Полный текст (7 151 стр.). Показаны 5461–5500 · переход к 5466.
стр. 5461
لا تُقبل شهادة الزوج لزوجته [ق ٣٣ ب] لا تقبل شهادتها للأجنبية قولاً واحداً؛ لأن الرجل عدو لمن قذف زوجته وأظهر العداوة حين شهد بذلك، ولو شهد للزوجة وللأجنبي عليه بالدين وقلنا: لا تُقبل شهادته للزوجة هل تُقبل للأجنبي فهذه شهادته ردت بعضها للتهمة هل يرد الباقي؟ قولان.
فرع آخر
لو أعرض عن ذكر قذف امرأته أو قذفه وشهد للأجنبي تُقبل بلا خلاف، وإن علم أنه قذف امرأته بعد ما لم يظهر هو عداوة إذا رددناها بهذا لما عجز أحد عن قذف من يريد أن يشهد عليه حتى لا يشهد.
فرع آخر:
قال في " الأم": ولو شهد ابناه أنه قذف ضرة أمهما يحتمل أن يقال: تُقبل هذه الشهادة، ويحتم أن ترد هذه الشهادة. وقيل قطع من الأم أنه تُقبل.
وحكي لمزني هذه اسأل في " الجامع الكبير" وقال: قال الشافعي: قيها قولان:
أحدهما: لا تُقبل لأنها شهادة لأمهما، فإن القذف إذا ثبت أدي إلي اللعان والفرقة ولأمهما من الفرقة غرض ومنفعة.
والثاني: تُقبل لأن له أن يتزوج بامرأة أخري فلا منفعة من فراق الضرة وهذا هو الصحيح واختاره الشافعي، وبه قال مالك، وأبو حنيفة.
وعلي هذا لو شهد بأنه طلق ضرة أمهما قولان، وعلق القول فيه في " الأم" وقيل: قول واحد في الجديد في مسألة القذف أنه تقبل، وفي الطلاق قولان، والفرق أن الطلاق موضوع للفراق وإزالة النكاح وفي القذف قد يلاعن فافترقا.
مسألة:
قال: "وَلَوْ شَهِدَ أحدهما أَنهُ قَذَفَهَا بِالعَربيِّة وَالآخَر َأَنهَّ قَذَفَهَا بالْفارسيَّةِ لمّْ يُجز".
الفصل:
إذا أدَّعت القذف علي زوجها فأنكر، فأتت بشاهدين فشهد أحدهما [ق ٣٤ أ] أنه قذفها بالفارسية وشهد الآخر أنه قذفها بالعربية لم يثبت القذف لأنها شهادة علي قذف. وكذلك لو شهد أحدهما أنه قذفها يوم الخميس وشهد الآخر أنه قذفها يوم الجمعة لم
стр. 5462
يثبت أيضاً لأنهما قذفان.
وقال أبو حنيفة: يقبل لأنه لا يحتاج إلى ذكر القذف في الشهادة فيكون لغواً غلط. قال الشافعي: كل واحد من الكلامين غير الآخر فلم تتفق شهادتهما على شيء واحد. وعلى ما ذكرنا لو شهد أحدهما أنه أقر عندي أنه قذفها بالعربية، وشهد الآخر أنه أقر عندي أنه قذفها بالعجمية، وشهد الآخر أنه قذفها وشهد الآخر أنه أقر بقذفها لا تقبل، ولا تتم الشهادة في القذف ولا في الإقرار بالقذف، ولهذا لا تقبل شهادة شهود الرؤيا؛ لأن كل واحد منهم يثبت فعلاً غير الفعل الذي يثبته الآخر.
وأما إذا شهد أحدهما أنه أقر عندي بالعربية أنه قذفها، وشهد الآخر أنه أقر عندي بالفارسية أنه قذفها قبلت شهادتهما وحكم بها؛ لأن القذف لم يختلف وإنما اختلف الإقرار بالقذف، ويجوز أن يعبر عن القذف الواحد لأحد الشاهدين بالعربية وللآخر بالعجمية. وكذلك إذا شهد أحدهما أنه أقر عنده يوم الخميس أنه قذفها وشهد الآخر أنه أقر عنده يوم الجمعة أنه قذفها يحكم شبهادتهما؛ لأن الإقرار يختلف والقذف غير مختلف، لأنه يجوز أن يقر بالقذف الواحد لأحد الشاهدين يوم الخميس وللآخر يوم الجمعة. وجملته أنهما إذا أثبتنا قذفين أو أثبت أحدهما قذفاً والآخر أقر بالقذف لم تتم الشهادة في واحد منهما، وإذا أثبتا إقرارين والقذف غير مختلف تمت الشهادة (ق ٣٤ ب) ووجب الحكم.
فرع:
قال القاضي الطبري: سمعت بعض مشايخنا يقول: إذا شهد ثلاثة أنفس اثنان على فعل الزنى والآخر على الإقرار بالزنى، فإن الشهادة لم تتم على واحد من الفعل والإقرار، ولا يجب على شاهد الإقرار، ولا يجب على شاهد الإقرار شيء، وهل يجب على شاهدي الفعل حد القذف؟ قولان، وإن شهد اثنان على فعل الزنى وشهد اثنان على الإقرار بالزنى، فإن قلنا الإقرار بالزنى يثبت بشاهدين يلزمه الحد ولم يجب على شاهدي الفعل شيء.
وإن قلنا الإقرار بالزنى لا يثبت إلا بأربعة لم تتم الشهادة في الفعل والإقرار، ولا يجب على شاهدي الإقرار شيء، وهل يجب على شاهدي الفعل حد القذف قولان.
فرع آخر:
حكي الاصطخري أنه قال: إذا شهد أحدهما أنه قال: القذف الذي كان مني كان بالعربية، وشهد الآخر أنه قال: القذف الذي كان مني بالعجمية فيه وجهان:
أحدهما: لا تتم الشهادة لأنهما قذفان.
والثاني: تتم الشهادة لأنه أقر بالقذف وقوله بعد هذا كان بالعربية أو بالعجمية إسقاط منه لإقراره فلا يلتفت إليه.
стр. 5463
مسألة:
قال: "ويقبل كتاب القاضي إلى القاضي بقذفها".
حد القذف وحق الآدمي يقبل فيه كتاب القاضي إلى القاضي قولاً واحداً، وفي حدود الله تعالى هل يقبل كتاب القاضي إلى القاضي؟ قولان؛ والأظهر أنه لا يقبل، وقد ذكر في آخر هذا الباب.
وأما حدود الله تعالى فتدرأ بالشبهات، يعني لا يقبل فيها كتاب القاضي إلى القاضي وهذا لأن قبول الكتاب مبالغة في استيفائها وهي مبنية على الفداء (ق ٣٥ أ) والتأخير، وهكذا الشهادة على الشهادة تقبل في حد القذف، وفي حدود الله تعالى هل تقبل؟ قولان: وعند أبي حنيفة: لا يقبل فيه كتاب القاضي إلى القاضي ولا الشهادة على الشهادة بناءً على أصله أنه حق الله تعالى.
قال القفال: إذا قلنا: لا تقبل في حدود الله تعالى فله معنيان:
أحدهما: أن الستر فيه أولى.
والثاني: أنه يدرأ بالشبهات، ففي حد القذف والقصاص هل يقبل ذلك؟ قولان بناءً على المعنيين، فإن قلنا بالمعنى الأول يقبل ههنا، لأنه لا يجوز كتمان الشهادة في حق الآدمي، وإن قلنا بالمعنى الثاني لايقبل ههنا لأنهما يسقطان بالشبهة أيضاً وهذا غريب.
مسألة:
قال: "وتقبل الوكالة في تثبيت البينة على الحدود".
وقد ذكرنا هذه المسألة في كتاب الوكالة.
باب الوقت في نفي الولد
مسألة:
قال: "وإذا علم الزوج بالولد فأمكنه الحاكم أو من يلقاه له إمكاناً بيناً".
الفصل:
جملته إذا ولدت امرأته لا يخلو من أن يكون حاضراً أو غائباً، فإن كان حاضراً لا يخلو من أن يكون معذوراً أو غير معذور، فإن كان غير معذور لا يختلف المذهب أن نفيه على الإمكان في العرف والعادة، فإن كان على الطعام فرغ منه، وإن كان قد دخل وقت الصلاة، فرغ منها، وإن كان بالليل أصبح، وإن كان عرياناً لبس وسار إلى الحاكم على سجية مشيه وابناه إليه وطالبه بما ينفيه عنه من إحضارها واللعان بينهما، فإن أخر مع
стр. 5464
الإمكان الذي وصفناه يبطل النفي. (ق ٣٥ ب) وفيه آخر أن له نفيه إلى ثلاثة أيام، وهو الذي قال في الكتاب، ولو قال قائل: يكون له نفيه ثلاثاً إن كان حاضراً كان مذهباً، ونص عليه في القديم، واعترض المزني على هذا الكلام فقال: لا فرق بين الثلاثة والأربعة. وقال: قال الشافعي لمن جعل له نفيه في تسع وثلاثين يوماً وأباه في الأربعين، ما الفرق بين الصمتين، فمثل هذا يلزمه ههنا فقوله في أول الباب أشبه بمعناه عندي. وهو على ما ذكره المزني، ويمكن أن يجاب عن هذا بأن الإنسان لا يستغني عن مراجعة نفسه وما هل زمان وطئه إياها، وإذا نوجي الرجل بأمر لم يهتد في الحال إلى ما هو خير له فلا بد من إمهال والثلاثة زمان قريب، قال الله تعالى في قصة ثمود ﴿فَيَاخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ﴾ [هود: ٦٤]، ثم فسر ذلك القريب ثلاثة أيام، فقال: تمتعوا في داركم ثلاثة أيام ذلك وعد غير مكذوب، وهذا معنى قول الشافعي: فأمكنه الحاكم أو من يلقاه، لم يرد أنه كان مستقبلاً بما لا بد منه يلزمه أن يبعث وكيله إلى الحاكم ليخبره أنه على النفي، ولكن إذا شهد أنه على النفي كفاه، ثم يبقي الحاكم إن شاء بنفسه، وإن شاء بوكيله، ثم هو يحضر اللعان. وذكر المزني أن الشافعي قال في "القديم" إن لم يشهد حضره ذلك في يوم أ, يومين لم يكن له نفيه، وربما يتوهم أن هذا القول الذي حكاه عن القديم وهو قول التقدير بالثلاثة أو الثنين وليس كذلك، بل هو جواب عن الفور، وهو القول الذي نص عليه في أول هذا الباب، غير أنه إذا أراد تعجيل النفي ربما يصادفه الحكم (ق ٣٦ أ) في الحكم أول وهلة، وربما لا يصادفه، وربما يمنعه مانع فلا يبطل حقه عند ظهور عذره، ولهذا جاء بلفظ التنويع، وقال: يوماً أو يومين. ولو أراد التقدير لما استعمل عبارة التنويع، ثم قال المزني: "لوجاز في يومين لجاز في ثلاثة وأربعة في معنى ثلاثة" الفصل فقال للمزني: لعلك توهمت أن الشافعي في " القديم" ذهب إلى قول ثالث سوى القولين المذكورين في أول هذا الباب، وهو أنه بتقدير بيومين وليس كذلك بل له قولان:
أحدهما: أنه على الفور.
الثاني: أنه يتقدر بثلاثة أيام، وأما التقدير بيومين فليس من قوله وإنما عني به قول الفور على ما ذكرناه.
واعلم أن قوله: "أو من يلقاه له" يوهم أن وكيله يقوم في النفي مقامه وليس كذلك، فإنه لا سبيل إلى التوكيل باللعان ولكنه أراد به جواز التوكيل بالنفي في الحال، ثم قال بعد هذا: وأي مدة قلت له نفيه وفيها فأشهد على نفيه وهو مشغول بما يخاف فوته أو بمرض لم ينقطع نفيه" وهذا يوهم أن الإشهاد شرط في صحة النفي وليس كذلك، وإنما أمر بالإشهاد لنوع من الاحتياط، وهو أن المرأة ربما تدعي أن حبر الولادة بلغه صباح يوم الجمعة، فأعرض عن النفي إلى يوم السبت، فإذا أقام الرجل شاهدين أنه نفى الولد
стр. 5465
لما بلغه خبره، وإنما منعه عن الحضور عذر لم يبطل حقه فهذه فائدة الإشهاد.
وأما إذا كان معذوراً لا يمكن من المجيء إلى الحاكم، فإن وجد من ينفذه إليه ويعرفه أنه مقيم على النفي فعل، وإن لم يجد أشهد على نفسه شاهدين أنه مقيم على النفي (ق ٣٦ ب) كالمولى إذا عجز عن الوطء فاء بلسانه في المعذور، وصفة المعذور أن يكون مريضاً أو له مريض يحتاج أن يمرضه، أو كان ملازماً في دين أو ملازماً لغريمه يخاف أن يتركه فيخسر ماله وما أشبهه، فإن أمكنه أن يبعث بمن يلقاه فتركه أو أمكنه أن يشهد فلم يفعل بطل حقه ولم يكن له نفيه.
فرع:
لو قال: لم أعلم بالولادة نظر، فإن كان في موضع يخفي عليه مثله، بأن يكون في محلة أخرى أو موضع بعيد منها فالقول قوله مع يمينه، فإذا حلف كان له نفيه وإن كان معها في الدار وفي موضع لا يخفى عليه في الغالب لم يصدق.
فرع آخر:
لو قال: علمت بالولادة ولكني لم أعلم أن لي نفيه، فإن كان فقيهاً لا يخفى عليه مثله لم يصدق، وإن كان حديث العهد بالإسلام أو نشأ في بادية نائية كان القول قوله مع يمينه، وإن كان من العامة الذين نشأوا في بلاد الإسلام فهل يقبل قوله مع يمينه؟ وجهان:
أحدهما: لا يقبل كما لو ترك الرد بالعيب، وقال: لم أعلم أن لي الرد لم يقبل منه.
والثاني: يقبل، لأنه لا يعرفه إلا الخواص من الناس ولا يعرفه العامة فعذروا فيه.
مسألة:
قال: "وإن كان غائباً فبلغه الخبر فأقام والمسير يمكنه لم يكن له نفيه إلا أن يشهد أنه على نفيه، ثم يقم".
الفصل:
إذا كان غائباً فبلغه خبر الولادة، فإن أمكنه المسير حين سمع بخروج القافلة في ذلك الوقت فأخره سقط حقه ولم يكن له نفيه، وإن لم يمكنه المسير في الحال لتعذر الرفقة أشهد على نفسه أنه مقيم على النفي (ق ٣٧ أ) وفائدة الإشهاد ما ذكرناه، فإن ترك الإشهاد قال أصحابنا: لم يكن له نفيه، والمراد به إذا لم يظهر أ، هـ مصر على نفيه على ما ذكرنا، ولا يلزمه أن يغرر بنفسه لخروجه وحده ولو كان يلحقه خصران فادح لو عجل المسير في تجارة هو مقبل عليها كان هذا من الأعذار الظاهرة فلا يجعل به مقصراً،
стр. 5466
ومعنى قوله: "فقدم أي قدر ما في العادة غير مضر به ولا يتقاعد مع التمكن من المعدوم، ولو أمكنه المسير فتأخر، وقال: لم أصدق المخبر بالولادة نظر فإن كان الخبر مستفيضاً لم يقبل منه، وإن كان غير مستفيض، وإنما كان خبراً واحداً واثنين قبل قوله مع يمينه أنه لم يصدقه، وإن كان المخبر عدلاً؛ لأنه يجوز يعلم منه في الباطن ما يمنعه السكون إلى خبره، فإن حلف على ذلك كان له نفيه، وإن نكل عن اليمين لزمه الولد، هكذا قال جماعة أصحابنا، وقال في "الحاوي" إذا نكل عن اليمين هل يحكم عليه بنكو له وجهان:
أحدهما: يحكم [عليه بنكو له في إبطال دعواه] ويلحقه الولد بالفراش دون النكول ولا ترد [اليمين] على الأم ولا على الولد لأنه لا يراعى فيه تصديقهما ولا يؤثر تكذيبهما.
