Полный текст (7 151 стр.). Показаны 6196–6235 · переход к 6201.
стр. 6196
وهذا القول سهو من ابن سريج في تخريجه, إلا أن يكون مذهبًا لنفسه فيفسد بما ذكرناه.
فصل:
فإذا ارتدوا قبل بلوغهم لم يكن لردتهم حكم, وكذلك لو أسلم أولاد أهل دار الحرب قبل البلوغ لم يكن لإسلامهم حكم, ولم يصح من الصبي إسلام ولا ردة. وقال أبو حنيفة: يصح إسلام الصبي وردته ولا يقتل بها.
احتجاجًا: بما روى عن النبي ﷺ أنه قال:" كل مولود يولد على الفكرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه حتى يعرب عن لسانه, فإما شاكرًا وإما كفورا".
فاقتضى أن يكون ما أعرب لسانه عنه من الإسلام أو الردة صحيحًا, ولأنه ممن يصح منه فعل العبادة, فصح منه الإسلام والردة كالبالغ. ودليلنا: قول النبي ﷺ : "رفع القلم عن ثلاث: عن الصبي حتى يحتلم ... ". ورفعه عنه يمنع من أن يجري على اعتقاده حكم. لأنه غير مكلف, فلم يصح منه الاعتقاد لإسلام ولا ردة كالمجنون, ولأن ما لا يستحق به قتل الردة لم يثبت به حكم الردة كسائر الأقوال والأفعال لا تكون ردة.
فأما الجواب عن الخبر: فهو أن إعراب لسانه عنه يكون ببلوغه إن صحت هذه الزيادة. وإما قياسه على البالغ: فلا يصح لوقوع الفرق بينهما في القتل بالردة, فوقع الفرق بينهما في أصل الردة, كما يقع الفرق بينهما في العقود والأحكام.
مسألة:
قال الشافعي ﵁: "ومن ولد للمرتدين في الردة لم يسب لأن آباءهم لم يسبوا".
قال في الحاوي: قد مضى الكلام في أولاد المرتدين قبل الردة. فأما أولادهم بعد الردة: وهم المولودون لهم بعد ستة أشهر فصاعدًا من ردتهم. فإن كان أحد أبويهم مسلمًا: فهم مسلمون لا تجري عليهم أحكام الردة, وكانوا كالمولودين قبل الإسلام على ما قدمناه.
وإن كان أبواهم مرتدين لم يجر عليهم حكم الإسلام بأنفسهم ولا بغيرهم, ففيها قولان:
أحدهما: وهو الأصح المنصوص عليه في هذا الموضع أنه يجرب عليهم حكم الردة, إلحاقًا بآبائهم فلا يجوز سبيهم ولا استرقاقهم كآبائهم.
لكن لا يقتلون إلا بعد بلوغهم وامتناعهم من التوبة فإن ماتوا قبل البلوغ لم يصل عليهم, ولو يورثوا, وكان مالهم فيئًا. فيكونوا على هذا القول موافقين للمولودين قبل
стр. 6197
الردة من وجه: وهو أنهم لا يسبون ولا يسترقون, ومخالفين لهم من وجه: وهو أنه يجري عليهم حكم الردة قبل بلوغهم, ويجري على المولودين حكم الإسلام قبل بلوغهم.
والثاني: أنهم مخالفون لآبائهم, فيكونوا كفارًا لم يثبت لهم حرمة الإسلام لأن آباءهم وصفوا الإسلام فثبتت فيهم حرمته, وهؤلاء لم يولدوا في إسلام آبائهم ولا وصفوه بأنفسهم, فانتفت عنهم حرمة الإسلام بهم وبآبائهم فعلى هذا: يجوز سبيهم واسترقاقهم كأولاد أهل الحرب, لكن لا يجوز أن يقروا بعد الاسترقاق على كفرهم, لدخولهم في الكفر بعد نزول القرآن. ومن أسر منهم بعد البلوغ كان الإمام على خياره فيهم كأهل الحرب بين أربعة أشياء:
قتل أو استرقاق أو فدا أو من. فيكونوا مخالفين للمولودين قبل الردة من وجهين:
أحدهما: أنه لا يجري عليهم حكم الإسلام قبل بلوغهم, وإن جرى حكمه على المولود قبل الردة.
والثاني: أنه يجوز سبيهم واسترقاقهم وإن لم يجز ذلك في المولود قبل الردة.
فصل:
ولا فرق في القولين معًا بين أن يولدوا في دار الإسلام أو في دار الحرب.
وفرق أبو حنيفة بينهما فقال: إن ولدوا في دار الإسلام لم يجز سبيهم ولا استرقاقهم وإن ولدوا في دار الحرب جاز سبيهم واسترقاقهم احتجاجًا: بقول النبي ﷺ : "منعت دار الإسلام ما فيها وأباحت دار الشرك ما فيها".
قال: ولأن الذمي إذا نقض عهده لم يجز أن يسترق في دار الإسلام, وجاز أن يسترق في دار الحرب كذلك ولو المرتد.
ودليلنا في التسوية بين الدارين في حكم الردة: قول النبي ﷺ :"أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله, فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها". ولم يفرق فيهم من الدارين. ولأن حكم الدار معتبر بأهلها فهي تابعة وليست متبوعة, ولأن من لم يجز استرقاقه إذا ولد في دار الإسلام لم يجز استرقاقهم إذا ولد في دار الحرب كالذي أحد أبويه مسلم, ومن جاز استرقاقه إذا ولد في دار الحرب جاز استرقاقه إذا ولد في دار الإسلام كولد الحربيين. فأما الخبر فمحمول على تغليب حكم العموم دون الخصوص.
وأما ناقض الذمة فلم نعتبر نحن ولا هم فيه حكم الولادة, وجاز استرقاقه وسبيه في دار الحرب ولم يجز في دار الإسلام, لأن علينا أن بلغه مأمنه إذا نقض عهده فلذلك ما افترق حكمه في دار الإسلام ودار الحرب وخالف المرتد, لأنه لا يزمنا أن نبلغه مأمنه.
مسألة:
قال الشافعي ﵁: "وإن ارتد معاهدون ولحقوا بدار الحرب وعندنا لهم
стр. 6198
ذراري لم نسبهم وقلنا إذا بلغوا لكم العهد إن شئتم وإلا نبذنا إليكم ثم أنتم حرب".
