Полный текст (7 151 стр.). Показаны 5671–5710 · переход к 5676.
стр. 5671
يكن مستقرًا لا يجوز مثل البيع والمسلم فيه، فإن البيع يجوز أن يتلف قبل القبض فينفسخ البيع ويجوز أن يتقطع المسلم فيه فينفسخ السلم ويسقط الطعام من الذمة وههنا الطعام مستقر في الذمة والمستحق آدمي معين فجاز أخذ العوض عنه ولا يشبه هذا الكفارة لأن الفقير الذي يستحقه غير معين وهو حق الله تعالى فلا يعمل فيه بالتراضي بينهما.
وأما إذا خلف الدقيق أو الخبز عوضًا عن الواجب لها، قال بعض أصحابنا: لا نص فيه والقياس أنه لا يجوز ذلك [ق ١٨٤ ب] لأنه يكون بيع الحنطة بجنسها متفاضلًا، وهذا صحيح عندي، وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه وجهان فظاهر المذهب جوازه، وهو غلط.
وأما نفقة الخادم، فإن كان موسرًا فنفقته مد وثلث ثلثا نفقة الزوجة، وإن كان معسرًا أو متوسطًا فنفقته مد وإنما لم يزد على مد عند التوسط لأنه لم يوجد سعة كاملة يوجب للخادم زيادة.
وذكر بعض أصحابنا أنها على المتوسط مد وثلث. وهو غلط لا تحكى. فإن قيل: فقد سويتم بين امرأة المعسر وبين خادمتها فأوجبتم لكل واحد منهما مدًا واحدًا قلنا: القياس يقتضي أن يكون للخادمة عند إعساره ثلاثًا مد كما قلنا لامرأة المتوسط مد ونصف وللخادم مد واحد وهو ثلثا ما جعلناه للمرأة إلا أن المد الواحد لا يحتمل التبعيض لأنه أقل ما يقوم به البدن فكلمناه وهذا كما قلنا القياس أن تكون عدة الأمة بقرء ونصف إلا أن القرء الواحد لا يحتمل التنقيص فكملناه قرءين.
فإن قيل: فمن أين أخذتم تقدير نفقة الخادم بمدٍّ وثلث عند يساره ونفقة المرأة بمدين قيل: إنما أخذه الشافعي من الميراث وهو أن للأب على الأم فضل في الميراث كما للزوجة ههنا على الخادم فضل في النفقة، ثم هناك حالتان حالة النقصان وهو إذا كان للميت ابن وحالة التفضيل وهو إذا لم يرثه إلا أبوه ففي حالة النقصان استوى الأبوان فلكل واحد منهما السدس، وفي حالة السعة والزيادة يزيد على هذا السدس مثلًا ما زيد للأم فإنه بلغ نصيب الأب الثلثين ونصب الأم الثلث فكذلك ههنا زيد للمرأة في حال الكمال مد على ما كان في حال النقصان وزيد للخادم وثلث مد وعند [ق ١٨٥ أ] الإعسار استويا كما استوى الأبوان هناك في السدس.
ومن أصحابنا من قال: أخذ نفقة الموسر من نفقة المتوسط لأن هناك للمرأة مدًا ونصفًا وللخادم مدًا ففي حالة اليسار يجب أن يكون للخادم أيضًا ثلثا ما للزوجة وذلك مد وثلث.
فرع:
إذا أعطاها الحب على ما ذكرنا، قال القفال: يلزمه أن يعطيها مونة إصلاحه للطحن والحر أو يكفيها إصلاحه.
وقال في "الحاوي": إن كانت عادة أمثالها أن يتولوا طحن أقواتهم وخبزها بأنفسهم
стр. 5672
كأهل السواد كان مباشرة طحنه وخبزه عليها دون الزوج وإن لم يكن كذلك كان الزوج بالخيار بين أن يدفع إليها أجرة الطحن والخبز وبيم أن يقيم لها من يتولي صحنه وخبزه.
مسألة:
قال: " ومَكيلَةٌ منْ آدَمَ بلِاَدِهِا زَيْتاً كَانَ أَوْ سَمْناً".
قد ذكرنا الكلام في القوت والكلام الآن في الإدام، وهو واجب أيضاً لأن الله تعالي أمر برزقهن وكسوتهن بالمعروف، ومن المعروف أن يعطيها مع القوت إدماً، لأنه في الخبز البحث مضرة ومشقة.
وقد قال ابن عباس في تفسير قوله تعالي: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ [الماَئدة: ٨٩] الخبز والزيت.
وقال ابن عمر: الخبز والسمن والخبز والزيت، والخبز والتمر ثم الاعتبار في الإدام بغالب أدم البلد كما قلنا في القوت، فإن كانت بالشام فمن الزيت، وإن كانت بالعراق فمن الزيت والشيرج لأنهما جميعاً ما يقدم ثم الإدام فير مقدر وإنما هو علي حسب كفايتها في العادة والفرق بينه وبين القوت حيث جعلناه مقدراً وإنما هو عاي حسب كفايتها في العادة والفرق بينه وبين القوت حيث جعلناه مقدراً لأن للقوت أصلاً في التقدير وهو في الكفارات فحملنا وليس كذلك الإدام [ق ١٨٥ ب] لأنه لا أصل له، وقول الشافعي لها مكيلة من الإدام لم يرد به التقدير بل أراد لها مقدراً من الإدام باجتهاد القاضي، يلزم القاضي أن يجتهد حتى يضعف ذلك القدر لامرأة الغني، فإن فرض لامرأة الفقير أو فيه من دهن وهي أربعون درهماً فرض لامرأة الموسر وقيتين وفرض لامرأة المتوسط أوقية ونصفاً وقيل: المكيلة تقارب الأوقية.
فرع:
أدم خادمتها من أدم المخدومة وقدرة علي قدر قوتها وهل تساوي المخدومة في الجودة.
اختلف أصحابنا فيه فمنهم من قال: يساويهما في ذلك كما يجب طعامها من جنس طعام المخدومة، ومنهم من قال: إنها دونه في الجودة، ن فإذا كان للمخدومة زيت جيد فرض للخادم زيت دون لأن هذا هو العرف في الإدام والعرف في الطعام أن يكون من جنس طعامها وهذا هو المنصوص.
قال هذا القائل: وعلي هذا إذا أعطي المخدومة حنطة جيدة كان له أن يعطي الخادم حنطة دونها في الجودة.
стр. 5673
مسألة:
قال: " وَيُفرْضُ لهَا فِي دُهْنٍ وَمُشْطٍ أَقَلُّ مَا يَكْفِيهَا".
جملته أن الزوجين بمنزلة المتواجدين لأن الزوج يملك الزوج منفعة المرأة بعوض كما أن المستأجر يملك منفعة الدار بعوض، وقد ثبت أن كل مونة تلزم في حفظ أصل الدار ورقبتها فإنها علي الأجر من بناء ما استهدم وإدخال جذع انكسر وبناء حائط وقع وكل ما يحتاج إليه التنظيف الدار وتزينها فهي علي المستأجر مثل كنس الدار وغسلها، فعلي هذا كل ما يحتاج إليه للتنظيف والزينة فهو علي الزوج مثل المشط والطييب والدهن [ق ١٨٦ أ] لرأسها ونحو ذلك.
فرع:
يعتبر الخرف في الدهن للرجل الشعر فمن البلاد ما يدهن أهله بالزيت كالشام فهو المستحق ومنها بالشيرج كالعراق فهو المستحق ومنها المطيب بالورد والبنفسج فهو المستحق ووقته كل أسبوع مرة، فإن النبي ﷺ قال: ادهنوا بذهب البؤس عنكم والدهن في الأسبوع بذهب البؤس.
فرع آخر:
الكحل للزينة كالإثمد علي الزوج إن طلبته وما كان للدواء علي الزوجة، وأما الحناء إن لم يطلبه الزوج لا يلزمه ولا يلزمها، وإن طلبه الزوج وعليها ووجب علي الزوج مؤنته. قال النبي ﷺ لعن السلتا والمرها. فالسلتا: التي لا تخضب. والمرها: التي تكتحل فيعل ذلك إذا كرهت زوجها فيفارقها.
فرع آخر:
الطيب إن كان مرسلاً سوله الجسد يستحق علي الزوج لها لأنه مراد للتنظيف وما كان للالتذاذ لا يلزم، وقيل الشافعي من دهن ومشط بفتح الميم وأراد بالمشط آلة المشط آلة المشط من الأفايه والغلسة إذا كان ذلك من عرف بلادهم.
فرع آخر:
لو كانت عادتها دخول الحمام مجب أجره الحمام عليه لأنه يرد للتنظيف وإن لم تجر عادتها بذلك لا يجب عليه وهو في أهل القرى وذلك في أهل المصر.
وقال في "الحاوي": يجب في المصر في كل شهر مرة ليخرجن به من دنس الحيض الذي يكون في كل شهر مرة في الغالب.
стр. 5674
فرع آخر:
لو أردت أن تصرف ما قبضه من النفقة إلي ما يضرها وينقص بدنها هل له الاعتراض عليها فيه وجهان [ق ١٨٦ ب] والصحيح، عندي أن له ذلك.
مسألة:
قال: "وَلَيْسَ ذَلَكَ لخَادِمَهَا لأنَّهُ لَيْسَ بِالمعْروفِ لهَا".
أراد ليس لخادمها الدهن والمشط لأن ذلك إنما يراد للزينة والخادمة لا تزين في العادة بل يكون شعثة ولأن لها أن لا تتزين لأنها لا تحل للرجل.
وقال القفال: إنما لا يلزم لها ما يراد به التزيين واستمالة قلب الرجل فأما ما لابد منه بحيث إذا لم يكن تأذن بالوسخ والهوام يلزم الخادم أيضاً، وهذا صحيح والخادم يستحق الدواء لأنه من حقوق الملك، فإن كانت ملكاً له فعله ذلك وغن كانت ملكاً لها فعليها.
مسألة:
قال: وَقِيلَ فِي كُلَّ جُمْعةٍ رَطْلُ لحْمٍ".
جملته علي الزوج أن يطعم زوجته اللحم؛ لأن العادة جارية به ويعطيها في كل أسبوع يوماً إن شاء في كل يوم جمعة، وإن شاء في غيره ولكن الأفضل ما ذكره لأنه عرف عامة الناس.
وقال أصحابنا: وإنما قال رطل لحم علي عادة مصر؛ لأن اللحم يغريها فأمّا في الموضوع الذي يرخص فيه اللحم يفرض لها أكثر من ذلك والمراد بهذا القدر أيضاً امرأة المقتر، فأما امرأة الموسر فلها رطلان في كل جمعة ولا مرأة المتوسط رطل ونصف، لأن الشافعي قال بعد هذا ومن اللحم والأدم ضعف وما وصفت لامرأة المقتر وقيل: الموسر هو الذي يقدر علي نفقة الموسرين في حق نفسه، وفي حق كل من يلزمه نفقته من كسبه لا من أصل ماله المقتر هو الذي لا يقدر أن ينفق من كسبه علي نفسه وعلي من يلزمه نفقته [ق ١٨٧ أ] إلا نفقة المعسرين، وإن زادت عليها كانت من أصل ماله لا من مكسبه والمتوسط هو الذي يقرر أ، ينفق من كسبه علي نفسه وعلي من يلزمه نفقته نفقة المتوسطين، فإن زادت عنه كانت من أصل ماله، وإن نقص عنها من كسبه فيكون اليسار والإعسار معتبراً بالكسب في وجوب النفقة ولا يعتبر بأصل المال كما في الكفارات. [ذكره] في الحاوي.
стр. 5675
فرع:
الخادم هل يستحق اللحم، قال أبو حامد: ينبني علي الوجهين في أدامها، فإن قلنا لها منىدم الزوجة فلها اللحم أيضاً، وإن قلنا إنه دونه في الجودة فلا يعطيها اللحم.
وقال بعض أصحابنا خراسان: لأن يستحق الخادمة اللحم وجهاً واحداً ولكن العادة جارية أن المخدومة تغترف خادمتها من مرسها إذا طبخت لحمها وتعطي لإصلاح اللحم ما يحتاج إليه من الحطب وغيره.
مسألة:
قال: "وَفُرِضَ لهَا مِنَ الكُسْوةِ مَا يُكْتَسِي مثْلهَا ببِلَدهَا".
الكسوة واجبة علي الزوج لقوله تعالي: ﴿وعَلَى المَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [الَبقَرةَ: ٢٣٣] لأن قوام بدنها بالكسوة كما أن قوامها بالنفقة وكانت واجبة لها، فإذا ثبت هذا فإنها معتبر بكفايتها وليست بمقدرة لأنه ليس إما أجل مقدر في الشرع فاعتبر بالكفاية.
ثم الكلام فيها ثلاثة فصول في عددها وقدرها وجنسها:
أما العدد فعليه في الصيف أربعة قمص وسراويل ومصعة وما تلبسه في الرجل من نعل أو شمشك أو غيره.
وأما الخادمة فتعطي قميصاً ومقنعة وخفاً فجعل الشافعي للخادمة خفاً [١٨٧ ب] ولم يجعله للمخدومة وجعل للمخدومة السراويل ولم يجعله للخادمة، وإنما كان كذلك لأن السراويل يراد للزينة أو لستر العودة والخادمة لا تتزين. وأما ستر العورة فإن ساقها ليس بعورة وما هو عورة منها فإن القميص يستره والخف أيضاً يستر ساقها، وأما الخف فإنها تخرج في الحوائج إلي التسوق فلا بد لها من الخف والمخدومة لا تحتاج إلي الخروج فلا حاجة بها إلي الخف.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: المعروف أن يعطي الخامة السراويل أيضاً ولعله أعرض عن ذكره اعتماداً علي العرف والعادة في مثله، وهذا أصح عندي، وقال في " المنهاج". إنما ألزم الشافعي السراويل للمرأة في البرد ولم يلزمه ذلك في الصيف لأنه قال في المختصر ويفرض لها في الصيف قميص وملحفة ومقنعة ولم يذكر السراويل، وفي كسوة الشتاء للبرد ولذلك ألزمه لها في الشتاء خماراً ومقنعة ولم يلزمه في الصيف سوي المقنعة للمعني الذي ذكرناه من دفع البرد.
стр. 5676
وقال في "الحاوي": إن كانت عادة البلد في السراويل فالسراويل، وإن كانت العادة المئزر دون السراويل فالمئزر، وإن كانت السراويل أستر، وإن كانت من سكان القرى لا تلبس السراويل ولا المئزر، ففي تركه هتك عورة يؤخذ بها في حق الله تعالي جميع النساء فيؤمر بذلك، وقال في مدارس الرجل إن كانت في موضع يئزرون ولا يتقمصون كأهل البحر سقط القميص في حقه وكساه مئزراً، وفي الأمة يقتصر علي المئزر [ق ١٨٨ أ] وإن ألفوه لأنه يبدي من جسدها ما يغض عنه الأبصار، وإن لم يكن عورة فيعطيها قميصاً وقناعاً، ويحتاج مع ذلك إلي ملحفة إذا خرجت في الشتاء.