والثاني: يرد على الأم، فإن [حلفت لزمه الولد، وإن] (٢) نكلت وقفت على بلوغ الولد، فإن نكل انتفى عنه لأن لحوق النسب حق للولد، وفيه من حقوق الأم نفي المعرة عنها هذا إن وقفت على بلوغ الولد لم يؤخذ الزوج بنفقته لأن نسبه على هذا الوجه غير لا حق به.
ومن أصحابنا من قال: إذا أخبره عدلان ظاهرهما العدالة لا يعذر، في قوله لم أصدقهما والأول أظهر.
مسألة:
قال: "ولو رآها حبلى فلما ولدت نفاه، فإن قال: لم أدر لعلة ليس (ق ٣٧ ب) بحمل لاعن".
إذا كانت له زوجة فظهرت بها أمارات الحمل فلم ينفه حتى ولدت، ثم أراد نفيه بعد الوضع قيل له: هلا نفيته قبل الوضع، فإن قال: ما تحققته وظننت أنه ريح يذهب وينفش فالقول قوله مع يمينه وله نفيه؛ لأنه قد يشك فيه هكذا سواء قلنا: الحمل يعرف أو قلنا: لا يعرف، وإن قال: عرفته حملاً صحيحاً ولكني أخرت نفيه رجاء موته أو موت الأم للستر يلزمه الولد ولا يكون له نفيه إلا أن يكون الحال مبتوتة، ففي جواز نفيه بعد ولادته وجهان مبنيان على اختلاف الوجهين في نفي حمل المبتوتة.
فإن قلنا: يلتعن لنفيه قبل الولادة لم يكن لهذا أ، ينفيه ولزمه بعد الولادة. وإن قلنا: لا يلاعن من حمل المبتوتة إلا بعد ولادتها، جاز له نفيه بعد الولادة، وإنما قلنا: كذلك لأن مثل هذا لا يكون عذراً، كما لو ولدت فسكت عن نفيه، وقال: لعله يموت
стр. 5467
فيكون أستر لها ولي، لم يكن له نفيه. وكذلك لو اشترى سلعة فوجد بها عيباً فسكت عن رده، وقال: إنما سكت لأني قلت لعل هذا العيب يزول لم يكن له الرد.
مسألة:
قال: "ولو هنئ به فرد خيراً ولم يقر به لم يكن ذلك إقراراً".
قال أصحابنا: معناه إذا قال له إنسان: بارك الله في مولودك وجعله ولداً صالحاً فقال: أحسن الله جزاك وبارك فيك، لم يكن هذا إقراراً. وكذلك إذا قال: رزقك الله مثله لم يكن إقراراً.
وأما إذا قال: آمين، أو استجاب الله دعاك كان إقراراً؛ لأنه سأل الله تعالى أن يبارك له في مولوده يجعله ولداً صالحاً، وذلك اعتراف به. وكذلك لو قال له: ليهنئك الفارس (ق ٣٨ أ) فقال: آمين كان إقراراً به.
وقال أبو حنيفة: في الصورة الأولى يكون إقراراً أيضاً، وهذا غلط لما قال الشافعي هذا يحتمل المكافأة ومقابلة الدعاء بالدعاء المحصن لما بيناه فلا يكون رضاً به.
فرع:
لو انتفى من بعض حملها أو قال: إن وضعت في شهر كذا فليس مني، وإن وضعت في شهر كذا فمني وكلتا المدتين ستة أشهر فصاعداً بعد عقد النكاح لزمه الولد.
مسألة:
قال: "وأما ولد الأمة، فإن سعداً قال: يا رسول الله إن أخي عتبة كان قد عهد إلى فيه، وقال عبد بن زمعة أخي وابن الوليدة أبي ولد على فراشه فقال رسول الله ﷺ "هو لك يا عبد بن زمعة الولد للفراش وللعاهر الحجر".
الفصل:
إذا ملك الرجل أمة فقد استباح وطئها بالملك ولم تصر فراشاً له بذلك، فمتى أتت بولد قبل أن يطأها أو بعدما وطئها لدون أقل هذا الحمل لم يلحق به، وكان مملوكاً له كأمة، وإذا ثبت أنه قد وطئها باعترافه أو بالبينة فقد صارت فراشاً بالوطء والولد يلحقه إلا أن ينفيه، ونفيه أن يدعي الاستبراء بعد الوطء ويحلف عليه. وبه قال الأوزاعي، ومالك، وأحمد.
وقال أبو حنيفة، والثوري: لا يلحقه ولدها ما لم يقر نفس الولد فيقول: هذا ولدي، واحتج الشافعي على مذهبه بخبر سعد بن أبي وقاص وعبد بن زمعة وقد ذكرناه
стр. 5468
في "كتاب الإقرار" فألحق الولد بزمعة لأنه كان قد وطء تلك الجارية، ولم يشترط إقراره بالولد في حال الإلحاق.
وقال عمر بن الخطاب- ﵁ لا يأتيني وليدة يعترف سيدها أن قد ألم بها إلا ألحقت به (ق ٣٨ ب) ولدها فأرسلوهن بعد أو أمسكوهن. فاعتبر الإلمام به ولم يشترط الاعتراف بالولد.
فإن قيل: أليس عمر بن الخطاب- ﵁ نفى عن نفسه نفي جارية له مع علمه بأنه كان يطأها قبل؟ أجاب الشافعي- رحمة الله عليه- عنه فقال: "إنما أنكر لأنه سألها فأخبرت أنه من غيره، وأنكر زيد بن ثابت حمل جارية له. والسيد إذا كان على إحاطة من أنها لم يحمل منه فواسع له فيما بينه وبين الله تعالى نفي الولد وإن كان يطأها. وكذلك في امرأته الحرة إلا أنه لا يستغنى في نفي ولد الحرة عن اللعان بخلاف نفي ولد الأمة.
فإذا تقرر هذا نقول: لو اعترف بالوطء ثم ادعى الاستبراء بحيضة لم يلحق به على ما ذكرنا؛ لأن الاستبراء علامة تدل على براءة الرحم.
واختلف أصحابنا في هذا، فمنهم من قال: لابد من دعوى الاستبراء ودعوى الاستبراء استحباب؛ لأن الحرة لا تحتاج إلى دعوى الاستبراء فالأمة أولى، وهو اختيار أبي إسحاق، وهو ظاهر كلام الشافعي، وهو الصحيح، وهكذا ذكره القاضي الطبري.
وقال في "الحاوي": إذا ادعى السيد الاستبراء لنفي الولد وأنكرته الأمة ففي وجوب إخلافه وجهان:
أحدهما: لا يمين عليه، وهذا على الوجه الذي ذكره بعض أصحابنا أن نفيه معتبر بدعوى الاستبراء لا بفعله.
والثاني: وهو قول الجمهور اليمين واجبة إذا قلنا نفيه معتبر بفعل الاستبراء لا بدعواه.
والوجه الأول غلط؛ لأنه إذا كانت دعوى الاستبراء شرطاً في نفيه لم يجز أن يكون كاذباً في تلك الدعوى، فيقتضي أن يكون فعل الاستبراء شرطاً واجباً في رفع الفراش ونفي الولد (ق ٣٩ أ) قال: فعلى هذا في كيفية يمينه وجهان:
أحدهما: [يحلف] بالله لقد استبرأها قبل ستة أشهر من ولادته.
والثاني: [يحلف] بالله لقد ولدته لستة أشهر بعد استبرائه، فإن حلف انتفى وإن نكل فيه وجهان:
أحدهما: يكون لاحقاً به بنكوله.
والثاني: ترد اليمين على الأمة، فإن نكلت كانت اليمين موقوفة على بلوغ الولد،
стр. 5469
فيحلف بالله أنني والده وجهاً واحداً، فإن نكل انتفي عنه.
ولو ادعى الاستبراء ثم [أتت] بولد لدون ستة أشهر لحقه وبان أن ذلك الاستبراء لم يكن شيئاً، ولو أتت لستة أشهر فصاعداً من استبرائها. نص الشافعي أنه لا يلحق به.
وقال ابن سريج: يلحق به إلى أربع سنين كالحرة، قال صاحب "الحاوي": وهذا هو القياس عندي، وفي الفرق بين الحرة والأمة ضعف. ولو ادعت على السيد أنه وطئها وأن الولد منه لم يحلف السيد، وإنما التحليف في المسألة السابقة لإقرار منه سابق بالوطء وهو مدع للاستبراء. ذكره القفال.
فرع:
إذا صارت أم ولده بالإقرار تعين الولد، ثم جاءت بولد ثان وثالث. قال أبو حنيفة: يلحقه ذلك أقر به أو لم يقر إلا أن ينكر فينتفي عنه، وعندنا في هذا الولد الثاني إذا كانت بينه وبين الولد ستة أشهر فصاعداً حتى لا يكون حملاً واحداً وجهان:
أحدهما: يلحقه وإن لم يقر بوطء جديد، وهذا بناء على أنه إذا زوج أم ولده فأبانها زوجها وانقضت عدتها فماتت السيدة قبل أن يطأها هل عليها الاستبراء بموت السيد؟ قولان: ففي قول: تعود فراشاً له فعلى هذا يلحقه الولد الثاني (ق ٣٩ ب) من غير إقرار بالوطء.
والثاني: لا تعود فراشاً إلا بوطء جديد وكذلك إذا اشترى امرأته الأمة فأتت بولد لستة أشهر فصاعداً من وقت الشراء فهل يلحقه من غير إقرار بالوطء؟ فعلى القولين، والصحيح أنه يلحق به وأنها منكوحة فارقت زوجها، فأكثر ما فيه أن تجعل كأن الملك لم يكن وهذا كله ذكره الإمام القفال.
قال: ويخرج على الوجهين أنه لو أقر بوطئها ولم يدع الاستبراء فجاءت بولد لأكثر من أربع سنين من يوم الوطء هل يلحقه؟ فإن جعلناها فراشاً له فهي كفراش النكاح، فمتى أتت بالولد لحق، وإن اعتبرنا الوطء لا غير يلحقه إلى أربع سنين ولا يلحقه أكثر من ذلك.
مسألة:
"ولو قال: كنت أعزل عنها ألحقت الولد به".
أراد به إذا قال: وطئها في الفرج وأنزلت الماء خارج الفرج فوجود هذا العزل وعدته سواء، لأن أحكام الوطء لا تتعلق بالإيلاج ولا يراعى فيه الإنزال، وربما يسبق الماء إلى الفرج وهو لا يشعر به، ولو قال: وطئتها بين الفخذين وعزلت عنه الإيلاج لم يلحق به الولد على الصحيح من المذهب، وقد ذكرنا فيه وجهاً آخر.
стр. 5470
فرع:
لو لم يدع الاستبراء وقال: أريد أن أنفيه باللعان، قال بعض أصحابنا: فيه قولان:
أحدهما: له ذلك لأنه دون ولد الحرة.
والثاني: ليس له ذلك لأنه يمكنه نفيه بدعوى الاستبراء فلا حاجة به إلى اللعان. هكذا ذكره من الشامل ولعله ذكر القولين برواية أحمد عن الشافعي، وقد ذكرنا ما قيل فيه.
مسألة:
قال: "وقال بعض الناس (ق ٤٠ أ) لو ولدت جارية له يطأها فليس هو ولده إلا أن يقر به فإن أقر بواحد، ثم جاءت بعده بآخر فله نفيه لأن إقراره بالأول ليس بإقرار بالثاني وله عنده أن يقر بواحد وينفي ثانياً وبثالث وينفي رابعاً، ثم قال: ولو أقر لواحد ثم جاءت بعده بولد فلم ينفيه حتى مات فهو ابنه ولم يدعه قط".
هكذا حكي الشافعي عن أبي حنيفة وألزمه أنه إن كان الإقرار شرطاً في إلحاقه فهلا نفاه عنه إذا مات قبل إقراره به، وإذا ألحقه من غير إقرار فالولد للحي مثله، ومنهم من يقول: هذا ليس بمذهب أبي حنيفة بل مذهبه ما ذكرنا عن القفال.
مسألة:
قال: "ثم قالوا إن قاضياً زوج امرأة رجلاً في مجلس القضاء ففارقها ساعة ملك عقدة نكاحها ثلاثا ثم جاءت بولد لستة أشهر لزم الزوج".
الفصل:
إنما ذكر الشافعي هذا ليبين أنهم أبعد الناس قولاً حيث قالوا مع وجود الوطء في ملك اليمين: لا يلحقه الولد، ومع غير إمكان الوطء في النكاح يلحقه، وهو أنه لو نكحها ثم طلقها في الحال بين يدي الناس ثلاثاً ثم جاءت بولد لستة أشهر لا تزيد ولا تنقص لحقه، فإن زاد لم يلحقه بخلاف ما لو دخل بها فإنه يلحقه إلى سنتين عندهم، وأبلغ من هذا أنه لو علق طلاقها بالنكاح، فنكحها وطلقت من غير فصل فالحكم هذا، وعندنا وإمكان الوطء شرط. وعلى هذا لو غاب عن زوجته غيبة بعيدة بحيث لم يصل إليها بل كان شاهده من صحبة هناك وشاهدها من صحبتها على مر الأيام حيث هي، فجاءت بولد في زمان غيبته لحقه عندهم، وعندنا لا يلحقه إذا جاءت به لأكثر من أربع سنين من يوم غيبته والغيبة بهذه الصلة (ق ٤٠ ب) لأن الإمكان شرط، وإن لم يكن العلم بحصول الوطء شرطاً، وهذه المسألة معروفة بالمشرقي والمغربية؛ فرضها في ملك المشرق
стр. 5471
إذا سار إلى ملك المغرب فزوجه ابنته التي بالمشرق فأتت بولد لستة أشهر من حين العقد.
قال أبو حنيفة: يلحق، وهذا من المحال الظاهر؛ لأن القاضي وغيره يعلمون بقيناً أنه لم يخلق من مائه فكيف يجوز إلحاقه به؟ وهل يكون الفراش إلا بالوطء وأين الوطء ههنا.
فرع:
لو ارتد وقذف امرأته ولاعن، ثم أسلم في العدة صح، وإن لم يسلم حد إن لم تقم بينة.
فرع آخر:
لو كانت تحته أربع نسوة فقال: إحداكن زانية قيل: بين، فإن قال: ما أردت واحدة لم يقبل منه، وإن قال: ألاعن من التي قذفتها ولا أعين لا يجوز.
فرع آخر:
لو قال: إن قذفتك فأنت طالق ثلاثاً، فقذفها طلقت وله أن يلاعن.