قال في الحاوي: وصورتها: في قوم من أهل العهد أقاموا في دار الإسلام بأمان عقده الإمام لهم على نفوسهم وذراريهم وأموالهم, ثم نقضوا العهد, ولحقوا بدار الحرب, وخلفوا أموالهم وذراريهم في دار الإسلام, زال الأمان عنهم, وصاروا حربًا يقتلون إذا قدر عليهم, كان الأمان باقيًا في ذراريهم وأموالهم, لا يجوز أن تسبى الذراري ولا تغنم الأموال, وإن كانوا في عقد الأمان تبعًا. لأن الأمان قد يجوز أن يعقده الحربي لماله دون نفسه, بأن يكون في دار الحرب فيأخذ أمانًا لمال يحمله إلي دار الإسلام لتجارة أو وديعة فيكون المالك حربًا يجوز أن يقتل, ويكون ماله سلمًا لا يجوز أن يغنم.
ويجوز أن يأخذ الأمان لنفسه دون ماله, فيكون المالك سلمًا لا يجوز أن يقتل, ويكون المال سبيًا يجوز أن يغنم.
وكذلك حكمه مع ذريته يجوز أن يأخذ الأمان له دونهم ولهم دونه, فإذا اشتمل عقد أمانه على نفسه وذريته وماله, ثم نقض أمانه ولحق بدار الحرب زال أمان نفسه وبقي أمان ذريته وماله لا تسبي الذرية ولا يغنم المال.
ولو أخرج معه حين لحق بدار الحرب ذريته وماله, انتقض أمان له وذريته, وجاز غنيمته ماله واسترقاق ذريته, لأن إخراجهما معه نقض لأمانهما وأمانه. ولو خلفها لقي أمانهما مع زوال أمانه.
فصل:
فإذا تقرر أن نقض أمانه لا يكون نقضًا لأمان ما خلفه من ذريته وماله, فسواء حاربنا بعد لحوقه بدار الحرب أو كف عنا يجب علينا حفظ ذريته وماله, وتقر الذرية إلي أن يبلغوا, سواء كان المعاهد حيًا أو ميتًا. فإذا بلغوا: خيرهم الإمام بين المقام في دار الإسلام وبين العود إلي دار الحرب, فإن اختاروا العود إلي دار الحرب لزمه أن يبلغهم مأمنهم, ثم يكونوا بعد بلوغهم حربًا وإن اختاروا المقام في دار الإسلام أقرهم فيها على إحدى حالتين: إما بجزية يبذلونها أو بعهد يستأنفونه, لأن أمانهم بالعهد مقدر بعد البلوغ, وغير مقدر قبل البلوغ فيجوز أمانهم قبل البلوغ بسنين كثيرة, ولا يجوز أن يبلغ أمانهم بعد البلوغ سنة, لأنهم قبل البلوغ من غير أهل الجزية, وهم بعد البلوغ من أهلها.
وأما ماله: فمقر على ملكه ما بقي حيًا على حريته, وله إن تغيرت حاله حالتان:
إحداهما: أن يموت.
والثانية: أن يسترق.
فإن مات أو قتل: ففي ماله قولان:
أحدهما: يغنم فيئًا لبيت المال, لاختصاصه بالأمان على ماله دون ورثته.
والثاني: يكون موروثًا عنه لورثته من أهلي الحرب دون أهل الذمة, لأن أهل الذمة
стр. 6199
وأهل الحرب لا يتوارثون لارتفاع الموالاة بينهم, وإنما كان ماله باقيًا على ورثته, لأنهم يقومون فيه مقامه, فانتقل إليهم بحقوقه والأمان من حقوق المال فصار موروثًا كالمال, فإن مات الوارث انتقل إلي وارثه كذلك أبدًا.
وإن استرق مالك المال: فالاسترقاق يزيل الملك الكموت, ففي المال قولان:
أحدهما: يغنم فيئًا لبيت المال.
والثاني: يكون موقوفًا لا ينتقل إلي وارقه, لأنه حي, ولا إلي مسترقه لأنه مال له أمان, وروعيت حاله بعد الاسترقاق.
فإن عتق: دفع المال إليه بقديم ملكه. وإن مات عبدًا: ففي ماله قولان: حكاهما ابن أبي هريرة:
أحدهما: يكون مغنومًا لبيت المال فيئًا, ولا يكون موروثًا, لأن العبد لا يورث.
والثاني: يكون لورثته, لأنه ملكه في حريته, فانتقل إلي ورثته بحكم الحرية حتى جرى على بقاء ملكه حكم الحرية والله أعلم.
مسألة:
قال الشافعي ﵁: "وإن ارتد سكران فمات كان ماله فيئًا ولا يقتل إن لم يتب حتى يمتنع مفيقًا, قال المزني: قلت: إن هذا دليل على طلاق السكران الذي لا يميزن أنه لا يجوز".
قال في الحاوي: وهذا كما قال: تصح ردة السكران وإسلامه كما يصح عتقه وطلاقه.
وقال أبو حنيفة: لا تصح ردته ولا إسلامه, وإن صح عتقه وطلاقه.
احتجاجًا: بأن الإسلام والكفر يتعلقان بالاعتقاد المختص بالقلب, لقول الله تعالى: ﴿إلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمَانِ﴾ [النحل ١٠٦].
وليس يصح من السكران اعتقاد يتعلق به كفر وإيمان, فاقتضى أن يكون باطلًا.
قال: ولأنه لا عقل له, فوجب أن لا تصح ردته ولا إسلامه كالمجنون.
ودليلنا: ما انعقد عليه إجماع الصحابة ﵃, من تكليف السكران بما روي: أن عمر بن الخطاب ﵁ شاور الصحابة في حد الخمر, وقال: أرى الناس قد تهافتوا واستهانوا بحده فماذا ترون؟
فقال علي بن أبي طالب ﵇: أرى أن يحد ثمانين, لأنه إذا شرب سكر, وإذا سكر هذي, وإذا هذب افترى, فيحد حد المفري.
فوافقه عمر والصحابة ﵃, على هذا, وحدوه حد المفتري ثمانين.
стр. 6200
وجعلوا ما تلفظ به في السكر افتراء ما يتعلق به حد وتعزيز, وذلك من أحكام التكليف. ولو كان غير مكلف لكان كلامه لغوًا وافتراؤه مطرحًا, وإذا صح تكليفه صح إسلامه وردته. ولأن من صح عتقه وطلاقه, صحت ردته وإسلام كالصاحي, ولأن الردة والإسلام لفظ يتعلق به الفرقة فوجب ان يصح من السكران كالطلاق.
فأما الجواب عن استدلاله بأنه لا اعتقاد له: فهو أن يجري في أحكام التكليف مجرى من له اعتقاد وتمييز, ولذلك وقع طلاقه وظهاره, ولو عدم التميز ما وقعا كالمجنون. وهو الجواب عن القياس.
