبالغة في التأكيد. ومن أصحابنا من قال: يلحقه إلى أربع سنين من وقت انقضاء عدتها بالأشهر أو بالأقراء؛ لأنها في زمان العدة كالزوجة في الأحكام، وإذا أقرت بانقضاء عدتها انقطع أحكام الزوجية وهذا هو الصحيح، وهو الذي نص عليه الشافعي، واستدل أبو إسحاق على ما قاله بأنها وإن رأت الأقراء يمكن أن تكون في الباطن حائلاً، وقد حاضت على الحمل فيلحقه الولد أبداً، وهذا غلط لأنها تبين بانقضاء عدتها، وبينونة الرجعية بانقضاء العدة لبينونتها بالطلاق الثلاث، فإذا أتت به بعد مضي العدة يعلم أنه يحصل بعد البينونة؛ لأنه لا يمكن حصوله في هذه العدة إذا تحمل لا ينفي حملاً لأكثر من أربع سنين، فعلم أن هذا سهو منه، وإن لم تقر هي بانقضاء العدة فولدها يلحقه، وإن طال الزمان؛ لأن عدة المرأة قد تمتد سنين كثيرة. قال القفال: ومن أصحابنا من قال: إذا مضت ثلاثة أشهر من يوم الطلاق ثم أتت به لأكثر من أربع سنين لم يلحقه؛ لأن الغالب أن العدة تنقضي في مثل هذا، وهذا ضعيف. مسألة: قَالَ: "وَلَوْ ادَّعَتِ المَرْأَةُ أَنَّهُ رَاجَعَهَا فَي العِدَّةِ أَوْ نَكَحَهَا إِنْ كَانَتْ بَائِنًا أَوْ أَصَابَهَا وَهِيَ أَنَّ لَهُ عَلَيْهَا لَمْ يَلْزَمْهُ الوَلَدُ وَكَانَتْ اليَمِينُ عَلَيْهِ". أجاب في هذه المسألة على قوله: أن الرجعية كالبائن في أنها ليست بفراش؛ لأنها على القول الآخر لا تحتاج إلى دعوى الرجعة، بل هي فراش له يلحقه ولدها إلا أن يلاعن، وسورة المسألة [ق ٦٦ أ] أن تلد بعد الطاق لوقت لا يلحقه وهو أربع سنين، وتدعي أنه كان قد تزوج بها أو راجعها إن كانت رجعية، فالولد لاحق، ولا يخلو إما إن كانت الدعوى على الزوج أو على غيره، فإن كانت على الزوج لا يخلو إما أن يصدقها أو يكذبها، فإن صدقها فقد أقر بوجوب المهر عليه إن كان الطلاق بائنًا واستحقاق النفقة والسكنى، وإن كان ذميًا فقد أقر استحقاق النفقة والسكني وتضمن إقراره هذا ثبوت الفراش، فإن صدقها أنها ولدت ذلك الولد لحقه بالفراش، وإن أنكر وقال: ما ولدتيه بل استعرتيه فعليها البينة على الولادة، ويقبل رجلان، أو رجل وإمرأتان، أو أربع نسوة، فإن

стр. 5505

لم تقم البينة فالقول قوله، فإن حلف سقطت دعوى الزوجة ولم يلحقه النسب، وإن لم يحلف رددنا اليمين على المرأة فتحلف وتثبت الولادة، ثم النسب يثبت بحكم الفراش، وإن كذبها لا يخلو إما أن يكون معها بينة أو لا بينة معها، فإن كان معها بينة لم تقبل على الرجعة والنكاح إلا ذكرين، فإذا أقامت هذه البينة تثبت الرجعة والنكاح والحكم على ما ذكرنا، وإن لم يكن معها بينة فالقول قوله مع يمينه، فإن حلف سقطت دعواها، وإن نكلت رددنا اليمين عليها، فإن حلفت ثبت جميع ما ادعت، وإن لم يحلف هل تؤخر اليمين للولد حتى إذا بلغ حلف، اختلف أصحابنا فيه على ما ذكرنا فيما تقدم، وإن كانت الدعوى على الورثة بعد موت الزوج لا يخلو إما أن يكون وارثًا يسقط بالحجب أو لا يسقط بالحجب، فإن كان لا يسقط بالحجب كالابن نظر، فإن كان ابنًا واحدًا فادعت الزوجة عليه ما ادعت على الزوج، فالحكم فيه كما لو كانت الدعوى على الزوج حرفًا بحرف إلا في فصلين: [ق ٦٦ ب] أحدهما: أن يمين الابن على العلم ويمين الزوج على البنت؛ لأنه يحلف على فعل نفسه والابن يحلف على نفي فعل الغير. والثاني: أنه إذا ثبت ههنا النسب لم يكن للابن نفيه باللعان وكان لأبيه نفيه باللعان، وإن كان اثنان أو أكثر فادعت عليها كأن اعترفا معًا، أو أنكرا وحلفا، أو أنكر، أو نكل عن اليمين فحلفت، أو اعترف أحدهما وأنكر الآخر ونكل عن اليمين فحلفت، فالحكم في كلها كما لو كان ابنًا واحدًا، وإن أنكر أحدهما وحلف واعترف الآخر فالذي أنكر وحلف قد أسقط دعواها في حقه. وأما الذي اعترف نظر فإن اعترف بالرجعة تثتب الرجعة ولها النفقة بالحصة من حقه، وإن اعترف بالنكاح ثبت ويثبت المهر بالحصة من حقه، ولم يثبت نسب الولد؛ لأنه لا يثبت باعتراف بعض الورثة وهل يثبت ميراث الزوجة بالحصة من حقه؟ وجهان ذكرناهما في كتاب الإقرار، ولو كان الوارث يسقط بالحجب كالأخ يسقط بالابن فادعت عليه ذلك، فإن اعترف لها بذلك ثبت كل ما ذكرنا لها. وأما الولد فإنه يثبت نسبه ولا يرث، وقد ذكرناه من قبل، وقال القفال: قال الشافعي في كتاب اللعان: "ولو قال لامرأته استعرت هذا الولد ولم تكون يحلف، فإن نكل حلفت" ولم ههنا إن نكل حلفت. واختلف أصحابنا فيه؛ فمنهم من سوى بينهما، ومنهم من قال: لا تحلف المرأة ههنا. والفرق أن هناك فراشًا ثابتًا فيحلف على محض فعلها وهو ولادتها إياه، ثم إذا ثبتت الولادة لحقه الولد بالفراش الثابت، كما لو شهد أربع نسوة بالولادة ثبت النسب تبعًا لما شهدت به وإن كانت بشهادتين لا يقبل في النسب فكذلك يمين الرد من هذه، وههنا هي تريد إثبات الفراش الجديد [ق ٦٧ أ] لأن الأول مرتفع فلا يثبت ذلك بيمينها. فإن قيل: إذا لم تقبلوا يمين الرد فلم حلفتموه بدعواها؟ قيل: لأنها قيمة ولدها ولها

стр. 5506

أن تدعي حقه كما تدعي بنفقته على الزوج وكما يدعي الأب ما لا لابنه الصغير ويحلف الخصم، ولو نكل لا يحلف الأب. وقال القاضي الطبري: قال أبو إسحاق: إذا نكل بعض الورثة عن اليمين وحلف البعض لا ترد اليمين؛ لأنه لا يجوز أن تبطل بيمينها يمين من حلف من الورثة، والصحيح ما تقدم. مسألة: قَال: "وَلَوْ نَكَحَتْ فِي العِدَّةِ فَأُصِيبَتْ". الفصل: جملة هذا أنه إذا طلق زوجه بعد الدخول فعليها العدة ولا يحل لها أن تتزوج قبل انقضاء عدتها، فإن خالفت ونكحت فالنكاح باطل ولا تنقطع عدة الأول ولا تصير قراشًا للثاني، ولا نفقة لها على الأول ولا سكنى إن كان الطلاق رجعيًا، ولا سكنى إن كان الطلاقي بائنًا؛ لأنها قد نشزت، فإن دخل بها الثاني نظر، فإن كان عالمًا بالتحريم وهي عالمة أيضًا فهما زانيان ويلزمهما الحد، ولا تنقطع عدتها بهذا الوطء ولا تصير فراشًا به للثاني؛ لأنه لا حرمة لماء الزاني فوجود هذا الوطء وعدمه في الحكم سواء. وقال أبو حنيفة: لا يلزم الحد بناء على أصله أن نفس العقد شبهة في إسقاط الحد، وإن كان جاهلاً بالتحريم قطع هذا الوطء عدة الأول وصارت فراشًا للثاني؛ لأنه وطء شبهة ودعواه الجهل بأنها معتدة يقبل بكل حال، فأما دعواه الجهل بأن النكاح في العدة حرام لا يقبل إلا ممن هو قريب العهد بالإسلام، ولا يجوز أن تعتد عن الأول وهي فراش عن الثاني فهي غير معتدة عن واحد منهما [ق ٦٧ ب]. وقال أبو حنيفة، وأحمد: لا تنقطع به عدة الأول؛ لأن كونها فراشًا لغير من له العدة لا يمنعها، كما لو وطئت بشبهة وهي زوجة فإنها تعتد وإن كانت فراشًا للزوج. وهذا غلط؛ لأن العدة تراد للاستبراء وكونها فراشًا ينافي ذلك فوجب أن يقطعها، وأما النكاح لا يمنعها لأنها طرأت عليه، فإذا ثبت هذا يلزم التفريق بينهما، فإذا فرق بينهما أكملت العدة عن الأول واستأنفت العدة من الثاني، فإذا كان قد مضي لها قرء من الأول أكملت قرءين، وإن كان قد مضى قرءان أكملت قرءًا آخر، ثم استأنفت العدة عن الثاني ثلاثة أقراء؛ لأن العدتين لا يتداخلان عندنا خلافًا لأبي حنيفة، هذا إذا كانت حائلاً، فإن كانت حاملاً لا يخلو من أربعة أحوال: أحدها: أن يمكن أن يكون من الأول دون الثاني، بأن أتت به لأقل من سنة أشهر من وطء الثاني وإتمام أربع سنين فما دونها من طلاق الأول، فهو من الأول دون الثاني،

стр. 5507

فتعتد بوضعه من الأول، ثم تعتد من الثاني عدة ثانية بالأقراء أو بالشهور، ولو كانت الولادة مع خاتمة أربع سنين من الأول كان كما لو ولدت قبل تمام أربع سنين وقوله: وتمام أربع سنين إشارة إلى هذا. والثاني: أن يمكن أن يكون من الثاني دون الأول، بأن أتت به لستة أشهر فصاعدًا إلى أربع سنين من وطء الثاني ولأكثر من أربع سنين من طلاق الأول، فإن كان الطلاق بائنًا انتفي عن الأول بلا لعان وكان ملحقًا بالثاني تنقضي عدتها به عنه، فإذا ولدت أكملت عدتها من الأول، وإن كان الطلاق رجعيًا فهل يلحق بالأول؟ قولان: فإن قلنا [ق ٦٨ أ] لا يلحق فحكمه حكم الطلاق البائن إلا في فصلين: أحدهما: أنها إذا انقضت عدة الثاني بوضعه وشرعت في إكمال العدة من الأول فللأول أن يراجعها في حال عدتها منه قولاً واحدًا فإنها في عدة خالصة منه، وإن كانت في زمان النفاس، وهل يلزمه نفقتها مدة النفاس كما يلزمه في القرءين بعده؟ وجهان. والثاني: أنه إذا أراد أن يراجعها في حال عدتها من الثاني وهو قبل الوضع هل تصح الرجعة؟ وجهان: أحدهما: لا تصح لأنها محرمة عليه كالمرتدة. والثاني: وهو الأصح لأنها محرمة لعارض فهو كما لو أحرمت، ويفارق المرتدة لأنها جارية إلى بينونة بخلاف هذه. وإذا قلنا: يلحقه فقد أمكن أن يكون من كل واحد منهما، وحكمه حكم القسم الثالث، أن تأتي به لستة أشهر فصاعدًا من وطء الثاني، ولأربع سنين فما دونها من طلاق الأول، فيعرض على القائف فأيهما ألحقه لحق، فإن ألحقه بالأول انقضت عدتها به عنه وتستأنف عدة الثاني ثلاثة أقراء بعد النفاس، فإن أراد الثاني أن ينكحها الآن فله ذلك لأنها عدة خالصة منه، والمستحب أن لا ينكحها في هذه العدة حتى تنقضي؛ لأنها تعتد عن ماء فاسد، وكذا لو لم يكن حبل وفرغت من عدة الأول وشرعت في العدة من الثاني فله أن ينكحها، والمستحب أن لا يفعل ذلك. نص عليه في الأم، وإن ألحقه بالثاني انقضت عدتها عنه، ثم أكملت العدة من الأول، وإن لم تكن قافة أو أشكل الأمر على القافة ترك حتى يبلغ فينتسب إلى من يميل طبعه إليه منهما، فإذا ألحقناه بأحدهما بالانتساب ثبت عن الآخر، فإذا وضعت في هذا الموضع خرجت من عدة الحمل [ق ٦٨ ب] وعليها أن تستأنف العدة بالأقراء فتأتي بثلاثة أقراء عقيب وضعه؛ لأنه إن كان من الثاني فقد احتاطت، وإن كانت من الأول فقد أوقف عدتها. والرابع: أن لا يمكن أن يكون من واحد منهما بأن أتت لأقل من ستة أشهر من وطء الثاني، ولأكثر من أربع سنين من طلاق الأول، والطلاق بائن أو رجعي، وقلنا إن

