← Фикх шафии

Фикх шафии · id 16934

بحر المذهب للروياني

عَبْد الواحِد الرُّوْياني

Полный текст (7 151 стр.). Показаны 6161–6200 · переход к 6166.

стр. 6161

حديث النبي ﷺ : " لا يحل دم امرء مسلم إلا بإحدى ثلاث كفر بعد إيمان وزنا بعد إحصان وقتل نفس بغير نفس" قلت هو كلام عربي ومعناه إذا أتى واحدة من الثلاث حل دمه فمعناه كان رجلاً زنى محصناً ثم ترك الزنى وتاب منه وهرب فقدر عليه قتل رجما أو قتل عمدا وترك القتل وتاب منه وهرب ثم قدر عليه قتل قوداً وإذا كفر ثم تاب فارقة اسم الكفر وهذان لا يفارقهما اسم الزى والقتل ولو تابا وهربا". قال في الحاوي: هذا سؤال اعترض به على الشافعي من منع من قتال أهل البغي، لأن قتالهم مقضي إلى قتلهم، وقد قال رسول الله ﷺ : "لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: كفر بعد إيمان، أو زنا بعد إحصان أو قتل نفس بغير نفس". وليس الباغي واحداً من هؤلاء الثلاثة، وجعل هذا السؤال مقصوراً فيمن أريد دمه أو ماله أو حريمه كيف يجوز له قتل من أراده بذلك. فاقتضى السؤال دليلاً على الحكم وانفصالاً عن الخبر، فأما الدليل على أن من أريد دمه أو ماله أو حريمه يجوز له دفع من أراده إن أتى الدفع عن نفسه على ما سنذكره من نعد من ترتيب الدفع بحال بعد حال قول رسول الله ﷺ : "من قتل دون مال، فهو شهيد". والشهيد مظلوم، وللمظلوم دفع الظلم عن نفسه بالقتال، وما أبيح من القتال لم يجب به ضمان، وأما الانفصال عن الخبر فمن وجهين: أحدهما: أنه أباح القتل بثلاثة شروط اختلفت معانيها واتفقت أحكامها: أحدها: بالكفر بعد الإيمان فلا يجوز العفو عنه، ويسقط بالتوبة منه، ويزول عنه اسم الكفر بعد التوبة. والثاني: بالزنى يعد الإحصان، لا يجوز العفو عنه، ولا يسقط بالتوبة منه بعد القدرة، وفي سقوطه قبل القدرة خلاف ولا يزول عنه اسم الزنى بعد التوبة. والثالث: بقتل نفس بغير نفس، وهذا يجوز العفو عنه، ولا يسقط بالتوبة، ولا يزول عنه اسم للقتل بالتوبة. فلما اختلفت المعاني والأسماء، صارت معاني القتل هي المعتبرة دون العدد المحصور. والثاني: أنه لسان عربي لا يمنع أن ينضم إلى العدد المحصور ما في معناه، ولا تكون الزيادة عليه رافعة لحكمه كما قال الله تعالى: ﴿ووَاعَدْنَا مُوسَى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ﴾ [الأعراف: ١٤٢].

стр. 6162

وعلى أن للخبر تأويلين يغنيان عن هذين الجوابين: أحدهما: لا يحل قتله بسبب متقدم إلا بإحدى ثلاث، وهذا لا يقتل صبراً، وإنما ينتهي حاله إلى القتل دفعًا. والثاني: لا يحل قتله بسبب متقدم إلا بإحدى ثلاث، وهذا لا يقتل بسبب متقدم، وإنما يقتل بسبب حادث في الحال. مسألة قال الشافعي ﵁: "ولا يستعان عليهم بمن يرى قتلهم مدبرين". قال في الحاوي: أما الاستعانة بأهل العهد والذمة في قتال أهل البغي فلا يجوز بحال، لقول الله تعالى: ﴿ولَن يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى المُؤْمِنِينَ سَبِيلاً﴾ [النساء: ١٤١]. ولقول النبي ﷺ : "الإسلام يعلو ولا يعلى". ولأنهم غير مأمونين على نفوسهم وحريمهم لما يعتقدونه دينا من إباحة دمائهم وأموالهم التي أوجب الله تعالى حظرها وأمر بالمنع منها. فأما الاستعانة عليهم بمن يرى قتالهم من المسلمين مقبلين ومديرين فقد منع الشافعي منه لما يلزم من الكف عنهم إذا انهزموا. فإن قيل: فهلا جاز أن يستعين عليهم بمن يخالف رأيه فيه، ويعمل على اجتهاد نفسه، كما يجوز للحاكم أن يستخلف من يحكم باجتهاد نفسه، وإن خالف اجتهاد مستخلفه، فيجوز للشافعي أن يستخلف حنيفا، وللحنفي أن يستخلف شافعيًا. قيل: الفرق بينهما: أن قتال أهل البغي مدبرين باجتهاد الإمام والمعين فيه مأمور ممنوع من الاجتهاد، والمستخلف على الحكم مفوض إليه النظر فساغ له الاجتهاد. فإذا ثبت أنه ممنوع الاستعانة فقد اختلف أصحابنا فيه على وجهين: أحدهما: أنه منع تحريم وحظر. والثاني: أنه منع ندب واستحباب. فإذا دعته الضرورة إلى الاستعانة بهم لحجز أهل العدل عن مقاومتهم جاز أن يستعين بهم على ثلاثة شروط: أحدها: أن لا يجد عونًا غيرهم، فإن وجد لم يجز. والثاني: أن يقدر على ردهم إن خالفوا، فإن لم يقدر على ردهم لم يجز. والثالث: أن يثق بما شرطه عليهم أن لا يتبعوا مدبراً ولا يجهزوا على جريح، فإن لم يثق بوفائهم لم يجز.

стр. 6163

مسألة: قال الشافعي ﵁: " ولا بأس إذا كان حكم الإسلام الظاهر أن يستعان بالمشركين على قتال المشركين وذلك أنه تحل دماؤهم مقبلين ومدبرين". قال في الحاوي: وهو كما قال يجوز للإمام أن يستعين بالمشركين على قتال المشركين، لأن رسول الله صلي الله عليه وسلم استعان في بعض حروبه بيهود بني قينقاع، واستعار من صفوان بن أمية عام الفتح سبعين درعاً. وشهد معه حنينًا وهو على شركه، وسمع أبا سفيان يقول: غلبت هوازن وقتل محمد. فقال له: يفيك الحجر، والله لرب من قريش أحب إلينا من رب هوازن. فإن قيل: فقد قال النبي ﷺ : "أنا بريء من كل مسلم مع مشرك" قيل: إنما برئ من معونة المسلم لمشرك ولم يبرأ من معونة المشرك لمسلم. وقد روي عنه ﷺ أنه قال: "لا تستضيئوا بنار أهل الشرك" ومعناه: لا ترجعوا إلى آرائهم. فإذا ثبت جواز الاستعانة بهم على المشركين وإن لم يجز الاستعانة بهم على أهل البغي فهي معتبرة بثلاثة شروط: أحدها: أن تكون نياتهم في المسلمين جميلة. والثاني: أن يعلم من حالهم أنهم إن انضموا إلى المشركين لم يضعف المسلمون عن جميعهم. والثالث: أن يؤمن غدرهم وتخزيلهم. فإذا استكملت فيهم هذه للشروط استعان بهم. مسألة قال الشافعي ﵁: " ولا يعين العادل إحدى طائفتين الباغيتين وإن استعانته على الأخرى حتى نرجع إليه". قال في الحاوي: إذا افترق أهل البغي طائفتين وقاتلت إحدى الطائفتين الأخرى. فإن قوي الإمام على قتالهما لم يكن له معونة إحدى الطائفتين على الأخرى لأمرين: أحدهما: أن كلا الطائفتين على خطأ، والمعونة على الخطأ من غير ضرورة خطأ.

стр. 6164

والثاني: أن معونة إحداهما أمان لها، وعقد الأمان لها غير جائز. وإن ضعف عن قتالهما قاتل إحدى الطائفتين مع الأخرى، ويعتقد أنه ستعين بهم، ولا يعتقد انه معين لهم، وليضم إليه أقربهما إلى معتقده، وأرغبهما في طاعته. فإن استويا ضم إليه أقلهما جمعًا فإن استويا ضم إليه أقربها داراً، فإن استويا اجتهد رأيه في إحداهما، فإن أطاعته الطائفة التي قاتلها أو انهزمت عنه، عدل إلى الأخرى، ولم يبدأ بقتالها إلا بعد استدعائها ثانية إلى طاعته، لأن انضمامها إليه كالأمان الذي يقطع حكم ما تقدمه من الاستدعاء والحياة. مسألة قال الشافعي ﵁: " ولا يرمون بالمنجنيق ولا نار إلا أن تكون ضرورة بأن يحاط بهم فيخافوا الاصطلام أو يرمون بالمنجنيق فيسعهم ذلك دفعاً عن أنفسهم". قال في الحاوي: اعلم أن المقصود بقتال أهل البغي كفهم عن البغي والمقصود بقتال أهل الحرب قتلهم على الشرك، فاختلف قتالهما لاختلاف مقصودهما من وجهين: أحدهما: في صفة الحرب. والثاني: في حكمها. فأما اختلافهما في صفة الحرب فمن تسعة أوجه: أحدها: أنه يجوز أن يكبس أهل الحرب في دارهم غرة وبياتاً، ولا يجوز أن يفعل ذلك بأهل البغي. والثاني: يجوز أن يحاصر أهل الحرب ويمنعهم الطعام والشراب ولا يجوز أن يفعل ذلك بأهل البغي. والثالث: يجوز أن يقطع على أهل الحرب نخيلهم وأشجارهم وزروعهم، ولا يجوز أن يفعل ذلك بأهل البغي. والرابع: يجوز أن يفجر على أهل الحرب المياه ليغرقوا، ولا يجوز أن يفعل ذلك بأهل البغي. والخامس: يجوز أن يحرق عليهم منازلهم، ويلقى عليهم النار ولا يجوز أن يفعل ذلك بأهل البغي. والسادس: يجوز أن يلقى على أهل الحرب الحيات والحسك، ولا يجوز أن يفعل ذلك بأهل البغي. والسابع: يجوز أن بنصب على أهل الحرب العرادات ويرميهم بالمنجنيقات، ولا يجوز أن يفعل ذلك بأهل البغي.

стр. 6165

والثامن: يجوز أن يعقر على أهل الحرب خيلهم إذا قاتلوا عليها، ولا يجوز أن يفعل ذلك بأهل البغي. والتاسع: يجوز أن يقاتل أمل الحرب مقبلين ومدبرين، ولا يقاتل أهل البغي إلا مقبلين ويكف عنهم مدبرين. وأما اختلافهما في حكم الحرب فمن ستة أوجه: أحدها: يجوز أن يقتل أسرى أهل الحرب، ولا يجوز أن يقتل أسرى أهل البغي. والثاني: يجوز أن تسبى ذراري أهل الحرب، وتغنم أموالهم ولا يجوز مثله في أهل البغي. والثالث: أنه يجوز أن يعهد لأهل الحرب عهدًا وهدنة، ولا يجوز أن يعهد لأهل البغي. والرابع: يجوز أن يصالح أهل الحرب على مال، ولا يجوز ذلك مع أهل البغي. والخامس: يجوز أن يسترق أهل الحرب، ولا يجوز أن يسترق أهل البغي. والسادس: يجوز أن يفادي أهل الحرب على مال وأسرى، ولا تجوز مفاداة أهل البغي. فصل فإذا تقرر ما ذكرنا من اختلافهما في صفة الحرب وحكمها، وأنه لا يجوز أن يرموا بالمنجنيق، فذلك في حال الاختيار. فإن دعت ضرورة في إحدى حالتين جاز أن يرموا به، وتلقى عليهم النار: إحداهما: أن يقاتلوا أهل العدل بذلك، فيجوز أن يقاتلوا عليه بمثله، قصداً لكفهم عنه لا لمقاتلتهم عليه، فإن للظلم لا يبيح الظلم، لكن يستدفع الظلم بما أمكن. والثانية: أن يحبطوا بأهل العدل ويخافوا اصطلامهم، فلا باس أن يرموهم بالمنجنيق ويلقوا عليهم النار طلباً للخلاص منهم لا قصداً لاصطلامهم. مسألة قال الشافعي ﵁: " وإن غلبوا على بلاد فأخذوا صدقات أهلها وأقاموا عليهم الحدود لم تعد عليهم." قال في الحاوي: وهذا صحيح إذا تخلب أهل البغي على بلد فأخذوا صدقاتها وجبوا خراجها وأقاموا الحدود على أهلها، وأمضى الإمام ما فعلوه إذا ظهر على بلادهم ولم يطالب بما أوجبوه من الحقوق ولم يعد ما أقاموا من الحدودي لأن عليا رضوان الله