فصل:
وإذا ثبت أن السكران في الردة والإسلام كالصاحي, كما هو في العتق والطلاق كالصاحي فكذلك في جميع الأحكام فيما له, وما عليه وهو مذهب الشافعي وجمهور أصحابه. وذهب أبو علي بن أبي هريرة إلي أنه تجري عليه أحكام الصاحي فيما عليه من الحقوق تغليظًا, ولا تجري عليه أحكام الصاحي فيما له من الحقوق, لأنه يصير تخفيفًا, والسكران مغلظ عليه غير مخفف عنه. فعلى هذا تصلح منه الردة لأنها تغليظ, فأما الإسلام فإن كان بعد ردة لم يصح منه, لأنه تخفيف, وإن كان عن كفر يقر عليه كالذمي يصح منه؛ لأنه تغليظ. وهذا خطأ, لأن السكران سلبه حكم التميز وجب أن يعم كالمجنون, وإن لم يسلبه حكم التميز وجب أن يعم كالصاحي, ولا يصح أن يكون مميزًا في بعض الأحكام وغير مميز في بعضها لتناقضه في المعقول, وفساده على الأصول.
فصل:
فإذا تقرر ما وصفنا وارتد سكران, جرت عليه أحكام الردة من وجوب قتله وسقوط القود عن قاتله, وتحريم زوجاته, والحجر على أمواله, وإن مات كان ماله فيئًا غير موروث. فأما استتابته من ردته فقد أمر الشافهي بتأخيرها إلي حال صحوه, فاختلف أصحابنا في تأخيرها هل هو على الإيجاب أو الاستحباب. على وجهين بناء على اختلافهم هلى تجري عليه أحكام الصاحي فيما له كما تجري عليه أحكام الصاحي فيما عليه؟
أحد الوجهين: وهو قول أبي إسحاق المروزي والظاهر من مذهب الشافعي أن تأخيرها استحباب, فإن استتابه في حال سكره صحت توبته, وإن قتله قاتل أقيد به, وإن مات كان ماله لورثته.
والثاني: أن تأخيرها إلي صحوه واجب, لأنه ربما اعترضه في الردة شبهة يستوضحها بعد إفاقته, فإن استتابه في سكره لم تصح توبته, وكان على أحكام الردة في سقوط القود عن قاتله وانتقال ماله إلي بيت المال فيئًا دون ورثته.
فأما المزني فإنه جعل تأخير توبته دليلًا على إبطال طلاقه, وغفل أن ثبوت ردته دليلًا على صحة طلاقه.
стр. 6201
فصل:
وإذا ارتد عاقل ثم جن لم يستتب في جنونه, لأن المجنون لا يصح من استلام ولا ردة, ولم يقتل حتى يفيق من جنونه. ولو جن بعد وجوب القصاص عليه: قتل قبل إفاقته.
والفرق بينهما حيث منع الجنون من قتل الردة ولم يمنع من قتل القود: أن له إسقاط قتل الردة عن نفس توبته بعد إفاقته فأخر إليها, وليس له إسقاط قتل القود عن نفسه بحال فلم يؤخر إلي إفاقته.
مسألة:
قال الشافعي ﵁: "ولو شهد عليه شاهدان بالردة فأنكره قيل إن أقررت بأن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله وتبرأ من كل دين خالف دين الإسلام يكشف عن غيره".
قال في الحاوي: إذا شهد شاهدان على رجل بالردة لم تسمع شهادتهما عليه مطلقة, حتى يصفا ما سمعاه من قوله الذي يصير به مرتدًا, وسواء كانا من أهل العلم أو لو يكونا من أهله, لاختلاف الناس فيه, كما لا تسمع شهادتهما بالجرح حتى يصفا ما يكون به مجروحًا.
فإذا ثبتت الشهادة سألناه ولم يعرض لقتله قيل سؤاله, لجاوز أن يكون قد تاب منها أو سيتوب فلو قتله قاتل قبل سؤاله عزر ولا قود عليه ولا دية, لثبوت ردته إلا أن يقيم وليه البينة أنه تاب من ردته فيحكم بإسلامخ, ويسأل القاتل, فإن علم بإسلامه, وجب عليه القود. وإن لم يعلم بإسلامه, ففي وجوب القود وجهان:
أحدهما: لا قود عليه, وعليه الدية, لأن تقدم ردته شبهة.
والثاني: عليه القود, لأنه عمد قتل نفس محظورة.
وإذا كان باقيًا بعد الشهادة عليه بالردة وسئل عنها لم يخلو جوابه من اعتراف بها أو إنكار لها.
فإن اعترف بها استتبناه, فإن تاب وإلا قتلناه وإن أنكرها قيل له: إنكارك لها مع قيام البيئة بها تكذيب لشهود عدول, لا ترد شهادتهم بالتكذيب, وليس يلزمك الإقرار بها, ولك المخرج من شهادتهم بإظهار الإسلام. فإذا أزهره: زالت عنه الردة وجرى عليه حكم الإسلام. فقد شهد شهود عند رسول الله ﷺ على قول من المنافقين بكلمة الكفر, فأحضرهم وسألهم, فمنهم من اعترف وتاب, ومنهم من أنكر وأظهر الإسلام, فكف عن الفريقين, وأجرى على جميعهم حكم الإسلام.
فإذا أظهر المشهود عليه الإسلام على ما سنذكره قال الشافعي: لم يكشف عن
стр. 6202
غيره, ويحتمل ذلك منه تأويلين:
أحدهما: لم يكشف عما شهد به الشهود من ردته.
والثاني: لم يكشف عن باطن معتقده, لأن ضمائر القلوب لا يؤاخذ بها إلا علام الغيوب.
روي أن عمر بن الخطاب ﵁ ارتاب برجل في الردة, فأظهر الإسلام, فقال له عمر: أظنك متعوذ به. فقال يا أمير المؤمنين أما لي في الإسلام معاذ. فقال له عمر: بلى إن لك في الإسلام لمعاذ.
فصل:
فأما توبة المرتد: فتتضمن ما يصير به الكافر مسلمًا؛ لأن الردة قد رفعت عنه حكم الإسلام, فيشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله.
قال الشافعي: ويبرأ من كل دين خالف الإسلام, فذكر مع الشهادتين البراءة من كل دين خالف الإسلام, فأما الشهادتان: فواجبتان لا يصح إسلامه إلا بهما. وأما التبري من كل دين خالف الإسلام فقد اختلف أصحابنا فيه على ثلاثة أوجه:
أحدهما: أنه شرط في إسلام كل كافر ومرتد كالشهادتين.