стр. 5508

المدة هناك من يوم الطلاق فهو منفي بلا لعان، ولا تنقضي عدتها به عن واحد منهما، فإذا وضعت أكملت عدة الأول واستأنفت عدة الثاني هكذا. ذكره جماعة، وقال بعض أصحابنا: هذا يخالف فيما تقدم إذا علق طلاقها بالولادة فولدت ولدين بينهما ستة أشهر ينتفي الثاني عنه وتنقضي به العدة، فينبغي أن تنقضي به العدة ههنا أيضًا. قال المزني: قد نفاه بلا لعان وهذا والذي قبله سواء، يعني المسألة التي وقع فيها خلل النقل، وقد ذكرنا ذلك الخلل ليس من جهة الشافعي والجواب واحد. مسألة: قَالَ: "فَإِنْ قِيلَ فَكَيْفَ لَمْ يَنْفِ الوَلَدَ إِذَا أَقَرَّتْ أَمَةُ بِانْقِضَاءِ العِدَّةِ، ثُمَّ وَلَدتْهُ لأَكْثَرَ مِنْ سِِتَّةِ أَشْهُرٍ بَعْدَ إِقْرَارِهَا". الفصل صورة المسألة أن يطلق زوجته فأقرب بانقضاء عدتها، ثم أتت بولد لدون أربع سنين من وقت الطلاق يلحق نسبه بالزوج، وبه قال مالك، وإنما قلنا كذلك لما ذكر الشافعي في جواب السؤال، وهو أنه يمكن أن تحيض وهي حامل فيقر بانقضاء العدة على ظاهر الأمارات بين الدماء والحمل قائم فلا يقطع حكم نسب الولد بإقرارها [ق ٦٥ أ] بانقضاء عدتها. وقال أبو حنيفة، وأحمد: إذا أتت به لأكثر من ستة أشهر من وقت الإقرار بانقضاء العدة لم يلحقه، وإن أتت به لأقل من ستة أشهر من ذلك الوقت لحقه. وحكي عن أبي إسحاق أنه قال: دخلت على ابن سريج فقال: مذهب أبي حنيفة في هذه المسألة أصح عندي. قال أبو إسحاق: والعجب من أبي حنيفة حيث قال ههنا: ينتفي عنه الولد مع الإمكان الظاهر ههنا وألحق من غير الإمكان في المشرقي إذا تزوج بمغربية وطلقها في مجلس الحكم، وهذا خطأ ظاهر. واحتج ابن سريج بأن الأمة تصير فراشًا بالوطء كالحرة تصير فراشًا بالعقد، ثم ثبت أنه لو وطء أمته، ثم استبرأها، ثم أتت بولدٍ لستة أشهر أو أكثر لا يلحقه، نص عليه الشافعي فكذلك ههنا لا يلحقه نسبه بعد إقرارها بانقضاء العدة إذا أتت به لستة أشهر فأكثر، قيل: في كلا المسألتين قولان على سبيل النقل والتخريج وهو ضعيف، وقيل: في مسألة الأمة قولان، وفي الحرة قول واحد حكاه صاحب "الإفصاح" وقيل: وهو قول الجمهور: المسألتان على قول واحد والفرق أن ولد الأمة في الابتداء لا يلحق بالإمكان، وإنما يلحق بالإقرار بالوطء، فإن استبرأها زال حكم الوطء في الظاهر وبقي

стр. 5509

الإمكان فلا يلحق به، وليس كذلك ولد الحرة لأنه يلحق بالإمكان من غير إقرار بالوطء في الابتداء فكذلك يلحق بعد انقضاء الإقراء، فإن نكحت زوجًا آخر بعد إقرارها ب انقضاء العدة، ثم أتت بولدٍ لستة أشهر فالولد يلحق بالثاني بلا إشكال؛ لأنه أقوى سببًا [ق ٦٩ ب] من الأول. ثم اعلم أن الشافعي قال ههنا عقيب هذه المسألة: "وَكَانَ الَّذِي يَمْلِكُ الرَّجْعَةَ وَلاَ يَمْلِكُهَا فِي ذَلِكَ سَوَاعءٌ لأَنَّ كِلْتَيْهِمَا تَحِلاَّنِ بِانْقِضَاءِ العُدَّةَ لِلأَزْوَاجِ" ومعناه أنهما سواء في مسألة الخلاف لأن العلة التي ذكرناها موجودة فيهما جميعًا. ثم قال المزني: فقال الشافعي في باب اجتماع العدتين "وَالقَافَةِ" إِنْ جَاءَتْ بِوَلَدٍ لأَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِ سِنِينَ مِنْ يَوْمِ طَلَّقَهَا الأَوَّلُ، فَإِنْ كَانَ يَمْلِكُ الرَّجْعَةَ دَعَا لَهُ القَافَةَ، وَإِنْ كَانَ لاَ يَمْلِكُ الرَّجْعَةَ فَهُوَ الثَّانِي" فجمع بين من لا رجعة له عليها ومن بين من له الرجعة في باب الدخول بها، يعني في هذا الباب الذي نحن فيه، وفرق بينهما في اجتماع العدتين، ومراد المزني بهذا الكلام بيان كيفية احتساب السنين الأربع، فإذا كانت بائنة فأول السنين الأربع محسوب من وقت الطلاق لا من وقت انقضاء العدة؛ لأنه لو تعمد وطئها في العدة فجاءت بولد كان منفيًا عنه وكان زانيًا بذلك الوطء وعليه الحد. فإن قال قائل: أرأيت لو وطئها غالطًا ألسنا نلحق به الولد؟ قلنا: بلى، وكذلك لو وطئها بعد العدة غالطً فلا اختصص لزمان العدة بالغلط. فأما إذا كانت رجعية فمن أي وقت يحتسب أول السنين الأربع قولان على ما ذكرنا، والقول الثاني إنها محسوبة من آخر عدتها بالأقراء؛ لأنه لو تعمد وطئها في العدة فأحبلها كان الولد ملحقًا به ولا حد، وعلى هذا القول أجاب الشافعي في باب اجتماع العدتين والقافة. واعلم أن في عبارته لإطلاقه وإيجازه إشكالاً ومعنى قوله: "إن جاءت بولد لأكثر [ق ٧٠ أ] من أربع سنين من وقت الطلاق الرجعي وأقل من أربع سنين من وقت انقضاء عدتها ولستة أشهر فصاعدًا من وقت وطء الثاني دعا له القافة، وإن كان الأول لا يملك الرجعة فولدته لأكثر من أربع سنين من وقت طلاقه ولستة أشهر من وقت وطء الثاني فهو للثاني ولا يحتمل أن يكون للأول هذا معنى كلامه فتأمله. واعلم أن المزني لما فرغ من حكاية قوله: "وَكَانَ الَّذِي يَمْلِكُ الرَّجْعَةَ وَلاَ يَمْلِكُهَا فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ" عطف عليه فقال: "وَقَالَ فِي اجْتِمَاعِ العِدَّتَيْنِ" لا يستوي من يملك الرجعة ومن لا يملك الرجعة، فأشار إلى القولين، فقال المزني: إن كنت ظننت أن القول الثاني وهو قول التسوية هو قوله: "وكان الذي يملك الرجعة ولا يملكها في ذلك سواء" فقد أخطأ ظنك؛ لأن قصد الشافعي من هذه التسوية مسألة الخلاف التي مضت بيننا وبين أإبي حنيفة، وهي أنها لو أقرت بثلاثة أقراء ثم ولدت بعد الإقرار ولدًا لأكثر من ستة أشهر ألحقناه، والذي لا يملك الرجعة ويملك في ذلك سواء، وإن كنت تريد أن

стр. 5510

الشافعي رحمة الله تعالى عليه في هذا الباب الذي نحن فيه يحض على التسوية في اعتبار السنين الأربع من وقت الطلاق في الرجعية والبائنة فقد أصبت، وموضع نصه في أثناء الباب لا في موضع عطفك وهو قوله: وإن طلقها فلم يحدث لها رجعة ولا نكاحًا حتى ولدت لأكثر من أربع سنين فأنكر الزوج فهو منفي عنه والله أعلم. [ق ٧٠ ب] باب لا عدة على التي لم يدخل بها زوجها مسألة: قَالَ: قَالَ الله تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إذَا نَكَحْتُمُ المُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِن عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ [الأحزاب:٤٩] قَالَ: وَالمَسِيسُ: الإِصَابَةٌ. إذا طلقها قبل الخلوة بها فلا عدة عليها، وإن كان قبل الوطء وبعد الخلوة فقال في الجديد: لا عدة عليها لهذه الآية التي ذكرناها. قال الشافعي: والمسيس الإصابة، والله تعالى يكني بالمسيس والمماسة عن الوطء في مواضع. قال ابن عباس ﵄ وشريح وغيرهما: لا عدة عليها إلا بالإصابة بعينها لأن الله تعالى قال هكذا، وقال في القديم: فيه قولان: أحدهما: أن الخلوة توجب العدة وهو قول أبي حنيفة. والثاني: أن الخلوة دلالة على الوطء وبه قال مالك. فعلى هذا لو اختلفا في الوطء فالقول قول من يدعي الوطء، فعلى هذا إذا خلا بها، ثم تقارا على أن الوطء لم يكن فليس لها إلا نصف المهر، وهل تجب العدة؟ فيه وجهان: أحدهما: لا تجب كما لا يجب إلا نصف المهر. والثاني: يجب؛ لأن العدة تتعلق لحق الله تعالى، فإذا تقارا على إسقاطها مع وجود الدلالة على وجوبها لم يسقط، ولو جاءت بشاهد واحد يشهد على إقراره بالوطء وحلفت مع الشاهد أعطيناها الصداق. مسألة: قَالَ: "فَإِن وَلَدَتِ الَّتِي قَالَ لَهَا زَ! وْجُهَا لَمْ أَدْخُلَ بِهَا لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ أَوْ أَكْثَرَ مَا تَلِدُ لَهُ النِّسَاءُ مِنْ يَوْمِ عَقَدَ نِكَاحَهَ لَحِقَ نَسَبُهُ وَعَلَيْهِ المَهْرُ". الفصل: قد ذكرنا هذه المسألة في آخر "كتاب الصداق" وإنما يلحق نسبه به [ق ٧١ أ] لإمكان

стр. 5511

أن يكون الولد منه وإن لم يكن دخل بها، فإن وطئها دون الفرج فسبق الماء إلى فرجها وقد تحبل البكر على هذا الوجه، أو استدخلت ماؤه فحملت ولا يؤثر ما تقدم من يمينه على انه لم يدخل بها في هذا الحكم. وأما المهر هل تكون ولادتها دليلاً على صدقها في الدخول لتكميله لا يخلو إما أن تقر على نسبه أو ينفي اللعان، فإن أقر على نسبه، نقل المزني والربيع أنه يحكم لها بالإصابة وكمال المهر، وقال الربيع: وفيه قول آخر: لا يلزم إلا نصف المهر؛ لأنه يجوز أن تكون علقت من استدخال مائة، فقيل: هذا قاله تخريجًا ولا وجه له؛ لأن ظاهر الحكم محمول على غالب العدة، والغالب من علوق الولد أنه يكون من الوطء دون الاستدخال وقيل: قاله نقلاً؛ لأنه راوي أقاويله ففيه قولان: وقال أبو إسحاق: هما على حالين، فإن كانت الولادة بعد إنكار الزوج الإصابة قبل اليمين يكمل المهر؛ لأن الحكم لم يتبرم حتى لو مات أو خرس ولا يحسن الإشارة حكم بقولها بالإصابة، وإن كان بعد اليمين وانبرام الحكم فلا يكمل المهر، وإن كان نفاه الأب باللعان. قال أبو حامد: وجماعة: نفيه باللعان كمحوه لولادته فتصير كأنها لم تأت بولد فلا يكون لها من المهر إلا نصفه، وقال صاحب "الحاوي": هذا لا يصح عندي بل حكم نسبه قد ثبت فثبتت الولادة، وإنما استأنف نفيه بعد لحوقه فلم يجز أن يكون مساويًا لمن لم يلحق نسبه فاقتضى أن يستكمل به فهو على ما ذكرنا. فإذا قلنا بالمشهور من المذهب لو ادعت الإصابة ولم تحلفه قبل اللعان حلفناه على أنه لم يصبها [ق ٧١ ب] فإن قيل: يجب أن لا تحلفوه لأنكم حكمتم بعدم الوطء؛ لأنه قد يطأها ولا يحبلها فلا بد من اليمين. مسألة: قَالَ: "وَلَوْ خَلاَ بِهَا فَقَالَ: لَمْ أُصِبْهَا وَقَالَتْ: قَدْ أَصابَنِي وَلاَ وَلَدَ فَهِيَ مُدَّعِيَةٌ وَالقَوْلُ قَوْلُهُ". الفصل هذا فرعه على القول الجديد أنه لا تأثير للخلوة، فإن جاءت بشاهد على إقراره بالوطء قد ذكرنا أنها تحلف مع شاهدها ولا يلزم لها كل المهر؛ لأن المقصود منه المال فقبل فيه شاهد ويمين، وكذلك إن أتت بشاهد على نفس الوطء يحلف معه وأصحابنا قالوا: يجوز النظر إلى ذلك لإقامة الشهادة ولو كان طلقها، ثم ادعى أنه كان أصابها