стр. 6166

عليه أمضى ذلك ولم يطالب به، ولأنهم متأولون في جبايته وإقامته. ولأنه لا يلزم أن يؤدي زكاة عام مرتين، ولا يقام على زان حدين. فإن ادعى أصحاب الحدود إقامتها عليهم: قبل قولهم فيها، ولم يحلقوا عليها، لأنها حدود تدراً بالشبهات. فإن ادعى من عليه الحقوق دفعها إليهم. فإن كانت زكاة: قبل قولهم في دفعها ولم يكلفوا البينة عليها لأنهم فيها أمناء، فإن اتهموا: أحلفوا، وفي يمينهم بعد اعترافهم بوجوبها وجهان: أحدهما: أنها مستحبة، إن نكلوا عنها لم تؤخذ منهم. والثاني: أنها واجبة، إن نكلوا عنها أخذت منهم بالاعتراف المتقدم دون النكول. وإن كان الحق الذي ادعوا أداءه جزية أو خراجا، فإن كان على كافر: كلف البينة ولم تقبل دعواه، لأن الجزية أجرة، والخراج إما أن يكون ثمة أو أجرة ولا يقبل قول المستأجر في دفع الأجرة، ولا قول المشتري في دفع الثمن إلا ببينة، فإن أقاموا البينة على دفعها برئوا. وإن لم يقيموها أخذت منهم الجزية والخراج. وإن كان الخراج على مسلم: ففي قبوله قوله في دفعه وجهان: أحدهما: يقبل قوله فيه ويحلف إن اتهم عليه كالزكاة. والثاني: وهو أصح أن قوله فيه غير مقبول حتى يقيم البينة على الأداء، فإن لم يقصها أخذت منه. فان أحضروا خطوطًا بقبضها فان كانت محتملة للشبهة: لم يعمل بها في الأحكام ولا في حقوق الأموال. وإن كانت سليمة من الاحتمال طاهرة الصحة لم يعمل عليها في الأحكام ولا في حقوق المعاملات. وفي جواز العمل بها في حقوق بيت المال وجهان: أحدهما: يجوز العمل بها اعتباراً بالعرف فيها. والثاني: وهو أصح أنه لا يجوز بها على العموم في جموع الأحكام والحقوق، لدخول الاحتمال فيها وإمكان التزوير عليها. مسألة قال الشافعي ﵁: "ولا يرد من قضاء قاضيهم إلا ما يرد من قضاء قاضي غيرهم وقال في موضع أخر: إذا كان غير مأمون برأيه على استحلال دم ومال لم ينفذ حكمة ولم يقبل كتابه". قال في الحاوي: وقال في موضع آخر: إن كان غير مأمون برأيه على استحلال دم أو مال لم ينفذ حكمه ولم يقبل كتابه إذا قلد أهل البغي قاضية على البلاد التي غلبوا

стр. 6167

عليها، نظرت حاله: فإن كان يرى استحلال دماء أهل العدل وأموالهم: كان تقليده باطلاً، وقضاياه مردودة، سواء وافقت الحق أو خالفته، لأنه بهذا الاعتقاد فاسق، وولاية الفاسق باطلة، وبطلان ولايته توجب رد أحكامه. وإن كان لا يرى استباحة ذلك: جاز تقليده القضاء إذا كان من أهل الاجتهاد سواء كان عادلاً أو باغيًا. وقال أبو حنيفة: لا تنعقد ولايته إذا كان من أهل البغي، ولا تنفذ أحكامه. وهذا فاسد من وجهين: أحدهما: أنه متأول بشبهة خرج بها من الفسق. والثاني: أنه لما صح من الباغي أن يقلد القضاء، صح منه أن ينفذ القضاء، وصار في الحكم كالعادل، كما كان في التقليد كالعادل. فإذا حكم نفذت أحكامه على أهل البغي وأهل العدل، ولم يرد منها إلا ما يرد من أحكام قضاة أهل العدل إن خالف نصًا من كتاب أو سنة أو إجماع أو قياس غير محتمل. فعلى هذان لو حكم بوجوب الضمان على أهل البغي فيما أتلفوه على أهل العدل نفذ حكمه، لأنه متفق عليه. ولو حكم بسقوط الضمان عنهم فيما أتلفوه على أهل العدل، نظر: فإن كان فيما أتلفوه قبل الحرب أو بعدها: لم ينفذ حكمه، لأنه مخالف للإجماع. وإن كان فيما أتلفوه في حال القتل نفذ حكمه لاحتماله في الاجتهاد. وسقط عنهم الضمان. فصل: وإذا كتب قاضي أهل البغي إلى قاضي العدل كتابة في حكم فالأولى أن لا يتظاهر بقبوله، ويتلطف في رده استهانة به وزجراً له عن بغيه فإن قبله وحكم به جاز. فصل: وإذا كتب قاضي أهل البغي إلى قاضي العدل كتاباً في حكم، فالأولى أن لا يتظاهر بقبوله، ويتلطق في رده استهانة به وزجراً له عن بغيه، فان قبله وحكم به جاز. وقال أبو حنيفة: لا يجوز أن يقبله ولا ينفذ حكمه به بناء على أصله في بطلان ولايته ورد أحكامه. وهكذا يجوز لقاضي أهل العدل أن يكتب إلى قاضي أهل البغي كتابة يحكم وإن كره له ذلك. ولعل أبا حنيفة يمنع منه. فقد روي أن محمد بن أبي بكر سأل عليا رضوان الله عليه أن يكتب له كتابا يعمل عليه في أحكامه، فكتب إليه بذلك كتابا وأخذه معاوية في الطريق، وكان يعمل به في الأحكام، فبلغ ذلك علياً، فقال: غلطت غلطة لا أعذر أكيس بعدها واستمر.

стр. 6168

فأما ما حكاه المزني من قوله في موضع آخر: إن كان غير مأمون فليس بقول مختلف وإنما وهم به المزني. مسألة: قال الشافعي ﵁: " ولو شهد منهم عدل قبلت شهادته ما لم يكن يرى أن يشهد لموافقته بتصديقه". قال في الحاوي: وهذا صحيح. شهادة أهل البغي إذا كانوا عدولاً مقبولة، ولا يكونوا بما تأولوه من البغي فساقاً، لحدوثه منهم عن تأويل سائغ. وقال أبو حنيفة: هم فساق، ولكن تقبل شهادتهم، لأنه نسق من تدين واعتقاد، ولذلك قبلت شهادة أهل الذمة إذا كانوا عدولا في دينهم. وقال مالك: هم فساق لا نقبل شهادتهم. والدليل عليهما في صحة العدالة منهم وأن لا يصيروا بالتأويل المسوغ فساقا أن الانفصال من مذهب إلى غيره إذا كان له في الاجتهاد مساغ لا يقتضي التنسيق، كالمنتقل في فروع الدين من مذهب الشافعي إلى مذهب مالك أو أبي حنيفة لا يضق بالانتقال، لأنه عدل إلى مذهب بتأويل سائغ. فصل: فإذا ثبت أنه يجوز أن يكون عدلاً إذا اجتنب ما يجتنبه عدول أهل العدل، لم يمنع من قبول شهادته إلا في حالتين: أحدهما: أن يرى من خالفه مباح الدم والمال، فيكون بهذه الاستباحة فاسقاً. والثانية: أن يعتقد رأي الخطابية. وهم قوم يرون الشهادة لموافقتهم على مخالفهم فيما ادعاه عليه، فيصدقه، ثم يشهد له بذلك عند الحاكم. وبنوه على أصولهم في أن الكذب في القول والإيمان باله موجب للكفر وإحباط الطاعات. فشهادة هؤلاء مردودة، وفي علة ردها وجهان: أحدهما: الفسق، لأنه اعتقاد يرده الإجماع. والثاني: التهمة مع ثبوت العدالة، لأنه متهم في مماثلة موافقه، فصار كشهادة الأب لابنه وإن كان على عدالة. فعلى هذا: ترد شهادته إذا شهد بالحق مطلقاً، وإن شهد على إقرار من عليه الحق، ففي رد شهادته وجهان:

стр. 6169

أحدهما: ترد شهادته في المقيد كردها في المطلق إذا قيل: إن العلة في ردها الفسق. والثاني: وهو قول أبي إسحاق المروزي تقبل شهادته ولا ترد إذا قيل: إن العلة في ردها التهمة؛ لأنه يتهم في المطلق أنه لتصديق موافقه, ولا يهتم في العقيد بالإقرار أن يقول: أقر عندي ولم يقر لأنه كذب يوجب عندهم الكفر. مسألة: قال الشافعي ﵁: "فإن قتل باغ في المعترك غسل وصلى عليه ودفن وإن كان من أهل العدل ففيها قولان أحدهما أنه كالشهيد والآخر أنه كالموتى إلا من قتله المشركون". قال في الحاوي: أما إذا كان المقتول في معركة الحرب من أهل البغي فإنه يغسل ويصلى عليه. وقال أبو حنيفة: لا يغسل ولا يصلى عليه استهانة به وعقوبة له, لمخالفته في الدين كأهل الحرب. ودليلنا: قول النبي ﷺ : "فرض على أمتي غسل موتاها والصلاة عليها". ولأنه مسلم مقتول بحق فلم يمنع قتله من غسله والصلاة عليه كالزاني والمقتص منه, بل هذا أحق بالصلاة منهما, لأن الزاني فاسق, وهذا متردد الحال بين فسق وعدالة. فأما استهانته فغير صحيح, لأنه لا يجوز أن يستهان بمخلوق في إضاعة حقوق الخالق. وإما جعل ذلك عقوبة, فالعقوبة إنما تتوجه إلي من يألم بها, ولأن العقوبات تسقط بالموت كالحدود. فإن قيل: يعاقب بها الحي منهم. قيل: لا يجوز أن يعاقب أحد بذنب غيره, على أنهم يرون ترك الصلاة عليهم قربة لهم. فصل: فإن كان المقتول في معركتهم من أهل العدل ففي غسله والصلاة عليه قولان: أحدهما: لا يغسل ولا يصلى عليه, لأنه مقتول في المعركة على حق كالقتيل في معركة المشركين. والثاني: يغسل ويصلى عليه, لأن عمر وعثمان وعليًا رضوان الله عليهم قتلوا شهداء فغسلوا وصلي عليهم, لأنهم لم يقتلوا في معركة المشركين.

стр. 6170

وقتل عمار بن ياسر بصفين فغسله علي وصلى عليه. ولأنه مسلم قتله مسلم, فلم يمنه قتله من الصلاة عليه كالمقتول في غير المعركة. مسألة: قال الشافعي رضي الله: "وأكره للعدل أن يعمد قتل ذي رحم من أهل البغي وذلك أن النبي ﷺ كف أبا حذيفة بن عتبة عن قتل أبيه وأبا بكر ﵁ يوم أحد عن قتل ابنه". قال في الحاوي: وهذا صحيح. يكره للعادل قتل ذي رحم من أهل البغي وقتاله, ويعدل عنه إلي غيره لقول الله تعالى: ﴿وصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا واتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إلَيَّ﴾ [لقمان ١٥] , ولأن رسول الله ﷺ كف أبا حذيفة بن عتبة بن ربيعة عن قتل أبيه يوم بدر, وكف أبا بكر عن قتل ابنه عبد الرحمن يوم أحد, ولأن فيه اعتيادًا للعقوق واستهانة بالحقوق. ولأن له فسخة في أن يعدى عن ذي رحمه ويكل قتله أو قتله إلي غيره. فإن قتل ذا رحم له جاز, ولم يخرج وإن كره له. روي أن أبا عبيدة بن الجراح قتل أباه مشركًا, وأتى رسول الله ﷺ برأسه, فكره رسول الله ﷺ ذلك منه حتى ظهر في وجهه وقال: ما حملك على ذلك؟ قال: سمعته يسبك, ثم ولى منكسًا إلي أن نزل الله تعالى فيه عذره: ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ والْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ ورَسُولَهُ ولَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ﴾ [المجادلة ٢٢]. فصل: فأما قول الشافعي: وأكره أن يعمد قتل ذي رحمه. عمد القتل في قتال أهل البغي ينقسم ثلاثة أقسام: أحدها: أن يكون رميه عميًا يرمى إلي صفه سهمًا, لا يقصد به أحدًا بعينه, فيقتل به من أصابه فلا حرج عليه. وهذا أولى ما فعله العادل في قتاله, فيكون عامدًا في القتل غير متعمد للمقتول. والثاني: أن يعمد قتل رجل بعينه, يقاتل أهل العدل وينكى فيهم هذا مباح لا حرج فيه عليه, لأنه قتل دفع. والثالث: أن يعمد قتل رجل بعينه قد كف عن القتال, وهو واقف مع صفهم, ففي عمد قتله وجهان محتملان: أحدهما: محظور, لأن القصد بقتالهم الكف, وهذا كاف فصار كالأسير الذي يحرم اعتماد قتله.

стр. 6171

والثاني: لا يحرم, لأنه ردء لهم وعون, فأجرى عليه حكم مقاتلتهم فقد شهد حرب الجمل محمد بن طلحة بن عبيد الله. وكان ناسكًا عابدًا ورعًا يدعى السجاد. فرآه علي ﵇ واقفًا فنهى عن قتله, وقال: إياكم وصاحب البرنس, فقتله رجل وأنشأ يقول: وأشعث قوام بآيات ربه قليل الأذى فيما ترة العين مسلم هتكت له بالرمح جيب قميصه فخر صريعا لليدين وللفم يناشدني حم والرمح مشرع فهلا تلاحم قبل التقدم على غير شيء غير أن ليس تابعًا ... عليًا ومن لا يتبع الحق يظلم قال الشافعي: فما أخذه علي بدمه, ولا زجره على قتله. مسألة: قال الشافعي ﵁: "وأيهما قتل أباه أو ابنه فقال بعض الناس إن قتل العادل أباه ورثه وإن قتله الباغي لم يرثه وخالفه بعض أصحابه فقال: يتوارثان لأنهما متأولان وخالفه آخر فقال لا يتوارثان لأنهما قاتلان. قال الشافعي ﵀: وهذا أشبه بمعنى الحديث فيرثهما غيرهما من ورثتهما". قال في الحاوي: هذه المسألة في ميراث القاتل قد مضت في كتاب الفرائض. فإذا اقتتل الورثة في قتال أهل البغي, فقد اختلف الناس في توارثهم على أربعة مذاهب: أحدهما: وهو مذهب أبي حنيفة أنه يورث العادل من الباغي ولا يورث الباغي من العادل، لأن قتل العادل ظلم، وقتل الباغي حق. والثاني: وهو مذهب أبي يوسف ومحمد أنهما يتوارثان فيورث العادل من الباغي ولا يورث الباغي من العادل لأنهما متأولان. والثالث: وهو مذهب مالك أنه إن قتله في عميا توارثًا, لأن العمياء خطأ, وهو يورث الخاطيء وإن قتله عمدًا لم يتوارثا. والرابع: وهو مذهب الشافعي أنهما لا يتوارثان بحال في عمد ولا خطأ لعموم قول رسول الله ﷺ : لا ميراث لقاتل. مسألة: قال الشافعي ﵁: "ومن أريد دمه أو ماله أو حريمه فله أن يقاتل وإن أتى ذلك على نفس من أراده. قال الشافعي ﵀: قال رسول الله ﷺ : "من قتل دون ماله فهو شهيد".