والثاني: أنه استحباب في إسلام كل كافر ومرتد كالاعتراف بالبعث والجزاء.
والثالث: وقد أفصح به الشافعي في كتاب الأم, أنه إن كان من عبدة الأوثان ومنكري النوبات كالأميين من العرب كان التبري من كل دين خالف الإسلام مستحبًا.
وإن كان من أهل كتاب يعترفون بالنبوات, أن محمدًا ﷺ نبي مبعوث إلي قومه كان التبري من كل دين خالف الإسلام واجبًا لا يصح إسلامه لا بذكره.
فإذا ثبت ما ذكرنا من شروط الإسلام المعتبرة في توبة المرتد, نظر في ردته, فإن كانت بجحود الإسلام, صحت توبته بما ذكرنا من شروطه.
وإن كانت ردته بجحود عبادة من عباداته كالصلاة والصيام والزكاة والحج مع اعترافه بالشهادتين وصحة الإسلام, اعتبر في صحة توبته بعد شروط الإسلام الاعتراف بما جحده من الصلاة والصيام والزكاة, لأنه قد صار مرتدًا مع اعترافه بالشهادتين فلم تزل عنه الردة بهما حتى يعترف بما صار مرتدًا بجحوده, ولا يجزيه الاقتصار على الاعتراف بما جحده عن إعادة الشهادتين.
لأنه قد جرى عليه حكم الكفر بالردة, فلزمه إعادة الشهادتين ليزول بهما حكم الكفر, ولزمه الاعتراف بما جحده ليزول به حكم الردة.
وهكذا لو صار مرتدًا باستحلال الزنى واستباحة الخمر, كان من صحة توبته الاعتراف بتحريم الزنى وحظر الخمر.
ولكن لو صار مرتدًا بسب رسول الله ﷺ , كان الاعتراف بنوبته في الشهادتين مقنًعا في
стр. 6203
صحة توبته, ولا يفتقر إلي الاعتراف بحظر سبه, لأن في الاعتراف بنوبته اعترفًا بحظر سبه.
فصل:
فأما المكره على الكفر والردة بالقتل, فموسع له بين الإمساك عن كلمة الكفر والصبر على القتل وبين التلفظ بكلمة الكفر استدفاعًا للقتل. فقد أكرهت قريش بمكة عمار بن ياسر وأبويه على الكفر, فامتنع منه أبواه فقتلا, وتلفظ عمار بالكفر فأطلق فأخبر رسول الله ﷺ فعذر عمارًا وترحم على أبويه.
وقيل: إنه نزل فيه: ﴿إلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمَانِ﴾ [النحل ١٠٦].
فإن قيل: فأي الأمرين أولى به؟
قيل: يختلف باختلاف حال المكره.
فإن كان ممن يرجى منه النكاية في العدو أو القيام بأحكام الشرع, فالأولى به أن يستدفع القتل بإظهار كلمة الكفر, وإن كان ممن يعتريه من ضعف بصيرته في الدين, أو يمتنع به من أراد الإسلام من المشركين, فالأولى به الصبر على القتل والامتناع من إظهار كلمة الكفر, وروي عن النبي ﷺ أنه قال: "إن في الجنة لقصرًا لا يسكنه إلا نبي أو صديق أو محكم في نفسه". فقيل: إن المحكم هو الذي يخير بين الكفر والقتل, فيختار القتل على الكفر, فإن تلفظ بكلمة الكفر, فله في التلفظ بها ثلاثة أحوال:
إحداهن: أن يتلفظ بلسانه وهو معتقد للإيمان بقلبه, فهو على إسلامه, وليس لتلفظه حكم إلا استدفاع القتل, لقول الله تعالى: ﴿إلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمَانِ﴾ [النحل ١٠٦] أي يسقط حكم الإكراه بالاعتقاد.
والثالثة: أن يتلفظ بلسانه مطلقًا من غير أن يقترن به اعتقاد إيمان ولا كفر, ففيه وجهان:
أحدهما: يكون على إسلامه, لأن ما حدث من الإكراه معفو عنه.
والثاني: أن يكون مرتدًا حتى يدفع حكم لفظه بمعتقده, لأنه لا عذر له في تركه.
وهكذا المكره على الطلاق, تعتبر فيه هذه الأحوال الثلاث في لفظه ومتعقده.
فصل:
وإذا تلفظ مسلم بكلمة الكفر, فإن كان في دار الإسلام حكم بردته, إلا أن يعلم أنه قالها مكرهًا, وإن كان في دار الحرب لم يحكم بردته إلا أن يعلم أنه قالها مختارًا؛ لأن الظاهر منها في دار الإسلام وهو يخاف الكفر ويأمن الإسلام, أنه قالها عياذًا واعتقادًا. والظاهر منها في دار الحرب وهو يخاف الإسلام ويأمن الكفر أنه قالها تقية واستدفاعًا.
стр. 6204
وعلى هذا: لو أظهرها ومات فادعى ورثته أنه كان مكرهًا عليها فلهم ميراثه.
فإن كان في دار الحرب القول قولهم مع إيمانهم, أنه كان مكرهًا عليها لأنه الظاهر من حاله ولهم ميراثه. وإن كان في دار الإسلام لم تقبل دعواهم وحكم وكان ماله فيئًا, لأنه الظاهر من حاله.
فصل:
وإذا شرب الخمر وأكل الخنزير لم يصر بذلك مرتدًا, سواء كان ذلك منه في دار الإسلام أو في دار الحرب.
لأنه لا يصير مرتدًا إلا باستحلاله دون أكله, فيسأل عنه إذا أكله في دار الحرب, ولا يسأل عنه إذا أكله في دار الإسلام لنه أكله في دار الحرب أقرب إلي استحلاله من أكله في دار الإسلام.
فلو مات قبل سؤاله, فقال بعض ورثته: أكله مستحلًا, فهو كافر. وقال بعضهم: أكله غير مستحل, فهو مسلم, فلمن أقر بأنه أكله غير مستحل ميراثه من استصحابًا لإسلامه فأما ميراث من أقر بأنه أكل مستحلًا ففيه قولان:
أحدهما: نص عليه في كتاب الأم, أنه يكون موقوفًا حتى يكشف عن حاله, لا يقط ميراثه منه, لأنه مقر على غيره.
والثاني: حكاه الربيع وختاره المزني أنه يسقط ميراثه منه, ولو يوقف على الكشف, لأنه مقر على غيره بالكفر, وعلى نفسه بسقوط الإرث, فنفذ إقراره على نفسه وإن لم ينفذ على غيره.