قال الشافعي: تعطي في الشتاء القميص والسراويل وجبة مخمرة ومقنعة وما تلبسها في رجلها، فزادها في الشتاء الجبة وهذا فر يختلف فيه أصحابنا وأما القميص والسراويل والمقنعة فقد اختلف أصحابنا فيه فمنهم من قال: إ، ما ذكر الشافعي ذلك إذا كان الذي أعطاها في الصيف قد أخلق فأما إذا كان القميص والسراويل والمقنعة باقياً فلا يعطيها في الشتاء غير الجبة وهو الصحيح. ومن أصحابنا من قال: يحدد لها في الشتاء ذلك، وأما الخادمة فإنه يعطيها في الشتاء جبة صوف وكساء تلتحفه يد فيها مثله ويختلف ذلك باختلاف البلدان في حرها وبردها.
وأما قدر الكسوة فإنه علي قدر كفايتها ويختلف بطولها في حرها وبردها ويخالف النفقة فإن لها أصلاً في التعزيز وهو في الكفارة بخلاف الكسوة.
وأما جنسها قال الشافعي: يعطيها إذا كان موسراً لبس البصري أو الكوفي أو وسط بغدادي، وإذا كان معسراً يعطيها غليظ البصري أو الكوفي، ويعطي خادمه الموسر غليظ البصري أو الكوفي وخادمه الكرباس وهو المال يلف الغليظ.
قال أصحابنا: إنما اعتبر الشافعي هذا في ذلك الوقت قلنا، وفي وقتنا هذا يعتبر ما جرت به عادة مثلها، فإن كان مثلها يكتسي [ق ١٨٨ ب] بالخز والديباج والتوري والستري وأعطاها قيل لأبي إسحاق لم لم يفرض الشافعي لها بقصر القصب والشرب وهو عادة البلد وعرهم في الكسوة فقال: لأنه لم بفرض لها إلا قميصاً واحداً، وذلك إذا كام سرياً يصف ما تحته، ويمنع جواز الصلاة.
وقد قال ﷺ : " لعن الله الكاسيات العاريات" فإن كان منه غليظ من مرتفع الكتان الديبقي أعطاها منه وعلي هذا يفرض لها في جبة إبريسم من الديباج والحرير وما يختص ببلدها وفرض امرأة المتوسط الوسط من ذلك ودون ذاك الزوجة المقتر.
وأما ما تتغطي به في الصيف والشتاء، قال الشافعي: تعطي الزوجة في الشتاء قطيفة أو لحافاً وتعطي الخادمة عباءة أو كساء عليها وفي الصيف ملحفة وهي الإزار أو وسادة.
стр. 5677
فرع:
يلزمه أن يدفع الكسوة ثياباً دون الثمن وعليه أن يخبط ما تحتاج إلي خياطته.
فرع آخر:
لو باعت الكسوة بعد قبضها من الزوج صح البيع وملكت الثمن، وقال ابن الحداد: لا يجوز لها بيعها ولا يجوز لها الاستبدال، وهذا لا يصح لأنه لا يجوز أن يكون في ملك الزوج، لأنه لا يسترجعها فثبت أنها ملكها فجاز لها بيعها. فإن قيل: لا يملك الكسوة كما لا يملك المسكن، وهذا لا يصح لأنه يلزمه تسليم الكسوة إليها ولا يلزمه تسليم المسكن لأنه يسكنها معه فافترقا ولأنه لو أراد أن يكتري لها ثياباً لم يلزمها الإجابة بخلاف المسكن ويحتمل أن لا يعلم أبراه.
فرع آخر:
لو أرادت بيع الكسوة وشري ما هو أدون منها لم يكن لها بخلاف القوت الإدم.
والفرق أن للزوج حق الاستمتاع في زينة ثيابها فمنعت من يعتبرها [ق ١٨٩ أ] بخلاف قوتها.
وقال أبو إسحاق لها بيعها وشري ما هو أدون منها كما في القوت، وهذا لا يصح والفرق ظاهر.
فرع آخر:
لو لم يعتادوا في الصيف لنومهم غطاءً غير لباسهم لا يلزمه شيء آخر، وقد ألف الناس في زماننا أن يكون جهاز المنازل علي النساء ولا يصير ذلك عزفاً معتبراً كرشوة النساء والأزواج في بعض البلاد.
فرع آخر:
قال في " الحاوي": من الناس قوم تتساوي كسوتهم وكسوة عبيدهم كفقراء البوادي فيكونوا سواء ولا يزاد.
فرع آخر:
البدوية كالخصين به في النفقة ولكنها ربما يقتات البلوط والأقط وتلبس الشعر فيعتبر ذلك.
فرع آخر:
قال: وإن كانت رغبية لا يجز بها هذا دفع ذلك إليها من ثمن أدم ولحم ما شاءت
стр. 5678
في الحب، وإن كانت زهيدة زيدت فيما لا يفوتها من فضل الملكية.
أراد بالرغبية: كثيرة الأكل والزهيدة: قليلة الأكلة أو يعبر بأن الرغبية الأكولة والزهيدة المتنوعة، وجملته أنها إذا كانت كثيرة الأكل لم نوجب علي الزوج المعسر أكثر من المد الواجب ولكن عليها أن تصرف بعض إدامها إلي الخبز إذا لم يشبعها الحب المفروض لها، وإن كانت قليلة الرغبة في الخبز كثيرة الرغبة في الفواكه وأنواع الإدام لم نوجب عليه زيادة في الإدام علي ما ذكرنا ولكن عليها أن تصرف بعض الحب إلي زيادة إدام وقيل: قصد بهذا الفصل أن يبين أمرين:
أحدهما: أن نفقة الزوجة مقدرة ولا يعتبر كفايتها خلاف قول أبي حنيفة.
والثاني: أن النفقة إذا وصلت إليها فلها أن تتصرف فيها [ق ١٨٩ ب] بالبيع وغيره ولا تكون محجورة فيها.
فرع:
قال في "الحاوي": إذا نقص المدعي كفايتها كان الزوج بالخيار بين أن يتمم لها قدر شبعها وبين أن يمكنها من اكتسابه، فإن مكنها فلم تقدر عل اكتساب كفايتها صارت من أهل الصدقات تأخذ منها.
مسألة:
قال: " وَيخَشَي إنْ كَانَتْ ببَلَدٍ يحَتْاج أَهْلُهَا إليْه قَطيِفٍة".
أراد به في البلاد الباردة يلزمه أن يخشي الكسوة بالقطن لدفع البرد والواو محذوفة من القطيفة في بعض النسخ، والصحيح إثبات الواو. ثم قال: ولا أعطيها في القوت دراهم وهذا لأنها تستحق ما تستحق علي جهة النفقة فيلزمه أن يعطيها الحب واللحم والأدم بعينه كما ذكرنا، ثم إن شاءت باعت وتصرفت فيه كما شاءت.
ثم قال: واجعل خادمها حداً وثلثاً، وقد ذكرنا ذلك، ثم قال: ولامرأته فراش ووسادة من غليظ متاع البصرة وما أشبهه ولخادمها فروة ووسادة وما أشبهه من عباءة أو كساء غليظ.
واختلف أصحابنا في هذا فمنهم من قال: أراد به أن يعطيها ما تفرشه للجلوس عليه والوسادة لتتوسدها في النوم ولم ترد بالفراش المضربة، وإنما أراد ما تفرش علي الأرض مثل الحصير أو اللبد.
ومن أصحابنا من قال: أراد به المضربة المحشوة بقطن أو صوف أو غير ذلك فيعطيها الحصير والمضربة، لأن المعروف أن يعطيها للنوم مضربة لتنام عليه، وهو أظهر لأن الشافعي قال: من غليظ متاع البصرة ولم تجر العادة يوشون الخرق بالنهار ويجلسون
стр. 5679
عليها، وإنما لفراش الليل ولا يلزم الفراش للخادمة ويكفيها الوسادة والكساء علي ما ذكرنا.
مسألة:
قال: "فَإِذَا بَليَ أخَلفَهُ".
قال أكثر أصحابنا: معناه إذا مضي الزمان الذي يبلي فيه [ق ١٩٠ أ] بالاستعمال أخلفه سواء استعمله أولم تستعمله ولو أنها أتلفته بتحريق أو سرقت قبل مجيء الزمان الذي يبلي فيه مثله أو باعث فليس عليه بدلته حتى يمضي الزمان الذي يبلي فيه مثله.
ومن أصحابنا من قال: إذا كانت ترفق به في الاستعمال فمضي الزمان الذي يبلي فيه مثله، وهو باق لا يلزمه إبداله وحمل كلام الشافع علي ظاهره لأنه قال: فإذا بلي أخلفه وهذا لم يبل، وهذا اختيار القفال، وهذا لا يصح وتأويل كلامه ما ذكرنا ألا تري أنه لو استبقت النفقة ومضي الزمان الذي تنفق فيه مثله لزمه بدله، وغن كان ما أعطاها باقياً فدل أنه لا اعتبار بما ذكره ولو بليت قبل انقضاء مدتها لرداءة الثياب يلزمه إبدالها بلا خلاف واو بقيت بعد مدتها لجودتها لم تستحق بدلها بلا خلاف لأن الجودة زيادة ومن الجبة ما يعتاد لبسها سنتين وأكثر كالديباج فلا يلزمه إبدالها في كل سنة وكذلك الفراش يبقي سنين فيعتبر العرف في إبدالها وجرت العادة بتطريتها في كل سنة والاستبدال بها في سنين فيعتبر ذلك.
فرع:
لو كساها كسوة تبقي خمسة أشهر فماتت بعد شهر أو مات أو طلقها هل يسترجع منها الكسوة اختلف أصحابنا فيه علي وجهين:
أحدهما: لا يسترجع وهو الأصح لأنها تجري مجري قوت يوم فلا تسترجع ولا يتبغض لأنه لا يمكن أن يدفع إليها بعض الكسوة ولا يجوز الرجوع بجميعها فهو كما لو دفع إليها نفقة اليوم في أول اليوم، ثم مات في نصف النهار لا يسترجع منها شيئاً.
والثاني: يسترجع كالنفقة المعجلة بشهر، وهذا اختيار القفال، قال: والكسوة تجب علي طريق الكفاية لا علي طريق التمليك حتى لو سرقت في الحال يلزمه الإبدال بخلاف الطعام وليس لها التصرف فيها إلا باستعمالها ولو لم تطالبه بها حتى [ق ١٩٠ ب] مضت مدة لا كسوة لها فيما مضي بخلاف النفقة، قال: ولو استعار كسوة وأعطاها ليس لها أن تطلب غيرها والضمان علي الزوج لو تلفت لأنه المستعير، ثم قال: وفيه وجه آخر يجب تمليك الكسوة في الحال يلزمه قيمتها له ثم عليه بدلها وأصحابنا بالعراق أنكروا هذا، وقالوا المنصوص وجوب تملكيها وهو الأصح علي ما تقدم بيانه.
стр. 5680
فرع:
لو زف الرجل إلي دار امرأته وأنفق عليها الطعام والشراب وأقامت عنده سنين هكذا ولم يدفع إليها شيئاً من الحب نظر، فإن كان مطلقاً من غير شرط استقرت نفقتها عليه، وهذا تطوع، وإن كان علي شرط أنه نفقتها فهو عوض فاسد وله عليها بدل ما أنفق عليها ولها عليه جميع ما اجتمع لها من الحب.
فرع آخر:
لو كانت الزوجة أمةً قال الشافعي: لا خادم لها لأنها تكون خادمة نفسها في العادة فليس من عبادة الإماء أن يخدمن.
وقال أصحابنا هذا قال الشافعي في عرف زمانه فأما في هذا الزمان إن كانت ممن يخدم مثلها يلزم وهذا ليس بشي.
مسألة:
قال: "وَإنمَّا جَعَلْتُ أَقَلَّ الفْرضِ فِي هَذَا بالدَّلاَلةِ عَنْ رسولِ الله ﷺ ".
الفصل:
بين الشافعي ههنا من أين أخذ أقل النفقة وأكثرها وهو مدان قد ذكرنا هذا فيما تقدم، فإن قيل: قد ثبت في الشرع أكثر من مدين وهو صاع في زكاة الفطر قيل: ذلك ليس كفاية واحد بل نفرق ذلك علي أهل الزكاة، ولو أعطي كل واحد منهم كفاً جاز، ثم قال: وإن كانت بدوية مما تأكل أهل البادية، وقد ذكرنا هذا أيضاً وجملته أنه يعتبر في كل موضوع بغالب القوت فيه الكسوة، ثم قال: وليس علي رجل أن يضحي لامرأته ولا يؤدي عنها أجرة طبيب ولا حجام، وجملته أن [ق ١٩١ أ] الأضحية إذا لم تجب عليه عن نفسه ففي زوجته أولي، وإنما قصد الشافعي بهذا أنها غير مسنونة عليه في حقها، وإن كانت مسنونة عليه في حقه ولذلك لو نذرت ذلك لم تجب عليه أن تتحمل عنها لأنه شيء ألتزمته بنفسها فهي لكفارة اليمين كزكاة الفطر التي وجبت عليها ابتداء من جهة الله تعالي ولا يؤدي عنها أجر طبيب لأنه ليس من جملة النفقات علي ما ذكرناه.
فرع:
للنفقة وقتان: وقت الوجوب ووقت وجوب التسليم، فأما وقت الوجوب فهل تجب بالعقد أو بالتمكين من الاستمتاع قولان، وقد ذكرنا هذا فيما تقدم، وقد قال في "القديم": لو ضمها الأب عشر سنين يصح وهذا يدل علي أنها تجب بالعقد لأنه لا يجوز ضمان ما لم يجب عند الشافعي ووجهه أنها تجب لأجل النكاح وكان وجوبه بالعقد.
стр. 5681
كالمهر والصحيح أنها تجب بالتمكين لأنها تجب بوجوده وتسقط بعدمه، وأما وقت وجوب التسليم فعلي القولين جميعاً يلزم أن يعطيها بالغداة لأنها تحتاج إلي الطعن والإصلاح، فلو قلنا يعطيها بالعشى لم يلحق وقت الحاجة فلو دفع إليها الغداة، ثم طلقها أو ماتت لا يسترجع شيئاً لأنه دفع ما وجب لها. وقال صاحب "الحاوي": أختلف أصحابنا في تحرير العبارة عن النفقة فقال البغداديون: تجب بالتمكين المستند إلي عقد فجعلوا الوجوب مطلقاً بالتمكين وتقدم العقد شرطاً.
وقال البصريون: يجب بالعقد والتمكين فجعلوا الوجوب معلقاً بالعقد وحدوث التمكين شرطاً فيه وتأثير هذا الاختلاف يكون في زمان التأهب للتمكين هل تستحق فيه النفقة، فمن جعل التمكين في الوجوب أصلاً وجعل العقد شرطاً لم يوجب لها النفقة في زمان التأهب للتمكين وأوجها بكمال التمكين ومن جعل العقد في الوجوب أصلاً [ق ١٩١ ب] وجعل حدوث التمكين شرطاً أوجب لها النفقة من أول زمان التأهب للتمكين إلي أقصي كمال التمكين.
واعلم أن التمكين بأمرين لا يتم إلا بهما.
أحدهما: تمكنه من الاستمتاع يها.