стр. 6172

قال في الحاوي: قد مضت هذه المسألة فيمن أريد دمه أو ماله أو حريمه أن له أن يقاتل من أراده وإن أتى القتال على نفسه, ويكون دم الطالب هدرًا ما لم يكن للمطلوب ملجأ يلجأ إليه من حصن يغلقه عليه أو مهرب لا يمكن لحوقه فيه لرواية الضحاك عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال: "من قتل دون ماله فهو شهيد ومن قتل دون نفسه فهو شهيد, ومن قتل دون حريمه فهو شهيد ومن قتل دون جاره فهو شهيد". فإن وجد المطلوب ملجأ يلجأ إليه فقد قال الشافعي في موضع: له أن يقاتل. وقال في موضع آخر. ليس له أن يقاتل. فاختلف أصحابنا فخجره بعضهم على قولين. وقال آخرون: بل هو على اختلاف حالين, فالموضع الذي أباح قتاله: إذا لم يأمن رجعته, والموضع الذي منع من قتاله: إذا أمن رجعته. فصل: فإذا ثبت جواز القتال فوجوبه معتبر بما أراده الطالب, وذلك ينقسم ثلاثة أقسام: أحدهما: أن يريد مال المطلوب دون دمه وحريمه, فهذا القتال مباح والمطلوب مخير بين قتال الطالب وبين استسلام وتسليم ماله ولا يجب عليه أن يمنع منه. والثاني: أن يريد الطالب حريم المطلوب, لإتيان الفاحشة فواج على المطلوب أن يقاتل عنها ويمنع. والثالث: أن يريد الطالب نفس المطلوب, ففي وجوب قتاله دفعه عن نفسه وجهان: أحدهما: يجب عليه أن يقاتل عنها ويدفع لقوله تعالى: ﴿ولا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ﴾ [النساء ٢٩]. وقوله: ﴿ولا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة ١٩٥]. كما يجب على المضطر من الجوع إحياء نفسه بأكل ما وجده من الطعام. والثاني: وهو قول أبي إسحاق المروزي لا يجب عليه القتال والدفع, ويكون مخيرًا بينه وبين الاستسلام, طلبًا لثواب الشهادة. لقوله تعالى: ﴿لَئِن بَسَطتَ إلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إلَيْكَ لأَقْتُلَكَ﴾ [المائدة ٢٨]. ولأن عثمان بن عفان ﵁ حين أريدت نفسه منع عنه عبيده, فكفهم وقال لهم: من أغمد سيفه فهو حر. وأتى رجل إلي رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله أرأيت لو أن رجلًا انغمس في العدو حتى قتل صابرًا محتسبًا أيحجزه عن الجنة شيء فقال: لا, إلا الدين, فانغمس في العدو حتى قتل, ورسول الله ﷺ يراه ولا يمنعه. فأما المضطر جوعًا إذا وجد طعامًا وهو يخاف التلف. فإن كان مالكًا للطعام أو لم يكن مالكًا له, وكان قادرًا على ثمنه فواجب عليه إحياء نفسه بأكله وجهًا واحدًا, بخلاف من أريد دمه في أحد الوجهين؛ لأن في القتل شهادة يرجو بها الثواب, وليس في ترك الأكل شهادة يثاب

стр. 6173

عليها. وإن كان الطعام لغيره وهو غير قادر لي ثمنه ففي وجوب إحياء نفسه بأكله وجهان: وهكذا لو وجد ميتة كان في وجوب أكلها وجهان: أحدهما: يجب تغليبًا لإحياء النفس. والثاني: وهو قول أبي إسحاق المروزي-كون مخيرًا فيه ولا يجب عليه لتنزيه نفسه عن نجاسة الميتة وإبرا ذمته من التزام ذنب لا يعذر عليه. مسألة: قال الشافعي ﵀: "فالحديث عن النبي ﷺ يدل على جواز أمان كل مسلم من حر وامرأة وعبد قاتل أو لما يقاتل لأهل بغي أو حرب". قال في الحاوي: وهذا كما قال. وأصل هذا: ما روي عن النبي ﷺ أنه قال: "المسلمون تتكافأ دماؤهم وهو يد على من سواهم, ويسعى بذمتهم أدناهم". قيل: إنه أراد عبيدهم فإذا ثبت هذا فالأمان ضربان، عام وخاص. فأما العام: فهو الهدنة مع أهل الحرب, فلا يجوز أن يتولاها إلا الإمام جون غيره, لعموم ولايته, فإن تولاها غيره, لم يلزم. وإذا اختصت بالإمام, كان إمام أهل الهدل أحق بعقدها من إمام أهل البغي, فإن عقدها إمام أهل البغي بطلبت, كما تبطل بعقد غير الإمام, لأن إمامة الباغي لا تنعقد. وأما الأمان الخص: فيصح من كل مسلم لكل مشرك, سواء كان الأمان من رجل أو امرأة, من حر كان أو من عبد, من عادل أو باغ فيكون أمان البغي لازمًا لأهل البغي وأهل العدل, وأمان العادل لازمًا لأهل العدل وأهل البغي. فإن أمن أهل البغي قومًا من المشركين, لم يعلم بهم أهل العدل حتى سبوهم وغنموهم لم يملكوا سبيهم وغنائمهم, ولزمه رد السبي والغنائم عليهم, وكذلك لو أمنهم أل العدل وسباهم وغنمهم أهل البغي, حرم عليهم أن يتملكوهم, وحرم على أهل العدل أن يبتاعوهم. وعلى إمام أهل العدل إذا قدر عليهم أن يسترجعه منهم ويرده على أهله من المشركين. وهكذا لو أمن أهل البغي قومًا من المشركين ثم غدروا بهم فسبوهم وغنموهم, لم يحل ابتياع السبي والغنائم منهم, ولزم أهل العدل رد ما قدروا عليه. فصل: فإذا اجتمع أهل العدل وأهل البغي على قتال المشركين, قسم سبيهم وغنائمهم بين أهل العدل وأهل البغي لقول النبي ﷺ : المسلمون تتكافأ دماؤهم وهم يد على من سواهم, ولأن الإسلام يجمعهم وإن جرى الاختلاف بينهم.

стр. 6174

وينفرد إمام أهل العدل بقسمة الغنائم بينهم, ويختص بإجازة الخمس إليه لينفرد بوضعه في مستحقيه لصحة إمامته, وبطلان إمامة غيره وبالله التوفيق. باب الخلاف في قتال أهل البغي مسألة قال الشافعي ﵀: "قال بعض الناس إذا كانت الحرب قائمة استمتع بدوابهم وسلاحهم وإذا انقضت الحرب فذلك رد قلت أرأيت إن عارضك وإياما معارض يستحل مال من يستحل دمه فقال: الدم أعظم فإذا حل الدم حل المال هل لك من حجة إلا أن هذا في أهل الحرب الذين ترق أحرارهم وتسبى نساؤهم وذراريهم والحكم في أهل القبلة خلافهم وقد يحل دم الزاني المحصن والقاتل ولا تحل أموالهما بجنايتهما والباغي أخف حالا منهما ويقال لهما مباحا الدم مطلقا ولا يقال للباغي مباح الدم وإنما يقال يمنع من البغي إن قدر على منعه بالكلام أو كان غير ممتنع لا يقاتل لم يحل قتاله. قال: إني إنما آخذ سلاحهم لأنه أقوى لي وأوهن لهم ما كانوا مقاتلين فقلت له فإذا أخذت ماله وقتل فقد صار ملكه كطفل أو كبير لم يقاتلك قط أفنقوى بمال غائب غير باغ؟ فقلت له أرأيت لو وجدت لهم دنانير أو دراهم تقويك عليهم أتأخذهما؟ قال: لا قلت فقد تركت ما هو أقوى لك عليهم من السلاح في بعض الحالات. قال: فإن صاحبنا يزعم أنه لا يصلي على قتلى أهل البغي قلت ولم وهو يصلي على من قتله في حد يحب عليه قتله ولا يحل له تركه؟ والباغي محرم قتله موليًا وراجعًا عن البغي ولو ترك الصلاة على أحدهما دون الآخر كان من لا يحل إلا قتله بترك الصلاة اولى. قال: كأنه ذهب إلي أن ذلك عقوبة لينكل بها غيره قلت وإن كان ذلك جائزًا فًلبه أو حرقه أو حز رأسه وابعث به فهو أشد في العقوبة. قال: لا أفعل به شيئًا من هذا. قلت له: هل تبالي من يقاتلك على أنك كافر لا يصلى عليك وصلاتك لا تقربه إلي ربه؟ وقلت له: أيمنع الباغي أن تجوز شهادته أو يناكح أو شيئاً مما يجري لأهل الإسلام؟ قال: لا قلت فكيف منعته الصلاة وحدها"؟ قال في الحاوي: إذا ظفر أهل العدل بدواب أهل البغي وسلاحهم لم يجز أن يملك عليهم, ولا أن يستعان بها في قتالهم, وتحبس عنهم مدة الحرب كما تحبس فيه أسراهم, فإذا انقضت الحرب رد عليهم. وقال أبو حنيفة: يجوز أن يستعان على حربهم بدوابهم وسلاحهم, لقول الله تعالى: ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الحجرات ٩]. فكان الأمر بقتالهم على عمومه, المشتمل على دوابهم وسلاحهم, ولأن كل طائفة جاز قتالها بغير سلاحها, ودوابها جاز قتالها بسلاحها ودوابها كأهل الحرب.

стр. 6175

ولأنه لما جاز حبسه عنهم إضعافًا لهم جاز قتالهم به, معونة عليهم, لأن كلا الأمرين كاف لهم. ودليلنا قول النبي ﷺ : لا يحل مال امرؤء مسلم إلا بطيب نفس منه. فكان على عمومه, ولأن كل من لا يجوز أن ينتفع من ماله بغير الكراع والسلاح كأهل العدل. ولأن كل ما لم يجز أن ينتفع به من مال أهل البغي كسائر الأموال, ولأن أهل البغي يملكون رقابها ومنافعها, فلما لم تستبح بالبغي أن تملك عليهم رقابها لم يستبح أن تملك به منافعها فأما الآية: فلا دليل فيها, لأنه تضمنت الأمر بالقتال, ولم تتضمن صفة القتال. وأما قياسهم على أهل الحرب: فلأنه لما جاز أن يتملك عليهم, رقابها جاز أن يتملك عليهم منافعها, وأهل البغي بخلافهم. وأما الجواب عن حبسها: فليس جواز حبسها مبيحًا للانتفاع بها, كما جاز حبس أهل البغي, وإن لم يجز استخدامهم والانتفاع بهم. فصل: فإذا تقرر أنه لا يجوز الانتفاع بدوابهم وسلاحهم, فإن استمتع بها أهل العدل لزمهم أجرة مثلها كالغاصب, فإن تلفت في أيدي أهل العدل بعد استعمالها ضمنوا رقابها, وإن تلفت من غير استعمال لم يضمنوها, لأنهم حبسوها عنهم بحق. ولو حبسوها بعد انقضاء الحرب مع إمكان ردها عليهم: ضمنوها, لتلفها بعد وجوب ردها. فأما إن اضطر أهل العدل إلي الانتفاع بدوابهم وسلاحهم عند خوف الاصطلام لينجوا على جوابهم هربًا منهم, ويقاتلوهم بسلاحهم دفعًا لهم: جاز ولم يحرم, لأن حال الضرورة يخالف حال الاختيار, كما يجوز للمضطر أن يأكل طعام غيره وإن لم يجز أن يأكله في حال الاختيار. مسألة: قال الشافعي ﵁: "ويجوز أمان الرجل والمرأة المسلمين لأهل الحرب والبغي فأما العبد المسلم فإن كان يقاتل جاز أمانه وإلا لم يجز قلت فما الفرق بينه يقاتل أو لا يقاتل؟ قال: قول النبي ﷺ : "المسلمون يد على من سواهم تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم" قلت: فإن قلت ذلك على الأحرار فقد أجزت أمان عبد وإن كان على الإسلام فقد رددت أمان عبد مسلم لا يقاتل. قال: فإن القتل يدل على هذا؟ قلت: ويلزمك في أصل مذهبك أن لا تحيز أمانهما. قال: فأذهب إلي الدية فأقول دية العبد لا تكافيء دية الحر. قلت: فهذا أبعد لك من الصواب. قال: ومن أين؟ قلت: دية المرأة نصف دية الحر وأنت تجيز أمانها