فصل:
فإذا صلى المرتد قبل ظهور توبته: قال الشافعي في كتاب الأم: إن صلى في دار الإسلام لم يحكم بإسلامه, وإن صار في دار الحرب حكم بإسلامه وفرق أصحابنا بينهم من وجهين:
أحدهما: إن الظاهر من فعلها في دار الإسلام التقية, وفي دار الحرب الاعتقاد.
والثاني: أنه يقدر في دار الإسلام على الشهادتين, فلم يصر ملسمًا بالصلاة, ولا يقدر في دار الحرب على الشهادتين فصار مسلمًا بالصلاة وفي هذا نظر لأنه لو صارت الصلاة إسلامًا للمرتد, لصارت إسلامًا للحربي.
مسألة:
قال الشافعي ﵁: "وما جرح أو أفسد في ردته أخذ به".
стр. 6205
قال في الحاوي: لا يخلو ما أتلفه المرتد على المسلمين في حال ردته من أن يكون منفردًا أو في جماعة.
فإن كان مفردًا أو في جماعة لا يمتنع بهم فحكمه حكم المنفرد, عليه أحكامه وضمان ما أتلفه عليهم من نفس ومال لأن إسلامه قد أوجب عليه التزام أحكامه, وهو يضمنها قبل الردة, فلم يسقط عنه ضمانها بالردة, لأنها زادته تغليظًا لا تخفيفًا.
وإن كان في جماعة ممتنعة عن الإمام ولم يصل إليهم إلا بالقتال, فما أتلفوه في غير القتال ضمنوه, وما أتلفوه في القتل ففي ضمان أهلي البغي قولان:
فأما أهل الردة فقد اختلف أصحابنا فيهم:
فذهب أبو حامد الإسفراييني وأكثر البغداديين إلي أن في وجوب ضمانهم قولان كأهل البغي:
أحدهما: يضمنون كما يضمن المحاربون في قطع الطريق.
والثاني: لا يضمنون كما لا يضمن المشركون.
وذهب أبو حامد المروزي وأكثر البصريين إلي أنهم يضمنون قولًا واحدًا, وإن كان في ضمان أهلى البغي قولان, للفرق بينهما: بأن لأهل البغي إمامًا تنفذ أحكامه, وليس لأهل الردة إمام ينفذ له حكم.
مسألة:
قال الشافعي ﵁: "وإن جرح مرتدًا ثم جرح مسلمًا فمات فعلى من جرحه مسلمًا نصف الدية".
قال في الحاوي: وهذه مسألة مضت في كتاب الجنايات.
وذكرنا أنه إذا جرحه مسلم في حال ردته ثم أسلم فجرحه آخر بعد إسلامه ومات فجرحه في الردة هدر لا يضمنه الجارح بقود ولا دية.
وجرحه في حال إسلامه مضمون بالدية دون القود, فيجب على الجارح نصف الدية, لأنه قد صار أحد القاتلين.
فلو عاد الأول فجرحه مع الثاني جرحًا ثانيًا, وجب على الثاني نصف الدية, وعلى الأول ربعها, لأن نصف فعله هدر والله أعلم.
تم الجزء الثاني عشر
ويليه إن شاء الله الجزء الثالث عشر
وأوله: كتاب الحدود
стр. 6206
بحر المذهب
في فروع المذهب الشافعي
تأليف
العلامة القاضي فخر الإسلام شيخ الشافعية
الإمام أبي المحاسن عبد الواحد بن إسماعيل الروياني
المتوفى سنة ٥٠٢ هـ
تحقيق
طارق فتحي السيد
الجزء الثالث عشر
يحتوي على الكتب التالية:
الحدود - السّرقة - قُطّاع الطريّق - الأشربة - السير - الجزية
دار الكتب العلمية
DKI
стр. 6207
كتاب الحدود
مسألة: قال: رجم رسول الله ﷺ يهوديين زنيا.
قيل: سميت حدودًا لأن الله تعالى حدها وقدرها فلا يجوز لأحد أن يتجاوزها قاله أبو محمد بن قتيبة، وقيل لأنها تمنع من الإقدام على ما يوجبها مأخوذ من حد الدار لأنه يمنع من مشاركة غيرها فيها، وسمي الحديد حديدًا لأنه يمتنع به. واعلم أن الشافعي ﵁ بدأ في الحدود بحد الزنا لأنه أغلظ الحدود وأشدها، والحدود نوعان أحدهما: بالجلدات المعدودة، والثاني: بغيرها فما ليس بالجلدات فهو بالقطع في السرقة، والرجم في الزنا، والقتل بالردة، والقطع في قطع الطريق. وما هو بالجلد فثلاثة حدود حد الزنا مائة جلدةٍ، وحد القذف ثمانون جلدةً، وحد الخمر أربعون جلدة، وهذه الحدود الثلاثة تنتصف للرق وفي القسم الأول يستوي العبد والحر إلا الرجم فإنه لا يرجم العبد بحال لأنه بني على الكمال ولا كمال مع الرق.
