Полный текст (7 151 стр.). Показаны 5636–5675 · переход к 5641.
стр. 5636
أبي أمه فأرضعت الرابعة بطل نكاح الرابعة وفي الثلاث قولان، لأن الرابعة صارت خالة لهن، فإن جعلناها خالة نكحت مع بنات أخواتها بطل نكاح الكل، وإن جعلناها منكوحة على بنات أخواتها فلا يبطل نكاح أولئك وعلى هذا لو أرضعت ثلاث عمات له ثلاثا منهن، ثم جاءت جدة الزوج أم أبيه أو امرأة جده بلبن جده الذي هو أبو هؤلاء العمات فأرضعت الرابعة والعمات لأب وأم فالحكم على ما ذكرنا وعلى هذا لو جاءت ثلاث حالات للزوج متفرقات وأرضعت كل واحدة إحدى الصغائر، ثم جاءت أم أمه فأرضعت الرابعة نكاح الرابعة قولا واحدا ولم ينفسخ نكاح الصغيرة التي أرضعتها خالة الزوج للأب وفي الأخريين قولان وعلى هذا لو أرضعت امرأة أبي أم الزوج الرابعة بطل نكاحها، ولم يبطل نكاح الصغيرة التي أرضعتها خالة الزوج للأم وفي الأخريين قولان.
فرع آخر:
لو تزوج رجل كبيرتين وصغيرتين فأرضت كل كبيرة كلتا الصغيرتين واحدة بعد واحدة، فإن كان ترتيب إرضاع الكبيرة الثانية للصغيرتين على ترتيب إرضاع الكبيرة الأولى انفسخ نكاح الكبيرتين ونكاح الصغيرة التي ارتضعاها أولا، وأما نكاح الصغيرة التي ارتضعاها آخرا فبحالة إذا لم يكن دخل بإحدى الكبيرتين؛ لأن الأولى لما أرضعت الصغيرة الأولى اجتمع أم وابنتها في النكاح فانفسخ نكاحهما فلما أرضعت هذه الكبيرة الصغيرة الثانية لم يبطل نكاح الصغيرة لأنها صارت ربيبة امرأة لم تدخل بها [ق ١٦٠ ب] ولم يوجد معنى الجمع فلما أرضعت الكبيرة الثانية تلك الصغيرة الأولى صارت من أمهات نسائه فبطل نكاحها فلما أرضعت الصغيرة الثانية لم يبطل نكاح الصغيرة ولو كان على العكس من هذا الترتيب انفسخ نكاح الكل لأن كل واحدة لما أرضعت صغيرة صارتا أما وابنة في نكاح فبطل النكاحات، وإن كانت إحدى الكبيرتين مدخولا بها بطل نكاح الكل.
فرع آخر:
لو تزوج بصغيرة وثلاث زوجات كبائر فأرضعتها كل واحدة منهن خمس رضعات، فإن التي أرضعتها أولا فسخت بنكاح نفسها ونكاح الصغيرة لأنهما صارتا أما وبنتا معا، وأما التي أرضعتها بعدها، فقد صارت الصغيرة بنتا لها فينفسخ نكاح الكبيرة لأنها أم امرأته ولا يجوز له أن يتزوج بواحدة من الكبائر لأنها من أمهات النساء وينظر في الصغيرة، فإن لم يكن دخل بواحدة من الكبائر جاز له أن يتزوج بها على الانفراد، وإن كان قد دخل بواحدة منهن فقد حرمت الصغيرة أيضا على التأييد لأنها بنت امرأته الني دخل بها.
فرع آخر:
لو كانت له زوجتان صغيرتان فأرضعت أجنبية إحداهما ثم أرضعت أم الأجنبية الأخرى بطل نكاح الباقية لأنها صارت خالة الأولى وهل يبطل نكاح الأولى قولان:
أحدهما: يبطل نكاح الأولى برضاع الثانية.
стр. 5637
والثاني: لا يبطل وللتي بطل نكاحها نصف مهرها وترجع بنصف مهر مثلها في أصح القولين وعلى من ترجع وجهان أحدهما على المرضعة الثانية لأن برضاعها انفسخ النكاح. والثاني على المرضعتين الأولى والثانية لأن برضاعهما استقر فسخ النكاح ذكره في الحاوي.
فرع آخر:
لو تزوج بامرأة صغيرة لها دون الحولين واشترى أمة كبيرة لها لبن من غيره فأرضعت الصغيرة بلبنها خمس رضعات، فإن الأمة حرمت عليه على التأييد؛ لأنها [ق ١٦١ أ] أم امرأته ولكن لا يزول ملكه عنها؛ لأنه يجوز أن يملك من لا تحل له وينظر في زوجته الصغيرة، فإن كان قد وطء الأمة انفسخ نكاحها وحرمت على التأييد؛ لأن القول في الملك بمنزلة الوطء في النكاح وإن لم يكن وطء الأمة، فإن نكاح الصغيرة لحاله لم ينفسخ.
مسألة:
قال: "ولو كان للكبيرة بنات مراضع أو من رضاع فأرضعن الصغار كلهن معا انفسخ نكاحهن معا".
الفصل:
إذا تزوج بامرأة لها ثلاث بنات مرضعات من نسب أو رضاع سواء كان اللبن لبن من أزواج أو بشبهة أو زنى وله ثلاث نسوة صغائر لهن دون الحولين فأرضت كل واحدة من البنات زوجاته الصغائر خمس رضعات دفعة واحدة فقد انفسخ نكاح الكبيرة والصغائر لأنهن صرن بنات بنات الكبيرة ولا يجوز الجمع بين الجدة وبنات بناتها فانفسخ نكاح الكل وعليه لكل واحدة من الصغائر نصف المهر المسمى، وعليه للكبيرة جميع مهرها المسمى إن كان قد دخل بها، وإن لم يكن دخل بها فيجب عليه نصف مهرها.
قال الشافعي: ويرجع على كل واحدة من البنات بنصف مهر مثل التي أرضعتها.
قال المزني: ويرجع عليهن بنصف مهر امرأته الكبيرة، إن لم يكن دخل بها؛ لأنها صارت جدة مع بنات بناتها معا وترجع عليهن بالسوية لأنهن اشتركن في إفساد نكاح الكبيرة، ولو كان دخل بالكبيرة حرمن جميعا أبدأ لأنهن ربائب امرأة قد دخل بها، ثم يغرمن للزوج كمال مهر المثل الكبيرة.
وحكي المزني في المنشور: أنه لا يغرمن مهر الأم، وهذا خطأ بل هذا مذهب أبي حنيفة بناء على قوله في شهود الطلاق إذا رجعوا بعد الدخول لا يغرمون المهر، وقال ابن الحداد: مثل قول أبي حنيفة وعلل بأنه لو رجع في مهرها بعد الدخول يصير في معنى
стр. 5638
المرهونة، ولهذا لو ارتدت بعد الدخول لا يرجع عليها بمهرها [ق ١٦١ ب] ولهذا خطأ، لأنه يرجع بهذا المهر على غيرها فلا تسمصير في معنى المرهونة بخلاف المرتدة.
ثم قال المزني: إذا لم يكن دخل بالكبيرة حرمت الكبيرة على التأبيد ويتزوج الصغائر على الانفراد وهذا إيهام إنه لا بجمعهن في الزوجية وليس كذلك فإن المزني يستأنف نكاحهن دفعة واحدة ويكون قد جمع يبين بنات الخالات ويحل ذلك.
وقال القفال: يمكن أن يعتذر للمزني فيقال: أراد على الانفراد عن الأم ولم يرد به عن صاحبتها، وهذا غير ظاهر، لأن الظاهر من كلام المزني أنه أراد انفراد بعض الصغائر عن بعض.
فرع:
لو كان يخلط ألبانهن في كل مرة، ثم يؤخرن الصبيان فقد صرن أخوات، فلا يمكن الجمع بينهن ولا بين اثنتين منهن، فإن لم يكن هذا الخلط إلا في الخامسة أو في أربع مرات لم يصرن أخوات بل هن بنات خالات.
فرع آخر:
لو أنهن أرضعن واحدة بعد واحدة فإنه متى أرضت واحدة من الربائب واحدة من الصغائر انفسخ نكاح الصغيرة والكبيرة معا لأنه جمع بينها وبين جدتها وحرمت الجدة أبدأ.
وأما الصغيرة فلا تحرم عليه لأنه ما دخل بجدتها وحرمت الربيبة التي أرضعت أبدأ لأنها من أمهات النساء، فإن أرضعت الربيبة الثانية صغيرة أخرى لم ينفخ نكاحها لأنه ما دخل بجدتها ولا جمع بينها، وبينها فإن أرخت الربيبة الثالثة الصغيرة الثالثة فلذلك أيضا ولا ينفسخ نكاحها لأنهما بنتا خالتين وكذلك لو أرضعت واحدة صغيرة، ثم اثنتان أرضعتا الأخرتين معا لا يبطل نكاح الأخرتين، إذا لم تكن الكبيرة مدخولا بها.
وأما الغرم في هاتين المسألتين فالأولى تقدم نصف مهر مثل الصغيرة الأولى ونصف مهر مثل الأم، فإن كانت مدخولا بها وبطل نكاح الكل فالأولى تغرم نصف مهر الأول، وكان مهر الأم وكل واحدة من الأخرتين يغرم نصف مهر المثل للصغيرة [ق ١٦٢ أ] التي أرضعتها لا غير لأنه فساد نكاح الأم لم يكن بفعلها كان يفعل الأولى وقيل على قبل لو أرضعت الأولتان الصغيرتين معا، ثم الثالثة أرضعت الصغيرة.
مسألة:
قال: "ولو لم يكن دخل بها فأرضعتها أم امرأته الكبيرة أو جدتها أو أختها"
стр. 5639
الفصل:
إذا كانت له زوجات صغار وكبيرة فأرضعت أم الكبيرة هذه الصغائر انفسخ نكاحهن لأن الصغائر صرن أخوات الكبيرة، وإن أرضعتهن جدتها صرن أخوات لأم الكبيرة وإن أرضعنهن أختها صارت خالة لهن، وإن أرضعتهن ابنة أختها صارت خالة لأمهن، ولا يجوز للرجل أن يجمع بين المرأة وأختها وبين المرأة وخالتها وبين المرأة وبين أختها وبين المرأة وخالة آمها فينفسخ نكاح الكل.
قال الشافعي: "ويكون الحكم كما ذكرنا في المسألة قبلها" وأراد به أن حكم هذه المسألة قبلها في انفساخ النكاح لا غير ولم يرد أنه في استئناف العقد في المستقبل هما سواء؛ لأن هناك قط لا ينكح الكبيرة والصغائر لا ينكحهن أيضا، وإن كان دخل بالكبيرة وهاهنا دخل بها أوله له أن ينكح الكبيرة على الانفراد والصغائر على الانفراد وإنما فرض الشافعي المسألة في الكبيرة غير المدخول بها لغرض كان له في حواله حكم هذه المسألة على حكم المسألة قبلها، فإن حكمها سواء في الصغائر إذا لم تكن الكبيرة مدخولا بها فيكون التحريم من طريق الجمع، فأما إذا كانت مدخولا بها فلا يتساويان؛ لأن التحريم هاهنا يكون من طريق الجمع وهناك على التأييد على ما ذكرنا.
مسألة:
قال: "ولو أن امرأة أرضعت مولودا فلا باس أن يتزوج المرأة المرضعة أباه".
صورة المسألة آن ترضع المرأة غلاما فيجوز لأبيه أن يتزوج بها لما ذكرنا أن حرمة الرضاع لا تنتشر من المرضع إلا إلى أولاده، فأما إلى آبائه وأمهاته وأخواته وإخوانه فلا تنتشر فلهذا جاز [ق ١٦٢ ب] لأبيه أن يتزوج بالمرضعة وبابنتها وكذلك لأخ المرضع أن يتزوج بالمرضعة وبابنتها ومثل هذا الذي ذكره الشافعي في غير الرضاع يجوز فإنه يجوز للرجل أن يتزوج أم ولدم من النسب وعلى هذا يجوز أن يتزوج بأم أم الصبي أيضا؛ لأنه لا رضاع بينهما، فإن قيل: أليس لا يجوز أن يتزوج بأم آم ولده من النسب، قلنا لهما: لا يجوز هناك للمصاهرة لا النسب والرضاع لا يحرم ما تحرمه المصاهرة.
مسألة:
قال: "ولو شك أرضعته خمسا أو اقل لم يكن ابنا لها بالشك".
إذا أرضعته أربعا وشك في الخامسة لم تحرم؛ لأن الأصل إباحة النكاح فلا يزيلها بالشك والورع له أن يدع نكاحها خوفاً من التحريم.
стр. 5640
فرع:
لو تزوج زيد بكبيرة وصغيرة فطلقهما فتزوج بها عمرو، ثم أرضعت الكبيرة الصغيرة انفسخ نكاحها، وأما التحريم فقد حرمت الكبيرة عليهما أبدأ، أما على الأول فلأنها أم من كانت زوجته، وآما على الثاني فلأنها أم زوجته. وأما الصغيرة فإن كان كل واحد منهما دخل بالكبيرة حرمت الصغيرة على التأييد لأنها بنت من دخل بها، فإن لم يدخل بها واحد منهما لم تحرم على واحد منهما، وإذا كان قد دخل بها أحدهما حرمت على من دخل دون من لم يدخل.
فرع آخر:
لو تزوج زيد بامرأة كبيرة لها ابن وتزوج عمرو بامرأة صغيرة لها دون الحولين فطلق كل واحد منهما امرأته وتزوج بامرأة صاحبه، ثم أرضعت الكبيرة الصغيرة فإن نكاح الكبيرة ينفسخ لأن زوجها كان زوجا للصغيرة وهي أمها ولا يجوز للرجل أن يتزوج بأم امرأته. وأما الصغيرة فإن كان زوجها قد دخل بالكبيرة لما كانت زوجة له فقد انفسخ نكاح المغيرة أيضا لابنة امرأته التي دخل بها، وإذا لم يكن دخل بالكبيرة فنكاحها باطل، وأما التحريم فالكبيرة [ق ١٦٣ أ] حرمت عليهما على التأييد فتحرم على زوج الصغيرة؛ لأنها أم زوجته، وتحرم على الآخر لأنها أم من كانت زوجته وأما الصغيرة إن كان قد دخل بها كل واحد منهما بها أعني بالكثيرة حرمت على كل واحد منهما من التأييد، وان كان قد دخل بهما أحدهما دون الآخر حرمت على من كان دخل بها دون الآخر.
فرع آخر:
لو كان لرجل أرع نسوة فأرضت إحداهن مولودا رضعتين وأرضعت كل واحدة من الباقيات رضعة أو كانت له خمس أمهات أولاد فأرضعته كل واحدة منهن رضعة واحدة فلا يختلف المذهب أن المرضعات لا يصرن أمهات لهذا المولود وهل يصير زوجهن أو سيد أمهات الأولاد الذي منه اللبن أبا له أم لا.
اختلف أصحابنا فيه، فقال ابن الحداد: الصواب أن ذلك لا يحرم المرضعة على الزوج ولا على السيد لأنه لم يثبت من واحدة منهن أمومة بالرضاع فلذلك لم تثبت الأبوة، وهو اختيار الأنماطي، وابن سريج.