стр. 6176

ودية بعض العبيد أكثر من دية المرأة ولا تجيز أمانه وقد تكون دية عبد لا يقاتل أكثر من دية عبد يقاتل فلا تجيز أمانه فقد تركت أصل مذهبك. قال: فإن قلت إنما عني مكافأة الدماء في القود قلت: فأنت تقيد بالعبد الذي لا يسوى عشرة دنانير الحر الذي ديته ألف دينار كان العبد يحسن قتالًا أو لا يحسنه. قال: إني لأفعل وما هو على القود قلت: ولا على الدية ولا على القتال. قال: فعلا هو؟ قلت: على اسم الإسلام". قال في الحاوي: وهذا ما حكاه الشافعي عنه وأجابه عليه. وهذه مسألة تأتي في كتاب السير, وتسوفي فيه. فأما قول الشافعي: "لأهل البغي والحرب" فجمع بين الأمان لأهل البغي وأهل الحرب. يصح الامان لأهل الحرب, فأما الأمان لأهل البغي فإسلامهم أمان لهم يمنع من قتالهم إذا كفوا, ومن قتلهم إذا أسروا. فإن أمن رجل من أهل العدل رجلًا من أهل البغي لم يؤثر أمانه إلا في حالة واحدة, وهو أن يؤمنه بعد كفه عن القتال وقبل أسره, فيمنع أمانه من أسره, ولا يؤثر أمانه بعد الأسر, ولا يؤثر أمانه وهو على قتاله, وعلى هذا الموضع يحمل كلام الشافعي في الجمع بينه وبين الحربي. مسألة: قال الشافعي ﵁: "وقال بعض الناس إذا امتنع أهل البغي بدارهم من أن يجري الحكم عليهم فما أصابه المسلمون من التجار والأسرى في دارهم من حدود الناس بينهم أو لله لو تؤخذ منهم ولا الحقوق بالحكم وعليهم فيما بينهم وبين الله تعالى تأديتها إلي أهلها قلت: فلم قتلتله؟ قال: قياسًا على دار المحاربين يقتل بعضهم بعضًا ثم أسلموا أندع السابي يتخول المسبى مرموقًا له. قال: نعم قلت أفتحيز هذا في التجار والأسرى في دار أهل البغي؟ قال: لا. قلت: فلو غزانا أهل الحرب فقتلوا منا ثم رجعوا مسلمين أيكون على أحد منهم قود؟ قال: لا. قلت: فلو فعل ذلك التجار والأسرى ببلاد الحرب غير مكرهين ولا شبه عليهم؟ قال: يقتلون قلت أيسع قصد قتل التجار والأسرى ببلاد

стр. 6177

الحرب فيقتلون؛ قال: بل يحرم. قلت: أرأيت التجار والأسرى لو تركوا الصلاة والزكاة في دار الحرب ثم خرجوا إلي دار الإسلام أيكون عليهم قضاء ذلك؟ قال: نعم. قلت: ولا يحل لهم في دار الحرب إلا ما يحل لهم في دار الإسلام؟ قال: لا. قلت: فإذا كانت الدار لا تغير لما أحل لهم وحرم عليهم فكيف أسقطت عنهم حق الله وحق الآدميين الذي أوجبه الله عليهم؟ ثم أنت لا تحل حبس حق قبلهم في دم ولا غيره وما كان لا يحل لهم حبسه فإن على الإمام استخراجه عندك في غير هذا الموضع؛ قال: فأقيسهم بأهل الردة الذين أبطل ما أجابوا. قلت: فأنت تزعم أن أهل البغي يقاد منهم ما لم ينصبوا إمامًا ويظهروا حكمًا والتجار والأسارى لا إمام لهم ولا امتناع ونزعم لو قتل أهل البغي بعضهم بعضًا بلا شبهة أقدت منهم. قال: ولكن الدار ممنوعة من أن يجري عليهم الحكم قلت: أرأيت لو أن جماعة من أهل القبلة محاربين امتنعوا في مدينة حتى لا يجرب عليهم حكم فقطعوا الطريق وسفكوا الدماء وأخذوا الأموال وآتوا الحدود؟ قال: يقام هذا كله عليهم قلت: فهذا ترك معناك وقلت له: أيكون على المدنيين قولهم لا يرث قاتل عمد ويرث قاتل خطأ إلا من الدية؟ فقلت: لا يرث القاتل في الوجهين لأنه يلزمه اسم قاتل فكيف لم تقل بهذا في القاتل من أهل البغي والعدل لأن كلا يلزمه اسمم قاتل وأنت تسوي بينهما فلا تقيد أحدًا بصاحبه"؟ قال في الحاوي: وهذه ما أراد به أبا حنيفة, فإنه قل: إذا فعل أهل البغي في دارهم ما يوجب حدودًا أو حقوقًا, ثم ظهر الإمام عليهم, لم تقم عليهم الحدود ولو تستوف منهم الحقوق, وكذلك يقول في أهل العدل إذا فعلوا ذلك في دار أهل البغي لم يؤاخذهم بما استهلكوه من حقوق وارتكبوه من حدود. وبناه على أصله, أن المسلمين إذا فعلوه في دار الحرب كان هدرًا, فجمع بين الدارين لخروجها عن يد الإمام وتدبيره. ومذهب الشافعي: أن دار الحرب يسقط جريان حكم الإسلام فيها على أهلها, فلا يقام عليهم بعد القدرة حد, ولا يستو منهم حق, ولا يسقط جريان حكم الإسلام على من المسلمين في استيفاء الحقوق منهم وإقامة الحدود عليهم ودار البغي لا تمنع من جريان حكم الإسلام فيها على أهلها وغير أهلها لقول النبي ﷺ : "منعت دار الإسلام ما فيها وأباحت بينهما في الإباحة, ولأن حكم الإسلام جار على أهله أين كانوا, كما أن حكم الشرك جار على أهله حيث وجدوا. ولأنه لو جاز أن تغير الدار أحكام المسلمين في الحقوق والحدود لتغيرت في العبادات من الصلاة والصيام فيلتزمونها في دار الإسلام ولا يلتزمونها في دار الحرب. فلما بطل هذا, واستوي إلزامهم لها في دار الإسلام ودار الحرب وجب أن يستويا في الحدود والحقوق. فأما ما احتج به أبو حنيفة من أن يد الإمام قد زالت عن دار البغي فسقط عنه إقامة الحدود عليهم كأهل الحرب

стр. 6178

فالجواب عنه: أن الحدود وجبت عليهم لمخاطبتهم بها وارتكابهم لموجبها, والإمام مستوف لها, فإن عجز عنها كف, وإن قدر عليها أقامها والله أعلم. باب حكم المرتد مسألة: قال الشافعي ﵀: "ومن ارتد عن الإسلام إلي أي كفر كان مولودًا على الإسلام أو أسلم ثم ارتد قتل". قال في الحاوي: أما الردة في اللغة فهي الرجوع عن الشيء إلي غيره, قال الله تعالى: ﴿ولا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾ [المائدة ٢١]. وأما الردة في الشرع: فهي الرجوع عن الإسلام إلي الكفر. وهو محظور لا يجوز الإقرار عليه. قال الله تعالى: ﴿بِالإيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الخَاسِرِينَ﴾ [المائدة ٥]. وقال تعالى: ﴿ومَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا والآخِرَةِ﴾ [البقرة ٢١٧]. وقال تعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَّمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾ [النساء ١٣٧]. وفيها ثلاثة أقاويل: أحدهما: أنهم اليهود, آمنوا بموسى ثم كفروا بعبادة العجل, ثم آمنوا بموسى بعد عوده, ثم كفروا بعيسى, ثم ازدادوا كفرًا بمحمد ﷺ وهذا قول قتادة. والثاني: أنهم المنافقون, آمنوا ثم ارتدوا, ثم آمنوا ثم ارتدوا ثم ازدادوا كفرًا بموتهم على كفرهم. وهذا قول مجاهد. والثالث: أنهم قوم من أهل الكتاب قصدوا تشكيك المؤمنين, فكانوا يظهرون الإيمان ثم الكفر مرة بعد الأخرى ثم ازدادوا كفرًا بثبوتهم عليه. وهذا قول الحسن. فإذا ثبت حظر الردة بكتاب الله تعالى فهي موجبة للقتل بسنة رسول الله ﷺ وإجماع صحابته ﵃. روى أيوب عن عكرمة عن ابن عباس عن النبي ﷺ أنه قال: "من بدل دينه فاقتلوه". وروى عثمان عن النبي ﷺ أنه قال: "لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث:

стр. 6179

كفر بعد إيمان, أو زنًا بعد إحصان, أو قتل نفس بغير نفس". وقال أبو بكر الصديق بعد رسول الله ﷺ أهل الردة ووضع فيهم السيف حتى أسلموا. وروى الوليد بن مسلم عن سعيد بن عبد العزيز أن أبا بكر قتل أم قرفة الفزارية قتل مثلة, شد رجليها بفرسين, ثم صاح بهما فشقاها. وهذا التناهي منه في نكال القتل, وإن لم يكن متبوعًا فيه فلانتشار الردة في أيامه, وتسرع الناس إليها, لتكون هذه المثلة أشد زجرًا لهم عن الردة, وأبعث لهم على التوبة. ومثله ما روي أن قومًا غلوا في علي ﵇ وقالوا له: أنت إله, فأجج لهم نارًا, وحرقهم فيها. فقال ابن عباس: لو كنت أنا لقتلتهم بالسيف, سمعت النبي ﷺ يقول: "لا تعذبوا بعذاب الله من بدل دينه فاقتلوه" فقال علي رضوان الله عليه: لما رأيت الأمر أمرًا منكرا ... أججت نارًا ودعوت قنبرا وروى عبد الملك بن عمير قال: شهدت عليًا ﵇ وقد أتى بالمستور بن قبيصة العجلي وقد تنصر بعد إسلامه. فقال له علي: حدثت عنك أنك تنصرت, فقال المستورد: أنا على دين المسيح فقال له علي: وأنا أيضًا على دين الميسح. ثم قال له: ما تقول فيه فتكلم بكلام خفي علي, فقال علي رضوان الله عليه: طؤه, فوطاء حتى مات فقلت للذي يليني: ما قال؟ قال: إن المسيح ربه. وروي أن معاذ بن جبل قدم اليمن وبها أبو موسى الأشعري, فقيل له: إن يهوديًا أسلم ثم ارتد منذ شهرين. فقال: والله لا أجلس حتى يقتل, فضى رسول الله ﷺ بذلك, فقتل. فصل: فإذا ثبت وجوب القتل بردة المسلم إلي الكفر, فسواء كان المسلم مولودًا على الإسلام او كان كافرًا فأسلم أو صار مسلمًا بإسلام أبويه أو أحدهما. قال أبو حنيفة: إن صار مسلمًا بإسلام أحد أبويه, لم يقتل بالردة لضعف إسلامه وهذا خطأ. لأنه لما جرى عليه أحكام الإسلام في العبادات وأحكام المسلمين في المواريث

стр. 6180

والشهادات, وجب أن يجري عليه حكم الإسلام في الردة كغيره من المسلمين, كما كان في غير الردة كسائر المسلمين. ولأن الإسلام لا تبعض فيه, فلم تبعض فيه أحكام الإسلام. وبه يفسد ما ذكره من ضعفه. مسألة: قال الشافعي ﵁: "وأي كفر ارتد إليه مما يظهر أو يسر من الزندقة ثم تاب لم يقتل". قال في الحاوي: وهذا صحيح. لا يخلو حال الكفر إذا ارتد المسلم من أحد أمرين: إما أن يتظاهر به أهله كاليهودية والنصرانية. أو يسرونه كالزندقة والنفاق. فإن كان مما يتظاهر به أهله قبلت توبته منه إذا ارتد إليه سواء ولد على الإسلام أو كان كافرًا وأسلم. وحكي الشافعي, عن بعض أهل المدينة وأحبسه مالكًا أن المولود على الإسلام لا تقبل توبته إذا ارتد؛ لأنه لم يجز عليه حكم الكفر بحال, فكان أغلظ حكمًا ممن جرى عليه حكم الكفر في بعض الأحوال وهذا فاسد. ولكنه لو وقع بينهما فرق أولى, لأن توبة المولود على الإسلام أقوى, لأنه قد ألف الإسلام, وتوبة المولود على الكفر أضعف, لأنه قد ألف الكفر, فلما فسد هذا كان عكسه أفسد, ودلائل هذا تأتي فيما يليه. وإن كان الكفر مما يسره أهله الكزندقة: قبلت توبته أيضًا عند الشافعي, تسوية بين ردة كل مسلم, وبين الردة إلي كل كفر. وقال مالك: لا تقبل التوبة من الزنديق, إلا أن يتوب قبل العلم به, والقدرة عليه. ففرق بين بعض الكفر وبعضه في الردة, كما فرق في الأول, إن كان قائلًا به بين بعض المسلمين وبعضهم في الردة. والزنديق عنده: من أظهر الإسلام وأسر الكفر. ولأبي حنيفة فيه روايتان: إحداهما: كقولنا, والأخرى: كقول مالك. احتجاجًا بقول الله تعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَّن تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ﴾ [آل عمران ٩٠]. ولأن الزنديق يتظاهر بالإسلام ويسر الكفر, وهو بعد التوبة هكذا, فصار كما قبلها

стр. 6181

فلم تؤثر فيه التوبة مما لم يكن, فوجب أن يكون الحكم فيهما على سواء. قال: ولأن الزندقة أعظم فسادًا في الأرض من الحرابة لجمعها بين فساد الدين والدنيا, فلما لم تقبل توبة المحاربين بعد القدرة فأولى أن لا تقبل توبة الزنديق بعد القدرة. قال: ولأن الظاهر من توبة الزنديق أن يستدفع بها القتل, كما كان الظاهر من توبة المحارب استدفاع القتل بهما, فوجب أن تحمل توبته على الظاهر من حالها في دفع القتل بها, كما حملت توبة المحارب على الظاهر من حالها. ودليلنا: قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا ولا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾ [النساء ٩٤]. وقرأ أبو جعفر: لست مؤمنًا-بفتح الميم-من الأمان. وقراءة الجمهور بالكسر من الإيمان. وفيها على كلا القرائتين دليل لما حكاه السدي عن سبب نزولها: "أن رجلًا يقال له: مرداس بن عمر الفدكي كانت له غنيمات لقيته سرية لرسول الله ﷺ قال لهم: السلام عليكم لا إله إلا الله محمد رسول الله فبدر إليه أسامة بن زيد فقتله, فلما أتى رسول الله ﷺ فقال له: لم قتله وقد أسلم؟ قال: إنما قالها متعوذًا قال: هلا شققت عن قلبه. ثم حمل رسول الله ﷺ ديته إلي أهله, ورد عليهم غنمه". وروى عطاء بن زيد الليثي, عن عبيد الله بن عدي بن الخيار "أن رجلًا سار رسول الله ﷺ فلم يدر ما ساره, حتى جهر رسول الله ﷺ فإذا هو يستأذنه في قتل رجل من المنافقين, فقال رسول الله ﷺ : "أليس يشهد أن لا إله إلا الله. قال: بلى, ولا شهادة له. قال: أليس يصلي. قال: بلى, ولا صلاة له. فقال رسول الله ﷺ : "أولئك الذين نهاني الله عنهم". وروى عبيد الله بن عدي بن الخيار أن المقداد بن عمرو الكندي قال: "يا رسول الله أرأيت إن لقيت رجلًا من الكافر فقاتلني, فضرب إحدى يدي فقطعها, ثم لاذ مني لشجرة, فقال: أسلمة لله أقتله يا رسول الله بعد أن قالها؟ قال: لا تقتله, فإن قتلته فإنك بمنزلته قبل أن يقول كلمته وهو بمنزلتك قبل أن تقتله, فدلت الآية والخبر على الأخذ بالظاهر دون السرائر, ولذلك قال رسول الله ﷺ : "إنما أحكم بالظاهر والله يتولى السرائر". ولأن رسول الله ﷺ قد قبل من المنافقين ظاهر إسلامهم, وإن تحقق باطن كفرهم, بما أطلعه الله تعالى عليه من سرائرهم في قوله تعالى: ﴿إذَا جَاءَكَ المُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ واللَّهُ يَعْلَمُ إنَّكَ لَرَسُولُهُ واللَّهُ يَشْهَدُ إنَّ المُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ (١) اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً﴾ [المنافقون ١ - ٢]. وقرئ: إيمانهم - بكسر الهمزة من الإيمان, والأول من اليمين.