والثاني: تمكنه من النقلة إلي حيث يشاء إذا كانت السبيل مأمونة، فلو مكنته من نفسها ولم تمكنه من النقلة معه لم تجب النفقة، لأن التمكين لم يكمل إلا أن يستمتع بها في زمان الامتناع من النقلة فيجب لها النفقة ويصير استمتاعه بها عفواً عن النقلة في ذلك، وعلي هذا لو كان الزوج غائباً فبذلت نفسها وعرف الزوج وكمال التمكين بمضي زمان الاجتماع فعلي قول البغداديين تجب نفقتها حينئٍذ ولا تجب بما تقدم من بذل التسليم، وعلي قول البصريين تجب نففقتها من وقت الشروع في التسليم بناءً علي اختلافهم في التمكين هل هو في وجوب النفقة صل أو شرط.
باب الحالة التي تجب فيها النفقة ولا تجب
مسألة:
قال: "وَإِذَا كَانَتْ المَرأةُ يجُامَعُ مثْلهَا فَخَلَّتْ أَوْ جَلاَ أَهْلُهَا بَيَنهُ وَبَيْنَ الدُّخُولُ بِهَا وَجَبَتَ عَلَيْه نَفَقَتُها".
الكلام الآن في بيان الحالة التي تجب فيها النفقة ولا يخلو حال الزوجين من أربع أحوال. إما أن يكونا كبيرين أو يكون الزوج كبيراً والزوجة صغيرة أو الزوجة كبيرة والزوج صغيراً أو يكونا صغيرين، فإن كان كبيرين فالنفقة في مقابلة التمكين، وإن عدم التمكين فلا نفقة وينبغي أن يكون التمكين مستنداً إلي عقد صحيح، فإن وجد التمكين من
стр. 5682
غير عقد أو وجد في عقد فاسد فلا نفقة، وتنبغي أن يكون التمكين كاملاً وهو أن تمكنه نفسها علي الإطلاق ولا يعترض في مكان مقامها وسكناها، فإن اعترضت فقالت: أنا أجلس في بيتي أو بيت أبي أو أنتقل معك إلي محلة طيبة [ق ١٩٢ أ] أو لا أسافر معك فلا نفقة، ولو عقد عليها عقد النكاح، ولم يظهر منها تسليم بالقول والامتناع ولا من الزوج مطالبة به فلا نفقة لها لأن الأصل أن لا نفقة لها حتى يحصل التسليم ولا يحصل ذلك إلا أن تقول: سلمت نفسي إليك فاحملني حيث شئت، وإذا أوجبت النفقة يلزمها إعطاءها، فإن أعطاها وإلا ثبتت في ذمة، وإذا مكنته نفسها هكذا، فإن كان حاضراً وجبت النفقة من حيث ما ذكرت، وإن كان غائباً فجاءت المرأة إلي الحاكم، وأظهرت تسليم نفسها، فإن الحاكم يكتب إلي الزوج بأنها قد سلمت نفسها إليك، فإن أخذ في المسير في الحال، وقدم عليها وتسلمها اتفق عليها من حين القدوم، وإن ترك المسير مع الإمكان فالنفقة يجب في ذمته من وقت انقضاء المدة التي يمكن فيها المسافة لأن الامتناع من جهته، وإن كان الزوج كبيراً، وهي لم تبلغ إلا أنها مراهقة يمكن الاستمتاع بها فإن حكمها حكم الكبيرة، فإن سلمت نفسها استحقت النفقة لأن التسليم المستحق قد حصل، وإن سلمها أهلها صح أيضاً واستحقت النفقة لأن التسليم مستحق علي أهلها فأنها ليست بمخاطبة ويخالف الكبيرة في ذلك، فإن الكبيرة لا يصح تسليم أهلها لها وإنما الاعتبار تسليمها نفسها.
وقال بعض أصحابنا: يحتمل أن يقال إنها سلمت نفسها لا تجب النفقة إلا بعد أن تسلم ولا تجب ببذلها أنه لا حكم ليبذلها، وإن كانت صغيرة لا يمكن الاستمتاع بها وهو كبير.
قال في "الأم" وفي كتاب عشرة النساء: لا نفقة لها، وقال في موضوع آخر ولو قال قائل لها النفقة [ق ١٩٢ ب] كان مذهباً فالمسألة علي قولين:
أحدهما: لا نفقة لها، وهو الصحيح واختاره المزني لأنه لا يصح تسليمها منه، وبه قال أبو حنيفة، ومالك، وأحمد: وهذا إذا لم يكن فيها استمتاع لا يحصل التمكين ويفارق المريضة، لأن الاستمتاع يمكن فيها يمكن ولكنه نقص بالمرض.
والثاني: لها النفقة لا محبوسة عليه من غير تفريط في تسليم نفسها إليه فوجبت النفقة لها كالمريضة التي لا يمكن الاستمتاع بها، وإن كان الزوج صغيراً والمرأة كبيرة فسلمت نفسها.
قال في "الأم" وفي كتاب عشرة النساء: لها النفقة وهو الصحيح، واختيار المزني، وقال في موضوع آخر: ولو قال قائل لا نفقة لها كان مذهباً ففيها قولان:
أحدهما: لا نفقة لها، وبه قال أحمد في رواية لأنه لا يمكن الاستمتاع بها كما لو غابت ولا، التسليم إذا تعذر لا فرق بين أن يكون لمعني في المستحق عليه أن يسقط ما يقابله كتسليم المبيع.
стр. 5683
والثاني: لها النفقة، وبه قال أبو حنيفة، وأحمد في الروية الأخرى وهذا لأنه يمكن الاستمتاع بها، وإنما تعذر بسبب من جهته فلم يسقط نفقتها كما لو غاب عن زوجته ويفارق إذا غاب لأنه التعذر هناك بسبب من جهتها. ومن أصحابنا من قال: هذا إذا كانت عالمة عند العقد أنه صغى، فإن لم تكن عالمة فعليه النفقة قولاً واحداً، وإن كانا صغيرين نص في "الأم" علي قولين والنص الصحيح الظاهر أنه لا نفقة لها لأن التعذر بسبب من جهتها. وقال القفال في سقوط النفقة بالصغر ثلاثة أقوال:
أحدهما: تسقط بصغر أيهما كان.
والثاني: لا تسقط بصغر واحد منهما.
والثالث: تسقط بصغرها دون صغره، وهذا حسن ومرجعه إلي ما فصلناه.
مسألة:
قال: "وَلَوْ كَانَتْ مَرِيضةً لَزِمَتْهُ نَفَقُتهَا".
الفصل:
إذا تزوجت المرأة فمرضت عنده أو كانت مريضة [ق ١٩٣ أ] فسلمت نفسها علي حالتها وأنها تستحق النفقة لأنها تحت يده، وفي قبضته والاستمتاع بغير الوطء حاصل من جهتها، وتعذر الوطء لا يوجب سقوط النفقة كما لو كانت رتقاء أو نقول: المرض عارض ينقص الاستمتاع فأشبه الحيض، فإن قيل: أليس الصحيحة إذا بذلت الاستمتاع فيما دون الفرع لا تجب لها النفقة فينبغي أن تسقط النفقة بالمرض إذا تعذر به الوطء في الفرج. قلنا: المرض عارض يتكرر ويرجي زواله فلا يمكن إسقاط النفقة بخلاف صغرها.
مسألة:
قال: "وَلَوْ كَانَ فِي جمِاعِهَا شدَّةُ ضَرَرٍ مُنِعَ مِنْهاَ".
الفصل:
إذا كان الرجل عظيم الخلقة كبير البدن غليظ الذكر وهي نضو الخلق ضعيفة الجسم وعليها مشقة غير محتملة لجماعه ومتى جامعها لم تأمن من أن يجئ عليها بإفضاء أو غيره منع من جماعها كما لو كانت صغيرة وليس له الخيار في فسخ النكاح، بل يقال له أنت بالخيار بين أ، تمسك فعليك النفقة أو تطلق ولها نصف المهر، ثم لا يخلو إما أن يصدقها أو يكذبها، فإن صدقها يلزمه أن ينفق عليها وإن كذبها المهر، ثم لا يخلو إما أن يصدقها أو يكذبها، فإن صدقها يلزمه أن ينفق عليها وإن كذبها يري أربع نسوة فينظر إلي فرج زوجها عند الجماع ويجوز ذلك لأنه موضع ضرورة.
стр. 5684
قال أبو إسحاق: يقبل ذلك من امرأة واحدة، لأن طريقة طريق الخبر دون الشهادة وهذا لا يصح لأن فيه إسقاط حق الزوج فافتقر إلي العدل كسائر الشهادات وهكذا إذا ادعت بفرجها قرحاً يضرّ بها وطئه.
مسألة:
قال: " وَلَوْ ارْتقَتْ فَلَم ْيَقْدرْ عَلَي جَمَاعِهَا فَهَذَا عَارِضٌ لاَ مَنْع يه ِمِنْهَا وَقَدْ جوُمِعَتْ فَتَستْحِق نَفَقَتهُا".
إذا كان الرتق قبل النكاح له الخيار قولاً واحداً، وإن حدث بعد النكاح فيه قولان وقد مضي هذا في كتاب النكاح، فإن اختار فسخ النكاح سقطت النفقة، وإن لم يفسخ النكاح فعليه أن ينفق عليها لأنه المختار للمقام عليها، وقول الشافعي، وقد جومعت [ق ١٩٣ أ] ليس بشرط ولعله قال هذا ليعلم أن الرتق قد يحصل بعدما جومعت واعلم أن ظاهر الكلام يقتضي أ، ها لو كانت في الأصل رتقاء لا تستحق النفقة والمذهب أنها تستحق كما يستحق القسم لأنها أتت بأقصى ما في وسعها من التمكين ولعل الشافعي أن ينص من المسألة علي أظهر الحالين.
مسألة:
قال: "وَلَوْ أذِنَ لهَا فَأَحْرمَتْ أَو اعْتَكفَتْ أَوْ لَزمهَا نَذْرُ كَفَّارةٍ".
الفصل:
إذا دخلت المرأة في العبادة لا يخلو إما أن تكون العبادة حجاً أو عمرة أو اعتكافاً أو صوم رمضان، فإن كان حجاً لا يخلو من ثلاثة أحوال:
إحداها: أن تكون أحرمت بغير إذنه فلا نفقة لها قولاً واحداً لأنها ناشزة.
والثانية: أن تكون أحرمت بإذنه وهو معها فلها النفقة قولاً واحداً لأنها ليست بخارجة من قبضته وتحريم الاستمتاع علي الزوج بالشرع وسبب التحريم هو الإحرام وقد حصل بإذنه.
والثالثة: أن تكون أجرمت بإذنه وخرجت بإذنه وليس هو معها، وظاهر ما قاله الشافعي ههنا أن لها النفقة، وقال في كتاب النكاح، لا نفقة لها، فاختلف أصحابنا فيه فمنهم من قال فيه قولان.
أحدهما: لا نفقة لها، وبه قال أبو حنيفة، وأحمد لأنها غي ممكن من نفسها.
والثاني: لها النفقة لأنها سافرت بإذنه فأشيه إذا كانت في حاجته وقال أبو إسحاق: الموضع الذي قال لا نفقة لها إذا لم يكن الزوج معها والذي قال لها النفقة إذا
стр. 5685
كان معها ولا فرق في هذا بين أن يكون الحج فرضاً أو تطوعاً لأنه وإن كان فرضاً فليس عل الفور وإنما هو علي التراخي، وإن أحرمت بإذنه فما لم تخرج من بيته لا شك أنه يلزمه نفقتها، وإن أحرمت بغير إذنه فهل له أن يحللها قولان، فإذا قلنا: له أن يحللها فلم تفعل فيه وجهان بناء علي ما لو سافرت في حاجتها بإذنه هل تستحق النفقة قولان، والأقيس أنها تستحق لأنه متي شاء حللها ويتوصل إلي حقه منها [ق ١٩٤ أ] فإذا لم يفعل فالتقصي منه.
وإن قلنا: لا يحللها قال القفال: فيه وجهان:
أحدهما: لا نفقة لها لأنها ناشزة.
والثاني: لها النفقة لأنه لا سبيل لها إلي ترك الإحرام ولها سبيل إلي ترك النشوز فالإحرام كالمرض والعذر السماوي والأول أظهر عندي.
وأما العمرة فحكمها حكم الحج وكذلك الاعتكاف لأنه لا يصح إلا في المسجد، فإذا خرجت من المسجد كانت كما لو خرجت للحج، فإن كان زوجها معها في المسجد لها النفقة وإن لم يكن معها، فإن كان بغير إذنه فهي ناشزة فلا نفقة، وإن كان بإذنه ففيه طريقان.
وأما صوم التطوع فلزوجها منعها منه، فإن صامت فإن أمرها بالإفطار فأفطرت لها النفقة، وإن لم تفطر، فقال ابن أبي هريرة: لا نفقة لها لأنها منعت منه نفسها بالصوم. وقال أبو إسحاق: لها النفقة لأن صوم التطوع لا يلزم بالدخول وله أن يطأها أي وقت شاء، فعلي هذا إن منعته الوطء سقطت نفقتها، وقيل عن الشافعي إنه قال في علته: مدة الصوم قصيرة ولا ضرر عليه في ترك الاستمتاع فيها وهذا غير صحيح عندي. وقيل: لو لم يفطرها ولم يأمرها بالإفطار بل تركها هل تستحق الفقه وجهان. ذكره القفال وهذا أيضاً ضعيف، وقال صاحب الحاوي [١]: إن لم يدعها إلي الخروج منه فهي علي النفقة، وإن دعاها إليه فامتنعت صارت ناشزة ولكنه إن كان في صدر إليها وسقطت نفقتها، وإن كان في آخره لا تسقط لقربه من زمان التمكين فصار ملحقاً بوقت الأكل ولطهارة، وهذا حسن.
فرع:
لو دخلت في صوم قضاء رمضان قبل شعبان فهل يجوز له إجبارها علي الفطر؟
قولان مخرجان من القولين في تحليلها من الحج إذا شرعت، فإذا قلنا: لا يجبرها علي الفطر ففي سقوط نفقتها [ق ١٩٤ ب] وجهان:
أحدهما: يسقط كما في الحج.
стр. 5686
والثاني: لا يسقط لقرب زمانه وقدرته علي الاستمتاع بها في ليلة ولمقامها في منزله بخلاف الحج. هكذا ذكره في الحاوي والمشهور عند أصحابنا بخراسان أنه يمنعها قبل شعبان ولا يمنعها في شعبان لأنه يتضيق في هذا الوقت دون ما قبله.
فرع آخر:
إذا كان صوم الكفارة فهو في الذمة علي التراخي فيكون له منعها منه وحق الزوج علي الفور.
وقال في "الحاوي" [١]:إذا لم يمنعها حتى شرعت هل يجبر علي الخروج؟ وجهان:
فإن قلنا: لا يجبرها، فإن كان التتابع فيه مستحباً بطلت به نفقتها، وإن لم يكن هل تسقط نفقتها وجهان مخرجان من نفقة الأمة إذا مكنها سيدها ليلاً ومنعها نهاراً وأما أداء رمضان فلا يمنعها منه بلا إشكال لأنه مستحق شرعاً علي الفور.