وقال أكثر أصحابنا؛ وهو اختيار أبي إسحاق، وابن أبي أحمد: تحرم عليه لأنها قد أرضعت بلبانه خمس رضعات فهو أب لها، وإن لم تكن أما لها، والأول أصح لأن الأمومة إنما لم تحمل لأنها لم ترضع من لبن واحدة منهن خمس رضعات، وارتفع من لبن الرجل خمس رضعات فلا فرق بين حصولها من واحدة منهن ومن حصولها من جماعتهن وليس في هذا شبهة، وعلى هذا تحرم المرضعات عليه لأنهن حلائل أبيه.
стр. 5641
فرع آخر:
لو كان لامرأة خمس بنات فأرضعت كل واحدة منهن مولودا رضعة واحدة لم تكن البنات أمهات له وفي أم البنات وجهان مشهوران:
أحدهما: أنها جدته وبناتها المرضعات خالاته؛ لأن ارتفاعه من لبن خمس بناتها كان رضاعة من خمس مرات من لبن بنت واحدة ولذلك أب البنات جده [ق ١٦٣ ب] على هذا الوجه.
والوجه الثاني: لا تكون جدة له لأنه لا جدة إلا دونها أم قلما لم تكن واحدة من البنات أما لم تكن أمهن جدة.
وقال القفال، والقاضي الطبري: إن قلنا في المسألة الأولى لا تحرم فهاهنا أولى وإن قلنا هناك تحرم فهاهنا وجهان والفرق أن هناك جهة معلومة واسم معلوم فيقول: صار أبا آو جدا وهاهنا لا يتبين من أي جهة صار محرما وبأي معنى والطريق الأول أصح.
فرع آخر:
إن كان لامرأة زوج ولها ابن منة فأرضعت صغيرة ثلاث رضعات، ثم طلقها زوجها وجف لبنها فزوجت بزوج آخر وولدت منه وجاء لبن منها فأرضعت تلك الصغيرة رضعتين صارت أما لها، ولم يصر واحد من الزوجين أبا لها لأنه لم يتم عدد الرضاع ابنه.
فرع آخر:
قال صاحب التلخيص: لو كانت أمة وأربع نسوة لهن لبن فأرضعت كل واحدة مولودا في الحولين رضعة في خمسة أوقات مختلفات، فإن كان اللبن من غيره نظر، فإن كان قد دخل بالخمس كلهن حرم المرضع كالربيبة.
قال القاضي الطبري: وقال قوم من أصحابنا: هذا التحريم خطأ وهذه الصبية المرضعة لا تحرم عليه قولا واحدا، وهذا غلط عندي لأن كل واحدة منهن لو استكملت خمس رضعات بلبن غيره كانت تحرم عليه وكانت ربيبة له فإذا وجدت من كل واحدة رضعة رضعه وجب أن تصير ربيبة له في حقه، وإن لم يصرن أمهات على أحد الوجهين، وإنما خرجه هذا على هذا الوجه الآخر، وهذا تخريج صحيح قال: وإن دخل ببعضهن دون بعض لم تحرم واحدة منهن وهذا صحيح لأنه إذا كان في الخمس من لو انفردت بخمس رضعات لم تحرم عليه لم يجب [ق ١٦٤ أ] على ما تقدم بيانه.
فرع آخر:
لو كان رجل له زوجة لها دون الحولين، وله خمس أخوات مراضع فأرضعت كل واحدة من الأخوات زوجته الصغيرة رضعه واحدة فلا تصير الأخوات أمهات لها وهل يصير أبو الأخوات جدا لها وأمهن جدة والأخ خالا على الخلاف الذي ذكرناه وقيل:
стр. 5642
الخؤولة فرع على الأمومة، فإذا لم يثبت لم يثبت فرعها بخلاف الأبوة التي مضت فتخرج القولين فيه بعيد.
فإذا قلنا يصير جدا انفسخ نكاح الصبية المرضعة لأنه صار خالا لها فإنه ابن جدها من قبل الأم ويجب للصغيرة نصف مهرها المسمى وترجع بنصف مهر مثلها على أخواته المرضعات بينهن أخماسا. فإن قيل: أليس قلتم إذا وطء زوجة ابنه بشبهة انفسخ لنكاح الابن ولم يغرم الأب له شيئا قلنا: إنما كان كذلك لأن الأب وجب عليه بالوطء مهر مثلها فلا يجب عليه شيء آخر بخلاف مسألتنا.
وقال أبو حامد: عندي أنه يجب المهر على الأب لابنه أيضا لأن سبب الوجوبين مختلف فلا فرق بين المسألتين.
فرع آخر:
لو كانت الأخوات ثلاثا فأرضعت إحداهن رضعتين والأخرى رضعتين والأخرى رضعة، قال القاضي أبو حامد في الجامع فيه وجهان:
أحدهما: يرجع به عليهن ثلاثا بعد رؤوسهن؛ لأن الرضاع مفسد للنكاح فاستوي قليله وكثيرة كما لو طرح جماعة نجاسة في خل في حالة واحدة يجب عليهم ضمانه بالسوية وإن كان أحدهم طرح أكثر من الآخر.
والثاني: يرجع على التي أرضعتها رضعة واحدة بخمس نصف مهرها مثلها ويرجع على كل واحدة من الأخرتين بخمسة اعتبارا بعدد الرضعات؛ لأن التحريم [ق ١٦٤ ب] يتعلق بعددها فيقسط الضمان على العدد بخلاف حكم الضمان في الحل بطرح النجاسة فيه.
فرع آخر:
قال القاضي في الجامع أيضا: لو حلبت امرأة أربع رضعات وأخرى ثلاث رضعات من لبن رجل واحد وخلطناه وسقناه زوجة صغيرة لهذا الرجل خمس مرات انفسخ نكاح الصغيرة ولزمه نصف مهرها المسمى للصغيرة، وفي رجوع الزوج عليها وجهان: أحدهما: يرجع عليهما نصفين.
والثاني: يرجع على صاحبه الحلبات الأربع بأربعة أجزاء من ستة أجزاء من نصف مهر المثل وعلى صاحبه الحلبات الثلاث بثلاثة أجزاء.
فرع آخر:
لو كان للمرآة ثلاث بنات لبن بعضهن أسفل من بعض من لبن واحد مثل أن يكون لها ابن، وله ابن وابنة، ولابن الابن ابن وابنة، ولابن ابن الابن بنت فأرضعت بنت الابن غلاما رضعتين وأرضعته بنت ابن الابن رضعتين وأرضعته بنت ابن الابن الآخر (رضعة)
стр. 5643
صارت المرأة جدة له على أحد الوجهين ولا تحرم المرضعات عليه وله أن يتزوج بالعليا وبالوسطى والسفلى على الانفراد ولا يجوز له الجمع بينهن لأن العليا عمته الوسطى، والوسطى عمته السفلى ولا يجوز الجمع بين المرأة وعمتها ولا يحرمن على الانفراد؛ لأن العليا تكون بنت ابن جدته وهي بنت الخال ولا يحرم على الرجل أن يتزوج بابنة خاله، وإن أرضعته العليا خمس رضعات صارت أما له ولا يحرم عليه الوسطى؛ لأنها بنت خاله، وإن أرضعته الوسطى خمس رضعات صارت أما له وحرمت عليه العليا أيضا لأنها عمة أمه وتحل له السفلى لأنها ابنة خالة وأما إذا كانت ثلاث بنات ابن بعضهن أسفل من بعض من ثلاث ثلاثين [ق ١٦٥ أ] فإن العليا لا تحرم على ولد الوسطى من نسب أو رضاع لأن العليا تكون بنت عم أبي الوسطى.
فرع آخر:
قال في "البويطي": ولو نزل للبكر أو الثيب لبن ولا زوج لواحدة فهو لبن ينشر الحرمة، فإذا أرضعت به صبيا ثبتت الحرمة وتكون المرضعة له أما ولا أب له كولد الزنى ولا أب له، وإنما قلنا لذلك لأن الغالب من حال المرأة أنه لا ينزل لها لبن إلا عند الحمل غذاء للمولود وإذا نزل قبل ذلك حمل على أنه بان بها شهوة نساء فنزل فالحق هذا النادر بالغالب من جنسه وتعلق التحريم به.
قال القفال: وهذا إذا كانت بلغت تسعا، فإن كانت بنت دون تسع فلا حكم له كما أن الحيض يثبت حكمه في التسع لا فيما دونه وحكم الرضاع يثبت بالإمكان، وإن احتمل أنها غير بالغة كما يثب حكم النسب بالإمكان من ابن عشر سنين، وإن احتمل أنه غير بالغ لا لأن اللبن ونزوله بلوغ ولكن لاحتمال أنها بلغت الحيض.
فرع آخر:
لو أرضعت امرأة صبية أربع رضعات فجاء رجل وجمع بينهما في النكاح ثم إن الكبيرة أرضعتها الخامسة رجع بنصف مهر المثل عليها لأنها هي المبطلة للنكاح، وإن كان التحريم متعلقا يجمح الرضعات.
فرع آخر:
لو كانت له أمة مملوكة فأرضعت بلبن مولاها امرأة ابنة ابنه الصغيرة خمس رضعات انفسخ نكاحها، لأنها صارت أخته ووجب لها نصف مهرها المسمى ورجع على الأمة بنصف مهر المثل وتعلق ذلك برقبتها وتباع فيه بمنزلة الجناية والإتلاف.
فرع آخر:
لو كانت الكبيرة أم ولده فأرضعت زوجة سيدها لا يرجع عليها بشيء لأن السيد لا يبتدئ بإيجاب شيء في رقبة مملوكته ولا في ذمتها لنفسه ولو أرضعت أم ولده
стр. 5644
[ق ١٦٥ ب] زوجة ابنه وانفسخ نكاحها لا تحرم هي على سيدها لأنها أم زوجه أم ولده ويرجع زوجها على سيدها بالضمان فيضمن أهل الأمرين من أرش جنايتها أو قيمة رقبتها، ولو كانت الكبيرة مكاتبة فأرضعت زوجة السيد حتى انفسخ نكاحها يرجع السيد بنصف مهر مثلها مكاتبته مستوفية كما في يدها فأرش الجناية عليه.
فرع آخر:
لو زوج رجل ابنه الصغير امرأة كبيرة فوجدت به عيبا ففسخت النكاح ثم تزوجت بزوج آخر فأولدها فنزل لها منه لبن فرجعت وأرضعت الصغير خمس رضعات حرمت على زوجها وعلى الصغير فأما تحريمها على الصغير فلأنها أمه من الرضاع وزوجة أبيه، وتحرم على زوجها لأنها خليلة ابنه من الرضاع، ولو زوج عبده الصغير أمة فأعتقت الأمة فاختارت فسخ النكاح وتزوجت بزوج فأولدها ونزل لها ابن فرجعت فأرضعت الصغير خمس رضعات حرمت على زوجها وعلى الصغير كما ذكرنا في المسألة قبلها.
فإن قيل: كيف تكون حليلة ابنه بزوجة له في الحالة التي هو ابنه، قلنا: الاسم يتناوله مجازا، والمجاز يقوم مقام الحقيقة في هذا، ولهذا حرم الله تعالى الأم وكانت الجدة داخلة في التحريم لأن الاسم يتناولها مجازا.
فرع آخر:
لو زوج ابنه الصغير أمه لها لبن من سيدها فأرضعت زوجها لم تحرم على سيدها، لأن تزوج الآمة من صغير حن لا يجوز فإنه لا يخاف العنت ولا يستباح نكاحه الأمة إلا بشرطين عدم الطول، وخوف العنت، فإذا لم يصح النكاح بينهما لم تصر حليلة ابنه فلم تحرم عليه، وغلط بعض أصحابنا فحكي عن المزني أنه قال: تحرم على سيدها؛ لأن الصغير صار ابنا له فتكون خليلة ابنه، ذكره ابن الحداد، ثم قال: غلط فيه المزني ولا يصح هذا [ق ١٦٦ أ] على أصل الشافعي؛ لأن تزويج الأمة من الصغير لا يجوز، وهذا الغلط من هذا القائل والمزني أجل قدرا من أن يخفي عليه هذا، والذي قاله المزني حكاه الأنماطي أنه قال في رجل زوج أم ولده من طفل أجنبي فأرضعته تحرم أم الولد على المولى من قبل أنها صارت امرأة ولد، وأراد بالطفل العبد، هما كان هذا خطأ لو قال من طفل حر ولم يذكر المزني الحر فبطل ما قدره هذا القائل، وحكي ابن الحداد في فروعه عن المزني أنه قال في المنشور في هذه المسألة حرمت على زوجها وهي حلال السيد لأنها لم تصر أما له إلا في حال عدم النكاح، ثم أنكر المزني ذلك، وقال: يجب أن تحرم على مجدها، قال ابن الحداد: وهذه رواية لم يجدها إلى وقتنا هذا عن الشافعي إلا من جهة المزني، وقد أنكرها المزني وهي كما أنكر لأنا لا نعلم اخلف قول الشافعي في الرجل له امرأتان كبيرة وصغيرة فرضع الكبرى الصغرى في أن الكبيرة حرام على الزوج أبدأ لأنها أم امرأته ولا فرق بين المسلمين وكذلك لو تزوج رجل امرأة ولم يدخل بها حتى طلقها وله زوجة صغيرة مرضعة فأرضت بعد البينونة الكبيرة الصغيرة أن الكبيرة حرام عليه أبدأ لأنها من أمهات
стр. 5645
نسائه فكذلك آم الولد التي زوجها المالك من عبده الصغير وجب آن تحرم على سيدها أبدأ فالمسألة التي حكيناها عن المزني عن الشافعي غلط منه أو عليه.
فرع آخر:
لو أرضعت امرأة صبية وغلاما كان للغلام أن يتزوج أم الصبية من النسبة لأنها أم أخته وليست بأمه ولم يدخل بها أبوه ولم تحرم عليه، وإنما تحرم عليه أم أخته من النسب لدخول أبيه بها.
فرع آخر:
لو زوج ابنه المرضع ابنة أخيه المرضعة، ثم جاءت جدتهما [ق ١٦٦ ب] من قبل الأب فأرضعت أحدهما، فإن كانت قد أرضت الابن فقد انفسخ النكاح؛ لأنه صار عما للصبية وإن كانت قد أرضعت الصبية فقد انفسخ النكاح لأنها صارت عمه له.
باب لبن الرجل والمرأة
مسألة:
قال: "واللبن للرجل والمرأة كما أن الولد لهما".
الفصل:
كل فحل لحق به النسب فلبن ذلك النسب له ولأمه والولد المرتفع منهما ولدهما. وقد ذكرنا هذا من قبل، ولو وطء زوجته فنزل لها لبن من غير إحبال فأرضعت به مولودا كان ولدها دون ولد زوجها وأصله أنه متى لم يكن ولد فلا لبن للفحل أبدأ.
مسألة:
قال: "ولو ولدت ابنا من زناها فأرضعت مولودا فهو ابنها".