стр. 5472
كتاب العدد
باب عدة المدخول بها
مسألة:
قال: "قال الله تعالى: ﴿والْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨] قال: فالأقراء عندنا الأطمار.
الفصل:
الأصل في العدة الكتاب والسنة والإجماع.
أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿والْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨] ومعناه تربصها.
وأما السنة قوله ﷺ "الطلاق بالرجال والعدة بالنساء".
وأما الإجماع فلا خلاف بين المسلمين فيها.
ثم اعلم أن العدة بالكسر مصدر الإحصاء للعدد والعدة بالضم الشيء المستعد لشيء والعدة بالفتح (ق ٤١ أ) الجملة المعدودة وعدة النساء تربصهن عن الأزواج بعد فرقة أزواجهن.
ثم اعلم أن المعتدات على ثلاثة أضرب معتدة بالالأقراء، ومعتدة بالحمل، ومعتدة بالشهور، فالمعتدة بالأقراء تعتد بثلاثة أقراء لقوله تعالى: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨]. والمعتدة بالخمل تعتد بوضع الحمل سواء كانت معتدة عن وفاة أو طلاق أو فسخ، لقوله تعالى: ﴿وأُوْلاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق:٤]. والمعتدة بالشهور على ضربين؛ معتدة عن وفاة، ومعتدة عن غير وفاة. فالمعتدة عن وفاة تعتد بأربعة أشهر وعشر. قال الله تعالى: ﴿والَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ ويَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤] والمعتدة من غير وفاة وهي المعتدة عن الطلاق أو فسخ تعتد ستة أشهر. قال الله تعالى: ﴿واللاَّئِي يَئِسْنَ مِنَ المَحِيضِ مِن نِّسَائِكُمْ إنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ﴾ [الطلاق:٤] واللائي لم يحضن ومعنى قوله: إن ارتبتم: أي
стр. 5473
شككتم، فإذا ثبت أنواع المعتدات فالكلام الآن في عدة كل واحدة منهم، فبدأ الشافعي رحمة الله عليه بهذه المطلقة المدخول بها إذا كانت من ذوات الأقراء، وإنما شرط المدخول بها لأنها إذا لم تكن مدخولاً بها لا عدة عليها، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إذَا نَكَحْتُمُ المُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِن عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ [الأحزاب:٤٩]. ثم ذكر أن عدتها ثلاثة أقراء الآية التي ذكرها، ثم قال: الأقراء: الإظهار، ولا خلاف أن اسم القروء يقع على الطهر والحيض معاً كاللون الأبيض والأسود وغيرهما، وقال أبو عبيد: الأقراء من الأضداد من كلام العرب.
وقال أبو عمرو بن العلاء: القرء: الوقت (ق ٤١ ب) وهو يصلح للطهر والحيض، وقد ورد الشرع بتسميته طهراً وحيضاً أيضاً، لأنه روي أن النبي ﷺ قال لعبد الله بن عمر ﵁ حين طلق امرأته وهي حائض: "إنما السنة أن تستقبل بها الطهر، ثم تطلقها في كل قرء طلقة" يعني في كل طهر، وقال لفاطمة بنت أبي حبيش: "دعي الصلاة أيام أقرائك" أي أيام حيضك.
ثم اختلفوا فمنهم من قال: ينطلق هذا الاسم على الحيض حقيقة وفي الطهر مجازاً. ومنهم من قال: هو في الطهر حقيقة ويستعمل في الحيض مجازاً، ومنهم من قال: ينطلق هذا الاسم عليهما حقيقة، وبه قال أكثر أهل اللغة كالشفق اسم للحمرة والبياض والدلوك اسم للزوال والغروب، والجون اسم لجميع الألوان. وقيل: هو اسم ينطلق على الانتقال من ميعاد إلى ميعاد، فيتناول الانتقال من الحيض إلى الطهر ومن الطهر إلى الحيض، كما يقال: أقر النجم إذا طلع وأقر إذا غاب.
واحتج من قال إنه حقيقة في الطهر بأن القرء مشتق من الجمع، يقال: قرأت الماء في الحوض، وقرأت الطعام في الشدق وسمي القرآن قرآناً للجمع.
وقال الشاعر:
ذراعي عيطل أدماء بكر ... هجان اللون لم تقرأ جنينا
أي لم يجمع وحالة الجمع هي حالة الطهر، وإنما سمي الحيض قرء لمجاورة الطهر. واحتج من قال إنه حقيقة المحيض بأن طهر الصغيرة لا يسمى قرء فلو كان هو اسم الطهر لكان كل طهر قرءاً.
واحتج من قال إنه حقيقة فيهما بأن في حالة الحيض يجمع الدم أيضاً، وإن كانت تخرج من الأوقات كما في حالة الطهر.
стр. 5474
واحتج من قال إنه اسم (ق ٤٢ أ) للوقت بأن العرب تسمي كل زمان أقبل قرء قال الشاعر:
كرهت العقر عقر بني شليل إذا هبت لقارئها الرياح
أي لوقتها، وقال ابن الهيثم: القرء والعدة والأجل عند العرب واحد.
وقال الأصمعي: يقال أقرأت المرأة إذا دنا حيضها وأقرأت إذا دنا طهرها، وقال أبو عبيد: أصل الأقراء إنما هو وقت الشيء إذا حضر، قال الأعشى يمدح رجلاً يغزو غزاها:
مورثة مالاً وفي الحي زمعة ... لما ضاع فيها من قروء نسائكا
وأراد ههنا الأطهار؛ لأن النساء لا يؤتين إلا فيها.
فإذا تقرر هذا فاعلم أن الله تعالى أمر المطلقة أن تعتد ثلاثة أقراء، فالظاهر يقتضي أنها إذا اعتدت ثلاثة أقراء من أحد الجنسين، إما من الحيض أو من الطهر كفى، إلا أن أهل العلم أجمعوا أنه لا يكفي، ولا يجوز ذلك بل عليها أن تعتد بثلاثة أقراء من أحد الجنسين، إما من الحيض، وإما من الطهر، ثم اختلفوا في الأقراء المذكورة في الكتاب، فذهبت طائفة إلى أنها الأطهار.
وروي ذلك عن عبد الله بن عمر، وزيد بن ثابت، وعائشة والفقهاء السبعة بالمدينة والزهري، وابن أبي ذئب، وربيعة، ومالك، وأبي ثور، وأحمد في رواية ﵃. وقال الزهري، قال أبو بكر بن عمرو بن حزم: ما أجد أحداً من المدينة قال في الأقراء خلافاً لما قالته عائشة، وقال أحمد: أنا أعمل فيها بقول زيد بن ثابت الأقراء الأطهار، ثم قال: أنا لا أحسن أفتي بشيء فتوقف. وروت عمرة عن عائشة (ق ٤٢ ب) ﵂ أنها قالت: إذا دخلت المطلقة في الحيضة الثالثة فقد برئت منه.
وروى سليمان بن يسار أن معاوية كتب إلى زيد بن ثابت في ذلك فكتب زيد: إذا طلقت المطلقة في الحيض الثالثة فقد برئت منه، وكان ابن عمر يقول: إذا طلق امرأته فدخلت من الدم في الحيضة الثالثة، فقد برئت منه وبرئ منها ولا ترثه ولا يرثها،
стр. 5475
وذهبت طائفة إلى أن المراد بها الحيض، وبه قال عمر وعلي، وابن مسعود وابن عباس، وأبو موسى، وأبي بن كعب، وأهل البصرة، والحسن والبصري وعبيد الله العنبري، والأوزاعي وأهل الكوفة، والثوري، وابن أبي ليل، وابن شبرمة، وأبو حنيفة وأصحابه، وإسحاق ﵃.
وروى عن علقمة أنه قال: جاءت امرأة إلى عمر ﵁ فقالت: إن زوجي طلقني ثم تركني حتى رددته أبي وخلعت ثيابي فقال: قد راجعتك قد راجعتك، فقال عمر لابن مسعود ﵄ ما تقول فيها؟ قال: أرى أنه أحقبها حتى تغتسل من الحيضة الثالثة، وتحل لها الصلاة، فقال عمر: وأنا أرى ذلك.
وحكي أن الشافعي وأبا عبيد القاسم بن سلام: تناظرا وكان الشافعي يقول: إنها الحيض، وأبو عبيد يقول: إنها الأطهار، فلم يزل الشافعي يقرر عليه أن القرء الحيض من حيث الفقه، وأبو عبيد يقرر عليه مذهبه من حيث اللغة حتى قاما وقد انتحل كل واحد منهما مذهب صاحبه، إلا أنه لم يوجد في كتب الشافعي أن الأقراء الحيض ولا في كتب أبي عبيد أن الأقراء الأطهار.
وفائدة الخلاف أن عندنا إذا طلقها وهي طاهرة تحتسب ببقية الطهر قرأ ثم تعتد بطهرين آخرين، وعندهم لا تحتسب (ق ٤٣ أ) بهذا الطهر بل تعتد الحيض التي أيامها ثم بحيضتين، وإن طلقها في حال حيضها لا تحتسب ببقية الحيض بالاتفاق فعندنا تعتد بثلاثة حيض كوامل، فإذا طهرت من الحيضة الرابعة انقضت عدتها. فعلى قولنا تسبق انقضاء العدة بكل حال سواء طلقها في الطهر أو في الحيض، فاستدل الشافعي على أنها الأطهار لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وأَحْصُوا العِدَّةَ﴾ [الطلاق:١] ومعناه: طلقوهن في زمان عدتهن، وإنما عبر عن "في" اللام، لأن حروف الجر يقوم بعضها مقام بعض، قال الله تعالى: ﴿ونَضَعُ المَوَازِينَ القِسْطَ لِيَوْمِ القِيَامَةِ﴾ [الأنبياء:٤٧] أي في يوم القيامة ولم يذكر الزمان فيه؛ لأن العدة مصدر والمصادر يعبر بها عن الزمان.
فإذا ثبت هذا كان تقديره في زمان عدتهن، وقد أجمع المسلمون على أن الطلاق محرم في حال الحيض، فدل على أن زمان العدة هو زمان الطهر، وهذا لاشك فيه لمن تأمل، والذي دل على أن المراد به ما ذكرناه أن النبي ﷺ قرأ: "فطلقوهن لقبل عدتهن". وشك الشافعي أنه قرأ لقبل عدتهن وقبل الشيء ما أقبل منه فأمر بالطلاق في إقبال زمان العدة، وقد أجمعوا على أن إقبال زمان الطلاق هو إقبال الطهر فيجب أن يكون هو زمان العدة، وهكذا قال رسول الله ﷺ لعمر ﵁: "مر ابنك فليراجعها ثم يمسكها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر، ثم إن شاء أمسك وإن شاء طلق" فتلك العدة التي أمر الله تعالى أن يطلق لها النساء إشارة (ق ٤٣ ب) إلى قوله تعالى.
стр. 5476
ثم ذكر الشافعي قول عائشة ﵂ هل تدرون ما الأقراء؟ الأقراء الأطهار، ثم قال: "والنساء بهذا أعلم".
لأن هذا مما يبتلى به النساء، وذكر الشافعي: "أن القراء: الحبس، تقول العرب: هو يقري الماء في حوضه، وفي سقائه، ويقري الطعام في شدقه".
وأوجز الشافعي هذا الفصل على عادة الفصحاء ومراده أن الحيض لما كان دماً يوجبه الرحم فيخرج، والطهر دم محتبس فلا يخرج وجب حمل القرء على الطهر لأن القرء: الحبس.
ثم قال الشافعي: "ولا يمكن أن يطلقها طاهراً إلا وقد مضى بعض الطهر، وقد قال الله: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: ١٩٧] فكان شوال، وذو القعدة كاملين وبعض ذي الحجة".
وأراد به أن طلاق الشخص لا يكون في الطهر إلا وقد مضى بعض الطهر، فإنه إذا ارتقب خاتمة حيضها، وقال لها في أول طهرها: أنت طالق فقد ..... من طهرها، ولا يتصور وقوع الطلاق من غير كسر الطهر إلا على جهة التعليق، ومقصود الشافعي بهذا الكلام أن الله تعالى لما قال: ﴿والْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨] بين الرسول ﷺ فقال لقبل عدتهن عرفنا أن الطلاق إذا وقع من خلال الطهر ولا يمكن إيقاعه إلا مع إنكار الطهر كان الكسر الباقي محسوباً لها قرءاً ومقصوده بذكر الحج أن يجيب عن سؤال، وذلك أن أهل العراق ألزمونا، فقالوا: قال الله تعالى: ﴿والْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨] (ق ٤٤ أ) فيجب أن تكون الثلاثة فاصلة وأنتم توجبون طهرين، وبعض طهر، ونحن حملناها على ثلاث حيض كوامل فأجاب الشافعي، فقال: وقد قال الله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة:١٩٧] والأشهر: اسم جمع وأقله ثلاثة فحملها الآية على شهرين وبعض شهر، فلذلك جاز أن تحمل هذه الثلاثة على طهرين، وبعض طهر، وهذا نص من الشافعي على أن أصل الجمع ثلاثة وهو مشهور مذهب أصحابنا.
ثم قال: "وليس في الكتاب ولا في السنة الغسل بعد الحيضة الثالثة" فهي باقية في العدة ما لم تغتسل إذا انقطعت حيضتها لدون عشرة أيام، فقال الشافعي: فهذا غسل ليس له في الكتاب ذكر ولا في السنة وكيف يقول هذا، وعند أبس حنيفة الزيادة على النص نسخ ولا يجوز النسخ بالاجتهاد.
وحكي عن أبي حنيفة أنه قال: لو اغتسلت إلا مقدار إصبع انقضت العدة وبطلت الرجعة، وإن لم يستبح الصلاة، ولو اغتسلت إلا مقدار كف من جسدها فكأنها لم تغتسل. وهذا مناقضة، قال: وإن اغتسلت بسؤر الحمار فهي في العدة حتى تتيمم فإذا
стр. 5477
تيممت خرجت من العدة، وإن لم تدخل في الصلاة ولكن لا يحل لها التصرف في نفسها بدخول في الصلاة.
وقال في الذمية: تنقضي عدتها، وإن لم تغتسل ولم يمر عليه وقت وصلاة. وهذه مناقضات ظاهرة، وقال شريك بن عبد الله: لا تنقضي عدتها ما لم تغتسل بعد انقضاء الحيضة الثلاثة كملت أو انتقصت، وبه قال (ق ٤٤ ب) أحمد في رواية.
مسألة:
قال: "ولو طلقها طاهراً قبل جماع أو بعده، ثم حاضت بعده بطرفة عين فذلك قرء".
قد ذكرنا أنه إذا طلقها وهي حائض فهو طلاق محرم ولا يحتسب ببقية الحيضة من العدة، ثم إذا طعنت الحيضة الثالثة بعد هذه البقية.
قال الشافعي ههنا: "انقضت عدتها" وقال في البويطي: إذا رأت الدم يوماً وليلة انقضت عدتها، قال الداركي في المسألة قولان:
أحدهما: ما ذكره في البويطي لأن هذا الدم في الأول يحتمل أن يكون دم فساد فلا تحل للأزواج حتى تتحقق أنه حيض.
والثاني: ما ذكره ههنا وهو الصحيح؛ لأنا نحكم بأنه حيض ونأمرها بالإمساك عن الصلاة ونأمر زوجها بترك غشيانها.