فرع آخر:
إذا كان صوم النذر، فإن كانت نذرت قبل النكاح، فإن كان في ذمة له منعها منه، وإن كان متعلقاً بزمان بعينه لم يكن له منعها لأن حق الزوج والصوم قد استويا في التضييق للنذر حق السبق فكأن أولي، وإن نذرت بعد عقد النكاح، فإن كان بإذنه مطر فإن نظر كان في الذمة فله منعها منه، وإن كان متعلقاً بزمان بعينه لم يكن له منعها منه، وإن نذرت بغر إذنه كان له منعها منه سواء كان في الذمة أو متعلقاً بزمان بعينه، لأن الزمان له بعد عقد النكاح، فإذا شغلت بعضه بالنذر بعينه فقد منعته حقاً وجب له فكان له منعها وكل له موضوع قلنا له: منعها فشرعت فيه، ولم يفطر فالحكم علي ما ذكرنا في صوم التطوع.
فرع آخر:
إذا أرادت أن تصلي صلاة الفريضة في أول وقتها، قال الشافعي: ليس لتمنعها منه لأن لها أن تؤدي هنا الفرض في وقت يجوز الفضيلة [ق ١٩٥ أ] قال الشافعي: ولأن زمان الصلاة قصير ولا يطول فلا يؤدي إلي الضرر به ولأن الزوج أيضاً مندوب إلي تقديمها في ذلك الوقت فيلزمه إمهالها لذلك أيضاً، فإن قيل: أليس له أن يمنعها من الحج في أول وقت وجوبه، وإن كانت تجوز الفضيلة، قلنا: لا فضيلة الحج متعلقة بالوقت حني إذا أخّره فإنه بفواته فالحج كالصلاة في الذمة وله منعها منها بخلاف الصلاة من (أول) الوقت.
فرع آخر:
لو أرادت الإحرام بقضاء الصلاة وأراد الزوج الاستمتاع بها فيه وجهان:
стр. 5687
قال أبو حامد: يقدم حقه لثبوته في الذمة، وقال صحاب الحاوي: الأصح عندي تقد حق القضاء، لأن فرض القضاء مستحق في أول زمان المكنة فصار كالوقت شرعاً، وقيل: هما مبنيان علي الوجهين في قضاء الصلاة أنه علي الفور أو علي التراخي.
فرع آخر:
لو كانت الصلاة مما سّنها بالشرع من توابع الفروض المؤقتة، يلزمه تمكينها منه علي العادة المعروفة من غير تقصير ولا إطالة، وإن كانت من السنن المشرعة في الجماعة كالعيدين والمخسوفين له منعها من الخروج وليس له منعها من فعلها في منزلها لمساواتها في الأمر بها والندب إليها، وإنها مختصة بوقت يفوت بالتأخير فأشبهت الفروض، وإن كانت صلاة ندب فهي كالصوم المندوب وإن كانت تطوعاً مبتدأ فله منعها منه.
مسألة:
قال: " وَلَوْ هَرَبَتْ أَو امْتنَعتْ أَوْ كَانَتْ أمَةً فَمَنعَهَا سَيَّدُهَا فَلا َنَفَقَةً لهَا".
إحداهما: إذا هربت إلي موضع يعرفه أو لا يعرفه أو امتنعت من تمكينه في بيته أو خرجت إلي بيت أمها وقالت: لا اجتمع معك أو قالت: لأسلم نفسي إليك إلا هنا فلا نفقة لها، وهذا قول كافة العلماء إلا الحكم بن عيينة فإنه قال: [ق ١٩٥ ب] لا تسقط نفقتها بالنشوز كالمهر لأنه يجب بملك الاستمتاع، وهذا غلط لأنها كالأجرة لا تجب إلا بالتمكين، ولهذا لو لم ينفق عليها سقط عنها التمكين ويخالف المهر لأنه يجب بالعقد لمقابلة الملك.
والثانية: إذا زوج أمته لا تجب عليه أن يسلمها إلي الزوج في النهار ويلزمه أن يسلمها بالليل، وقد ذكرنا في كتاب النكاح أنه إن سلمها في الليل والنهار استحقت النفقة ولا فرق بين الحرة والأمة في قدر النفقة ويعتبر بحاله لا بحالها، وإن سلمها في الليل دون النهار، فقد ذكرنا وجهين ولا خيار للزوج في فسخ نكاحها لأنه علم برقها والأظهر أن عليه نفقتها بقسط زمان الاستمتاع وهو أن يكون علي الزوج عشاءها وعلي السيد ما تلبيه نهاراً كالحرة إذا أمكنت يوماً ونشرت يوماً.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: يلزمه كالنفقة.
والثاني: لا تلزم.
والثالث: يوزع.
стр. 5688
فرع آخر:
لو قال لها: آذن لك أن تدخل داري وتستمتع بها ولكن لا آذن لها حتى تخرج إلي دارك هل يستحق النفقة وجهان، ذكره القفال، ولفظ الشافعي بعد هذا يدل علي أنها تجب لأنه قال: وعلي العبد نفقة امرأته الحرة والكتابية والأمة إذا نويت معه بيتاً.
فرع آخر:
لو آجرت المرأة نفسها ولم يعلم الزوج حتى تزوجها فله الخيار بين مقامه علي وبين فسخه لأنه تفويت الاستمتاع في النهار عيب فاستحق به الفسخ، ولو مكنه المستأجر من الاستمتاع بها في النهار لم يسقط حقه من الخيار لأن المستأجر متطوع بالتمكين فلا يسقط خياراً مستحقاً ذكره في الحاوي.
مسألة:
قال: " وَلاَ يُبَرئُهُ ممَّا وَجَبَ لهَا مِنْ النَّفَقَةِ، وَإِنْ كَانَ حَاضِراً مَعَهاَ إلا إِقْرَارَهَا".
الفصل:
نفقة الزوجة تثبت في الذمة مستقراً سواء كان [ق ١٩٦ أ] حاضراً أو غائباً فرض القاضي أو لم يفرضه خلافاً لأبي حنيفة حيث قال: لا تستقر إلا بالفرض وتسقط بمرور الزمان.
فإذا تقرر هذا فلو فقال الزوج: أنفقت عليك فيما مضي ما وجب لك عليّ وأنكرت فالقول قولها، لأن الأصل أنها لم تقبض ذلك، وبه قال أبو حنيفة وأحمد وقال مالك: إن كان الزوج غائباً فالقول لأن المرأة عاجزة بالغيبة عن طلب النفقة، وإن كان حاضراً وهي تعاشره فالظاهر أنها تقبض النفقة منه فالقول قوله. وهذا غلط لأن الأصل بقاءها فصار كالبائع إذا ادعي تسليم المبيع لا يكون القول قوله، لأن الحاضرة قد تتقاعد عن الطلب أو يمنعها منه مانع فلا يصح ما ذكره ولأنه لو كان عليه دين فمضي سنين وهو يصادفه، ثم ادعي القضاء، وأنكر صاحب الدين القبض فالقول قوله، وإن كان الظاهر قبضه.
فرع:
لو كانت أمة فاختلفت مع زوجها في الإنفاق، قال أصحابنا: القول قولها لأن النفقة حق لها يتعلق بالنكاح فكان المرجع فيها إليها فيها كالمطالبة بحق الإيلاء والعنة، ولو اختلفا في النفقة الماضية، وادعي الزوج أنه يعلمها وأنكرت وصدقه السيد، قال أصحابنا: لا تثبت دعواه بتصديق المولي ولكنه يكون شاهداً له بذلك فيشهد له ويحلف
стр. 5689
الزوج معه وتسقط نفقتها.
ومن أصحابنا من قال: ينبغي أن ينفذ إقراره في النفقة الماضية لأنها حق المولي وإنما حقها في النفقة في المستقبل وإذا ثبتت فللسيد قبضها والتصرف فيها كيف شاء، وهذا أصح عندي ولو كلن الاختلاف في قبض صداقتها فالخصومة بين زوجها وسيدها لأن المهر خالص حقه، وقد ذكرنا فيما تقدم.
فرع آخر:
لو اختلفنا في قدر النفقة فقال الزوج: كنت فيما مضي معسراً فتستحق نفقة [ق ١٩٦ ب] المعسرين، وقالت المرأة: كان موسراً فإنها تستحق عليه نفقة الموسرين نظر، فإن عرف له يسار، ثم ادعي الإعسار فالقول قولها وعليه البينة علي الإعسار، وإن لم يعرف له يسار فالقول قولها وعليها البينة، لأن الأصل عدمه.
فرع آخر:
لو اختلفنا في التمكين فقالت: مكنت نفسي وانكسر فالقول قوله لأن الأصل عدمه وعليها البينة.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه قولان:
فإن قلنا: تحب النفقة بالعقد فالقول قولها، لأن الأصل بقاءها وهذا ليس بشيء ونص الشافعي في أول هذا الباب فقال: لو ادعت المرأة التخيلية فيه غير مخيلة حني يعلم ذلك منها.
مسألة:
قال: " وَلَوْ أَسْلَمَتْ وَثَنيةٌ فَأَسْلَمَ زَوْجُهَا فِي العِدَّة أَوْ بَعْدَهَا فَلَهَا النَّفَقَةُ".
الفصل:
إذا تزوج وثني بوثنية، ثم أسلمت لا يخل إما أن تكون غير مدخول بها أو يكون مدخولاً بها، فإن كانت غير مدخول بها فلا مهر ولا عدة عليها ولا نفقة لها، وإن كانت مدخولاً بها فلها المهر المسمي وعليها العدة ولها النفقة لأن الزوج يقرر علي رفع هذه العدة، وإصلاح النكاح بالإسلام، وإن أسلم الزوج وتخلفت المرأة في الشرك، فإذا كان قبل الدخول فلها نصف المهر لأن الفسخ جاء من جهته قبل الدخول. فإن قيل: أليس لو وجد بامرأته عيباً قبل الدخول ففسخ النكاح لا مهر لها، وهذا الفسخ من جهته قيل: هذا بمعني من جهتها فجعل بمنزلة الفسخ من جهتها بخلاف مسألتنا.
فإن قيل: فإذا كان العيب به ففسخت النكاح قبل الدخول أسقطتم المهر ولم تجعلوا
стр. 5690
الفسخ من جهة، قيل: يغلّط حبسها في الحالين لأنها هي المستحقة للمهر وليس كذلك إذا أسلم الزوج قبل الدخول لأن هذه الفرقة جاءت من جهته لا صنع له فيها ففرقنا بينهما.
وأما إذا أسلم الزوج بعد الدخول بها فعليه مهرها المسمي ولا نفقة لها لأن الامتناع [ق ١٩٧ أ] من جهتها فكانت بمنزلة الناشزة وأسوأ حالاً لأنها نشزت بالكفر، فإن أسلمت نظر، فإن كان بعد انقضاء عدتها لم يكن لها نفقة، وإن أسلمت قبل انقضاء عدتها كلها علي الزوج واستحقت النفقة من أسلمت قولاً واحداً وهل لها النفقة لما مضي من زمان العدة قولان ذكرهما في كتاب النكاح.
فرع:
لو كانا مسلمين فارتد أحدهما فالحكم في المهر والنفقة علي ما ذكرنا في الوثنيين إذا أسلم أحدهما، وإن ارتد معاً كان الحكم كما لو ارتدت المرأة واختار القاضي الطبري، وقد ذكرنا في كتاب النكاح فيه وجهاً آخر.
فإن قيل: ينبغي أن توجبوا لها نصف المهر، لأن الفسخ بهما كما لو خالعها قبل الدخول لها نصف المهر، قيل: المغلب في الخلع جنبه الزوج لأنه الموقع للفرقة مأخذه منها، ولأن الزوج يخالع الأجنبية كما يخالعها وهي لا تقدر علي الخلع إلا معه، فكان تصرفه أقوي، وإذا رجعت المرتدة إلي الإسلام هل تلزم النفقة لزمان الردة قيل: فيه قولان، وقيل: قول واحد لا يستحق لأنها ابتدأت الكفر بعد الإسلام فكانت الجناية أغلظ، ولو أسلم الزوج وتخلفت في الشرك فغار الزوج، ثم أسلمت في عدتها كان لها النفقة من حين أسلمت، وإن لم يعلم بخلاف ما لو نشزت وعاب، ثم عادت إلي الطاعة لا نفقة لها ما لم تعلم، وقد ذكرنا الفرق فيما تقدم وهو أن نفقة الوثنية لم تسقط لخروجها عن قبضته بل سقطت بكفرها، فإذا زال الكفر عادت النفقة حاضراً كان الزوج أو غائباً وسقطت نفقة الناشزة بخروجها عن قبضته ولا تصير إلي قبضته إلا بعد علمه بالطاعة وهكذا الحكم لو ارتدت وغاب الزوج ثم رجعت إلي الإسلام في العدة عادت نفقتها وإن لم يعلم الزوج.
مسألة:
قال: "فَإِنْ دَفَعَهُ إِلَيْهَا فَلَمْ يُسْلِمْ حَتى انْقَضَتْ عدَّتُهَا فَلَا حَقَّ لَهُ لأَنَّهُ تَطَوَّعَ بِهَا"
صورة المسألة [ق ١٩٧ ب] أن يتزوج وثني بوثنية، ثم دفع إليها نفقة شهر، ثم أسلم وتخلقت هي في الشرك ولم تسلم حتى انقضت عدتها هل له أن يسترد منها تلك النفقة، قال أبو حامد: له أن يسترد سواء أطلق التسليم أو قيده لأنه دفعها بشرط أن يستحق في
стр. 5691
وقته، فإذا لم تستحقه استرجع منها ويفارق الزكاة حيث قلنا إذا دفعها قبل الحول، ولم يشترط أنها معجلة، ثم خرج عن زكته من أصل الزكاة، لا يسترجع، لأن الظاهر لا يدل علي أنه يدفعها واجباً فاحتاج إلي الشرط ليعلم، وفي النفقة الظاهر أنه يعجل ما وجب لها فلا حاجة إلي الشرط.
وقال غيره من أصحابنا: وهو الصحيح أنه إن شرط عليها أنها نفقتها أسلفها إياها رجع بها عليها، وإن لم يشرط فلا يرجع لأنه لا يدري أعطاها للنفقة أو هبة من جهته ولذلك لو أنفق عليها في زمان يخلعها فإن كانت بشرط أن يغطيها للنفقة جاز أن يسلم فلم يسلم له الرجوع وإلا فلا رجوع ولا فرق في الحقيقة بين مسألة الزكاة، وهذه المسألة فيختلف الإطلاق والشرط، وفي دليل علي أن الهبة لا يفتقر فيها إلي لقط الهبة والإيجاب والقبول بخلاف ما قال بعض أصحابنا لأن الشافعي جعله تطوعاً عند الإطلاق، فإن قيل: يحتمل أنه أباحه قلنا: هذا لا يصح، لأنه لو كأم إباحة لشرط أن يكون قد أتلفها حتى يسقط حقه منها.
مسألة:
قال: "وعَلَي العَبْد نَفَقَةُ امْرَأَتِهِ الحُرَّةِ وَالكِتَابِيَّةِ".