إذا أتت بولد من زنى فأرضت بلبنه مولودا صار ابنها من رضاع، ولم يكن الزاني أباه من رضاع؛ لأن اللبن مانع للولد فلما كان المولود ابنها دونه كذلك المرضع بذلك اللبن ابنها دونه، ولأن النسب أقوى من الرضاع، فإذا لم يثبت هاهنا حق النسب في الولد فلان لا يثبت حق الرضاع أولى.
مسألة:
قال: "وأكره له في الورع أن ينكح بنات الذي ولده من زنى، فإن نكح لم أفسخه".
стр. 5646
أراد به أن الابن الذي ولد من الزنى إذا كبر وتزوج وولد له بنت جان للزاني أن يتزوج بها لأن المولود من الزنى ليس ابن له فلا تحرم ابنته عليه فكذلك إذا ولدت للمزني بها بنتا لم تحرم عليه، وقيل: قرى بنات الذي ولده من زنى برفع الدال على الاسم فمعناه أكره للزاني في الورع أن ينكح بنات ابنه من الزنى [ق ١٦٧ أ] وقرى ولده بفتح الدال على الفعل فمعناه أكره لولد الزنى أن ينكح بنات الزاني الذي ولده.
وقال ابن أبي أحمد في المفتاح: ولا يجوز للرجل أن يتزوج بابنته من زنى كما قال أبو حنيفة قال: وقوله: " وأكره في الورع أن ينكح بنات الذي ولده من زنى " أي أكره المرضع بلبن الزنى أن تنكح بنات الذي ولد له من زنى - يعني بنات الزاني - فإن فسخ لم أفسخه لأنه ليس ابنه من الرضاع، قال: وهذا باب لبن الرجل والمرأة مقصده المرضع بلبن الزنى الموافق به.
وقال القفال: مقصوده أمر الرضع - أي إني وإن أبحث له أن ينكح ابنه ولده من الزنى فأكره ذلك فكذا أكره آن ينكح المرضعة بلبن الزنى، وإنما صور في ابنة ولده من الزنى ولو صور في ابنته من الزنى جاز، ثم ذم الحديث في أنه لا ينسب ولد الزنى إلى الزاني بقوله- ﷺ في ابن وليدة زمعة: "هو لك يا عبد بن زمعة الولد للفراش وللعاهر الحجر" ومعناه: لا شيء له بحال؛ لأن عادة المبالغة في قطع العلائق يقولون له: الحجر وبنية الحجر أي لا شيء له، وقول الشافعي: ابنته أو ابنه من الزنى على المجاز لا على الحقيقة لأنه لا خلاف في أنه لا ينسب إليه ولا يتشرف بشرف الرأي، وعلى هذا لو كان له ابن من الزنى وابنة صحيحة النسب جاز النكاح بينهما لأنها ليست أخته لكنه يكره.
ثم شبه الشافعي هذا الاحتياط بالاحتياط الذي أمر به رسول الله ﷺ سودة وهو الاحتجاب من ابن وليدة زمعة فقال: لما ألحق ذلك الغلام بزمعة لزوجته سودة بنت زمعة " احتجبي منه لا يزال فضلا" فلم يرها الغلام قط، وإنما أمرها بذلك لما رأى من شبه الغلام بعتبة الذي ألم بها في الجاهلية [ق ١٦٧ ب] كذلك هاهنا يأمر بالاجتناب من نكاح ابنته من الزنى احتياطا.
ثم قال المزني: وقد كان أنكر على من قال: بتزويج ابنته من زنى ويحتج بهذا.
وقد زعم أن رؤية ابن زمعة سودة مباح وأنه كرهه، فكذلك في القياس لا يفسخ نكاحه، وإن كرهه ولم يفسخ نكاح ابنه من زنى بناته من حلال بقطع الأخوة فكذلك من القياس، لو تزوج ابنته من زنى لم يفسخه، وإن كرهه لقطع الأبوة ولا حكم عندنا للزنى لقول رسول ﷺ "وللعاهر الحجر، في معنى الأجنبي في مذهبه هذا وبالله التوفيق فأوهم المزني أن الشافعي لا يجوز للزاني نكاح ابنته من زنى آنه أنكر هذا القول على من قاله.
ثم احتج على الجوار كما ترى، وأوهم أن المسألة عن قولين وليس كذلك، وهو غلط في ذلك، وذلك أن الشافعي إنما أنكر على من قال: يجوز للزاني نكاح ابنته من زنى من غير كراهية، وهذا مذهب بعض السلف وحكاه صاحب الحاوي عن المزني فقال
стр. 5647
الشافعي: هو مكروه وإن كان جائزا والنسب منفي عنه على ما ذكرنا
مسألة:
قال: "ولو تزوج امرأة في عدتها فأصابها فجاءت بولد فأرضعت مولودا كان ابنها".
الفصل:
إذا طلق زوجته بعد الدخول بها فنكحت في العدة وأصابها الثاني فأتت بولد يمكن أن يكون من كل واحد منهما، ثم أرضعت مولودا بلبنها فحكم الموضع مائع بحكم النسب فيمن لحقه الولد المناسب كان المرصع تابعا له وللولد المناسب أربعة أخوال على ما تقدم بيانه وإنما قلنا كذلك، لأن اللبن تابع للولد، وإذا لم يكن قافة أو ألحقته القافة بهما أو أشكل على القافة وقف حتى يبلغ فينتسب إلى أحدهما فيلحق به ويصير المرضع ابنه، وإن بلغ فمات [ق ١٦٨ أ] قبل أن ينتسب، فإن كان له وارث قام مقامه في الانتساب على أحدهما، وكان المرضع تابعا له، وإن لم يكن له وارث.
قال الشافعي: فقد ضاع نسبه- يعني ضاع نسبه من يلحق به النسب وبطل حكمه وأما الذي نص الشافعي فيه في الأم على قولين:
أحدهما: أنه يلحق به جميعا لأن اللبن يجوز أن يكون لهما جميعا، فإن اللبن قد يحصل من الوطء ومن الولادة، وقد وطء كل واحد منهما والولادة من أحدهما فلا يصح أن يكون اللبن منهما جميعا ويخالف الولد لأنه لا يجوز أن يخلق ولد واحد إلا من ماء رجل واحد فلهذا لم يجز أن يلحق الوالد بهما وعلى هذا سأل الداركي عن المرضع، هل يحتاج أن ترضع عشر رضعات أو تكفي خمس رضعات فقال: يحتمل وجهين.
وقال القاضي الطبري: هذان الوجهان مبنيان على آن الصبي إذا ارتضع من امرأتين الرضعة الخامسة، هل يكون ذلك رضعتين أو يكون من كل واحدة منهما نصف رضعة، وفيه وجهان.
والقول الثاني: لا يلحق بهما لأن اللبن تابع للولد فلما لم يجز أن يلحق الولد بهما فلذلك اللبن والمرضع بذلك اللبن، وهذا أصح ولا يصح ما ذكره القائل الأول؛ لأن اللبن الذي ينتشر الحرمة من الواطئ إذا حملت المرآة منه وقبل ذلك لا حق له في اللبن، فإذا قلنا بهذا القول هل للمرجع أن ينتسب قولان منصوصان في الأم.
أحدهما: ليس له ذلك؛ لأن الانتساب إنما يكون بميل النفس إلى من خلق من مائه وما يدعوه طبعه إليه لا يفيد هذا المعنى ولأنه لما تدخله القافة قي تمييز الولد من الرضاع لم تدخله في الانتساب.
стр. 5648
والقول الثاني: أن ينتسب؛ لأن الرضاع يؤثر في تغيير الخلق والشبه ولا ينفك اللبن عن دواعي الشفقة وموانع الرحمة كما يكون ذلك في النسب، وقد قيل من ارتضع [ق ١٦٧ ب] من سيئة الخلق ساء خلقه، ومن ارتفع من حسنة الخلق حسن خلقه، وقد قال رسول الله ﷺ "أنا أفصح العرب ولا فخر بيد آني من قريش ونشأت في بني سعد، وارتفعت، من بني زهرة " وكانت هذه القبائل أفصح قبائل العرب فافتخر بالرضاع كما افتخر بالنسب.
وقد ذكرنا آن النبي ﷺ قال: " لا تسترضعوا الحمقاء فإن اللبن يغذي في الرعونة والحمق".
وروي: "فإن اللبن شبه عليه" ويخالف هذا اعتبار القيامة في النسب دون الرضاع لأن القافة تنظر إلى المشاركة في الصورة، وهاهنا ينظر إلى المشاركة في الأخلاق فافترقا. فإذا قلنا: ينتسب على أحدهما فانتسب حرم عليه أقاربه وحلت له ابنة الآخر ومحارمه لأن نسبه انقطع منه.
وإذا قلنا: لا ينتسب ولا يكون أبيهما لا يصير محرما بنات واحد منهما، وهل يجوز له آن يتزوج بابنة كل واحد من الواطئين؟ اختلف أصحابنا فيه فقال ابن أبي هريرة له أن يتزوج بابنة كل واحد منهما على الانفراد، ولأن الأخت لم تتعين وهذا كما قلنا في رجلين، قال أحدهما: إن كان هذا الطائر غرابا فغلامي حر، وقال الآخر: إن لم يكن غرابا فغلامي حر لم يمنعا من التصرف في غلاميهما، فإن صارا جميعا لواحد منهما منعناه من التصرف فيهما وعتق أحدهما عليه لعلمنا أن أحدهما حر لا محالة كذلك هاهنا.
قال هذا القائل: وإذا تزوج بابنة أحدهما، ثم طلقها أو ماتت لم يجز له آن يتزوج بابنة الآخر؛ لأنه إذا عقد على ابنة أحدهما فقد أقر بأن ابنة الآخر أخته، كما نقول في ثلاثة أواني اثنان طاهران وواحد نجس، فأدى اجتهاد كل واحد منهم إلى طهارة إناء غير الإناء الآخر، إن كل واحد منهم يستعمل الإناء الذي أدى اجتهاده إلى طهارته، فإذا أم كل واحد صاحبيه في ثلاث صلوات [ق ١٦٩ أ] فإن صلاة الصبح جائزة للجميع، وصلاة الظهر جائزة للإمام ولإمام الصبح ولا تجوز للآخران؛ لأن كل واحد منهم أقر بطهارة نفسه وطهارة الإمام من الصبح فإنه صلى خلفه، فكان عند كل واحد منهما أن الآخر نجس فلم تجز صلاته، وصلاة العصر جائزة للإمام وحده فهذا المعنى كذلك ههنا.
وقال أبو إسحاق: لا يجوز له أن يجمع بينهما لئلا يكون مقيما على فرج محرم بيقين بابنة كل واحد منهما على الانفراد، وإذا تزوج بإحداهما، ثم مات أو طلقها يحل له آن يتزوج بالأخرى، وهذا ظاهر قول الشافعي هاهنا لأنه قال: والورع أن لا ينكح ابنة
стр. 5649
واحد منهما ولا يكون محرما لهما فلم يحرمهما، وإنما قال: "الورع ترك النكاح " فدل على أن كل واحدة مباحة على الانفراد.
قال: ولأنا إذا أبحنا له أن يتزوج بالأولى، فإذا طلقها كان له أن يتزوج بالأخرى؛ لأن في كل واحدة منهما الأصل الإباحة والشك طارئ، فكان ما آمكن في الأولى فهو مثله في الثانية، فجاز له أن يتزوج بها، وهذا يبطل بمن صلى في مسألة الأواني الثلاثة بواحد منهم صلاة الصبح لم يجز له أن يصلي خلف الآخر في صلاة الظهر؛ لأنه لما صلى خلف إمام الصبح فقد قطع بأن صاحبه الذي معه خلف إمام الصبح نجس فكذلك هاهنا.
ومن أصحابنا من قال: لا يجوز نكاح ابنة واحد منهما؛ لأن أحدهما أبوه قطعا، وإنما تجهل عينه فصار كما لو اختلطت أخته بأجنبية، ولم يعلم عينها لا يجوز له التزويج بواحدة منهما.
قال أبو حامد: والصحيح عندي هذا، وقد أومئ إليه في "الأم"، وقال القاضي الطبري: هذا لا يصح، والصحيح: الوجه الأول، والفرق بين ما استدل به أبو حامد وبين مسألتنا أن الأخت إذا اختلطت بالأجنبية، فإن الأخت أصلها التحريم والأجنبية أصلها الإباحة فغلب التحريم، وكذلك لو اختلطت محرمة بناء محصورات [ق ١٦٧ ب] لم يجز التزوج بواحدة منهن لهذا المعنى.
وأما هاهنا أصل كل واحدة منهما الإباحة ولم تتعين المحرمة منهما؛ فكان له أن يتزوج بآيتهما شاء، يدل على هذا الفرق أن الإناءين إذا كان ماء والآخر بولا، وأشكل الماء من البول فإنه يتركهما جميعا، وإذا كان أحدهما ماء طاهرا والآخر نجسا تحرى واستعمل الطاهر؛ لأن أصل كل واحد منهما الطهارة والنجاسة طارئة، فإذا لم يتعين الذي طرأت عليه النجاسة جاز له استعماله، فإن قيل: أوجبتم التحريم في الإناءين ولم تسوغوا أن يستعمل أيهما شاء من غير اجتهاد ومسوغتهم هاهنا أن يتزوج بأيهما شاء فما الفرق بينهما؟ قلنا: ليس على الأخت ولا على الأجنبية أمارات من تغير الماء وإضراب الإناء أو انكشاف الغطاء، أو أثر الكلب أو غير ذلك فأوجبنا التحري في أماراته الدالة عليه.
وقال في والحاوي: فيه وجه رابع لا يحرم عليه بنات واحد منهما لانقطاع الأبوة، ويجوز له أن يجمع بين ابنة كل واحد منهما، وإنما يمنع من تزويجها ورعا لا تحريما وهو ظاهر كلام الشافعي وهذا غريب بعيد، وقال الإمام الجويني: صاحب المنهاج قال كثير من أصحابنا إذا استيقن الرجل أن له في سكة محصورة الأهل أختا من الرضاعة، ولم يعلم عينها لم يجز له أن يتزوج من نساء ملك السكة أحدا، ولو استيقن ذلك في بلدة كبيرة غير محصورة الأهل له أن يتزوج امرأة من نساء تلك البلدة وفرقوا
стр. 5650
بالمشقة وعدمها، وفي كلام الشافعي هاهنا دليل على أنه لو نكح واحدة من نساء السكة المحصورة الأهل يجوز، وإن كان الورع أن لا يفعل ألا تراه قال في الولد المرصع: "إذا عجزني بموت الولد عن الإلحاق الورع أن لا ينكح ابنة واحد منهما، ولم يقل [ق ١١٧ أ] حرام عليه أن يفعل، والدليل على هذا ظاهر وذلك أنه لا يستيقن الحرية من واحد من نساء السكة فصار نساء السكة كنساء البلدة وهذا غريب.
مسألة:
قال: "ولو قالوا للمولود هو ابنهما أجبره إذا بلغ على الانتساب إلى أحدهما"
وإنما قلنا: إنه يجبر على ذلك لأنه يتعلق به حقوق له وعليه من وجوب النفقة وولاية التزويج والعتق بالملك وتحريم المناكحة وحرمة المحرمية، ورد الشهادة، ومنع الزكوات وغيرها.