стр. 5512

وأقام شاهدًا واحدًا لم يحلف معه؛ لأنه تثبت به الرجعة لنفسه وليس بماله. فإن قيل: أليس المرأة إذا ادعت على الزوج وأقامت شاهدًا واحدًا لم يحلف معه، وإن كانت تثبت لنفسها. قلنا: إذا ادعت النكاح فإنها تثبت العقد دون المال، ثم يثبت في العقد المال ونفس العقد ليس بمال ولا يقصد منه المال بل يقصد الوصلة والمصاهرة بخلاف ما لو ادعت المهر والنفقة صريحًا. باب العدة من الموت والطلاق والزوج الغائب مسألة: قَالَ: "وَإِذَا عَلِمَتِ المَرْأَةُ يَقِينَ مَوْتِ زَوْجِهَا أَوْ طَلاَقَهُ". الفصل: متى علمت الزوجة الفرقة بطلاق أو موت فالعدة من حين وقوع الفرقة سواء كان غائبًا أو حاضرًا، وسواء ثبت ذلك بالبينة أو بالخبر، فإن لم تعلم حتى مضى زمان العدة [ق ٧٢ أ] فقد قضت ما عليها، وغن لم تمض تمام العدة فعليها إتمام العدة؛ لأن العدة ليس من شرطها القصد والنية؛ ألا ترى أن المجنونة تعتد عن الطلاق والموت، وإن لم تشعر بها، وأيضًا فإنها لو تركت في عدتها الإحداد فلبست المصبوغات وتطيبت انقضت عدتها وهي عاصية، فإن لم تعلم ذلك وفعلت ذلك على غير وجه العصيان؛ لأن تنقضي عدتها بذلك أولى وأجرى. وقول الشافعي ههنا: "فَإِنْ لَمْ تَعْتَدَّ حَتَّى تَمْضِي العِدَّةُ" أي لم تقصد الاعتداد لأنها في حالة الجهالة معتدة عن طريق الاحتساب وإن لم تكن معتدة بطريق القصد، وبقولنا قال ابن عمر، وابن عباس، وابن مسعود، وابن الزبير، وابن المسيب، وعطاء، والزهري، وعامة الفقهاء ﵃. وروي عن علي ﵁ أنه قال "العدة من حين العلم" وبه قال الحسن، وداود، وقال الإمام البيهقي ﵀ اختلفت الرواية في ذلك عن علي ﵁. وقال عمر بن عبد العزيز والشعبي ﵄: إن ثبت ذلك بالبينة فمن حيثن مات، وإن كان ذلك بخبر مخبر فمن حين بلغها، واحتجوا بان العدة عبادة فاحتاجت إلى القصد، قلنا: لا نسلم أنها عبادة وبينا أن القصد منها غير معتبر، وقد قال تعالى: ﴿وأُوْلتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق:٤] فإذا وضعت الحمل قبل العلم يجب أن تكون عدتها منقضية لهذا النص. وأما في النكاح الفاسد إذا وجد الوطء فالعدة من حين التفريق، إما بتفريق الحكم أو بافتراقهما بالاختيار أو بموت أو بطلاق وهو لا يعلم بفساد النكاح.

стр. 5513

وأما في الوطء بشبهة الظن [ق ٧٢ ب] فوقت العدة من حين الفراغ من الوطء. باب عدة الأمة مسألة: قَالَ: "فَرَّقَ اللَّهُ تَعَالَى بَيْنتَ الأحْرَارَ أَوْ العَبِيدِ فِي حَدِّ الزِّنَى". الفصل: الأمة المزوجة إذا طلقها زوجها، فإن كانت حاملاً فعدتها تنقضي بوضع الحمل، ولا فرق في ذلك بين الحر والأمة، وإن كانت حائًلا، فإن كانت من ذوات الأقراء، فعدتها بقرءين، وبه قال عمر وعلي، وابن عمر ﵃، وقال داود: عدتها ثلاثة أقراء لقوله تعالى: ﴿والْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨] ولم يفصل، وهذا غلط لما روي عن عمر ﵁ أنه قال بحضرة الصحابة: "ينكح العبد امرأتين ويطلق تطليقتين وتعتد الأمة حيضتين، فإن لم تكن تحيض فبشهرين أو شهرًا ونصفًا" والمراد بقوله حيضين أي طهرين ولكن الأطهار لا تتعدد إلا الحيض يعبر بالحيض عنه. وروى أصحابنا عن ابن عمر ﵁ أن النبي ﷺ قال: تطليق العبد بطلقتين، وتعتد الأمة حيضتين" والمشهور أنه لا يصح مرفوعًا. واعلم أن الشافعي احتج في أول هذا الباب فذكر بعض ما افترق فيه الحر والعبد وبعض ما استويا فيه، فقال: "قَدْ فَرَّقَ اللَّهُ تَعَالَى بَيْنَ الأَحْرَارِ وَالعَبِيدِ فِي حَدَّ الزَّنَى" ثُمَّ قَالَ: "وَذَكَرَ المَوَارِيثَ وَلَمْ يَخْتَلِفْ أَحَدٌ لَقِيتُهُ أَنَّ ذَلِكَ فِي الأَحْرَارِ دُونَ العَبِيدِ وَفَرَضَ اللَّهُ العُدَّةَ بِثَلاثَةِ أَشْهُرٍ، وَفِي المَوْتِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وعَشَرًا" ثُمَّ قَالَ: "وَلَمْ أَعْلَمْ مُخَالِفًا [مِمَّنْ حَفِظْتُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ] فِي أَنَّ عِدَّةَ الأَمَةِ نِصْفُ عِدَّةِ الحُرَّةِ فِيهَا لَهُ نِصْفُ مَعْدُودٍ" الفصل إلى آخره. قال أصحابنا: جملة الأحكام [ق ٧٣ أ] على ثلاثة أضرب: ضرب يستوي فيها بين الأحرار والعبيد، مثل تحريم الظهار، ومدة الإيلاء، ومدة العنة، والقصاص، والقطع في السرقة؛ لأن شيئًا منها لا يحتمل التبعيض، ولا بدل له يقوم مقامه فسوى بين الأحرار والعبيد فيه، ومن ذلك فرائض الصلوات والصيام. وضرب خص به الأحرار مثل الرجم بالزنى فإنه لا يحتمل التبعيض إلا أن له بدلاً

стр. 5514

وهو الجلد، فاقتصر في العبيد على بدله وكذلك ما بني على الفضيلة والجمال كالجمعة، والشهادة، والولاية، والميراث لا مدخل للعبيد فيها. وضرب جعل العبد فيه على النصف من الحر، وهو حد الزنى، والقذف، والشرب، والطلاق، والعدة، إلا أن الطلقة الواحدة والحيضة الواحدة لا يتبعضان فكملتا، وقو الشافعي: " وَأَمَّا الحَيْضَةُ فَلاَ يُعْرَفُ لَهَا نِصْفٌ" معناه جعلنا عليها شيء ما على الحرة من الأقراء؛ لأنها لا تنتصف الحيضة ولو تنصفت لألزمناها حيضة ونصفًا، وأقرب الأشياء من الصنف إذا لم يسقط من النصف شيء حيضتان، وهذا لأن أقرب القرءين من نصف الثلاثة بزيادة نصف قرء، وقرب القرء الواحد من نصف الثلاثة بنقصان نصف قرء، فالواحد والاثنان سواء في القرب من نصف الثلاثة، ولكن لو صرنا إلى الواحد نقصًا من نصف الثلاثة شيئًا، فكذلك صرنا إلى الاثنين، وقلنا: الإثنان أقرب الأشياء من النصف إذا لم يسقط من النصف شيء، وإن كانت من ذوات الأشهر فيه ثلاثة أقوال: [ق ٧٣ ب] أحدها: تعتد بشهر ونصف لأنه ذو عدد مبني على الفاضل، ويمكن تنصيفه فينصف كالحد وهو المشهور، وبه قال أبو حنيفة. والثاني: تعتد بشهرين كما تعتد بقرءين، لأنه بدل كل قرء شهر كما في الصغيرة ثلاثة أشهر بدل ثلاثة أقراء. والثالث: تعتد بثلاثة أشهر وأشار إليه في "أم الولد" إذا لم يكن ذوات الأقراء، وهذا لأن المقصود العلم ببراءة الرحم وهي أقل مدة يظهر في مثلها الحمل، فما لم يمض ذلك لا تعرف براءة رحمها، وهو اختيار جماعة من أصحابنا، وعن أحمد ثلاث روايات مثل أقوالنا سواء. وأما قول عمر ﵁: "فإن لم تحض بشهرين أو شهرًا ونصفًا" قيل: هو شك من الراوي. وقيل: هو تعليق القول، وهو دليل على جواز تعليق القولين في المسألة وهذا هو الظاهر؛ لأنه لا يبعد أن يقع الشك للراوي بين شهرين أو شهر أو نصف شهر. مسألة: قَالَ: "وَلَوْ أُعْتِقَتْ الأَمَةُ قَبْلَ مُضِيَّ العِدَّةِ أَكْمَلَتْ عِدَّةَ حُرَّة". الفصل: إذا تزوج بأمة، ثم دخل بها، ثم اجتمع لها العتق والطلاق نظر، فإن عتقت قبل طلاقه فعدتها عدة الحرة الأصلية؛ لأن العتق وجد وجوب العدة، وإن عتقت بعد أن اعتدت بقرءين لم تكمل ثلاثة أقراء؛ لأن الحرية طرأت بعد انقضاء العدة وإن أعتقت في

стр. 5515

أثناء العدة، اختلف قول الشافعي فيه، فقال في "القديم" إن كانت بائنًا أكملت عدة أمة، وإن كانت رجعية فيه قولان هل تكمل عدة حرة أو أمة؟ وقال في الجديد: إن كانت رجعية أكملت عدة حرة، وإن كانت بائنًا، قال أصحابنا: يحصل من ذلك ثلاثة أقاويل: أحدها: تكمل عدة أمة رجعية [ق ٧٤ أ] كانت أو بائنة، قال مالك: لأن الحرية طرأت بعد وجوب العدة عليها فلا يتغير حكمها، كما لو طرات الحرية بعد وجوب الاستبراء. والثاني: أنها إن كانت رجعية تكمل عدة حرة، وإن كانت بائنًا أكملت عدة أمة. وبه قال أبو حنيفة، وأحمد؛ لأن الرجعية تعتد عدة الوفاة لو مات، فوجب أن تعتد عدة حرة بخلاف الثاني والثالث أنها تكمل عدة حرة بكل حالٍ رجعية كانت أو بائنًا. وهو اختيار المزني؛ لأن سبب العدة الكاملة إذا وجد في أثناء العدة انتقلت إليه وإن كانت بائنًا، كما لو اعتدت بالشهور فرأت الدم قبل إتمامها ويفارق الاستبراء؛ لأن الحرية لو قارنت وقت الوجوب لم تكمل، وهو إذا مات السيد فعتقت أم الولد بموته يكفيها استبراء واحد، وهذا اختيار أبي إسحاق وجماعة. مسألة: قَالَ: "وَلَوْ كَانَتْ تَحْتَ عَبْدٍ فَاخْتَارَتْ فِرَاقَهُ كَانَ ذَلِكَ فَسْخًا بِغَيْرِ طَلاَقٍ وَتَكْمُلُ العِدَّةُ مِنَ الطَّلاَقِ الأَوَّلِ". صورة المسألة أن يطبق العبد زوجته الامة، ثم أعتقها سيدها وهي في العدة فلها اختيار الفراق في الحال، ولها أن تؤخر الفسخ على ما ذكرنا فيما تقدم، فإن عجلت الفسخ قال أبو إسحاق: تبني على عدتها قولاً واحدًا. ومن أصحابنا من قال: فيه قولان: أحدهما: تبقى. والثاني: تستأنف العدة وهذا ضعيف. فإذا قلنا: تستأنف استأنفت عدة حرة لأنها وجبت في حال الحرية. وإذا قلنا: نبني فهل تكمل عدة أمة أو عدة حرة؟ فيه طريقتان: إحداهما: تكمل عدة حرة قولاً واحدًا؛ لأن الفسخ سبب لابتداء العدة، فإذا وجد في حال الحرية أوجب إكمال عدة الحرة، وهو اختيار أبي إسحاق [ق ٧٤ ب]. والثانية: فيه قولان؛ لأنها مستديمة العدة والفسخ بمنزلة الطلاق البائن. وإن راجعها كان لها أن تختار الفسخ، وإذا اختارت الفسخ فيه طريقان: أحدهما: أنه كالطلاق، ولو طلق بعد الرجعة هل تستأنف العدة أو تكمل العدة؟