ومن أصحابنا من قال: هما على حالين فالموضع الذي قال تنقضي العدة برؤية الدم إذا حاضت على العادة، والذي قال حت تصل يوماً وليلة إذا انتقلت عادتها مثل إن كانت العادة خمساً وعشرين طهراً، فلما كان في هذا الوقت طهرت أقل الطهر خمسة عشر يوماً وحاضت، وسواء قلنا تنقضي العدة بالرؤية أو حين يتصل يوماً وليلة، هل يكون هذا الدم من العدة؟ وجهان:
أحدهما: أنها من العدة لأنها دم تكتمل به العدة.
والثاني: لا يكون من العدة لأن الله تعالى أمر أن تعتد بثلاثة أقراء، فلو قلنا ذلك من العدة لكانت زيادة على المأمور وهذا أصح.
وفائدة الوجهين أنا إذا قلنا إنها من العدة كان زماناً للرجعة، وإن ماتت فيه ورثها، وإن نكحت بم يصح نكاحها، وإذا قلنا إنها ليست من العدة لا تصح الرجعة فيها، وإن ماتت فيه لم يرثها (ق ٤٥ أ)، وإن نكحت يصح نكاحها. وأما إذا طلقها في الطهر، فقد ذكرنا أنه يحتسب ببقية الطهر قرءاً قل ذلك أو كثر.
وحد أبو حامد هذا القليل بثلاثة أزمنة، زمان بلفظ الطلاق، وزمان لوقوعه، وزمان
стр. 5478
للاعتداد به، وهذا الذي اعتبره من زمان وقوع الطلاق بعد التلفظ به لا يتميز في التصور، لأنه واقع باستيفاء لفظه لم يحتج بعده إلى زمان تحيض به، وصار محدوداً بزمانين زمان التلفظ بالطلاق وزمان الاعتداد، ولا فرق بين أن يكون هذا الطهر جامعاً فيه أو لا، وإن كان الطلاق محرماً إذا جامعها فيه.
وقال أبو عبيد القاسم بن سلام: إذا كان جامعها في هذا الطهر لا يحتسب به، لأنه زمان حرم فيه الطلاق فلا يحتسب ببقيته من العدة كزمان الحيض، وهذا غلط لأنا لو قلنا هكذا لأدى إلى أن يصير الطهر أربعاً وتطول عدتها به فلا يجوز، ولأنه طهر يجب الطلاق فيحتسب به كما لو لم يجامعها فيه.
وأما ما ذكره لا يصح؛ لأن تحريم الطلاق في الحيض إنما كان لأنه لا يحتسب ببقيتها فلا يجوز أن تحصل العلة في عدم احتساب العدة تحريم الطلاق، والطلاق يحرم في الطهر الذي جامعها فيه؛ لأنها تكون مرتابة لا تعلم بأي شيء تعتد به فافترقا، ولو فرغ من حروف الطلاق واتصل بها الحيض أو قال: أنت طالق في آخر جزء من أجزاء طهرك، فالطلاق محرم ويلزمها أن تعتد بعدة بثلاثة أقراء كوامل. نص عليه في "الأم" وهو ظاهر ما ذكر ههنا؛ لأنه شرط أن يكون حيضها بعدة طرفة عين.
وحكي عن ابن سريج أنه خرج فيه بوجهين:
أحدهما: ما ذكرنا (ق ٤٥ ب).
والثاني: أنه طلاق مباح ويحتسب بذلك الجزء قرءاً، فيكون وقع الطلاق وحصول القرء في زمان واحد، كما لو قال: أعتق عبدك عني فاعتقه يقع العتق والملك في زمان واحد، والمذهب الأول؛ لأنه يستحيل أن تكون معتدة قبل وقوع الطلاق. فأما ما ذكره لا يصح لأنه يقع الملك عندنا أولاً، ثم يعتق عقبه. وقال القفال، قال الشافعي في كتاب الرسالة: القرء اسم للانتقال من الطهر إلى الحيض إلى الطهر.
فإذا قلنا: القرء الانتقال حصل لها قرء في هذه المسألة للانتقال ويكون طلاقاً سنياً، كما قال ابن سريج في أحد الوجهين، وهذا غير صحيح لأنه ذكر في كتاب الرسالة عن أهل اللغة ولم يرد به أن المراد بالقرء المذكور في الآية الانتقال، ولو قال: أنت طالق في آخر جزء من أجزاء حيضك فيه وجهان:
أحدهما: أنه محظور لأنه واقع في زمان الحيض وهذا هو الصحيح.
والثاني: أنه مباح لأنه طلاق يتعقبه طهر معتد به.
قال هذا القائل: إذا كان الطلاق في المسألة السابقة محصوراً؛ لأنه يتعقبه حيض ففي هذه المسألة وجب أن يكون مباحاً؛ لأنه يتعقبه طهر، ومن نصر الوجه الأول أجاب عن هذا بأن الطلاق المجرد في حال الحيض لا يكون إلا محصوراً، فلم يجز أن يحكم بإباحة هذا الطلاق، وقد يكون الطلاق في الطهر محصوراً وهو في الطهر المجامع فيه فجاز أن يحكم بحظر هذا الطلاق، ولو اختلفا فقال الزوج: انقضت حروف الطلاق مع
стр. 5479
انقضاء الطهر ووقع الطلاق في زمان الحيض، وقالت: بل انقضت حروف الطلاق وقد بقى بقية من الطهر فالقول قولها (ق ٤٦ أ) لأن قولها مقبول في الحيض، وفي انقضاء العدة.
مسألة:
قال: "وتصدق على ثلاثة قروء في أقل ما يمكن".
الفصل:
قد ذكرنا فيما تقدم أنها تصدق في انقضاء عدتها إذا ادعت انقضاءها في اثنين وثلاثين يوماً وساعتين في القول المشهور. فأما على القول الذي حكاه البويطي أنه يعتبر مضي يوم وليلة تصدق في ثلاثة وثلاثين يوماً وساعتين؛ لأن التصديق يقع بعد مضي اليوم والليلة من الحيض في الساعة الأولى من اليوم الثاني من الحيض.
وحكي الداركي عن الاصطخراي أنه قال: إذا كان لها عادة في الحيض أكثر من يوم وليلة لم يقبل قولها في أقل من ذلك، كما لو ادعت ابنة عشرين سنة أنها قد آيست من الحيض لم تصدق، وهذا لأن العادة صارت أصلاً متيقناً.
قال القفال: وهذا مفهوم قول الشافعي لأنه قال في الكبير: "لو كان لها عادات مختلفة فادعت انقضاء عدتها بأقل عدتها قبل" فدل على أنها لو ادعت بخلاف العادة لا يقبل وظاهر المذهب أنه لا فرق؛ لأن الشافعي أطلق ههنا أنها تصدق ولم يفصل بين أن تكون معلومة العادة أو مجهولة العادة، وهذا لأن تعيين العادة ممكن ولا طريق إلى معرفتها، وليس كذلك ابنة عشرين سنة لأنها لا تعلم من نفسها أنها قد آيست، وإنما تعلم تباعد الحيض عند أيام عادتها وقد تتباعد ثم تعود، نظير هذا أن العادة في الحمل تسعة أشهر فلو ادعت الولادة في ستة أشهر من يوم النكاح قلنا كذلك ههنا. ولو ادعت انقضاء عدتها بأقل ما ذكرناه فلم يقبل قولها، ثم ادعت انقضائها بعد مضي زمان الإمكان نظر، فإن رجعت عن دعواها بالأولى قبل قولها، وإن كانت مصرة (ق ٤٦ ب) على دعواها الأولى، وقالت: انقضت عدتي بأقل من هذا الزمان، وإنما فقدت المقدار الذي قلتموه بقولكم لم يقبل ولم يحكم بانقضاء عدتها.
وحكي أبو حامد أنه إذا مضى زمان الإمكان انقضت العدة، قال: ونص الشافعي على أن عدتها تنقضي بهذا القدر، وإن كانت تدعي ما ادعت أولاً؛ لأن العدة مضي الزمان، فإذا انقضت العدة والأول أصح، وهو اختيار القاضي الطبري؛ لأنا حكمنا في الأول ببطلان إقرارها فلا نحكم بعد ذلك بصحته إلا بخبر منها مجدد.
وقال الداركي: إذا قعدت ثلاثة أشهر انقضت عدتها؛ لأن الغالب من أمر النساء
стр. 5480
أنهن يختص في كل شيء، ولو قال لها: إذا ولدت فأنت طالق فولدت ولدا، ثم ادعت انقضاء العدة بعده فإنك ما تصدق.
قال الداركي: سبعة وأربعون يوماً وساعتين بساعة النفاس بعد الولادة، وخمسة عشر طهر ويوم وليلة حيض، وخمسة عشر طهر وهو القرء الثاني ويوم وليلة حيض وخمسة عشر طهر، فإذا طعنت في الحيضة الثالثة فقد انقضت العدة. ووافقه سائر أصحابنا، وقال القاضي الطبري: يجب أن تكون سبعة وأربعين يوماً وساعة لايجوز عندنا أن تلد ولا ترى النفاس.
وقال القفال: فيه وجه آخر أن الدم إذا عاد في ستين يوماً فهو نفاس، وبه قال أبو حنيفة ويريد ستون، وهذا غريب بعيد، وإذا ادعت انقضاء عدتها بالسقط، نقل المزني: ولذلك صدق على السقط، وقد ذكرنا ما قيل في كتاب الرجعة.
مسألة:
قال: "وأقل ما علمناه من الحيض يوم".
الفصل:
قد ذكرنا هذا في كتاب الحيض، وقيل: كان الشافعي يرى أقل الحيض (ق ٤٧ أ) يوم وليلة حتى صح عنده ما قال الأوزاعي: كانت عندنا امرأة تحيض بالغداة وتطهر بالعشي. وكتب إليه عبد الرحمن بن مهدي بمثل ذلك فصار إليه.
واختار المزني من القولين لنفسه: أن أقل الحيض يوم وليلة، واحتج فقال: لأنه زيادة في الخبر والعلم، وهذا الذي اختاره أصح القولين، ولكن يمكن أ، يجاب عن دليله بأن يقال: الزيادة في الخبر أن يكون أقل الحيض يوماً؛ لأن المرجع فيها إلى الوجود من نوادر عادات النساء، فإذا وجدنا امرأة حيضتها يوم وليلة ووجدنا امرأة أخرى حيضتها يوم، فزيادة العلم مع التي حيضتها يوم، ولو اعتبر الزيادة في المدة لكان ما ذهب إليه أبو حنيفة أولى، وهو أن أقل الحيض ثلاثة أيام، وقيل: إنه اختار ما قال في هذا الموضع أنه يوم لا ما حكى عنه من موضع آخر، فقال: هذا أولى، يعني قوله يوم؛ لأنه زيادة في الخبر والعلم، ثم مثل القول فقال: وقد يحتمل أنه أراد يوماً بليلته فيكون المفسر من قوله يقضي على المجمل.
مسألة:
قال: "وإن علمنا أن طهر امرأة أقل من خمسة عشر جعلنا القول فيه قولها".
أقل الطهر عندنا خمسة عشر يوماً للوجود المعتاد في خواص النساء، فلو وجدنا
стр. 5481
أقل منها لجعلناه طهراً ولكن لم يوجد وجوداً معتاداً، والعادة أن تتكرر مراراً ومن جماعة النساء مرة واحدة، وقال الداركي: سمعت أبا إسحاق يقول: إذا تكرر مرتين فقد صار معتاداً، وقال مرة أخرى: إذا تكرر ثلاث مرات ولا يختلف المذهب أنه لا يثبت ذلك بمرة واحدة.
وقال الداركي: (ق ٤٧ ب) اعتبار الثلاث أولى وأصح، فإذا وجد متكرراً ثلاث مرات في امرأة واحدة من غير مرض ولا عارض، أو وجد مرة واحدة من نساء أقلهن ثلاث نسوة تثبت العادة، وإن ادعت امرأة بعد ذلك أنها رأت أقل من خمسة عشر يوماً صدقناها وجعلناه طهراً صحيحاً، ولكن لم يثبت بعد فلا يقبل فيه قول معتدة بحال، فإن تفرق ذلك في امرأة واحدة ولم يتوال لا تصير عادة، وإذا وجدة مرة واحدة من ثلاث نسوة هل يراعى أن يكون ذلك في فصل واحد من عام واحد؟ وجهان:
أحدهما: يراعى وجود ذلك منهن في فصل واحد في عام واحد، فإن اتفق عليه فصلين في عام واحد أ, فصل واحد في عامين لم تصر عادة معتبرة، ليكون اختلاف طباعهن مع اتفاق زمانهن شاهداً على صحة العادة احتياطاً لها.
والثاني: لا يعتبر ذلك وإن اختلفت في الفصول والأعوام جاز وصار عادة، ليكون أنفي للتواطؤ وأبعد من التهمة، ولا يقبل ذلك إلا من نساء ثقات تقبل شهادتهن لما فيه من إثبات حكم مرعى، ولا يقبل خبر المعتدة معهن في حق نفسها لتوجه التهمة إليها وفي قبوله في حق غيرها وجهان:
أحدهما: لا تقبل لرده بالتهمة.
والثاني: تقبل لأنها ثقة.
فإن قيل: قلتم في الحيض تثبت عادة المرأة في الحيض بمرة أو مرتين، وههنا تعتبرون ثلاث مرات فما الفرق؟ قيل: الفرق أن تلك عادة المرأة التي تعتبرها في تمييز حيضها من استحاضتها، واعتبار حكمها في نفسها دون غيرها، فقلنا: رد إلى مقدار الدم الذي رأته مرة أولى من اعتبار أقل الحيض، أو اعتبار غالب عادة نساء بلدهم، وههنا نريد أن نعرف عادتها ليثبت به (ق ٤٨ أ) حكمها وحكم سائر النساء في مقدار أكثر الحيض وأقله فكان حكمه آكد وأغلظ، فاعتبرنا التكرار فيه.
وقال القفال: هذا الذي ذكره الشافعي ههنا من أقل الطهر لفظ في غاية الإطلاق، ولا يدل على أن الشافعي لم يحكم بأقل الطهر وأحال على ما سيوجد، بل أراد أنا لو كنا وجدنا فيما مضى عادة جارية في بعض النساء وجدنا فيه قول متقدم لقلنا به، ولكنا لم نجد ذلك والإجماع إذا انعقد على شيء لم يجز الاعتراض عليه، وقد استقرت العادة فيه على خمسة عشر إلى يومنا هذا والله تعالى ما أجرى العادة بتبديلها وتغييرها فاستقر الإجماع والأحكام عليها، ولو جاز أن يقال بهذا القول في الطهر جاز أن يقال في أكثر الحيض وأقله مثل هذا. وكان الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني يقول: إذا استقرت عادة
стр. 5482
امرأة على أربعة عشر أو ثلاثة عشر في الطهر جعل ذلك لها أقل الطهر, وأخبر أن امرأة كانت بهذه الصفة مستقرة العادة فأتاها بهذا الفتوى ومات وهو على هذا المذهب, وظاهر كلام الشافعي معه كما ترى.