واعلم أن في ابتداء الإسلام كان الحكم في الزاني أن يحبس في بيت إلي الممات إن كان ثيبًا لقوله تعالى: ﴿واللاَّتِي يَاتِينَ الفَاحِشَةَ مِن نِّسَائِكُمْ﴾ [النساء:١٥] إلى قوله ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي البُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ المَوْتُ﴾ [النساء: ١٥] وإن كان بكرًا كان الحكم الأذى وهو التعزير والسب والتوبيخ لقوله تعالى [١/أ] ﴿والَّلذَانِ يَاتِيَانِهَا مِنكُمْ فَآذُوهُمَا﴾ [النساء:١٦] الآية. وإنما حملنا الآية الأولى على الثيب، والثانية على البكر لأنه قال: (من نسائكم) وهذه إضافة زوجية، كقوله تعالى ﴿يُؤْلُونَ مِن نِّسَائِهِمْ﴾ [البقرة:٢٢٦] ولا فائدة في إضافة ذلك إلي الزوجات إلا اعتبار الشابة ولأنه ذكر عقوبتين إحداهما أغلظ وهو الحبس إلي الموت، والثانية: الأذى والأذى أخف فكانت الأغلظ للثيب، وحكي عن أبي الطيب بن سلمة أنه قال: أراد بالنساء الأبكار وأراد بالإضافة الجنس حدهن وجعل الأذى عقوبة للرجال لأن قوله: (بينكم) يقتضي الرجال، وقيل أراد بالأذى الذكور في قوله تعالى: ﴿فَآذُوهُمَا﴾ [النساء:١٦] الحبس المذكور أولًا وإنما أعاده ليتبين حكم التوبة كما بين في الآية الأولى تأبيد الحبس إلي الوفاة (وإلى) أن
стр. 6208
ينسخه الله تعالى ثم نسخ ذلك بقوله تعالى ﴿الزَّانِيَةُ والزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِّنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور:٢]، ولم يفصل بين البكر والثيب. وروى عبادة بن الصامت ﵁ أن النبي ﷺ قال: "خذوا عني خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلًا البكر بالبكر جلد مائةٍ وتغريب عام والثيب بالثيب جلد مائةٍ والرجم". واعلم أنه ثبت بهذه السنة وبما روي عن عمر ﵁ أنه قال: لولا أن يقول الناس زاد عمر في كتاب الله تعالى لكتبت على حاشية المصحف "الشيخ والشيخة إذا زنيا فاجلدوهما البتة نكالًا من الله [١/ب] إن الله عزيز حكيم وكنا نقرأها على عهد رسول الله ﷺ وقيل: إن هذا من جملة ما نسخت تلاوته وبقي حكمه وقد ثبت فعل الرجم عن رسول الله ﷺ في خبر ماعز والغامدية واليهوديين. ورجم عمر وعلي ﵄. فإن قال قائل: لا يجوز نسخ القرآن بالسنة وأنتم قلتم: نسخ حكم الزاني في كتاب الله تعالى بالرجم ولم يثبت الرجم إلا بالسنة وأخبار الآحاد. قيل: أما على قول أبي الطيب ابن سلمة فالآية وردت في الأبكار وورد الرجم في الثيب.
وأما على طريقة غيره فقول السنة الواردة في الرجم مبينةٌ للقرآن وليست بناسخةٍ، لأن النسخ إنما يكون في حكم ظاهر الإطلاق. أما إذا كان مشروطًا وزال الشرط لا يكون نسخًا وقد قال تعالى: ﴿أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً﴾ [النساء:١٥] وقد وردت السنة مبينة للسبيل وهذا كما لو قال: احبسوهن عشر سنين فانقضت لا يكون انقضاؤها نسخًا، وقيل: لم يجعل الله تعالى الحبس حدهن بقوله: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي البُيُوتِ﴾ [النساء:١٥] وإنما أمر بحبسهن ليتبين حدهن ثم تعين بالسنة، وقيل: الرجم ثبت بالقرآن الذي نسخت تلاوته على ما ذكرنا ولهذا قال ﷺ في خبر العسيف: "لأقضين بينكما بكتاب الله تعالى واغد يا أنيس على امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها" وقيل ما ذكرنا من الأخبار والإجماع عن الصحابة كالتواتر ويجوز نسخ القرآن بمثله. [٢/أ] واعلم أنه لا يخالف في ثبوت رجم الزاني إلا الخوارج فإنهم لا يقولون به بناءًا على أصلهم الفاسد: إن الأحكام لا تثبت إلا بنص الكتاب أو بأخبار التواتر.
ثم اعلم أن الثيب إذا زنا يرجم ولا يجلد ونريد بالثيب المحصن، وقال داود وأهل الظاهر: يجلد مائة ثم يرجم وبه قال أحمد وإسحاق وابن المنذر. وروي عن البصري كخبر عبادة بن الصامت. ودليلنا "أن رسول الله ﷺ رجم يهوديين زنيا" ولم ينقل أنه جلدهما ورجم ماعزًا حين اعترف بالزنا ولم يجلده وأما خبرهم فصار منسوخًا بفعل
стр. 6209
النبي ﷺ على ما ذكرنا أو بحمله على ما لو زنا بكرًا ثم زنا ثيبًا يجلد ويرجم في أحد الوجهين لأنهما حدان مختلفان ذكره أصحابنا. فإن قيل: روي عن علي ﵁ أنه جلد شراحة الغمدانية يوم الخميس ورجمها يوم الجمعة، وقال: جلدتها بكتاب الله تعالى ورجمتها بسنة رسول الله ﷺ قيل: رواه الشعبي مرسلًا وقد خالفه عمر ﵁، أو يحمل على ما ذكرنا.
مسألة: قال: وجلد النبي ﷺ بكرًا مائة وغربه عامًا.
إذا زنا البكر من الرجال أو النساء جلد مائة جلدةٍ ويغرب عن بلده سنةً وكلاهما يحبان على طريق الحق، وروي ذلك عن الخلفاء الأربعة الراشدين ﵃ والأوزاعي والثوري وابن أبي ليلى وأحمد، وقال أبو حنيفة: الجلد هو الحد والتغريب ليس بجد بل هو موكول إلي اجتهاد الإمام فيغربه تعزيرًا ولا يتقدر بمقدار والمعروف أنه يغرب من بيته إلي الحبس ومنهم من قال: يغرب عن بلده وهو المشهور وبه قال حماد واحتجوا بأن الله تعالى قال: ﴿فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِّنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور:٢] ولم يذكر التغريب، وقال مالك: يحد الرجل ويغرب، والمرأة تجلد ولا تغرب واحتج بأن المرأة عورةٌ تحتاج إلي حفظ وصيانة والتغريب يمنع ذلك وهذا خطأ لما روى أبو هريرة وزيد الجهني أن رجلين اختصما إلي رسول ﷺ فقال أحدهما: يا رسول الله اقض بيننا بكتاب الله وأذن لي أن أتكلم قال: تكلم قال: إن ابني كان عسيفًا على هذا فزنا بامرأته فأخبروني أن على ابني الرجم فافتديت منه بمائة شاةٍ وبجاريةٍ لي، ثم إني سألت أهل العلم فأخبروني أن على ابني جلد مائة وتغريب عام وإنما الرجم على المرأة فقال رسول الله ﷺ : "أما والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب الله، أما غنمك وجاريتك فرد عليك وجلد ابنه مائة جلدة وغربه عامًا. وأمر أنيسًا الأسلمي أن يأتي امرأة الآخر فإن اعترفت رجمها فاعترفت فرجمها" وهذا نص في وجوب التغريب. والعسيف الأجير.