تقدير الكلام الحرة المسلم والكتابية لأن الحرة قد تكون كتابية، وقد تكون مسلمة وحكمها واحد وكان الأولي أن يقول وعلي العبد نفقة لامرأته المسلمة والكتابية ويحتمل أن يقال: أراد بالكتابية المكانية ويجوز أن يسمي المكاتبة كتابية نسبة إلي الكتابة والكتاب، قال الله تعالي: ﴿والَّذِينَ يَبْتَغُونَ الكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النور:٣٣] يعني الكتابة، وقد ذكرنا في كتاب النكاح [ق ١٩٨ أ] أنه يلزم علي العبد أن ينفق علي امرأته حرة كانت أو أمة أو مكاتبة أو ذمية أو مسلمة شرط ذلك عليه في عقد النكاح أولا نفقته نفقة المقتر ولأنه لا يملك شيئاً فهو أسوأ حالاً من الحر المعسر لأنه لا يجوز أن يستفيد ملكاً، وهذا لا يملك، وإن ملك وإن قلنا بالقول القديم انه يملك إذا ملك فلا يلزمه إلا نفقة المقتر لأنه لا يكون كامل الملك.
قال: وحكي أصحابنا عن مالك أنه قال: إذا لم يشترط في عقد النكاح نفقة لم يجب لأنه إذا لم يشترط يكون وجوبها علي طريق المواساة ولا يجب علي العبد المواساة بدليل أنه لا يلزمه نفقة أقاربه، وهذا غلط، لأن نفقتها تجب في مقابلة التمكين عوضاً كالمهر.
فإذا تقرر هذا قد ذكرنا فيما تقدم أنه يجب نفقتها في كسبه، فإن لم يكن له كسب، قال في القديم: تجب في رقبته لأن تضمن الإمكان ولا وجه له إلا الرقبة فعلي هذا يباع منه جزء فجزء إلي إن يباع جميعه.
стр. 5692
وقال في الجديد: لا يتعلق برقبته بل يكون في ذمته وتخير المرأة كما لو أعسر الحر بنفقتها.
فرع:
لو طلق العبد زوجته، فإن طلقها واحدة رجعية وجبت عليه نفقتها في عدتها، وإن طلقها بائنًا فإن كانت حائلًا فلا نفقة لها، وإن كانت حاملًا. فإن قلنا: النفقة للحامل وجبت النفقة عليه، وإن قلنا: إنها للحمل فيه وجهان:
أحدهما: لا تجب النفقة، لأن نفقة الأقارب لا تجب على العبد.
والثاني: تجب لأنها معلق بحق المعتدة ومصلحتها ذكره القاضي الطبري، ثم قال: وإذا احتاج إلى خدمتها فذلك له ولا نفقة لها وظاهره يوهم أن السيد إذا استخدم الجارية المزوجة لا نفقة لها على زوجها [ق ١٩٨ ب] وليس كذلك ومراد الشافعي ههنا إذا استخدمها على الدوام فلا نفقة، وإن استخدمها أحيانًا وبعث إليه عند فراغها من خدمته، فقد ذكرنا أن لها النفقة لأن هذا يكون تمكين الإماء.
مسألة:
قَالَ: "وَمَنْ لَمْ تَكْمُلْ فِيهِ الحُرِّيَّةُ فَكَالمَمْلُوكِ".
من بصفة حر وبصفة عبد يلزمه نفقة زوجته فيما يخص الرق يكون في كسبه وما يخص الحرية يكون في ذمته ولا شك أنه ينفق بما فيه من الرق نفقة المعسر وهو نصف مد، وأما بما فيه من الحرية نظر، فإن كان معسرًا فعليه نصف مد آخر تمام المد الواحد، وإن كان موسرًا بما فيه من الحرية.
قال الشافعي: نفقته نفقة المعسر أبدًا، وإن كان يملك ألف دينار مثلًا لأنه لما كان حكمه حكم العبد الذي لم يعتق سبًا في النكاح والطلاق والعدة فكذلك في النفقة.
وقال المزني وبعض أصحابنا: عليه نفقة الموسر بما فيه من اليسار فيكون عليه مد ونصف نصف مد بما فيه من الرق ومد بما فيه من الحرية مع اليسار.
واحتج المزني فقال: إذا كان تسعة أعشاره حرًا، قال الشافعي: يجعل أعشار ما يملك ويرثه مولاه الذي أعتق تسعة أعشاره فكيف لا ينفق على قدر سعته. وقال: قال الشافعي في كتاب الأيمان: إذا كان نصفه حرًا ونصفه عبدًا كفر بالإطعام كالحر تبعض الحرية هناك ولم يجعله ببعض الحرية ههنا كالحر بل جعله كالعبد والقياس على أصله ما قلنا من أن الحر ينفق بقدر سعته والعبد منه بقدره، وكذا قال في كتاب زكاة الفطر على الحر منه بقدره في زكاة الفطر وعلى سيد العبد قدر الرق منه فالقياس ما قلنا ففهموه كذلك نحوه [ق ١٩٩ أ] إن شاء الله تعالى والجواب أن الشخص إذا كان بعضه مملوكًا
стр. 5693
وبعضه حرًا كان بالمقدار المملوك ملتحقًا بالمماليك، وهذا نقصان ظاهر بمنعه حكم الملك المطلق ولا يكتسب كسبًا قليلًا ولا كثيرًا إلا وفيه لسيده شركة بسبب ما يملك من رقبته ولهذا لا يستغني عن مهايأة أو مقاسمة سوى المهايأة، وما دام في رقته شيء من أدق فهو مرهون بهذا النقص وما دام موصوفًا بهذا النقص فالأولى أن يستدام فيه آثار نقصان الرق إلى أن يستكمل صفة الحرية.
وأما ما ذكر من الميراث فيه قولان:
أحدهما: لا يرثه أحد، وإن سلمنا أنه يورث بقدر ما فيه من الحرية نقول: إذا مات وبعضه حر، وفي يده مال من حصة حريته، فهذا السيد كامل الملك ومن أهل الميراث وقد انقضى اعتبار نقصان الرق في الرقيق بموته فغلبنا جانب سيده الذي أعتقه ألا ترى أنه موروث هذا الشخص الذي بعضه رقيق وبعضه حر لو مات فلا ميراث له لأنه حين يأخذ الميراث بما فيه من نقصان الرق فكذلك لا يجوز أن يلزمه شيء من نفقة الأحرار وهو حين يلتزمها ناقص ينقص الرق.
وقد قال الشافعي في الجديد: لو أذن السيد لعبده فتمتع بالعمرة إلى الحج فلا يجزيه سوى الصوم ولو ملكه سيده شاة ليذبحها لم تجزه لأنه مملوك.
ثم قال: ولو مات العبد فذبح السيد عنه شاة وقعت موقعها ففاصل بين حياته وموته، وأيضًا الميراث مبني على التبعيض والنفقة لا تتبعض ألا ترى أن الحرة إذا سلمت نفسها بالليل دون النهار أو بالنهار دون الليل لم يستحق من النفقة شيئًا.
وأما ما ألزم المزني من الكفارة كيف يستقيم إلزامه وهو لا يجعله في النفقة كالحر المطلق ولكن يجعل حكمه [ق ١٩٩ ب] مبعضًا والشافعي لم يبعض حكمه في الكفارة في إلزامه الإطعام وإنما غلب جانب الحرية في الكفارة؛ لأن الكفارة حيث تجب إنما تجب بعقد اليمين والعبد والحر في عقد اليمين سواء، وهذه النفقة إنما يجب بعقد النكاح، ومن نصفه حرّ ونصفه عبد كالمملوك في عقد النكاح ألا ترى أنه لا يستغني عن الاستئذان فجاز أن يلحقه في مقدار النفقة بالمملوك كما لو ألحقناه في أصل عقد النكاح وعدد المنكوحات، ثم يعارضه بأنه لا يكفر بالعتق فدل أنه بمنزلة العبد، وقيل: إذا قلنا العبد لا يملك بالتمليك ولا يكفر إلا بالصيام، وإنما يكفّر بالإطعام على قوله القديم أنه يملك بالتمليك.
وأما زكاة الفطر فإنها تتبع النفقة وإذا كان بعضه حرًا وبعضه رقيقًا يلزمه من نفقة نفسه مقدار حريته فتتبعها الزكاة بقدرها والتبعيض في زكاة الفطر غير مستنكر فإن العبد قد يكون مشتركًا بين السادات فيلزم كل واحد منهم بمقدار حصته بين نفقته.
فأما التبعيض في النفقات فما وجدنا له أصلًا ولا قائلًا يقول به فأما تغليب الحرية، وأما تغليب الرق ويبعد تغليب الحرية لما ذكرنا من عقد النكاح فوجب تغليب الرق. فإن قيل: النفقة تتبعض فإنها تلزم على المتوسط مد ونصف قيل: هذا ليس بتبعيض بل هو نفقة
стр. 5694
كاملة على المتوسط كالمد على الفقير، وعلى ما ذكرنا لا يلزم نفقة أولاده وقراباته لأنه في حكم المعسرين.
وقال المزني في الجامع الكبير: يلزمه نفقة أقاربه تغليبًا للحرية لأنه يمكن تبعيضها، وهذا غلط لما ذكرنا.
باب الرجل لا يجد النفقة من كتابين
مسألة:
قَالَ: "وَلَما دَلَّ الكِتَابُ وَالسُّنَّةُ عَلَى أَنَّ حَقَّ المَرْأَةِ عَلَى الزَّوْجِ [ق ٢٠٠ أ] أَنْ يَعُولَهَا احْتَمَلَ أَنْ لَا يَكُونَ لَهُ أَنْ يَسْتَمْتِعُ بِهَا وَيَمْنَعَ حَقَّهَا".
الفصل:
قد ذكرنا أن نفقة الزوجة واجبة على الزوج فإذا أعسر بنفقتها لا يخلو إما أن يعسر بجميع نفقتها أو يعسر بما زاد على المد الواحد، فإن أعسر بجمع نفقتها كان لها الخيار بين أن ترضي بالمقام معه ونفقتها تصير دينًا في ذمته وتكتسب لنفسها ما يكفيها وبين أن تفسخ النكاح، فإن اختارت الفسخ رفعت أمرها إلى الحاكم حتى يفسخ الحاكم نكاحها ولا يجوز لها أن تفسخ بنفسها.
وبه قال عمر وعلي وأبو هريرة وسعيد بن المسيب وسليمان بن يسار وعطاء بن أبي رباح، والحسن وحماد وربيعة ومالك، وأحمد، وإسحاق.
وقال القفال: فيه وجهان:
أحدهما: أنها تفسخ بنفسها بعدما ثبتت العجز عند القاضي.
والثاني: يؤمر الزوج أن يطلقها، فإن امتنع طلق عليه السلطان كما نقول في المولى قال الإمام أبو يعقوب الأبيوردي وعلى هذا يدل حديث عمر أنه كتب إلى أمراء الأجناد في رجال غابوا عن نسائهم يأمرهم أن يأخذوهم إما أن ينفقوا أو يطلقوا فإن طلقوا بعثوا بنفقة ما حبسوا، وهذا غريب بعيد لم يذكره أهل العراق.
وقال أبو حنيفة: لا خيار لها بحال ولكن يلزمه رفع يده عنها لتكسب، وبه قال الزهري، وابن أبي ليلى، وعطاء بن يسار، وابن شبرمة، وقال القفال: هو قول آخر للشافعي، ذكره في كتاب تحريم الجمع، وهذا أيضًا غريب، وقال جدي الإمام، وبهذا أفتى ﵀ واحتجوا بأنها نفقة واجبة فلا تستحق فسخ العقد بها كالنفقة للأيام الماضية ونفقة الخادم، وهذا غلط لما روى أبو صالح عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال في الرجل لا يجد ما ينفق على امرأته يفرق بينهما [ق ٢٠٠ ب].
وروي: من أعسر بنفقة امرأته فرق بينهما، وروى زيد بن أسلم عن أبي صالح، عن
стр. 5695
أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى واليد العليا خير من اليد السفلى وابدأ بمن تعول" قال: ومن أعول يا رسول الله قال: "امرأتك تقول أطعمني وإلا فارقني، خادمك يقول: أطعمني واستعملني، ولدك يقول: إلى متى يتركني" أورده الإمام أحمد والبيهقي.
واحتج الشافعي بما روى أبو الزياد قال: سألت سعيد بن المسيب عن الرجل لا يجد ما ينفق على امرأته قال: يفرق بينهما قلت: سنة يقال: سنة.
قال الشافعي: والذي يشبه قول سعيد سنة أن يكون سنة رسول الله ﷺ . وقال سفيان لوكيع: ما معنى قوله ﷺ الحسب المال والكرم التقوى فقال: أراد أن الرجل إذا كان له مال عظمة الناس فقال سفيان: ليس كذلك إنما هو قول أهل المدينة إذا لم يجد نفقة زوجته فرق بينهما.
واحتج أيضًا بما ذكره في آخر هذا الباب، وهو أن يثبت لها حق الفراق عند العجز عن النفقة والضرر أكثر، وفي فقدها فقد الحياة أولى. وأما النفقة الماضية فقد صارت دينًا في ذمته ونفقة الخادم لا تقصد بكل نكاح بخلاف هذا.
فرع:
إذا أعسر بما زاد على المد لا خيار لها ولا نصير دينًا في ذمة الزوج وكان الموكل الواجب لها.
فرع آخر:
لو أعسر بكسوتها لها الخيار لأن الكسوة كالقوت ويحتاج إليها لنفي الحر والبرد وقال بعض أصحابنا بخراسان: لا خيار لها لا بنية الخلقة لا تقتضي الكسوة والبدن يقوم بدونها وهذا ليس بشيء.
فرع آخر:
لو أعسر بسكناها لها الخيار لأنه يحتاج إليها ليكفها من الحر والبرد. قال أبو حامد، وجماعة لا نص فيه [ق ٢٠١ أ] والقياس أنه لا خيار لها لأنه تابع ولا يعدم موضعًا يسكن فيه وتكن أجرته في ذمته يتبع به إذا وجد ويحتمل أن يثبت الخيار لها، والأصح عندي ثبوت الخيار لها.
فرع آخر:
لو أعسر بأدمها، قال الداركي: لها الخيار عندي لأن الإدم بمنزلة النفقة ووجوب أحدهما لمن له وجوب الآخر.
وقال أبو حامد: لا نص فيه والذي يجيء على المذهب أنه كالقوت والذي اختاره أنه لا خيار لها لأنه تبع وتقوم النفس بدونه ويكون عوضه في ذمته لأنه لا يسقط بالإعسار
стр. 5696
وهو اختيار القفال: وعندي الأول أصح لأنها تستصغر بعدمه ضررًا بينًا. وقال في "الحاوي": إن كان قوتًا ينساغ للفقراء كله على الدوام بغير أدم لم تفسخ وإلا فسخت، وهذا حسن.
فرع آخر:
لو أعسر بنصف مد وقدر على نصف مد كل يوم أو قدر على مد يومًا وأعسر يومًا فيها الخيار.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه وجه آخر لا خيار لها لأن البدن يقوم بما وجد وإن لخفتها مشقة، وهذا ليس بشيء.