فإن قيل: خيرهم بين الأبوين لبلوغ سبع سنين ولم يتخيروا على الانتساب إلا بعد البلوغ؟ قل؛ الاختيار ليس بلازم بخلاف الانتساب، فإنه لازم فدل على الفرق، ولأن الاختيار حق له والانتساب يتعلق به حق لغيره فاعتبر أن يكون بالغا.
مسألة:
قال: "ولو كان معتوها لم يلحق بواحد منهما حتى يموت".
أراد به المولود على فراشين إذا بلغ وهو معتوه لم يصح انتسابه؛ لأنه لا حكم لكلام المجنون ولا يقوم أحد مقامه فيه؛ لأنه غير مأيوس من صحته وانتسابه بنفسه، فإن مات وخلف وارثا قام مقامه في الانتساب على ما ذكرنا، وإن لم يكن له وارث كان ماله موقوفا؛ لأنا نعلم أنه ولد أحدهما، وإن لم يعلم عينه كما إذا طلق إحدى امرأتيه ومات ولم يمين وقفتاه ميراث زوجة.
مسألة:
قال: "ولو أرضعت بلبن مولود نفاه أبوه باللعان لم يكن أبا للمرضع".
الفصل:
إذا آتت زوجته بولد فقذفها ونفاه باللعان فأرضعت المرأة بهذا اللبن مولودا لرجل كان حكمه حكم ولدها من النسب وهو أنه لا ولد له، فإذا استلحق الملاعن ولده لحقه نسبه وإن ألحق نسبه لحق به ولده من الرضاع أيضا، ولا فصل بين أن ترضعه قبل أن يلاعن أو بعد أن يلاعن، فإن المرضع كولدها من النسب على ما فصلناه.
стр. 5651
مسألة:
قال: "ولو انقضت عدتها بثلاث حيض وثبت لبنها أو انقطع [ق ١٧٠ ب] ثم تزوجت زوجا فأصابها فتاب لها لبن ولم يظهر بها حمل فهو من الأول".
الفصل:
قوله فثاب لها أي زاد، وهذا تأكيد هاهنا لا شرط، وجملته أنه إذا طلق امرأته وفيها لبن هو منها فأرضعت به مولودا نظر، فإن لم يزد هذا اللبن على ما كان عليه بحال فهو للأول سواء دخل بها الثاني أو لم يدخل، حملت أمه أو لم يحمل ما لم تضع حملها من الثاني؛ لأن اللبن للأول بيقين، ولم يوجد للثاني: أقوى منه فكان الأول أولى به، وإن زاد هذا اللبن وكثر نظر، فإن كان قبل أن يحمل من الثاني أو بعد أن حملت منه ولكن الزيادة قبل أن ينزل اللبن من الثاني في العادة فهو للأول أيضا، وقيل: أقل مدة ينزل للحمل أربعون يومأ، وإن كانت الزيادة في وقت يمكن أن تنزل للثاني فيه قولان أحدهما: هو للأول دون الثاني، وبه قال أبو حنيفة لأنه نزل قبل الولادة من الثاني فكان للأول كما لو لم يزد.
والثاني: قاله في القديم: هو لهما فيكون من يحرم به على أحدهما تحرم به على الآخر، وبه قال محمد، وزفر، وأحمد؛ لأنه: إذا زاد فالظاهر أنه لأجل الحمل لأنه نزل بسببه فكان اللبن لهما، ويخالف هذا إذا لم يزد لأنه لم يظهر هناك للحمل تأثير، هذا إذا كان لبنها قارا فيها، فأما إذا انقطع لبنها، ثم نزل نظر فإن كان نزوله قبل الوقت الذي ينزل للثاني فهو للأول قولا واحدا، وإن كان نزوله في وقت يمكن أن يكون من الثاني نظر، فإن كان الانقطاع يبرأ فيه قولان:
أحدهما: أنه للأول وحده
والثاني: قاله في "القديم" أنه لهما معا، وإن كان الانقطاع كثيرا، فقد نص على ثلاثة أقوال:
أحدهما: أنه للأول دون الثاني وبه قال أبو حنيفة لما ذكرنا.
والثاني: أنه للثاني دون الأول، وبه قال أبو يوسف لأنه لما انقطع، ثم عاد كان سبب الحمل الحادث فأشبه إذا نزل بعد الولادة.
والثالثة: [ق ١٧١ أ] أنه لها معا، وبه قال أحمد لأن اللبن قد ينقطع، ثم يتوب مثل أن يزوج المولود فيعود اللبن أو تشرب دواء فيحدد ويحتمل الاختلاط باللبن عن الثاني وأما إذا ولدت من الثاني انقطع عن الأول يكل حال، وصار المرضع فاضلا بينهما ويكون اللبن للثاني قولا واحدا، وهذا لأن سبب متيقن في إدرار اللبن فكان قاطعا لسبب الأول
стр. 5652
وقال أحمد: ههنا أيضاً يكون اللبن لهما كما قبل الولادة، وهذا غلط لما ذكرنا.
وأما قول الشافعي: «ومن لم يفرق بين الولد واللبن، قال: هو للأول ومن فرق قال: منهما جميعاً له ثلاث تأويلات: قال أبو إسحاق: معناه من جعل اللبن كالولد فقال: لا يجوز أن يكون اللبن من اثنين كما لا يجوز أن يكون الولد لاثنين، وإن لم يجز أن يكون الولد لاثنين يقول: إن اللبن للأول، ومن فرق بينهما وقال: يجوز أن يكون اللبن لاثنتين وإن لم يجز أن يكون الولد، قال: ههنا اللبن لهما فأبو إسحاق رد هذه المسألة إلى مسألة قبلها وهو ما قلنا إنه إذا ضاع بسببه هل يجوز أن يكون الولد من الرضاع ابنهما فيه قولان فكانت هي مفرعة على تلك.
ومن أصحابنا من قال: معناه لا يسبق اللبن للولد قبل انفصاله عن أمه وإنما لبنه هو الموجود حين انفصاله، فإ، لبنه لم يفارق قال: هو للأول، ومن قال: يفارقه ويسبقه قبل انفصاله قال: هو لهما، ومن أصحابنا من قال: معناه من جعل اللبن للولد الظاهر دون الباطن قال: هو للأول، ومن فرق بينهما وجعل اللبن للظاهر والباطن معاً قال: هو لهما وهذ قريب من التأويل الثاني.
باب الشهادة في الرضاع
مسألة:
قال: «وشهادة النساء جائزة فيما لا يحل للرجال غير ذوي المحارم أن يتعمدوا النظر إليه لغير الشهادة».
الفصل:
[ق ١٧١ ب] عندنا تقبل شهادة النساء على الانفراد في ثلاثة أشياء الرضاع، والولادة، وعيوب النساء تحت النساء فيقبل شهادة أربع نسوة منفردات ويقبل فيها أيضاً شهادة رجلين، أو شهادة رجل وامرأتين، وبه قال عمر، وابن عباس، ومالك، والزهري، والأوزاعي، وعطاء- ﵃.
وقال أبو حنيفة: لا تقبل شهادتهن على الانفراد إلا في الولادة، وبه قال ابن عمر، وابن أبي ليلى، وهذا غلط لما أشار الشافعي، وهو أن الرضاع والعيوب تحت ثيابهن مما لا يحل لغير ذي محرم، أو زوج أن يتعمد النظر إليها في ذلك حتى يتحمل الشهادة ولا يمكنه أن يشهد على رضاعها بغير رؤية ثديها.
واعلم أن لفظ الشافعي ههنا يدل على أنه يجوز المحرم النظر إلى ثدي المرأة التي تكون من محارمه لأنه قال: وشهادة النساء جائزة فيما لا يحل للرجال غير ذي المحارم أن يتعمدوا النظر إليه بغير شهادة، وهذا هو المذهب.
стр. 5653
ومن أصحابنا من قال: لا يجوز للمحرم أن ينظر من المحرمة إلا إلى ما يظهر منها غالباً عند الفصلة والمهنة، فمن قال بهذا اعتذر عن هذا النص بأن قال: ثدي المرضعة في أيام الرضاع لضرورة الرضاع يلتحق بأطرافها التي تطهر منها عند الفصلة والمهنة فكذلك جوز للمحرم أن ينظر إليه، فإذا انقضت أيام الرضاع انقضت الضرورة فلا يجوز له النظر إليها حينئذ، وقال الزهري، والأوزاعي: تقبل في غير هذه الأشياء شهادة امرأة واحدة، وقال مالك، والثوري: يقبل قول امرأتين، وقال الحسن، وعثمان البتي في الرضاع تقبل شهادة ثلاث نسوة.
وقال أبو حنيفة: تقبل في الولادة خاصة شهادة القابلة وحدها إذا كان هناك نكاح قائم [ق ١٧٢ أ] أو حمل ظاهر، وهذا كله غلط لأن الله تعالى لما أجاز شهادة النساء في الدين جعل امرأتين يقومان مقام رجل واحد ولا بها من الأربع: أو تقول ما قبل فيه شهادة النساء لم تقتصر به على امرأتين كالمال أو كل موضع لا يقبل فيه شهادة رجل واحد يقبل فيه شهادة امرأتين كالمال.
مسألة:
قال: «وإن كانت المرأة تنكر الرضاع وكانت فيهن أمها أو بنتها جزن عليها».
إذا ادعى الزوج أن بينهما رضاء وأنكرت المرأة فقد اعترف الزوج بأنه لا نكاح بينهما فيقبل إقراره في فسخ النكاح؛ لأن حقه وقول الإنسان مفبول في إزالة حق نفسه. فإذا تقرر هذا نظر فيه، فإن لم يكن له بينة على الرضاع قبل إقراره في حق نفسه وهو فسخ النكاح دون حقها وهو المهر، فإن كان قبل الدخول فلها نصف المسمى، وإن كان بعد الدخول فلها كل المسمى، وإن كانت له بينة، فإن كان قبل الدخول فلا شيء لها؛ لأنه لم يكن بينهما زوجته، وإن كان بعد الدخول فلها مهر مثلها، فإذا ثبت هذا، فإن الحاكم يقبل فيه شهادة أربع نسوة، وإن كان فيهن أم المرأة أو ابنتها.
قال الشافعي: قبلت شهادتهما عليها؛ لأن شهادة الأم والبنت تقبل عليها، وإنما لا تقبل لها، فإن قيل: كيف تتصور شهادة البنت على أمها من الرضاع؟ قلنا: لا يتصور أن تشهد بأنها أرضعت زوجها في صغرة فلما كبر تزوج بها وتجوز أن تشاهد بنتها ذلك ويجوز أن تكون قد أرضعته أم الزوجة فيكون هو أخاها فتشهد بنتها بذلك.
قال: وإن كانت تدعي الرضاع لم يجزيه أمها ولا أمهاتها ولا نبتها ولا بناتها [ق ١٧٢ ب] كان ذلك شهادة لها ولا يقبل شهادة الإنسان لأمه وبنته، وإن كان فيهن أم الزوج أو بنته، قبلت شهادتهما، لأنها شهادة على الزوج، وأما الإقرار بالرضاع لا يثبت
стр. 5654
إلا بشهادة رجلين؛ لأن الإقرار غير نفس الرضاع.
مسألة:
قال: «ويجوز في ذلك شهادة التي أرضعت».
الفصل:
إذا شهدت المرضعة لا يخلو من أحد أمرين، إما أن تدعي أجرة الرضاع أو لا تدعيها، فإن أجرة الرضاع لم يقبل شهادتها لأنها متهمة في شهادتها، وإن لم تدع أجرة الرضاع قبلت شهادتها؛ لأنها لا تجلب بها منفعة ولا تدفع مضرة فقبلت شهادتها.
وقال في «الحاوي»: إذا دعت الأجرة ولم تقبل شهادتها في الأجرة هل تقبل في ثبوت التحريم؟ وجهان:
أحدهما: لا تقبل، وهو اختيار ابن أبي هريرة.
والثاني: يقبل، وهو اختيار أبي إسحاق، وهذا يخرج من تبعيض الشهادة وفيه قولان: فإن قيل: أليس تصير محرماً له ويستبيح الخلوة بها والمسافرة منفعته قيل: هذا ليس من الأمور المقصودة التي ترد بها الشهادة الأ ترى أن رجلين لو شهدا أن فلاناً أعتق أمته قبلت، وإن كان يحل لخ نكاحها بالحرية وكذلك إذا شهدا بالطلاق يقبل، وإن كان يحل له المطلقة بالنكاح، فإن قيل: أليس لو شهدت امرأة بأن هذا المولود ولده وأنها ولدته لم تقبل شهادتها، فلذلك إذا شهدت بأن هذا المولود ولده أرضعته بلبنها وجب أن لا تقبل شهادتها. قلنا الوالدة متهمة فإنها يثبت بشهادتها حق الميراث والنفقات، وإسقاط القود وما أشبهه، فإن ذلك [ق ١٧٣ أ] كان معلق بنسب وليس كذلك بالرضاع فإنه لا يتعلق به من قبل الأحكام شيء فلم تكن متهمة في شهادتها فقبلناها، فإن قيل هذه تشهد أن نفس نسبها فوجب أن ترد شهادتها كالحاكم إذا شهد بما حكم لفلان على فلان بكذا أو كذا، وكالقاسم إذا شهد أنه قسم بين فلان وفلان كذا وكذا لا تقبل، قلنا: الفرق من وجهين:
أحدهما: أن المرضعة لا تشهد على مجرد فعلها وإنما تشهد على إرضاع الصبي سواء وجد من جهتها صنع أو لا ألا ترى أنها لو كانت نائمة فارتضع الصبي منها أو مجنونة فارتضع منها تحرم عليها، وصار ابناً لها وليس كذلك الحاكم والقاسم فإنهما يشهدان على مجرد فعلها فلم تقبل شهادتهما.
والثاني: أن شهادة الحم، والقاسم تضمن تزكيتهما وتعديلهما فإن الحكم والقسمة لا يصحان إلا من عدل أمين فلم تقبل شهادتهما به وليس كذلك شهادة المرضعة فإنها لا تتضمن تعديلها وتزكيتها؛ لأن الرضاع يصح من الفاسقة وغيرها فافترقا. ثم قال المزني: كيف تجوز شهادتها على فعلها ولا يجوز شهادة أمها، وأراد به أنه إذا جازت شهادة
стр. 5655
المرضعة على فعلها فشهادة ابنها وأمها أجوز في القياس.
قال أصحابنا: قدر المزني أن الشافعي أبطل شهادة أم المرضعة وأجاز شهادتها على فعل نفسها، فقال هذا، وهذا وهم من المزني، وإنما أراد الشافعي أن المرأة إذا ادعت على زوجها أن بينهما رضاعة فإنه لا يقبل قولها عليه ولا تقبل شهادة أمها وبنتها من النسب.