مسألة:
قَالَ: "وَلَوْ رَأَتِ الدَّمَ فِي الثَالثَةِ دَفْعَةٌ ثُمَّ ارْتَفَعَ يَوْمْيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٌ أَوْ أَكثَرَ, فَإِنْ كَانَ الوَقْتُ الَّذِي رَأَتْ فِهِ الدَّفْعَةَ فِي أَيَّامِ حَيْضِهَا وَرَأَتْ صُفْرَةٌ أَوْ كَدْرَةٌ أَوْ لَمْ تَرَ طُهْرًا حَتَّى يَكْمُلَ يَوْمًا وَلَيْلَةٌ فَهُوَ حَيْضٌ, وإِنْ كَانَ فِي غَيْرِ أَيَّام الحَيْض فَكَذَلِكَ إِذَا أَمْكَنَ أَنْ يَكُونَ بَيْنَ رُؤْيَتِهَا الدَّمَ وَالحَيْضَ قَبْلَهُ قَدْرُ طُهْر وَإِنْ رَأَتْ الدَّمَ أَقَلَّ مِنْ يَوْمٍ وَلَيلَةٍ لَمْ يَكُنْ حيْضًا".
[ق ٤٨ ب] قوله: "دفعة" أي لحظة. وقوله: "في الثالثة" أي في الحيضة الثالثة وقوله "ولم طهرًا" أي أقل الطهر, وأراد به أنها إذا طعنت في الحيضة الثالثة فرأت دمًا, ثم انقطع يومين أو ثلاثة أيام, فإن كان الدم الذي رأته حيضًا فقد انقضت به العدة, وإنما يكون حيضًا بوجود ثلاث شرائط, اثنان متفق عليها.
أحدهما: أن يكون بينه وبين الحيض الذي كان قبله أقل الطهر وهو خمسة عشر يومًا.
والثاني: أن يكون مقدار الدم يومًا وليلة أو يومًا على ما ذكرنا, وقد صرح ههنا باعتبار يوم وليلة.
والثالث: أن يكون أسود ثخينًا, فإن كان أصفر رقيقًا أو مكدرًا, فإن كان في أيام العادة كان حيضًا, وإن كان في أيام الإمكان فالمنصوص ههنا أن يكون حيضًا, وقد ذكرنا عن الاصطرخي أنه قال: لا يكون حيضًا لأنه ليس معها أمارة تدل على أنه حيض من وقت وصفه إلا أن يتقدمها دم أسود فيكون حيضًا؛ لأن علامة دم الحيض قد تقدمت ولا يبقى الدم على حالة واحدة بل يتغير إلى الصفرة أو الكدرة فلا يخرج بذلك عن أن يكون حيضًا.
قال: هذا القائل وقد شرط الشافعي ههنا يقدم الدم الأسود أو الأحمر, لأنه قال: "ورأت صفرة أو كدرة بعد الدفعة" فعرفنا أن الدفعة غير الصفرة والكدرة, وهو السواد وما يقارب السواد من الأحمر القاني الثخين, وهذا غلط؛ لأن الشافعي نص في "الأم" على هذه المسألة, وقال: "أو رأت صفرة أو كدرة" فسقط الألف من المزني ومعناه: أو كان مكان هذا الدم صفرة أو كدرة, وقال بعده: [ق ٤٩ أ] "وإن كان في أيام الحيض فكذلك" أي إن كان في غير أيام العادة فهو كما لو كان في أيام العادة, إذا كان بينه وبين
стр. 5483
الحيض قدر طهر يعني خمسة عشر يومًا فصاعدًا, فقول الأصطخري مخالف نص الشافعي بكل حالٍ, وإن رأت الدم في الثالثة لحظة ثم ارتفع يومًا أو يومين ولم يبلغ أقل الطهر, ثم عاودها الدم وكان الزمان يبلغان يومًا وليلة كان الكل حيضًا وانقضت به العدة, وهذا على القولين في التلفيق, وقد شرحناه في كتاب الحيض. وجملة الكلام ههنا أنَّا إذا جعلنا الدم حيضًا حكمنا بانقضاء عدتها برؤيته, وإذا لم نجعله حيضًا لم نحكم.
مسألة:
قَالَ: "وَلَوْ طَبَقَ عَلَيْهَا الدَّم, فَإِنْ كَانَ دَمًا يَنْفَصِلُ فَيَكُونُ فِي أَيَّامِ أَحْمَرَ قَانِيًا مُحْتَدِمًا كَثِيرًا وَفِي أَيَّامِ بَعْدَهُ رَقِيقًا".
الفصل:
أراد به أنها إن كانت مميزة ردت إلى التمييز. والاحتدام: أن يخرج بخرقة, وإن لم تكن مميزة وكانت لها عادة ردت إلى عادتها, وإن لم تكن لها عادة وكانت مبتدأة فيه قولان:
أحدهما: حيضها في كل شهر يوم وليلة.
والثاني: ست أو سبع.
ونص ههنا أنه حيضها يوم وليلة من أول كل شهر وسوى بين الناسية والمبتدأة في ذلك, وإنما جعل الحيض يومًا وليلة من أول كل شهر؛ لأن الغالب أن الحيض يكون في أول كل شهر.
فإن قيل: ليس من الضرورة أن يوافيها حيضها مع الهلاك, بل ربما يوافيها حيضها في وسط الشهر أو في آخر الشهر, فكيف اعتبر الشافعي الأهلة في هذا الحكم؟ قيل: الأمر على ما ذكرتم ولكننا إذا لم نعرف ههنا أول دورها ولآخر دورها, وعرفنا أن أغلب عادات النساء في كل شهر طهر وحيضة [ق ٤٩ ب] لم نجد أصلًا نرجع إليه أولى من الأهلة التي جعلها الله تعالى علمًا لمعرفة الحساب في مثل هذا الموضع, ثم قال الشافعي ههنا: "َإِذا أَهَلَّ الهِلاَلُ الرَّابعُ انْقَضَتْ عِدَّتُهَا".
وروى الربيع: "فإذا أهل الهلال الثالث فقد انقضت عدتها" واختلف أصحابنا في هذا, فمنهم من قال: لا فرق بين الروايتين, وصورة المسألة أن يطلقها في بعض المحرم, فنحسب به قرْءًا وصفر قرءًا ثانيًا وربيع الأول قرءًا ثالثًا, فإذا أهل هلال ربيع الآخر فقد انقضت العدة, فعد الشافعي على رواية المزني هلال المحرم في العدة, لأنه محسوب من العدة وهو الأول, ولم يعده في رواية الربيع في العدد ولكن حسبه من العدة؛ لأن الهلال قد سبق الطلاق وإنما حسبنا ما بقي من الشهر بعد إهلال الهلال قرءًا
стр. 5484
فلم نعد ذلك الهلال في عدد الأولة فالروايتان هما واحد, ومنهم من قال: معنى رواية المزني إذا طلقها في أول المحرم فحسب ما بقي منه قرءًا, وحسب هلال المحرم في العدد؛ لأنَّا إذا حسبناه قرءًا من أوله يجب أن يحتسب في عدد الأهلة, فإذا أهل هلال ربيع الآخر وهو الرابع من هلال المحرم فقد انقضت العدة. وعنى رواية الربيع أنه طلقها في آخر المحرم, وقد بقي منه يسير فحسب ما بقي قرءًا؛ لأنها طاهرة في الجملة على ما بيَّناه, فإنَّا إذا جعلنا حيضتها في أول كل شهر تكون في آخره طاهرًا ولكنه لم يحتسب هلال المحرم في عدد الأهلة؛ لأن اليسير منه محسوب من العدة والمعظم قبل وقوع الطلاق ووجوب العدة [ق ٥٠ أ] فلم نعده في عدد الأهلة وحسب من أوله هلال يأتي عليها وهو هلال صفر وهلال ربيع أول, فإذا أهل هلال ربيع الآخر, فقد انقضت عدتها وهو الثالث من هلال صفر.
ومن أصحابنا من قال: معنى ما رواه المزني إذا طلقها في النصف الأخير من الشهر فلا تعتد بما بقي من الشهر من العدة؛ لأنه لا يجوز أن يكون جميع ما بقي حيضًا, فإذا أهل صفر دخلت في العدة, فإذا أهلّ جمادي الأولى وهو الهلال الرابع من هلال صفر, فقد انقضت العدة. ومعنى ما رواه الربيع إذا طلقها في النصف الأول من الشهر حتى يسع ما بقي حيضًا وطهرًا فيحتسب به قرءًا؛ لأنه لا يجوز أن يكون جميع ما بقي من الشهر حيضًا, ولكنه لا يحتسب هلال المحرم في العدد لأنه أهل قبل وقوع الطلاق, وإنما يحسب من هلال صفر, فإذا أهلّ ربيع الآخر فقد انقضت العدة وهو الثالث من هلال صفر.
ومن أصحابنا من قال: صورة المسألة أن يطلقها في النصف الآخر من الشهر وفيه قولان:
أحدهما: لا يحتسب به قرءًا وهو رواية المزني لما ذكرنا أنه يجوز أن يكون كل ما بقي حيضًا.
والثاني: يحتسب قرءًا لأنَّا حكمنا بأنها طاهرة في آخر الشهر فيحتسب به قرءًا, فإذا أهلّ الهلال الثالث بعد الطلاق فقد انقضت العدة في رواية الربيع, وفي رواية المزني, فإذا أهل الهلال الرابع تنقضي العدة.
ومن أصحابنا من قال, وهو اختيار صاحب المنهاج: قوله: "فإذا أهلّ الهلال الرابع" أي انقضى الشهر الثالث فالهلال مضاف إلى الشهر الرابع [ق ٥٠ ب] كما إذا انقضى شعبان فاستهل الهلال يضاف ذلك الهلال إلى رمضان, وقوله: "فإذا أهل الهلال الثالث" أي انقضى الشهر الثالث ولكنه عبر عن انقضائه استهلال الهلال على نوع من التجوز في العبارة, فرجع الروايتان إلى معنى واحد وهو في المبتدأة والناسية إذا مضى عليهما ثلاثة أشهر بالأهلة حكمنا بانقضاء عدتها, وكذلك إن مضى شهران وأكثر الشهر الأول فحصل خمسة طرق.
стр. 5485
وذكر القفال وجهًا آخر أن الناسية إذا لم تعرف متى استمرّ بها الدم بأن أفاقت والدم سائل بها يجعل ذلك الشهر أول شهرها ويحسب كل شهر ثلاثين يومًا, فإذا تم ثلاثون يومًا فقد أهل هلالها ولا تعمل بالأهلة. وفي المبتدأة تحتسب من أول ما رأت الدم المستمر كل ثلاثين يومًا شهرًا فنقضت شهور الأهلة أو كملت وهذا غريب بعيد.
وقال بعض أصحابنا: أحد القولين في الناسية المتحيرة أنها لا تحيض شيئًا, بل تكون كل دهرها مشكوكًا فيه, وتأخذ بالاحتياط في العبارات على ما ذكرنا في "كتاب الحيض" فعلى هذا ينبغي أن تتربص في العدة حتى تصير من الآيات فتعتد حينئذٍ بثلاثة أشهر تغليظًا كما في العبادات, لأنه ما من زمان يأتي عليها إلا ويمكن فيه الحيض والطهر معًا, ولا نعلم قدر ما بين الحيضتين من الطهر فيعتذر الحكم لها بعدة صحيحة. وهذا أيضًا غريب ضعيف.
وقال القفال: في الناسية طريقان:
أحدهما: فيها قولان أنها كالمبتدأة أو لا حيض لها.
والثانية: قول واحد لأنه لا حيض لها إلا في العدة فإنَّا نجعل كل شهر لتنقضي عدتها بثلاثة أشهر [ق ٥١ أ] والمنصوص التسوية بين المبتدأ والناسية ههنا وهو الصحيح.
مسألة:
قَالَ: "وَلَوْ كَانَتْ تَحِيضُ يَوْمًا وَتَطْهُرُ يَوْمًا وَنَحْوَ ذَلِكَ جُعِلَتْ عِدَّتُهَا تَنْقَضي بِثَلاَثَةِ أَشْهُرٍ".
الفصل
معناه إذا لم يكن لها تمييز ولا عادة فإن عدتها تنقضي بثلاثة أشهر, وليست هذه من ذوات الشهور وإنما هي من ذوات الأقراء وبها تنقضي عدتها, ولكن الغالب أنه ثلاثة أقراء تنقضي من ثلاثة أشهر, فأمرها بالعقود ثلاثة أشهر ولتحصل لها بمضيها ثلاثة أقراءٍ, وسواء قلنا إنها تلفق أو لا تلفق فالحكم واحد لا يختلف في باب العدة. فأما إذا كانت مميزة أو كانت معتادة فإن حيضها مقدار التمييز أو مقدار العادة إن لم يكن لها تمييز, وما زاد على ذلك طهر وتعتد بثلاثة أطهار على ذلك, سواء كانت في أقل من ثلاثة أشهر أو في أكثر من ثلاثة أشهر.
فإن قيل: إذا جعلتم أيام نقاءئها طهرًا فهلا تنقضي عدتها لستة أشهر؟ قلنا: أجاب الشافعي بأن الله تعالى حكم بأن العدة تنقضي بثلاثة أطهار كوامل وهذه أطهار ناقصة, وفسره أصحابنا بأن هذا طهر واحد تفرق وحيضة واحدة تفرقت؛ لأن لها في شهر واحد خمسة عشر يومًا حيضًا وخمسة عشر طهرًا.
стр. 5486
وقال سعيد بن المسيب في المستحاضة التي استمرّ بها الدم إما دائمًا, وإما يومًا دمًا ويومًا طهرًا: تتربص تسعة أشهر ثم ثلاثة أشهر فذلك سنة, ثم تنكح؛ لأنه يحتمل أن جميع دمها دم فساد فتصير كامرأة تراخى حيضها وقد حكم ﵁ في التي تراخى حيضها بهذا فقاس سعيد بن المسيب على هذه, فنقول: حديث عمر ﵁ متأول على ما سنذكره, وأما هذه فإنها لا تزال [ق ٥١ ب] ترى الدم فلا تجعل آيةً من الحيض.
مسألة:
قَالَ: "وَلَوْ تَبَاعَدَ حَيْضُهَا فَهِيَ مِنْ أَهْلِ الحَيْضِ حَتَّى تَبْلُغَ الِّسِّنَّ الَّتِي مَنْ بَلَغَها لَمْ يَحِضْ".
المرأة التي لم تحض قط فعدتها تكون بثلاثة أشهر بلا خلافٍ, ولا فرق بين أن تكون قد بلغت سن المحيض, وإن كانت آيسة ثلاثين سنة أو خمسين أو لم تبلغ. وبه قال جماعة الفقهاء. وقال أحمد في رواية: إن بلغت سن المحيض فعدتها سنة اعتبارًا بغالب مدة الحمل وثلاثة أشهر بعدها.