فرع آخر:
لو أعسر بنفقة يوم فلم تفسخ ثم وجد نفقتها في اليوم الثاني لا خيار لها لإعساره بنفقة الأمس لأنها تثبت في ذمته دينًا.
فرع آخر:
لو كان لا يجد في أول اليوم إلا نفقة الغداء وفي آخره إلا نفقة العشاء ففي خيارها وجهان:
أحدهما: لا خيار لها لأنها تصل إلى الكفاية في وقتها.
والثاني: لها الخيار لا نفقة اليوم لا تبعيض ولو تبعضت لجاز أن يعطيها لقمة لقمة.
فرع آخر:
إذا كان الرجل موسرًا فامتنع من الإنفاق عليها أجبره السلطان عليه فإن امتنع ولا يعرف له مال ظاهر حبسه أبدًا حتى ينفق، وإن كان له مال ظاهرًا أنفق عليها منه، وإن غاب غيبة معروفة أو غيبة منقطعة فلا خيار لها وإن تعذر استيفاء [ق ٢٠١ ب] النفقة من ماله لأنه لا عيب بذمته، وهذا الخيار إنما يثبت الغيب بذمته، وهو معدوم عند الانتفاع، فإن طالت غيبته وخفي خبره صارت امرأة المفقود، وقد مضى حكمه.
قال أبو حامد: وهذا مما يغلط فيه الفقهاء يقولون لها الخيار إذا تعذر استيفاء النفقة بهربه أو غيبته.
وقال في "الحاوي": فيه وجهان وقول الأكثرين أنها لا تفسخ، وقال القفال: مرة فيه قولان:
أحدهما: لا خيار كما لو امتنع من وطئها مع القدرة.
стр. 5697
والثاني: لها الخيار؛ لأن المنع كالعجز كما لو منع المشتري الثمن فالبائع أحق بماله وقال مرة أخرى، إن قلنا في العاجز: لا خيار فههنا الأولى، وإن قلنا لها الخيار هناك فههنا وجهان والمشهور من المذهب ما ذكره أبو حامد والمصلحة في الفتوى على الوجه الآخر لأن عليها في الصبر ضررًا، وهو اختيار القاضي الطبري ذكره في الشامل وقبل كلام الشافعي يدل على هذا لأنه قال: احتمل أن لا يكون له أن يستمتع منها ويمنع حقها، وهذا لا يصح لأنه ذكر بعد هذا ما يدل على أن المراد به المنع بالاعتبار دون الظلم.
مسألة:
قَالَ: "إِذَا وَجَدَ نَفَقَتَهَا يَوْمًا بِيَوْمٍ لَمْ يُفَرَّقْ بَيْنَهُمَا".
إذا كان الرجل يكتسب في كل يوم قدر ما ينفقه على زوجته في ذلك اليوم لا يثبت لها حق الفسخ لأنهما إنما استحق نفقتها يومًا فيومًا وهو قادر عليها ولا تجب نفقتها للزمان القابل، وقال في "الحاوي": حال من أحوز به النفقة على ثمانية أقسام:
أحدها: أن يكون لشروعه في عمل لم يستكمله بعد ويقدر بعد استكماله على النفقة كالنساج الذي ينسج في كل أسبوع ثوبًا، فإذا نسجه كانت أجرته نفقة أسبوعه فلا خيار لزوجته، لأنه في حكم الواحد، وإن تأخرت وينفق من الاستدانة [ق ٢٠٢ أ] لإمكان القضاء، ويحكى هذا عن أبي إسحاق.
والثاني: أن يكون لتعذر الحمل كالبناء والنجار فلم يستعمله أحد، فإن كان تعذره نادرًا لا خيار، وإن كان غالبًا فلها الخيار.
والثالث: أن يكون لعجز عن التصرف كالصانع إذا مرض، فإن كان مرجو الزوال بعد يوم أو يومين لا خيار، وإن كان بعيد الزوال لها الخيار.
والرابع: أن يكون لدين له غريم لا يملك سواه ومطلة، فإن كان معسرًا فالدين عليه بأنه فلها الخيار، وإن كان على موسر حاضر فمالك الدين موسر به فلا خيار ويحبس الغريم حتى يؤدى والزوجة في حكم من زوجها موسر، وقد منعها النفقة يحبس على نفقتها، وإن كان الدين على موسر غائب ففي خيارها وجهان كالوجهين في زوجة الموسر الغائب.
والخامس: أن يكون المال غائبًا عنه ينتظر قدومه لينفق منه، فإن كان على مسافة قريبة لا تقصر في مثله الصلاة لا خيار لها لأن ماله في حكم الحاضر ويؤخذ بتعجيل نقله، وإن كان بعيدًا فهو في حكم النيابة ومالكه كالمعدوم فلها الخيار.
والسادس: أن يكون مالكًا لمال حاضرًا استحق عليه في ديونه لا خيار لها قبل
стр. 5698
قضاء الدين لأن له أن ينفق منها قبل القضاء والمستحق في قضائه ما فضل عن قرب يومه وليلته، فإذا قضى دينه صار بعد يومه معسرًا فلها الخيار.
والسابع: أن يعجز عن حلال الكسب ويقدر على محظوره فهو على ضربين، فإن كانت أعيانًا محرمة كالسرقة وأثمان الخمور فالواحد لها كالعادم، والثاني: أن يكون الفعل الموصل إليه محظورًا كصناع الملاهي المحظورة لأنه مستعمل في محظور لا يستحق به ما سمي له من الأجرة ولا بد أن يستحق لتفويت عمله أجرًا فيصير به موسرًا [ق ٢٠٢ ب] ولا يكون لزوجته خيار وكذلك كسب النجم والكاهن يوصل إليه بسبب محظور لكنه قد أعطى عنه عن طيب نفس المعطى فأجرى مجرى الهبة، وإن كان محظور السبب فساغ له إنفاقه وخرج به من حكم المعسرين وسقط به خيارها.
والثامن: أن يكون عجزه لعدم الملك والكسب فهو المقتر على الإطلاق فلها الخيار وهذا كله حسن صحيح.
مسألة:
قَالَ: "وَإِنْ لَمْ يَجِدْ لَمْ يُؤَجَّلْ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثٍ".
الإعسار على ضربين: إعسار تأخير، وإعسار عجز، فأما إعسار التأخير فما ذكرنا في النساج والصانع فلا يثبت الخيار لأنه تأخير لا يستضر به كبير ضرر، وأما إعسار العجز والعدم فيثبت الخيار على ما ذكرنا ولكن هل يؤجل ثلاثًا.
قال في القديم: خيارها على الفور ولا يؤجل، وقال: ههنا يؤجل ثلاثًا ولا يؤجل أكثر، وقال في الإملاء: يؤجل يومًا وليس هذا قولًا آخر وأراد إذا أجل يومًا جاز ولم يرد أنه لا يؤجل أكثر من ذلك.
واختلف أصحابنا فيه فمنهم من قال: فيه قولان كما قلنا في الثاني بالمرتد والمولى إذا قال: أجلوني للجماع هل يؤجل ثلاثًا؟ قولان:
أحدهما: لا يؤجل لأن سبب الفسخ الإعسار، وقد وجد.
والثاني: يؤجل ليتيقن الإعسار، لأن الكسب ربما يقف، ثم يظهر. ومن أصحابنا من قال: يؤجل ثلاثًا قولًا واحدًا، وهذا اختيار القفال.
فرع:
إذا أمهلناه ثلاثة أيام فمضى يومان، ثم وجد نفقة اليوم الثالث ثم أعسر لا يستأنف له مدة الثلاث بل اليوم الرابع يتمم ثلاثة أيام فيخير لأنا لو قلنا: لا يثبت الخيار إلا بثلاثة أيام متوالية أدى إلى الإضرار بها وعلى هذا إذا لم ينفق عليها يومًا وأنفق يومًا، ثم لم ينفق يومًا كذلك [ق ٢٠٣ أ] حتى كملت بالتلفيق ثلاثة أيام فلها أن تفسخ النكاح وكذلك لو
стр. 5699
لم ينفق ثلاثة أيام، ثم أنفق في اليوم الرابع، ثم أعسر خير في الحال لأن التأجيل قد حصل، ذكره القفال وجماعة، ومن أصحابنا من قال: إنه يؤجل دفعة أخرى، فإن تكرر وصارت عادة تخير، وهذا حسن والصحيح ما سبق.
فرع آخر:
قال الشافعي: ولا تمنع المرأة في الثلاث أن تخرج فتعمل، وأراد به أنه إذا أمهل الزوج ثلاثة أيام ليس له أن يحجر عليها في طلب ما يقوتها ويسد رمقها من اكتساب ومسألة فإن وجد النفقة بعد الثلاث أنفق عليها وإلا كان لها الخيار.
فرع آخر:
لو كان لها مال ليس له منعها من الخروج من الدار أيضًا للكسب ولو قدرت على الاكتساب في منزلها بغزل أو خياطة وأرادت الخروج للكسب يعمل في غير منزلها كان لها ولا يستحق الحجر عليها في أنواع الكسب ويلزمها أن ترجع بالليل إلى منزل الزوج لأنه زمان الإيواء لا العمل.
فرع آخر:
إذا رجعت بالليل فأراد الاستمتاع بها لا يمنع لأن الليل زمان الدعة ولا يستحق ذلك في النهار، ولو امتنعت في الليل صارت ناشزة لا نفقة لها وهكذا إذا رضيت بالمقام معه على إعساره مكنها من الاكتساب نهارًا واستمتع بها ليلًا ونفقتها تصير دينًا عليه بالتمام يؤخذ بعد يساره وليس كالأمة تسقط نفقتها إذا بالليل دون النهار لأن منع الأمة من جهتها ومنع المعسر من جهته فلا تسقط به نفقتها، ذكره في "الحاوي".
ثم قال الشافعي: "فَإِنْ لَمْ يَجِدْ خُيِّرَتْ كَمَا وَضَعَتْ فِي هَذَا القَوْلِ" وهذا منه إشارة إلى قول آخر، وقد ذكرنا ما قاله القفال والمشهور المسألة على قول واحد. [ق ٢٠٣ ب].
مسألة:
قَالَ: "فَإِنْ وَجَدَ نَفَقَتَهَا وَلَمْ يَجِدْ نَفَقَةَ جَارِيَتِهَا لَمْ تُخَبَّرْ".
إذا أعسر بنفقة خادمة زوجته لا خيار لها لأنه لا ضرر عليها في نفسها تفقد نفقة خادمتها وهي بتماسك نفقة نفسها، ولأن نفقة خادمتها ليست بعوض من تسليم نفسها بخلاف نفقتها فإنها عوض من تسليم نفسها فافترقا، وقيل له إسقاط نفقة خادمتها بأن يخدمها بنفسه، وما كان له إسقاطها لا يثبت الخيار لها بالعجز عنها، فإذا ثبت هذا، فإن
стр. 5700
نفقة خادمتها تكون دينًا في ذمته تطالبه بها إذا أيسر وإنما كان كذلك لأنه اعتبر في وجوبه حالها بخلاف المد الزائد، فإنه لا يثبت في ذمته لأنه اعتبر في وجوبه حاله.
واعلم أن حق المطالبة بنفقة الخادمة للزوجة لا للخادمة لأنها من كمال نفقة الزوجة، وقال بعض أصحابنا بخراسان في نفقة الخادمة وجه آخر لها الخيار بالعجز عنها لأنها مستحقة بالنكاح كنفقة الزوجة، وهذا ليس بشيء.
فرع:
لو خدمها الزوج في مدة إعساره بنفقة خادمها ففي رجوعها عليه بنفقة الخادم وجهان مخرجان من الوجهين هل يجوز للزوج أن يسقط بخدمته لها نفقة خادمها أم لا.
مسألة:
قَالَ: "وَمَنْ قَالَ هَذَا لَزِمَهُ عِنْدِي إِذَا لَمْ يَجِدْ صَدَاقَهَا أَنْ يُخَيِّرَهَا".
الفصل:
إذا أعسر بالصداق اختلف أصحابنا فيه على طرق:
أحدها: إن كان قبل الدخول فيه قولان:
أحدهما: لا خيار لها لأن نفسها تقوم بدون الصداق بخلاف النفقة، وأيضًا النفقة بإزاء الاستمتاع بدليل أنها تسقط بالنشوز، فإذا لم ينفق كان لها أن تمنع الاستمتاع على وجه تنتفع هي به وهو بالفسخ والمهر إنما وجب بالعقد وهي قد صارت حكمًا فلا خيار لها بالعجز عنه، ومن قال هذا [ق ٢٠٤ أ] قال: تأويل كلام الشافعي في الإملاء لها الخيار يعود إلى النفقة لا إلى المهر.
والثاني: لها الخيار لأنه بدل من البضع كثمن المبيع والأجرة، وهذا أقيس، وإن كان بعد الدخول فلا خيار لها قولًا واحدًا لأنه صار دينًا في ذمته ويلف ما في مقابلة فهو بمنزلة النفقة الماضية، وأيضًا فإنها لما سلمت نفسها كان ذلك رضا منها بكونه في ذمته فلم يكن لها الفسخ، وهذه الطريقة ذكرها ابن أبي هريرة واختارها صاحب الإفصاح.
والثانية: لا فرق بين أن يكون قبل الدخول أو بعده فيه قولان لأنها سلمت بعض المعقود عليه والمهر في مقابلة جميع الوطيات الماضية والمستقبلة فلها الفسخ للمستقبل كما لو وجد بعض المبيع في يد المفلس له الخيار.
والثالثة: إن كان قبل الدخول يثبت لها الخيار قولًا واحدًا ويحمل على اختلاف الحالين، وهذا اختيار أبي إسحاق، قال القفال: وعلى هذا إذا حصل الدخول على أي
стр. 5701
وجه كان طوعًا أو كرهًا أو غلطًا سقط حق الفسخ لأن تقرير المهر قد حصل فلو فسخت انتفعت هي به دون الزوج وينبغي أن ينتفع هو بالفسخ أيضًا لسقوط الصداق عنه.
والرابعة: إن كان قبل الدخول لها الخيار، وإن كان بعد الدخول فقولان والأصح ثبوته، وهذا اختيار أبي حامد، وهذه الطريقة أحسن وأصح عندي.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: هذا مبني على النفقة واختلف أصحابنا في كيفية البناء فمنهم من قال إن قلنا: هناك يثبت الخيار فههنا أولى، وإن قلنا: هناك لا يثبت فههنا قولان، والفرق أن النفقة بإزاء الاستمتاع، فإذا أعسر بها يمنع ما بإزائها وهو أن لا تمكن نفسها والمهر بإزاء طلب البضع، فإذا أعسر به يمنع الملك، ومنهم من قال: إن قلنا هناك لا يثبت الخيار [ق ٢٠٤ ب] فههنا أولى وإن قلنا: هناك يثبت فههنا قولان والفرق ما تقدم فحصل خمسة طرق وهذه الطريقة الأخيرة أضعفها.
فرع:
لو كانت منقوصة فأعسر بصداقها لا خيار لها لأنه لا مهر لها بالعقد على الصحيح من المذهب ولكن لها المطالبة بفرض المهر، فإذا فرض التحق بالمسمى في العقد.
