Полный текст (7 151 стр.). Показаны 5601–5640 · переход к 5606.
стр. 5601
يكن السيد استبرأ هل قبل الموت أو الإعتاق، فإن كان قد استبرأها أو أعتق فهل يلزمها الاستبراء وجهان، وأصل الوجهين ما ذكرنا من قبل أن أم الولد هل يزول عن كونها فراشًا بالاستبراء أو ولادة يحصل، وهل تعود فراشًا بعد زوج من غير وطء جديد.
فإن قلنا: هي فراش بكل حال فلا بد من استبراء بعد زوال الملك، وإن قلنا بالآخر فالذي قبل الإعتاق محسوب، فإذا قلنا: لو استبرأها، ثم أعتقها لا يلزمها الاستبراء لا يعتد هذا التفريغ لأن استبرأها قبل أن زوجها لا محالة إذ يجوز أن يطأها، ثم يزوجها من غير استبراء فلا يحصل للعقد أو العدة منه تأثير في هذا الحكم. وإذا قلنا إنه لا يحتسب بالاستبراء قبل الإعتاق يفيد الكلام من هذا الفرع، وهذا حسن ولكنه غير مشهور.
مسألة:
قَالَ: "فَإِنْ مَاتَا فَعُلِمَ أَنْ أحدهما مَاتَ قَبْلَ الآخَرِ بِيَوْمٍ أَوْ شَهْرٍ أَوْ شَهْرَيْنِ وَخَمْسِ لَيَالٍ أَوْ أَكْثَرَ وَلَا نَعْلَمُ أَيَّهُمَا أَوَّلًا اعْتَدَّتْ مِنْ يَوْمِ مَاتَ الآخَرُ مِنْهُمَا أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا".
الفصل:
وهذا تفريع على القول الصحيح أنها تعود فراشًا له من غير استبراء جديد، وجملة هذا أنه لا يخلو من ثلاثة أقسام:
إما أن يكون بين موتهما شهران وخمس ليال فما دونهما أو أكثر من شهرين وخمس ليال إذا شكل الأمر فلا يدري كم كان بينهما [ق ١٣٥ ب] فإن علم أن بينهما شهرين وخمس ليال أو أقل من ذلك، فإن عليها أربعة أشهر وعشرًا من غير حيضة من أخرهما موتًا، وإنما لا تجب الحيضة لأنه لا يخلو من أن يكون الزوج هو الذي مات أولًا أو السيد وأيهما تقدم موته فلا استبراء عليها من السيد؛ لأن السيد إن كان قد تقدم موته فهي تحت زوج، وإذا مات السيد عن ام ولد وهي تحت زوج لا تجب عليها الاستبراء وإن كان قد تقدم موت الزوج، ثم مات السيد صادف حال عدتها من زوجها، وقد بينا أنها إذا كانت في عدة من زوجها لا يجب عليها الاستبراء من سيدها، وأما أربعة أشهر وعشر فإنما أوجبنا عليها احتياطًا فإنه يجوز أن يكون السيد مات أولًا فعتقت هي، ثم مات الزوج عنها وهي حرة فيلزمها أن تعتد أربعة أشهر وعشرًا وإن كان بين موتيهما أكثر من شهرين وخمس ليال، ثم مات السيد فيلزمها أن تستبرئ نفسها بحيضة وإنما أوجبنا عليها أربعة أشهر وعشرًا احتياطًا بجواز أن يكون السيد مات أولًا، ثم مات الزوج وهي حرة فوجبت عليها عدة الحرائر. وأما قول الشافعي ههنا: "وهو أكمل ما وجب عليها" لم يرد بذكر الكمال أن الجمع بين الأشهر والحيضة من المستجاب بل يلزمها ذلك، وكذلك قال
стр. 5602
عليها وهي كلمة إيجاب وإلزام.
وحكي عن أبي إسحاق عن بعض أصحابنا أنه قال: يجب أن تكون الحيضة في الأربعة الأشهر بعد شهرين وخمس ليال لأن الشهرين وخمس ليال عدة من الزوج فالاستبراء بحيضة يجب أن يكون بعدها، قال: وهذا غلط لأنا لا نحتسب بما بين الموتتين من العدة، وإنما نوجب عليها أربعة أشهر وعشرًا من عند آخرهما موتًا فعلى هذا في أي زمان حصلت الحيضة في أربعة أشهر وعشرًا [ق ١٣٦ أ] في أولها أو في آخرها فقد صح الاستبراء، وإن لم يعلم مقدار ما بين فالاحتياط أن يكون بين موتيهما أكثر من شهرين وخمس ليال فيلزمها أن تعتد أربعة أشهر وعشرًا فيها حيضة على ما بيناه.
ثم إن المزني قَال: هَذَا عِنْدِي غَلَطٌ لَأَنَّهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَ مَوْتَيْهِمَا إِلَّا أَقَلُّ مِنْ شَهْرَيْنِ وَخَمْسَ لَيَالٍ فَلَا مَعْنَى لِلْحَيْضِةِ" قلنا له: صدقت ومثل هذا لا تخفي على الشافعي ولما نقله تأويلان:
أحدهما: أن الشافعي جمع بين مسألتين:
إحداهما: أن يكون بين موتيهما أقل من شهرين وخمس ليال أو أكثر ثم أجاب عن الثاني: منهما وترك الجواب عن الأولى اكتفاء بما قد بينه في المسألة قبلها.
والثاني: أنه صور المسألة فيما سكت فلم يدل على أن بين موتيهما قدر عدة الإماء أو أقل أو أكثر فكأنهما شكت من وجهين في أولهما موتًا، وفي قدر المدة بين الموتين فالحكم يكون بالاحتياط على ما ذكرنا.
وإن علم أنه مات الزوج والسيد فعليها أربعة أشهر وعشر بلا خلاف.
مسألة:
قَالَ: "وَلَا يَقْرَبُ زَوْجِهَا حَتَّى تَسْتَيْقِن أَنَّ سَيِّدَهَا مَاتَ قَبْلَ زَوْجِهَا".
أراد به إذا ماتا جميعًا ولم يعلم أيهما مات أولًا، فلا ميراث لها من زوجها، لأن الأًصل أنها رقيقة ليست من أهل الميراث، وقد شككنا هل يغير حكمها فصارت من أهل الميراث من زوجها أم لا فلا يجوز أن نزيل اليقين بالشك".
فإن قيل: لم يوقفوا الميراث حتى ينكشف الحال كما قلتم في الرجل إذا كانت له امرأتان مسلمة وكتابية، فطلق إحداهما لا بعينها ومات قبل البيان يوقف ميراث زوجه إلى أن تنكشف [ق ١٣٦ ب] المطلقة هل هي الذمية فترثه المسلمة أو المسلمة فلا ترث الذمية ولا المسلمة، قلنا: الفرق أن الأصل أن المسلمة وارثته وقد شككنا هل حكمها وبطل استحقاقها أم لا، والأصل أنها مستحقة للميراث فلا يزيل اليقين بالشك وههنا الأصل أن أم الولد غير مستحقة للميراث، وقد شككنا هل صارت مستحقة فلا يزيل اليقين بالشك،
стр. 5603
فإن ادعت علم الورثة أنه عتقها، كان قبل موت قريبه فعليهم أن يحلفوا أنهم لا يعلمون ذلك.
ثم قال الشافعي: "وتعتد عدة الوفاة كاملة للاحتياط حتى تحل بيقين، وعلى هذا إذا طلق العبد امرأته الأمة طلقة رجعية فأعتقت في عدتها، ثم أعتق العبد، ثم مات فإن كانت الأمة لما أعتقت اختارت الفسخ فلا ترثه لأنها صارت بالفسخ بائنًا وإن كانت لم تختر الفسخ فهي رجعية جارية في العدة فيلزمها عدة الوفاة ورثته.
مسألة:
قَالَ: "وَالأَمَةِ يَطَأَهَا سَيِّدَهَا تُسْتَبْرأَ الحَيْضَةِ، فَإِنْ نَكَحَتْ فَفَسْق".
أراد به إذا كانت جارية فوطئها ولم يستبرئها لم يجز له تزويجها قبل الاستبراء، فإن زوّجها كان النكاح فاسدًا، وإن باعها قبل الاستبراء صح البيع لأن المقصود من البيع هو الملك دون الوطء بخلاف النكاح ولا يجوز للمشتري وطئها حتى تستبرئها وكذلك لا يجوز للمشتري قبل الاستبراء كان التزويج فاسدًا.
وقال أبو حنيفة: له تزويجها قبل الاستبراء، وهذا على اصله أنها لا تصير فراشًا بالوطء ولا يلزمه الولد بذلك ما لم تقر بعين الولد فهو كما لو لم يطأها فيقول: كل وطء لو أتت منه بولدٍ وأٌرت به ثبت النسب فذلك الوطء يوجب تربصًا كالوطء بالشبهة [ق ١٣٧ أ] وزاد أبو حنيفة على هذا فقال: لو وطء أمته، ثم زوجها في الحال ووطئها الزوج في الحال جاز فيجتمع من ساعتين وطئان من رجلين وهذا بيع في الشرع. وأما إذا وطئها ثم استبرأها له تزويجها، وجاز له بيعها، فإن باعها وجب على المشتري أن يستبرئها استبراء آخر لحدوث ملكه عليها ألا ترى أنه لو اشترى جارية من خصي أو امرأة كان عليه أن يستبرئها وإن كانت رحمها بريئة ولكن يجوز للمشتري تزويجها قبل الاستبراء، لأن الاستبراء لحدوث الملك لا يمنع التزويج، وإنما يمنع من التزويج الاستبراء يجب لأجل وجود الوطء، وإنما قلنا كذلك؛ لأن رحمها برئ في الظاهر فجاز له تزويجها وليس لذلك الوطء لأنه وإن كان رحمها برئ في الظاهر ربما أنه يتولد بعد وطئه فعلم أنه ليس منه فلا يمكن نفيه بأن يدعي الاستبراء، فإذا لم يستبرئها لا يمكن أن يدعيها وأيضًا الاستبراء للنكاح مقدم النكاح فاكتفي بالاستبراء المتقدم والاستبراء للوطء لا يتقدم الملك فلم يكتف بالاستبراء المتقدم من البائع، والفرق بين هذه يجوز تزويجها وبين مسألة الخلاف أن في تلك المسألة رحمها مشغول غير بريء في الظاهر وههنا رحمها بريء في الظاهر فافترقا، وإن كانت له جارية فوطئها، ثم أعتقها لم يجز لها أن تتزوج حتى تستبريء بحيضة وكذلك إذا وطئها ثم باعها، ثم أعتقها المشتري قبل
стр. 5604
الاستبراء لا يجوز لها أن تتجوز إلا بعد الاستبراء، وكذلك أم ولده إذا أراد تزويجها. وقلنا: يجوز ذلك [ق ١٣٧ ب] كان عليه أن يستبرئها بحيضة، فإن زوجها قبل الاستبراء فالتزويج فاسد، ولو كانت له جارية فأعتقها ولم يكن وطئها لم يجب عليها الاستبراء، وكان لها أن تتزوج في الحال وكذلك إذا وطئها واستبرأها ثم أعتقها لم يجب عليه استبراء آخر لأن عليه وجوب الاستبراء، أما وجود الوطء أو حدوث الملك على الاستمتاع بعد التحريم وليس ههنا واحد منهما، وبه قال أحمد، وعلى ما ذكرنا لو اشترى أمةً من صبي أو خصي أو امرأة يجوز له أن يزوجها قبل الاستبراء ويحل للزوج وطئها عقيبه ولا يجوز للمشتري وطئها حتى يستبرئها.
وقال القفال: نص الشافعي هكذا أنه لو اشترى أمةً ولم يطأها حتى أعتقها فلا استبراء عليها، ولكن قال أصحابنا: صورته أن البائع كان قد استبرأها قبل أن باعها، أو لم يكن وطئها أو المشتري استبرأها، ثم أعتقها.
ومن أصحابنا من قال: وإن استبرأها البائع، ثم أعتقها لابد من استبراء جديد بعد التزويج، قال: وعلى هذا أكثر أصحابنا، وعندي يجوز له تزويجها، وهذا غريب بعيد ولم يساعده أحد من أصحابنا بالعراق والله أعلم.
وقال أبو حنيفة: إذا أعتقها سقط الاستبراء بكل حالٍ.
وحكي أن هارون الرشيد اشترى جارية فتاقت نفسه إلى جماعها قبل أن يستبرئها فقال لأبي يوسف: هل تجد لي حيلة في ذلك؟ فقال: نعم أعتقها وتزوج بها وقد حلت في الحال، ففعل ذلك وأجزل العطاء لأبي يوسف. وقيل: هذا ليس بمذهب أبي حنيفة بل هو اختيار أبي يوسف.
واحتجوا [ق ١٣٨ أ] بأن له أن بيبعها فله أن يزوجها كما لو كان استبرأها، وهذا غلط لقوله ﷺ : "لا تسق بماء له زرع غيرك، والبائع قد زرع فلا يجوز للزوج أن يسقيه ولأن هذا وطء له حرمة فلا يجوز تزويجها من غير الواطئ قبل الاستبراء كالموطوءة بشبهة، ويخالف البيع لأنه يصح في المعتدة والمحرمة بخلاف النكاح.
فإذا تقرر هذا فإذا زوجها، ثم طلقها زوجها قبل الدخول بها فعليه استبراء جديد؛ لأن الحيلولة التي وقعت بينه وبين بضعها بالتزويج كزوال الملك؛ لأنه يزيل ملك الاستمتاع وإن طلقها بعد الدخول تعتد بحيضتين وهل يدخل الاستبراء في تلك العدة أو يجب الاستبراء؟ من وجهين.
مسألة:
قَالَ: "وَلَوْ وَطِئَ المُكَاتِبُ أَمَتَهُ فَوَلَدَتْ أَلْحَقْنَاهُ بِهِ".
стр. 5605
الفصل:
المكاتب لا يتسرى على قوله الجديد، وأما على قوله القديم ليس له ذلك دون إذن السيد، وبإذنه هل يجوز؟ قولان كما نقول في تبرعاته، ثم سواء قلنا يتسرى أم لا وطء فجاءت منه فالولد مكاتب عليه ولا نعني به أنه يصير مكاتبًا مثله أو يلزمه من النجوم وإنما نعني به أنه لا يجوز له بيعه وإزالة الملك عنه ويكون موقوفًا على حكمه، فإن عتق عتق، وإن رق رق. وأما الجارية فيها قولان:
أحدهما: تصير أم ولد له ولا يبعها بحال وهو الأصح لأنه ثبت لولدها حرمة حرية منتظرة فثبتت للأم أيضًا؛ لأن حكم الأم حكم الولد ولا نريد به أنها تصير أم ولده في الحال؛ بل تريد به أنه في الحال لا يبيعها، فعلى هذا إن رق المكاتب رقًا جميعًا؛ لأنه يجوز حينئذٍ بيع الولد وحرمتها بالولد فيجوز بيعها أيضًا وإن عتق كانت أم ولده وتعتق بموته [ق ١٣٨ ب].
والثاني: يبيعها ولا تصير أم ولدٍ به خاف العجز أو لا لأنها علقت بمملوك فلم تصر أم ولد، كما لو أولدها في النكاح ثم استبرأها لا تصير أم ولدٍ له، والأول اختيار المزني وهذا على أصله صحيح؛ لأن عنده الحر إذا استولد جارية بالنكاح قم ملكها صارت أم ولد أيضًا وههنا أولى.
وقال مالك: إن خاف العجز باع هذه الجارية، وإن لم يخف العجز لا يبيعها، وقال أبو حنيفة: إن مات الولد حل له بيعها، وإن كان حيًا لا يبيعها، وهذا غلط لأنها لا تخلو من أحد أمرين: إما أن تكون أم ولدٍ فلا يجوز بيعها بحالٍ كسائر أمهات الأولاد.
وإما أن لا تكون أم ولد فيجوز بيعها على كل حال كالأمة القن لا وجه للفرق الذي ذكره مالك ولا للذي ذكره أبي حنيفة.