стр. 6182

وقال تعالى: ﴿ويَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إنَّهُمْ لَمِنكُمْ ومَا هُم مِّنكُمْ ولَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ﴾ [التوبة ٥٦]. فلم يؤاخذهم بما أطلعه الله تعالى عليه من سرائرهم التي تحقق بما كفرهم, اعتبر ما تظاهروا به من الإسلام وإن تحقق فيه كذبهم, فوجب أن يكون أمثالهم من الزنيدقة ملحقين بهم وداخلين في حكمهم. فإن قيل: إنما كف عنهم لنه لم يعرفهم بأعيانهم, ولو عرفهم لما كف عنهم. قيل: قد كانوا أشهر من أن يخفوا, هذا عبد الله بن أبي ابن سلول وهو رأس المنافقين, قد تظاهر بالنفاق وأبدى معتقده في مواضع منها: قوله تعالى: ﴿وعَدَنَا اللَّهُ ورَسُولُهُ إلاَّ غُرُورًا﴾ [الأحزاب ١٢]. وقوله في غزوة تبوك: ﴿لَئِن رَّجَعْنَا إلَى المَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ﴾ [المنافقون ٨]. فأخبر الله تعالى بذلك عنه, فلما رجع إليها من الغزاة جرد ابنه عليه سيفه, وقال والله لئن لم تقل إنك الأذل ورسول الله الأعز, لأضربنك بسيفي هذا, فقالها, ولأن إقراره بالزندقة أقوى من قيام البينة بها عليه, فلما قبلت توبته إذا أقر بها كان أولى أن تقبل في قيام البينة بها. ولأنه لو جاز أن يختلف حكم التوبة في جهر الكفر وسره, لكان قبول توبة المساتر أولى من قبول توبة المجاهر, لأن الجهر به يدل على قوة معتقده, والاستسرار به يدل على ضعف معتقده, فلما بطل هذا كان علته أبطل, ولأنها توبة من كفر, فوجب أن تقبل كالجهر. فأما الجواب عن قوله: ﴿ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَّن تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ﴾ [آل عمران ٩٠] فهو أنه قد تعارض فيها ما يتنافي اجتماعهما, لأن من ازداد كفرًا لم يتب, ومن تاب لم يزدد كفرًا, وإذا تنافي ظاهرهما صار تأويلها محمولًا على تقدم التوبة على ما حدث بعدها من زيادة الكفر, فيحبط حادث الكفر سابق التوبة. وأما الجواب عن قوله: إنه بالتوبة مظهر للإسلام مستبطن للكفر, وهكذا هو قبلها. فهو أننا ما كلفنا منه إلا الظاهر من حاله, وهو في الباطن موكول إلي ربه, ولذلك قال رسول الله ﷺ : "لا تحاسبوا العبد حساب الرب". وقد يجوز أن تؤثر التوبة في باطنه كتأثيرها في ظاهره. وأنا الجميع بينه وبين المحارب فلا يصح, لافتراقهما غي معنى الحكم, لأن الحرابة يقتل فيها بظاهر قوله الدال على معتقده, فجاز أن يرفعها ما جانسها من القول في توبته, ويحمل ذلك على زوال معتقده. فأما الجواب عن قوله: إن الظاهر منها استدفاع القتل. فهو أن هذا الظاهر لا يمنع من قبول التوب في الممرتد كما لا يمنع إسلام الحربي إذا قدم للقتل من قبول إسلامه والكف عن قتله والله أعلم.

стр. 6183

مسألة: قال الشافعي ﵁: "فإن لم يتب قتل امرأة كانت أو رجلًا عبدًا كان أو حرًا". قال في الحاوي: وهذا كما قال يستوي في القتل بالردة الحر والعبد والرجل والمرأة, وتقتل المرتدة, كما يقتل المرتد. وبه قال من الصحابة: أبو بكر وعلي. ومن التابعين: الحسن, والزهري ومن الفقهاء: مالك والأوزاعي, والليث بن سعد, وأحمد, وإسحاق. وقال أبو حنيفة وأصحابه: تحبس المرتدة ولا تقتل, إلا أن تكون أمة فلا تحبس عن سيدها. استدلالًا بما روي عن النبي ﷺ : "أنه نهى عن قتل النساء والوالدان". فكان على عمومه وبما روى عاصم بن أبي النجود عن أبي رزين, عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وأسلم قال: "لا تقتل المرأة إذا ارتدت" وهذا نص. ولأن من لم يقتل بالكفر الأصلي لم يقتل بالردة كالصبي. ولأن كل حر لم يكن من أهل الجزية لم يقتل بالردة كالأطفال والمجانين. ولأنها كافرة لا تقاتل فلم تقتل كالكافرة الأصلية. ولأن المرأة محقونة الدم قبل الإسلام فلم يستبح دمها بالردة عن الإسلام, لعودها بعده إلي ما كانت عليه قبله, وبعكسها الرجل. ودليلنا: عموم قول النبي ﷺ : "من بدل دينه فاقتلوه" فإن قيل: المراد به الرجل لقوله: من بدل دينه ولو أراد المرأة لذكره بلفظ التأنيث فقال: من بدلت دينها. قيل: لفظة من للعموم تستغرق الجمس, فاشتملت على الرجال والنساء, كما قال تعالى: ﴿ومَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ﴾ [النساء ١٢٤]. ولأن رجلًا لو قال: من دخل الدار فله درهم, استحقه من دخلها من ذكر أو أنثى. وروى الزهري, عن عروة, عن عائشة رضوان الله عليها قالت: "ارتدت امرأة يوم أحد, فأمر النبي ﷺ أن تستتاب فإن تابت وإلا قتلت". وروى الزهري, عن عروة, عن عائشة رضوان الله عليها قالت: "ارتدت امرأة يوم أحد, فأمر النبي ﷺ أن تستتاب فإن تابت وإلا قتلت". وروى الزهري عن محمد بن المنكدر, عن جابر: "أن امرأة من أهل المدينة يقال لها أم مروان ارتدت عن الإسلام, فأمر النبي ﷺ أن يعرض عليها الإسلام, فإن رجعت وإلا قتلت". ورواه هشام بن الغاز, عن محمد بن المنكدر, عن جابر قال:"فعرض عليها

стр. 6184

الإسلام فأبت أن تسلم, فقتلت" وهذا نص. ولأنه كفر بعد إيمان فوجب أن يستحق به القتل كالرجل, وهذه علة ورد النص بها في قوله ﷺ : "لا يحل دم امراء مسلم إلا بإحدى ثلاث: كفر بعد إيمان .. " فكانت أوكد من العائلة المستنبطة, هكذا استنبط من هذا النص علة أخرى, فنقول: كل من قتل بزنًا بعد إحصان قتل بكفر بعد إيمان كالرجل, ومنه علة ثالثة: أن كل من قتل بالنفس قودًا قتل بالردة حدًا كالرجل, فيكون تعليل النص في الثلاثة مستمرًا. ولأنه حد يستباح به قتل الرجل فجاز أن يستباح به قتل المرأة كالزنى. فأما الجواب عن نهيه عن قتل النساء والوالدان. فهو أن خروجه على سبب, روي أن النبي ﷺ مر بامرأة مقتولة في بعض غزواته, فقال: "لم قتلت وهي لا تقاتل" ونهى عن قتل النساء والوالدان. فعلم أنه أراد به الحربيات. فإن قيل: النهي عام فلم اقتصر به على سببه. قيل: لما عارضه قوله: "من بدل دينه فاقتلوه" ولم يكن بد من تخصيص أحدهما بالآخر, وجب تخصيص الوارد على سببه, وحمل الآخر على عموم, لأن السبب إمارات التخصيص. وأما الجواب عن حديث ابن عباس: فهو أنه رواية عبد الله بن عيسى عن عفان عن شعبة بن عاصم بن أبي النجود. قال الدارقطني: وعبد الله بن عيسى هذا كذاب يضع الأحاديث على الثقات. وقد رواه سفيان, عن أبي حنيفة, عن عاصم موقوفًا على ابن عباس وأنكره أبو بكر بن عياش على أبي حنيفة فسكت وتغير. وأنكره سفيان بن عيينة وأحمد بن حنبل. وما كان بهذا الضعف لم يجز أن يجعل في الدين أصلًا. وأما الجواب عن قياسهم على الصبي: فهو انتفاضه بالشيخ الهرم والأعمى والزمن فإنهم يقتلون بالردة, ولا يقتلون بالكفر الأصلي, والأصل غير مسلم, لأن الصبي لا تصح منه الردة. وأما الجواب عن قياسهم على الكافرة الحربية: فمنكسر بالأعمى والزمن لا يقتلون بالكفر الأصلي ويقتلون بالردة, ثم المعنى في الحربية أنها مال مغنوم وليست المرتدة مالًا. وأما الجواب عن استدلالهم بحقن دمها قبل الإسلام فكذلك بالردة بعد الإسلام. فباطل الأعمى والزمن والرهبان وأصحاب الصوامع, دماؤهم محقونة قبل الإسلام ويقتلون بالردة عن الإسلام, على أن الحربية لما جاز إقرارها على كفرها لم تقتل, ولما لم يجز إقرار المرتدة على كفرها قتلت, لأن وقوع الفرق بينهما في الإقرار على الكفر

стр. 6185

يمنع من تساويهما في الحكم والله أعلم. مسألة: قال الشافعي ﵁: "وقال في الثاني في استتابته ثلاثًا قولان: أحدهما حديث عمر يتأنى به ثلاثًا والآخر لا يؤخر لأن النبي ﷺ لم يأمر فيه بأناة وهو لو تؤني به بعد ثلاث كهيئته قبلها. وهذا ظاهر الخبر. قال لامزني: وأصله الظاهر وهو أقيس على أصله". قال في الحاوي: يستناب المرتد قبل قتله, فإن تاب حقن دمه. وقال الحسن البصري: يقتل من غير استتابة. وقال عطاء: إن ولد في الإسلام قتل من غير استتابة وإن ولد في الكفر ثم أسلم لم يقتل إلا بعد الاستتابة. استدلالًا: بقول النبي ﷺ : "من بدل دينه فاقتلوه" فلم يأمر فيه إلا بالقتل دون الاستتابة. ولأن قتل الردة حد كالرجم في الزنى, فلما لم يلزم استتابة الزاني لم يلزم استتابة المرتد. ولأن قتل الردة حد كالرجم في الزنى, فلما لم يلزم استتابة الزاني لم يلزم استتابة المرتد. ودليلنا: ما رواه عروة, عن عائشة ﵂ قالت: "ارتدت امرأة يوم أحد فأمر النبي ﷺ أن تستتاب, فإن تابت وإلا قتلت" وهذا نص. وروي أن رجلًا قدم على عمر بن الخطاب ﵁ من قبل أبي موسى الأشعري, فقال له عمر بن الخطاب: هل كان فيكم من مغربة خبر؟ فقال: نعم رجل كفر بعد إسلامه, فقتلناه. فقال عمر: هلا حبستموه ثلاثًا, وأطعمتموه في كل يوم رغيفًا, واستتبتموه لعله يتوب, اللهم لم أحضر ولم أمر ... ولم أرض إذ بلغني, اللهم إني أبرأ إليك من دمه. وروي: أن ابن مسعود كتب إلي عثمان ﵄ في قوم ارتدوا فكتب إليه عثمان: ادعهم إلي دين الحق وشهادة أن لا إله إلا الله, فإن أجابوا فخل سبيلهم وإن امتنعوا فاقتلهم, فأجاب بعضهم فخلا سبيله وامتنع بعضهم فقتله. ولأن الأغلب من حدوث الردة أنه لاعتراض شبهة, فلم يجز الإقدام على القتل قبل كشفها والاستتابة منها كأهل الحرب, لا يجوز قتلهم إلا بعد بلوغ الدعوة, وإظهار المعجزة. فأما الخبر فلا يمنع من الاستتابة وأم الزنى فالتوبة لا تزيله, وهي تزيل الردة, فلذلك استتيب من الردة ولم يستتب من الزنى. فصل: فإذا ثبت الأمر باستتابته قبل قتله, ففيها قولان:

стр. 6186

أحدهما: وهو قول أبي حنيفة واختيار أبي علي بن أبي هريرة أنها مستحبة وليست بواجبة, لأن وجوب الاستتابة يوجب حظر دمه قبلها, وهو غير مضمون الدم لو قتل قبلها, فدل على استحبابها. والثاني: وهو أصح أن الاستتابة واجبة لما قدمناه من الخبر والأثر, ولأن الاستتابة في حق المرتد في حكم إبلاغ الدعوة لأهل الحرب, وإبلاغ الدعوة واجبة, فكذلك الاستتابة. ولأن المقصود بقتل المرتد إقلاعه عن ردته, والاستتابة أخص بالإقلاع عنها من القتل, فاقتضى أن تكون أوجب منه. فصل: فإذا تقرر حكم الاستتابة في الوجوب والاستحباب, فهل يعجل قتله عند الامتناع من التوبة أو يؤجل ثلاثة أيام؟ فيه قولان: أحدهما: وهو اختيار المزني أنه يعجل قتله ولا يؤجل, وبه قال أبو حنيفة, إلا أن يسأل الإنظار فيؤجل ثلاثًا لقول النبي ﷺ : "من بدل دينه فاقتلوه" ولأنه حد فلم يؤجل فيه كسائر الحدود. والثاني: يؤجل ثلاثة أيام, وبه قال أحمد بن حنبل, وإسحاق بن راهويه. وقال سفيان الثوري: ينظر ماكان يرجو التوبة. ودليل تأجيله ثلاثًا: قول عمر ﵁ حين أخبر بقتل المرتد: هلا حبستموه ثلاثًا, اللهم لم أحضر ولم أمر .. الخبر. ولأن الله قضى بعذاب قوم ثم أنظرهم ثلاثًا فقال: ﴿تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾ [هود ٦٥]. ولأن المقصود منه استبصاره في الدين ورجوعه إلي الحق, وذلك مما يحتاج فيه إلي الارتياء والفكر, فأمهل بما يقدر في الشرع من مدة أقل الكثير, وأكثر القليل وذلك ثلاثة أيام: فعلى هذا: في تأجيله بهذه الثلاث قولان: أحدهما: أنها مستحبة إن قيل: إن الاستتابة مستحبة. والثاني: أنها واجبة إن قيل: إن الاستتابة واجبة. مسألة: قال الشافعي ﵁: "ويوفق ماله". قال في الحاوي: حكم الردة مشتمل على فصلين: أحدهما: في نفس المرتد, وهو القتل وقد مضى.

стр. 6187

والثاني: حكمها في مال المرتد, وهو مشتمل على فصلين: أحدهما: بقاء ماله على ملكه. والثاني: جواز تصرفه فيه. فأما بقاؤه على ملكه, فقد ذكر الشافعي فيه قولين, وثالثًا اختلف أصحابنا في تخريجه: أحدهما: وهو المنصوص عليه في هذا الموضع-أن ملكه موقوف مراعى فإن عاد إلي الإسلام بان أن ماله كان باقيًا على ملكه, إن قتل بالردة بان أن ماله زال عن ملكه بنفس الردة, فيصير ماله معتبرًا بنفسه. والثاني: نص عليه في زكاة المواشي-أن ماله باقي على ملكه, إلي أن يقتل بالردة, فيزول ملكه عنه بالقتل أو بالموت, لأن المال لا ينفك عن مالك, فلما لم ينتقل إلي ملك غيره إلا بالموت, على بقاؤه على ملكه إلي وقت الموت. والثالث: المختلف في تخريجه: ذكره في كتاب المدبر - أن تدبير المرتد باطل في أحد أقاويله الثلاثة' لأن ملكه خارج عنه. فاختلف أصحابنا في معنى تعليله بأن ملكه خارج عنه على وجهين: أحدهما: وهو قول أبي العباس بن سريج وطائفة-أن أراد به خروج ماله عن تصرفه مع بقائه على ملكه, لأنه لو خرج عن ملكه بالردة ما عاد إليه إلا بتمليك مستجد, ومنعوا من تخريجه قولًا ثالثًا. والثاني: وهو قول كثير منهم أنه أراد به زوال ملكه عن ماله, فإن عاد إلي الإسلام عاد المال إلي ملكه كالخل إذا انقلبت بنفسها خمرًا زال عن ملك صاحبه, فإن صار الخمر خلًا عاد إلي ملكه. وخرج قائل هذا الوجه في ماله ثلاثة أقاويل: أحدها: أن ماله باق على ملكه حتى يقتل أو يموت-وهو الأصح-وبه قال أبو حنيفة. والثاني: أن ماله قد زال عن ملكه قتل أو لم يقتل, فإن عاد إلي الإسلام عاد إلي ملكه بإسلامه وبه قال مالك بن أنس. والثالث: أن ماله موقوف مراعى, فإن عاد إلي الإسلام فماله لم يزل باقيًا على ملكه, وإن قتل أو مات علم أن ماله زال عن ملكه بنفس الردة. وعلى هذه الأقاويل يكون حكم ما استفاد ملكه في ردته بهبة أو صدقة أو وصية أو اصطياد أو احتشاش. فإن قيل بالأول: إن ملكه المتقدم باق على ملكه, ملك ما استفاده في ردته, وصار مضافًا إلي قديم ملكه. وإن قيل بالثاني: إن ماله خرج بالردة عن ملكه, لم يملك ما استفاده في ردته, لأنه

стр. 6188

لما لم يملك ما استقر عليه ملكه, فأولى أن لا يملك ما لم يستقر له عليه ملك. وإن قيل بالثالث: إنه موقوف مراعى, كان ما استفاده في الردة موقوفًا مراعى: فإذا عاد إلي الإسلام ملكه مع قديم ملكه. وإن قتل بالردة لم يملكه فإن كان هبة أو وصية: بطلت, وعاد إلي الواهب والموصى. وإن كان اصطيادًا أو احتشاشًا: كان على أصل الإباحة. فصل: فأما الفصل الثاني: في جواز تصرف في ماله. فظهور الردة منه موجبة لوقوع الحجر عليه لعتلين: أحدهما: أن تظاهره بها مع ما يفضي إليه من إباحة دمه دليل على سفه رأيه وضعف تمييزه. والثاني: أن انتقال ماله عنه إلي من باينه في الدين يوجب حفظه عليه, لتوجه التهمة إليه, حتى لا يسرع إلي استهلاكه عليهم. فإن حجر الحاكم عليه, صح الحجر, وفي معنى حجره وجهان: أحدهما: أنه كحجر السفه وفي معناه إذا قيل: إن علة حجرة سفه رأيه, وضعف تميزه. والثاني: أنه كحجر المرض وفي معناه إذا قيل: إن على حجرة توجه التهمة إليه في حقوق المسلمين في ماله. ويكون بعد الحجر عليه ممنوعًا من التصرف في ماله, فإن تصرف فيه فضربان: أحدهما: أن يكون في تصرفه استهلاك لما له كالعطايا والهبات والوصايا والصدقات والوقف والعتق فكل ذلك باطل مردود, سواء قيل: إن حجره حجر سفه أو حجر مرض. فإن قيل: فهلا جازت وصاياه إذا قيل: إن حجره حجر مرضه, كما تجوز وصايا المريض. قيل: لأن للمريض في ماله الثلث, فأمضيت وصاياه من ثلثه وليس للمرتد ثلث تجعل وصاياه منه. والثاني من تصرفه: ما لم يكن فيه استهلاك كالبيوع والإجارات بأعواض مثلها فيكون في صحتها وجهان بناء على معنى حجره: أحدهما: أن جميعها باطلة إذا قيل: إن حجره سفه لأن عقود السفيه باطلة. والثاني: أن جميعها جائزة إذا قيل: إن حجره حجر مرض؛ لأن عقود المريض جائزة. وعلى هذين الوجهين, يكون حكم إقراره بالديون والحقوق أحد الوجهين بطلان إقراره بجميعها إذا قيل: إنه حجر سفه.

стр. 6189

والثاني: صحة إقراره بجميعها إذا قيل: إنه حجر مرض. فصل: فإن لم يحجر الحاكم عليه, ففي صحة تصرفه وجوازه ثلاثة أقاويل: أحدها: أن تصرفه جائز ممضي سواء قتل بالردة أو عاد إلي الإسلام, لأن الكفر لا يمنع من جواز التصرف. والثاني: أن تصرفه باطل مردود سواء قتل بالردة أو عاد إلي الإسلام لما قدمناه من العلتين في سفه رأيه وظهور تهمته. والثالث: أن تصرفه موقوف مراعى: فإن قتل بالردة: كان جميع تصرفه باطلًا مردودًا لتحقق العلتين فيه. وإن عاد إلي الإسلام: كان جميع تصرف جائزًا ممضيًا, لانتفاء العلتين عنه. فعلى هذه الأقاويل تنقسم عقوده في ردته ثلاثة أقسام: أحدها: ما يصح أن يكون موقوفًا أو معلقًا بشرط كالعتق والتدبير, فيكون في صحته منه ثلاثة أقاويل: أحدها: يكون جائزًا. والثاني: باطلًا. والثالث: يكون موقوفًا. والثاني: ما لا يصح أن يكون موقوفًا أو معلقًا بشرط كالبيع والإجارة, ففيه قولان: أحدها: باطل. والثاني: جائز. والثالث: ما اشتمل على أمرين يصح الوقف والشرط في أحدهما, ولا يصح في الآخر كالخلع والكتابة, لأنهما يشتملان على طلاق وعتق, ويصح فيهما الوقف والشرط, وعلى معاوضة لا يصح فيها الوقف والشرط. فقد اختلف أصحابنا في المغلب منهما على وجهين: أحدهما: يغلب منهما حكم العوض, فيكون على قولين كالبيع والإجارة. أحدهما: جائز. والثاني: باطل. والثاني: أنه يغلب منهما حكم الطلاق والعتق, فيكون على ثلاثة أقاويل: أحدها: جائز. والثاني: باطل. والثالث: موقوف, والله أعلم.

стр. 6190

مسألة: قال الشافعي ﵁: "وإن قتل فماله بعد قضاء دينه وجنايته ونفقة من تلزمه نفقته فيء لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم وكما لا يرث مسلمًا لا يرثه مسلم". قال في الحاوي: قد مضى الكلام في حكم ماله في حياته. فأما حكم ماله بعد قتله أو موته مرتدًا, فالكلام فيه مشتمل على فصلين: أحدهما: فيما يتعلق به من الحقوق. والثاني: في استحقاق باقيه. فأما الفصل الأول: في الحقوق المتعلقة به فثلاثة: ديون, وجنايات, ونفقات فأما الديون: فما وجب منها قبل الردة فمستحق, ما وجب منها بعد الردة فإن كان عن تصرف جائز ممضي استحق, وما كان منها عن تصرف باطل مردود لم يستحق. وأما الجنايات على النفوس والأموال: فمستحقة سواء كانت قبل الردة أو بعدها, لأن المرتد ضامن لما أتلف. وأما النفقات: فما وجب منها قبل الردة فمستحق إذا كان مما لا يسقط بالتأخير كنفقة الزوجات أو نفقات الأقارب, إذا حكم حاكم بالافتراض عليها وإن سقطت بالتأخير كان سقوطها مع الردة أحق. وأما ما وجب منها في زمن الردة. فإن قيل ببقاء ماله على ملكه: وجبت. وإن قيل بزوال ملكه عن ماله, ففي وجوبها وجهان: أحدهما: لا تجب لعدم محلها كالإعسار بها. والثاني: تجب ويزول ملكه عما لا يستحق عليه, ولا يزول عما يستحق عليه كالموت يزول به ملك الميت إلا عما لا يستغنى عنه من كفنه ومؤونة دفنه. وأما الثاني: وهو الموروث من باقي ماله, فقد اختلف الفقهاء في مستحقه على ستة مذاهب: أحدهما: وهو مذهب الشافعي أنه ينتقل إلي بيت المال فيئًا, ولا يرثه مسلم ولا كافر. وبه قال من الصحابة: زيد بن ثابت, وعبد الله بن عباس ﵄. ومن التابعين: الحسن البصري. ومن الفقهاء: ربيعة, وابن أبي ليلى, وأحمد بن حنبل وأبو ثور. والثاني: وهو مذهب أبي حنيفة أن ما كسبه قبل ردته يكون لورثته من المسلمين, وما كسبه في ردته يكون فيئًا لبيت مال المسلمين إلا أن يكون المرتد امرأة فيكون جميع ما كسبته قبل الردة وبعدها لورثتها المسلمين.

стр. 6191

والثالث: وهو مذهب أبي يوسف ومحمد, أن جميع ما كسبه قبل الردة وبعدها يكون لورثته من المسلمين رجلًا كان أو امرأة. والرابع: وهو مذهب مالك أنه إن اتهم بردته أنه أراد بها إزواء ورثته, كان ماله لورثته المسلمين, وإن لم يتهم كان فيئًا لبيت المسلمين. والخامس: وهو مذهب داود-أنه يكون موروثًا لمن ارتد إلي دينه من ورثته الكفار دون المسلمين. والسادس: وهو مذهب علقمة وقتادة, وسعيد بن أبي عروبة-أن ماله فينتقل إلي جميع أهل دينه الذين ارتد إليهم. والدليل على جميعهم: قول النبي ﷺ : "لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم". ولأنه لما لم يرث مسلمًا لم يرثه مسلم كالحربي. وهذه مسألة قد مضى حجاجها في كتاب الفرائض. مسألة: قال الشافعي ﵁: "ويقتل الساحر إن كان ما يسحر به كفرًا إن لم يتب". قال في الحاوي: قد مضت هذه المسألة, وذكرنا اختلاف الفقهاء في حكم الساحر على ثلاثة مذاهب: أحدها: وهو مذهب أبي حنيفة ومالك-أن الساحر كافر يجب قتله, ولا تقبل توبته. والثاني: وهو مذهب أحمد بن حنبل, وإسحاق بن راهويه أن الساحر يجب قتله, ولم يقطعا بكفره. الثالث: وهو مذهب الشافعي-أن الساحر لا يكون كافرًا بالسحر, ولا يجب به قتله إلا أن يكون ما يسحر به كفرًا, فيصير باعتقاد الكفر كافرًا يجب قتله بالكفر لا بالسحر-وقد دللنا لهم وعليهم بما أجزأ. مسألة: قال الشافعي ﵁: "ويقال لمن ترك الصلاة وقال أنا أطيقها ولا أصليها لا يعملها غيرك فإن فعلت وإلا قتلناك كما تترك الإيمان ولا يعمله غيرك فإن آمنت وإلا قتلناك". قال في الحاوي: قد مضت هذه المسألة في كتاب الصلاة, وذكرنا أن تارك الصلاة ضربان: جاحد ومعترف.