فأما الأجنبية إذا شهدت لها على فعل نفسها قبلت [ق ١٧٣ ب] شهادتها لأنها غير متهمة فيه، وكذلك يقبل شهادة أمها وبنتها فبطل ما قدره المزني، فإن قيل: لعل المزني أراد بذلك شهادة المرضعة التي باشرت الإرضاع لا شهادة أم المرضعة التي أرضعت الأفواه، قال: وكيف يجوز شهادتها على فعلها ولا يجوز شهادة أمها فرد الكنايتين إليها، قلنا: وهل يجهل أحد من نفسه أن شهادة التي باشرت الإرضاع وشهادة أمها سواء في القبول، والشافعي إنما أجاز شهادة أم المرضعة إذا شهدت عليها ولم يتكلم في شهادة أم المرضعة فكيف اعترض المزني على ما لم يتكلم فيه الشافعي فعرفت أن هذا الاعتذار عن المزني اعتذار غير صحيح.
مسألة:
قال: «ويوقفن حتى يشهدن أن قد رضع المولود».
الفصل:
أراد به كيفية الشهادة على الرضاع، وجملته أن الشهادة على الرضاع لا تقبل مطلقة وهو أن تقول إنها أخته من الرضاع أو أمه ولابد من أن تكون مبنية وهو أن يقول: أشهد أن هذا المولود ارتضع منه خمس رضعات متفرقات في الحولين، ووصل كل رضعة إلى جوفة، وهذا لأن للناس خلافاً في وقت الرضاع وعدده ولابد من البيان.
فإن قيل: هو لم يشاهد وصول اللبن إلى جوفه فكيف يجوز أن يشهد به؟ قيل: إذا علم الشاهد أن في الضرع لبناً والتقمه الصبي وحرك شفتيه مصاً، فإن نزول اللبن إلى جوفه إن لم يحصل له أتعلم به قطعاً فقد حصل بطاهر قوي وما تعذر الوقوف عليه بالمشاهدة أو السماع اكتفي فيه بالظاهر كما لو شهد الشاهد بالملك والنسب بالاستفاضة [ق ١٧٤ أ].
قال الشافعي: فإن أخذت المرأة رأس الصبي تحت ثيابها فالتقم من ثديها فرأى ذلك فشهد بالرضاع لم يحكم به ولم تكن شهادة لأنه بعد أن يأخذ تحت ثيابها شيئاً فيه لبن فيمتص منه المولود ولا يكون جملة ولا يكون ذلك من لبنها، فإذا كان كذلك فلابد من مشاهدة الثدي وامتصاص الصبي منه على ما بيناه.
стр. 5656
ثم اعلم أن الرضاع إن كان لا يثبت إلا بأربع نسوة، فإذا شهدت امرأة أو أخبرت بالرضاع فالاحتياط أن لا ينكحها، وإن كانت تحته فالاحتياط أن يطلقها والدليل عليه ما ذكر الشافعي من خبر السوداء وتمامه ما روي أن عقبة بن الحارث تزوج بأم يحيى بنت أبي أهاب بن عمر فجرت بينها وبين امرأة سوداء في جوارها خصومة، فأشاعات السوداء الخبر في الجيران أني أرضعتها وزوجها، فسمعه عقبة بن الحارث فساءه ذلك فسأل أهله وأهلها؛ فقالوا: لا نعلم أنها أرضعتك وذلك بمكة فركب إلى المدينة، وقال: يا رسول الله إني تزوجت بابنة أبي أهاب فزعمت امرأة سوداء أنها أرضعتني وإياها، فوالله ما أرضعتني ولا أخبرتني قبل ذلك فأعرض عنه رسول الله ﷺ فأعادها فقال له في الثالثة أو الرابعة «كيف وقد زعمت السوداء أنها أرضعتكما».
وروي أنه قال: «كيف وقد قيل» فطلقها بين يدي رسول الله ﷺ قال الشافعي: إعراض رسول الله ﷺ يشبه أن يكون كره له أن يقيم معها، وقد قيل إنها أخته من الرضاعة وهو في معنى ما قلنا يتركها ورعاً لا حكماً.
مسألة:
قال: «ولو قال رجل هذه أختي من الرضاعة أو قالت هذا أخي من الرضاعة».
الفصل:
إذا اعترف الرجل أن هذه ذات محرم لي من رضاع بنتي أو أختي أو اعترفت لا يخلو إما أن يكون قبل النكاح [ق ١٧٤ ب] أو بعده، فإن كان قبل النكاح فإن كان هو الذي أقر بذلك لم يحل له نكاحها لأنه حق عليه وإن كانت هي أقرب بذلك لم يحل لها أن تتزوج به لأنه إقرار فيما هو عليها وقبل ذلك على نفسها ولا يتعلق به ضرر على غيرها هذا إذا كان في وقت يمكن ذلك فإن كان على وجه لا يمكن ذلك مثل أن يقول لمن هو أكبر سناً منه هذه بنتي أو تقول الزوجة: هذا ابني وهو أكبر سناً منها سقط قولهما ولا اعتبار به خلافاً لأبي حنيفة حيث قال: يحرم بذلك كما قال إذا قال لعبده وهو أكبر سناً منه هذا ابني يعتق فإذا ثبت هذا فكل موضع صح الاعتراف نظر فإن أقاما عليه فالحكم على ما مضى، وإن رجعا عنه وقالا: كذبنا وليس بيننا حرمة الرضاع، فإن كان الإقرار صحيحاً حرمت عليه في الظاهر والباطن وإن كان الإقرار كذباً حرمت في الظاهر دون الباطن.
وعند أبي حنيفة: الإصرار على هذا الإقرار شرط، فإذا رجعا جاز النكاح، وهذا غلط لأن الإقرار إذا كان محرمه من حرمات الله تعالى على التأييد كان الرجوع عنه محالاً كما لو أقر بنسب أو أقرب به، ثم رجع لا يقبل رجوعه والرضاع يجري مجرى النسب
стр. 5657
وإن كان هذا النكاح نظر، فإن كان الزوج هو الذي قال هذا فرق بينهما فإن كذبته أخذت نصف المسمى إن كان قبل الدخول أو كل المسمى إن كان بهد الدخول، وإن كانت هي المدعية أفتيته بأن يتقي الله ويدع نكاحها بتطليقة فتحل بها لغيره، وإن كانت كاذبة وأحلفته لها، فإن نكل حلفت وفرق بينهما، وإذا حلف الزوج يحلف على العلم وتحلف المرأة على البنت أنها أختها.
قال القفال: ولو قيل إنها تحلف على المعلم إثباتاً فيقول: والله لا أعلم أنه أخي من الرضاع ليكون يمين الرد موافقاً ليمين الابتداء كان أولى ثم لا مهر لها قبل الدخول [ق ١٧٥ أ] سواء حلف أو نكل لأنها لا تدعيه.
وقال في الحاوي في صف يمينه وجهان:
أحدهما: على العلم ليمين الزوجة إذا أنكرت الرضاع.
والثاني: البت والقطع، والفرق وإن كانتا على نفي فعل الغير أن في يمين الزوج مع تصحيح العقد فيما مضى إثبات استباحة في المستقبل فكانت على البت تغليظاً ويمين الزوجة لبقاء حق وجب بالعقد فكانت على العلم تحقيقاً.
فرع:
لو شك الزوج فلا يقع في نفسه صدقها ولا كذبها هل يجوز إحلافه وجهان بناء على الوجهين في صفة يمينه.
أحدهما: يجوز أن يحلف إذا قلنا يمينه على نفي العلم وله أن يستمتع بها حكماً وصار أن يفارقها فدعا.
والثاني: ليس له أن يحلف إذا قلنا يمينه على البنت وهو بالخيار بين أمرين: إما أن يرد عليها اليمين فإذا حلفت فسخ النكاح بيمنها.
وإما أن يطلقها واحدة لتحل لغيره من الأزواج وهذا أولى الأمرين.
فرع آخر:
لو قال بيني رضاع افتقر التحريم إلى ذلك العدد، ولو قال: هي أختي من الرضاع، فإن كان من أهل الاجتهاد لم يفتقر إلى ذكر العدد، لأن في اعترافه بأخوتها التزاماً لحكم التحريم بالعدد المحرم، وإن لم يكن من أهل الاجتهاد ويحتمل وجهين:
أحدهما: يلزم ذكر العدد ويرجع فيه إليه بعد إقراره لحهله بالتحريم.
والثاني: لا يلزم ذكر العدد ولا يرجع إليه بعد إطلاق الإقرار، كما لا يرجع إليه في صفة الطلاق بعد إقراره بالطلاق ويفارق الشهادة تفتقر فيها إلى صفة الرضاع وذكر العدد لأنها لا تصح إلا عن مشاهدة فاستوى فيها شروط المشاهدة وفي الإقرار لا يحتاج إلى
стр. 5658
المشاهدة لأنه لا يشاهد رضاع نفسه من لبن أمه وإنما يعمل فيه على الخبر الذي وثق بصدقه، ولأن من الشهادة إلزام حق على غير الشاهد فبني على [ق ١٧٥ ب] الاحتياط في نفي الاحتمال والإقرار إلزام حق على المقر فكان في ترك الاحتياط تقصير من المقر فألزم حكم إقراره.
فرع آخر:
لو شهد اثنان بالرضاع وقالا: تعمدنا بالنظر إلى الثدي لا لإقامة الشهادة لم يقبل لأنهما أخبرا عن فسق.
فرع آخر:
لو قالت: أرضعت البارحة طفلاً خمساً لا أدري هو ذا أم ذا حرما عليه ولو قالت: لا أدري ابني هذا أو ذا الطفل الأجنبي فالورع أن لا يتزوج بالطفل وجاز في الحكم.
فرع آخر:
قال القفال عن الشافعي: لو زوجت البكر بغير إذنها فادعت رضاعاً بينها وبين زوجها فالقول قولها مع يمينها ولو استؤذنت أو كانت ثيباً فأذنت ثم ادعت هذا لا يقبل لأنها معذورة إذا لم تستأذن وغير معذورة إذا اسنؤذنت.
قال الإمام الجويني من المنهاج: ظاهر كلام الشافعي ههنا أنه لا يقبل دعواها ولا فرق بين أن تكون بكراً وبين أن تكون ثيباً فيحتمل أن يكون الشافعي قصد بالتصوير في الثيب دون البكر ويحنمل أن تكون الثيب والبكر سواء، لأن الأب قام مقامها في حق العقد فهي كالمستأذنة، وإن كانت غير مستأذنة والعادة أن الأب يستقضي ويستبرئ ويحتاط ثم يعقد عليها العقد.
فرع آخر:
لو شهد شاهدان بالطلاق ففرق الحاكم بينهما، ثم رجعا عن الشهادة يعرفان فلو شهد شاهدان بأنها أخت الزوج من الرضاع سقط الغرم عن شاهدي الطلاق لأنا علمنا أنهما لم يتلفا عليه ملكاً ولا حالاً بينه وبين ملكه.
فرع آخر:
لو تزوج رجل ثلاث نسوة كبيرتين وصغيرة فأرضعت كل واحدة منهما هذه الصغيرة أربع رضعات، ثم حلبت كل واحدة منهما حلبة، ثم مزجا في إناء واحد ثم أوجز ماءها معاً هذا اللبن انفسخ نكاح الثلاث [ق ١٧٦ أ] لأنه جمع بين امرأة وأمها وحرمت الكبيرتان على التأييد، وأما الصغيرة في التفضيل إن كان دخل بالكبيرتين أو بإحداهما حرمت على التأييد لم يكن دخل بواحدة منهما حلت له. وأما المهر فللصغيرة نصف المسمى ويرجع
стр. 5659
على الكبيرتين بنصف مهر مثل الصغيرة على كل واحد منهما رجعياً.
وأما الكبيرتان فإن كان دخل بها ثبت لكل واحدة جميع مهرها على كل واحدة منهما بنصف مهر مثل صاحبتها لأنهما كانتا السبب في فسخ النكاح معاً فسقط ما قابل فعلها ووجب نصف المهر لأجل فعلها، وإن لم تكن دخل بهما ثبت لكل واحدة منهما ربع مهرها؛ لأن الفسخ جاء من قبلها وقبل غيرها، فثبت نصف النصف وهو الربع وترجع على صاحبتها بربع مهر مثلها لأنها أتلفت عليه نصف البضع، والبضع ههنا مضمون بنصف المهر.
قال أبو حامد: ويحتمل أن يقال يرجع عليه بنصف المهر والأول أصح هذا إذا أوجرناها اللبن معاً، فإن أوجرها اللبن إحداهما انفسخ نكاح الكل، وكان للصغيرة نصف المسمى وترجع هي على التي أوجرتها بمهر مثل الكبيرة الأخرى ولا ترجع في حق نفسها بشيء لأن الفسخ جاء من قبلها بعد الدخول، وإن لم يكن دخل بها سقط مهر السابقة ولغير السابقة المسمى وترجع بما غرم على ما فصلناه.
وإن كانت المسألة بحالها لها فأرضعت إحداهما الرضعة الخامسة دون الأخرى انفسخ نكاح التي أرضعت ونكاح الصغيرة معاً دون التي لم ترضع والحكم والرجوع كما لو كان له زوجتان صغيرة وكبيرة فأرضعت الكبيرة الصغيرة، وقد مضى، وهذا فصل متسع التفريغ وفيما ذكرنا كفاية فقص عليه ما يرد عليه إن شاء الله تعالى.
[ق ١٧٦ ب] باب رضاع الخنثى
مسألة:
قال: «وإن كان الأغلب من الخنثى أنه رجل نكح امرأة».
الفصل:
إذا رضع الخنثى بلبنه مولوداً فإن بان أنه رجل لم تثبت الحرمة بلبنه، وإن بان أنه امرأة ثبتت الحرمة بلبنها وكان ولداً لها، وإن كان مشكلاً وقف الأمر إلى أن يتبين، هكذا قال أبو حامد وجماعة، وقال القاضي الطبري: إذا كان مشكلاً قلنا له: ارجع إلى طبعك، فإن مال طبعك إلى أن يكون رجلاً كنت رجلاً لا تثبت الحرمة بلبنك، وإن مال طبعك إلى أن تكون امرأة كنت امرأة وكان المرضع ولدك، وإن قال: لا يميل إلى طبعي إلى أحدهما وليس لأحدهما على الآخر عندي مزية.
قال أبو إسحاق: يعرض لبنها على القوابل:
فإن قلن: هذا اللبن على غزارته لا يكون إلا لامرأة حكم بأنه وأن لبنه يحرم. وإن قلن يجوز أن يكون مثل هذا اللبن للرجل لم تثبت الحرمة بلبنه ويوقف إلى أن يكشف
стр. 5660
الأمر، وقال غيره: لا يكون اللبن دليلاً على الأنوثة بحال لأنه قد يكون للرجال.
وقال ابن أبي هريرة: إذا عدمت الأمارات كلها وعدم شهوتها في الميل يجعل اللبن دليلاً بكل حال، وهذا خلاف ظاهر المذهب، وقد ذكرنا فيما تقدم الأمارات الدالة على الذكورة والأنوثة وقيل المال أعم ملقى العضو فيقدم الاستدلال به، فإن لم يكن تعتبر المنفعة الخاصة وهو المني وذلك عند البلوغ، فإن أمنى من ذكره فهو رجل، وإن أمنى من فرجه فهو امرأة، وإن أمنى منهما فلا بيان فيه، وهل يعتبر الحيض وجهان:
أحدهما: يعتبر فإن حاض فهو أنثى، وإن لم يحض فهو ذكر.