وحكي عن الاصطخري أنه قال: لو خاف العجز إن لم يبع الولد له بيعه لأن عجزه يفضي إلى رقهما معًا فكان بيعه في عتق الأب أولى من استرقاقه مع الأب، وهذا خلاف مذهب الشافعي؛ لأن العتق بيعه مظنون، ويجوز أن يتلف ثمنه قبل أدائه في مال الكتابة فلا يجوز أن يسقط به ما استحقه على أبيه من العتق بعتقه، ويقابل هذا التجويز أنه يجوز أن يكتسب مالًا قبل تعجيزه من لقطةٍ أو هبةٍ فيعتقان معًا.
باب الاستبراء من كتاب الاستبراء
مسألة:
قَالَ: "نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَامَ سَبْيِ أَوْطَاسٍ أَنْ تُوطَأ حَامِلٌ حَتَّى تَضَعَ وَلَا حَائِلٌ حَتَّى تَحِيضَ وَلَا يَشُكُّ أَنَّ فِيهِنَّ أَبْكَارًا أَوْ حَرَائِرَ كُنَّ قَبْلَ أَنْ يُسْتَأمَيْنَ وَإِمَّا
стр. 5606
وَضِيعَاتٍ وَشَرِيفَاتٍ فَكَانَ الأَمْرُ مِنْ رَسُولِ الله ﷺ فِيهِنَّ وَاحِدًا" [ق ١٣٩ أ].
إذا ملك الرجل جارية بشراء أو هبة أو ميراث أو غنيمة أو وصية لا يجوز له أن يطأها حتى يستبريها سواء كانت الجارية بكرًا أو ثيبًا صغيرة لا يمكن وطئها أو كبيرة يمكن وطئها وسواء كانت ممن تحبل، أولا تحبل شريفةٍ كانت أو دينة للعلة التي ذكرها الشافعي ههنا وهي حدوث الملك على جارية محرمة عليه.
واعتبر الشافعي حدوث الملك وكون الفرج محرمًا عليه قبل الملك؛ لأن الرجل إذا تزوج ثم استبرأها لا تجب عليه أن يستبرئها، لأن الفرج كان مباحًا له قبل الملك.
وبه قال عمر، وعثمان، وعبد الله بن مسعود، وابن عمر، والحسن، وعطاء، وابن سيرين، وعكرمة، وجماعة الفقهاء ﵃، وقال داود: إن كانت بكرًا فلا استبراء عليه، وإن كانت ثيبًا يلزمه الاستبراء.
وروي هذا عن ابن عمر ﵁، وقال مالك: إن كانت عمن لا تجامع مثلًا فلا استبراء، وإن كانت ممن تجامع مثلًا يلزمه الاستبراء.
وحكي صاحب المفتاح عنه أنه قال: تستبرأ الشريفة ولا تستبرأ الدنية، وقال الليث بن سعد: إن كانت ممن يحبل مثلها فعليها الاستبراء، وإن كانت ممن لا تحبل مثلها فلا استبراء عليها، وقال المزني من مختصر: المختصر عندي أنه لا يلزم الاستبراء بحالٍ إلا أن تكون موطأة أو كانت حائلًا وأنا أميل إلى هذا.
واحتجوا بأن الغرض بالاستبراء معرفة براءة الرحم، فإذا كانت بكرًا أو لا تحبل لا حاجة إليه، وهذا غلط لما ذكر الشافعي من الدليل وأشار على لفظ الخبر ولولا ذلك لكان الأول أن يقول نهى عام سبي أوطاس أن توطأ حامل حتى تضع أو حائل حتى تحيض وكان الأولى بعدما قصد إلى اللفظ أن يقول: قال رسول الله ﷺ [ق ١٣٩ ب] ويذكر الخبر، وقوله قبل أن يستأمنن أي قبل أن يصون بالاسترقاق إماءً.
وروى أبو الدرداء ﵁ أن النبي ﷺ كان في غزوة رأى امرأة محجمًا.
فقال: لعل صاحبها ألم بها قالوا: نعم، فقالت: لقد هممت أن ألعنه لعنة تدخل معه في قبره كيف يورثه وهو لا يحل له وكيف يستخدمه وهو لا يحل له" والحج الحامل المقرب وفيه بيان أن الواطئ الحامل من السبايا لا يحل حتى تضع الحمل وقوله كيف يورثه وهو لا يحل له يريد به أن ذلك الحمل قد يكون من زوجها المشترك فلا يحل له استلحاقه وبورثته، وقد يكون منه إذا وطئها بأن ينعس ما كان في الظاهر حملًا وتعلق من وطئه فلا يجوز له نفيه واستخدامه، وفي هذا دليل على أن الأمة تصير فراشًا بالوطء.
وروى أنس ﵁ أن النبي ﷺ استبرأ صفية بحيضة، وروى رويفع بن ثابت الأنصاري أن النبي ﷺ قال يوم حنين: "لا يحل لمؤمن يؤمن بالله واليوم الآخر سقي مائه زرع غيره" يعني إتيان الحبالى.
стр. 5607
فرع:
قال القفال: قال في الأم ورواية الربيع إذا اشترى أمة معتدة من زوج فانقضت عدتها لا يلزم الاستبراء، ولو زوج أمته فأصابها الزوج، ثم طلقها فاعتدت يلزم الاستبراء. وقال في الإملاء في المسألة الأولى: يلزم الاستبراء وفي المسألة الثانية لا يلزم الاستبراء فاختلف جوابه هكذا في الكتابين على التضاد، وقد سألت كثيرًا من أصحابنا فلم يزد أحد منهم على أن قال للشافعي في المسألتين قولان:
أحدهما: يدخل الاستبراء في العدة.
والثاني: لا يدخل وهذا وإن كان كذلك [ق ١٤٠ أ] فلابد من أن يكون لفصل الشافعي بينهما واختلاف جوابه معنى فالمعنى الذي اعتبره الشافعي في الأم أن الاستبراء تجب عند حدوث الملك الذي اعتبره الشافعي في الأم أن الاستبراء تجب عند حدوث الملك على الفرج فمتى كان الفرج مشغولًا بحث الغير لم يجب فعلى هذا في المسألة الأولى لا تجب وفي الثاني: يجب لأن ملكه على الفرج إنما حدث عند فراغها من العدة، وإذ ذاك لم يكن للغير حق فوجب الاستبراء كما لو كانت أمة فعجزت أو زوج أمته فطلقها زوجها قبل الدخول، واعتد في الإملاء على معنى آخر وهو أن العدة إذا حصل كلها في ملكه حصل الاستبراء له، وإذا حصل بعضه في غير ملكه لم يعتد به، وهذا حسن لم يقله غيره.
مسألة:
قَالَ: "وَلَوْ بَاعَ جَارِيَةً مِنْ امْرَأَةٍ ثِقَةٍ وَقَبَضَتْهَا وَتَفَرَّقَا بَعْدَ البَيْعِ، ثُمَّ اسْتَقَالَهَا فَأَقَالَتْهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَطَأَهَا حَتَّى يَسْتَبْرِئُهَا".
الفصل:
قصد الشافعي بهذا التصوير التنبيه على أن الاستبراء حيث يجب إنما يجب بسبب حدوث الملك سواء كان الوطء من البائع موهومًا أو غير موهوم، فلو كنا نأمر بالاستبراء لتوهم الوطء لما أوجبناه في هذه المسألة لأنا تيقنا أنها بين البيع والإقامة كانت مصونة عن الوطء وجملته أنه إذا باع أمته من امرأة أو خصي أو رجل عدل، ثم استقال في الحال فأقاله انتقل الملك إليه قبل أن يطأها المشتري ولا يحل له وطئها حتى يستبرئها سواء كان بعد قبض المشتري أو قبل قبضه.
وقال أبو يوسف: إن كانت الإقالة بعد القبض يلزم الاستبراء، وإن كانت قبل القبض فالقياس أن يستبرئها ولكنه لا يجب استحبابًا.
وروي هذا عن أبي حنيفة، وهذا لأن قبل القبض باقية على حكم ملكه، وهذا غلط، لأنها حرمت عليه بعقد معاوضة وحلت له بفسخه فيجب الاستبراء كما لو كان بعد
стр. 5608
القبض. وأما ما ذكره لا يصح لأنها [ق ١٤٠ ب] ملك المشتري يلزمه نفقتها، وعلى ما ذكرنا قال القاضي الطبري: لو فسخ البائع البيع في المجلس قبل التفريق، وقلنا: الملك للمشتري لا يجب الاستبراء عليه لأنه استحدث عليها ملكًا بعد التحريم.
فإن قيل: أليس يجوز للبائع وطئها في مدة الخيار فيل نعم ويكون وطئه فسخًا، فأما الوطء مع انتقال الملك فمحرم.
مسألة:
قَالَ: "والاسْتِبْرَاءُ أَنْ تَمْكُثَ عِنْدَ المُشْتَرِي طَاهِرًا بَعْدَمَا مَلِكَهَا".
الفصل:
أراد به أن الاستبراء واجب على المشتري دون البائع، فإن استبريء البائع وباعها لم يسقط عن المشتري والمستحب أن يستبرئها البائع أيضًا إن كان قد وطئها، وإن لم يكن وطئها فلا مانع له، وبه قال مالك، وأبو حنيفة، وقد ذكرنا في كتاب البيع عن النخعي وجماعة أنه يجب على البائع والمشتري معًا؛ لأن البائع يلزمه حفظ مائه وكذلك المشتري يستبرئها لحفظ مائه، وهذا غلط؛ لأن الاستبراء في حق الحرة آكد لأنه ثلاثة أقراء، ثم لا يجب قبل النكاح وبعده فههنا أولى وما ذكره يبطل بالحرة.
وقال عثمان البني: يجب الاستبراء قبله كالنكاح، وهذا غلط لأنه ملك استمتاع جارية بملك اليمين بعد تحريمها عليه فكان عليه الاستبراء كالمسبية.
وأما ما ذكره لا يصح في المحرمة بخلاف النكاح، والاستبراء يكون في يد المشتري، وإن كانت جميلة ففي يدي عدل، وقد ذكرنا ذلك في كتاب البيع وهذا غلط لأنه استبراء لاستحداث ملك فأشبه إذا كانت قبيحة.
واعلم أن أبا حامد قال: لو استبرأها قبل القبض بعد لزوم البيع لم يعتد به ويلزمها استبراء آخر بعد القبض؛ لأن الشافعي قال: "والاستبراء أن تمكث عند المشتري طاهرًا" ولأن الملك لم يستقر بعد فأشبه إذا كان قبل التفرق، قال: وهكذا إذا أوصى له بجارية ومات [ق ١٤١ أ] فقبل الوصية ملكها، وإن لم تقبض ولا تعتد بالاستبراء قال: ولو ورث جارية فاستبرأها قبل القبض وقع الاستبراء موقعه والفرق أن بالميراث تصير كالمقبوضة بدليل أنه يجوز له بيعها في الحال، فلها يعتد بالاستبراء هناك بخلاف مسألتنا والمسألة خلاف هذا على ما ذكرنا في كتاب البيع؛ لأن الشافعي قال: بعد هذا ولو لم يتفرقا حتى وضعت حملًا لم تحل له حتى تطهر من نفاسها ويحيض حيضة ولم يشترط القبض، لأن الملك قد تمّ ولزم فأشبه إذا كان بعد القبض.
وأما قول الشافعي: "الاسْتِبْرَاء أَنْ تَمْكُثَ عِنْدَ المُشْتَرِي" قصد به الرد على مالك
стр. 5609
حيث قال: إذا كانت حسنة تكون في يد عدل على ما ذكرنا، وأما قوله: تمكث طاهرًا بعدما ملكها ثم تحيض حيضة معروفة، فإذا طهرت منها فهو الاستبراء يريد به أن الاستبراء بالحيض ولكن يكون حيضة معروفة أي صحيحة، وهو أن يكون أقله يوم وليلة وأكثره خمسة عشر ولا بد من أن تمكث طاهرًا، ثم تحيض حيضة لأنها كانت حين ملكها طاهرًا فلا بد من أن تحيض حيضة، فإذا طهرت حلت، وإن كانت حائضًا فلا تحتسب بنفسها، فإذا طهرت، ثم حاضت حيضة كاملة، ثم طهرت ثانيًا حلت، وقد ذكرنا ما قيل فيه، وإن كانت لا تحيض فاستبرؤها بشهر.
وقال عمر بن عبد العزيز، ومجاهد، وطاوس، وعطاء، وابن سيرين: ثلاثة أشهر وهو قول آخر لنا، وهو الصحيح عند كثير من أصحابنا، ثم قال: فإن استبرأت أمسك حتى يعلم أن تلك الريبة لم تكن حملًا وأراد إذا استبرأت نفسها بحيضة ثم استبرأت فعلى السيد أن يمسك عنها، ولفظ الشافعي يدل على هذا أنه قال: ولا أعلم مخالفًا في المطلقة لو حاضت ثلاث حيض وهي ترى [ق ١٤١ ب] أنها حامل لم تحل للأزواج إلا بوضع الحمل والبراءة من أن يكون حملًا.
مسألة:
قَالَ: "وَلَا تَحِلُّ لَهُ قَبْلَ الاسْتِبْرَاءِ التَّلَذُّذُ بِمُبَاشَرَتِهَا".
الفصل:
إذا ثبت أن الاستبراء على المشتري فلا يحل له وطئها حتى يستبرئها، وأما دواعي الجماع من القبلة واللمس والنظر بشهوة فلا يحل له أيضًا في زمان الاستبراء المعنيين بأحدهما أنه استبراء لصيانة الماء فأشبه المعتدة من زود. والثاني: وهو الأظهر أنها قد يكون من سيدها أو وطء شبهة فتكون أم ولد غيره فيؤدي إلى مباشرة أم ولد غيره ولا يجوز ذلك هذا إذا ملكها بغير السبي، فإن ملكها بالسبي والاغتنام فيه وجهان:
أحدهما: لا يجوز شيء من هذا قياسًا على المملوكة بغير السبي.
والثاني: يجوز ذلك، وهو ظاهر المذهب لأن هذا لا تخلو إما أن تكون حائلًا أو حاملًا فإن كانت حائلًا فهي مملوكة له، وإن كانت حاملًا لا تكون أم ولد للمشترك وتكون هي وولدها مملوكين له، فإن قيل فقولوا: يجوز وطئها أيضًا لهذا المعنى قلنا: إنما حرمنا وطئها لئلا يختلط ماءه بماء المشترك، وكان الاستبراء واجبًا لحرمة ماء المسلم دون المشرك، ولأنه روي عن عبد الله بن عمر ﵁، أنه قال: وقع في سهمي جارية من سبي حلولًا فنظرت إيها، فإذا عتقها مثل الإبريق فلم أتمالك أن وثبت عليها فقبلتها والناس ينظرون ولم ينكر عليه أحد.
стр. 5610
فرع:
لو وجبت العدة على زوجة الغير بوطء شبهة لا يحل للزوج وطئها ما دامت في عدتها وهل تحل التلذذ بما دون الوطء وجهان لأن المقصود نفي اختلاط البائن وهي بعد العدة حلال للزوج كالمسبية، وهكذا لو زوج أمته، ثم طلقها بعد الدخول وانقضت عدتها، ثم عادت إلى السيد يلزمها [ق ١٤٢ أ] الاستبراء بعد العدة تعتد في أحد الوجهين وهل يحرم في هذا التلذذ وجهان:
مسألة:
قَالَ: "وَلَوْ لَمْ يَفْتَرِقَا حَتَّى وَضَعَتْ حَمْلًا لَمْ تَحِلَّ لَهُ حَتَّى تَطْهُرَ مِنْ نِفَاسِهَا، ثُمَّ تَحِيضَ حَيْضَةً مُسْتَقْبِلَةً".
الفصل:
إذا اشترى جارية حائلًا فاستبرأها يكون بوضع الحمل، وإنما يصح ذلك إذا كان حملها مملوكًا، فإذا وضعت نظر، فإن وضعت بعد لزوم البيع وانبرامه وهو بعد التفرق وقع الاستبراء موقعه، وإن وضعت قبل لزوم البيع مثل أن وضعت في مدة خيار المجلس له وخيار الشرط.