واحتج بأن هذه في سن المحيض, فإذا لم تر الدم اعتدت سنة كما لو كانت ذات الحيض, ثم انقطع. وهذا غلط لقوله تعالى ﴿وَاللاَّئِي يَئِسْنَ مِنْ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنْ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللاَّئِي لَمْ يَحِضْنَ﴾
[الطلاق:٤] ولم يفصل ولا نسلم قياسًا عليه, وإن سلمنا على قوله القديم فالعرف أنها من ذوات الأقراء بخلاف هذه فافترقا, وإن كانت قد حاضت مدة أو أكثر, ثم تباعد حيضها نُظر فيه, فإن كان لعارض مثل رضاع أو مرض أو غيره عليها أن تقعد إلى أن يزول العارض وتحيض أو تيأس ثم تعتد بثلاثة أشهر, وهذا إجماع, والدليل عليه ما روى الشافعي بإسناده أن حيان بن منقذ طلق امرأته وهو صحيح وهي ترضع, فأقامت تسعة عشر شهرًا لا تحيض, ثم مرض حيان فسئل عن ذلك عثمان بن عفان, وعنده على بن أبي طالب, وزيد بن ثابت ﵃, فقال عثمان لعلي وزيد: ما تريد فقالا: نرى أنها ترثه إن مات ويرثها إن ماتت فإنها ليست من القواعد التي يئسن من المحيض, وليست من الأبكار اللائي لم يبلغن المحيض ثم هي على عدة حيضها ما كان من قليل وكثير, فرفع [ق ٥٢ أ] حيان إلى أهله فأخذ ابنته, فلما فقدت الرضاع حاضت حيضتين, ثم توفي حيان قبل الثالثة فاعتدت عدة المتوفي عنها زوجها وورثته.
وروى عن محمد بن يحيى بن حيان أنه قال: كانت عند جدي حيان امرأتان له: هاشمية وأنصارية, فطلق الأنصارية وهي ترضع فمرت بها سنة, ثم هلك عنها, ولم تحض, فقالت: أنا أرثه لم أحض, فاختصما إلى عثمان بن عفان فقضى لهما عثمان
стр. 5487
رضي الله عنه بالميراث فلامت الهاشمية عثمان فقال عثمان: هو أشار إلينا بهذا ابن عمك, يعني علي بن أبي طالب ﵁.
وروى عن علقمة أنه كانت له امرأة فطلقها تطليقة أو تطليقتين ثم حاضت حيضة أو حيضتين, ثم ارتفع حيضها سبعة أو ثمانية عشر شهرًا, ثم ماتت فقال ابن مسعود ﵁ حبس الله عليك ميراثها فورثه منها.
وإن كان لغير عارض, قال في "الجديد": تقعد إلى أن ترى الحيض أو تيأس فتعتد بثلاثة أشهر, وبه قال أبو حنيفة وجماعة, ووجهه أن الله تعالى لم يجود الأشهر إلا للآيسات, أو اللاتي لم تحض, وهذه ليست يائسة ولا ممن لا تحيض.
وروى أن أبا الأحوص طلق امرأته وكانت ذات أقراءٍ فارتفعت حيضتها فسأل عبد الله بن مسعود فقال: أبقي بينكما لا تنقضي عدتها حتى تحيض أو تيأس.
وروى عن ابن سيرين, عن ابن مسعود أنه قال: عدة المطلقة الحيض, وإن طالت.
وقال في "القديم": تقعد حتى يمر بها ما يدل على براءة رحمها ثم فيه قولان:
أحدهما: يعتبر العلم ببراءة رحمها قطعًا وهو أربع سنين.
والثاني: يعتبر العلم ببراءة رحمها ظاهرًا وهو تسعة أشهر, وبه قال مالك, وأحمد, وعلى كلا القولين [ق ٥٢ ب] لابد من ثلاثة أشهر بعدها؛ لأنَّا اعتبرنا هذه المدة لتصير بها من أهل الشهور, فإذا صارت من أهله اعتدت بها, فإن قيل: إذا اعتبرتم العلم ببراءة رحمها قطعًا بأربع سنين على القول الأول فلم اعتبرتم مضي ثلاثة أشهر ولا معنى له؟
قلنا: الاعتداد إنما يكون بالأقراء أو بالأشهر, وقد تجب العدة مع تحقق براءة الرحم, ألا ترى أنه لو علق الطلاق بوضع الحمل فوضعت اعتدت مع حصول براءة الرحم يقينًا كذلك ههنا, ومن قال بالقول الثاني احتج بان بهذا القدر تُعلم براءة الرحم ظاهرًا ويكفي الظاهر في انقضاء العدة, ألا ترى أنها تنقضي بثلاثة أقراء, وإن جاز أن تكون حاملًا.
وروى الشافعي في "القديم" عن ابن المسيب, عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قضى في المرأة التي يطلقها زوجها تطليقة ثم تحيض حيضة أو حيضتين ثم ترفع حيضها أنها تتربص تسعة أشهر, فإن استبان بها حمل فهي حامل وإلا اعتدت بعد ذلك ثلاثة أشهر, ثم قد خلت بالخاء، هكذا أورده الإمام البيهقي ﵀ ثم عاب على من خالفه, وقال: أمير المؤمنين يقضي به بين المهاجرين والأنصار ولا ينكر منكر فكيف يجوز مخالفته, ولأنَّا لو كلفنا بالجلوس حتى تبلغ سن اليأس أدى إلى ضرر عظيم بها,
стр. 5488
حيث تبقى في العدة إلى أن تبلغ ستين سنة أو سبعين, ثم لا يرغب فيها أحد, وعلى زوجها ضرر أيضًا حيث يلزمه سكناها ونفقتها إن كانت رجعية وفي أقل هذا الضرر أزلنا النكاح في العنة ونحوها, فههنا أولى أن يزول, وقيل: إن الشافعي رجع عن قوله القديم صريحًا, وقال: يحتمل قول عمر أن يكون في المرأة التي قد بلغت السن [ق ٥٣ أ] التي من بلغها من نسائها آيس من المحيض, وفي رواية أن عمر قال في التي رفعتها حيضها ومعناه ارتفعت حيضها.
وأما فصل الضرر يبطل بما لو ارتفعت حيضتها لعارض مرض, ولأنه قد يغيب زوجها وتقعد فلا تحل إلا بعد طول عمرها, ولا يباح لها النكاح للضرر كذلك ههنا. وإذا قلنا بقوله القديم فإن تعاودها الدم فلا كلام, وإن عاودها بعد انقضاء العدّة وعند النكاح فلا تعود إلى الأقراء ولا يبطل نكاحها؛ لأنه تعلق حق الزوج الثاني بها فلا يبطل بعود الدم, وإن عاودها في العدة أو في حال المكث كانت عادتها الأقراء, وإن عاودها بعد انقضاء العدة قبل النكاح هل تعود إلى النكاح وجهان:
أحدهما: تعود إليها لأنها رأت الدم قبل أن يتعلق بها حق زوج آخر.
الثاني: وهو الصحيح أنها لا تعود؛ لأَّنا حكمنا بانقضاء عدتها فأشبه إذا عاودها بعد النكاح. وهو اختيار القاضي الطبري وجماعة.
وإذا قلنا بقوله الجديد اختلف قول الشافعي فيما تصير به آيسة فقال في موضع: إذا بلغت السن التي من بلغها من نائها آيست من المحيض اعتدن بالأشهر، فجعل الاعتبار في الإياس بنسائها دون سائر الناس, ولا فرق في هذا بين نساء العصبات وغيرهن من عشيرتها, وهذا هو المذهب بخلاف اعتبار مهر المثل؛ لأن النسب في ذاك معتبر بخلاف هذا, ولأن الظاهره أن نساؤنا كنائسهم وطبعها كطبعهم.
وقال في موضع آخر: إنها لا تصير من الأنساب حتى تبلغ السن التي من بلغها من نسائها وغيرهن من نساء زمانها لم تحض يقينًا احتياطًا كما تعتبر عادة نساء العالم [ق ٥٣ ب] في أقل الحيض وأكثره. قال أبو إسحاق ولعله أصح القولين, وقيل: فيه وجه آخر ذكره صاحب "الإفصاح" تنتظر السن التي من بلغها لا تحيض في غالب النسوان كما اعتبر الشافعي هذا في عادة الحيض.
وقال القفال: مرجع القولين إلى أن المرأة تأخذ في أمر عدتها بالظاهر أو باليقين وفيه قولان, قال بعض أصحابنا بخراسان: يعتبر بنساء بلدها خاصة, وفي وجه يعتبر بنساء عصباتها كمهر المثل, وهو غلط طاهر. وقيل: لم تحض امرأة لخمسين سنة إلا أن تكون عربية ولم تحض لستين إلا أن تكون قرشية, وهذا قول غريب.
وقال صاحب "الحاوي: هذا لا يصح لأني كنت في جامع البصرة فحضرتني
стр. 5489
امرأة ذات خشوع وصلاح, وقالت: عاودني الدم بعد الإياس فهل يكون حيضًا فقلت: كيف؟ قالت: أراه في كل شهر دمًا أسود كعادتي في زمان الشباب. قلت: ومذ كم رأيته؟ قالت: مذ نحو من سنةٍ قلت: كم سنك؟ قالت: نحو من سبعين سنةٌ. قلت: من أي الناس أنت؟ قالت: من بني تميم. قلت: أين منزلك؟ قالت: في بني حصين فأفتيتها أنه حيض لتلتزم أحكامه.
فإذا قلنا بهذا القول فبلغت سن الآيسات واعتدت بثلاثة أشهر, ثم رأت الدم قبل النكاح أو بعده فالحكم على ما ذكرنا في القول الأول هكذا ذكره أبو حامد.
وقال القفال: فيه قولان, والأظهر أنه يبطل النكاح لأَّنا جوزني ذلك بحكم الإياس وبالحيض يتبين أن لا إياس. والثاني: لا يبطل.
قال القفال: وكنت أنكر هذا القول [ق ٥٤ أ] حتى وجدت للشافعي أصلين يدلان عليه.
أحدهما: أن المعضوب المأيوس إذا حج عن نفسه, ثم زالت زمانته هل يلزمه إعادة الحج؟ قولان؛ ففي قول اعتبر حقيقة تعذر برؤه في المستقبل, وفي قول اعتبر ظاهر الإياس عنه, والأصل الآخر أنهم إذا رأوا سوادًا وابلًا فظنوهم عدوًا فصلوا صلاة شدة الخوف, ثم بان الأمر هل يلزمه إعادة الصلاة؟ قولان؛ ففي قول اعتبر وجود العدو حقيقة.
وفي قول اعتبر الخوف من العدو فكذلك ههنا ظاهر أمرها الإياس فلا يبطل بأن تحيض بعده على أحد القولين. ولو وجدنا امرأة تحيض وتطهر على الاستقامة وقد بلغ سنها مائة مثلًا فإنها من ذوات الأقراء بلا خلاف, وإن لم نجد لها نظيرًا في النساء يحيض.
فرع:
لو رأت الدم قبل الفراغ من الشهور فإنها تحسب ما مضى قرءًا ويبطل اعتبار الشهور, ويخالف الصغيرة إذا حاضت قبل الفراغ من الشهر لا تحتسب بما مضى قرءًا على ظاهر المذهب؛ لأن ذلك ليس بطهر بين حيضتين, وههنا طهر بين حيضتين فيحسب قرءًا لا محالة.
فرع آخر:
قال القفال: لو اعتدت بشهر من الثلاثة بعدما بلغت سن الإياس ثم رأت الدم مرة احتسِبت قرءًا, ثم فقدت بعد ذلك اعتدت الآن بثلاثة أشهر؛ لان أقل من هذا لا يدل على براءة رحمها, وكذلك لو رأت قرءًا آخر حصل قرءان, ثم انقطع دمها وآيست يلزمها أن تستأنف ثلاثة أشهر, وهذا بخلاف ما لو عملت بقوله القديم فتربصت [ق ٥٤ ب] شهرًا من الثلاثة ثم ...................
[ق ٥٥ أ] كما لو طهر بعد موته, واحتج بقوله تعالى: ﴿وَأُوْلتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ
стр. 5490
حَمْلَهُنَّ﴾ [الطّلَاق:٤] قلنا: هذه الآية إما أن تكون واردة في المطلقات فلا حجة له فيها, وإن كانت عامة لا يدعى عدمها إلا فيما يجوز أن يكون مقصودًا بها وهو الحمل الذي يكون من الزوج, وهذا الحمل ليس من هذا الزوج بالإجماع فكيف يجوز دعوى عمومها في مثل هذا المحل.
فإذا تقرر هذا فإن كان الحمل مجهولًا يحمل على أنه من زنى فلا حكم له, فإن مضت أربعة أشهر وعشر قبل الولادة, فقد انقضت عدتها.
فإن قيل: لو تزوجت المطلقة في عدتها فوطئها الثاني فحملت منه لا تُحتسب أقراءها من الأول وتكون العدة من الثاني, فإذا وضعت وانقضت أيام النفاس رجعت فأتمت عدة الأول, وقلتم ههنا تحتسب بالأشهر في عدة الزوج في حال الحمل من غيره فما الفرق؟ قلنا: اختلف أصحابنا في الجواب عنه, فمنهم من قال: المغلب في عدة المطلقة الاستبراء من ماء الأول في حال اشتغال رحمها بماء غيره بخلاف عدة الوفاة, فإن المغلب فيها التعبد فلم يمنع الحمل من زنى الاحتساب بالأشهر التي تمر بها من عدتها, وعلى هذا إذا وجبت عليها عدة الوفاة فتزوجت في العدة ووطئها الثاني وحملت منه تكون العدة من الثاني بالحمل وتحتسب بالأشهر من الأول. وبه قال أبو إسحاق.
ومن أصحابنا من قال: تأويل المسألة أن الحمل كان من زنى فلم يمنع انقضاء العدة من الصبي بالأشهر, وعلى هذا لو زنت في عدة الطلاق فحبلت لم يمنع ذلك انقضاء العدة [ق ٥٥ ب] بالأقراء, ولو تزوجت في حال عدتها من موت الصبي أو وطئت بالشبهة فحبلت لم يتداخلا ويلزمها أن تعتد من الواطئ, ثم ترجع إلى عدة الأول فتلك أربعة أشهر وعشر كما قلنا في عدة الطلاق, ولا فرق بينهما, وهو اختيار أبي حامد.
فإن قيل: إذا ولدت الملاعنة انقضت عدتها, وإن كان الولد متفيًا عن الزوج فيجب أن تنقضي عدتها بوطئة من الصبي, وإن كان الولد منفيًا عنه. قيل: ولد الملاعنة غير منفي عنه قطعًا؛ لأنه لو أقرّ به لحقه وهذا الولد منفي عنه قطعًا ويقينًا فافترقا في حكم العدة.
واعلم أن في لفظ الشافعي إشكالًا وذلك أنه قال: "وَلَوْ مَاتَ صَبِيٌ لَا يُجَامِعُ مِثْلُهُ".
وهذا يوهم أن الاعتبار بفعل الجماع والتمكين منه وليس كذلك؛ لأن الصبي ربما يقوى على الإيلاج وهو ابن ثمان بلا إنزال المني فلا يلحق به النسب ولا تعتد امرأته بالحمل ومراد الشافعي هذا.
مسألة:
قَالَ: "وَإِنْ كَانَ حَيْضًا أَوْ مَجْنُونًا بَقِيَ لَهُ شَيْء يَغِيبُ فِي الفَرْجِ".
стр. 5491
الفصل:
اختلف أصحابنا في هذه المسألة، فقال الاصطخري وأبو بكر الصيرفي, وأبو عبيد ابن حربويه: امرأة الخصي بمنزلة امرأة الفحل, وإن كان ممسوحًا لأن عدم مائه غير متطوع به, وماء الرجل في أصله فيجوز أن يساحقها وينزل الماء.