وقوله ﷺ : "لأقضين بينكما بكتاب الله" معناه لأقضين بينكما بما فرضه الله وأوحاه إذ ليس في كتاب الله تعالى ذكر الرجم منصوصًا، وقيل: الرجم، إن لم يكن منصوصًا باسمه الخاص فهو مذكور في الكتاب على سبيل الإجمال فإن الله تعالى قال: ﴿فَآذُوهُمَا﴾ [النساء:١٥] واسم الأذى عام في الرجم وغيره، وقيل: الأصل في ذلك قوله تعالى: ﴿أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً﴾ [النساء:١٥] فضمن الكتاب أن يكون لهن سبيل فيما بعد ثم جاء بيانه في الخبر وهو ما ذكرنا من خبر عبادة: "خذوا عني قد
стр. 6210
جعل الله لهن سبيلًا" الخبر، وقيل: كان في كتاب الله متلوًا فنسخت التلاوة على ما ذكرنا من خبر عمر، وفيه دليل أن الرجم لا يجب إلا على المحصن. وفيه دليل أن للحاكم أن يبدأ بسماع كلام أي الخصمين شاء، وفيه أن الصلح الفاسد منقوص وما يؤخذ يرد إلي صاحبه، وفيه: أنه لم ينكر عليه قوله: فسألت رجالًا من أهل العلم ولم يعب الفتوى عليهم في زمانه. وفيه: أنه لا يجمع بين الجلد والرجم، وفيه دليل أن لما جاء مستفتيًا من ابنه أنه زنا بامرأته لم يجعله قاذفًا لها. وفيه: أنه لم يوقع الفرقة بينهما وبين زوجها بالزنا. وفيه: أنه لا يعتبر التكرار في الاعتراف بالزنا وفيه جواز الوكالة في إقامة الحدود. وفيه: أنه لا يجب على الإمام حضور المرجوم بنفسه وفيه جواز الإجازة وفيه وجوب قبول خبر الواحد وأيضًا خبر عبادة بن الصامت. وأيضًا روي عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال فيمن زنا ولم يحصن: "ينفى عامًا من المدينة مع إقامة الحد عليه" [٣/ب] قال ابن شهاب: وكان عمر ﵁ ينفي من المدينة إلي البصرة وإلي خيبر، وروي عن أبي بكر الصديق ﵁ أنه أتى برجل وقع على جاريةٍ فأحبلها ثم اعترف على نفسه أنه زنا ولم يكن أحصن فأمر به أبو بكر فجلد الحد، ثم نفي إلي فدك وروي أنه جلده ونفاه عامًا وروى نافع عن ابن عمر ﵁ أن النبي ﷺ ضرب وغرب، وأن أبا بكر ضرب وغرب وأن عمر ضرب وغرب، وقال الشعبي: جلد علي ﵁ الزاني ونفى من البصرة إلي الكوفة أو قال: من الكوفة إلي البصرة، وأما الآية فليس فيها نفي التغريب فأثبتناه بخبرنا، وأما ما قال مالك فلا يصح لأن ما كان حدًا للرجل كان حدًا للمرأة كالجلد وكونها عورة لا يمنع ذلك كما يلزمها الحج وسفر الهجرة.
فرع
حد التغريب أن يخرجه من بلده أو قريته التي زنا فيها إلي مسافةٍ تقصر إلي مثلها الصلاة حتى يصير في حكم المسافرين نص عليه لأن ما دون ذلك في حكم الإقامة في الموضع الذي كان فيه ومن أصحابنا من قال: يغربه إلي حيث ينطلق عليه اسم الغربة ويلحقه في المقام به مشقة ووحشة، وإن كان في جوار البلد لأنه المقصود وهو اختيار ابن أبي هريرة.
стр. 6211
فرع آخر
لو رأى الإمام أن يريد في مسافة التغريب على مسافة القصر جاز لأن عمر ﵁ غرب إلي الشام وغرب عثمان ﵁ [٤/أ] إلي مصر. وإن رأى أن يزيد على سنة لم يكن له ذلك لأن السنة منصوص عليها والمسافة مجتهد.
فرع آخر
في أول السنة وجهان أحدهما: من وقت إخراجه من بلده لأنه أول سفره، والثاني: بعد حصوله في مكان التغريب فوجهان من وقت مفارقته لأبنية الوطن واعتزال الأهل أنه حد التغريب، والثاني: أنه من مسافة القصر إذا قلنا إنه حد التغريب.
فرع آخر
الإمام بالخيار بين أن يعين البلد الذي يغرب إليه فيلزمه المقام فيه وتصير تلك البلدة كالحبس له، وبين أن لا يعين البلد فيجوز له إذا تجاوز مسافة التغريب أن يقيم في أي بلد شاء وينتقل إلي أي بلد شاء سوى البلد الذي زنا فيه، ومن أصحابنا من قال: يعين له البلد حتى يكون فيه إلي انقضاء السنة حتى تكون كالحبس ولا يأذن له في الانتقال في هذه المدة.
فرع آخر
قال أصحابنا: إذا انقضت المدة فهو بالخيار بين الإقامة، وبين العود إلي موضعه، وقال في "الحاوي": إن كان البلد الذي غرب إليه معينًا لم يعد إلا بإذن الإمام، فإن عاد من دون إذنه غرب كما لو خرج من الحبس من دون إذنه، وإن كان البلد غير معين جاز أن يعود بإذن وغير إذن، وإن كان الأولى أن لا يعود إلا بإذن.
فرع آخر
لو عاد إلي وطنه قبل السنة عزر وأخرج ويبنى على ما تقدم ولا يحتسب [٤/ب] مدة مقامه في بلده.
فرع آخر
لا يجوز أن يحبس في تغربه إلا أن يتعرض للنساء وإفسادهن فيحبس كفًا عن الفساد.
فرع آخر
مؤونة تغريبه في بيت المال، فإن لم يكن ببيت المال مال ففي ماله ومؤنته في مدة تغريبه على نفسه ولا يمنع أن يحمل ماله مع نفسه ويتجر.
стр. 6212
فرع آخر
لو غرب نفسه جاز، ولو جلد نفسه لم يجز، والفرق أن الحد يستوفى منه فلا يجوز أن يكون مستوفيه والتغريب انتقال إلي مكان ويحصل منه ذلك.
فرع آخر
ينبغي للإمام أن يثبت في ديوانه أول زمان تغريبه، فإن لم يثبت فادعى انقضاء السنة ولا بينة فالقول قوله لأنه من حقوق الله تعالى ويحلف استظهارًا.
فرع آخر
لو كان الزاني غريبًا نقله إلي بلدٍ آخر غير البلد الذي هو وطنه لأن القصد منه الإيحاش والإضرار به، فإذا رددناه إلي بلده لم يستضر ولم يستوحش ويستوحش بمفارقته البلد الذي أنس فيه ثم زنا.