стр. 6192

فأما الجاحد لوجوبها: فهو مرد تجري عليه أحكام الردة, وهو إجماع. وأما المعترف بوجوبها التارك لفعلها: قد اختلف الفقهاء في حكمه على ثلاثة مذاهب: أحدها: وهو مذهب أحمد بن حنبل-أنه يكفر بتركها كما يكفر بجحودها. لقول النبي ﷺ : بين الكفر والإيمان ترك الصلاة, فمن تركها فقد كفر. والثاني: وهو مذهب أبي حنيفة ومالك أنه لا يكفر بتركها ولا يقتل, ويجبس حتى يصلي لقول النبي ﷺ : "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إلا إلا الله, فإذا قالوها عصموا مني دمائهم وأموالهم إلا بحقها". والثالث: وهو مذهب الشافعي أنه يقتل بتركها لا بكفره لقول النبي ﷺ : "ألا إني نهيت عن قتل المصلين". فدل على أن غير المصلي مباح للدم. وقد مضى من الدلائل والمعاني ما أقنع. فصل: وإذا كان قتله بتركها واجبًا, فليجوز قتله حتى يسأل عن تركها, واختلف أصحابنا في وقت سؤاله على وجهين: أحدهما: يسأل عن تركها في آخر وقتها إذا لم يبق منه إلا قدر فعلها. والثاني: لا يسأل عنها إلا بعد خروج وقتها, فإذا سئل عنها وأجاب بأنه نسي، قيل له: صل فقد ذكرت. فإن قال: أنا مريض قيل: صل كيف أضفت. وإن قال: لست أصلي كسلًا واستثقالًا. قيل له: تب وصل, فإنه لا يصليها غيرك. فإن تاب وصلى عاد إلي حاله, وإن لم يتب ولم يصل فهو الذي اختلف الفقهاء في حكمه على ما بيناه. ومذهبنا فيه: وجوب قتله حدًا مع بقائه على إسلامه, ويكون ماله لورثته المسلمين, ويصلى عليه, ويدفن في مقابر المسلمين. واختلف أصحابنا في صفة قتله على وجهين: أحدهما: وهو الظاهر من مذهب الشافعي أنه يقتل ضربًا بالسيف. والثاني: وهو قول أبي العباس بن سريج. وطائفة-أنه يضرب بما لا يوجى من الخشب, ويستدام ضربه حتى يموت. مسألة: قال الشافعي ﵁: "ومن قتل مرتدًا قبل أن يستتاب أو جرحه فأسلم ثم

стр. 6193

مات من الجرح فلا قود ولا دية ويعزر القاتل لأن المتولي لقتله بعد استتابته الحاكم". قال في الحاوي: قد مضت هذه المسألة في كتاب الجنايات, أن المرتد يختص الإمام بقتله دون غيره, لأن قتله حق من حقوق الله تعالى التي ينفرد الأئمة بإقامتها كالحدود. فإن قتله غير الإمام لم يضمنه القاتل وعزر. لأن الردة قد أباحت دمه, فصار قتله هدرًا كالحربي إذا قتله مسلم لم يضمنه لإباحة دمه, لكن يعذر قاتل المرتد ولا يعزر قاتل الحربي. والفرق بينهما: إن قتل المرتد حد يتولاه الإمام فعزر المفتات علي. وقتل الحربي جهاد يستوي الكافة فيه, فلم يعزر المنفرد بقتله. فأما إذا جرح مرتدًا ثم أسلم المجروح وسرى الجرح إلي نفسه في الإسلام فمات منه, فمذهب الشافعي: أن دمه هدر لا يضمن, لأنها عن جناية في الردة غير مضمونة, فكان ما حدث بعدها غير مضمون, كالقطع السرقة. قال الربيع: وفيها ثول آخر: إنه ضامن لنصف ديته. لأنه مرتد في حال الجناية, ومسلم في حال السراية, فسقط نصف الدية بردته, ووجب نصفها بإسلامه. وهذا القول من تخريج الربيع من نفسه وليس بمحكي عن الشافعي, ولا تقتضيه أصول مذهبه. فإن كان المرتد هو القاتل فقد مضى في الجنايات. مسألة: قال الشافعي ﵁: "ولا يسبى للمرتدين ذرية وإن لحقوا بدار الحرب لأن حرمة الإسلام قد ثبتت لهم ولا ذنب لهم في تبديل آبائهم". قال في الحاوي: أما المرتدون إذا كانوا في دار الإسلام ولو يلحقوا بدار الحرب فلا خلاف نعرفه في أنه لا يجوز سبيهم ولا استرقاقهم تغليبًا لما تقدم من حرمة إسلامهم ولا يجوز أن تؤكل ذبائحهم, ولا ينكحوا تغليبًا لحكم شركهم, ولا تقبل جزيتهم, ولا يهادنوا, لأن قبول الجزية وعقد الهدنة موضوعان للإقرار على الكفر, والمرتد لا يقر على كفره. فأما إذا لحق المرتدون بدار الحرب أو انفردوا بدار صارت لهم كدار أهل الحرب فقد اختلف الصحابة ﵃ في جواز سبيهم واسترقاقهم. فذهب علي بن أبي طالب رضوان الله عليه إلي جواز سبيهم واسترقاقهم كأهل الحرب اعتبارًا بحكم الكفر وبه قال شاذ من الفقهاء. وذهب أبو بكر ﵁ إلي تحريم سبيهم واسترقاقهم تغليبًا لحرمة ما تقدم من إسلامهم, كما يحرم سبيهم واسترقاقهم في دار الإسلام. وبه أخذ الشافعي وأكثر الفقهاء. فإن قيل: فقد سبى أبو بكر ﵁ بني حنيفة حين ارتدوا مع مسيلمة قيل: إنما سباهم سبي قهر وإذلال لتضعف بهم قوتهم, ولم يكن سبي غنيمة واسترقاق. وسواء في ذلك الرجال والنساء.

стр. 6194

وقال أبو حنيفة: يجوز استرقاق المرتدة, إذا لحقت بدار الحرب, ولا يجوز استرقاق المرتد. واستدل على ذلك: بأن علي بن أبي طالب ﵇ استرق من سبي بني حنيفة أم ابنه محمد وأولادها. وبناه أبو حنيفة على أصله في أن المرتدة لا تقتل كالحربية فجاز استرقاقها لاستوائهما في حظر القتل عنده وهذا قد تقدم الكلام معه فيه. ثم من الدليل عليه: أن كل دين منع من استرقاق الرجل منع من استرقاق المرأة كالإسلام طردًا والكفر الأصلي عكسًا. فأما ما حكاه من استرقاق على أم ولده محمد ابن الحنفية ففيه ثلاثة أجوبة: أحدهما: وهو قول أبي علي بن أبي هريرة أنه كان مذهبًا له, وقد خالفه في غيره, فصار خلافًا لا يقع الاحتجاج به. والثاني: وهو قول الواقدي إنها كانت أمة سوداء سندية لبني حنيفة, وكان خالد بن الوليد قد صالحهم على إمائهم. والثالث: وهو الأظهر أنها كانت حرة تزوجها علي ﵇ برضاها, فأولدها بالزوجية دون ملك يمين, وهو الأشبه بأفعاله رضوان الله عليه وسلامه. فصل: فأما ذرية المرتد: وهم صغار أولاده من ذكور, وإناث, فهم على حكم الإسلام الجاري عليهم بإسلام آبائهم, ولا يزول عنهم بردة آبائهم, لأن رده آبائهم جناية منهم فاختصوا بها دونهم, لأنه لا يؤاخذ أحد بمعصية غيره. فإذا قيل: فإذا تعدي إليهم إسلام آبائهم فصاروا مسلمين بإسلامهم فهلا تعدى إليهم رده آبائهم فصاروا مرتدين بردتهم؟ قيل: لأن النبي ﷺ قال:"الإسلام يعلو ولا يعلى" فجاز أن يرفع الإسلام من حكم الكفر, ولم يجز أن يرفع الكفر من حكم الإسلام, ولذلك إذا كان أحد الأبوين مسلمًا والآخر كافرًا كان الولد مسلمًا ولو يكن كافرًا, تغليبًا للإسلام على الكفر. فإذا ثبت إسلام أولادهم فلا يجوز سبيهم ولا استرقاقهم, وتجب نفقاتهم في أموال آبائهم المرتدين, لأن النفقة لا تختلف بالإسلام والكفر, فإن ماتوا: غسلوا وصلى عليه ودفنوا في مقابر المسلمين. فصل: وإذا لحق المرتد بدار الحرب كانت أحكام الحياة جارية عليه ما لم يمت رجلًا كان أو امرأة. وقال أبو حنيفة: تجري على المرأة أحكام الحياة, وعلى الرجل أحكام الموت,

стр. 6195

فيقسم (ماله) بين ورثته, ويعتق عليه مدبروه وأمهات أولاده, وتحل عليه ديونه المؤجلة, فإن رجع إلي الإسلام رجع بما بقي في أيدي ورثته من تركته الباقية ولم يرجع بما استهلكوه وقد نفذ عتق أمهات أولاده ومدبريه, ولا يتأجل ما حكم بحلوله من ديونه احتجاجًا بأن الردة توجب زوال الملك, فصارت كالموت. ودليلنا: أنه حي فلم يجز أن يورث كسائر الأحياء, ولأن من جاز إسلامه من إجراء حكم الموت عليه, منعت دار الحرب من إجراء حكم الموت عليه كالمرتدة. وقياسه منقض بالردة في دار الإسلام. فصل: فإذا ثبت هذا كان ما خلفه في دار الإسلام باقيًا على ملكه, فإن عاد من دار الحرب وأخذ ماله سرًا أو كان قد حمله حين لحق بدار الحرب, ثم ظهر المسلمون عليه لم يجز أن يغنم ماله وكان في أمان منا. وقال أبو حنيفة: يجوز أن يغنم ماله اعتبارًا بحكم الدار. واعتباره عندنا بالمالك أولى كالمسلم. مسألة: قال الشافعي ﵁: "ومن بلغ منهم إن لم يتب قتل". قال في الحاوي: وهذا صحيح إذا بلغ أولاد المرتدين بعد الحكم بإسلامهم فلهم حالتان: إحداهما: أن يقوموا بعبادات الإسلام من الصلاة والصيام وسائل حقوقه, فيحكم لهم بالإسلام فيما لهم وعليهم, ولا يكلفون التوبة, لأنه لم يجز عليهم فيما تقدم حكم الردة, ولا حرجوا فيما بعده من حكم الإسلام. والثانية: أن يمتنعوا بعد البلوغ من عبادات الإسلام, فيسألوا عن امتناعهم, فإن اعترفوا بالإسلام, وامتنعوا من فعل عباداته كانوا على إسلامهم وأخذوا بما تركوه من العبادات بما يؤخذ به غيرهم من المسلمين. فإن تركوا الصلاة قتلوا بها, وإن تركوا الزكاة أخذت منهم, وإن تركوا الصيام أدبوا وحبسوا. وإن أنكروا الإسلام وجحدوه: صاروا حينئذ مرتدين تجري عليهم أحكام الردة بعد البلوغ, فيستتابون فإن تابوا وإلا قتلوا بالردة كآبائهم. وحكي ابن سريج قولًا آخر: إنهم يقرون على كفرهم كغيرهم من الكفار المقرين على الكفر, لأنهم لم يعترفوا بالإسلام.