فإن قلنا: الملك في زمان الخيار للبائع لم يعتد به عن الاستبراء، فإذا تفرقا وطهرت من النفاس، ثم حاضت حيضة حصل الاستبراء ولا يحتسب بالنفاس من الاستبراء لأنه تابع للولادة التي قبله.
وإن قلنا: ينتقل الملك بنفس العقد إلى المشتري أو قلنا إنه مراعى فهل يعتد بهذا الوضع عن الاستبراء وجهان ذكرهما أبو إسحاق:
أحدهما: يعتد به لأنه استبراء بعد حدوث الملك.
والثاني: لا يعتد به لا الملك لم يستقر بدليل أن للبائع انتزاعها من ملكه.
وقال صاحب الحاوي: إن كان وضع الحمل حصل الاستبراء وجهًا واحدًا على هذا القول ولو كان بدل الحمل قرء فيه وجهان خرجهما أبو إسحاق لأن الاستبراء بالحمل أقوى من الاستبراء بالقرء، وهذا لا يصح لأنه يحصل الاستبراء بهما كما أعرف فرقًا بين الحمل والوضع.
مسألة:
قَالَ: "وَلَوْ كَانَتْ أَمَةً مُكَاتِبَةً فَعَجَزَتْ لَمْ يَطَأَهَا حَتَّى يَسْتَبْرِئْهَا".
стр. 5611
إذا كانت السيد أمته فعجزت عن الأداء ورقت أو زوجها فطلقها زوجها قبل الدخول [ق ١٤٢ ب] فارتد أحدهما أي الجارية أو سيدها ثم عاد إلى الإسلام لم يكن له وطئها حتى يستبرئها.
وقال أبو حنيفة: له وطئها من غير استبراء في هذه المواضع؛ لأن ملكه لم يزل عنها، وإنما حرمت بعارضٍ كما لو رهنها، ثم فكها من الرهن، وهذا غلط لما ذكره الشافعي أنها ممنوعة منه، ثم أبيح بالعجز ولا يشبه صومها الواجب عليها وحيضها، ثم يخرج من ذلك؛ لأنه يحل له في ذلك أن يلمسها ويقبلها ويحرم ذلك في الكتابة كما يحرم إذا تزوجها، وتحرير هذا أن كل من ملك الاستمتاع بجارية بعد تحريمها عليه لم يحل له وطئها قبل الاستبراء، ولا يدخل على هذا الصائمة إذا خرجت من صومها، والحائض إذا طهرت من الحيض لأنهما لم يكونا محرمتي الاستمتاع، وكذلك الأمة إذا رهنها، ثم فكها من الرهن لا يلزمه أن يستبرئها؛ لأن الرهن لا يحرم الاستمتاع بها، فإن له أن يقبلها وله أن يطأها إن كانت صغير لا تحبل مثلها، ولا يدخل على هذه الأمة إذا أحرمت بحج أو عمرة، ثم حلت؛ لأن مولاها لم يزل ملكه من الاستمتاع بها فلا يقال إنها لما حلت من الإحرام ملك الاستمتاع بها، وإذا عجزت ملك المولى ذلك فدل على الفرق بينهما.
قال الفقال: وعلى هذا الخلاف إذا وطء إحدى الأختين، ثم كاتبها حلت له الأخرى في الحال عندنا، وقال أبو حنيفة: لا تحل، ثم قال الشافعي: وإنما قلت طهر، ثم حيضة حتى تغتسل منها؛ لأن النبي ﷺ دل على أن الأقراء الأطهار بقوله ﷺ لابن عمر ﵁ يطلقها طاهرًا من غير جماع فتلك العدة التي أمر الله تعالى أن يطلق لها النساء، وأمر ﷺ من الإماء أن يستبرئن بحيضة فكانت الحيضة الأولى أيامها طهرًا كما كان الطهر. أما من الحيض فكان قصد النبي ﷺ [ق ١٤٣ أ] في الاستبراء إلى الحيض، وفي العدة إلى الأطهار كان قائلًا قال له: لم يفرق بين عدة الطلاق بالنكاح تكون بالطهر وبين الاستبراء بالحيض؟ فقال: لأن الشرع فرق بينهما كما ذكر.
واعلم أن اللفظ إشكالًا وذلك أنه قال: وإنما قلت طهر، ثم حيضة فأوهم بظاهره أن الاستبراء يقع بالطهر، فذهب بعض أصحابنا إلى هذا الظاهر فقال: إذا استبرأها طاهرًا فحاضت حلت من الاستبراء وجاز في حيضها ما يجوز من الاستمتاع بالحائض ولكن آخر كلام الشافعي في هذا الفصل يمنع صحة هذا القول؛ لأنه قال: فكان قصد النبي ﷺ في الاستبراء إلى الحيض؛ وفي العدة إلى الأطهار وإزالة الإشكال عن أول هذا الفصل بأن يقال: معنى قوله: وإنما قلت: طهر ثم حيضة أنه لو استبرأها حائضًا لا تحتسب بقية الحيضة والاستبراء لا يقع إلا بحيضة أولها وآخرها في ملك المشتري، ولم يرد أن الاستبراء بالأطهار وكيف يريد ذلك.
وقد روى حديث ابن عمر، وحديث أوطاس وفرق بينهما بهذا، وأما قول الشافعي
стр. 5612
وكانت الحيضة الأولى أمامها طهرًا كما كان الطهر أمامه الحيض لفظ مشكل فظاهره أن الطهر في العدة أمامه حيض كما أن الحيض المحسوب في الاستبراء حيض أمامه طهرًا وإزالة الإشكال أن يقال يحتمل أن يكون الشافعي أراد بهذا الطهر الثاني من العدة فإنه يتبع الحيضة، أو أراد الصغيرة التي لم تحض قط فطلقها زوجها فحاضت بعد الطلاق قبل تمام الأشهر الثلاثة، فلا يتصور أن يحتسب لها في العدة قرء حتى تكون أمامه حيض، فأما إذا حملنا لفظه على غير هذين الموضعين فلا يمكن؛ لأن بقية الطهر بعد الطلاق قرء محسوب، وإن لم تكن أمامها حيض بعد طلقها [ق ١٤٣ ب].
فرع:
لو اشترى أمة مجوسية فاستبرأها، ثم أسلمت لا يجوز له أن يطأها بعد الإسلام حتى يستبرئها، ولا تعتد بالاستبراء الذي حصل في حال الكفر؛ لأنه لا يفيد الإباحة الاستبراء المعتد به إنما هو إذا تعلقت به الاستباحة وقيل: فيه وجه آخر أنه يعتد بذلك الاستبراء وعلى هذا عن أبي حامد ولا يوجد في تعاليقه ذلك، قال أصحابنا: وهكذا إذا اشترى أمة مجوسية فكاتبها، ثم أسلمت واستبرأها بعد إسلامها ثم عجزت لم تحل لمولاها إلا بأن يستبرئها، وهذه المسألة ليست من جنس ما قبلها لأن ههنا وجب بالعجز استبراء جديد، فإنه استحدث الملك على الاستمتاع.
فرع آخر:
لو كان لرجل عبد مأذون له في التجارة فاشترى العبد أمة واستبرأها بالحيضة، فحجز المولى عليه ومنعه من التصرف ينظر، فإن لم يكن على العبد دين فقد حلت الجارية للمولى بالاستبراء السابق، وإن كان على العبد دين لم يصح الاستبراء؛ لأن الجارية محرمة على المولى لتعلق ديون الغرماء بها، فلا يصح الاستبراء في حال التحريم، وكان عليه أن يستبرئها في حال ينفعه الاستباحة هكذا ذكر جميع أصحابنا.
وقال صاحب الحاوي: عندي أنه لا يلزم الاستبراء وتحل له الاستبراء المتقدم لوجوده بعد استقرار الملك والرهن لا يوجب الاستبراء كذلك ههنا ذكر في الشامل أنه لا يحتسب الاستبراء في حال الرهن وهو غلط ظاهر.
فرع آخر:
لو اشترى أمةً من ذوات الأقراء فتباعد حيضها فهي كالمعتدة إذا تباعد حيضها وفي الجملة كل جنس تعتد به الحرة تعتد به الأمة إلا أنهما يختلفان في مقدارها وفي أنه بالحيض دون الطهر في أصح القولين على ما ذكرنا.
стр. 5613
فرع آخر:
[ق ١٤٤ أ] قد ذكرنا فيما تقدم أنه إذا اشترى زوجته الأمة لم يجب عليه أن يستبرئها؛ لأنها كانت حلالًا له فانقلبت من الإباحة بالنكاح إلى الإباحة بملك اليمين. قال الشافعي: واستحب له أن يستبرئها؛ لأن الولد من الماء الذي كان في النكاح رقيق ولا تصير به أم ولدٍ له، والولد المخلوق من الماء الذي يحصل في ملكه حر وتصير الجارية أم ولدٍ له فالمستحب أن يستبرئها حتى يتميز أحد الماءين عن الآخر، وقيل فيه وجه آخر إنه يجب الاستبراء، وهذا غلط لا يحكى.
فرع آخر:
لو اشترى لأمة فظهر بها حمل فولدت فقال البائع: هو مني كنت وطئتها قبل البيع، نظر في المشتري، فإن صدقه كانت الجارية للبائع والولد حر والبيع باطل، وعليه أن يرد ثمنها على المشتري، وإن كذبه المشتري نظر، فإن كان البائع لم يقر بالوطء إلا بعد البيع فلا يصرف؛ لأنه متهم في حق المشتري فلا يقبل قوله فيه كما لو باعها، ثم قال: كنت أعتقتها أو غصبتها من فلانٍ فلا يصدق في حق المشتري، فعلى هذا تكون الجارية مملوكة للمشتري والولد مملوك له، وقال أبو حنيفة وحده، إن أتت به لدون ستة أشهر يصدق ويبطل البيع، وهذا غلط لما ذكرنا وهل يثبت نسبه من البائع؟ قولان. قال في "الأم و"الإملاء": يثبت أنه لا يمتنع أن يكون ابنًا للبائع مملوكًا للمشتري والثاني: قاله في "البويطي": لا يثبت لأن إقراره بالوطء تضمن ثلاثة أحكام:
أحدهما: أنها أم ولد.
والثاني: أن الولد حر.
الثالث: أنه ابنه فإذا لم يثبت إقراره حكمان كذلك الحكم الثالث.
وهذا لأنه لا يستضر به المشتري لو أعتقه ومات فإنه تقدم عليه في الميراث، وإن كان قد أقر به قبل عقد البيع نظر، فإن البائع قد استبرأها، ثم باعها لا يخلو من أحد أمرين:
إما أن تكون ولدت [ق ١٤٤ ب] لأقل من ستة أشهر فقد بينا أن الاستبراء لم يكن صحيحًا وأنها أم ولد له ويكون الحكم فيه على ما بيناه، وإن ولدت لستة أشهر فصاعدًا فلا يقبل إقراره فيه ويكون الولد منفيًا عن البائع وينظر، فإن لم يكن المشتري وطئها كانت الجارية والولد مملوكين، وإن كان وطئها المشتري وأتت به لستة أشهر من وقت وطئه وأقل من أربع سنين من وطء البائع فالولد يحتمل أن يكون من كل واحدٍ منهما فيرى القافة على ما بيناه.
واعلم أن أبا حامد ذكر في تعليقه ولو باع جارية قد أقرّ بوطئها ثم ولدت عند المشتري وأمكن أن يكون من كل واحد منهما، وذكر الحكم ووهم في (تخريجه)؛ لأن
стр. 5614
ظاهر مذهب الشافعي أنه منتف عنه بعد ستة أشهر من الاستبراء فهي إن ولدت لأقل من ستة أشهر من استبراء البائع فهو لأقل من ستة أشهر من استبراء البائع فهو لأقل من ستة أشهر من وطء المشتري لأن وطئه بعد وطئ البائع فيكون لاحقًا بالبائع دون المشتري، وإن ولدته لستة أشهر من وطء المشتري فهو لأكثر من ستة أشهر من استبراء البائع؛ لأن استبراءه قبل وطء المشتري فيكون لاحقًا بالمشتري دون البائع، ويصح هذا التخريج على قول ابن سريج لأنه سوى بينها وبين الحرة فيقول ولد الأمة يلحق إلى أربع سنين كالحرة.
فرع آخر:
لو اشترى أمة فظهر بها حمل فقال المشتري للبائع: هذا الحمل كان موجودًا في حال عقد البيع فلي أن أردها بالعيب، وقال البائع: هل حدث عندك بعد البيع؟ نظر فإن كان لأقل من ستة أشهر فهو كان موجودًا في حال البيع أن يردها بالعيب، لأن الحمل عيب في بنات آدم لجواز تلفها، وإن كان لستة أشهر [ق ١٤٥ أ] فصاعدًا فالقول قول البائع مع يمينه؛ لأنهما إذا اختلفا في العيب ومثله يحدث في يد المشتري فالقول قول البائع مع يمينه، إن أنكر البائع الحمل فأن يريها القوابل، فإن قلن إنها حامل حكمنا به لأن للحمل أمارات من انتفاخ الجوف وكبره وحركة الولد، ونزول اللبن وسواد الثديين وهن أعرف بذلك. نرجع إلى قولهن لأنهن لم يخبرن بذلك عن علم بل يخبرن عن غالب ظن بالدليل.
فرع آخر:
أقل الحمل ستة أشهر ومعناه أقل ما تضع المرأة حملًا يعيش ستة أشهر فأما السقط وما تصور وتحلق ولا يعيش يكون بعد ثمانين يومًا وفي مدّة ثلاثة أشهر. وهذا إجماع ودليله قوله تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: ١٥] فذكر المدتين معًا، وأراد به أكثر مدة الرضاع وأقل مدة الحمل لأنه لا يجوز أن يريد أطول المدتين لأنه يزيد على ثلاثين شهرًا ولا يجوز أن يريد أنقص المدتين لأنه لا يبلغ ثلاثين شهرًا، ولا يجوز أن يريد أكثر مدة الحمل وأٌقل مدة الرضاع لأنه يزيد أيضًا فلم يبق إلا ما قلنا.
وروى أبو الأسود الديلي أن عمر بن الخطاب ﵁ رفعت إليه امرأة ولدت لستة وأمر برجمها فأتى علي ﵁ في ذلك فقال: لا رجم عليها فبلغ عمر فأرسل إلى علي فسأله عن ذلك فقال: لا رجم عليها لأن الله تعالى يقول: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ [البقرة: ٢٣٣]، وقال تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: ١٥] ستة أشهر وحولين كاملين تمامه لا رجم عليها فخلى عنها عمر هكذا رواه الإمام أحمد البيهقي [ق ١٤٥ ب].
وروى أصحابنا أن امرأة أتت بولدٍ لستة أشهر فهم عثمان ﵁ برجمها، فقال ابن عباس: إن خاصمتكم بكتاب الله تعالى فقال عثمان: وما ذاك فقال: ما قال علي فرجع إلى قوله. واستحسن الناس استخراجه وصارت المسألة إجماعًا. وذكر العقيبي
стр. 5615
أن عبد الملك بن مروان: حملته أمه ستة أشهر، وأما أكثر مدة الحمل فعندنا أربع سنين وهو أصح الروايات عن مالك وأحمد.
وقال الثوري، وأبو حنيفة، والمزني، وعثمان: البتي أكثر سنتان، وروي ذلك عن أحمد وروت جميلة بنت سعد عن عائشة ﵂ أنها قالت: لا يكون الحمل أكثر من سنتين بقدر فلكة مغزل.
وقال الزهري، وربيعة، والليث: أكثره سبع سنين، وهو رواية أخرى عن مالك وروي عن مالك رواية ثالثة خمس سنين.
وقال أبو عبيد: لا حد لأكثره وهذا كله غلط؛ لأن الله تعالى ذكر الحمل مطلقًا ولا حد له في اللغة، ولا في الشرع فرجع فيه إلى العرف والعادة. وقد وجد هذا عادة في نادر من النساء.