فرع آخر:
لو كانت امرأته أمة فأعسر بصداقها ونفقتها ففي المهر الخيار للسيد دونها لأنه حقه، وفي النفقة الخيار لها على ما ذكرنا من قبل ولو قال السيد لها أن أنفق عليه عن الزوج لا خيار لها، ولو كانت معتوهة لا خيار لها، لأنه لا قول لها ويلزم المولى أن ينفق عليها ولو كانت عاقلة فلم تختر الفسخ فقول السيد إن أردت النفقة فافسخي النكاح وإلا فلا نفقة لك لأنها تقدر على طلب الفسخ.
فرع آخر:
لو كانت الزوجة صغيرة ليس للولي طلب الفسخ بل ينفق من مالها عليها، فإن لم يكن لها مال فنفقتها على قريبها الذي يلزمه لو لم تكن زوجته ثم إذا أيسر الزوج بعده يؤخذ من نفقتها الماضية.
مسألة:
قَالَ: "وَلَوْ اخْتَارَتْ المَقَامَ مَعَهُ فَمَتَى شَاءَتْ أجِّل أَيْضًا".
إذا أعسر بنفقة امرأته فخيرناها فاختارت المقام معه، ثم بدا لها، فاختارت الفسخ كان لها الفسخ لأن وجوب النفقة يتجدد كل يوم ولا يصح الرضاء بإعسار ما لم يجب فكان لها المطالبة وكان عفوها عن الماضي لا عن المستقبل ولا فرق في هذا بين أن
стр. 5702
يكون علمت عسرته حين عفت وبين أن لا تكون عالمة بعسرته لأنها ربما تعفو عن ماضي حقها رجاء أن يؤسر في المستقبل أو يتطوع عنه إنسان بالعزم وكذلك لو تزوجت به مع علمها بفقرة لها الخيار به.
فرع:
لو علمت بعسرته عند العقد هل لها الخيار لأجل الصداق وجهان:
أحدهما: لا خيار لها؛ لأنها لو رضيت به [ق ٢٠٥ أ] في النكاح لا يبقى لها الخيار فكذلك إذا دخلت في العقد مع الرضاء لا خيار ولأنه تجب بالعقد، وقد رضيت بتأخيره؛ لنه كان معسرًا به والنفقة تجب بعد العقد ويرجى التحصيل بالتكسب والاجتهاد غالبًا بخلاف الصداق.
والثاني: لها الخيار لأنها لا يتحقق دوامه لجواز أن يوسر أو يتطوع به متطوع ولهذا لو باع شيئًا من رجل فعل إفلاسه له فسخ البيع لتعذر استيفاء الثمن وكما نقول في النفقة.
فرع آخر:
إذا عادت إلى المطالبة بعد الرضاء بإعساره، قال القفال: يستأنف الإمهال ثلاثة أيام وهو ظاهر ما ذكر ههنا لأنه قال: فمتى شاءت أجل أيضًا بخلاف امرأة المولى إذا رضيت، ثم عادت إلى المطالبة بوقت في الحال لأن تلك مدة مضروبة بنص الكتاب وههنا ضربنا له المدة رفقًا له، فإذا رضيت سقط حكم تلك المدة وعندي يتحمل أن يقال لا تستأنف له المدة، وقول الشافعي أجل لا ينتفي التأجيل ثلاثة أيام.
فرع آخر:
إذا أعسر بالصداق وقلنا: لها الخيار فخيارها على الفور بعد التنازع فيه إلى الحاكم، لأن الفسخ به لا يثبت إلا عند الحاكم، فإذا أمسكت عن محاكمة بعد العلم بإعساره نظر، فإن كان إمساكها قبل المطالبة بالصداق كانت على الخيار عند محاكمته لأنه قد يجوز أن يوسر به عند مطالبته، وإن كان إمساكها بعد المطالبة سقط خيارها وكان الإمساك عن محاكمته رضاء بإعساره ولو حاكمته وعرض عليها الحاكم الفسخ فاختارت المقام سقط خيارها، فإن عادت محاكمة له فطلب الفسخ لا خيار لها إن كانت المحاكمة الأولى بعد الدخول لاستواء إعساره في الحالين، وإن كانت المحاكمة الأولى والرضا [ق ٢٠٥ ب] فيها بالمقام قبل الدخول، والمحاكمة الثانية بعد الدخول ففي استحقاقها للخيار وجهان:
أحدهما: لا خيار كما لو كانت المحاكمتان بعد الدخول ففي استحقاقها وللخيار وجهان:
أحدهما: لا خيار كما لو كانت المحاكمتان بعد الدخول.
стр. 5703
والثاني: لها الخيار، لأن ملكها قبل الدخول كان مستقرًا على نصفه وبعد الدخول على جميعه فصار إعساره بعد الدخول بحق لم يكن مستقرًا قبل الدخول فجاز أن تستجد به خيارًا لم يكن، ذكره في الحاوي وسائر أصحابنا قطعوا بأنه لا يتحدد لها الخيار به إذا رضيت مرة.
فرع آخر:
لا تسقط النفقة عندها بمضي الزمان سواء فرضها الحاكم أو لم يفرضها، وبه قال مالك، وأحمد في رواية، وقال أبو حنيفة: تسقط إلا أن يفرضها الحاكم فلا تسقط بعد فرضها، وهذا غلط لأنها تجب في حالتي اليسار والإعسار كالمهر والديون.
مسألة:
وَقَالَ: "وَلَهَا أَنْ لَا تَدْخُلَ عَلَيْهِ إِذَا أَعْسَرَ بِصَدَقِهَا حَتَّى تَقْبِضَهُ".
معناه إذا رضيت بالمقام معه ولم تفسخ النكاح للإعسار بالصداق فلها أن تمتنع من تسليم نفسها حتى تأخذ الصداق، لأن الصداق في مقابلة البضع، فإن أصحابها مرة مطاوعةً قد ذكرنا أنه يسقط حق حبسها، وإن أصابها مكرهة قد ذكرنا فيه وجهين:
أحدهما: لها الحبس كالمشتري إذا قبض المبيع كرهًا قبل دفع الثمن فللبائع الاسترجاع للحبس.
والثاني: ليس لها الحبس لأن المهر قد تقرر عليه، وإذا استرد البائع المبيع يرتفع تقرير الثمن على المشتري وههنا بامتناعها لا يرتفع تقرير المهر عليه فافترقا، وإن كان موسرًا بالصداق فقال: لا أدفع حتى تسلمي نفسك وقالت [ق ٢٠٦ أ] لا أسلم نفسي حتى تدفع الصداق ذكرنا في كتاب النكاح، والله أعلم.
باب نفقة التي لا يملك زوجها رجعتها
مسألة:
قَالَ: قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُم مِّن وُجْدِكُمْ﴾ [الطلاق:٦]. وقال تعالى: ﴿وَإِن كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق:٦] فَلَمَّا أَوْجَبَ اللهُ لَهَا النَفَقَةِ بِالحَمْلِ دَلَّ عَلَى أَنَّ لَا نَفَقَةَ لَهَا بِخِلَافِ الحَمْلِ.
وقد ذكرنا فيما مضى أن لكل مطلقة السكنى سواء كانت حاملًا أو حائلًا رجعية كانت أو بائنة.
وأما النفقة فإن كانت رجعية فلها النفقة لأنها في معاني الأزواج، وإن كانت بائنًا فإن كانت حائلًا فلا نفقة لها خلافًا لأبي حنيفة، وهذا لأن الله تعالى أوجب السكنى
стр. 5704
للمطلقة على الإطلاق وقيد النفقة بالحمل فقال: وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن ولم يرد به الرجعية فدل أنه أراد به البائنة وبذلك جاءت السنة في فاطمة بنت قيس حيث قال لها ﷺ : ليس لك نفقة وكانت بائنة، وروي أن النبي ﷺ : قال لها: "لا نفقة لك إلا أن تكوني حائلًا" وروي عن جابر ﵁ أنه قال: "نفقة المطلقات ما لم يحرم" يعني ما لم تكن بائنة، وقال عطاء: ليست المبتونة الحبلى منه في شيء إلى أنه ينفق عليها من أجل الحبل، فإن كانت حبلى فلا نفقة لها، وقد ذكرنا أنها للحمل أو الحامل قولان منصوصان، والأصح أنها تستحق في الحال فالأمارات لأن الأحكام تتعلق بها.
مسألة:
قَالَ: "وَكُلُّ مَا وَصَفْتُ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ مُتْعَةٍ أَوْ سُكْنَى فَلَيْسَتْ إِلَّا فِي نِكَاحٍ فَلَا نَفَقَةَ حَامِلًا أَوْ غَيْرَ حَامِلٍ [ق ٢٠٦ ب].
قال أصحابنا: أراد بالنكاح المنسوخ إذا فسخ أحدهما النكاح لوجود عيب بصاحبه فلا تجب النفقة ولا السكنى لأن ذلك بمنزلة النكاح الذي وقع فاسدًا في الأصل، وقد بيناه في كتاب النكاح.
فأما قول الشافعي حائلًا أو غير حامل إنما ذكر على القول الذي يقول النفقة للحامل، فأما إذا قلنا النفقة للحمل فلها النفقة وكذلك المنكوحة نكاحًا فاسدًا مثل نكاح المتعة والنكاح بلا ولي ولا شهود، إذا كانت حائلًا هل تستحق النفقة فيه قولان لأن النسب ثابت منه في الحالين:
واعلم أن الشافعي أوجب ههنا للمبتوتة الحال النفقة بسبب الحمل، ثم ذكر النكاح الفاسد ولم يجعل للحامل النفقة وعطف إحدى المسلمين على الأخرى وفرق بينهما والقياس يقتضي التسوية بين المسلمين في بنائهما على القولين، وهذا موضع الإشكال ولكن يحتمل أن يقال إذا كانت معتدة عن نكاح صحيح فإنها بحق العقد الصحيح تستحق حقوق الحضانة في تربية الولد وهي مشتغلة بما هو أبلغ من الحضانة لأنها تربية في بطنها فاستحقت عليه النفقة لحق العقد السابق ما دامت في العدة عن ذاك العقد وإذا كان الوطء شبهة لم يثبت ما فيه مثل هذا الحق، وقال صاحب الحاوي: إذا فسخ نكاحها بالعيب المتقدم على العقد وهي حامل هل تستحق نفقتها في زمان الحمل ويجعل كالمنسوخ من أصله؟ قولان بدليل استحقاق مهر المثل، هكذا قال أصحابنا والصحيح عندي أن لها النفقة قولًا واحدًا إلحاقًا بالفسخ الطارئ الرافع لاستدامة العقد في هذا الحكم لأنه وجد موجبي الاستحقاق قبل الفسخ من استحقاق التمكين وحرمة العقد.
стр. 5705
مسألة:
قَالَ: "فَإِنْ ادَّعَتِ الحَمْلِ [ق ٢٠٧ أ] فَفِيهَا قَوْلَانِ: أحدهما: أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ بِيَقِينِ حَمْلِهَا حَتَّى تَلِدَ فَتُعْطَى نَفَقَةَ مَا مَضَى".
الفصل:
قد ذكرنا أن النفقة للحمل أو للحامل قولان والصحيح أنها للحامل وقوله ههنا حتى تلد فيعطى نفقة ما مضى دليل على أن النفقة للحامل لأن نفقة الأقارب يسقط لمضي الزمان.
وحكي ابن الحداد، عن الشافعي رحمة الله عليه أنه قال: لو أن مسلمة ارتدت فلا نفقة لها على زوجها، وإن كانت حاملًا وكذلك لو أسلم الزوج وتخلفت عن الإسلام وهي حامل فلا نفقة لها على زوجها ما لم يسلم كما لا نفقة لها إذا لم يكن حائلًا، وهذا يوضح أن نفقة الحامل لها في نفسها لا للولد.
والثاني: أنها للحمل وقد ذكرنا أنها هل تستحق قبل الوضع قولان.
فإذا قلنا: يستحق وهو اختيار المزني فقولها لا يقبل في وجوب النفقة حتى تشهد أربع نسوة عدول أن بها حملًا أو يشهد رجلان أو رجل وامرأتان بذلك، فإذا أقامته البينة أنفق عليها من وقت تقام البينة يومًا بيوم ودفع إليها نفقة ما مضى من حين الطلاق إن قامت البينة بالحمل، وإذا أنفق عليها، ثم بان أنه كان ريحًا ولم يكن حملا.
قال أبو إسحاق إذا قلنا: يلزمه أن ينفق عليها في حال الحمل رجع عليها بما أنفق سواء حكم عليه الحاكم أولم يحكم بذلك وسواء شرط عليها الرجوع أو لم يشرط لأنه أنفق ما لزمه أن ينفق، فإذا تبين أنه لم يكن لازمًا رجع عليه.
وإذا قلنا: لا يلزمه أن ينفق عليها حتى تضع فتبرع وأنفق، فإن كان بحكم الحاكم رجع، وإن كان من غير حكمه، فإن كان الدفع بشرط الحمل رجع، وإن كان مطلقًا لا يرجع لأن ظاهرة تطوع.
فإن قيل: إذا أنفق الرجل على امرأته ثم تبين أن النكاح كان فاسدًا ففرق الحاكم بينهما لا يرجع الزوج عليها بما أنفق فما الفرق [ق ٢٠٧ ب] قيل: الفرق أن الزوج أنفق عليها في مقابلة ما أتلف عليها من منافعها وهو الاستمتاع الذي استمتع بها فلم يجز أن يرجع عليها بما أنفق خلاف مسألتنا.
فإن قيل: لو كان ذلك على طريق المعاوضة لوجب إذا مكنته من الاستمتاع إلا أنه لم يستمتع بها ولم يسلمها أن يكون لها المطالبة بنفقة ما مضى قبل العوض في النكاح الفاسد لا يجب إلا بالإتلاف. فأما بالتمكين فلا يجب ألا ترى أن المشتري لا يلزمه تسليم الثمن في البيع الفاسد بالتمكين من المبيع ما لم تبلغه فإذا أتلفه يلزمه ذلك ههنا
стр. 5706
وقال في "الحاوي" إن لم يشترط فيها التعجيل لم يرجع لأنه متطوع، وإن شرط فيها التعجيل، فإن ضمنها الرجوع بها إن أنعش حملتها فله الرجوع اعتبارًا بالشرط، وإن لم يضمنها الرجوع بها فيه وجهان:
أحدهما: يرجع، وهو الأصح تغليبًا لحكم ما أشرطه من التعجيل كما في تعجيل الزكاة.
والثاني: لا يرجع بها إذا شرط التعجيل حتى يشترط التضمين معه لاحتمال التعجيل واختلاله بالتضمين الذي هو أقوى.
قال القفال: وعلى ما ذكرنا أقول في دلالة باع شيئًا من رجل فأجرته على البائع الذي أمره بذلك، فإن أخذ من المشتري شيئًا، وقال: وهبت هذا لي فقال: نعم إن عرف أنه لا شيء له، وأنه متبرع بالهبة صحت الهبة، وإن ظن أنه واجب عليه يهب فله الرجوع لأنه لم يتبرع، وهذا لأن الأصل أن من أعطى شيئًا على أنه واجب فبان أنه غير واجب فله الرجوع.