стр. 5516

قولان كذلك ههنا. والثانية: أنها تستأنف قولاً واحدًا؛ لأنها فسخت النكاح وهي زوجته ومتى استأنفت أكملت العدة، وإذا أكملت فيه طريقان على ما ذكرنا. وقال في "الحاوي": إذا فسخت بالعتق هل يكون فسخها قاطعًا لرجعة الزوج وجهان: أحدهما: لا تقطع رجعته؛ لأنها من أحكام طلاقه. فعلى هذا إن راجع الزوج وقعت الفرقة بالفسخ دون الطلاق، فيكون ابتداء عدتها من وقت الفسخ وتعتد عدة حرة؛ لأنها بدأت بالعدة وهي حرة، وإن لم يراجع فالفرقة وقعت بالطلاق دون الفسخ فيكون أول عدتها من وقت الطلاق، وقد بدأت وهي امة، ثم صارت حرة فهل تعتد عدة أمة أو حرة؟ قولان: والثاني: الفسخ قطع رجعة الزوج عنها لأنها غير مؤثرة في الإباحة، فمنع كما منع من رجعة المرتدة. فعلى هذا هل يغلب في الفرقة حكم الطلاق أو حكم الفسخ وجهان: أحدهما: يغلب حكم الطلاق لتقدمه [فعلى هذا هل تعتد عدة أمة أو عدة حرة؟ على ما مضى من القولين. والثاني: يغلب حكم الفسخ لقوته] فعلى هذا تعتد عدة حرة قولاً واحدًا لأن الفسخ ما وقع إلا بعد الحرية، ولكنها تبني على ما مضى من وقت الطلاق ولا تبتدئها من وقت الفسخ؛ لأن الفسخ قد أبطل الرجعة فلم يجز أن يطول به العدة. وهذه طريقة حسنة ولو طلقها زوجها، ثم أعتقت في العدة، ثم طلقها ثانيًا بعد الحرية هل تبنى على عدتها أم تستأنف؟ طريقان على ما ذكرنا؛ لأن وقوع الطلاق في حال الحرية بمنزلة وقبوع الفسخ في حال الحرية لا فرق بينهما. [ق ٧٥ أ] مسألة: قَالَ: "وَلَوْ أَحْدَثَ لَهَا رُجْعَةً، ثُمَّ طَلَّقَهَا وَلَمْ يُصِبْهَا بَنَتْ عَلَى العِدَِّةِ الأُولَى". صورة المسألة أنه طلق امرأته الحرة فمضى لها قرء مثلاً، ثم راجعها زوجها ولم يصبها حتى طلقها، نقل المزني أنها تبني على العدة الأولى؛ لأنها مطلقة لم تمس هكذا علل الشافعي، ومعناه لم تمسس بعد استحداث التمليك، وهذا قوله القديم، وبه قال مالك. قال المزني: هذا غلط بل عدتها من الطلاق الثاني؛ لأنه لما راجعها بطلت عدتها وصارت في معناها المتقدم بالعقد الأول لا بنكاح مستقبل، فهي في معنى من ابتدأ

стр. 5517

طلاقها مدخولاً، وهذا قول الشافعي في الجديد، وقد ذكره الشافعي في باب إفراد الشافعي لهذه المسألة ونص فيه على قولين، وبه قال أبو حنيفة، وهو الأصح لما ذكر المزني من الدليل. وقال داود: سقطت العدة وحلت للأزواج؛ لأن الطلاق الأول ارتفع بالرجعة فسقطت بقية العدة، ثم طلقها ثانيًا من غير إصابة، وهذا خلاف الإجماع ويؤدي إلى اختلاط المياه وفساد الأنساب، وإن نكح المرأة في يوم واحد عشرين زوجًا ولو راجعها، ثم وطئها، ثم طلقها لا يختلف المذهب أنها تستأنف العدة من الطلاق الثاني، ولو خالفها، ثم نكحها، ثم طلقها قبل الدخول بها بنت على عدتها الأولى قولاً واحدًا، وبه قال محمد. وقال أبو حنيفة: تستأنف العدة وتكمل مهرها، وقد مضى هذا فيما قبل وهو غلط ظاهر لأن الخلع يوقع البينونة فلا يمكن ضم الحالة الثانية إلى الأولى لتحلل البينونة بينهما ولا يمكن إيجاب عدة مستأنفة لأنه طلاق قبل الدخول فلم يبق إلا البناء على العدة الأولى [ق ٧٥ ب] وحكي عن المزني أنه قال: لا يجوز المخالع نكاح المختلعة قبل انقضاء عدتها منه كما لا يجوز لغيره، وهذا خطأ لأنه لا يصان ماءه ولو طلقها طلقة رجعية، ثم راجعها، ثم خالعها، فإن قلنا: الخلع طلاق هل تستأنف العدة أو تبنى قولان على ما ذكرنا. وإن قلنا الخلع فسخ فيه طريقان: أحدهما: أنه كالطلاق أيضًا. والثانية: أن الفسخ جنس يخالف جنس الطلاق فاقتضى اختلافهما أن لا تبنى عدة أحدهما على الآخر بل تستأنف العدة بعد الخلع قولاً واحدًا ولو طلقها طلقة أخرى قبل أن يراجعها فالمذهب أنها تأتي ببقية عدتها ولا تستأنف من الطلاق الثاني قولاً واحدًا. ومن أصحابنا من قال فيه قولان أيضًا. أحدهما: تستأنف لأن الشافعي لما ذكر الاستئناف في أحد قوليه إذا راجعها، ثم طلقها قال: فمن قال بهذا لزمته أن يقول ارتجع ولم يرتجع سواء، وهذا غلط وليس هذا بتفريع على هذا القول بل تشنيع على من قال بهذا القول، وهو اختيار أبي إسحاق وقال القفال: الصحيح أن في هذه المسألة قولين أيضًا لأن الشافعي قال: فيمن قال لامرأته: كلما ولدت ولدًا فأنت طالق فولدت ثلاثة تطلق ثنتين بالأول وتنقضي عدتها بالثالث. وقال في الإملاء: طلقت ثلاثًا واستأنفت العدة بالأقراء وهنا لا يخرج إلا على هذا القول وهو انه متى لحقها طلقة استانفت العدة فتقع الطلقة الثالثة بين العدتين، وإن لم يكن بينهما زمان يشار غليه كما لو قال: أنت طالق بين الليل والنهار فإذا غربت الشمس أو طلع الفجر طلقت ولا زمان بينهما ليس من أحدهما وهذا اختيار الأصطخري، وابن خيران ولو مات عنها [ق ٧٦ أ] في خلال عدتها وهي رجعية تستأنف عدة الوفاة قولاً

стр. 5518

واحدًا وتسقط باقي العدة ولا يجب الإتيان به في عدة الوفاة بلا خلاف. مسألة: قَالَ: "وَلَوْ كَانَ طَلاَقًا لاَ يَمْلِكُ فِيهِ الرَّجْعَةَ ثُمَّ أُعتِقَتْ". الفصل: ذكر ههنا حكم البائنة في عدتها هل تبني على عدة أمة أو تكمل عدة حرة؟ فيه قولان، وقد ذكرنا ذلك واختار أنها تعتد عدة حرة، واحتج الشافعي به لهذا القول، وهو أن المرأة إذا كانت تعتد بالشهور فرأت الأقراء انتقلت إلى الأقراء، وأنت المسافر إذا أقام في أثناء صلاته يصلي صلاة مقيم، وهذا الذي ذكره صحيح فلا يحتاج إلى جوابه. ثمَّ قَالَ: هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزَ لِمَنْ دَخَلَ فِي صَوْمِ ظِهَارٍ، ثُمَّ وَجَدَ رَقَبَةً أَنْ يَصُومَ [وَهُوَ مِمَّنْ يَجِدُ وَيُكَفُرُ بِالصِّيَامِ] وَلاَ لِمَنْ دَخَلَ فِي الَصَّلاَةِ بِالتَّيَمُّم ثُمَّ يَجِدُ المْاءَ أَنْ يُصَلِّي بِالتَّيَمُّم كَمَا قَالَ لاَ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ فِي عِدَّتِهَا مِمَّنْ تَحِيضُ وَتَعْتَدُّ بِالشُّهُورِ" وقد سوى الشافعي في ذلك بين ما دخل فيه المرء وبين ما لم يدخل فيه، فجعل المستقبل فيه كالمستدبر، يعني أنه جعله كالمسافر الذي نوى المقام في خلال صلاته أن يجعله كمن وجد الماء قبل الشروع في صلاته، ويلزمه أن يقول فيمن صام بعض الأيام عن الظهار، ثم وجد الرقبة أن ينتقل على الرقبة كمن وجد الرقبة قبل الشروع في الصيام. والجواب أن المسافر إذا نوى المقام في خلال صلاته فأمرناه بالإتمام لم تبطل عليه ما مضى من صلاته، ولو كلفنا المقيم الماء والظاهر العتق أبطلنا على كل واحد منهما ما مضى من العبادتين، فلا تصح هذه الموازنة والجمع. ومثل هذا الجواب في مسألة [ق ٧٦ ب] الحيض، والشهور لا تستمر مع المزني إلا على مذهب من يقول: تعتد بها بما مضى قرءًا إذا حاضت قبل إكمال الشهور، فلا يبطل عليها فيما مضى من شهورها. ثُمَّ قَالَ: "وَالطَّلاَقُ إِلَى الرَّجَالِ وَالعِدَّةُ بِالنَّسَاءِ وَهُوَ أَشْبَهُ بِمَعْنَى القُرْآنِ مَعَ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ الأَثَرِ، زَمَا عَلَيْهِ المُسْلِمُونَ فِيمَا سِوَى هَذَا مِنْ أَنَّ الأَحْكَامَ تُقَامُ عَلَيْهِمَا" وهذه المسألة مضت في كتاب الرجعة، ومقصوده الرد على أبي حنيفة حيث اعتبر الطلاق بالنساء، ولا شك أن العدة بالنساء، فعدة الحرة ثلاثة أقراء سواء كان زوجها حرًا أو عبدًا، وعدة الأمة قرءان سواء كان زوجها حرًا أو عبدًا، وأراد بمعنى القرآن قوله تعالى: ﴿والْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨] ولم يفصل بين أن

стр. 5519

يكون زوجها حرًا أو عبدًا، وأراد بالأثر ما ذكرنا عن عمرو ﵁: يطلق العبد تطليقتين وتعتد الأمة حيضتين. ثم احتج بالقياس في قوله الأحكام تقام عليها كما نقول في الحدود، فإن الحر يزني بأمة فيعتبر حد كل منهما لمحاله دون حال صاحبه؛ كذا ههنا يعتبر كمال الطلاق بكمال حاله ونقصانه بنقصان حاله؛ لأنه الفاعل وتعتبر العدة بها؛ لأنها الفاعلة لها. فأما الجلاد يباشر ضرب الحد ولا يعتبر به لأنه نائب عنه ليس أن الحكم ثبت له أو عليه ولا اعتبار بالنائب. باب عدة الوفاة من كتابين مسألة: قَالَ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿والَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ ويَذَرُونَ أَزْوَاجًا﴾ [البقرة: ٢٤٠] الآيَةَ فَدَلَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنَّهَا عَلَى الحُرَّةِ غَيْرُ ذَاتَ الحَمْلِ". الفصل: الأصل في عدة الوفاة الكتاب والسنة والإجماع. أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿والَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ ويَذَرُونَ أَزْوَاجًا﴾ [البقرة: ٢٤٠] [ق ٧٧ أ] ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤]. واعلم أن العدة كانت في أول الإسلام على المتوفي عنها زوجها حولاً كاملاً بقوله تعالى: ﴿والَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ ويَذَرُونَ أَزْوَاجًا وصِيَّةً لأَزْوَاجِهِم مَّتَاعًا إلَى الحَوْلِ غَيْرَ إخْرَاجٍ﴾ [البقرة: ٢٤٠] الآية، ثم نسخ ذلك واختلف أصحابنا في كيفية النسخ، فمنهم من قال: وهو اختيار الأصطخري: نسخت جميع الحول، ثم ثبت أربعة أشهر وعشر فيكون جميع آية الحول منسوخة وآية الشهور هو الموجبة لأربعة أشهر وعشر. وروي عكرمة عن ابن عباس ﵄ انه قال: المتاع منسوخ بآية المواريث والحول منسوخ بأربعة أشهر وعشر. ومن أصحابنا من قال: آية الشهور نسخت من آية الحول ما زاد على أربعة أشهر وعشر، وبقي من الحول أربعة أشهر وليس في هذا الاختلاف تأثير في الحكم، وهذا ظاهر كلام الشافعي ﵁. فإن قيل: هذه متقدمة على آية الحول والناسخ لا يتقدم المنسوخ. قلنا: هذه الآية متقدمة في التلاوة متأخرة في التنزيل وهذا كثير في القرآن. قال الله تعالى: ﴿سَيَقُولُ