قال الشافعي: بقي محمد بن عجلان في بطن أمه أربع سنين، وزاد الزبير بن بكار: حتى خرجت أضراسه. وقال الوليد بن مسلم: قلت لمالك بن أنس: إني حدثت عن عائشة أنها قالت: لا تزيد المرأة في حملها على سنتين قدر ظل المغزل، فقال: سبحان الله من يقول هذا لا هذه جارتنا امرأة محمد بن عجلان امرأة صدق وزوجها رجل صدق حملت ثلاثة أبطن في اثني عشر سنة تحمل كل بطن أربع سنين، وكانت تسمى حاملة الفيل [ق ١٤٦ أ].
وروي عن مالك بن دينار أنه أتى في الدعاء لامرأة حبلى منذ أربع سنين فدعا لها فولدت غلامًا جعدًا ابن أربع سنين قد استوت أسنانه، وروي عن علي بن يزيد القرشي: أن سعيد بن المسيب أراه رجلًا فقال: إن أبا هذا غاب عن أمه أربع سنين، ثم قدم فوضعت هذا وله ثنايا.
وقال القتيبي في المعارف: إن هرم بن حبان حملته أمه أربع سنين، وروي أن منظور بن ريان وضعته أمه لأربع سنين، وكذلك محمد بن عبد الله بن جبير، وكذلك إبراهيم بن نجيح العقيلي، وهذا إذا وجد في الأعيان ففي العامة أكثر فوجب الحكم به.
فإن قيل: روى أبو داود، عن الحسن بن علي الحلواني، عن سليمان بن عباد ابن العوام أنه قال: كان عندنا امرأة بواسط بقي الحمل في بطنها خمس سنين فولدت ولدًا وكان شعره إلى منكبيه فمرّ به طير فقال: بئس، فقالوا: وهذا زايد فكان أولى.
وروي عن الزهري أنه قال: رجل حمل سبع سنين، قلنا: الأخذ بالزائد أولى إذا ثبت وعندنا لم يثبت هذا ولا يتميز إليه، ثم مثل هذا الحكم لا يثبت بوجوده مرة بل يعتبر التكرار في جماعة من النساء، ولم يثبت ذلك، والله أعلم.
стр. 5616
كتاب الرضاع
مسألة:
قَالَ: قَالَ اللهُ تَعَالَى فِيمَنْ حَرَّمَ مَعَ القَرَابَةِ ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ الَّلاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُم مِّنَ الرَّضَاعَةِ﴾ [النساء: ٢٣] وقال رسول الله ﷺ : "يحرم من الرضاعة ما يحرم من الولادة".
الأصل في تحريم الرضاع الكتاب والسنة والإجماع.
أما الكتاب فما ذكر من الآية [ق ١٤٦ ب] قال الشافعي ونصه عليهما يعني على الأم والأخت للتنبيه على غيرهما لأنه حرم الأخوات والبنات أقر من الأخوات فكن بالتحريم أولى ويدل على التنبيه الخبر الذي ذكر، وقال أصحابنا: كأنه نبه بذكر البنات على سائر النسب وبذكر الإخوات على جميع المحارم ممن يلي جانب النسب لأنه ليس في جميع المحارم إلا معنى الولادة ومعنى الأخوة فالأم والجدات والبنات وبنات الابن يحرمن بحكم الولادة والأخوات والعمات والخالات بمعنى الأخوة إذ عمة الرجل أخت أبيه وخالته أخت أمه.
وأما السنة ما ذكرنا من الخبر روته عائشة ﵂ وروى علي ﵁ أن النبي ﷺ قال: "يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب".
وروى أبو الطفيل أن رسول الله ﷺ كان يقسم لحمًا بالجعرانة فأقبلت امرأة وزنت إليه فبسط لها رادءه فجلست عليه فقلت من هذه؟ قالوا: أمه أرضعته.
وأما الإجماع فلا خلاف بين المسلمين فيه. فإذا تقرر هذا فحكم الرضاع حكم النسب في شيئين:
أحدهما: في تحريم النكاح.
والثاني: في حرمة المحرمية فتعتبر محرمًا له حتى يجوز له أن يحلو بها وينظر منها إلى ما ينظر إليه ذوو المحارم.
وأما سائر أحكام النسب من الميراث والنفقة والعتق بالملك ورد الشهادة وسقوط القصاص لا يتعلق بالرضاع.
مسألة:
قَالَ: فَبَيَّنَتِ السُّنَّةُ أَنَّ لَبَنَ الفَحْلِ يُحَرّمُ كَمَا تُحَرَّمُ وِلَادَةُ الأّبِ".
стр. 5617
أراد به أن المرأة إذا أرضعت صبية أو صبيًا ثبتت الحرمة بينهما وبين المرضعة وبين زوجها الذي منه اللبن فتكون المرضعة [ق ١٤٨ أ] أما زوجها أباكما إذا ولدته من مائه حرم عليهما، وكانا أبوين، وقوله نفس السنة قد قيل: أراد به الحديث الذي تقدم ووجه الدليل أنه شبه بالنسب والنسب إلى الآباء فدل أنه تثبت الحرمة به من جهة الأب، وقد قيل: لم يرد به هذا الحديث بل أراد ما روي عن عائشة ﵂ قالت: استأذن عليَّ أفلح أبو أبي القعيس فاستترت منه فقال: أتستترين مني وأنا عمك قلت: وكيف ذلك؟ قال: راضعت امرأة أخي بلبن أخي فقلت: إنما أرضعتني المرأة دون الرجل فقلت ذلك لرسول الله ﷺ فقال: "إنه عمك تربت يمينك فليلج عليك".
وروى بعض الرواة أفلح من أبي القعيس وهو خطأ، قال الشافعي: وسئل ابن عباس ﵄ عن رجل كانت له امرأتان فأرضعت إحداهما غلامًا والأخرى جارية فهل يزوج الغلام بالجارية، فقال: لا اللقاح واحد أن الفحل واحد ومعناه أن لبن المرأتين لرجل واحد فيكونان أخوين من أب كما إذا ولدت إحداهما غلامًا والأخرى جارية كان أخوين من أب وعلى هذا لو كانا أخوان لكل واحد منهما امرأة فولدت إحداهما غلامًا والأخرى جارية يجوز تزويج الجارية من الغلام، فإن أرضعت إحدى المرأتين ولد المرأة الأخرى حرم التزويج لأنهما صارا أخوين من الرضاعة وبه قال الحسن، وعطاء، وطاوس، والقاسم بن محمد، وروي ذلك عن علي وابن مسعود ﵄، وجماعة الفقهاء مالك وأبي حنيفة، وإسحاق. وقال إسماعيل ابن عُلية، وداود، والأصم: لا تثبت حرمة الرضاع بين المرضع وبين زوجة المرضعة الذي اللبن منه وإنما تنتشر الحرمة إلى أقارب المرضعة لا غير.
وروي هذا عن ابن عمر، وابن الزبير وهو اختيار عبد الرحمن [ق ١٤٧ ب] ابن بنت الشافعي، وروي عن عائشة ﵂ أنها كانت تأذن أن يدخل عليها من أرضعته بنات بنت أبي بكر، ولا تأذن أن يدخل عليها من أرضعته نساء ابن أبي بكر وهذا موافق لما روي عن ابن عمر.
واحتجوا بأن اللبن للمرأة لا يشاركها الزوج فيه، وقد ينزل للبكر لبن وتثبت الحرمة وهذا غلط لأن المولود لهما لأجل أنه خلق من ماءها فكذلك اللبن الذي خلق غذاء للمولود لهما فلبنها لبن المرضعة ولبنه لبن الفحل لاشتراكهما فيه لا أن يحلب من الفحل لبن ولأن الولد في الملك يتبع المرأة والتحريم يتعلق بهما فكذلك اللبن يحصل عن المرأة وتحريمه يتعدى إليهما، وقيل ما روي عن عائشة: لا يصح لأن محمد بن إسماعيل البخاري ذكر في كتاب الصحيح خبر أفلح، ثم روى عن عروة أنه قال وبهذا قالت عائشة حرموا من الرضاعة ما يحرمون من النسب فدل أن يذهب عائشة مثل قولنا، وروي عن عمرة بنت عبد الرحمن أن عائشة ﵂ أخبرتها أن النبي ﷺ كان عندها وأنها سمعت صوت رجل يستأذن في بيت حفصة ﵂ قالت عائشة قلت: يا رسول الله هذا رجل يستأذن من بيتك، فقال رسول الله ﷺ : "أراه فلانًا" لعم حفصة من الرضاعة
стр. 5618
فقلت: يا رسول الله لو كان فلانًا حيًا لعمها من الرضاعة يدخل عليَّ فقال رسول الله ﷺ : "نعم إن الرضاعة تحرم ما تحرم الولادة".
قال الإمام البيهقي: يشبه أن يكون هذا قبل قصة أفلح أخي أبي القعيس وفي عم آخر لعائشة وإنما لم يكتف به لما في قلبها من مراجعتها إياه أن المرأة هي التي أرضعته دون الرجل حتى ازدادت بيانًا والله أعلم.
وروى ابن عباس ﵁ أن النبي ﷺ [ق ١٤٨ أ] أريد على ابنة حمزة فقال: "إنها لا تحل لي إنها ابنة أخي من الرضاعة" وأن الله حرم من الرضاعة ما حرم من النسب".
وروي مثل ذلك عن أم سلمة ﵂، فإذا تقرر هذا فحرمة الرضاعة تثبت في ثلاثة أعيان من المرضعة وزوجها الذي له اللبن والمرضع، ثم تنتشر الحرمة من كل واحد منهم.
فأما المرضعة فتنتشر الحرمة منها إلى آبائها وأمهاتها وأولادها وإخوتها وأخواتها، وأما الزوج فتنتشر الحرمة إلى آبائه وأمهاته وأولاده وإخوته وأخواته، وأما المرتضع فتنتشر الحرمة إلى أولاده فقط دون إخوته وأخواته وآبائه وأمهاته وإنما كان كذلك لأن تحريم الرضاع تابع لتحريم النسب فتكون المرضعة أمًا للمرضع وزوجها آبائه وأباؤهما أبًا للمرضع وإخوة الأم أخواله وإخوانها خالاته وإخوة الأب أعمامه وأخواه عماته.
وأما المرضع فإن أولاده أولادهما فيحرمون عليها، وأما آباءه وأمهاته وإخواته فليس بينهما وبينهم ما يوجب التحريم، لأن الرجل يحرم عليه أخت ابنة إلا من جهة أنه دخل بأمه فحسب، وهذا ليس بتحريم النسب وكل موضع قلنا: إ، هـ محرم بالأبوة أو البنوة فامرأته محرمة.
مسألة:
قَالَ: "وَكُلَّمَا حَرُمَ بِالوِلَادَةِ وَبِسَبَبِهَا حَرُمَ بِالرَّضَاعِ".
أراد بالسبب الصهارة لأن النكاح سبب الولادة أو الوطء وكلاهما يوجبان حرمة المصاهرة فامرأة ابنه أو أبيه من الرضاع حرام عليه كما في النسب وكذلك أم امرأته أو ابنتها من الرضاعة حرام عليه، وإن لم تكن أرضعت تلك الابنة بلبنه بعدما كان دخل بالمرضعة كما في النسب سواء.
مسألة:
قَالَ: "وَالرَّضَاعُ اسْمٌ جَامِعٌ يَقَعُ عَلَى المَصَّةِ وَأَكْثَرَ إِلَى كَامِلَ الحَوْلَيْنِ وَعَلَى كُلُّ رِضَاعٍ بَعْدَ الحَوْلَيْنِ".
стр. 5619
الفصل:
الرضاع الذي ينشر الحرمة [ق ١٤٨ ب] خمس رضعات في الحولين، وبه قالت عائشة، وعبد الله بن مسعود، وعبد الله بن الزبير، وعطاء، وطاوس، وسعيد بن جبير وإسحاق، وأحمد في رواية ﵃.
وقال أبو حنيفة: لا يعتبر العدد فيه بل الرضعة الواحدة تنشر الحرمة، وبه قال علي بن أبي طالب، وابن عمر، وابن عباس، ومالك، والأوزاعي، والثوري، والليث، وسعد ﵃.
وروي هذا عن أحمد أيضًا. قال الإمام أبو سليمان الخطابي: هذا قول أكثر الفقهاء، وقال جدي الإمام: هو وجه لأصحابنا، وقال ابن أبي ليلى، وأبو ثور وأبو عبيد، وابن المنذر، وداود: الرضاع الذي ينشر الحرمة ثلاث رضعات وهو اختيار بعض مشايخنا.
وروى هذا عن زيد بن ثابت، وقال بعض العلماء: عشر رضعات، واحتج الشافعي عليهم، فقال: والرضاع اسم جامع يقع على المصة وأكثر إلى كمال الحولين، وعلى كل رضاع بعد الحولين فوجب طلب الدلالة في ذلك فقالت عائشة ﵂ كان فيما أنزل الله تعالى من القرآن عشر رضعات يحرمن ثم نخسن لخمس معلومات يحرمن فتوفي رسول الله ﷺ وهو مما يقرأ من القرآن. فكان لا يدخل عليها إلا من استكمل خمس رضعات وقولها فتوفي رسول الله ﷺ وهن مما يقرأ من القرآن تريد به قرب عهد النسخ من وفاة رسول الله ﷺ حتى صار بعض ما لم يبلغه النسخ يقرأ على الرسم الأول، وفيه دليل على جواز نسخ رسم التلاوة وبقاء الحكم كما نسخت التلاوة في الرحم وبقي حكمه ثم قال الشافعي وهذا كما جاء القرآن يقطع السارق فدل رسول الله ﷺ أنه أراد بعض السارقين دون بعض [ق ١٤٩ أ] وكذلك قال الله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢] فدلت سنة رسول الله ﷺ أن المراد بمائة جلدة بعض الزناة دون بعض لا كل من لزمه اسم السرقة والزنى وكذلك بأن المراد بتحريم الرضاع بعض المرضعين دون بعض.
واحتج أيضًا بما روى ابن الزبير ﵁ أن النبي ﷺ قال: "لا تحرم المصة ولا المصتان ولا الرضعة ولا الرضعتان"، وأراد بالمصة: الجرعةِ يتجرعها وبالرضعة رضعة ثانية تامة في العادة.
قال المزني: قلت للشافعي: أسمع ابن الزبير من النبي ﷺ ؟ قال: نعم وحفظ عنه،
стр. 5620
وكان يوم سمع من رسول الله ﷺ ابن تسع سنين ولم يقل يوم سمع وإنما كان كذلك لأنه ﷺ ، لما قدم المدينة قالت اليهود قد سحرنا محمدًا وأصحابه فلا يولد لأحد منهم فيقال: نسلمهم فمكثوا حولًا لا يولد لمسلم ابن فاغتنم به المسلمون فولد عبد الله بن الزبير على تمام الحول فهو أول ولد ذكر ولد في الإسلام بعد الهجرة فحنكه رسول الله ﷺ لما أتى به وكبر وكبر المسلمون، وقالت أمه يوم قتله الحجاج وكبر أصحابه عليه: المكبرون عليه يوم ولد خير من المكبرين عليه يوم قتل، تعني النبي ﷺ وأصحابه ففرحوا بمولده وأصحاب الحجاج فرحوا بقتله.
واحتج أيضًا بما روى عروة أن النبي ﷺ أمر امرأة أبي حذيفة أن ترضع سالمًا خمس رضعات فيحرم بهن، وروت عائشة ﵂ قالت: جاءت سهلة بنت سهل بن عمرو إلى رسول الله ﷺ إني أرى من وجه أبي حذيفة من دخول سالم علي قال: أرضعيه قالت: وهو رجل كبير فضحك [ق ١٤٩ ب] وقال: "ألست أعلم أنه رجل كبير أرضعيه" فأرضعته خمس رضعات فكان بمنزلة ولدها من الرضاعة.
وروى عبد الله بن الحارث عن أم الفضل أن رجلًا جاء إلى النبي ﷺ فقال: إني تزوجت امرأة ولي امرأة أخرى فزعمت امرأتي الحدثى أنها أرضعت امرأتي الأولى، فقال رسول الله ﷺ : "لا يحرم الإملاجة ولا الإملاجتان" أورده الحاكم أبو عبد الله الحافظ.