والثاني: الاعتبار بالحيض، وإن اعتبر المني لأنهما يشتركان في المني ويختلفان في مخرجه فجاز أن يكون معتبراً [ق ١٧٧ أ] كما [يشتركان] في البول ولا يشتركان في الحيض، ويجوز أن لا يكون الدم حيضاً فلم يعتبره. ذكره في «الحاوي» والله أعلم.
وأما قوله ههنا: «وإن كان مشكلاً فله أن ينكح بأيهما شاء» عبارة مشكلة وليس معناها أنه يختار ما شاء ولكن معناها أن الواجب عليه مراجعة نفسه ليتأمل أمارات بلوغ شهواتها ثم يخبر عن نفسه بأنه رجل أو امرأة، فإذا أخبر بواحد منهما لزم ولا يمكن الرجوع بحال.
فرع:
لو ارتضعت الصغيرة من أم زوجها رضعتين والأم نائمة وأرضعتها الأم تمام الخمس والصغيرة نائمة فيه وجهان:
أحدهما: يسقط عن نصف المسمى نصفه وهو الربع.
والثاني: يسقط على عدد الرضعات فيسقط من نصف المسمى خمسان ويجب ثلاثة أخماسه. وقد ذكرنا نظير هذه المسألة فيما قبل والله أعلم.
стр. 5661
كتاب النفقات
باب وجوب النفقة للزوجة من كتاب النفقة
قال: قال الله تعالى: ?ذَلِكَ أَدْنَى أَلاَّ تَعُولُوا? [النساء: ٣]، أي لا يكثر من تعولون.
الأصل في نفقة الزوجات الكتاب والسنة والإجماع. أما الكتاب فقوله: ?فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وثُلاثَ ورُبَاعَ فَإنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلاَّ تَعُولُوا [النساء: ٣] فلولا أن النفقة واجبة عليه لهن ما ندبه إلى واحدة حذراً من المؤنة. وأيضا قوله تعالى: ?وعَلَى المَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٣]، وقوله تعالى: ?لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ ومَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ [الطلاق: ٧]، قُدِرَ [طه: ٤٠] أي ضيق.
وأما السنة فما روى أبو هريرة ﵁ أن رجلاً جاء إلى النبي ﷺ [ق ١٧٧ ب] فقال: يا رسول الله معي دينار فقال: أنفقه على نفسك فقال: معي آخر، فقال: أنفقه على ولدك، فقال: معي آخر فقال: أنفقه على أهلك فقال: معي آخر، فقال: أنفقه على خادمك فقال: معي آخر، فقال: أنت أعلم به، وروي: أنفقه في سبيل الله.
وروي أنه قال: «أنت أبصر» وروي أنه قدم الأهل، ثم قال: «أنفقه على ولدك» والرواية الأولى أصح.
وقال سعيد بن أبي سعيد المقبري: كان أبو هريرة إذا حدث بهذا الحديث يقول: ولدك، يقول: أنفق علي إلى أن تكلني، ويقول زوجك: أنفق علي أو طلقني، ويقول خادمك: أ، فق علي أو بعني، وكان يقول: هذا من كيسي فذكر فيه جميع الجهات التي يستحق بها النفقة وهي الزوجة والقرابة والملك ولكن النفقة تجب في النكاح من جانب واحد فإنه يجب نفقتها على الزوج ولا تجب نفقته عليها وكذلك في الملك تجب للمملوك على المالك ولا تجب للمالك على المملوك وفي القرابة يتصور من الجانبين على البدل فإنها تجب للابن على الأب، وللأب على الابن.
وأيضاً ما روت عائشة ﵂، قالت: جاءت هند أم معاوية إلى رسول الله ﷺ فقالت: إن أبا سفيان رجل شحيح وأنه لا يعطيني ما يكفيني وولدي إلا ما
стр. 5662
أخذت منه سرًا وهو لا يعلم فهل علي في ذلك من شيء فقال لها النبي ﷺ : "خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف" فدل هذا على وجوب نفقة الزوجة والأولاد، وفي هذا الخبر فوائد:
أحدهما: ما ذكرنا.
والثاني: أنه يجوز للمرأة أن تخرج من بيتها لحاجة وتستفتي العلماء فيما يعرض لها.
والثالث: أن صوتها ليس بعورة، لأن النبي ﷺ سمع كلامها [ث ١٧٨ أ] وأجابها.
والرابع: أن للإنسان أن يذكر ما في غيره من عيب عند الحاجة فإنها قالت: إن أبا سفيان رجل شحيح ولم ينكر عيبها.
والخامس: أن للحاكم أن يحكم بعلمه فإنه لم يطالبها بالبينة ومن قال: لا يجوز للحاكم أن يحكم بعلمه قال: هذا ذكر على سبيل الفتوى لا على الحكم.
والسادس: أنه قضى على الغائب وعندما يجوز ذلك خلافًا لأبي حنيفة وقيل: وهو الأشبه هذا لم يكن قصًا بل كان فتوى لأنه لم ينقل أن أبا سفيان كان غائبًا عن البلد ولم يسبق الدعوى وإقامة الحجة.
والسابع: أنه يجوز لمن له حق على غيره فمنعه من أن يأخذ من ماله بغير علمه.
والثامن: انه يجوز أن يأخذ من جنس حقه ومن غيره، لأن النبي ﷺ لم يفصل ذلك عليها.
والتاسع: أن النفقة لها ولولدها تنفق بالمعروف.
والعاشر: أن نفقة الولد على الأب دون الأم.
والحادي عشر: أن الأم الرشيدة قيمة ولدها.
وقد اختلف أصحابنا في هذا وظاهر المذهب أنها لا تلي ذلك من غير تولية ولكن الأصح ما ذكره الإمام الجويني صاحب المنهاج وأنا أفتي به لأن النبي ﷺ أمر هندًا بأن تأخذ من مال أبي سفيان وتنفق على صغار ولدها منه.
فإن قيل: من جعل الأم قيمًا يجعلها فيما بعد موت الأب فكيف يحتج بخبر هند وأبو سفيان، يومئذٍ حي، قيل: إذا أجاز لها رسول الله ﷺ أن تأخذ عند امتناع أبي سفيان وشحة ماله وتنفق وتقوم بمصلحة الأولاد التي لا يقوم بها أبوهم [ق ١٧٨ ب] استنبطنا من ذلك جواز قيامها بعد وفاة الأب.
فإن قيل: إنما جاز لهند القيام بنصب رسول الله ﷺ إياها لا بمعنى الأمومة. قلنا: الظاهر من كلام رسول الله ﷺ أنه قصد الفتوى على ما ذكرنا. وأيضًا روي عن حكيم بن معاوية القشيري عن أبيه، قال: قلت: يا رسول الله ما حق زوجة أحدنا عليه، قال: أن تطعمها إذا طعمت وتكسوها إذا اكتسيت ولا تضرب الوجه ولا تقبح ولا تهجر إلا في المبيت فدل على وجوب النفقة والكسوة لها، وفي قوله: ولا تضرب الوجه دليل على
стр. 5663
جواز ضربها على غير الوجه، وقد نهى رسول الله ﷺ عن ضرب الوجه نهيًا عامًا في الآدمي والبهيمة، وقوله: ولا تقبح معناه لا يسمعها المكروه ولا تشتمها بأن تقول: قبحك الله ونحو ذلك.
وقوله: ولا تهجر إلا في المبيت أي لا تهجرها إلا في المضجع ولا تتحول عنها أو تحول إلى دار أخرى.
وأيضًا روى عبد الله بن عمرو بن العاص أن النبي ﷺ أنه قال: "كفي بالمرء إنما أن يضيع من يعول".
وأما الإجماع فلا خلاف بين المسلمين فيه، وفيه ضرب من العبرة وهو أن المرأة محبوسة عن الزوج بمنعها من التصرف والأسباب فلا بد من أن ينفق عليها كالعبد مع سيده.
فإذا تقرر هذا فاعلم أن خبر أي سريره دليل على أن نفقة الرجل على نفسه مقدمة على نفقة زوجته وولده وخادمه، وأن نفقة ولده مقدمة على نفقة زوجته، وأن نفقة الزوجة مقدمة على نفقة الخادم في ظاهر الخبر إشكال [ق ١٧٩ أ] وهو أن يوهم أنه إذا أنفق على نفسه دينارًا لزمه أن ينفق بما فضل عن الدينار على زوجته وليس كذلك بل إذا ملك دنانير ونفقته تستغرقها لم يلزمه نفقة ولده، والقص من سؤال القائل وجواب رسول الله ﷺ مراتب النفقات لا مقاديرها. ثم اعلم أن إسماعيل بن إسحاق القاضي المالكي اعترض على الشافعي فقال ما قاله من التفسير في قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَلاَّ تَعُولُوا﴾ [النساء: ٣] غلط ومعناه أي لا تجوروا بترك القسم بينهن والميل إلى بعضهن.
والدليل عليه قول الشاعر:
وميزان قسط لا يحيف شعيرة ووزان عدل وزنه غير مائل
يعنى: غير جائز، قلنا: الغلط ما قلت يقال عال يعول إذا فات.
وقال ﷺ : "خير الصدقة عن ظهر غنى وليبدأ أحدكم بمن يعول" يريد بمن يموت.
وقد روي عن ابن مسعود ﵁ أنه قرأ ذلك: أدنى ألا تعولوا أي لا يكثر من تعولون. وقال الكسائي: سمعت العرب تقول: عال يعول. معناه: كثر عياله وأعال إذا كثر عياله وأعال في كلامهم أكثر.
وروي عن زيد بن أسلم مولى عمر ﵁ أنه فسره بذلك فاتبع الشافعي فيه الأثر، وروي عن ثعلب مثل ما ذكرنا عن الكسائي.
مسألة:
قَالَ: "أَنْ يَقْتَصِرَ الرَّجُلُ عَلَى وَاحِدَةٍ".
стр. 5664
الفصل:
إنما استحب الشافعي الاقتصار على امرأة واحدة ليكون أسلم لدينه وأبعد من الغرور فربما يقع فيما لا يمكن القيام بواجبه من النفقة والكسوة والقسم.
وقال ابن داود، وطائفة من أهل الظاهر الأولى [ق ١٧٩ ب] أن يستكمل نكاح الأربع إذا قدر على القيام بها ولا يقتصر على واحدة؛ لأن النبي ﷺ مات عن تسع نسوة، وقال ﷺ : "تناكحوا تكاثروا" وهذا غلط لأن النبي ﷺ كان معصومًا من الميل والجور، وتضييع الحقوق بخلاف الأمة. وأما قوله: "تناكحوا تكاثروا" إنما ندب على الاستكثار من النسل وذلك لا يتعلق بكثرة النساء، فقد يولد للرجل من المرأة الواحدة عدة أولاد ولا يولد من النسوة مثل ذلك.
وقال صاحب "الحاوي" أولى المذهبين عندي اعتبار حال الزوج، فإن كان ممن لا تقنعه الواحدة لقوة شهوته وكثرة جماعه فالأولى أن ينتهي إلى العدد المقنع من اثنتين أو ثلاثة أو أربع ليكون أغض لطرفه وأعف لفرجه إن كان يقنعه الواحدة فالأولى أن لا يزيد عليها وهذا حسن.
مسألة:
قَالَ: "وَفِي القُرْآنِ وَالسُّنَّةِ بَيَانُ أَنَّ عَلَى الرَّجُلِ مَا لَا غِنَى بامْرَأَتِهِ عَنْهُ مِنْ نَفَقَةٍ وَكُسْوَةٍ وَخِدْمَةٍ".
الفصل:
جملته أن على الرجل نفقة امرأته وكسوتها على ما يجيء بيانه فيما بعد إن شاء الله. وأما الخادم فإن كان مثلها مخدومه في العادة لفضلها وجلالتها فعليه إخدامها، وإن كان مثلها لا يخدم لخساسها وضعه نسبها فليس عليه إخدامها بل يخدم نفسها والمرجع في هذا إلى العرف والعادة ولا يعتبر ما ترتب المرأة نفسها به، فإن كانت دنية فكبرت لم يجب عليه إخدامها، وإن كانت جليلة فتواضعت وخدمت نفسها لم يسقط إخدامها متى طلبته، فإن مرضت أو زمنت واحتاجت إلى من يخدمها وجب عليه إخدامها دنية كانت أو جليلة كما إذا كان له ابن صغير يلزمه نفقته، وأن يخدمه خادمًا، وقيل: يعتبر من كون المرأة مخدومة عرف الشرع وعرف البلد [ق ١٨٠ أ] فإن عادة أهل مصر الاستخدام وعادة أهل السواد أن يخدموا ولا يستخدموا.
وقال داود: لا يجب إخدامها لما روي أن فاطمة ﵂ طلب من علي ﵁ جارية فقال لها: اطلبي من أبيك ﷺ فطلبت فلم يعطيها، وهذا غلط لقوله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ١٩] وهذا من المعروف، ولأن الخدمة من جملة
стр. 5665
كفايتها فأشبه الإدام.
وأما خبر فاطمة ﵂، قلنا كان زوجها في ذلك الوقت معسرًا وإنما يجب ذلك على الموسر.
واعلم أن الشافعي قبل إيجاب الخدمة ونفقتها وكسوتها بحالة زمانة الزوجة ومرضها، فقال: وخدمة في الحال التي لا تقدر على ما لإصلاح بدنها من زمانة ومرض إلا به، فأوهم أن الزوجة إذا كانت صحيحة البدن ليست بها زمانة ولا مرض فليس على الزوج أن يعطيها نفقة الخادمة.
ثم قال المزني: قال الشافعي في كتاب عشرة النساء أن يكون عليه لخادمها نفقة إذا كانت ممن لا تخدم نفسها، وقال في كتاب العشرة أيضًا: إذا لم يكن لها خادم فلا يتبين أن يعطيها خادمًا ولكن يجبر على من يصنع لها الطعام الذي لا تصنعه هي ويدخل عليها ما لا تخرج لإدخاله من الماء وما يصلحها وما يجاوز به ذلك.
ثم قال: قد أوجب لها في موضع من هذا الكتاب نفقة خادم، وقال في كتاب النكاح: إملاءً على مسائل مالك والمجموعة، وقاله في كتاب النفقة، وهو أولى بقوله لأنه لم يختلف قوله أن عليه أن يزكي عن خادمتها فكذلك ينفق عليها، ومما يؤكد ذلك ولو أراد أن تخرج عنها أكثر من واحدة أخرجهم فتوهم المزني أن للشافعي قولين في وجوب نفقة الخادمة واختار لنفسه الإيجاب على أصل الشافعي.
واحتج بزكاة الفطر كما ترى فقال للمزني بهذا الجواب [ق ١٨٠ ب] يزول الإشكال والوهم، وأن نفقة الخادم واجبة إذا كانت مخدومة في عشيرتها ولهذا أوجب زكاة الفطر عنها على الزوج، وقد علمت أنها المزني أن زكاة الفطر تابعة للنفقة فلو اختلف قوله في وجوب نفقتها لاختلف قوله في وجوب زكاة الفطر عنها، وقد ذكرت أن قوله لم يختلف في وجوب زكاة الفطر عنها فكيف توهمت اختلاف قوله في وجوب نفقتها.