стр. 5520

السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا ولاَّهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾ [البقرة: ١٤٢] متقدمة على قوله تعالى: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا﴾ [البقرة:١٤٤] وقيل: في تقديم الناسخة فائدة، وهو أن لا يعتقد حكم المنسوخة قبل العلم بنسخها. فإن قيل: فليس بين الآيتين تعارض فكيف تنسخ إحداهما الأخرى؟ قلنا: المراد بهذه الآية جميع العدة بالإجماع ولهذا جعل فيها الكسر فوجد التعارض. وأما السنة ما روى حميد بن نافع، عن زينب بنت أبي سلمة قالت: سمعت أم سلمة ﵂ [ق ٧٧ ب] تقول: جاءت امرأة إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله، إن ابنتي توفي عنها زوجها، وقد اشتكت عيناها أفنكحلها؟ فقال رسول الله ﷺ : "لا" مرتين أو ثلاثًا كل ذلك يقول "لا" ثم قال رسول الله ﷺ : "إنما هي أربعة أشهر وعشر، وقد كانت إحداكن في الجاهلية ترمى بالبعرة على رأس الحول "قال حميد: فقلت لزينب وما ترمي بالبعرة على رأس الحول؟ فقالت زينب: كانت المرأة إذا توفي عنها زوجها قطنت حفشًا ولبست شر ثيابها ولم تمس طيبًا حتى تمر بها سنة، ثم تؤتي بدابة الحمار أو شاة، فتفتض به فقلما تفتض بشيء إلا مات يعني لطول أظفارها ثم تخرج فتعطي بعرة فترمى بها، ثم تراجع بعدما شاءت من طيب أو غيره. وسئل مالك: ما تفتض؟ فقال: تمسح به جلدها، وقال القتيبي: معناه تكسر ما يبنى فيه من العدة بطائر تمسح به قبلها وتنبذه فلا يكاد يعيش، وهو من فضضت الشيء إذا كسرته أو فرقته ومنه فض خاتم الكتاب. والحفش البيت الدليل الصغير من الشعر والبناء وغيره. وقال الأزهري: الحفش البيت الصغير القصير السمك، ومنه الخبر: ألا جلس في حفيشة أمه. الخبر ومعنى رمتها بالبعرة، أي وكأنها تقول: جلوسي في البيت وحبسي نفسي سنة كالرمية بالبعرة في حب ما كان يجب من حق الزوج أو ما لاقته في الحول من الشدة هين في عظم حقك علي كهوان هذه البعرة. وقيل: معناه اديت حقك وألقيته عني كما تلقاه هذه البعرة على قبر الزوج. وروى الشافعي: فتقبض بالقاف والباء والصاد. قال الشافعي: [ق ٧٨ أ] والقبض أن تؤخذ من الدابة موضعًا بأطراف أصابعها، والقبض: الأخذ بالكف كلها. وقيل في رواية الشافعي فتقبض بالضاد، وهو القبض بالكف، وإنما روي يقبض لأن القبض بالكف يؤول إلى القبض الذي هو الكسر فعبر عنه عما يؤول إليه. ذكره في "الحاوي". وروي: "قد كانت إحداهن تمكث في شر أحلاسها أو شر بيتها، فإذا كان حول فمر كلب رمته ببعرة وإن لا حتى تمضي أربعة أشهر وعشر".

стр. 5521

وأما الإجماع فلا خلاف بين المسلمين فيه. فإذا تقرر هذا فعدة الوفاة بشيئين بالحمل والشهور. فإن كان حاملاً اعتدت به فإذا وضعته حلت، وظاهر الآية يوجب عليها العدة بالأشهر، وإن كانت حاملاً، ولكن عرفنا ذلك بالسنة وهي أن سبيعة الأسلمية خرج زوجها في طلب عبيد له فكروا عليه فقتلوه، فوضعت بعد وفاته بنصف شهر، فخطبها أبو السنابل ابن بعكك فأبت عليه، فاجتاز بها يومًا وقد تصنعت للأزواج فقال لها: تصنعت للأزواج لا حتى تمضي أربعة أشهر وعشر، وإنما قال ذلك طمعًا أن تتربص حتى يرجع وليها من غيبته فيحثها على الإجابة لأبي السنابل فأتت سبيعة رسول الله ﷺ وأخبرته بما قال أبو السنابل فقال ﷺ : "كذب أبو السنابل قد حللت فأنكحي من شئت"، وإنما قال: "كذب" ولم يقل أخطأ لأنه ﷺ عرف قصده، وأنه قال ذلك عن عمد، وإنما قال الشافعي: عرفنا هذا بالسنة ولم يقل بالآية، وهي قوله تعالى: ﴿وأُوْلاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ [ق ٧٨ ب] حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤] لأن الآية وإن كانت عامة في نفسها فهي على أثر ذكر المطلقات فربما يقول قائل هي فيه الملقة لا في المتوفي عنها. وروى أبو داود بإسناد خبر سبيعة على وجه آخر وهو الأصح وهو أن سبيعة تحت سعد بن خولة وتوفي عنها في حجة الوداع وهي حامل، فلم تنشب أن وضعت حملها بعد وفاته، فلما تعالت من نفاسها تجملت للخطاب فدخل عليه أبو السنابل ابن بعكك رجل من بني عبد الدار، فقال: مالي أراكي متجملة لعلكي ترجين النكاح أنكي والله ما أنتي بناكح حتى تمر عليك أربعة أشهر وعشر، قالت سبيعة: فلما قال ذلك جمعت على ثيابي حتى لبست فأتيت رسول الله ﷺ فسألته عن ذلك، فأفتاني بأني قد حللت حين وضعت حملي، فأمرني بالتزويج إن بدا لي وقوله: تعالت من نفاسها أي طهرت من دمها. وروي عن علي ابن أبي طالب، وابن عباس ﵄ أنهما قالا: تعتد المتوفي عنها بآخر الأجلين. ومعناه أن تمكث حتى تضع حملها، فإن كانت مدة الحمل من وقت وفاة زوجها أربعة أشهر وعشر، فقد حلت، وإن وضعته قبل ذلك تربصت إلى أن تستوفي المدة. وقال القفال: لم يصح هذا المذهب إلا عن عبد الله بن عمرو بن العاص، وترك هذا المذهب عليهن وفيه نظر: وبقولنا قال عمر، وابن عمر، وابن مسعود، وأبو هريرة ﵃ ومالك، والأوزاعي، وسفيان الثوري، وأبو حنيفة. والدليل على هذا ما ذكرنا من الخبر، وروي عن أبي سلمى بن عبد الرحمن أنه قال: كنت جالسًا مع أبي هريرة [ق ٧٩ أ]

стр. 5522

وابن عباس ﵄، فذكروا المرأة المتوفي عنها زوجها وهي حامل، قال أبو سلمة: فقلت: إذا وضعت حملها فقد حلت، فقال ابن عباس: أجلها آخر الأجلين، فقال أبو هريرة: أنا مع ابن أخي - يعني أبا سلمة- فبعثوا كريبًا مولى ابن عباس إلى أم سلمة فسألها عن ذلك فقالت أم سلمة: إن سبيعة بنت الحارث الأسلمية وضعت بعد وفاة زوجها بليال فخطبها رجل من بني عبد الدار يدعى أبا السنابل وأخبرها أنها قد حلت فأراد أن تتزوج بغيره، فقال أبو السنابل: إنك لم تحلي فأتت رسول الله ﷺ فأمرها أن تتزوج. وروى مسروق، عن عبد الله بن مسعود أنه قال: من شاء لاعنته أنزلت سورة النساء القصرى بعد أربعة أشهر وعشرٌ، يعني بسورة النساء القصرى سورة الطلاق، يريد أن نزول هذه السورة إنما كان بعد نزول سورة البقرة، وقد ذكر في سورة الطلاق حكم الحامل فقال: ﴿وَأُوْلاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤] وفي البقرة: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤] وظاهر هذا الكلام منه يدل على أنه حمله على النسخ وليس كذلك، بل إحدى الآيتين مرتبة على الأخرى فالآية في سورة البقرة في عدد الحوامل، والآية التي في سورة الطلاق في عدد الحوائل، والله أعلم. وإن كانت حاملًا اعتدت بأربعة أشهر وعشرة أيام، وبه قال: كافة العلماء، وقال الأوزاعي: وعشر ليال فتنقضي العدة بطلوع الفجر من اليوم العاشر، وهذا غلط؛ لأن الليالي إذا أطلقت يقتضي دخول الأيام معها فحمل الظاهر عليها [ق ٧٩ ب]. فإن قيل: لما حذف الباء في قوله وعشر دل على أنه أراد وعشر ليال لأن عدد المؤنث في الآحاد محذوف الهاء، قيل: العرب تحذف الهاء في عدد المؤنث والذكور فتقول: سرنا عشرًا وهو يريد عشرة أيام كما نقول: سرنا عشرًا وهو يريد عشر ليال. فإذا تقرر هذا لا فرق بين أن يموت عنها قبل الدخول أو بعده، ولا فرق بين أن تكون صغيرة أو كبيرة. وروى عن ابن عباس أنه قال: لا عدة عن المتوفي عنها قبل الدخول. قياسًا على الطلاق، وقد تفرد بهذا القول، وهذا غلط لأن الآية عامة في الكل، وإنما خصصنا قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨] بالمدخول بها بحكم آية أخرى منصوصة وهي قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ [الأحزاب: ٤٩]، ولم يرد ههنا مثل هذا ولا يمكن تخصيصها بالقياس على المطلقة؛ لأن يمكن للزوج تكذيبها ونفي الولد عن نفسه باللعان إن أتت به بخلاف المتوفي عنها، فاحتاط الشرع فيها، وأيضًا المقصود من عدة الطلاق الاستبراء والمقصود من عدة الوفاة التعبد وإظهار الحزن لانقطاع الوصلة

стр. 5523

بالوفاة من غير اختيار، ولهذا لزم فيها الإحداد واعتبر في عدة الطلاق الأقراء وههنا الشهور فافترقا. فإن قيل: أليس لو دخل بها ثم جئت ذكره وأنثياه، ثم طلقت بعد ذلك بعشرين سنة يلزمها العدة والاستبراء ههنا، قيل: المغلب في عدة الطلاق والاستبراء، وإن جاز أن يجب تعبدًا في هذا الموضع فصح ما ذكرناه. مسألة: قَالَ: "فَتَحِلُّ إِذَا وَضَعَتْ قَبْلَ أَنْ تَظْهُرَ [ق ٨٠ أ] مِنْ نِكَاحٍ صَحِيحٍ أَوْ مَفْسُوخٍ". إذا وضعت الحمل انقضت عدتها في الحال وإن لم تطهر من نفاسها؛ لأن النفاس لا يمكن النكاح كما لا يمنعه الحيض. وقال حماد، والأوزاعي: لا تحل ما لم تطهر من النفاس، كما يعتبر في عدة الأقراء بطهارتها من الحيض عندهما. وهذا غلط لقوله تعالى: ﴿وَأُوْلاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤] ولم يعتبر الطهارة من النفاس. وأما قوله: "مِنْ نِكَاحٍ صَحِيحٍ أَوْ مَفْسُوخٍ": ولم يرد به أنها تعتد بالشهور عن الوفاة؛ لأن العدة في النكاح الفاسد لا تجب إلا بالدخول، وإذا دخل وحملت كانت العدة بوضع الحمل كما في الصحيح، وهذا لأن عدة الوفاة لحرمة الوصلة ولا حرمة في النكاح الفاسد. واعلم أن الشافعي لما ذكر الآية في الأول قال: "فَدَلَّتْ سُنَّة رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّهَا عَلَى الحُرَّةِ غَيْرِ ذَاتِ الحَمْلِ" ثم ذكر حديث سبيعة، ومعلوم أنه حديث سبيعة لا يدل على أن الآية وردت في الحرة دون الأمة، فكيف ادَّعى الشافعي هذا من خبرها؟ وإزالة هذا الإشكال بأن يقال: ما أراد الشافعي استفادة الحرية من حديث سبيعة، بل استفاد من حديثها حكم الحامل، فأما الحرية فإنها مستفادة عند من ظاهر الآية؛ لأن الشافعي يحمل الخطاب بظاهرة على الحرائر خاصة، وعلى هذا نص في "كتاب اليسر" حيث حمل قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ﴾ [البقرة: ٢١٦]، على الأحرار دون العبيد. فمعنى قوله ههنا: "فَدَلَّتْ سُنَّةُ رَسُولِ اللهِ ﷺ " بظاهر القرآن على أنها على الحرة، وتصريح سنته على أنها على الحرة ذات الحمل؛ لأنه قضى في سبيعة الأسلمية بما قضى [ق ٨٠ ب]. مسألة: قَالَ: "وَلَيْسَ لِلْحَامِلِ المُتَوَفي عَنْهَا نَفَقَةٌ وَإِنْ كَانَتْ حَائِلًا". لا يختلف المذهب أنه لا نفقة بحالٍ حائلًا كانت أو حاملًا، وسواء قلنا النفقة للحمل أو للحامل؛ لأنَّا إن