واحتجوا بما روى علي ﵁ أن النبي ﷺ قال: "تحرم الرضعة بما يحرم الحولان" قلنا: لم يصح هذا مسندًا، وإنما هو موقوف على علي ﵁ وليس فيه حجة لأن الحولين لا يحرمان.
فإذا تقرر هذا فاعلم أن حكم الرضاع إنما يثبت إذا كان المرضع صغيرًا وهو أن يكون له حولان فما دونه، فأما بعد الحولين لا يثبت حكمه من التحريم، وبه قال عمر، وابن مسعود، وابن عباس، والشعبي، وابن شبرمة، والأوزاعي، ومالك في إحدى الروايات، وأحمد، وإسحاق، وأبو يوسف، ومحمد، وروى عن مالك أنه إن زاد على حولين شهرًا جاز، وروى شهرين، وروى عنه وهو المشهور ثبت حكمه إذا كان محتاجًا إليه غير مستغن بالطعام عنه وهذا غلط لأنه يختلف باختلاف الصبيان فلا يجوز أن يجعل هذا حدًا، وقالت عائشة ﵂: رضاع الكبير يحرم أبدًا، وبه قال داود أهل الظاهر، واحتجوا بخبر سهلة بنت سهل.
وروي أنها قالت: إنا كنا نرى سالمًا ولدًا وكان يأوي معي ومع أبي حذيفة في بيت واحد ويراني فضلًا، وقد أنزل الله تعالى الحجاب فكيف ترى فيه؟ فقال: "أرضعيه" الخبر وقولها: ويراني فضلًا أي يراني مبتذلة في ثياب مهنتي. وكانت عائشة تأمر بنات أخواتها وبنات إخوتها أن يرضعن [ق ١٥٠ أ] من أبت عائشة أن يراها ويدخل عليها، وإن كان كبيرًا خمس رضعات ثم يدخل عليها وهذا غلط لما روي عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ دخل عليها وعندها رجل فشق عليه وتغير وجهه فقالت: يا رسول
стр. 5621
الله إنه أخي من الرضاعة فقال: "انظرن من إخوانكن فإن الرضاعة من المجاعة" ومعناه: الرضاعة التي تقع بها الحرمة ما كانت في الصغر والرضيع طفل يقويه اللبن ويسد جوعه.
وروى ابن عباس ﵁ أن النبي ﷺ قال: "لا يحرم من الرضاع إلا ما كان في الحولين".
وروى علي ﵁ موقوفًا عليه ومرفوعًا إلى رسول الله ﷺ : "لا رضاع بعد فصال". وقال تعالى: ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾ [لقمان: ١٤].
وأما خبر سهلة بنت سهيل قلنا: روينا عن أم سلمة وسائر أزواج النبي ﷺ أنهن قلن لعائشة: والله ما يرى هذا إلا رخصة لسالم دون الناس ولا يدخل عليها أحد بهذه الرضاعة.
ثم روينا عن عمر أنه قال: لا رضاع إلا في الحولين في الصغر، وروي عن ابن عمر ﵄ قال: "عمدت امرأة من الأنصار إلى جارية لزوجها فأرضعته فلما جاء زوجها قالت: إن جاريتك هذه قد صارت ابنتك فانطلق الرجل إلى عمر ﵁ فذكر ذلك له فقال له عمر: عزمت عليك لما رجعت فأصبت جاريتك وأوجعت ظهر امرأتك، وروي أنه قال: ارجع إلى امرأتك فأوجعها ضربًا وجاريتك فأوسعها جماعًا، والذي يوضح ما ذكرنا أنها لا تستحق أجرة الرضاع إلا في الحولين، فدل أنه لا يثبت حكم التحريم في الزيادة.
وقد روى ابن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ قال: "لا رضاع إلا ما أنشر العظم وأنبت اللحم" [ق ١٥٠ ب] ومعنى أنشر العظم بالراشد العظم والانتشار بمعنى الإحياء.
وروي أنشز العظم بالزاي المعجمة ومعناه: زاد في حجمه فنشز، وروى يحيى بن سعيد أن رجلًا قال لأبي موسى الأشعري: إنى مصصت من ثدي امرأتي لبنًا فذهب في بطني فقال: لا أراه إلا قد حرمت عليك. فقال ابن مسعود: انظر ما يفتي به الرجل فقال أبو موسى: ما تقول أنت؟ قال عبد الله: "لا رضاع إلا ما كان في الحولين فقال أبو موسى: لا تسألوني عن شيء ما دام هذا الحبر بين أظهركم.
واحتج الشافعي بقوله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ [البقرة:٢٣٣] لمن أراد أن يتم الرضاعة فجعل الحولين حدًا أو غاية وما جعل غاية فالحكم بعد مضي الغاية خلاف الحكم قبل الغاية لقوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨] فإذا مضت الأقراء فحكمها بعد مضيها خلاف حكمها فيها.
وقال أبو حنيفة: مدة الرضاع حولان ونصف، وقال زفر: ثلاثة أحوال واحتج أبو
стр. 5622
حنيفة بقوله تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: ١٥] ولم يرد بذلك حمل الأحشاء لأنه يكون سنتين، فدل على أنه أراد به الحمل على الأكف وفصاله ثلاثون شهرًا، وهي مدة الرضاع، قلنا: المراد به أن ستة أشهر منها أقل مدة الحمل وأربعة وعشرون شهرًا مدة الرضاع وهذا تفسير علي ﵁، وجماعة الصحابة، ثم قال المزني: وفي ذلك دلالة عندي على نفي الولد لأكثر من سنتين بتأقيت حمله وفصاله ثلاثين شهرًا كما نفي توقيت الرضاع لأكثر من حولين، وإنما ذكر هذا لأن مذهب المزني كمذهب أبي حنيفة أكثر مدة الحمل حولان، وظاهر احتجاجه ههنا من الآية أنه لما جعل مدة الحمل والفصال ثلاثون شهرًا، ثم مدة الرضاع حولان عند الشافعي فكذا مدة الحمل. [ق ١٥١ أ] قلنا: هذا لا يصح وكيف يدل التأقيت بثلاثين شهرًا بشيئين على أن أكثر مدة كل واحد منهما حولان بل كان من حقه أن يجعل مدة كل واحد منهما حولان بل كان من حقه أن يجعل مدة كل واحد منهما حولان بل كان من حقه أن يجعل مدة كل واحد منهما ثلاثين شهرًا إن لم يكن بد ثم يقول له: هذا بيان مدة أكثر الرضاع وأقل مدة الحمل على ما ذكرنا، وقيل: احتجاج المزني به من وجه آخر وهو أن الآية تدل على أن مدة الحمل ستة أشهر فروينا بالإجماع فيه إلى حولين فلا يزيد أكثر من ذلك فإنه لا إجماع فيه، وهذا يسمى استصحاب الحال وقد يسمى القول بأقل ما قيل، وقد يسمى تخصيص القياس، وقد يسمى تخصيص دليل الإجماع.
فرع:
لو خرج نصف الولد ثم بعد مدة خرج الباقي فابتدأ الحولين في الرضاع عند ابتداء خروجه.
مسألة:
قَالَ: "وَلَا يُحَرِّمُ مِنَ الرِّضَاعِ إِلَّا خَمْسُ رَضَعَاتٍ مُتَفَرِّقَاتٍ كُلَّهُنَّ فِي الحَوْلَيْنِ".
الفصل:
قد ذكرنا أن من شرط ثبوت تحريم الرضاع العدة ثم من شرطه أن تكون متفرقة فيرضع ثم يقطع، ثم يعود، ثم يقطع وعلى هذا إلى أن يتم.
وقال أصحابنا: المرجع في كيفية الرضعات إلى العرف والعادة فإنه ليس في الكتاب ولا في السنة ما يدل عليه فكان المرجع فيه إلى العرف والعادة في أكل البالغ، فإن رضاع الصغير بمنزلة أكل الكبير كما يعد في العرف أكلة واحدة، فهو رضعة واحدة وما يعد في العرف أكلتين فهو رضعتان، فإذا حلف لا يأكل في اليوم إلا أكلة واحدة، فقعد يأكل بالازدراد والتنفس والاستراحة، ثم يعود إليه فهي أكلة واحدة، ولو بقي طول يومه ولا
стр. 5623
يحنث في يمينه ولو قطعه لغير ذلك واشتغل بغيره حتى قطعه قطعًا بينًا، ثم عاد إليه كانت أكلتين وحنث في يمينه، وإن كان أكل [ق ١٥١ ب] قليلًا فكذلك الصبي إذا ارتضع ثم قطعه ليتنفس أو ازدراد أو استراحة أو لعب، ثم عاد إليه كأن كله رضعة واحدة، وإن قطعه قطعًا بينًا، واستغل عنه، ثم عاد إليه كانت رضعتين، وإن التقم الثدي، فأنفذ ما فيها، ثم انتقل إلى الثدي الآخر كانت رضعة كما إذا انتقل الأكل من غضارة إلى غضارة تكون أكلة واحدة.
فإذا تقرر هذا فكل ما جعلناه قطعًا لا فرق بين أن يقطع الصبي أو تقطع المرضعة فإن قيل: أليس قلتم لو حلف لا يأكل في اليوم إلا أكلة واحدة، فأكرهه إنسان شيئًا قطعه، ثم عاد فهل يحنث؟ قولان فقولوا: ههنا مثله؛ لأنه قطع الأم إكراه للصبي على قطعه.
قلنا: الفرق بينهما أن الرضاع يتعلق بالمرضعة والمرضع فاعتبر قطع كل واحد منهما وليس كذلك للأكل فإنه لا يتعلق بالمكره بوجهٍ من الوجوه فلم يعتبر اختياره للقطع وإنما اعتبار اختيار الأكل للقطع.
ومن أصحابنا من قال: لا اعتبار بقطعها وإنما الاعتبار بقطع الولد، ألا ترى أن المرأة لو كانت قائمة فارتضع الصبي من ثديها، وهي لا تحس به وقع التحريم، فدل أن المغلب فعل الرضع والأول أصح.
فرع:
لو ارتضع من امرأتين من كل واحدة منهما أربع رضعات، ثم مصّ ثدي إحداهما مصة واحدة، ثم انتقل إلى ثدي المرأة الأخرى فمصّ منها وقطع فيه وجهان؛ لأنه قد حرم على كل واحدة منهما وكملت له واحدة منهما خمس رضعات وهو الصحيح؛ لأنه ترك الارتضاع منها باختياره ولم يعد إليها فأشبه إذا تركه بغير رضاع؛ ولأن ارتضاعه من إحدى المرأتين لا يبني على ارتضاعه من الأخرى فانتقاله من ثدي امرأة إلى ثدي امرأة أخرى قطع له. والثاني لا تحرك على واحدة منهما؛ لأن انتقاله من ثدي إلى ثدي ليس [ق ١٥٢ أ] بقطع كما إذا انتقل من إحدى الثديين إلى الأخرى وهكذا لو شرب منها دفعةً واحدة وأوجر الصبي دفعة واحدة ففيه هذان الوجهان.
فرع آخر:
لو ارتضع أربع رضعات في الحولين، ثم التقم الثدي منها حتى وصل اللبن إلى الجوف وانقضى الحولان وهو عضها ثم قطعها، فقد جعل نصف الرضعة في الحولين فهل يحرم وجهان والصحيح التحريم.
وقال بعض أصحابنا: إذا حال الحول الثاني قبل انتهاء الرضعة الخامسة لا تثبت؛ لأن الرضاع ما كمل في مدة الحولين، وحكاه عن الأم ذكره المحاملي في المجموع وفيه نظر.
стр. 5624
فرع آخر:
لو حكم الحاكم بالتحريم برضعة لا ينقض حق، وقال الاصطخري: ينقض حكمه لأنه خلاف النص الذي ذكرنا.
فرع آخر:
لو تقيًا جميع ما شرب قال جدي الإمام: فيه وجهان. وقيل فيه وجه واحد أنه يثبت التحريم وهو الأصح لأنه يبقى شيء، وإن قل ولأن الاعتبار لوصوله إلى جوفه، وقد وصل، وقيل: إن تقيأ في الحال من غير تغير في اللبن لا يحرم وإلا حرم وهو ضعيف.
فرع آخر:
لو شكت في الرضعة الخامسة هل أوقعتها في الحولين لم يجرؤ، وفيه وجه آخر يحرم بناء على الصغر، ذكره الضميري.
مسألة:
قَالَ:"وَالوُجُوهُ كَالرَّضَاعِ وَكَذَلِكَ السُّعُوطُ".
الوجود أن يصب في حلق الصغير لبن يفصل على جوفه والسعوط أن يفطر في الفقه حتى يحصل إلى دماغه وأيهما كان فهو كالرضاع سواء، لأن خوف الرأس يغذي بما يصل إليه فأشبه جوف البدن وكذلك لو طرح في الأذن لبنًا حتى يوصل إلى جوف الرأس حرم، وقيل في السعوط قولان وليس بشيء. وقال داود وعطاء، وأحمد في رواية: لا يتعلق التحريم إلا بالارتضاع من الثدي لأن الله تعالى قال: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ الَّلاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] [ق ١٥٢ ب] ولم يوجد ههنا، وهذا غلط لأن النبي ﷺ قال: "الرضاع ما أنبت اللحم وأنشز العظم" وهذا يوجد ههنا، وكذلك اللدود يوقع الجرب وهو أن يصب في أحد شفي الفم. فإذا تقرر هذا لو ارتضع الصبي مرة وأوجر مرتين وسعط مرتين ثبت التحريم.
مسألة:
قَالَ: "وَلَوْ حُقِنَ بِهِ كَانَ فِيْهَا قَوْلَانِ".
إذا حقن الصبي باللبن هل تثبت الحرمة فيه قولان منصوصان:
أحدهما: قاله في القديم يثبت الحرمة، وبه قال محمد بن الحسن والمزني ووجهه
стр. 5625
أنه يفطر الصائم فأشبه السعوط.
والثاني: وقاله في الجديد لا يثبت الحرمة وهو الأصح، وبه قال أبو حنيفة ووجهه أنه لا يفع عليها اسم الرضاع ولا يوجد فيها معنى الرضاع لأنه لا يغذي وإنما يراد لاستجرار الداء وحل ما انعقد في الجوف فلم يثبت به الحرمة.
وأما الإفطار بوصول الواصل إلى الجوف، وقد حصل ذلك ولهذا يثبت بالرضعة الواحدة بخلاف هذا فافترقا.
فرع:
لو كانت به جراحة نافذة إلى محل النظر فداواه بلبن أمه لا تثبت الحرمة وقيل: فيه قولان كالحقنة.
مسألة:
قَالَ: "وَأَدْخَلَ الشَّافِعِيُّ عَلَى مَنْ قَالَ إِنْ كَانَ مَا خُلِطَ بِاللَّبَنِ أَغْلَبَ لَمْ يَحْرُمْ، وَإِنْ كَانَ اللَّبَنُ أَغْلَبُ حَرُمَ".
الفصل:
كل لبن ينتشر الحرمة إذا وصل إلى جوف الصبي بعذره وقعت الحرمة سواء كان مشوبًا بغيره أو كان خالصًا وسواء كان مشوبة بالحرام مثل الخمر أو بالحلال وسواء كان بالدواء أو بغيره، وبه قال أحمد، وقال أبو حنيفة: إن خلط بجامد لا تقع الحرمة سواء كان اللبن غالبًا أو مغلوبًا وإن خلط بمائع فإن كان اللبن غالبًا تقع الحرمة، وإن كان مغلوبًا لا يقع [ق ١٥٣ أ]، وقال أبو يوسف، ومحمد: لا فرق بين الجامد والمائع فيعتبر الغالب فيهما.
وقال مالك، والمزني وقيل هذا أحد القولين لنا وليس بشيء، واحتج الشافعي عليهم بأنه لو وقع الحرام في الطعام يحرم ذلك الطعام، وإن كان مستهلكًا فكذلك يحرم ههنا، وإن كان مستهلكًا ولأنه وصل اللبن المحرم إلى جوفه يعدده في وقته فوجب أن يحرم كما لو كان اللبن غالبًا.