وحكي أن أبا عبيد بن خربويه قُلد قضاء مصر فحكم في مثل هذا بلحوق الولد فحمل الصبي على كتفه وطاف به في الأسواق. وقال: انظروا هذا القاضي ألحق أولاد الزني بالخدم, وقد ذكرنا ما قيل فيه من كتاب اللعان, وقيل: إذا لم يكن له أنثيان لا يلحق [ق ٥٦ أ] به الولد؛ لأنه لا ينزل إلا من الأنثيين, واختاره جماعة من أصحابنا وقالوا: هذا ظاهره المذهب وهو أولى عندي.
وحكي الداركي عن بعض أصحابنا أنه قال: إن كان ذكره باقيًا وخصيته اليمنى منزوعة لم يلحق به الولد وكان بمنزلة الصبي الذي لا ينزل الماء؛ لأن الماء من البيضة اليمنى والشعر من اليسرى.
وحكي أن أبا بكر بن الحداد لم يكن له بيضته اليمنى وكان طويل اللحية ولم يكن ينزل, وهذا لا يصح بل يلحق به الولد وجهًا واحدًا إذا بقيت إحداهما سواء كانت يمنى أو يسرى؛ لأنه لا طريق إلى العلم بكيفية ذلك, وهذا قول بعض الأطباء ولا نعول عليه, وقد وجد في القيان ذو خصية واحدة له لحية وأولاد فإن كانت يمنى فقد ولد له وإن كانت يسرى فقد بقيت لحيته فعلم فساد هذا القول.
مسألة:
قَالَ: "وَإِنْ أَرَادَتِ الخُرُوجَ كَانَ لَهُ مَنْعُهَا حَيَّا وَلوَرَثَتِهِ مَيِّتًا حَتَّى تَنْقَضِي مُدَّتُهَا".
قال أصحابنا: المعتدات أربعة؛ معتدة من طلاق رجعي فلها السكنى والنفقة قولًا واحدًا حاملًا كانت أو حائلًا, ومعتدة من طلاق بائن وهي المختلفة ونحوها فلها السكنى قولًا واحدًا حاملًا كانت أو حائلًا.
وأما النفقة إن كانت حاملًا لا تجب قولًا واحدًا, وغن كانت حاملًا فلها النفقة قولًا واحدًا ولمن تكون النفقة؟ فيه قولان:
أحدهما: للحمل.
والثاني: للحامل.
ومطلقة عن طلاق ثلاث وهي المبتوتة فحكمها حكم المعتدة عن طلاق بائن, ومعتدة عن وفاة فلا نفقة لها بحالٍ, وهل لها السكنى قولان: فإذا قلنا لها السكنى فأسكنوها [ق ٥٦ ب] أو قلنا لا سكنى لها فتبرعت الورثة فأسكنوها لزمها أن تقعد حيث
стр. 5492
أسكنوها ولا يجوز لها أن تنتقل لقوله تعالي: ﴿لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ﴾ [الطلاق:١] ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة وليس لهما أن يتراضيا على ترك هذا السكن؛ لأنه حق الله تعالى بخلاف السكنى في حال النكاح؛ لأن تلك حقّ المرأة فيجوز الرضا بإسقاطه والخصي والفحل في هذا سواء.
ويحتمل أن الشافعي عطف هذا على مسألة الخصي, ويحتمل أنه استأنف المسألة في الأزواج عامة, ومن قال: لا سكنى للمتوفي عنها أّوَّلَ قول الشافعي "وَلِوَرَثَتِهِ مَيِّتًا".
على أنه أراد إذا أباتها, ثم مات, فههنا لا تتبدل العدة إلى عدة الوفاة فلا يسقط حق السكنى قولَا واحدَا. وعلى هذا إذا لم تتبرع الورثة بالسكنى لم يكن لهم منعها وكان لها أن تسكن حيث شاءت, وإن تبرع الإمام من بيت المال, قال الشافعي: يلزمها أن تسكن, وإذا أوجبنا عليها أن تسكن الموضع الذي أسكنوها فيه لا يجوز لها أن تخرج على ما سنذكره إن شاء الله تعالى.
مسألة:
قال: "وَلَوْ طَلَّقَ مَنْ لَا تَحِيضُ لِصِغَرٍ أَوْ كِبَرٍ".
الفصل:
كل من اعتدت بالشهور لصغر أو كبر أو عدة الوفاة, فإن كان أول الهلال ولا يكاد يتصور ذلك نجيز الطلاق, وإنما يتصور في تعليق الطلاق بأن يعلقه في آخر جزء من آخر الشهر فحينئذٍ يكفيها الاعتداد بثلاثة أشهر ما بين الأهلة ناقصَا كان أو كاملَا, وإن كان في أثناء الهلال اعتدت بشهرين بالأهلة تامَا كان أو ناقصَا ويكمل الشهر المنكسر ثلاثين يومًا.
وقال أبو عبد الرحمن ابن بنت الشافعي: يلزمها أن تعتد ثلاثة أشهر بالعدد [ق ٥٧ أ] لأنه إذا حسب الشهر الأول بالعدد كان ابتداء الثاني من بعض الشهر وكان أيضًا بالعدد. وهذا غلط؛ لأن اعتبار الهلال قد تعذر في الشهر الأول ولم يتعذر في الشهر الثاني والثالث, وإذا أمكن ذلك يوجب اعتباره؛ لأن الأصل في العدد الهلال, قال الله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنْ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البَقرَة: ١٨٩] وأيضًا فإِنَّا إذا رأينا الهلال اعتبرناه وإذا غُم علينا اعتبرنا العدد فكذلك ههنا, وقال أبو حنيفة: تعتد بشهرين بالهلال وتحتسب بقية الأول وتعتد من الرابع تمام الأول ناقصًا كان أو تامًا, كأنه بقي عشرة أيام وأهل الهلال بتسع وعشرين يكفيه تسعة عشر يومًا من الشهر الرابع, وهذا أيضًا غلط لما ذكرنا. وقال مالك, والأوزاعي: لا تحتسب بالساعات وإنما تحتسب بأول النهار أو الليل, فإذا طلقها في النهار احتسب أول عدتها من أول عدتها من أول الليل, وإذا طلقها في
стр. 5493
الليل احتسب من أول النهار لأن اعتبار الساعات يشق فسقط اعتباره, وهذا غلط لأ يمكن اعتبار الساعة التي طلق فيها إما يقينًا أو استظهارًا فلا وجه لما قاله.
وأما قول الشافعي ههنا: "حَتَى يَاتِي عَلَيْهًا تِلْكَ الّسَاعَةُ الَّتِي طَلَّقَهَا فِيهَا مِنَ الشَّهْرِ" أي حتى يمضي عليها, كما يقال: أتت عليه خمسون سنة, أي انقضت عليه. ولم يرد الشافعي بهذا الدخول من تلك الساعة لأنها لو طعنت من تلك اللحظة اللطيفة لم يحكم بانقضائها حتى تمضي تلك اللحظة اللطيفة ولا يكمل العدد إلا بمضيها.
فرع:
لو ولدت ولم تر حيضًا قبله ولا نفاسًا بعده, ثم طلقت ففي عدتها وجهان [ق ٥٧ ب] قال أبو حامد: تعتد بالشهور لأنها لم تحض وولادتها كالبلوغ بالسن.
الثاني: يكون كالتي ارتفع حيضها قبل الإياس بغير علة ففيما تعتد به ثلاثة أقاويل قد ذكرناها.
مسألة:
قَالَ: "وَلَوْ حَاضَتْ الصَّغِيرَةُ بَعْدَ انْقِضَاءِ الثَلاَثَةِ أَشْهُرِ".
الفصل:
الصغيرة إذا شرعت في العدة بالشهور, ثم رأت الدم, فإن رأته بعد انقضاء الأشهر الثلاثة لا يؤثر؛ لأنه قد حكم بانقضاء عدتها بالشهور وسقط خطاب العدة عنها, وإن رأته قبل انقضاء الشهور تنتقل إلى الاعتداد بالأقراء, وإن كانت قبل انقضائها بلحظة؛ لأنها صارت قبل تمام عدتها من ذوات الأقراء فدخلت تحت قوله تعالى ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البَقَرَة:٢٢٨] وهل تعتد بما مضى قرءًا؟
قال ابن سريج: تعتد به قرءًا؛ لأن القرء هو الانتقال من طهر إلى حيض, وقد وجد ذلك. قال: ومعنى قول الشافعي: "وَاسْتَقْبَلَتِ الأَقْرَءِ" أي تنتقل إلى عدة الأقراء, وقال سائر أصحابنا: تستأنف ثلاثة أقراء لظاهر كلام الشافعي "وَاسْتَقْبَلَتِ الأَقْرَءِ" ولم يقل واستقبلت القرءين فألزمها ثلاثة أقراءٍ, ولا تحتسب بما مضى قرءًا؛ لأن القرء اسم للطهر بين الحيضتين لا الطهر المجرد, وكان أبو إسحاق يطلق في المسألة قولين فيحتمل أن يكون عبر عن هذين الوجهين القولين ويحتمل أنه عرف منصوصًا آخر للشافعي, والأول اختيار أبي حامد والقاضي الطبري وجماعة.
فرع:
لو اعتدت بقرء أو قرءين, ثم صارت آيسة تستأنف ثلاثة أشهر ولا تحتسب بما
стр. 5494
مضى شهرًا لا يختلف أصحابنا فيه, ومن نص قول ابن سريج في المسألة السابقة فرق بينهما بأنه إذا مضى شهر قبل الإياس [ق ٥٨ أ] لو حسبناه من العدة شهرًا آذن إلى سقوط العدة؛ لأنه إذا مضت ثلاثة أشهر لزمنا نحكم بانقضاء عدتها وذلك لا يجوز، فأمرناها أن تستقبل ثلاثة أشهر, وههنا إذا حسبنا بما مضى قرءًا لم يؤد إلى إسقاط العدة عنها, فإنه انتقال واحد لا يزيد عليه فلا يؤدي إلى الحكم بانقضاء عدتها, وهذا أصح الفروق.
وقال الماسرجسي: الفرق أن على صاحبة الأقراء قد مضت شهور ولا حكم لها في العدة, فلما لم يجعل لها حكمًا قبل الإياس, فإذا أيست لم يجعل لها حكمًا أيضًا لأنه يؤدي إلى نقض ما حكمنا به.
أما الصغيرة فمما مضى عليها من الشهور كان له حكم وكان محسوبًا من عدتها لولا ما عرض لها من الحيض, وإذا كان لها حكم قبل ذلك لم نبطله برؤية الدم وجعلناه قرءًا صحيحًا. وقال ابن أبي هريرة: الفرق أن الأقراء لا تستغني عن الشهور والشهور تستغني عن الأقراء؛ لأنه بمضي بها شهور بها شهور لا ترى فيها دمًا, فإذا كان كذلك تثبتت الأقراء على الشهور, ولم تبن الشهور على الأقراء
مسألة:
قَالَ: "وَأَعْجَبُ مَنْ سَمِعْتُ مِنَ النِّسَاءِ يَحِضْنَ نِسَاءُ تُهًامَةَ يَحِضْنَ لِتِسْعِ سِنِينَ".
قد ذكرنا هذا في "كتاب الحيض" ومقصوده ههنا أنها إذا ادعت أنها رأت دم الحيض قبل أن تبلغ تسع سنين لم يقبل منها, وإن لم يكن حيضًا وكانت عدتها بالأشهر, وهذا لأنه لم يوجد حيض مستقيم من النساء لأقل من ذلك.
قال الشافعي: "وَأُحِبُّ أّنْ تَاتَي هَهُنَا ثَلَاثُ حِيَضٍ" أي بأقصى الأمرين احتياطًا وإلا فالواجب الشهور, وإن ادعت الحيض [ق ٥٨ ب] لتسع سنين قُبل منها وكانت عدتها بالأقراء, ثم قال الشافعي: "وَلَوْ بَلَغَتْ عِشْرِينَ سَنَةٌ وَلَمْ تَحِضْ قَطُّ اعْتَدَّتُ بِالشُهُورِ" وقد ذكرنا هذا.
مسألة:
قَالَ: "وَلَوْ طَرَحَتْ مَا تَعْلَمُ أَنَّهُ وَلَدُ مُضْغَةٍ أَوْ غَيْرِهَا حَلَّتْ".
قرئ: خلت بالخاء والتخفيف ومعناه خلت من عدتها وقرئ: حلت وهو المشهور ومعناه: حلت للأزواج, والكلام فيه في أربعة فصول؛ في انقضاء العدة, وحرمة الولادة التي تصير الأمة أم ولدٍ, والغُرّةُ, والكفارة, فإذا طرحت شيئًا ففيه أربع مسائل:
إحداها: أن نبين فيه خلق الآدمي من التخطيط والتصوير فتنقضي به العدة وتصير أم
стр. 5495
ولد, وتجب الغرة على الحافي بإسقاطه ويلزمها الكفارة أيضًا.
والثانية: أن لا يتبين فيه التصوير ولكن قالت القوابل: إن في ذلك خلقة الآدمي من الخطوط والتصوير للدقيقة التي يعرفها أهل البصر فيعمل على قولهن والأحكام تتعلق به على ما ذكرنا.
وقيل: هذه المسألة حدثت على عهد الاصطرخي فقال: لهن ما أراه إلا مخططًا فدعت القوابل الماء الحار وغسلنه فظهر تصويره.
وقال المزني: قال في كتابين: لا يكون به أم ولدٍ حتى يتبين فيه خلق الإنسان شيء, وهذا أقيس عندي. فأوهم أن المسألة على قولين, والصحيح أنها ليست على قولين, وإذا شهدت أن الخلقة خلقة ولد ثبتت هذه الأحكام والعلم لهن يحصل من جهتين:
إحداهما: أن يشاهدن تخطيط حاجب أو تحديق عين أو خلقة ظفر.
والثانية: أن يشاهدن [ق ٥٩ أ] في تلك الخلقة شيئًا من العروق والأعصاب الدالة على أنه لحم ولد.
وفي "كتاب أمهات الأولاد" نص على أظهر الحالتين ولم يرد أن خلقة العين والظفر شرط, ألا ترى أنه قال في سياق كلامه, وإن لم يتبين فيه خلق آدمي سألنا عدولًا من النساء, فإن زعمن أن هذا لا يكون إلا من خلق آدمي لا تكون به أم ولد, وإن شككن لم تكن به أم ولد, فعرفنا أنه اعتبر العلم لا الصورة.
والثالثة: أن تقول القوابل: لا ندري هل هو ابتداء خلقة بشر أو غيره, ويجوز أن يكون ابتداء خلقة بشر فلا يتعلق به شيء من الأحكام.
والرابعة: أن لا يتبين فيه الخلقة أصلًا ولكن قال النساء العدول: هذا لا يكون إلا لخلقة الآدمي. نص الشافعي على أن العدة تنقضي به في القديم والجديد.
وقال في "عتق أمهات الأولاد": إذا طرحت ما فيه تصوير عين أو إصبع أو ظفر فهي أم ولدٍ. وقال في موضع: لا تصير أم ولدٍ حتى يتبين فيه من خلق الآدمي.
وقال في "الجنايات": لا تجب فيه الغرة إذا لم تتبين فيه الخلقة.