стр. 6196

وهذا القول سهو من ابن سريج في تخريجه, إلا أن يكون مذهبًا لنفسه فيفسد بما ذكرناه. فصل: فإذا ارتدوا قبل بلوغهم لم يكن لردتهم حكم, وكذلك لو أسلم أولاد أهل دار الحرب قبل البلوغ لم يكن لإسلامهم حكم, ولم يصح من الصبي إسلام ولا ردة. وقال أبو حنيفة: يصح إسلام الصبي وردته ولا يقتل بها. احتجاجًا: بما روى عن النبي ﷺ أنه قال:" كل مولود يولد على الفكرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه حتى يعرب عن لسانه, فإما شاكرًا وإما كفورا". فاقتضى أن يكون ما أعرب لسانه عنه من الإسلام أو الردة صحيحًا, ولأنه ممن يصح منه فعل العبادة, فصح منه الإسلام والردة كالبالغ. ودليلنا: قول النبي ﷺ : "رفع القلم عن ثلاث: عن الصبي حتى يحتلم ... ". ورفعه عنه يمنع من أن يجري على اعتقاده حكم. لأنه غير مكلف, فلم يصح منه الاعتقاد لإسلام ولا ردة كالمجنون, ولأن ما لا يستحق به قتل الردة لم يثبت به حكم الردة كسائر الأقوال والأفعال لا تكون ردة. فأما الجواب عن الخبر: فهو أن إعراب لسانه عنه يكون ببلوغه إن صحت هذه الزيادة. وإما قياسه على البالغ: فلا يصح لوقوع الفرق بينهما في القتل بالردة, فوقع الفرق بينهما في أصل الردة, كما يقع الفرق بينهما في العقود والأحكام. مسألة: قال الشافعي ﵁: "ومن ولد للمرتدين في الردة لم يسب لأن آباءهم لم يسبوا". قال في الحاوي: قد مضى الكلام في أولاد المرتدين قبل الردة. فأما أولادهم بعد الردة: وهم المولودون لهم بعد ستة أشهر فصاعدًا من ردتهم. فإن كان أحد أبويهم مسلمًا: فهم مسلمون لا تجري عليهم أحكام الردة, وكانوا كالمولودين قبل الإسلام على ما قدمناه. وإن كان أبواهم مرتدين لم يجر عليهم حكم الإسلام بأنفسهم ولا بغيرهم, ففيها قولان: أحدهما: وهو الأصح المنصوص عليه في هذا الموضع أنه يجرب عليهم حكم الردة, إلحاقًا بآبائهم فلا يجوز سبيهم ولا استرقاقهم كآبائهم. لكن لا يقتلون إلا بعد بلوغهم وامتناعهم من التوبة فإن ماتوا قبل البلوغ لم يصل عليهم, ولو يورثوا, وكان مالهم فيئًا. فيكونوا على هذا القول موافقين للمولودين قبل

стр. 6197

الردة من وجه: وهو أنهم لا يسبون ولا يسترقون, ومخالفين لهم من وجه: وهو أنه يجري عليهم حكم الردة قبل بلوغهم, ويجري على المولودين حكم الإسلام قبل بلوغهم. والثاني: أنهم مخالفون لآبائهم, فيكونوا كفارًا لم يثبت لهم حرمة الإسلام لأن آباءهم وصفوا الإسلام فثبتت فيهم حرمته, وهؤلاء لم يولدوا في إسلام آبائهم ولا وصفوه بأنفسهم, فانتفت عنهم حرمة الإسلام بهم وبآبائهم فعلى هذا: يجوز سبيهم واسترقاقهم كأولاد أهل الحرب, لكن لا يجوز أن يقروا بعد الاسترقاق على كفرهم, لدخولهم في الكفر بعد نزول القرآن. ومن أسر منهم بعد البلوغ كان الإمام على خياره فيهم كأهل الحرب بين أربعة أشياء: قتل أو استرقاق أو فدا أو من. فيكونوا مخالفين للمولودين قبل الردة من وجهين: أحدهما: أنه لا يجري عليهم حكم الإسلام قبل بلوغهم, وإن جرى حكمه على المولود قبل الردة. والثاني: أنه يجوز سبيهم واسترقاقهم وإن لم يجز ذلك في المولود قبل الردة. فصل: ولا فرق في القولين معًا بين أن يولدوا في دار الإسلام أو في دار الحرب. وفرق أبو حنيفة بينهما فقال: إن ولدوا في دار الإسلام لم يجز سبيهم ولا استرقاقهم وإن ولدوا في دار الحرب جاز سبيهم واسترقاقهم احتجاجًا: بقول النبي ﷺ : "منعت دار الإسلام ما فيها وأباحت دار الشرك ما فيها". قال: ولأن الذمي إذا نقض عهده لم يجز أن يسترق في دار الإسلام, وجاز أن يسترق في دار الحرب كذلك ولو المرتد. ودليلنا في التسوية بين الدارين في حكم الردة: قول النبي ﷺ :"أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله, فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها". ولم يفرق فيهم من الدارين. ولأن حكم الدار معتبر بأهلها فهي تابعة وليست متبوعة, ولأن من لم يجز استرقاقه إذا ولد في دار الإسلام لم يجز استرقاقهم إذا ولد في دار الحرب كالذي أحد أبويه مسلم, ومن جاز استرقاقه إذا ولد في دار الحرب جاز استرقاقه إذا ولد في دار الإسلام كولد الحربيين. فأما الخبر فمحمول على تغليب حكم العموم دون الخصوص. وأما ناقض الذمة فلم نعتبر نحن ولا هم فيه حكم الولادة, وجاز استرقاقه وسبيه في دار الحرب ولم يجز في دار الإسلام, لأن علينا أن بلغه مأمنه إذا نقض عهده فلذلك ما افترق حكمه في دار الإسلام ودار الحرب وخالف المرتد, لأنه لا يزمنا أن نبلغه مأمنه. مسألة: قال الشافعي ﵁: "وإن ارتد معاهدون ولحقوا بدار الحرب وعندنا لهم

стр. 6198

ذراري لم نسبهم وقلنا إذا بلغوا لكم العهد إن شئتم وإلا نبذنا إليكم ثم أنتم حرب". قال في الحاوي: وصورتها: في قوم من أهل العهد أقاموا في دار الإسلام بأمان عقده الإمام لهم على نفوسهم وذراريهم وأموالهم, ثم نقضوا العهد, ولحقوا بدار الحرب, وخلفوا أموالهم وذراريهم في دار الإسلام, زال الأمان عنهم, وصاروا حربًا يقتلون إذا قدر عليهم, كان الأمان باقيًا في ذراريهم وأموالهم, لا يجوز أن تسبى الذراري ولا تغنم الأموال, وإن كانوا في عقد الأمان تبعًا. لأن الأمان قد يجوز أن يعقده الحربي لماله دون نفسه, بأن يكون في دار الحرب فيأخذ أمانًا لمال يحمله إلي دار الإسلام لتجارة أو وديعة فيكون المالك حربًا يجوز أن يقتل, ويكون ماله سلمًا لا يجوز أن يغنم. ويجوز أن يأخذ الأمان لنفسه دون ماله, فيكون المالك سلمًا لا يجوز أن يقتل, ويكون المال سبيًا يجوز أن يغنم. وكذلك حكمه مع ذريته يجوز أن يأخذ الأمان له دونهم ولهم دونه, فإذا اشتمل عقد أمانه على نفسه وذريته وماله, ثم نقض أمانه ولحق بدار الحرب زال أمان نفسه وبقي أمان ذريته وماله لا تسبي الذرية ولا يغنم المال. ولو أخرج معه حين لحق بدار الحرب ذريته وماله, انتقض أمان له وذريته, وجاز غنيمته ماله واسترقاق ذريته, لأن إخراجهما معه نقض لأمانهما وأمانه. ولو خلفها لقي أمانهما مع زوال أمانه. فصل: فإذا تقرر أن نقض أمانه لا يكون نقضًا لأمان ما خلفه من ذريته وماله, فسواء حاربنا بعد لحوقه بدار الحرب أو كف عنا يجب علينا حفظ ذريته وماله, وتقر الذرية إلي أن يبلغوا, سواء كان المعاهد حيًا أو ميتًا. فإذا بلغوا: خيرهم الإمام بين المقام في دار الإسلام وبين العود إلي دار الحرب, فإن اختاروا العود إلي دار الحرب لزمه أن يبلغهم مأمنهم, ثم يكونوا بعد بلوغهم حربًا وإن اختاروا المقام في دار الإسلام أقرهم فيها على إحدى حالتين: إما بجزية يبذلونها أو بعهد يستأنفونه, لأن أمانهم بالعهد مقدر بعد البلوغ, وغير مقدر قبل البلوغ فيجوز أمانهم قبل البلوغ بسنين كثيرة, ولا يجوز أن يبلغ أمانهم بعد البلوغ سنة, لأنهم قبل البلوغ من غير أهل الجزية, وهم بعد البلوغ من أهلها. وأما ماله: فمقر على ملكه ما بقي حيًا على حريته, وله إن تغيرت حاله حالتان: إحداهما: أن يموت. والثانية: أن يسترق. فإن مات أو قتل: ففي ماله قولان: أحدهما: يغنم فيئًا لبيت المال, لاختصاصه بالأمان على ماله دون ورثته. والثاني: يكون موروثًا عنه لورثته من أهلي الحرب دون أهل الذمة, لأن أهل الذمة

стр. 6199

وأهل الحرب لا يتوارثون لارتفاع الموالاة بينهم, وإنما كان ماله باقيًا على ورثته, لأنهم يقومون فيه مقامه, فانتقل إليهم بحقوقه والأمان من حقوق المال فصار موروثًا كالمال, فإن مات الوارث انتقل إلي وارثه كذلك أبدًا. وإن استرق مالك المال: فالاسترقاق يزيل الملك الكموت, ففي المال قولان: أحدهما: يغنم فيئًا لبيت المال. والثاني: يكون موقوفًا لا ينتقل إلي وارقه, لأنه حي, ولا إلي مسترقه لأنه مال له أمان, وروعيت حاله بعد الاسترقاق. فإن عتق: دفع المال إليه بقديم ملكه. وإن مات عبدًا: ففي ماله قولان: حكاهما ابن أبي هريرة: أحدهما: يكون مغنومًا لبيت المال فيئًا, ولا يكون موروثًا, لأن العبد لا يورث. والثاني: يكون لورثته, لأنه ملكه في حريته, فانتقل إلي ورثته بحكم الحرية حتى جرى على بقاء ملكه حكم الحرية والله أعلم. مسألة: قال الشافعي ﵁: "وإن ارتد سكران فمات كان ماله فيئًا ولا يقتل إن لم يتب حتى يمتنع مفيقًا, قال المزني: قلت: إن هذا دليل على طلاق السكران الذي لا يميزن أنه لا يجوز". قال في الحاوي: وهذا كما قال: تصح ردة السكران وإسلامه كما يصح عتقه وطلاقه. وقال أبو حنيفة: لا تصح ردته ولا إسلامه, وإن صح عتقه وطلاقه. احتجاجًا: بأن الإسلام والكفر يتعلقان بالاعتقاد المختص بالقلب, لقول الله تعالى: ﴿إلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمَانِ﴾ [النحل ١٠٦]. وليس يصح من السكران اعتقاد يتعلق به كفر وإيمان, فاقتضى أن يكون باطلًا. قال: ولأنه لا عقل له, فوجب أن لا تصح ردته ولا إسلامه كالمجنون. ودليلنا: ما انعقد عليه إجماع الصحابة ﵃, من تكليف السكران بما روي: أن عمر بن الخطاب ﵁ شاور الصحابة في حد الخمر, وقال: أرى الناس قد تهافتوا واستهانوا بحده فماذا ترون؟ فقال علي بن أبي طالب ﵇: أرى أن يحد ثمانين, لأنه إذا شرب سكر, وإذا سكر هذي, وإذا هذب افترى, فيحد حد المفري. فوافقه عمر والصحابة ﵃, على هذا, وحدوه حد المفتري ثمانين.

стр. 6200

وجعلوا ما تلفظ به في السكر افتراء ما يتعلق به حد وتعزيز, وذلك من أحكام التكليف. ولو كان غير مكلف لكان كلامه لغوًا وافتراؤه مطرحًا, وإذا صح تكليفه صح إسلامه وردته. ولأن من صح عتقه وطلاقه, صحت ردته وإسلام كالصاحي, ولأن الردة والإسلام لفظ يتعلق به الفرقة فوجب ان يصح من السكران كالطلاق. فأما الجواب عن استدلاله بأنه لا اعتقاد له: فهو أن يجري في أحكام التكليف مجرى من له اعتقاد وتمييز, ولذلك وقع طلاقه وظهاره, ولو عدم التميز ما وقعا كالمجنون. وهو الجواب عن القياس. فصل: وإذا ثبت أن السكران في الردة والإسلام كالصاحي, كما هو في العتق والطلاق كالصاحي فكذلك في جميع الأحكام فيما له, وما عليه وهو مذهب الشافعي وجمهور أصحابه. وذهب أبو علي بن أبي هريرة إلي أنه تجري عليه أحكام الصاحي فيما عليه من الحقوق تغليظًا, ولا تجري عليه أحكام الصاحي فيما له من الحقوق, لأنه يصير تخفيفًا, والسكران مغلظ عليه غير مخفف عنه. فعلى هذا تصلح منه الردة لأنها تغليظ, فأما الإسلام فإن كان بعد ردة لم يصح منه, لأنه تخفيف, وإن كان عن كفر يقر عليه كالذمي يصح منه؛ لأنه تغليظ. وهذا خطأ, لأن السكران سلبه حكم التميز وجب أن يعم كالمجنون, وإن لم يسلبه حكم التميز وجب أن يعم كالصاحي, ولا يصح أن يكون مميزًا في بعض الأحكام وغير مميز في بعضها لتناقضه في المعقول, وفساده على الأصول. فصل: فإذا تقرر ما وصفنا وارتد سكران, جرت عليه أحكام الردة من وجوب قتله وسقوط القود عن قاتله, وتحريم زوجاته, والحجر على أمواله, وإن مات كان ماله فيئًا غير موروث. فأما استتابته من ردته فقد أمر الشافهي بتأخيرها إلي حال صحوه, فاختلف أصحابنا في تأخيرها هل هو على الإيجاب أو الاستحباب. على وجهين بناء على اختلافهم هلى تجري عليه أحكام الصاحي فيما له كما تجري عليه أحكام الصاحي فيما عليه؟ أحد الوجهين: وهو قول أبي إسحاق المروزي والظاهر من مذهب الشافعي أن تأخيرها استحباب, فإن استتابه في حال سكره صحت توبته, وإن قتله قاتل أقيد به, وإن مات كان ماله لورثته. والثاني: أن تأخيرها إلي صحوه واجب, لأنه ربما اعترضه في الردة شبهة يستوضحها بعد إفاقته, فإن استتابه في سكره لم تصح توبته, وكان على أحكام الردة في سقوط القود عن قاتله وانتقال ماله إلي بيت المال فيئًا دون ورثته. فأما المزني فإنه جعل تأخير توبته دليلًا على إبطال طلاقه, وغفل أن ثبوت ردته دليلًا على صحة طلاقه.
следующие страницы →