فإذا تقرر هذا فلو دفعت نقطة لبن في شربة ماء فشرب الماء كله لخمس دفعات ثبتت الحرمة ولذلك لو وقعت القطرة في حب من ماء فشرب كله، وإن شرب البعض قال صاحب الإفصاح: احتمل وجهين:
أحدهما: لا يحرم حتى يبقى أقل من قدر اللبن لأنا لسنا على يقين من شرابه وهو اختيار ابن سريج.
стр. 5626
والثاني: يحرم، لأن الغالب أنه فيه جزءًا منه، وهو اختيار القاضي الطبري والصيمري لأن الكل إذا شرب حرم بلا خلاف بين أصحابنا ونحن لا نتيقن وصول اللبن في كل شربة وإنما يرجع فيه إلى الظاهر، فإذا حكمنا بوصول اللبن في كل شربة لأن الظاهر أنه جزء منه حصل فيها فكذلك البعض ولا فرق بينهما.
وقال صاحب الحاوي: الصحيح أنه لا يحرم، لأن التحريم لا يثبت بالشك، وإنما يحرم إذا علم اختلاط اللبن تجميعه كأوقية من لبن مزجت بأوقيتين من ماء، ثم شرب بعضها خمس مرات، وهذا أصح عندي.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: لو وقع قليل اللبن في قلتين من الماء فشرب الكل هل يثبت الحرمة وجهان:
أحدهما: ثبتت لأنا تيقنا أن اللبن فيه.
والثاني: لا تثبت لأنه صار مستهلكًا فيه كما تستهلك النجاسة وهذا ليس بشيء.
مسألة:
قَالَ: "وَلَوْ جَبُنَ اللَّبَنُ فَأَطْعَمَهُ كَانَ كَالرَّضَاع".
إذا طبخ اللبن أو غلاه [ق ١٥٣ ب] أو اتخذ منه الجبن أو المصل، ثم أطعمه، فتقع به الحرمة وبه قال أحمد، وقال أبو حنيفة: لا تقع الحرمة إلا باللبن الخالص وربما يسلمون اللبن المغلي الخالص، وإنما قلنا ذلك لأنه وصل عين المص إلى جوفه فلا فرق بين أن يكون مائعًا أو جامدًا.
مسألة:
قَالَ: "وَلَا يُحْرَمُ لَبَنُ البَهِيمَةُ إِنَّمَا يُحْرَمُ لَبَنُ الآدَمِيَّاتِ".
إذا ارتضع صبي وصبية من شاة أو بقرة خمس مرات لا يثبت بينهما حرمة الرضاع ولا يصيران أخوين ويحل للصبي أن يتوزج بالصبية، وقال عطاء: يصيران أخوين ولا يحل النكاح بينهما.
ويحكى هذا عن مالك ولا يصح عنه، وهذا غلط لأن حرمة الأخوة فرع لحرمة الأمومة فكيف تثبت حرمة غيرها.
مسألة:
قَالَ: "وَلَوْ حُلِبَ مِنْهَا رَضْعَةٌ خَامِسَةٌ، ثُمَّ مَاتَتْ فَأَوْجَرَهُ صَبِيٌّ كَانَ ابْنَهَا".
الصبي إذا ارتضع من امرأة أربع رضعات، ثم حلبت لبنًا في إناءٍ وماتت ثم شربه
стр. 5627
الصبي بعد موتها ثبتت الحرمة وهكذا لو حلب خمس دفعات في خمس أوانٍ وماتت ثم تناوله الصبي بعد موتها من خمس مرات ثبتت الحرمة أيضًا لأنه لبن انفصل منها وهو حلال في حال حياتها واتصل بجوف الصبي في حال حياته فلا يؤثر موتها فيه.
مسألة:
قَالَ: "وَلَوْ رَضَعَ مِنْهَا بَعْدَ مَوْتِهَا لَمْ يَحْرُمْ".
إذا ماتت المرأة سقطت حرمة لبنها، فإن ارتضع صبي منه لم يحرم وعلل الشافعي فقال: "لَأَنَّهُ لَا يَحِلُّ لَبَنُ المَيِّتَةِ".
وتحريره أنه لبن حرام قبل انفصاله فلم تثبت به الحرمة كاللبن الذي ينفصل من الرجل لما كان محرمًا قبل انفصاله لم تثبت الحرمة ولأن حرمته صعقت بموت الأصل وذهاب حرمتها ألا ترى أن حرمة أعضائها سقطت حتى لا يجب الضمان [ق ١٥٤ أ] بقطع أعضائها وأيضًا لو اتصل اللبن بجوف الصبي بعد موته لم يتعلق به الحرمة فكذلك إذا انفصل منها بعد موتها ثم اتصل بالصبي لم يتعلق به الحرمة.
وقال أبو حنيفة، ومال، والأوزاعي، وأحمد: لبن الميتة يثبت الحرمة لأن اللبن لا يحله الموت.
وحكي عن الكرابيسي من أصحابنا أنه قال: تثبت الحرمة بلبن الرجل كما تثبت بلبن المرأة وهذا خطأ؛ لأن لبنه لم يجعل غذاء المولود فلا يثبت التحريم كلبن البهيمة وقد قال الشافعي في "البويطي": ولا أرى ينزل من الرجل لبن، فإن نزل وارتض عبه صبية كرهت له أن يتزوج بها، فإن تزوج بها لم أفسخ النكاح.
مسألة:
قَالَ: "وَلَوْ حُلِبَ مِنْ امْرَأَةٍ لَبَنٌ كَثِيرٌ، فَفُرِّقَ ثُمَّ أَوجِرَ مِنْهُ صَبِيٌّ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٌ لَمْ يَكُنْ إِلَّا رَضْعَةٌ وَاحِدَةٌ وَاحِدَةٌ وَلَيْسَ كَاللَّبَنِ يَحْدُثُ فِي الثَّدْيِ كُلَّمَا خَرَجَ مِنْهُ شِيْءٌ حَدَثَ غَيْرُهُ".
في هذا الفصل أربع مسائل:
إحداها: أن المرأة حلبت اللبن خمس دفعات متفرقات في خمس أواني وسقي الصبي خمس دفعات ثبتت الحرمة؛ لأن الوجود كالرضاع في التحريم.
والثانية: أن يحلب المرأة لبنًا كبيرًا دفعة واحدة، ثم فرقت في خمس أواني ثم أوجر الصبي في خمس دفعات نقل الربيع والمزني أنها رضعة واحدة، ثم قال الربيع: وفيه قول آخر إنها خمس رضعات، قال أبو إسحاق: لا يعرف هذا للشافعي غير أن الربيع ثقة لا ينقل إلا ما سمعه منه فالمسألة على قولين:
стр. 5628
أحدهما: أنها خمس رضعات اعتبارًا بعدد وصوله إلى جوفه.
والثاني: أنها رضعة واحدة اعتبارًا بانفصاله عنها دفعة واحدة، ومن أصحابنا من قال قول واحد إنها رضعة واحدة، ونص عليه في "الأم" وهو ظاهر المذهب وما قال الربيع تخريج لا يعرف للشافعي، ذكره القاضي أبو حامد وليس الإناء كالثدي ترضع الصبي من خمس مرات إلا أن [ق ١٥٤ ب] هناك كلما وضع حدث آخر وههنا لم يحدث بل كان مجموعًا في الإناء.
والثالثة: أن يحلب منه خمس دفعات، ثم يسقى الصبي دفعة واحدة، اختلف أصحابنا فيه فمنهم من قال هذه المسألة والتي قبلها سواء هل يكون رضعة أو خمس رضعات قولان.
ومن أصحابنا من قال: ههنا تكون رضعة واحدة، وإن قلنا هناك قولين لأن جنبته أقوى، فإن لم يتفرق في حسه كانت رضعة واحدة تحصل من هذا أن أصحابنا اختلفوا في المسألتين على ثلاثة طرق:
إحداهما: لا يختلف المذهب في المسألتين أنها رضعة واحدة ولا يقبل تخريج ...
والثانية: في المسألتين قولان، وبه قال صاحب الإفصاح.
والثالثة: إذا حلب منها خمس دفعات وسقي الصبي دفعة واحدة فهي رضعة واحدة قولًا واحدًا، ولو حب منها دفعة وسقي الصبي خمس دفعات فيه قولان.
والرابعة: أن يحلب منها خمس دفعات، ثم جمع كل في إناء، ثم سقى الصبي خمس دفعات.
قال أبو إسحاق، وابن أبي هريرة: يكون ذلك خمس رضعات لأن التفريق قد وجد في الطرفين وهو صحيح.
ومن أصحابنا من قال: تكون رضعة واحدة لأنه قد بطل التفريق بالجمع وصار كالمحلوب دفعة واحدة، ولو حلبت امرأة في قدح، ثم حلبت امرأة أخرى في ذلك القدح فاجتمعت الحلبتان فشربهما المولود دفعة واحدة حصل له من كل واحدة رضعة، فإذا تكرر هذا خمس مرات فهو ابن كل واحدة منهما قولًا واحدًا.
مسألة:
قَالَ: "وَلَوْ تَزَوَّجَ صَغِيرَةً، ثُمَّ أَرْضَعَتْهَا أُمَّهُ أَوْ ابْنَتُهُ مِنْ نَسَبٍ أَوْ رَضَاعٍ".
الفصل:
الكلام ههنا في ثلاثة فصول:
стр. 5629
أحدها: فيمن يزول نكاحه برضاعه [ق ١٥٥ أ].
والثاني: فيما يجب للزوجة بزوال النكاح على زوجها.
والثالث: فيما يجب للزوج على المرضعة.
أما الأولى فالأصل فيه أنه كل من يحرم عليه نكاح ابنتها، فإذا أرضعتها انفسخ نكاحها بيان ذلك أنه إن أرضعتها ابنته نظر، فإن كان بلبن ابنه فهي أخته لأبيه وأمه، وإن كان بغير لبن أبيه فهي أخته لأمه، وإن أرضعتها جدته فهي خالته، وإن كانت جدته أم أبيه فهي عمته، وإن أرضعتها بنته فهي بنت بنته وإن أرضعتها امرأة أخته، فإن كان بلبن أخيه فهو عمها، وإن كان بغير لبن أخيه صارت ربيبة أخيه، وإن أرضعتها امرأة أبيه، فإن كان بلبن أبيه فهي أخته لأبيه، وإن كان بغير لبن أبيه صارت ربيبة أبيه والنكاح لحاله لأن له أن يتزوج بربيبة أبيه، وإن أرضعتها امرأة ولده، فإن كان بلبن ولده فهي بنت ولده وهو جدها، وإن كان بغير لبن ولده فهي ربيبة ولده والنكاح لحاله لأن له أن يتزوج بربيبة ولده، هذا كله إذا كانت المرضعة من نسب وهكذا إذا كانت المرضعة محرمًا له من رضاع مثل إن أرضعتها أمه أو جدته أم أمه أو جدته أم أبيه أو ابنته أو أخته أو امرأة أخيه أو امرأة أبيه، أو امرأة ابنه من رضاع واحد لقوله ﷺ : "يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب" والأصل في هذا التحريم المؤبد إذا منع الابتداء منع الاستدامة كما لو وطء بانته زوجته بشبهة انفسخ النكاح وحرمت عليه زوجته على التأييد.
فأما إذا كانت المرضعة ممن لا يحرم عليه نكاح ابنتها فهو على جزءين:
إحداهما: ما لا يؤثر في النكاح.
والثاني: [ق ١٥٥ ب] ما يؤثر فيه فأما ما لا يؤثر فيه، فإن أرضعتها عمته فهي بنت عمته، وإن أرضعتها امرأة عمه بلبنه فهي بنت عمه، وإن أرضعتها امرأة خله بلبنه فهي عمته، وإن أرضعته امرأة عمه بلبنه فهي بنت عمه، وإن أرضعتها امرأة خاله بلبنه فهي بنت خاله، والنكاح لحاله لأن له أن يستأنف النكاح عليها.
وأما ما يؤثر في النكاح مثل إن كان له زوجتان صغيرة وكبيرة فأرضعت أم الكبيرة هذه الصغيرة انفسخ نكاحهما لأنه صار جامعًا بين أختين وهذا كثير نشرحها في مواضعها.
وأما الفصل الثاني وهو فيما يجب للزوجة بزوال النكاح على زوجها، فإن لم يكن للمرضعة فيها صنع مثل إن دبت الصغيرة إليها وهي نائمة فارتضعت منها سقط كل مهرها، لأن النسخ جاء من قبلها قبل الدخول ويرجع الزوج في مال الصغيرة بما يعزم الكبيرة من مهر المثل بعد الدخول أو نصف مهر المثل قبل الدخول لأنها هي المتلفة، وفي الإتلاف يستوي الصغيرة والكبيرة، فإن كان لها مال يستوفي منه، وإلا فحتى يؤسر فإن للمرضعة فيها صنع مثل إن أرضعتها، أو مكنتها فارتضعت منها كان للصغيرة المرتضعة على زوجها نصف المهر، لأن النكاح زال قبل الدخول لا من قبلها فكان لها نصف المهر كما لو طلقها قبل الدخول ثم ينظر فيه فإن كان المسمى لها مثل مهر مثلها أو أكثر فلها نصف
стр. 5630
المسمى، وإن كان المسمى دون مهر مثلها فلها نصف مهر مثلها لأنه إذا زوج ابنته الصغيرة بدون مهر مثلها وجب لها مهر المثل.
وأما الفصل الثالث: وهو فيما يجب للزوج على المرضعة والكلام فيه في ثلاثة فصول في الضمان، وفي قدره، وفي كيفية.
فأما الضمان فعلى المرضعة الضمان للزوج سواء قصدت فسخ النكاح أم لم تقصد [ق ١٥٦ أ] وسواء لزمها ذلك بأن لم يوجد غيرها يرضعه أو وجد غيرها وبه قال أحمد، وقال الشيخ أبو حامد: يمكن أن يقال عنها وجبت ذلك عليها شرعًا لا تضمن، وقد تفرد بهذا القول من أصحابنا.
وقال مالك: لا شيء على المرضعة، واحتج بأن إتلاف ....... لا يوجب الضمان للزوج كما لو قبل زوجته.
وقال أبو حنيفة: إن قصدت إفساد النكاح ههنا يجب بالسبب، فإذا كان السبب جائزًا لا يتعلق به الضمان كما لو حفر بئرًا ملكه، وهذا غلط لأنه حق الآدمي يضمن مع العمد والقصد فيضمن دونه كالمال والدليل على مالك أن البعض يضمن للزوج بالعقد في الخلع فيضمن بالإتلاف عليه كالمال، وأما إذا قتلها فقد ضمن نفسها فسقط حكم أطرافها بخلاف مسألتنا، وأما حفر البئر في ملكه فتصرف في ملكه فلا يتعلق به الضمان خلاف مسألتنا.
وأما قدر الضمان، قال ههنا يرجع على المرضعة بنصف مهر مثلها، وقال في كتاب الشهادات، لو شهد شاهدان على رجل بالطلاق الثلاث فحكم بالفرقة، ثم رجع الشاهدان عن الشهادة، فإن كان بعد الدخول وجب على الزوج للمرأة جميع المسمى ويرجع الزوج على الشاهدين بجميع مهر المثل، وإن كان قبل الدخول رجع بنصف المسمى في رواية المزني وبنصف مهر المثل في رواية الربيع ففيه قولان.
واختلف أصحابنا فيه فمنهم من قال: لا فصل بين المرضعة والشهود ففي كلا المسألتين قولان، ذكره الاصطخري ومنهم من قال وهو الأصح واختيار أبي إسحاق وغيره: المسألتان على ظاهرهما والفرق [ق ١٥٦ ب] بينهما أن الفرقة وقعت بالرضاع ظاهرًا وباطنًا فلم يرجع إلا بالنصف، وفي الشاهدين هما مقران بأن الفرقة لم يقع وإن ملكه ثابت في جميع البضع وأنهما حالا بينه وبينهما بشهادتهما فلزم جميع مهر مثلها.