وأما تقييد الشافعي في كلامه بالمرض والزمان يحتمل معنيين:
أحدهما: أنه نص على أظهر الحالين من وجوب نفقة الخادم في حال صحة الزوجة وكثيرًا بنص الشافعي على أظهر الصورتين ولا يقصد الفرق بين الصورتين.
والثاني: أنها إذا كانت مريضة أو زمنة يحتاج إلى زيادة الخدمة ويستغني عن ذلك في زمان الصحة فأراد أن يبين وجوب المونة على الزوج في الخدمة لأنا، إن كنا لا نوجب على الزوج أجر طبيب ولا حجام فإنا نوجب عليه النفقة المعتادة في حالتي المرض والصحة أو قيل بحالة المرض تسوية بين المعسر والموسر، فإن امرأة المعسر في حالة المرض يستحق الخادمة أيضًا.
وأما قوله في كتاب عشرة النساء: "يحتمل أن يكون عليه لخادمها نفقة فليس في ذلك تعليق القول.
وقد ذكر الشافعي لفظ الاحتمال في مواضع ولم يقصد تعليق القول وكذلك قال في
стр. 5666
مسائل كثيرة: ولا يتبين لي كذا وكذا ولم يقصد به القولين في المسألة، وقيل: أراد ويحتمل الكتاب والسنة أن يكون فيها دليل على وجوبها وإنما قال الشافعي عليه نفقة خادمها، إذا كانت مثلها تخدم والذي قال: لا نفقة عليها لخادمها أراد إذا كانت لا يخدم مثلها وزكاة الفطر على هذا أيضًا ولا فرق بينهما.
فرع:
كل موضع أوجبنا لها الإخدام [ق ١٨١ أ] لا يزاد على خادم واحد لأن فيه كفاية في خدمة نفسها ولا تجب على الزوج إقامة من يحفظ مالها ويقوم بحملها، وبه قال أبو حنيفة، وأحمد، وقال مالك: إذا كانت ممن يخدم في بيت أبيها بخادمين أو أكثر وجب لها لأنها تحتاج إلى ذلك وهذا غلط لقوله ﷺ خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف والمعروف خادم واحد، ولأن الزيادة على الواحد ما يحتاج إليه لمالها فلا يلزمه القيام به ولهذا لا يلزمه زكاة مالها ويلزمه زكاة بدنها ولا يفتقر هذا الحكم بفقر الزوج وغنائه إلا إذا كان فقيرًا ينفق نفقة المعسرين عليها وعلى خادمها.
فرع آخر:
قال أبو إسحاق: الزوج بالخيار بين أربعة أشياء: إما أن يشتري لها خادمًا ينفق عليه ويزكي عنه، أو يستأجر لها خادمًا ينفق عليه ولا يزكي عنه، أو يكون لها خادم، وقد رضيت خدمته وهي تريده فيلزم الزوج أن ينفق عليه ويزكي عنه، أو يخدمها بنفسه.
ومن أصحابنا من قال: هو بالخيار من ثلاثة أشياء وهي ما ذكرناها أولًا فأما إذا أراد أن يخدمها بنفسه فإن رضيت فله ذلك، وإن كرهت خدمته وجب عليه أن يخدمها بغيره؛ لأن العادة أن المرأة تحتشم استخدام زوجها فتكون ضرر عليها، والأول أصح ولا يلزمه أن يملكها خادمًا بلا خلاف.
وقال القفال إذا قال: أخدمك بنفسي وأقوم بما لا تصنعين من كنس البيت وغسل الثياب واستبقاء البيت وغير ذلك فله ذلك إلا في أمور تحتشم من استخدامه مثل حمل الماء إلى المستحم وصب الماء على اليد للغسيل ونحو ذلك مما يرجع إلى خدمة نفسها فلها الامتناع لأنها تستحي من استخدامه في مثل ذلك، وهذا حسن لم يقله غيره.
فرع آخر:
لو قالت: أنا أخدم نفسي فأعطني أجرة الخادم لم يلزمه ذلك لأنها إذا لم تختر أن تترفه بخدمة غيرها ورضيت بتحمل المشقة سقط حقها [ق ١٨١ ب] ولم تستحق العوض كما تقول في العامل في مال المضاربة له أن يبدل الأجرة للحمال والثقال والمنادي ولا يلزمه أن يتولى ذلك بنفسه، فإن رضي يتحمل المشقة وعمل ذلك بنفسه لم يجز له أن يأخذ من المال أجرته كذلك ههنا.
стр. 5667
فرع آخر:
ينبغي أن يخدمها في جوف دارها النساء أو محرمها أو صبي لم يحتلم، وأما الشيخ الهم ومملوكها وجهان بناء على الوجهين في عورتها معهما.
فرع آخر:
لو أراد أن يستخدم لها من خالف دينها من اليهود والنصارى فيه وجهان:
قال أبو إسحاق: يجوز لحصول الخدمة بهم ولأنهم ربما كانوا أذل نفوسًا وأسرع في الخدمة، وقال غيره: لا يجوز، لأن النفوس ربما تعاف استخدامهم وربما لم يؤمنوا العداوة الذين، ولو قيل: يجوز أن يقوموا بالخدمة الخارجة دون الداخلة كان وجهًا.
فرع آخر:
لو اختارت امرأة لخدمتها واختار الزوج غيرها فيه وجهان:
أحدهما: الخيار لها، لأن الخدمة حق لها وربما كانت التي تطلبها أقوم بخدمتها.
والثاني: الخيار إلى الزوج لأن عليه الإخدام فلا يتعين عليه الجهة نفقتها ولأنه قد يتهم من تختاره المرأة فكان الاختيار إليه.
فرع آخر:
لو كانت عندهم خادمة حرة أو مملوكة لها فأراد الزوج إخراجها وإبدالها بغيرها فليس له ذلك إذا لم يكن بها عيب أو ظهرت بها خيانة توجب ذلك لأنا لو ملكناه من ذلك فكلما ألفت خادمًا واعتادت خدمتها أبدلها فيلحقها ضرر فيه، ولو كان لها غلام له أن يخرج عنها أكثر من واحدة فيقول: لا أدعهن في بيتي وكذلك لو كان لها مال في بيته له أن يكلفها إخراجه من بيته بغير أمره فله أن يكلفها إخراجه من بيته، ذكره القفال وهو حسن صحيح.
مسألة:
قَالَ: "وَيُنْفِقُ المُكَاتَبُ عَلَى وَلَدِهِ مِنْ أَمَتِهِ".
[ق ١٨٢ أ] صورة المسألة أن يشتري لها كانت جارية للتجارة، وقلنا له: أيطأها لأنه ليس له أن يطأ الأمة تملك اليمين أذن السيد أو لم يأذن في أصح القولين فخالف ووطئها وأولدها لا يجب الحدّ عليه لشبهة الملك ويلحق به النسب ويكون الولد مملوكًا له فيلزمه أن ينفق عليه معنيين:
أحدهما: أنه مملوك له ويلزمه أن ينفق على مماليكه الذين اشتراهم كذلك على هذا.
стр. 5668
والثاني: أنه ليس له الإنفاق عليه تعزيرها في يده من المال لأنه لا يخلو إما أن يعتق أو يرق، فإن عتق المال الذي في يده له، وقد أنفق منه على ولده، وإن عجز ورق فهو وولده مملوكًا للسيد وما في يده من المال ملك السيد فكأنه أنفق من مال السيد على عبيده فلم يكن فيه تعزي ربه.
فرع:
لو وهب للكاتب أبوه أو ابنه وهما كسوبان فله أن يقبل، فإن كان زمنًا أو غير كسوب أو الولد صغيرًا فليس له أن يقبل فإن اتهب ابنه الكسوب فمرض فعليه أن ينفق من مال الكتابة كما لو مرض المكاتب بنفسه أنفق على نفسه من ذلك. ذكره القفال.
مسألة:
قَالَ: "وَلَوْ كَانَتْ امْرَأَتُهُ مُكَاتَبَةٍ وَلَيْسَ كِتَابُهُمَا وَاحِدَةً وَلَا مَوْلَاهُمَا وَاحِدًا وَوَلَدَ لَهُ فِي الكِتَابَةِ أَوْلَادٌ فَنَفَقَتَهُمْ عَلَى الأُمِّ".
الفصل:
جملة هذا أن المكاتب يلزمه أنه ينفق على ولده من أمته على ما ذكرنا، فأما ولده من زوجته فلا يلزمه أن ينفق عليه سواء كان من الحرة أو الأمة أو من المكاتبة وإنما قلنا إنه لا ينفق على ولده من امرأته الحرة، لأن الولد حر فلو أوجبنا عليه الإنفاق كان ذلك نفقة الأقارب وذلك يجب على طريق المواساة وليس المكاتب من أهل المواساة وأيضًا فإنها تجب على المؤسر والمكاتب معسر لأن ما في يده من المال يتعلق به [ق ١٨٢ ب] حق السيد حتى يؤدي على ما عليه ويعتق، وأما ولده من امرأته فلا يلزمه أن ينفق عليه لهذين المعنيين، وأيضًا فإن ولده منهما مملوك لغيره إن عجز كان المال للسيد فيكون قد أنفق منه على غير مملوكه والمكاتب ممنوع من التعزير بالمال.
فإن قيل: أليس فيه أن ينفق على زوجته مما في يده فما الفرق قيل: الفرق أن نفقة الزوجة طريقها المعاوضة والمكاتب في المعاوضة كالحر وليس كذلك نفقة الولد لأنها مواساة وليس المكاتب من أهل المواساة مما في يده.
فإذا تقرر أن المكاتب لا ينفق عليه فإن كان ولد حرة وجب على الأم أن تنفق عليه لأن الأب إذا لم يتحملها وجب على الأم تحملها، وإن كانت أمة مملوكة لغير سيده فنفقته على سيد الأمة لأنه مملوك له، وإن كانت أمة مكاتبة لغير السيد فيه قولان:
أحدهما: أنه مملوك للسيد فيلزمه أن ينفق عليه.
стр. 5669
والثاني: أنه موقوف على عتق الأم ورقها فعلى هذا هل تجب النفقة على السيد أو المكاتبة قولان:
أحدهما: تجب على السيد لأنه لما لزمه أن ينفق على ولد أم ولده فكذلك يلزمه على ولد مكاتبته.
والثاني: يجب على المكاتبة لأن نفقة نفسها لما وجبت عليها فكذلك نفقة ولدها وليس كذلك أم الولد، قال نفقتها على سيدها فكذلك تنفقه ولدها وهذا أصح، وإن كانت أمة مملوكة لسيده لا يلزمه أن ينفق عليه لما ذكرنا فإن أحب أن ينفق عليه كان له لأنه ليس فيه تعزير بما في يده من المال لأنه إن عجز رق وكان المال لسيده وهو وولده مملوكان له فيكون قد أنفق من ماله [ق ١٨٣ أ] على مملوكه، وإن عتق يكون المال له فكأنه أنفق على ولده الحر من مال نفسه ولهذا اشترط الشافعي أن لا يكون مولاهما واحد فإنه لا يجوز الإنفاق عليه هناك كما لا يجب وههنا يجوز، وإن لم يجب.
وأما قوله: وليس كتابتهما واحدة إنما ذكر لأن كتابة عبد ربه في عقدة واحدة فوجب بلأن العقدين، وإذا كانت الكتابة فاسدة فلا يكون الولد تابعًا فيها فأراد أن يعبر عن الكتابة الصحيحة، وقيل: قصد به الرد على مالك فإنه قال: إذا كانت كتابتهما واحدة ومولاهما واحد ملزم النفقة على الأب، ولم يذكر الشافعي هذا على وجه الشرط على مذهبه، وهذا لأن الولد تبع الأم في الحرية والرق سواء كانت الكتابة واحدة أو لم تكن الكتابة واحدة.
مسألة:
قَالَ: "وَلَيْسَ عَلَى العَبْدَ أَنْ يُنْفِقَ عَلَى وَلَدِهِ مِنْ امْرَأَةٍ حُرَّةٍ أَوْ أَمَةٍ".
العبد القن أضعف حالًا من المكاتب وقد ثبت أن المكاتب لا يلزمه نفقة ولده من امرأته فالعبد أولى وحكم نفقة الولد على من تجب على ما ذكرنا إذا كانت المرأة حرة أو أمة للغير.
باب قدر النفقة
مسألة:
قَالَ: "النَّفَقَةُ نَفَقَتَانِ نَفَقَةُ المُوسِعِ وَنَفَقَةُ المُقْتِرِ".
الفصل:
نفقة الزوجة معتبرة بحال الزوج، فإن كان موسرًا لزمه نفقة الموسرين سواء كانت المرأة موسرة أو مقترة، وإن كانت مقترًا لزمته نفقة المعسرين سواء كانت المرأة موسرة أو
стр. 5670
معسرة لقوله تعالى: ﴿لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ﴾ [الطلاق: ٧] فاعتبر حال الزوج وخالف بين نفقته موسرًا أو معسرًا.
فإذا تقرر هذا فإن كان الزوج معسرًا فنفقتها مد، وإن كان متوسطًا فنفقتها مد ونصف، وإن كان موسرًا فنفقتها مدان، وإنما قلنا هكذا لأن المد أقل ما يجب في الكفارات والمدان أكثر ما يجب وهو في فدية الأذى وجعلنا المتوسط بينهما فزدنا على ما يجب على المعسر ونقصنا مما يجب على الموسر، وقول الشافعي: والنفقة نفقتان أراد به ما ثبت بالنص وهو نفقة الموسر والمعسر.
فأما نفقة المتوسط ثبتت بالاجتهاد، وقال أبو حنيفة، ومالك: لا تتقدر النفقة هكذا بل يلزم كفايتها وللحاكم أن يزيد على المدين وينقص على المد على حسب زيادتها وزعتها في الأهل وله التسوية بين الغني والفقير.
واحتج بقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٣] والمعروف: الكفاية ولأنه سوّى بين النفقة والكسوة، ثم الكسوة تعتبر بحالها فكذلك النفقة، وهذا غلط لما ذكرنا من الآية.
وأما ما ذكر لا يصح لأن المعروف مجمل وفسره في ......
وأما الكسوة فلا يقع فيها التنازع والتفاوت بخلاف النفقة فيعتذر لقطع التنازع، وقال أحمد: تعتبر بحال الزوجين فعلى الموسر للفقيرة نفقة متوسط. وأما جنس النفقة فيعتبر بغالب قوت البلد، فإن كان بخراسان أو بالعراق فمن البر وإن كان بطبرستان فمن الأرز، وإن كان بالمدينة وحواليها فمن التمرد وهو كما قلنا في زكاة الفطر والكفارات يعتبر فيها غالب قوت البلد. ومن أصحابنا من قال: بغير قوته كما يعتبر مقدارها بحاله، وهذا غلط، لن الكفارة وزكاة الفطر [ق ١٨٤ أ] تعتبر بحال المكفر والمزكي أصلهما ويعتبر جنسهما بغالب قوت البلد كذلك ههنا، فإذا ثبت هذا فالواجب أن يدفع إليها الحب نفسه، لأن ذلك سيئ على الكفارة في المقدار والجنس فكذلك يبني عليها في وجوب تمليك الحب، فإذا أرادت المرأة قيمة الحب، واجتمع الرجل أو أراد الرجل القيمة وامتنعت المرأة لم يجبر الممتنع منهما عليه، وإن تراضيا جميعًا على قيمة الحب فهل يجوز وجهان:
أحدهما: لا يجوز، لأن الذي وجب في ذمة الطعام، ومن كان له طعام في ذمة غيره لم يجز له أن يأخذ قيمته لأنه يكون مع الطعام قبل القبض ألا ترى أنه لو كان له في ذمته طعام من سلم فتراضيا على أخذ قيمته لم يجز لما ذكرنا، ولأن النفقة كالكفارة، وقد تقرر في الكفارة أنه لا يجوز إخراج قيمة الحب فكذلك ههنا.