стр. 5524

جعلناها للحامل فلا سلطان له عليها؛ وإن جعلناها للحمل فلا يلزم الميت نفقة الأقارب. وروي عن جابر وابن عباس أنهما قالا: "لا نفقة لها حسبها الميراث". قال بعض العلماء: لها النفقة إذا كانت حاملًا، ويروى هذا عن علي وابن عمر، ذكره صاحب "الحاوي". وهذا غلط لما ذكرنا، ولأنها معتدة عن وفاةٍ فلا نفقة لها كالحائل. قال المزني: "هَذَا خِلَافُ قَوْلِهِ فِي البَابِ الثَّانِي وَهَذَا أَصَحُّ، وَفِي البَابِ الثَّالِثِ مَشْرُوحٌ". أراد به أن الشافعي لم يثبت لها النفقة في هذا الباب، وروي عن جابر ما ذكرنا وقال: "لأَنَّ مَالِكَهُ قَد انْقَطَعَ بِالمَوْتِ". وقال في الباب الذي بعده: "لَهَا السُّكْنَى". وهذا يخالف؛ لأن تعليل الشافعي ههنا واحتجاجه بقول جابر يدل على أنه لا سكنى لها، وإن لم يصرح به ههنا؛ لأنه لا سكنى لها. فاختار المزني أنه لا سكنى لها، وفي المسألة قولان. قال أصحابنا: هذا الذي قاله المزني لا يصح؛ لأن الشافعي قال في هذا الباب: "لا نفقة لها" وهذا لا يختلف مذهبه فيه، وليس في الباب الثاني ما يخالفه، وإنها أثبت في الباب الثاني السكنى على أحد قوليه والسكنى تخالف النفقة فلم يصح ما قاله. وقوله: "وَهُوَ فِي البَابِ الثَّالِثِ مَشْرُوحٌ" غلط في النقل، وإنما هو "في الباب الثاني مشروح"؛ لأن المزني ذكر في الباب الذي بعد هذا الباب أنه لا سكنى، واختار هذا القول ونصره. وأما [ق ٨١ أ] الباب الثالث فهو باب الإحداد وليس منه لوجوب السكنى وسقوطه ذكر، ولأنه أوهم أن في النفقة قولين وليس كذلك بل قولٌ واحدٌ أنه لا نفقة لها. وقول جابر: "حسبها الميراث" لم يذكره الشافعي لإسقاط السكنى، أو نقول: لعل الشافعي نص في هذا الباب على أنه لا سكنى لها، وأجاب في باب آخر على القول الثاني فلا يجب عليه على ما ذكره المزني. مسألة: قَالَ: "وَإِنْ لَمْ تَكُنْ حَامِلًا فَكَأَنَّهُ مَاتَ نِصْفُ النَّهَارِ وَقَدْ مَضَى مِنَ الهِلَالِ عَشْرُ لَيَالٍ أَحْصَتْ مَا بَقِيَ مِنَ الهِلَالِ". الفصل: قد ذكرنا فيما مضى نظير هذه المسألة، وجملته أنه إذا مات في نصف النهار مثلًا

стр. 5525

وقد مضى من الهلال عشر ليالٍ، أحصت ما بقي من الهلال، فإن كان عشرين حفظتها ثم اعتدت بثلاثة أشهرٍ بالأهلة، ثم استقبلت الشهر الرابع فأحصت عدد أيامه، فإذا كمل لها ثلاثون يومًا بلياليها فقد أوفت أربعة أشهر واستقبلت عشرًا بلياليها، فإذا أوفت إلى الساعة التي مات فيها فقد انقضت عدتها، ويتصور أن يوافق الموت أول الهلال فتعتد بأربعة أشهر هلالية، ثم بعشرة أيام من الشهر الخامس. ويتصور أن يموت في بعض الشهر ويحصل لها أربعة أشهر بالهلال، وهو أن يكون بقي من الشهر الأول عشرة أيامٍ فما دونها. مسألة: قَالَ: "وَلَيْسَ عَلَيْهَا أَنْ تَاتِي فِيهَا بِحَيْضٍ". الفصل: المتوفي عنها تعتد بأربعة أشهر وعشر حاضت فيها أم لم تحض. وقال مالك: إن كانت من ذوات الأقراء ولم تجر عدتها [ق ٨١ ب] بتأخير الحيض فلم تحض لا تنقضي عدتها حتى تحيض حيضةً؛ لأن ذلك يثبت ريبةً. وإذا كانت مرتابةً لم يحكم بانقضاء عدتها. وروي عن مالك أنه إن كانت عدتها أن تحيض في كل شهرٍ مرةً فعليها في عدة الوفاة أربع حيض، وإن كانت عادتها أن تحيض في كل خمسة أشهر مرة يكفيها الشهور. وهذا غلط لظاهر الآية ولم يفصل. وأما ما ذكره لا يصح؛ لأن تأخير الحيض لا يكون ريبةً إلا أن يكون معه أمارة الحمل من انتفاخ البطن والثقل فلا يعتبر ما ذكره. قال الشافعي: "إِلَّا أَنَّهَا إِنْ ارْتَابَتْ اسْتَبْرَأَتْ نَفْسَهَا مِنَ الرِّيبَةَ كَمَا لَوْ حَاضَتْ فِي الشُّهُورِ حَيْضَتَيْنِ ثُمَّ ارْتَابَتْ اسْتَبْرَأَتْ نَفْسَهَا مِنَ الرِّيبَةَ". وقد ذكرنا حكم المرتابة بالحمل في العدة. وقوله: "كَمَا لَوْ حَاضَتْ فِي الشُّهُورِ حَيْضَتَيْنِ" لفظ مشكل؛ لأنه إن أراد أن يقيس المتوفي عنها زوجها على ذات الشهور، فذات الشهور هي التي تفقد الحيض فكيف تحيض في الشهور حيضتين؟ وإن أراد أن يقيسها على ذات الأقراء فالشهور غير معتبرة فيها، ولا تنقص عدة الأقراء قط ما لم تر الحيضة، ثم ربنا ترتاب بعد الثالثة، فلعل الشافعي قال: كما لو حاضت في القرء حيضتين ثم ارتابت، فنقل المزني: أو غير الشهور بدل القرء.

стр. 5526

فإن قال قائل: كيف يستقيم وضع القرء في هذا الموضع موضع الشهور وقد قلت: لا تنقضي عدة ذات القرء إلا برؤية ثلاث حيض والشافعي ذكر حيضتين؟ قلنا: ذات القرء إذا طلقت في آخر طهرها فرأت حيضةً ثم طهرًا ثم حيضة انقضت عدتها بالطعن في الحيضة الثالثة، فليس في خلال عدتها إلا حيضتان، فأما الحيضة الثالثة فبعد العدة فربما ترتاب وهي في خلال [ق ٨٢ أ] الحيضة الثالثة فنأمرها باستبراء نفسها من الريبة، ومن المحتمل أن يقال: استعمل الشافعي لفظ الشهور في ذوات القرء على معنى أن القرء يمضي عليها في ثلاثة أشهر على غالب عادات النساء فاستغنى عن التغليظ. فإن قيل: أفلا يحتمل أن يكون مراد الشافعي بذكر هذه الشهور شهور الوفاة على قصد تصوير المسألة في المتوفي عنها، وتقدير كلامه: "إلا أنها إن ارتابت استبرأت نفسها من الريبة" كأنها حاضت في الشهور الأربعة حيضتين ثم ارتابت. قلنا: قوله: "كما لو حاضت" كلمة قياس وتشبيه لا كلمة تصوير فلا يصح هذا. وأيضًا المتوفي عنها زوجها سواء رأت في الشهور الأربعة حيضتين أو ثلاثًا أو أربعًا، فإذا ارتابت بعد العدة كان عليها الاستبراء فلا فائدة لذكر الحيضتين على هذا التأويل. مسألة: قَالَ: "وَلَوْ طَلَّقَهَا مَرِيضًا ثَلَاثًا فَمَاتَ مِنْ مَرَضِهِ". الفصل: قد ذكرنا ميراث المبتوتة في المرض، واختار المزني أنها لا ترث، وبسط الكلام ههنا فقال: "قَدْ قِيلَ: لَا تَرِثُ مَبْتُوتَةً وَهَذَا مِمَّا أَسْتَخِيرُ اللهُ تَعَالَى فِيهِ. وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: وَهَذَا قَوْلٌ يَصِحُّ لِمَنْ قَالَ بِهِ" قَالَ المُزَني: "فَالاسْتِخَارَةُ شَكٌ وَقَوْلُهُ يَصِحُّ إِبْطَال الشَّكِّ" فقال المزني: الاستخارة ليس بشكٍّ كما أطلقت، ولكن يريد بالاستخارة تفويض العلم إلى الله تعالى، ومسألة الخيرة منه. ثُمَّ قَالَ: "وَهَذَا أَوْلَى بِقَوْلِهِ وَبِمَعْنَى ظَاهِرِ القُرْآنِ؛ لأَنَّ اللهَ تَعَالَى وَرَّثَ الزَّوْجَةَ مِن زَوْجٍ يَرِثُها إِنْ مَاتَتْ قَبْلَهُ فَلَمَّا كَانَتْ إِنْ مَاتَتْ لَمْ يَرِثُهَا وَإِنْ مَاتَ لَمْ تَعْتَدَّ مِنْهُ عِدَّةُ مِنْ وَفَاتِهِ فَلَا تَرِثَ هِيَ مِنْهُ مِيرَاثُ الزَّوْجَاتِ؛ لأنَّ النَّاسَ يَرِثُونَ مَنْ حَيْثُ يُورَثُونَ". ثم قال: واحتج الشافعي على أبي حنيفة [ق ٨٢ ب] في باب القافة حيث ورث أبو حنيفة أبوين من ابنٍ واحدٍ ملحق بهما جميع ماله على الشركة بينهما نصفين، وورث الابن جميع مال كل أبٍ على الخلوص إذا لم يكن له وارث غيره، فقال الشافعي: "إِنَّمَا يَرِثُ النَّاسُ مِنْ حَيْثُ يُورَثُونَ، فَإِنْ كَانَا يَرِثَانِهِ نِصْفَيْنِ بِالبُنُوَّةِ فَكَذَلِكَ يَرِثُهُمَا نِصْفَيْنِ بِالأَبُوَّةِ" فأخذ المزني هذا الاحتجاج من الشافعي واحتج به في هذه المسألة فقال: إِنَّمَا تَرِثُ

стр. 5527

المَرْأَةُ الزَّوْجَ مِنْ حَيْثُ يَرِثُ الزَّوْجُ [المَرْأَةَ] بِمَعْنَى النِّكَاحِ، فَإِذا ارْتَفَعَ النِّكَاحُ بَإِجْمَاعِ ارْتَفَعَ حُكْمُهُ وَالمُوَارَثَةُ [بِهِ]، وَلَمَّا أَجْمَعُوا أَنَّهُ لَا يَرِثُهَا لأَنَّهُ لَيْسَ بِزَوْجٍ كَانَ كَذَلِكَ [أَيْضًا] لَا تَرِثُهُ لَأنَّهَا لَيْسَتْ بِزَوْجَةٍ". فإن قيل: فقد ورثها عثمان ﵁؟ قيل: وقد أنكر عليه عبد الرحمن بن عوف في حياته إن مات أن يورثها منه، ولم يرد أنه قال: لا يورثوها مني، وإنما روي أنه لما طلق امرأته تماضر، دخل عليه عثمان فقال: أفررت من كتاب الله تعالى؟ فقال عبد الرحمن: ما فررت من كتاب الله تعالى ولا من سُنَّةِ رسوله ﷺ . فالمزني [أراد] أن يستنبط من هذا الكلام أنه أنكر عليه التوريث؛ لأن العلة فيه هي الفرار، ومن أنكر عليه الحكم فقد أنكر الحكم. ويمكن أن يُجاب عن كل ما ذكره بأنه يجوز أن تورث منه ولا يرث هو، كالعمة لا ترث من ابن الأخ، وابن الأخ يرث منها. وقول عبد الرحمن ليس بصريح في الإنكار فيحتمل أنه أراد: أني لم أفر فإن الإرث لها مني باقٍ. وقول ابن الزبير: "لو كنت أنا [لم] أر أن ترث مبتوتة" يحتمل أني ما كنت أهتدي إلى ما اهتدى إليه عثمان ﵁. مسألة: قَالَ: "وَلَوْ طَلَّقَ [ق ٨٣ أ] إِحْدَى امْرَأَتَيْهِ ثَلَاثًا فَمَاتَ وَلَا تُعْرَفُ". الفصل: صورة المسألة أن يطلق إحدى امرأتيه بعينها ومات قبل أن يبينها، ولم يكن مضى من الأقراءِ شيءٌ وكانتا جميعًا مدخولًا بهما، وكانتا من ذوات الأقراء، وكان الطلاق بائنًا، يلزم على كل واحدة منهما أن تأتي بأقصى الأجلين من أربعة أشهر وعشر، ومن ثلاثة أقراء؛ لأن على البائن ثلاثة أقراء وعلى المتوفي عنها زوجها أربعة أشهر وعشرٌ، ولا يعلم ههنا عين المتوفي عنها من البائن، فأوجبنا الأقصى منهما احتياطًا وإن كان قد مضى فيما يجب أربعة أشهر وعشر وقرءان، وإن كان قد مضى قرءان يجب أربعة أشهر وعشر وقرء، فإذا أتت بذلك فقد حلت بيقين. هكذا ذكره جميع أصحابنا. وقال صاحب "المنهاج": إذا أسلم المشرك عن عشرة نسوةٍ وأسلمت معه ومات قبل اختيار أربع، أوجبنا على كل واحدةٍ منهن أربعة أشهر وعشرًا فيها ثلاثة قروءٍ، فالأشهر للوفاة والقرء للفسخ الواقع بالإسلام. ثم اختلف أصحابنا في تأريخ أول القروء الثلاثة، فمنهم من قال: يحسب القرء من وقت إسلام متقدم الإسلام من الزوج والزوجة، لأن الفسخ يقع من ذلك الوقت، فعلى هذا في مسألتنا يحسب القروء الثلاثة من وقت الطلاق