ومن أصحابنا من فصل في الشهود فقال: لو شهدوا ثم رجعوا قبل تسليم المهر يغرمون نصف مهر المثل لأنه يغرم للمرأة إلا نصف المسمى، وإن رجعوا بعد تسليم المهر غرموا جميع مهر المثل لأنه لا يمكنه استرداد شيء، فإن الطلاق لم يقع بزعمه، ذكره القفال، فإن قيل هذه المرضعة أتلفت جميع رضعها عليه فهلا أوجبتم عليها مهر مثلها قبل الفرقة إذا وقعت قبل الدخول جعل في الشريعة كأنه لم يملك إلا نصف المعقود عليه بدليل أنه لا يلزمه إلا نصف المسمى في العقد فإذا كان كذلك لم تتلف المرضعة عليه إلا
стр. 5631
نصف البضع فيلزمها قيمة نصف لهذا المعنى، وقال أبو حنيفة، وأحمد: يرجع على المرضعة بنصف المسمى لأنه غرم هذا القدر، وهذا غلط لأنها تغرم بالإتلاف فغرمت نصف مهر المصل، وهو يغرم لها ما وجب بالعقد فيقدر المسمى.
فإذا تقرر هذا فإن كان المسمى وفق مهر المثل رجع بنصفه، وإن كان المسمى أكثر مثل إن كان المسمى ألفين ومهر المثل ألفًا رجع بنصف مهر المثل وهو خمس مائة لأنه قد حابى بالزيادة فلا يرجع بما حابى به، وإن كان مهر المثل أكثر رجع به أيضًا. وأما كيفية الضمان فقد مضى ذكره في أثناء الكلام في قدر الضمان، فإذا ثبت هذا فرع ابن الحداد على هذا، فقال: لو أن صغيرة تحت رجل لم يكن يسمى مهرًا فأرضعتها امرأة إرضاعًا فسد به نكاحها لها المتعة على زوجها ويرجع الزوج على المرضعة بتلك النفقة.
قال أصحابنا: غلط ابن الحداد فيه من وجهين [ق ١٥٧ أ].
أحدهما: أنه جعل له الرجوع بما غرم وهو قول أبي حنيفة أن الزوج يرجع بما يغرم فأما عندنا الرجوع يكون بقيمة البضع.
والثاني: أنه لا يصح التفريق في حق الصغيرة فإنها إذا زوجت مفوضة بطل النكاح في أحد القولين، وفي القول الثاني يصح ويجب لها مهر المثل وينتصف ذلك بالطلاق أو بما هو في معنى الطلاق فلا تجب المتعة إلا أن تكون أمة صغيرة زوجها سيدها بلا مهر فيصح التفويض فيها لأن المهر حق للسيد وتجب لها المتعة حينئذٍ.
وقال بعض أصحابنا: غلط ابن الحداد من وجه آخر وهو أن المتعة تكون في الطلاق وههنا فسخ لا بفعل الزوج، قلنا: هذا ليس بغلط لأنه لما وجد ههنا من يغرم الزوج يقوم بضعها على الزوج وجعل كأنه طلق فيجب نصف الصداق حتى لو دبت الصبية إلى نائمة فشربت من لبنها ففسد النكاح لا شيء لها من مهر ولا متعة لأنه غرم على المرأة التي أرضعت الصغيرة منها.
مسألة:
قَالَ: "وَلَوْ أَرْضَعَتْهَا امْرَأَةٌ لَهُ كَبِيرةٌ لَمْ يُصِبْهَا فَسَدَ النِّكَاح".
الفصل:
إذا كان له امرأتان صغيرة وكبيرة، والصغيرة لها دون الحولين والكبيرة لها لبن من غيره فأرضعت الكبيرة الصغيرة، فالكلام ههنا في ثلاثة فصول في فسخ النكاح والتحريم والضمان.
أما النكاح فإنه ينفسخ نكاحهما معًا لأنه صار جامعًا بين أم وابنتها.
وأما التحريم فقد حرمت الكبيرة على التأييد لأنها من أمهات النساء.
стр. 5632
وأما الصغيرة فإنها معتبرة بالكبيرة، فإن كان قد دخل بالكبيرة حرمت الصغيرة على التأييد لأنها بنت من قد دخل بها، وإن لم يكن قد دخل الكبيرة لم تحرم على التأييد بل يحل له أن يزوج بها لأنه لم يدخل بأمها وهذا مما يمنع الاستدامة دون |لابتداء لأنه في الاستدامة جمع بينهما.
وأما الضمان [ق ١٥٧ ب] فللصغيرة عليه نصف المسمى ويرجع على التي أرضعتها وبماذا يرجع على ما ذكرنا من الطريق.
وأما الكبيرة فلا مهر لها ولا متعة إن كان قبل الدخول لأنها هي المفسدة لنكاحها وإن كانت مدخولا بها فقد استحقت جمع مهرها المسمى ولا يجوز أن يرجع الزوج عليها بمهرها لأنها تصير في معنى المرهونة، ولهذا لو ارتدت بعد الدخول لا يرجع الزوج عليها بشيء.
وقال ابن أبي أحمد في المفتاح: هل يرجع عليها بمهر مثليا بعدما غرم لها مهرها المسمى قولان، وهذا غريب لم يذكره غيره، وقال في "الحاوي": إذا اشتركا فيه فهو على ضربين:
أحدهما: أن يتميزا في الشركة.
والثاني: أن لا يتميزا مثل إن ابتدأ الصغيرة في كل رضعة بالتقام ثديها وتمكنها الكبيرة [من شربه] ولا تفرغ ثديها عن فمها ففيه وجهان محتملان:
أحدهما: يغلب فعل الكبيرة؛ لأن الصغيرة تبع لها فيجب للمني؛ نصف مهرهما المسمى.
والثاني: يكونان في التحريم سواء لأن البلوغ في هذا الفعل غير معتبر فعلى هذا التحريم من فعلها فيسقط من نصف المهر ما قابل فعلها وهو نصف النصف ويبقى نصفه وهو الربع على الزوج، وإن كان متميزا مثل أن تدل الكبيرة بإرضاعها بمص الرضعات الخمس وتنفرد الصغيرة بالارتفاع في الباقي فيه وجهان محتملان:
أحدهما: يغلب فيه حكم من تفرد بالرضعة الخامسة لأن بها يقع التحريم.
والثاني: يتسقط على أعداد الرضعات لأن الخامسة لم تحرم إلا بما قدمها فعلى هذا إن كانت المغيرة انفردت برضعة والكبيرة بأربع سقط من نصف مهر الصغيرة خمسة وبقي لها أربعة أخماس النصف من مهرها وعلى هذا فقس.
فرع:
لو حلب منها أجنبي، نم أوجر في حلق الصبي بجب على الأجنبي الغرم-[ق ١٨٥ أ]
стр. 5633
فرع آخر:
لو حلبت الكبيرة لبنها في إناء فجاء أجنبي وأوجر الصغيرة بطل نكاحها ويجب لها المهر ويرجع بالمهرين على الموجر، لأن الحلب سبب والإيجار مباشرة فكان الحكم للمباشرة في الضمان.
فرع آخر:
إذا خوف كبيرة حتى أرضعت ضرتها الطفلة حرمت والغرامة عليها في أصح الوجهين، والوجه الثاني يلزم الغرامة على المخوف.
فرع آخر:
لو حلبت لبنها في إناء وأمرت أجنبيا يسقيها منه فالغرم عليها.
فرع آخر:
لو تقاطر من لبن الزوج في حلقها بحيث لا يمكنها رد اللبن من الحلق ينفسخ النكاح وتحرم وهي مؤبدة ولا يسقط مهرها ولا يجب الغرم للزوج على أحد.
فرع آخر:
قد ذكرنا أنه يبطل نكاحهما، وقال ابن أبي ذئب: لا ينفسخ النكاح برضاع المغيرة أصلا، وروي عن مالك أنه إذ لم يكن دخل بالكبرى بطل نكاحها وثبت نكاح الصغيرة، وقال الأوزاعي: إذا لم يدخل بالكبرى ثبت نكاحها وبطل نكاح الصغيرة وهذا كله غلط لما ذكرنا.
مسألة:
قال: "ولو تزوج ثلاثا صغارا فأرضعت امرأته اثنتين منهن الرضعة الخامسة معا فسد نكاح الأم ونكاح الصبيين معا"
الفصل:
إذا كان له أربع زوجات ثلاث صغائر لهن دون الحولين وكبيرة فيها لبن من غيره فأرضعت الكبيرة الصغائر فيها ثلاث مسائل:
إحداها: أرضعت الصغيرتين معا الرضعة الخامسة ولم تسبق إحداهما الأخرى وهذا يتصور في موضعين أحدهما أعطت كل واحدة منهما الثدي في زمان واحد وقطعتا معا.
والثاني: حلبت في وقتين ولكن كان الشرب منهما في زمان واحد فهذه مبنية على
стр. 5634
التي قبلها والكلام فيها في ثلاثة فصول في فسخ النكاح، والتحريم، والمهر.
أما الفسخ: فإن نكاح الكبيرة [ق ١٥٨ ب] والصغيرتين ينفسخ لأنه صار جامعا بين أمين وبين كل واحدة وأمها.
وأما التحريم فالأم تحرم على التأييد لأنها من أمهات النساء، وأما الصغيرتان فإن كان قد دخل بالكبيرة فقد حرمنا عليه على التأييد، وإن لم يكن دخل بها كان التحريم تحرم جمع وله أن يستأنف النكاح على كل واحدة منهما على الانفراد.
وأما المهر فلكل واحدة من الصغيرتين عليه نصف المسمى والرجوع على الكبيرة على ما ذكرنا وأما الأم، فإن كان قد دخل بها لم يسقط مهرها، ولا يرجع عليها بشيء، فإذا رضعت هذه الكبيرة الثالثة الباقية من زوجاته نظر، فإن كان قد دخل بالكبيرة انفسخ نكاحها وحرمت على التأييد والحكم في المهر على ما ذكرنا، وإن لم يكن دخل بالكبيرة فنكاحها بحاله لأنه دخل بها وهو جامع بينها وبين أمها؛ لأن نكاح الكبيرة قد زال.
المسألة الثانية: أرضعت إحداهن الرضعة الخامسة ثم الأخرتين الرضعة الخامسة معا حرمت عليه الكبيرة والتي أرضعتها أولا لأنهما صارتا أما وابنة في وقت معا وحرمت الأخرتان لأنهما صارتا أختين في وقت معا ليست إحداهما بأولى من الأخرى وله أن يتزوج بكل واحدة منهما على الانفراد إلا أن يكون قد دخل بالمرأة الكبيرة فيحرمن جميعا على التأبيد، أما الكبيرة فلأنها أم نسائه، وأما الصغائر فلأنهن بنات امرأته المدخول بها.
المسألة الثالثة: أرضعت منهن واحدة بعد واحدة فإذا أرضعت الأولى الخامسة انفسخ نكاحها ونكاح الكبيرة والحكم في المهر والتحريم على ما مضى، فإن أرضعت الثانية للرضعة الخامسة، فإن كان قد دخل بالكبيرة انفسخ نكاح الثانية، وإن لم يكن دخل فنكاح الثانية بحاله لأنها ربيبته من لم يدخل بها، فإذا أرضعت الثالثة الرضعة الخامسة والثانية زوجته [ق ١٥٩ أ] صارت الثالثة أخت الثانية، ومن التي يفسخ النكاح منهما.
نقل المزني عن الجديد أنه قال: ينفسخ نكاح الثالثة دون الثانية، ونقل عن القديم أنه قال: ينفسخ نكاحهما.
قال القاضي الطبري: رأيت في الأم في كتاب الرضاع أنه قال: ينفسخ نكاح الثانية وحدها دون الثالثة، ثم قال: وفيها قول آخر، وذكر القول الثاني وجه القول الأول أن التحريم والجمع إنما حصل في نكاح الثانية فوجب أن ينفسخ نكاحها دون الأول كما لو كان متزوجا بامرأة، ثم تزوج عليها أختها.
ووجه القول الثاني وهو الأصح وهو قول أبي حنيفة، وأحمد واختيار المزني أنهما صارتا أختين فانفسخ نكاحها كما لو أرضعتهما دفعه واحدة وأيضا لو تزوج رجل بامرأتين إحداهما صغيرة فجاءت أم الكبيرة وأرضعت الصغيرة خمس رضعات انفسخ نكاحهما جميعا، وإن كانت بنوة بينهما سابقة لبنوة الصغيرة والمرضعة فكذلك هاهنا، لأنه لا فرق بين أن يسبق بنوة إحداهما بالولادة أو يسبق بنوة أحدهما بالرضاع.
стр. 5635
قال القاضي الطبري: وطلبت هذه المسألة في كتاب الرضاع الجديد فلم أجدها، فإن لم يوجد نصا يجب أن يكون الجواب فيهما واحدا، ولا يمكن الفرق بينهما بوجه. وقال بعض أصحابنا بعدما ذكر هذه المسألة فيها قول واحد أن ينفسخ نكاحهما جميعا لأن تحريم النسب أقوى.
واحتج المزني أنه إذا كانت تحته كبيرة وصغيرة فأرضعتها الكبيرة بطل نكاحهما ولم تجعل الصغيرة كالمنكوحة على أمها بل جعلت كالمنكوحة مع أمها كذلك هاهنا الفرق أن سبب الأمومة والبنوة وجد فيهما معا وهاهنا وجد سبب الأخوة في إحداهما فيبطل نكاح الأخرى كما لو كانت الأخوة حاصلة ولكنه نكح إحداهما قبل الأخرى فنكاح الأول صحيح.
وجواب آخر: وهو الأظهر الكبيرة إذا أرضعت الصغيرة [ق ١٥٩ ب] فسد نكاحها ولكن في الجانبين معنيان مختلفان. أما الصغيرة فإنما فسد نكاحها لاجتماعها مع الأم، وأما الكبيرة ففساد نكاحها بأن تصير من أمهات نسائه، وإن لم يتصور الإجماع ألا ترى أن رجلا لو طلق امرأة له صغيرة رضيعة، ثم تزوج كبيرة لها لبن فأرضعت الكبيرة الصغيرة البائنة خمسا فسد نكاح الكبيرة بلا اجتماع لأنها صارت من أمهات نسائه بخلاف مسألتنا، وعلى ما ذكرنا لو طلق الكبيرة، ثم جاءت وأرضعت الصغيرة فإنها حرمت على التأبيد لما ذكرنا، وأما الصغيرة فإنها ربيبته فإن كان ئد دخل بالكبيرة فقد انفسخ نكاحها وحرمت على التأبيد، وإن لم يكن دخل بها لم يفسخ نكاحها.
ثم قال المزني، وقد قال الشافعي في كتاب النكاح القديم: لو تزوج صبيتين فأرضعتهما امرأة واحدة بعد واحدة انفسخ نكاحهما، قال المزني: وهذا وذاك سواء وبقوله أولى فقال المزني: إنما أجاب الشافعي في هذه المسألة على أحد القولين، فأما إذا قلنا بالقول الثاني أبطلنا نكاح الثانية وصححنا نكاح الأولى فكيف يحتج بهذه المسألة.
فرع:
لو جاءت أجنبية فأرضعت إحدى الصغائر اللاتي تحته، ثم ثانية، ثم ثالثة، ثم رابعة فالحكم فه هب أنها لما أر ضعت الأود، لم يضر ذلك نكاحها شيئا فلما أرضعت الثانية فهي نكون مع أختها أو على أختها قولان.
فإن قلنا كالمنكوحة مع أمها بطل نكاحهما.