والثاني: يجوز وهو اختيار أبي إسحاق وهو المذهب؛ لأن النفقة إنما وجبت في ذمته على طرق الرفق فجاز أخذ قيمته بالتراضي كما لو كان عليه الطعام من جهة القرض ولأن الطعام إذا وجب مستقرًا في الذمة جاز قيمته مثل القرض والميراث، وإذا لم
стр. 5671
يكن مستقرًا لا يجوز مثل البيع والمسلم فيه، فإن البيع يجوز أن يتلف قبل القبض فينفسخ البيع ويجوز أن يتقطع المسلم فيه فينفسخ السلم ويسقط الطعام من الذمة وههنا الطعام مستقر في الذمة والمستحق آدمي معين فجاز أخذ العوض عنه ولا يشبه هذا الكفارة لأن الفقير الذي يستحقه غير معين وهو حق الله تعالى فلا يعمل فيه بالتراضي بينهما.
وأما إذا خلف الدقيق أو الخبز عوضًا عن الواجب لها، قال بعض أصحابنا: لا نص فيه والقياس أنه لا يجوز ذلك [ق ١٨٤ ب] لأنه يكون بيع الحنطة بجنسها متفاضلًا، وهذا صحيح عندي، وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه وجهان فظاهر المذهب جوازه، وهو غلط.
وأما نفقة الخادم، فإن كان موسرًا فنفقته مد وثلث ثلثا نفقة الزوجة، وإن كان معسرًا أو متوسطًا فنفقته مد وإنما لم يزد على مد عند التوسط لأنه لم يوجد سعة كاملة يوجب للخادم زيادة.
وذكر بعض أصحابنا أنها على المتوسط مد وثلث. وهو غلط لا تحكى. فإن قيل: فقد سويتم بين امرأة المعسر وبين خادمتها فأوجبتم لكل واحد منهما مدًا واحدًا قلنا: القياس يقتضي أن يكون للخادمة عند إعساره ثلاثًا مد كما قلنا لامرأة المتوسط مد ونصف وللخادم مد واحد وهو ثلثا ما جعلناه للمرأة إلا أن المد الواحد لا يحتمل التبعيض لأنه أقل ما يقوم به البدن فكلمناه وهذا كما قلنا القياس أن تكون عدة الأمة بقرء ونصف إلا أن القرء الواحد لا يحتمل التنقيص فكملناه قرءين.
فإن قيل: فمن أين أخذتم تقدير نفقة الخادم بمدٍّ وثلث عند يساره ونفقة المرأة بمدين قيل: إنما أخذه الشافعي من الميراث وهو أن للأب على الأم فضل في الميراث كما للزوجة ههنا على الخادم فضل في النفقة، ثم هناك حالتان حالة النقصان وهو إذا كان للميت ابن وحالة التفضيل وهو إذا لم يرثه إلا أبوه ففي حالة النقصان استوى الأبوان فلكل واحد منهما السدس، وفي حالة السعة والزيادة يزيد على هذا السدس مثلًا ما زيد للأم فإنه بلغ نصيب الأب الثلثين ونصب الأم الثلث فكذلك ههنا زيد للمرأة في حال الكمال مد على ما كان في حال النقصان وزيد للخادم وثلث مد وعند [ق ١٨٥ أ] الإعسار استويا كما استوى الأبوان هناك في السدس.
ومن أصحابنا من قال: أخذ نفقة الموسر من نفقة المتوسط لأن هناك للمرأة مدًا ونصفًا وللخادم مدًا ففي حالة اليسار يجب أن يكون للخادم أيضًا ثلثا ما للزوجة وذلك مد وثلث.
فرع:
إذا أعطاها الحب على ما ذكرنا، قال القفال: يلزمه أن يعطيها مونة إصلاحه للطحن والحر أو يكفيها إصلاحه.
وقال في "الحاوي": إن كانت عادة أمثالها أن يتولوا طحن أقواتهم وخبزها بأنفسهم
стр. 5672
كأهل السواد كان مباشرة طحنه وخبزه عليها دون الزوج وإن لم يكن كذلك كان الزوج بالخيار بين أن يدفع إليها أجرة الطحن والخبز وبيم أن يقيم لها من يتولي صحنه وخبزه.
مسألة:
قال: " ومَكيلَةٌ منْ آدَمَ بلِاَدِهِا زَيْتاً كَانَ أَوْ سَمْناً".
قد ذكرنا الكلام في القوت والكلام الآن في الإدام، وهو واجب أيضاً لأن الله تعالي أمر برزقهن وكسوتهن بالمعروف، ومن المعروف أن يعطيها مع القوت إدماً، لأنه في الخبز البحث مضرة ومشقة.
وقد قال ابن عباس في تفسير قوله تعالي: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ [الماَئدة: ٨٩] الخبز والزيت.
وقال ابن عمر: الخبز والسمن والخبز والزيت، والخبز والتمر ثم الاعتبار في الإدام بغالب أدم البلد كما قلنا في القوت، فإن كانت بالشام فمن الزيت، وإن كانت بالعراق فمن الزيت والشيرج لأنهما جميعاً ما يقدم ثم الإدام فير مقدر وإنما هو علي حسب كفايتها في العادة والفرق بينه وبين القوت حيث جعلناه مقدراً وإنما هو عاي حسب كفايتها في العادة والفرق بينه وبين القوت حيث جعلناه مقدراً لأن للقوت أصلاً في التقدير وهو في الكفارات فحملنا وليس كذلك الإدام [ق ١٨٥ ب] لأنه لا أصل له، وقول الشافعي لها مكيلة من الإدام لم يرد به التقدير بل أراد لها مقدراً من الإدام باجتهاد القاضي، يلزم القاضي أن يجتهد حتى يضعف ذلك القدر لامرأة الغني، فإن فرض لامرأة الفقير أو فيه من دهن وهي أربعون درهماً فرض لامرأة الموسر وقيتين وفرض لامرأة المتوسط أوقية ونصفاً وقيل: المكيلة تقارب الأوقية.
فرع:
أدم خادمتها من أدم المخدومة وقدرة علي قدر قوتها وهل تساوي المخدومة في الجودة.
اختلف أصحابنا فيه فمنهم من قال: يساويهما في ذلك كما يجب طعامها من جنس طعام المخدومة، ومنهم من قال: إنها دونه في الجودة، ن فإذا كان للمخدومة زيت جيد فرض للخادم زيت دون لأن هذا هو العرف في الإدام والعرف في الطعام أن يكون من جنس طعامها وهذا هو المنصوص.
قال هذا القائل: وعلي هذا إذا أعطي المخدومة حنطة جيدة كان له أن يعطي الخادم حنطة دونها في الجودة.
стр. 5673
مسألة:
قال: " وَيُفرْضُ لهَا فِي دُهْنٍ وَمُشْطٍ أَقَلُّ مَا يَكْفِيهَا".
جملته أن الزوجين بمنزلة المتواجدين لأن الزوج يملك الزوج منفعة المرأة بعوض كما أن المستأجر يملك منفعة الدار بعوض، وقد ثبت أن كل مونة تلزم في حفظ أصل الدار ورقبتها فإنها علي الأجر من بناء ما استهدم وإدخال جذع انكسر وبناء حائط وقع وكل ما يحتاج إليه التنظيف الدار وتزينها فهي علي المستأجر مثل كنس الدار وغسلها، فعلي هذا كل ما يحتاج إليه للتنظيف والزينة فهو علي الزوج مثل المشط والطييب والدهن [ق ١٨٦ أ] لرأسها ونحو ذلك.
فرع:
يعتبر الخرف في الدهن للرجل الشعر فمن البلاد ما يدهن أهله بالزيت كالشام فهو المستحق ومنها بالشيرج كالعراق فهو المستحق ومنها المطيب بالورد والبنفسج فهو المستحق ووقته كل أسبوع مرة، فإن النبي ﷺ قال: ادهنوا بذهب البؤس عنكم والدهن في الأسبوع بذهب البؤس.
فرع آخر:
الكحل للزينة كالإثمد علي الزوج إن طلبته وما كان للدواء علي الزوجة، وأما الحناء إن لم يطلبه الزوج لا يلزمه ولا يلزمها، وإن طلبه الزوج وعليها ووجب علي الزوج مؤنته. قال النبي ﷺ لعن السلتا والمرها. فالسلتا: التي لا تخضب. والمرها: التي تكتحل فيعل ذلك إذا كرهت زوجها فيفارقها.
فرع آخر:
الطيب إن كان مرسلاً سوله الجسد يستحق علي الزوج لها لأنه مراد للتنظيف وما كان للالتذاذ لا يلزم، وقيل الشافعي من دهن ومشط بفتح الميم وأراد بالمشط آلة المشط آلة المشط من الأفايه والغلسة إذا كان ذلك من عرف بلادهم.
فرع آخر:
لو كانت عادتها دخول الحمام مجب أجره الحمام عليه لأنه يرد للتنظيف وإن لم تجر عادتها بذلك لا يجب عليه وهو في أهل القرى وذلك في أهل المصر.
وقال في "الحاوي": يجب في المصر في كل شهر مرة ليخرجن به من دنس الحيض الذي يكون في كل شهر مرة في الغالب.
стр. 5674
فرع آخر:
لو أردت أن تصرف ما قبضه من النفقة إلي ما يضرها وينقص بدنها هل له الاعتراض عليها فيه وجهان [ق ١٨٦ ب] والصحيح، عندي أن له ذلك.
مسألة:
قال: "وَلَيْسَ ذَلَكَ لخَادِمَهَا لأنَّهُ لَيْسَ بِالمعْروفِ لهَا".
أراد ليس لخادمها الدهن والمشط لأن ذلك إنما يراد للزينة والخادمة لا تزين في العادة بل يكون شعثة ولأن لها أن لا تتزين لأنها لا تحل للرجل.
وقال القفال: إنما لا يلزم لها ما يراد به التزيين واستمالة قلب الرجل فأما ما لابد منه بحيث إذا لم يكن تأذن بالوسخ والهوام يلزم الخادم أيضاً، وهذا صحيح والخادم يستحق الدواء لأنه من حقوق الملك، فإن كانت ملكاً له فعله ذلك وغن كانت ملكاً لها فعليها.
مسألة:
قال: وَقِيلَ فِي كُلَّ جُمْعةٍ رَطْلُ لحْمٍ".
جملته علي الزوج أن يطعم زوجته اللحم؛ لأن العادة جارية به ويعطيها في كل أسبوع يوماً إن شاء في كل يوم جمعة، وإن شاء في غيره ولكن الأفضل ما ذكره لأنه عرف عامة الناس.
وقال أصحابنا: وإنما قال رطل لحم علي عادة مصر؛ لأن اللحم يغريها فأمّا في الموضوع الذي يرخص فيه اللحم يفرض لها أكثر من ذلك والمراد بهذا القدر أيضاً امرأة المقتر، فأما امرأة الموسر فلها رطلان في كل جمعة ولا مرأة المتوسط رطل ونصف، لأن الشافعي قال بعد هذا ومن اللحم والأدم ضعف وما وصفت لامرأة المقتر وقيل: الموسر هو الذي يقدر علي نفقة الموسرين في حق نفسه، وفي حق كل من يلزمه نفقته من كسبه لا من أصل ماله المقتر هو الذي لا يقدر أن ينفق من كسبه علي نفسه وعلي من يلزمه نفقته [ق ١٨٧ أ] إلا نفقة المعسرين، وإن زادت عليها كانت من أصل ماله لا من مكسبه والمتوسط هو الذي يقرر أ، ينفق من كسبه علي نفسه وعلي من يلزمه نفقته نفقة المتوسطين، فإن زادت عنه كانت من أصل ماله، وإن نقص عنها من كسبه فيكون اليسار والإعسار معتبراً بالكسب في وجوب النفقة ولا يعتبر بأصل المال كما في الكفارات. [ذكره] في الحاوي.
стр. 5675
فرع:
الخادم هل يستحق اللحم، قال أبو حامد: ينبني علي الوجهين في أدامها، فإن قلنا لها منىدم الزوجة فلها اللحم أيضاً، وإن قلنا إنه دونه في الجودة فلا يعطيها اللحم.
وقال بعض أصحابنا خراسان: لأن يستحق الخادمة اللحم وجهاً واحداً ولكن العادة جارية أن المخدومة تغترف خادمتها من مرسها إذا طبخت لحمها وتعطي لإصلاح اللحم ما يحتاج إليه من الحطب وغيره.
مسألة:
قال: "وَفُرِضَ لهَا مِنَ الكُسْوةِ مَا يُكْتَسِي مثْلهَا ببِلَدهَا".
الكسوة واجبة علي الزوج لقوله تعالي: ﴿وعَلَى المَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [الَبقَرةَ: ٢٣٣] لأن قوام بدنها بالكسوة كما أن قوامها بالنفقة وكانت واجبة لها، فإذا ثبت هذا فإنها معتبر بكفايتها وليست بمقدرة لأنه ليس إما أجل مقدر في الشرع فاعتبر بالكفاية.
ثم الكلام فيها ثلاثة فصول في عددها وقدرها وجنسها:
أما العدد فعليه في الصيف أربعة قمص وسراويل ومصعة وما تلبسه في الرجل من نعل أو شمشك أو غيره.
وأما الخادمة فتعطي قميصاً ومقنعة وخفاً فجعل الشافعي للخادمة خفاً [١٨٧ ب] ولم يجعله للمخدومة وجعل للمخدومة السراويل ولم يجعله للخادمة، وإنما كان كذلك لأن السراويل يراد للزينة أو لستر العودة والخادمة لا تتزين. وأما ستر العورة فإن ساقها ليس بعورة وما هو عورة منها فإن القميص يستره والخف أيضاً يستر ساقها، وأما الخف فإنها تخرج في الحوائج إلي التسوق فلا بد لها من الخف والمخدومة لا تحتاج إلي الخروج فلا حاجة بها إلي الخف.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: المعروف أن يعطي الخامة السراويل أيضاً ولعله أعرض عن ذكره اعتماداً علي العرف والعادة في مثله، وهذا أصح عندي، وقال في " المنهاج". إنما ألزم الشافعي السراويل للمرأة في البرد ولم يلزمه ذلك في الصيف لأنه قال في المختصر ويفرض لها في الصيف قميص وملحفة ومقنعة ولم يذكر السراويل، وفي كسوة الشتاء للبرد ولذلك ألزمه لها في الشتاء خماراً ومقنعة ولم يلزمه في الصيف سوي المقنعة للمعني الذي ذكرناه من دفع البرد.
следующие страницы →