стр. 5528

على ما ذكرنا. والثاني: أن القروء الثلاثة هناك محسوبة من وقت الموت؛ لأنهما كانا يشبهان الزوجين إلى وقت موته. وللشافعي في هذا الموضع نص يدل على أن القروء الثلاثة يجب أن تحسب في مسألة المشرك من وقت الموت؛ لأنه قال: ﴿وَلَوْ طَلَّقَ إِحْدَى امْرَأَتَيْهِ ثَلَاثًا فَمَاتَ وَلَا تُعْرَفُ اعْتَدَّنَا أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا تُكَمِّلُ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا فِيهَا ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [ق ٨٣ ب] فقوله: "فيها": دليل على أن جميع القرء ينبغي أن يكون بعد الموت في الأربعة الأشهر، وإن وجدت فيها، وإن طال أقراءها اعتدت بأقصى الأجلين، ومثل هذا إذا فرق في النكاح الفاسد بينهما بعد الوطء هل يحسب القرء من وقت التفريق أو من آخر وطئة كانت؟ فيه وجهان. وإن كانت إحداهما مدخولًا بها والأخرى غير مدخول بها وجبت على غير المدخول بها أربعة أشهر وعشرٌ فقط، وعلى المدخول بها أربعة أشهر وعشر وثلاثة أقراء على ما بيَّناه. وإن كانتا غير مدخول بهما وجبت على كل واحدة منهما أربعة أشهر وعشر فقط؛ لأن المطلقة قبل الدخول لا عدة عليها، فإذا أتت بالشهور فقد حلت بيقين، وإن كان الطلاق رجعيًا وجب على كل واحدةٍ أربعة أشهر وعشرٌ؛ لأن الرجية تنتقل إلى عدة الوفاة فكانتا سواء، وإن لم يكونا من ذوات الأقراء، فإن كانتا من ذوات الشهور وجب على كل واحدة أربعة أشهرٍ وعشر؛ لأن المطلقة لم يجب عليها إلا ثلاثة أشهر، فإذا أتت بأربعة أشهر فقد حلت بيقين. وإن كانتا حاملتين حلتا بالوضع، هذا إذا كان الطلاق معينًا ولم يتبين في إحداهما حتى مات. فأما إذا كان الطلاق مرسلًا في إحداهما بعينها فقد ذكرنا فيما تقدم أن المذهب الصحيح أنه يقع الطلاق من حين اللفظ. ومن أصحابنا من قال: يقع من حين التعين. فإن قلنا: من حين اللفظ كان حكم العلة على ما بيَّناه في المعينة. وإن قلنا: من حين التبين، فإذا مات قبل التعين فكأنه مات قبل أن يطلق، فيجب على كل واحدة منهما عدة الوفاة أربعة أشهر وعشرٌ. وهكذا ذكر بعض أصحابنا. وقال بعضهم: يلزم ههنا أقصى الأجلين أيضًا [ق ٨٤ أ] ولكن ابتداء الأقراء من حين الموت؛ لأن الموت الإياس من بيانه ولا يمكن إسقاط حكم الطلاق الموجود بموته. وهذا هو المشهور على هذا الوجه. باب مقام المطلقة في بيتها مسألة: قَالَ: قال الله تعالى في المطلقات: ﴿لا تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١]

стр. 5529

إلى قوله: ﴿بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ﴾ [الطلاق: ١]، وقد قال النبي ﷺ لفريعة بنت مالك حين أخبرته أن زوجها قتل وأنه لم يتركها في مسكن يملكه: "امكثي في بيتك حتى يبلغ الكتاب أجله". المطلقة مطلقتان؛ رجعية، وبائن. فالرجعية تستحق السكنى والنفقة؛ لأنها في معاني الزوجات إلى أن النفقة حق لها إن اتفقا على إسقاطه سقطت، والسُّكنى حق الله تعالى إن اتفقا على إسقاطه لم يسقط. وأما البائن فلا نفقة لها إلا أن تكون حاملًا ويلزم السكنى لها. وبه قال ابن عمر، وابن عباس، وجابر، وعائشة، وسعيد بن المسيب، وسليمان بن يسار، والفقهاء السبعة، ومالك، والأوزاعي، وابن أبي ليلى، والليث بن سعد ﵃. وروي عن ابن عباس، والحسن، والشعبي، وعطاء، والزهري، وأحمد، وإسحاق: أنه لا نفقة لها ولا سكنى. وروى أبو سليمان الخطابي عن أحمد مثل قولنا، واحتجوا بما روت فاطمة بنت قيس أن زوجها طلقها ثلاثًا فلم يجعل لها رسول الله ﷺ نفقة ولا سكنى. وقال أبو حنيفة والثوري: لها النفقة والسكنى. وروي ذلك عن عمر، وابن مسعود، وشريح ﵃، واحتجوا بأنها مطلقة تستحق السكنى فاستحقت النفقة كالرجعية. وهذا غلط؛ لأن الله تعالى قال: ﴿لا تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١] [ق ٨٤ ب] ﴿وَلا يَخْرُجْنَ إِلاَّ أَن يَاتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ﴾ [الطلاق: ١]، وقال أيضًا: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُم مِّن وُجْدِكُمْ﴾ [الطلاق: ٦] إلى قوله: ﴿وَإِن كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنفِقُوا عَلَيْهِنَّ﴾ [الطلاق: ٦]، فأوجب السكنى على الإطلاق، وخصَّ بالنفقة الحوامل، فكان ذلك حجة على الفريقين وأما خبر فاطمة بنت قيس: قلنا: لا حجة فيه؛ لأنه روى أنه أوجب لها السكنى فبذت على أحمائها فأمرها أن تنتقل إلى بيت ابن أم مكتومٍ، وتمام الخبر ما روى أبو سلمة بن عبد الرحمن عن فاطمة بينت قيس: أن أبا عمرو بن حفص بن المغيرة طلقها البتة وهو غائب بالشام، فأرسل إليها وكيله بشعير فسخطته، فقال: والله مالك علينا من شيء، فجاءت رسول الله ﷺ فذكرت له، فقال لها: "ليس لك عليه نفقة" وأمرها أن تعتد في بيت أم شريك، ثم قال: "تلك امرأة يغشاها أصحابي، فاعتدي عند ابن أم مكتوم فإنه رجل أعمى تضعين ثيابك، فإذا حالت فأذنيني". قالت: فلما حللت ذكرتُ له أن معاوية وأبا جهم خطباني ... الخبر إلى آخره. ومعنى البتة ههنا: الثلاث. وروى أنها تطليقةٍ

стр. 5530

بقيت لها من ثلاث. واعلم أن نقل النبي ﷺ إياها من بيت أحمائها إلى بيت ابن أم مكتوم ليس بإبطال السكنى، بل فيه إثبات السكنى وإنما هو إخبار لموضع السكنى. وقد اختلفوا في سبب ذلك فقالت عائشة ﵂: كانت فاطمة في مكان وحش فخيف عليها، فرخص لها رسول الله ﷺ في الانتقال. وقال سعيد بن المسيب: إنها انتقلت عن بيت أحمائها لطول لسانها. وروي عن عمرو بن ميمون، عن أبيه أنه قال: قلت لسعيد بن المسيب: أين تعتد المطلقة ثلاثًا؟ قال: تعتد في بيتها. قلت: أليس أمر رسول الله ﷺ [ق ٨٥ أ] أن تعتد [فاطمة بنت قيس في بيت ابن أم مكتوم، قال: تلك المرأة التي فتنت الناس، إنها استطالت على أحمائها بلسانها، فأمر رسول الله ﷺ أن تعتد] في بيت ابن أم مكتوم، وكان رجُلًا مكفوف البصر. وهو معنى قوله: ﴿وَلا يَخْرُجْنَ إِلاَّ أَن يَاتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ﴾ [الطلاق: ١]. وقال ابن عباسٍ: الفاحشة أن تبذو على أهل زوجها، فإذا بذت فقد حل إخراجها. وقال ابن مسعود والحسن البصري: الفاحشة أن تزني فتخرج لإقامة الحد عليها. والأول أصح؛ لأن ظاهرة إخراج لا تُرد بعده إلى ذلك البيت، وإنما تخرج للحد ساعة من نهارٍ، ولها أن تخرج بالنهار لبعض الحوائج من غير فاحشةٍ مبينة. وروي أن يحيى بن سعيد بن العاص طلق ابنة عبد الرحمن بن الحكم البتة، فانتقلها عبد الرحمن بن الحكم، فأرسلت عائشة أم المؤمنين ﵂ إلى مروان بن الحكم -وهو أمير المدينة- فقالت: اتق الله ورد المرأة إلى بيتها. فقال مروان: أو ما بلغك شأن فاطمة بنت قيس، فقالت عائشة: لا يضرك أن لا تذكر حديث فاطمة، فقال مروان: فإن [كان] بك الشر فحسبك ما بين هذين من الشر، يعني إن كنت تزعمين أن فاطمة أخرجت من بيت زوجها مخافة الشر من البذاء فحسبك ما بين هذا الزوج المطلق وهذه الزوجة من البذاء. فثبت بالسنة. وتفسير ابن عباس، وقصة عائشة ومروان أن المطلقة لا تخرج من منزل الطلاق إلا للبذاءة. وكره لها ابن المسيب وغيره أنها كتمت السبب الذي أمرها ﷺ أن تعتد في غير بيت زوجها خوفًا أن يسمع ذلك سامع فيرى للمبتوتة أن تعتد حيث شاءت. وقد قال الشافعي: "فَلَمْ يَقُلْ لَهَا النَّبِيُّ ﷺ اعْتَدِّي حَيْثُ شِئْتِ، بَلْ خَصَّهَا إِذْ كَانَ زَوْجُهَا غَائِبًا"

стр. 5531

وهذا يدل على أن البذيئة إذا خرجت من بيت زوجها للبذاءة [ق ٨٥ ب] لا يجوز أن تكون بسببه تعتد حيث تشاء ولكن الحاكم يحضها بالاجتهاد وعند من يرى، كما حصَّن رسول الله ﷺ فاطمة بنت قيس. ثم اعلم أن الشافعي ذكر أولًا هذه الآية وهي واردة في المطلقات، ثم ذكر خبر فريعة في المتوفي عنها زوجها، ثم قال: "فدلت الآية على سكنى الطلاق، ودلت السنة على سكنى الوفاة". وتمام خبر فريعة ما روي عن زينب بنت كعب عن فريعة بنت مالك -أخت أبي سعيد الخدري- قالت: خرج زوجي في طلب أعبد له أبقوا، فأدركهم بطرف القدوم فقتلوه، فأتاني نعيه وأنا في دار شاسعة من دور أهلي فأتيت رسول الله ﷺ فقلت: أتاني نعي زوجي وأنا في دارٍ شاسعة من دور أهلي ولم يدع لي نفقة ولا مالًا، وليس له مسكن لي، فلو تحولت إلى إخوتي وأهلي كان أرفق لي في بعض شأني، فقال: "تحول"، فلما خرجت إلى المسجد -أو الحجرة- دعاني -أو أمرني- فدعيت له فقال: "امكثي في البيت الذي أتاك فيه نعي زوجك حتى يبلغ الكتاب أجله"، فاعتدت فيه أربعة أشهر وعشرًا، قالت: فأرسل إليَّ عثمان بن عفان فأتيته فحدثته، فأخذ به. فمن أصحابنا من قال: نسخ قوله الآخر قوله الأول فحكم لها أولًا بالرجوع إلى بيت أهلها، ثم نسخه بإيجاب السكنى لها في قوله: "امكثي في بيتك" يعني في البيت الذي كنت فيه عند الموت، فأوجب لها السكنى. وهذا دليل على جواز نسخ الشيء قبل أن يُفعل. ومن أصحابنا من قال: اختار القول الآخر أنه لا سُكنى للمتوفي عنها، وقال: هذا ليس بنسخ، بل صرح أولًا بالحكم أن لا سكنى لها، ثم ندب إلى أن تمكث في بيتها الأول، وندب أهل الميت أن يتركوها في للاعتداد. فإذا تقرر هذا لا فرق [ق ٨٦ أ] بين أن تكون مسلمة أو ذمية؛ لأن حقوقه الذمية في النكاح كحقوق المسلمة، وأما الأمة فحكمها في العدة حكمها في النكاح لا يلزم سيدها أن يسلمها نهارًا وله حق الاستخدام عليها، فإن رفع السيد استخدامها لم يمنع نهارًا في زمان الاستخدام، ولا سكنى لها؛ لأنه لما لم يمنع مع بقاء النكاح منها فلأن لا يمنع زواله أولى. ثم للزوج أن يحضها ليلًا إن شاء، وهل يؤخذ به جبرًا؟ وجهان. فإن قيل: فإذا كان له ذلك فقد صارت السكنى واجبة، والسكنى الواجبة في العدة لا تسقط بتراضيهما. قلنا: ليست بواجبة على الزوج وإنما له حق متعلق باستبرائها وحفظها، فلهذا كان له إسكانها ليلًا والسكنى الواجبة لا تسقط بالإسقاط وههنا لم تجب أصلًا فلا يقال سقط. واعلم أن في بعض نسخ المزني: "ولأهل الذمة أن ينقلوها من مسكن زوجها" وهذا