واختلف أصحابنا في المسألة على ثلاثة طرق:
إحداهما: المسألة على قول واحد إنه يتعلق به جميع الأحكام, والذي قال في "أمهات الأولاد" في الوقت الذي كان لا يعلم أنه مبتدأ خلق الآدمي, فلما علمه قال: "تصير أم ولده" وهو كما توقف في أخذ الجزية من الصائبة والسامرة حين لم يعرف أصل دينهم, فلما عرف قطع بأخذ الجزية منهم.
والثانية: المسائل كلها على قولين على سبيل النقل والتخريج.
والثالثة: المسائل على طاهر فالعدة تنقضي به [ق ٥٩ ب] لأنها تنقضي بالدم الجاري
стр. 5496
فلأن تنقضي بهذا أولى, ولا تصير أم ولده لأنها إنما تصير أم ولده بثبوت الحرية في الولد ولم تثبت الحرية ههنا والغرة تجب للإنسان واسم الإنسان لا يقع عليه.
ومن أصحابنا من زاد طريقة رابعة, وقال قول واحد: إنه لا يتعلق به شيء من الأحكام. وأراد بما نص في العدة إذا كانت فيها تصوير دقيقة.
واعلم أن الشافعي قال ههنا: "مَا تَعْلَمُ أَنَّهُ وَلَدُ مُضْغَةِ أَو غَيْرِهَا"، وهذا يوهم أن ما دون المضغة كالمضغة في العلم بكونه ولدًا وليس كذلك لأن ما دون المضغة نطفة أو علقة, وإذا طرحت ذلك لا يتعلق به الحكم, وأراد الشافعي بقوله أو غيرها ما كان فوق المضغة لا ما دونها.
مسألة:
قَالَ: "وَلَوْ كَانَتْ تَحِيْضُ عَلَى الحَمْلِ تَرَكَتِ الَّصلاَةَ وَاجْتَنَبَهَا زَوْجُهَا".
الفصل:
اختلف قول الشافعي في الحامل هل تحيض أم لا؟ فقال في الجديد: تحيض وهو الأصح, وبه قال مالك, والدليل عليه ما روى أن رجلين تنازعا مولودًا فترافعا إلى عمر ﵁ فدعا القافلة فألحقوه بهما فدعا نسوة من قريش فسألهن عن ذلك فقلن: إنها حملت من الأول, ثم حاضت على الحمل فاستحشف الولد ثم أصابها الثاني فانتعش الولد من ماء الثاني, فأخذ الشبهة منهما, فقال عمر: الله أكبر وألحق الولد بالأول ولم ينكر عليهن قولهن حاضت على الحمل, وقالت عائشة ﵂: كنت قاعدة أغزل وكان رسول الله ﷺ : يخصف نعله, فنظرت إلى رسول الله- ﷺ فجعل جبينه يعرق وجعل عرقه يتولد نورًا فبهت, فنظر إليَّ رسول الله [ق ٦٠ أ] ﷺ فقال: "ما لك يا عائشة" فقلت: يا رسول الله نظرت إليك فجعل جبينك يعرق وجعل عرقك يتولد نورًا، ولو رآك أبو كثير الهذلي لعلم أنك أحق بشعره, قال: "وما يقول أبو كبير" قلت: يقول:
وَمُبَرَّأ مِنْ كُلِّ غَيَّرِ حَيْضَةٍ وَفَسَادِ مُرْضِعَةٍ وَدَاءٍ مُعَضَّلِ
وَإِذَا نَظَرْتَ إِلَى أَسِرَّة وَجْهِهِ بَرِقَتْ كَبَرْقِ العَارِضِ المُتَهَلِّلِ
فوضع رسول الله ﷺ ما كان في يده وقام إليَّ وقبل عيني, ثم قال: "يا عائشة ما سررت مني كثير" وروي "منك" وروى عن عائشة ﵂ أنها سئلت عن الحائل
стр. 5497
ترى الدم فقالت: "لا تصلي". ومثله عن أنس بن مالك, فإن قيل: روي عن عطاء أنها قالت: الحبلى لا تحيض, فإذا رأت الدم صلت. قيل: أنكر يحيى القطان هذه الرواية وضعفها.
وقال إسحاق الحنظلي قال لي أحمد بن حنبل: ما نقول في الحائل ترى الدم فقلت: تصلي, واحتججت بخبر عطاء عن عائشة ﵂, فقال أحمد أين أنت من خبر المدنيين عن عائشة ﵂, فإنه أصح. وهو ما ذكرنا عنها رواية أم علقمة مولاة عائشة عنها. قال إسحاق: فرجعت إلى قول أحمد ويحتمل أن عائشة كانت ترى أن لا تحيض في الأول, ثم رجعت عن ذلك على ما روينا.
وقال في القديم: إنها لا تحيض فإذا رأت الدم كان دم فساد, وبه قال أبو حنيفة: واحتج بأن الحيض جعلت دليلًا على براءة الرحم, فلو كانت تحيض على الحمل بطلت الدلالة على ذلك قلنا: إنما جعلت دليلَا ظاهرًا على الغالب, ويجوز أن تحيض مع هذا كما أن الغالب في مدة الرضاع عدم الحيض, ثم إذا وجد حكم بكونه حيضًا.
فرع:
إذا قلنا إنها لا تحيض ففي أول زمانه وجهان:
أحدهما: من وقت العلوق [ق ٦٠ ب] فإن تركت الصلاة عند رؤية الدم لخفاء أمارة الحمل قضت.
والثاني: من وقت حركة الحمل التي تحتاج فيها إلى الاعتداد بدم الحيض فما كان ثخينًا محتدمًا فهو حيض, وإن كان رقيقًا أصفر فيه وجهان, لأن الحيض في الحمل غير معتاد والصفرة والكدرة في غير أيام العادة هل يكون حيضًا أم لا فيه وجهان:
فرع آخر:
لو انقطع دم حيضها ثم وضعت نُظر, فإن كان بين انقطاعه وبين الوضع أقل من أول
стр. 5498
الطهر فيه وجهان:
أحدهما: دم فساد ولا يكون حيضًا؛ لأنه لا يجوز أن يكون بين الدمين أقل من خمسة عشر يومًا طهرًا.
والثاني: وهو الأصح أنه حيض صحيح؛ لأنَّا نعتبر أقل الطهر بين الحيضتين: فأما بين حيض ووضع ونفاس عقيبه فلا يمنع أن يكون بينهما أقل الطهر, وغن كان بين انقطاعه وبين الوضع أقل الطهر فصاعدًا كان حيضًا بلا إشكال.
فرع آخر:
قال بعض أصحابنا: إذا قلنا: لا تحيض فدمها دم استحاضة, وهل تغتسل لكل صلاة احتياطًا أو تتوضأ؟ فيه وجهان, وهذا غريب بعيد.
مسألة:
قَالَ: "وَلاَ تُنْكَحُ المُرْتَابَةُ وَإِنْ أَوْفَتْ عِدَّتَهَا لأَنَّهَا لَا تَدْرِب مَا عِدِّتُهَا, فَإِنْ نُكِحَتْ لَمْ أَفْسَخُ".
إذا عتدت المرأة بالأقراء, ثم ارتابت والريبة أن يظهر بها [ق ٦١ أ] أمارات الحمل وهو كبر البطن والثقل والحركة, فإنها تتوقف عن النكاح, فإن خالفت ونكحت قال الشافعي ههنا: "لَمْ أَفْسَخُ نِكَاحِهَا" فإن بانت حائلًا فالنكاح لحاله, وغن بانت حاملًا فالنكاح باطل. وكذا في "الأم", وقالت في موضع آخر: "فإن نكحت فالنكاح باطل" ولا يختلف أصحابنا أنها ليس على قولين, وإنما هي على اختلاف حالين واختلفوا في ذلك على ثلاثة طرق:
أحدهما: قال ابن خيران, والأصطخري, وأبو إسحاق: معنى ما نقله المزني إذا عرضت الريبة بعد انقضاء عدتها فيستحب لها أن لا تتزوج, فإن تزوجت فقد أساءت والنكاح صحيح, وتستحب لزوجها أن يترك وطئها ولا يجب عليها ذلك ونظر فيه، فإن وضعت لدون الأقراء, فغن مضت ستة أشهر ولم تضع ثبت النكاح وما تلده بعد ذلك من الأولاد يكون ملحقًا بالثاني, والذي قال النكاح باطل أراد إذا عرضت الريبة في حال العدة فلا يحكم بانقضاء عدتها؛ لأنها لا تدري هل عدتها بالحمل أو بالأقراء, فإذا نكحت كان باطلًا. والفرق أن الريبة إذا حدثت بعد انقضاء العدة فقد حكم بانقضائها فلا يؤثر ما يطرأ من الشك في النكاح المعقود, وإذا حدثت في العدة فلم نحكم بانقضاء العدة فأثر ومنع النكاح, وهذا كما لو تغير حال الشهود بعد الحكم لا يضر الحكم على الريبة, فإذا
стр. 5499
نكحت على الريبة فالنكاح باطل؛ لأنها لا تدري إن عدتها كانت بالأقراء فتكون قد حلت للأزواج, أو بالحمل فلم تحل وهي محرمة بيقين فلا تحل إلا بيقين. قال: ولا يجوز [ق ٦١ ب] أن يكون العقد في الابتداء موقوفًا ويجوز أن يطرأ ما يوقف به, ألا ترى أنه لو تزوج معتدة أو محرمة فإنه لا يجوز ولو تزوج ثم طرات العدة أو الإحرام جاز النكاح.
قال الماسرجسي: وهذا أصح فاحفظوه, فإن في سواد المزني خللًا, وقال غيره: هذا ضعيف؛ لأنه مخالف النص ههنا حيث قال: "وَلَا تُنْكَحُ المُرْتَابَةُ, فَإِنْ نُكَحَتْ لَمْ أَفْسَخْ".
فدل على أنها مرتابة عند عقد النكاح. وقال أيضًا: "فَإِنْ بَرِثَت مَنَ الحَمْلِ, فَالنِّكَاحُ صَحِيحٌ, وَقَدْ أَسَاءَتْ" فلو كان النكاح قبل الريبة لم تكن مسيئة.
وقال بعض أصحابنا وهي الطريقة الثالثة: الذي قال: النكاح باطل إذا وضعت حملًا لدون ستة أشهر من حين عقد النكاح, والذي لا أفسخ إذا انقضت العدة من غير ريبة ثم ارتابت وتزوجت ووضعت لستة أشهر فأكثر من حين النكاح؛ لأنَّا لا نتحقق أنها كانت حاملًا حال عقد النكاح, وهذا أيضًا ضعيف لأنه قال: "فإن نكحت فالنكاح باطل" ولم يوقف على وضع الحمل, فإذا ثبت ما ذكرنا حصل ههنا ثلاث مسائل:
إحداهما: إذا ارتابت قبل انقضاء العدة, ثم انقضت ونكحت فالنكاح باطل بلا خلاف.
والثانية: إذا انقضت العدة من غير ريبة, ثم ارتابت، ثم تزوجت, قال ابن سريج: النكاح باطل, لأنَّا لو صححنا لوقع النكاح موقوفًا, ولا يجوز ذلك عند الشافعي والمذهب أنه صحيح؛ لأن العدة انقضت من غير ريبة وحكم بانقضائها حتى أبحنا النكاح وأسقطنا النفقة والسكنى فلا يبطل هذا الحكم بالشك, وقيل: فيه قولان, قال القفال: وهما كالقولين فيمن شك في وفاة أبيه الغائب فباع ماله, ثم بان أنه كان مات وورثه هو [ق ٦٢ أ] هل يجوز البيع؟ قولان. وكالقولين فيمن فرغ من صلاته, ثم اعترض الشك هل صلى ثلاثًا أو أربعًا؟ قال في "الإملاء": "صلاته تامة", وقال في موضع آخر: "إن كان الوقت قريبًا بني على صلاتِه وسجد للسهو, وإن كان بعيدًا استأنف".
ثم قال المزني: جعل الشافعي الحامل تحيض ولم يجعل لحيضها معنى تعتد به, كما تكون التي لم تحيض تعتد بالشهور, فإذا حدث الحيض كانت العدة بالحيض والشهور, كما كانت تمر عليها وليست بعدة كذلك الحيض يمر عليها وليست بعدة, وليس كل حيض عدة كما ليس كل شهور عدة, وقصد المزني بهذا الكلام نصرة قول الشافعي أن الحامل تحيض وجواب سؤال لأبي حنيفة وهو أنه قال: لو كانت حيضًا لانقضت عدتها بثلاثة منها فأجابهم بأن العدة إنما تنقضي بما وصفها الله , فعدة الحامل بالحمل والدماء تمرّ عليها ولا تحسب كالشهور تمرّ عليها ولا تحسب, وعدة الوفاة بالشهور
стр. 5500
والدماء تمر عليها ولا تحسب كذلك ههنا.
مسألة:
قَالَ: "وَلَوْ كَنَتْ حَامِلًا بِوَلَدَيْن فَوَضَعَتْ الأَوَّلَ فَلَهُ الرَّجْعَةُ".
إذا كانت حاملًا فطلقها زوجها فعدتها أن تضع حملها, فإن كانت حاملًا بولدين توأمين لا تنقضي عدتها حتى تضعهما معًا, فإن وضعت أحدهما فهي في عدتها وله مراجعتها, فإن وضعت الثاني بانت وانقطعت الرجعة, وبه قال كافة العلماء, وقال عكرمة: تنقضي عدتها بوضع الولد الأول, وهذا غلط لقوله تعالى ﴿وَأُوْلتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق:٤] وهذه لم تضع جميع حملها ولان العدة تراد لبراءة الرحم [ق ٦٢ ب] وهي لا تحصل إلا بوضع جميع الحمل.
وقال عبد الله بن مسعود ﵁: أجل كل حامل أن تضع ما في بطنها.
وروى عن علي, وابن العباس ﵃ أنهما قالا في التي في بطنها ولدان تضع واحدًا ويبقى الآخر: هو أحق برجعتها ما لم تضع الآخر, وبه قال عطاء, والشعبي أورده الإمام البيهقي ﵀.
مسألة:
قَالَ: "وَلَوْ ارْتَجَعَهَا وَقَدْ خَرَجَ بَعْضُ وَبَقِيَ بَعْضُ وَلَدِهَا كَانَتْ رَجْعََةٌ", إذا كان الحمل واحدًا فانقضاء العدة بانفصال جميعه, فإن خرج بعضه وبقي البعض وإن كان إصبعًا فهي في العدة وله مراجعتها.
وقال عكرمة: تنقضي عدتها بخروج البعض ولا رجعة. وهذا غلط؛ لأن الله تعالى قال: ﴿أّن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطّلاق:٤] ووضع الحمل بانفصال جميعه, ولأنه لو أعتقت الأمة وخرج بعض ولدها عتق الولد بعتقها, ولو ضرب ضارب بطن امرأة حامل وكان قد خرج بعض الولد فخرج الباقي ميتًا تلزم الغرة, فدل أنه لا حكم له ما لم ينفصل كله.
مسألة:
قَالَ: "وَلَوْ أّوْقَعَ الطَّلَاقَ فَلَمْ يَدْرِ وِلَادَتُهًا بَعْدَهُ فَقَالَ: وَقَعَ بَعْدَمَا وَلَدَتْ".
الفصل:
إذا طلق امرأته ووضعت ولدًا, ثم اختلفا لا يخلو من ثمانية أحوالٍ:
следующие страницы →