فرع:
إذا قلنا: لا يلزمه أن ينفق عليها في زمان الحمل فوضعت يلزمه نفقة ما مضى لها من حين الطلاق إلى أن وضعت سواء قلنا إنها للحمل أو لا، ولا يسقط بمضي المدة، وإن قلنا: إنها للحمل ويخالف نفقة الأقارب لأن المستوفي ههنا الزوجة [ق ٢٠٨ أ] فلحقت بنفقة الزوجات ولم تسقط بمضي الوقت.
مسألة:
قَالَ: "وَلَوْ ظَهَرَ بِهَا حَمْلٌ فَنَفَاهُ وَقّذَفَهَا وَلَاعَنَهَا لَا نَفَقَةَ عَلَيْهَا".
قال أصحابنا: يحتمل أن يكون المراد به أنه إذا قذف زوجته فلاعنها وانتفي من حملها لا نفقة لها ولا سكنى.
وأما النفقة فلا تستحق؛ لأن الحمل ليس منه، وإذا لم يكن الحمل منه لا نفقة سواء قلنا: النفقة للحامل بسبب الحمل أو قلنا إنها للحمل.
وأما السكنى قال أبو حامد: لها السكنى لأنهما افترقا عن نكاح صحيح، وقال غيره فيه وجهان:
أحدهما: لا يجب لما روي في خبر المتلاعنين قضى رسول الله ﷺ أن لا نفقة لها ولا يثبت لأنهما يفترقان من غير طلاق.
والثاني: لها السكنى لأن الله تعالى أوجب للمعتدة السكنى وهذه الفرقة يختلف فيها فمنهم من يقول طلاق ومنهم من يقول فسخ فلم تسقط السكنى إلا بيقين وقيل:
стр. 5707
الفسخ الطارئ يجعل بمنزلة النكاح الفاسد، وهذا فسخ وإيجاب السكنى فيه مناقضة ولكنه يتعلق بقول الزوج فيجري مجرى قطع النكاح بالطلاق كمل قلنا في الخلع مع قولنا إنه فسخ قالوا: ويحتمل أن يكون راجعًا إلى المطلقة دون الزوجة، فينظر، إن كانت رجعية حكمها حكم الزوجة، وإن كانت بائنًا هل يجوز اللعان على نفي حملها، قد ذكرنا في كتاب اللعان قولين:
فإذا قلنا له: إنه لاعن فلاعن فالحكم على ما ذكرنا في السكنى والنفقة، وقال القاضي الطبري: إذا قلنا هناك لا سكنى فههنا يحتمل وجهين:
أحدهما: لها السكنى لأنها اعتدت عن الطلاق.
والثاني: لا سكنى لأن نفقتها سقطت لأجل اللعان فلذلك السكنى، وإن أكذب نفسه بعد اللعان رجعت المرأة بنفقتها في زمان الحمل سواء قلنا النفقة للحمل أو للحامل بسببه لما ذكرنا أنها وإن كانت للحمل [ق ٢٠٨ ب] فإنها تتعلق بحقها وتنصرف إلى مصالحها فلم تسقط بمضي الزمان، وقد قال في "الأم" لو كانت أرضعته ثم أكذب نفسه يلزمه أجرة الرضاعة لأنها أرضعته على أن لا أب له إلا أنها تطوعت به. وقال بعض أصحابنا: هذا يدل على أن النفقة قبل الوضع تجب لها وبعد الوضع تجب للحمل فإنه لم يوجب النفقة لها بعد الوضع بل أوجب أجرة الحضانة وأجراها مجرى الأجرة.
وقال القفال: إذا كذب نفسه بعد الوضع يلزمه الأجرة والنفقة أيضًا قال: ولو استدانت لغيبة الأب أو عند امتناعه من الإنفاق لها الرجوع عليه، وهذه ولاية للأم في ولدها ولا تجعل متبرعة بذلك، وهو أصح عندي ويحتمل أنه أراد أجرة الرضاع نفقتها على التمام فإن قال قائل: لو لم ينف ولدها فأعتقت هي عليه قلتم: لا يرجع عليه فما الفرق قلنا: الفرق أن هناك تبرعت بالإنفاق عليه وههنا لم تتبرع بل أنفقت بحكم الحاكم أن الولد منفي ونظير هذا أنه لو قضى دينًا على ظن أنه عليه، ثم بان خلافه له الرجوع، ولو ملك إنسانًا شيئًا ابتداءً ليس له الرجوع وكذلك لو زكى عن ماله على ظن سلامته فبان أنه كان تالفًا وشرط ذلك له الرجوع ولو تصدق عليه به تطوعًا لا رجوع وكذلك لو كان الأب موسرًا فظن أنه معسر فأنفق عليه، ثم ظهر ذلك له الرجوع ولو علم يساره فتبرع فلا رجوع وكذلك لو كان الأب معسرًا فظن أن ابنه معسرًا أيضًا فاستقرض وأنفق على نفسه، ثم بان له يسار ابنه يرجع في ماله بما استقرض ولو علم يساره فاستقرض ولم يطالبه لم يرجع وكذلك لو غاب الابن الموسر فاستقرض أبوه المعسر وأنفق على نفسه يرجع [ق ٢٠٩ أ] ولو سأل الناس وتكدي وأنفق على نفسه لا يرجع.
مسألة:
قَالَ: "وَلَوْ كَانَ أَعْطَاهَا بِقَوْلِ القَوَابِلِ أَنَّ بِهَا حَمْلًا ثُمَّ عَلِمَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ بِهَا
стр. 5708
حَمْلٌ أَوْ أَنْفَقَ عَلَيْهَا فَجَاوَزَتْ أَرْبَعَ سِنِينَ رَجَعَ عَلَيْهَا بِمَا أَخَذَتْ".
قوله: أو أنفق عليها أي بغير قول القوابل على ظن وجود الحمل، وقد ذكرنا هذه المسألة وإنما رجع عليها إذا جاوزت أربع سنين، لأنا علمنا أنها وإن كانت حبلى فليس ذلك الحمل منه، وإن أنفق عليها على توهم وجوب النفقة لا على جهة التبرع.
مسألة:
قَالَ: "وَلَوْ كَانَ يَمْلِكُ الرَّجْعَةَ فَلَمْ تَقِرّ بِثَلَاثِ حِيَضٍ أَوْ كَانَ حَيْضُهَا يَخْتَلِفُ فَيَطُولُ وَيَقْصُرُ لَمْ أَجْعَلَ لَهَا إِلَّا الأَقْصَرَ".
الفصل:
صورته رجل طلق امرأته طلقة رجعية فلم تقر بانقضاء ثلاثة أقراء حتى ظهرت بها أمارات الحمل فأنفق عليها، ثم علم أنه لم يكن حملًا وإنما كان ريحًا أو جاوز أربع سنين، وقلنا: إن ولد الرجعية إذا أتت به لأكثر من أربع سنين لا يلحق به كولد المبتوتة، فقد علمنا أن عدتها منه بثلاثة أقراء، فإن كان قد بان أنه لم يكن حملًا بل كان ريحًا فإنا نرجع إلى إقرارها فيما مضى، فإن كان حيضها مثقفًا لا يختلف جعلنا لها النفقة في مدة ثلاثة أقراء، لأنها اعتدت بها وهي رجعية فكانت لها فيها النفقة، وإن كان حيضها مختلفًا فكانت ترى ثلاثة أقراء في ثلاثة أشهر، وفي ستة أشهر، وفي أكثر من ذلك أو أقل جعلنا لها النفقة في أقل ما يكون من عادتها في ثلاثة أقراء أنها تكون في ثلاثة أشهر فيكون لها النفقة في ثلاثة أشهر ورجع الباقي نص عليها الشافعي.
وقال أبو حامد: نظرنا أقل زمان يمكن أن نحصل فيه ثلاثة أقراء فنوجب لها نفقة ذلك القدر [ق ٢٠٩ ب] لأن اليقين وهذا أقيس ولكنه خلاف النص ذكره القاضي الطبري وإن لم يكن ريحًا ولكنه كان حملًا إلا أنه جاوز أربع سنين فإنا علمنا أنها وطئت بعد الطلاق فنرجع إليها فنقول لها: بين لنا الحال، فإن قالت: تزوجت بغيره ووطئني وهذا الحمل منه قلنا لها: أتزوجت بعد مضي ثلاثة أقراء أو قبلها، فإن قالت بعدها جعلنا لها النفقة لثلاثة أقراء على ما بيناه وإن قالت: تزوجت بعد مضي قرين قلنا: قد أفسدت قرءًا واحدًا فعليك أن تأتي بقرء آخر بعد وضع الحمل وذلك النفقة في هذا القرء وفيما مضى لقرءين والكلام في مقدار القرءين على ما بيناه.
ثم إن المزني اعترض على الشافعي فقال: إذا حكم بأن العدة قائمة فكذلك النفقة في القياس لها بالعدة قائمة، ولو جاز قطع النفقة بالشك في انقضاء العدة جاز انقطاع الردة بالشك في انقضاء العدة فلما لم تزل الرجعة بالشك في انقضاء العدة الذي لم يجز أن يزول النفقة بالشك في انقضاء العدة قيل: نحن إذا حكمنا بسقوط النفقة حكمنا بانقطاع
стр. 5709
الرجعة وكيف ظننت بالشافعي هذا الظن المحال وهو إسقاط النفقة مع استبقاء الرجعة ولكنها ممنوعة عن نكاح زوج آخر ما دامت تزعم أنها في العدة.
وقال بعض أصحابنا: صورة المسألة التي ذكرها الشافعي غير هذه الصورة وإنما أراد إذا طلقها طلاقًا رجعيًا فادعت أنه قد تباعد حيضها وامتد طهرها.
وقد ذكرنا حكم تباعد الحيض فقال الشافعي: يكون القول قولها في بقاء العدة عليها وفي ثبوت الرجعة عليها ولا يقبل قولها في وجوب النفقة إلا في مقدار مدة العدة.
واعترض المزني على هذا فقال: إذا حكم بأن العدة قائمة فلذلك النفقة في القياس، والجواب أنه لا تعتبر الرجعة بالنفقة [ق ٢١٠ أ] لأن الرجعة عليها والنفقة حق لها فيقبل قولها فيما عليها ولم يقبل فيما لها، وهذا لا يصح لأن الشافعي قال: قبل هذه المسألة إذا طلقها بائنًا وظهر بها أمارات الحمل فأنفق عليها ثم تبين أنها كانت ريحًا ثم عطف عليها هذه المسألة فدل أن الشافعي لم يرد ما ذكره هذا القائل.
مسألة:
قَالَ: "وَلَا أَعْلَمُ حُجَّةً بِأَنْ لَا يَنْفِقَ عَلَى الأَمَةِ الحَامِلِ".
الفصل:
أراد به إذا طلق امرأته الأمة بائنًا وكانت حاملًا فعلى الزوج أن ينفق عليها ولا حجة لمن يقول لا ينفق عليها وهذه نصرة من القول الذي يقول إن النفقة للحامل دون الحمل، فإن على ذلك القول هو رفيق لسيدها فالنفقة على سيدها دون زوجها.
واختار المزني القول الصحيح ووجهه ما ذكر ههنا أنها لو كانت للحمل لما تقدرت بكفايتها ولكفي أدنى شيء ولوجب أن يجب على الحدّ نفقة نفقة هذا الحمل عند عدم الأب أو إعساره كما لو كان منفصلًا ولوجب أن تسقط بيسار الولد وهو إذا ورث أو أوصى له بشيء وقبله أبوه، ووجه القول الآخر إنها تجب بوجوده وتسقط بعدمه فدل أن النفقة له ولأن النفقة لما كانت له إذا كان منفصلًا فكذلك إذا كان متصلًا بها.
قال هذا القائل: وإنما أوجبنا بقدر كفايتها لأنه لا يصل النفع إليه من جهتها فوجب تمام كفايتها كما قلنا في زمان الرضاع لا تلزم الأجرة بقدر قيمة اللبن بل تلزم قدر ما يكون في مثله كفايتها، ومن قال بالأول: أجاب عن هذا بأنه مستمتع بها لكون ولده في بطنها كما كان مستمتعًا بها في زمان النكاح والعدة التي فيها الرجعة، وإذا وضعت زال الاستمتاع فلهذا وجب بوجوده وسقط بعدمه.
وأما قول المزني الأول أحق ضدي لأنه شهد أنه حكم الله تعالى فقال ولكنه حكم الله تعالى يعني إيجاب النفقة لها وحكم الله تعالى أولى [ق ٢١٠ ب] مما خالفه وأراد به
стр. 5710
قول الله تعالى: ﴿وَإِن كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦] وهذا الخطاب متوجه على الأزواج فدل على أنها تلزم على زوج الأمة الحامل لا على سيدها.
ثم قال: فأما كل نكاح كان منسوخًا فلا نفقة لها ولا سكنى حاملًا أو غير حامل.
وقد قال بعض مشايخنا: إنها تستحق النفقة إذا قلنا النفقة للحمل، وقد ذكرنا حكم النكاح الفاسد من أصله والذي كان صحيحًا، ثم فسخ فلا معنى للإعادة.
فرع آخر:
قال ابن الحداد: إذا أردت المسلمة سقطت نفقتها، وإن كانت حاملًا، وقال بعض أصحابنا: هذا مبني على القولين.
فإن قلنا: النفقة للحامل فالحكم على ما ذكره.
وإن قلنا للحمل لم تسقط بردتها، ووجه ما قاله ابن الحداد أن النفقة وإن كانت للحمل فهي المستحقة لها وتتعلق بها ألا ترى أنها لا تسقط بمضي الزمان قولًا واحدًا فجاز أن تسقط بردتها.
فرع آخر:
قال ابن الحداد: إذا وضعت الزوجة حملها فقال: كنت طلقتك قبل وضعك طلقة، وقد انقضت عدتك فلا نفقة لك ولا سكنى وكذبته فالقول قولها لأنه يريد إسقاطها حقها من النفقة والسكنى وعليها اليمين على نفي العلم أنها لا تعلم أنها طلقها لأنها يمين على فعل الغير وله أن يتزوج بأختها وأربع سواها ولا رجعة له عليها لأن قوله مقبول في إسقاط حق الرجعة وفي نكاح أختها لا يتعلق حقها وذلك إلى علمه، فإن كان يعلم أنها مباحة له جاز نكاحها ولا اعتراض عليه فيه.
باب نفقة الأقارب من كتاب النفقة
مسألة:
قَالَ: قَالَ فِي كِتَابِ اللهِ تَعَالَى وسُنَّة رَسُولِهِ ﷺ بَيَانُ أَنَّ عَلَى الأَبِ أَنْ يَقُومَ بِالمُؤْنَةِ فِي إِصْلَاحِ صَغِيرِ وَلَدِهِ" [ق ٢١١ أ].
الفصل:
القصد به بيان نفقة الأٌقارب بعضهم على بعض، وبدأ بنفقة الولد لأنها ثابتة بالنص في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق:٦] وهذه نفقة الولد دون الأم لأن هذه الآية في المطلقات البوائن بدليل أن الزوجات يستحقن النفقة أرضعن أو لم
следующие страницы →