стр. 5532

تصحيف من الأمة إلى الذمة. مسألة: قَالَ: "فَإِذَا طَلَّقَهَا فَلَهَا السُّكْنَى فِي مَنْزِلِهِ حَتَّى تَنْقَضِي عِدَّتُهَا يَمْلِكُ الرَّجْعَةَ أَوْ لَا يَمْلِكُهَا". يحب على المعتدة أن تسكن في الموضع الذي كانت تسكنه قبل الطلاق لقوله تعالى: ﴿لا تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ إِلاَّ أَن يَاتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ﴾ [الطلاق: ١]، والمراد بإضافة البيوت إليهن السُّكنى دون الملك، بدليل أنه خص المطلقة بذلك، وإذا كان البيت لها لم تختص المطلقة بتحريم إخراجها، وبدليل أنه قال: ﴿إِلاَّ أَن يَاتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ﴾ [الطلاق: ١] ولو أراد ملكها لم تخرج بالفاحشة. فإذا ثبت هذا لا يجوز له أن ينقلها عنه ولا يجوز أن تنتقل منه لظاهر الآية؛ لأن هذه السكنى تجب للعدة، والعدة [ق ٨٦ ب] حق الله تعالى فلم يجز لهما التراضي على إبطال حق الله تعالى، ويجوز النقل والانتقال في ثلاثة أحوالٍ: أحدها: أن يكون المنزل عارية فيرجع المعير في العارية، أو كان بكراء فانقضت مدة الإجارة وطالب صاحبه بالانتقال. والثانية: أن يكون المنزل للزوج ولكنه انهدم أو خيف انهدامه وهو غير حصين، أو جيرانها فسقة فيخاف عليها. والثالثة: أن تأتي بفاحشةٍ مبينةٍ، وذلك عند الشافعي ما ذكره ابن عباس من البذاءة، على أهل زوجها. فإن قيل: حقيقة الفاحشة الزنى لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ ذَلِكَ﴾ [النساء: ٢٥]، وأراد به الزنى قيل: الفاحشة اسم الزنى وللأقوال الفاحشة، ولهذا يقال: أفحش فلان في مقالته. فإذا تقرر هذا وأراد نقلها عند البذاءة على أهل زوجها ينقلها إلى أقرب المنزل إلى منزله الذي طلقها فيه، كما إذا عدم الفقراء في بلد المالي ينقل الصدقة إلى أقرب المواضع من البلد، وإنما يتصور هذا في دارٍ تجمعهم، فإن كانت دارًا لا تسعهم يلزمهم أن ينتقلوا دونها، فإن انتقلوا عنها فبذأت بلسانها عليهم لم تنقل؛ لأن ذلك يمكنها في كل موضع تنتقل إليه، وتُنهى عن ذلك وتعزر، فإن بذت أحماؤها عليها ولم يكن من جهة شرٍّ نقلوا ولم تنتقل هي؛ لأن سكناها مستحقة لها، ولم يكن منها ما يفتح نقلها منه، وإن كانت في منزل أبويها فبذت عليها أو بذا أبويها عليها، ولم ينقل واحدٌ منهم؛ لأن الشر يطول منهم كما يطول منها ومن أحمائها، وإن كانت معها في بيت أبويها أحماءها فبذت

стр. 5533

عليهم أبو بذوا عليها نقلوا ولم تنقل هي؛ لأنها أحق بسكنى منزل [ق ٨٧ أ] أبويها من أحمائها، وإن كانت في دارٍ أخرى لم تنقل إذا بذت عليهم، وإنما ذلك إذا كانوا في دارٍ واحدة على ما ذكرنا وإن كانت في دارٍ تملكها، فإن أقامت فيها بإجارة منه أو إعارةٍ جاز، وإن طلبت أن يسكنها في غيرها لزمه؛ لأنه ليس عليها أن يؤجر ملكها. مسألة: قَالَ: "فَإِنْ كَانَ بِكَرَاءٍ فَهُوَ عَلَى المُطَلَّقَ وَفِي مَالِ الزَّوْجِ المَيِّتِ". السكنى إذا وجبت على المطلق وكانت في منزل بكراءٍ، يجب الكراء على المطلق بلا إشكالٍ. وقوله: "وَفِي مَالِ الزَّوْجِ المَيِّتِ" قال بعض أصحابنا: أجاب بقوله للمتوفي عنها زوجها السكنى، وحمله المزني على هذا ثم اعترض عليه فقال: هذا خلاف قوله في "باب عدة الوفاة" فإن كلامه هناك يدل على أنه لا سكنى لها على ما ذكر، والعجب من المزني حيث قال: في باب عدة الوفاء: "هذا خلاف قوله في الباب الثاني" ثم لما جاء إلى الباب الثاني كرر الكلام فقال: "هذا خلاف قوله في باب عدة الوفاة، ولا فائدة في هذا، فإن له في المسألة قولين مشهورين. ومن أصحابنا من قال: معنى قوله: "وَفِي مَالِ الزَّوْجِ المَيَّتِ" غير ما اعتقده المزني وإنما معناه أن الزوج المطلق إذا مات قبل انقضاء عدة الطلاق الثلاث فمكنا بالتمام عدتها في مال الزوج الميت، فنقول للمزني: الشافعي لم يتعرض في باب عدة الوفاة لذكر السكنى عند الوفاة ولا في هذا الفصل، وقد نسبه إلى اختلاف القول وتناقضه في هذين البابين، وإنما ذكر الشافعي القولين في سكنى الوفاة بعد هذا حيث قال: "وإن كانت هذه المسائل في موته ففيها قولان" [ق ٨٧ ب] وهذا يدل على أن ما قبله في المطلقة، وهذا ضعيف لأنه قال هناك: ففيها قولان، أحدهما: ما وصفت، فدل أنه أوجب السكنى للمتوفي عنها فلا يحسن أن يحمل على المطلقة. مسألة: قَالَ: "وَلِزَوْجِهَا إِذَا تَرَكَهَا فِيمَا يَسَعُهَا مِنَ المَسْكَنِ وَسَتَرَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا أَنْ يَسْكُنَ فِي سِوَى مَا يَسَعُهَا". إذا أوجبنا السكنى فإنما تجب سكنى مثلها في العرف، فإن كانت من أهل الأقدار رفيعة الحال كثيرة المال والخدام، أسكنها دارًا واسعة حسناء وإن كانت من أوساط الناس متوسطة الحال في المال والخدام، أسكنها دارًا متوسطةٍ. وإن كانت من أراذل الناس دنيئة دميمة، أسكنها دارًا ضيقة في طرف البلد أو في الخان، وهذا لأن الله تعالى

стр. 5534

أوجب السكنى مطلقًا، ولا حَدَّ له في اللغة ولا في الشريعة، فيرجع فيه إلى العرف والعادة كالأحراز والقبوض. وإنما ينظر إلى سكنى مثلها حين الطلاق ولا ينظر إلى سَكنها حال الزوجية؛ لأن الزوج قد يتطوع بأكثر من سكنى مثلها، فإن كانت ساكنةً في سكنى مثلها أقرب فيه، وإن كانت في أدون منها فإن رضيت بالمقام فيه جاز؛ وإن طلبت سكنى مثلها لزم أن يسكنها إلى أقرب المواضع إليه مما هو سكنى مثلها، أو يزيد فيه من بيتٍ آخر بجنبها. وإن كانت في أرفع فإن رضي الزوج به جاز، وإن لم يرض لا يجوز نقلها منه بلا سبب، وإن اتفقنا على النقلةُ لم يجز أيضًا لما ذكرنا. وهل يجوز أن يسكن معها أو يلزمه أن ينتقل منها؟ يُنظر فإن كانت الدار كبيرة يمكنه أن يقطعها حجرتين يغلق كل واحدة بغلق منفرد، فتكون في إحداها وهو يكون [ق ٧٧ أ] في الأخرى، وإذا فعل ذلك وسعتها وتنفرد بمرافقها من البئر والمطبخ والرقي إلى السطح، ومثلها يسكنها في العادة جاز ذلك، وإلا فلا يجوز ويلزمه أن ينتقل منها حتى تنقضي عدتها. وإن كان في الدار بيتان ولا يمكن قطعها حجرتين، فأراد أن يسكن هو في بيتٍ وهي في بيت آخر لم يجز، وإن كان على كل واحدٍ من البيتين باب يُغلق؛ لأن في المدخل والمخرج من باب الدار يحصل بينهما خلوة. قال الشافعي: "إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ بَالِغٌ مِنَ الرِّجَالِ". وقال بعض أصحابنا: "أو نساء ثقات". وقال أبو حامدٍ: اعتبر الشافعي بلوغ المحرم، وعندي إذا كان صبيًا مراهقًا جلدًا يتحفظ به جاز أيضًا؛ لأن الغرض أن لا يخلو الرجل بالمرأة الأجنبية. وقيل: شرط الشافعي أن يكون من الرجال، وبالنساء لا يقع الحاجز عن قصد الفجور فلا يكتفي بالنساء. وقال القاضي الطبري: الأمر على ما قال الشافعي، ولا يجوز إلا أن يكون بالغًا؛ لأن غير البالغ ليس بمكلف فلا يلزمه الإنكار للفاحشة. قال الشافعي: "ويكره ذلك مع هذا"؛ لأنه لا يمكن التحرز من النظر إلى الأجنبية وإن جاز على ما ذكرنا. وقيل: إن الشافعي قال: "محرم ونساء ثقات" ولا شك أن هذا للاستحباب. ولو كانا في بيتين من الخان فطلقها فانتقل الزوج إلى بيت بجنبها جاز، ويخالف بيتين في الدار؛ لأن الخلوة لا تحصل بينهما في بيتين من خان وتحصل في بيتين من دارٍ. وكل موضع أجزنى للمطلق أن يسكن مع المطلقة أجزنى للأجنبي أن يسكن [ق ٨٨ ب] معها، وما لا يجوز للمطلق لا يجوز للأجنبي. ثم اعلم أن المزني قدم ههنا مسألة وجوب سكنى الوفاة وأردفها بالكلام في كيفية

стр. 5535

المسكن. ثم اعترض على مسألة وجوب السكنى على مسألة كيفية المكسن، فصار سواد الكتاب مشكلًا ملتبسًا، وكان ينبغي أن يعطف على قوله: "أَنْ يَسْكُنَ فِي سِوَى [مَا] يَسَعُهَا" حكايته عن كتاب "النكاح والطلاق": "لَا يُغْلَقُ عَلَيْهِ وَعَلَيْهَا حُجْرَةٌ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ". الفصل: ويعطف اعتراضه في مسألة السكنى حيث قال الشافعي: "وَفِي مَالِ الزَّوْجِ المَيِّتِ". حتى يظهر المقصود ويرتفع الإشكال. مسألة: قَالَ: "وَإِنْ كَانَ عَلَى زَوْجِهَا دَيْنٌ لَمْ يَبعْ مَسْكَنَهَا حَتَّى تَنْقَضِي عَدَّتُهَا". الفصل: إذا أراد الحاكم بيع هذه الدار بالدَّين، أو أراد الزوج بيعها وعليه دَين قبل الحجر، أو لا دَين عليه فأراد بيعها نُظر، فإن كانت عدتها بالحمل أو بالأٌقراء لم يصح البيع قولًا واحدًا. ولو باع الدار المؤجرة هل يصح البيع؟ قولان. والفرق بينهما أن زمان العدة مجهول فلم يصح البيع، وليس كذلك المنفعة المستحقة في مدة الإجارة؛ لأنها معلومة فلم يضر استحقاقها، وإن كانت عدتها بالشهور من أصحابنا من قال: فيه قولان كبيع الدار المؤجرة، لأن المدة معلومة، وهو اختيار الماسرجسي. ومن أصحابنا من قال: لا يجوز ههنا قولًا واحدًا، وهو اختيار صاحب "الإفصاح". والفرق أن المرأة لو ماتت في العدة رجعت المنفعة إلى زوجها؛ لأنها لم تدخل في البيع فيصير كأنه باعها واستثنى لنفسه تلك المنفعة ولا يجوز ذلك، وليس كذلك بيع المستأجر، فإن المستأجر إذا مات [ق ٨٩ أ] رجعت المنفعة إلى ورثته ولم ترجع إلى المؤاجر الذي باعها، وإن كان الذي باعها وارثًا رجعت المنفعة إليه إرثًا ولم ينفسخ عقد الإجارة، وفي المعتدة ترجع المنفعة إلى الزوج ويبطل استحقاقها، فلهذا فرقنا. أو نقول: هذه المنفعة بملكٍ للمرأة وإنما تبلغها على ملك الزوج؛ لأنها تملك استيفائها بنفسها خاصةً. ويجوز أن يسكنها في دارٍ مستعارة وإن كانت لا تملك منافعها، فلا يجوز أن تملك رقبة الدار من جهته، ويكون مستثنيًا لمنفعة يملكها. وقال ابن أبي هريرة: إنما اختلف أصحابنا إذا كانت عدتها بالشهور وهي صغيرة لا يحيض مثلها، أو آيسة. فأما إذا كان لها تسع سنين فأكثر ومثلها يحيض إلا أنها لم تحض فلا يجوز بيع الدار التي استحق سُكناها قولًا واحدًا؛ لأنَّا لا نأمن أن تحيض قبل
следующие страницы →