وإن قلنا إنها كالمنكوحة على أختها جعلنا الثالثة والرابعة هكذا فيبطل نكاح الكل غير الأولى، وإن أرضعت اثنتين معا، ثم أرضعت اثنتين معا بطل نكاح الكل قولا واحدا وكذا لو أرضعت الكل الرضعة الخامسة فالحكم هذا [ق ١٦٠ أ] وعلى هذا فقس لو تزوج أربع صغائر فجاءت ثلاث خالات له فأرضعن كل واحدة منهن صغيرة فنكاحهن لخاله لأن ابنة الخالة تحل والجمع بين ابنتي الخالة جائز، ثم لو جاءت جدة الزوج أم أمه أو امرأة
стр. 5636
أبي أمه فأرضعت الرابعة بطل نكاح الرابعة وفي الثلاث قولان، لأن الرابعة صارت خالة لهن، فإن جعلناها خالة نكحت مع بنات أخواتها بطل نكاح الكل، وإن جعلناها منكوحة على بنات أخواتها فلا يبطل نكاح أولئك وعلى هذا لو أرضعت ثلاث عمات له ثلاثا منهن، ثم جاءت جدة الزوج أم أبيه أو امرأة جده بلبن جده الذي هو أبو هؤلاء العمات فأرضعت الرابعة والعمات لأب وأم فالحكم على ما ذكرنا وعلى هذا لو جاءت ثلاث حالات للزوج متفرقات وأرضعت كل واحدة إحدى الصغائر، ثم جاءت أم أمه فأرضعت الرابعة نكاح الرابعة قولا واحدا ولم ينفسخ نكاح الصغيرة التي أرضعتها خالة الزوج للأب وفي الأخريين قولان وعلى هذا لو أرضعت امرأة أبي أم الزوج الرابعة بطل نكاحها، ولم يبطل نكاح الصغيرة التي أرضعتها خالة الزوج للأم وفي الأخريين قولان.
فرع آخر:
لو تزوج رجل كبيرتين وصغيرتين فأرضت كل كبيرة كلتا الصغيرتين واحدة بعد واحدة، فإن كان ترتيب إرضاع الكبيرة الثانية للصغيرتين على ترتيب إرضاع الكبيرة الأولى انفسخ نكاح الكبيرتين ونكاح الصغيرة التي ارتضعاها أولا، وأما نكاح الصغيرة التي ارتضعاها آخرا فبحالة إذا لم يكن دخل بإحدى الكبيرتين؛ لأن الأولى لما أرضعت الصغيرة الأولى اجتمع أم وابنتها في النكاح فانفسخ نكاحهما فلما أرضعت هذه الكبيرة الصغيرة الثانية لم يبطل نكاح الصغيرة لأنها صارت ربيبة امرأة لم تدخل بها [ق ١٦٠ ب] ولم يوجد معنى الجمع فلما أرضعت الكبيرة الثانية تلك الصغيرة الأولى صارت من أمهات نسائه فبطل نكاحها فلما أرضعت الصغيرة الثانية لم يبطل نكاح الصغيرة ولو كان على العكس من هذا الترتيب انفسخ نكاح الكل لأن كل واحدة لما أرضعت صغيرة صارتا أما وابنة في نكاح فبطل النكاحات، وإن كانت إحدى الكبيرتين مدخولا بها بطل نكاح الكل.
فرع آخر:
لو تزوج بصغيرة وثلاث زوجات كبائر فأرضعتها كل واحدة منهن خمس رضعات، فإن التي أرضعتها أولا فسخت بنكاح نفسها ونكاح الصغيرة لأنهما صارتا أما وبنتا معا، وأما التي أرضعتها بعدها، فقد صارت الصغيرة بنتا لها فينفسخ نكاح الكبيرة لأنها أم امرأته ولا يجوز له أن يتزوج بواحدة من الكبائر لأنها من أمهات النساء وينظر في الصغيرة، فإن لم يكن دخل بواحدة من الكبائر جاز له أن يتزوج بها على الانفراد، وإن كان قد دخل بواحدة منهن فقد حرمت الصغيرة أيضا على التأييد لأنها بنت امرأته الني دخل بها.
فرع آخر:
لو كانت له زوجتان صغيرتان فأرضعت أجنبية إحداهما ثم أرضعت أم الأجنبية الأخرى بطل نكاح الباقية لأنها صارت خالة الأولى وهل يبطل نكاح الأولى قولان:
أحدهما: يبطل نكاح الأولى برضاع الثانية.
стр. 5637
والثاني: لا يبطل وللتي بطل نكاحها نصف مهرها وترجع بنصف مهر مثلها في أصح القولين وعلى من ترجع وجهان أحدهما على المرضعة الثانية لأن برضاعها انفسخ النكاح. والثاني على المرضعتين الأولى والثانية لأن برضاعهما استقر فسخ النكاح ذكره في الحاوي.
فرع آخر:
لو تزوج بامرأة صغيرة لها دون الحولين واشترى أمة كبيرة لها لبن من غيره فأرضعت الصغيرة بلبنها خمس رضعات، فإن الأمة حرمت عليه على التأييد؛ لأنها [ق ١٦١ أ] أم امرأته ولكن لا يزول ملكه عنها؛ لأنه يجوز أن يملك من لا تحل له وينظر في زوجته الصغيرة، فإن كان قد وطء الأمة انفسخ نكاحها وحرمت على التأييد؛ لأن القول في الملك بمنزلة الوطء في النكاح وإن لم يكن وطء الأمة، فإن نكاح الصغيرة لحاله لم ينفسخ.
مسألة:
قال: "ولو كان للكبيرة بنات مراضع أو من رضاع فأرضعن الصغار كلهن معا انفسخ نكاحهن معا".
الفصل:
إذا تزوج بامرأة لها ثلاث بنات مرضعات من نسب أو رضاع سواء كان اللبن لبن من أزواج أو بشبهة أو زنى وله ثلاث نسوة صغائر لهن دون الحولين فأرضت كل واحدة من البنات زوجاته الصغائر خمس رضعات دفعة واحدة فقد انفسخ نكاح الكبيرة والصغائر لأنهن صرن بنات بنات الكبيرة ولا يجوز الجمع بين الجدة وبنات بناتها فانفسخ نكاح الكل وعليه لكل واحدة من الصغائر نصف المهر المسمى، وعليه للكبيرة جميع مهرها المسمى إن كان قد دخل بها، وإن لم يكن دخل بها فيجب عليه نصف مهرها.
قال الشافعي: ويرجع على كل واحدة من البنات بنصف مهر مثل التي أرضعتها.
قال المزني: ويرجع عليهن بنصف مهر امرأته الكبيرة، إن لم يكن دخل بها؛ لأنها صارت جدة مع بنات بناتها معا وترجع عليهن بالسوية لأنهن اشتركن في إفساد نكاح الكبيرة، ولو كان دخل بالكبيرة حرمن جميعا أبدأ لأنهن ربائب امرأة قد دخل بها، ثم يغرمن للزوج كمال مهر المثل الكبيرة.
وحكي المزني في المنشور: أنه لا يغرمن مهر الأم، وهذا خطأ بل هذا مذهب أبي حنيفة بناء على قوله في شهود الطلاق إذا رجعوا بعد الدخول لا يغرمون المهر، وقال ابن الحداد: مثل قول أبي حنيفة وعلل بأنه لو رجع في مهرها بعد الدخول يصير في معنى
стр. 5638
المرهونة، ولهذا لو ارتدت بعد الدخول لا يرجع عليها بمهرها [ق ١٦١ ب] ولهذا خطأ، لأنه يرجع بهذا المهر على غيرها فلا تسمصير في معنى المرهونة بخلاف المرتدة.
ثم قال المزني: إذا لم يكن دخل بالكبيرة حرمت الكبيرة على التأبيد ويتزوج الصغائر على الانفراد وهذا إيهام إنه لا بجمعهن في الزوجية وليس كذلك فإن المزني يستأنف نكاحهن دفعة واحدة ويكون قد جمع يبين بنات الخالات ويحل ذلك.
وقال القفال: يمكن أن يعتذر للمزني فيقال: أراد على الانفراد عن الأم ولم يرد به عن صاحبتها، وهذا غير ظاهر، لأن الظاهر من كلام المزني أنه أراد انفراد بعض الصغائر عن بعض.
فرع:
لو كان يخلط ألبانهن في كل مرة، ثم يؤخرن الصبيان فقد صرن أخوات، فلا يمكن الجمع بينهن ولا بين اثنتين منهن، فإن لم يكن هذا الخلط إلا في الخامسة أو في أربع مرات لم يصرن أخوات بل هن بنات خالات.
فرع آخر:
لو أنهن أرضعن واحدة بعد واحدة فإنه متى أرضت واحدة من الربائب واحدة من الصغائر انفسخ نكاح الصغيرة والكبيرة معا لأنه جمع بينها وبين جدتها وحرمت الجدة أبدأ.
وأما الصغيرة فلا تحرم عليه لأنه ما دخل بجدتها وحرمت الربيبة التي أرضعت أبدأ لأنها من أمهات النساء، فإن أرضعت الربيبة الثانية صغيرة أخرى لم ينفخ نكاحها لأنه ما دخل بجدتها ولا جمع بينها، وبينها فإن أرخت الربيبة الثالثة الصغيرة الثالثة فلذلك أيضا ولا ينفسخ نكاحها لأنهما بنتا خالتين وكذلك لو أرضعت واحدة صغيرة، ثم اثنتان أرضعتا الأخرتين معا لا يبطل نكاح الأخرتين، إذا لم تكن الكبيرة مدخولا بها.
وأما الغرم في هاتين المسألتين فالأولى تقدم نصف مهر مثل الصغيرة الأولى ونصف مهر مثل الأم، فإن كانت مدخولا بها وبطل نكاح الكل فالأولى تغرم نصف مهر الأول، وكان مهر الأم وكل واحدة من الأخرتين يغرم نصف مهر المثل للصغيرة [ق ١٦٢ أ] التي أرضعتها لا غير لأنه فساد نكاح الأم لم يكن بفعلها كان يفعل الأولى وقيل على قبل لو أرضعت الأولتان الصغيرتين معا، ثم الثالثة أرضعت الصغيرة.
مسألة:
قال: "ولو لم يكن دخل بها فأرضعتها أم امرأته الكبيرة أو جدتها أو أختها"
стр. 5639
الفصل:
إذا كانت له زوجات صغار وكبيرة فأرضعت أم الكبيرة هذه الصغائر انفسخ نكاحهن لأن الصغائر صرن أخوات الكبيرة، وإن أرضعتهن جدتها صرن أخوات لأم الكبيرة وإن أرضعنهن أختها صارت خالة لهن، وإن أرضعتهن ابنة أختها صارت خالة لأمهن، ولا يجوز للرجل أن يجمع بين المرأة وأختها وبين المرأة وخالتها وبين المرأة وبين أختها وبين المرأة وخالة آمها فينفسخ نكاح الكل.
قال الشافعي: "ويكون الحكم كما ذكرنا في المسألة قبلها" وأراد به أن حكم هذه المسألة قبلها في انفساخ النكاح لا غير ولم يرد أنه في استئناف العقد في المستقبل هما سواء؛ لأن هناك قط لا ينكح الكبيرة والصغائر لا ينكحهن أيضا، وإن كان دخل بالكبيرة وهاهنا دخل بها أوله له أن ينكح الكبيرة على الانفراد والصغائر على الانفراد وإنما فرض الشافعي المسألة في الكبيرة غير المدخول بها لغرض كان له في حواله حكم هذه المسألة على حكم المسألة قبلها، فإن حكمها سواء في الصغائر إذا لم تكن الكبيرة مدخولا بها فيكون التحريم من طريق الجمع، فأما إذا كانت مدخولا بها فلا يتساويان؛ لأن التحريم هاهنا يكون من طريق الجمع وهناك على التأييد على ما ذكرنا.
مسألة:
قال: "ولو أن امرأة أرضعت مولودا فلا باس أن يتزوج المرأة المرضعة أباه".
صورة المسألة آن ترضع المرأة غلاما فيجوز لأبيه أن يتزوج بها لما ذكرنا أن حرمة الرضاع لا تنتشر من المرضع إلا إلى أولاده، فأما إلى آبائه وأمهاته وأخواته وإخوانه فلا تنتشر فلهذا جاز [ق ١٦٢ ب] لأبيه أن يتزوج بالمرضعة وبابنتها وكذلك لأخ المرضع أن يتزوج بالمرضعة وبابنتها ومثل هذا الذي ذكره الشافعي في غير الرضاع يجوز فإنه يجوز للرجل أن يتزوج أم ولدم من النسب وعلى هذا يجوز أن يتزوج بأم أم الصبي أيضا؛ لأنه لا رضاع بينهما، فإن قيل: أليس لا يجوز أن يتزوج بأم آم ولده من النسب، قلنا لهما: لا يجوز هناك للمصاهرة لا النسب والرضاع لا يحرم ما تحرمه المصاهرة.
مسألة:
قال: "ولو شك أرضعته خمسا أو اقل لم يكن ابنا لها بالشك".
إذا أرضعته أربعا وشك في الخامسة لم تحرم؛ لأن الأصل إباحة النكاح فلا يزيلها بالشك والورع له أن يدع نكاحها خوفاً من التحريم.
стр. 5640
فرع:
لو تزوج زيد بكبيرة وصغيرة فطلقهما فتزوج بها عمرو، ثم أرضعت الكبيرة الصغيرة انفسخ نكاحها، وأما التحريم فقد حرمت الكبيرة عليهما أبدأ، أما على الأول فلأنها أم من كانت زوجته، وآما على الثاني فلأنها أم زوجته. وأما الصغيرة فإن كان كل واحد منهما دخل بالكبيرة حرمت الصغيرة على التأييد لأنها بنت من دخل بها، فإن لم يدخل بها واحد منهما لم تحرم على واحد منهما، وإذا كان قد دخل بها أحدهما حرمت على من دخل دون من لم يدخل.
فرع آخر:
لو تزوج زيد بامرأة كبيرة لها ابن وتزوج عمرو بامرأة صغيرة لها دون الحولين فطلق كل واحد منهما امرأته وتزوج بامرأة صاحبه، ثم أرضعت الكبيرة الصغيرة فإن نكاح الكبيرة ينفسخ لأن زوجها كان زوجا للصغيرة وهي أمها ولا يجوز للرجل أن يتزوج بأم امرأته. وأما الصغيرة فإن كان زوجها قد دخل بالكبيرة لما كانت زوجة له فقد انفسخ نكاح المغيرة أيضا لابنة امرأته التي دخل بها، وإذا لم يكن دخل بالكبيرة فنكاحها باطل، وأما التحريم فالكبيرة [ق ١٦٣ أ] حرمت عليهما على التأييد فتحرم على زوج الصغيرة؛ لأنها أم زوجته، وتحرم على الآخر لأنها أم من كانت زوجته وأما الصغيرة إن كان قد دخل بها كل واحد منهما بها أعني بالكثيرة حرمت على كل واحد منهما من التأييد، وان كان قد دخل بهما أحدهما دون الآخر حرمت على من كان دخل بها دون الآخر.
فرع آخر:
لو كان لرجل أرع نسوة فأرضت إحداهن مولودا رضعتين وأرضعت كل واحدة من الباقيات رضعة أو كانت له خمس أمهات أولاد فأرضعته كل واحدة منهن رضعة واحدة فلا يختلف المذهب أن المرضعات لا يصرن أمهات لهذا المولود وهل يصير زوجهن أو سيد أمهات الأولاد الذي منه اللبن أبا له أم لا.
اختلف أصحابنا فيه، فقال ابن الحداد: الصواب أن ذلك لا يحرم المرضعة على الزوج ولا على السيد لأنه لم يثبت من واحدة منهن أمومة بالرضاع فلذلك لم تثبت الأبوة، وهو اختيار الأنماطي، وابن سريج.
وقال أكثر أصحابنا؛ وهو اختيار أبي إسحاق، وابن أبي أحمد: تحرم عليه لأنها قد أرضعت بلبانه خمس رضعات فهو أب لها، وإن لم تكن أما لها، والأول أصح لأن الأمومة إنما لم تحمل لأنها لم ترضع من لبن واحدة منهن خمس رضعات، وارتفع من لبن الرجل خمس رضعات فلا فرق بين حصولها من واحدة منهن ومن حصولها من جماعتهن وليس في هذا شبهة، وعلى هذا تحرم المرضعات عليه لأنهن حلائل أبيه.
следующие страницы →