فرع آخر
يغرب الرجل وحده، وأما المرأة فلا تغرب إلي في صحبة ذي رحم محرم أو امرأةٍ ثقةٍ في صحبة مأمونةٍ، فإن لم يوجد ذو رحم محرم ولا امرأةٌ ثقةٌ تتطوع بالخروج معها استؤجر من يخرج معها، ومن أين يستأجر؟ فيه وجهان: أحدهما: يستأجر من مالها لأنه حقٌ عليها وكانت مؤنته عليها، وإن لم يكن لها مالٌ استؤجر من بيت المال، ومن أصحابنا [٥/أ] من قال: يستأجر من بيت المال لأنه حق الله تعالى وكانت مؤنته من بيت المال، فإن لم يكن في بيت المال مالٌ استؤجر من مالها، ومن أصحابنا من قال: وجهًا واحدًا يجب في مالها لأنه من مؤنة سفرها الواجب عليها فإن كان في بيت المال سعة يستحب للإمام أن يدفع منه، وإن لم يكن لها مال يدفع الإمام من بيت المال واجبًا، ومن أصحابنا من قال: يجوز التغريب في غير محرمٍ ولا في صحبة امرأةٍ ثقةٍ إذا كان الطريق آمنًا لأنه سفر واجب.
فرع آخر
لو لم يجب محرمها إلي الخروج معها من أصحابنا من قال: يجبره الإمام على ذلك، ومن أصحابنا من قال: لا يجبره ويغربها وحدها ويحتاط في ذلك.
فرع آخر
العبد إذا زنا هل يلزم تغريبه مع الجلد؟ قولان وكذلك الأمة أحدهما: لا يلزم قال القاضي أبو حامد: هذا أظهر قوليه. وبه قال مالك وأحمد ووجهه ما روى أبو هريرة وزيد بن خالد الجهني ﵄ أن النبي ﷺ سئل عن الأمة إذا زنت ولم تحصن فقال: "إن زنت فاجلدوها، ثم إن زنت فاجلدوها ثم إن زنت فاجلدوها ثم إن زنت فبيعوها ولو بضفيرٍ". والضفير الحبل المفتول ولم يذكر التغريب وقوله: ولم تحصن
стр. 6213
أي: لم تتزوج. وأيضًا فإن التغريب يراد للإيحاش والضجر والاستضرار ولا يحصل في العبيد ذلك. والثاني: يلزم التغريب نص عليه [٥/ب] في القديم وهو اختيار عامة أصحابنا قوله تعالى: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى المُحْصَنَاتِ مِنَ العَذَابِ﴾ [النساء:٢٥] وهذا يقتضي أن عليهن نصف ما على الأحرار. وروي عن عمر ﵁ أنه جلد أمة له زنت ونفاها إلي فدك ولأنه حدٌ يتبعض فيلزم العبد كالجلد.
فرع آخر
إذا قلنا: يغرب كما يغرب الحر قال الشافعي: استخبر الله تعالى في نفيه نصف سنة وقطع في موضع آخر بأن ينفى نصف سنةٍ، وقيل: لم ينص في القديم على هذا ولكنه قولٌ مخرج خرجه ابن أبي هريرة، والمشهور أن المسألة على قولين أحدهما: يغرب نصف سنة وهو اختيار المزني وعامة أصحابنا لأنه حد يتبعض فكان العبد فيه على النصف من الحر كالجلد. والثاني: يغرب سنة كما أن مدة مهلة العبد العنين سنة مثل مهلة الحر العنين لأن كليهما يرجع إلي معنى في الطباع أما هاهنا العار والوحشة وهناك الاختيار ليعلم أنه علة أو عنةٌ وهذا ضعيف لأن مدة العنة بظهور العيب وهذا يجب حدًا فلا يجوز أن يساوى الحر فيه إذا احتمل التنصيف.
فرع آخر
ظاهر المذهب أن السيد إذا حده وغربه أيضًا ومؤنة تغريبه في بيت المال على ما ذكرنا، فإن لم يكن في بيت المال مال فعلى السيد ونفقته في زمان التغريب على السيد وقد ذكرنا فيه وجهًا آخر أن نفقته في بيت المال في زمان التغريب والمذهب الأول.
قال بعض أصحابنا: إن حده الإمام يغربه، وإن حده السيد لا يغرب [٦/أ] لأن النبي ﷺ أمره بالجلد دون التغريب في خبر أبي هريرة ولأنه يلزمه فيه غرامة في ماله وإذا غربه الإمام ينفق عليه من بيت المال فافترقا وهذا لا يصح لأنه حق الله تعالى فلا يختلف فيه باختلاف مستوفيه.
مسألة: قال: "إذا أصاب الحر أو أصيبت الحرة بعد البلوغ بنكاح صحيح فقد أحصنا".
وذكر الشافعي ﵁ الإحصان الذي هو شرط في وجوب الرجم على الزاني. وجملته أن شرائط الإحصان أربعة: البلوغ، والعقل، والحرية، والوطء في نكاح صحيح لا يختلف أصحابنا فيها. وقال بعض أصحابنا: والإحصان هو الوطء في النكاح وهو عبد ثم أعتق ثم زنا يجب عليه الرجم وعلى ظاهر المذهب لا يجب.
وقال أبو حنيفة: الإسلام شرط أيضًا مع هذه الشرائط الأربعة فلا رجم على الكافر
стр. 6214
بحال وبه قال مالك واحتجوا بقوله ﷺ : "لا إحصان مع الشرك" وروى ابن عمر ﵁ أن النبي ﷺ قال: "من أشرك بالله فليس بمحصن" وروي عن كعب بن مالك ﵁ أنه أراد أن يتزوج يهودية أو نصرانية فسأل رسول الله ﷺ فنهاه عنها وقال: "إنها لا تحصنك". ودليلنا ما روى أبو داود في سننه بإسناده عن ابن عمر ﵁ أنه قال: "إن اليهود جاؤوا" إلي رسول الله ﷺ فذكروا أن رجلًا منهم زنا فقال لهم رسول الله [٦/ب] ﷺ : "ما تجدون في التوراة في شأن الزنا فقالوا: نفضحهم ويجلدون فقال عبد الله بن سلام: "كذبتم إن فيها الرجم فأتوا بالتوراة ونشروها فجعل أحدهم يده على آية الرجم ثم جعل يقرأ ما قبلها وما بعدها فقال له عبد الله بن سلام: ارفع يدك فرفعها فإذا فيها آية الرجم فقالوا: صدق يا محمد فيها آية الرجم فأمر بهما رسول الله ﷺ فرجما" قال ابن عمر: فرأيت الرجل يجنأ على المرأة يقيها الحجارة.
قال الإمام أبو سليمان الخطابي: هكذا في الخبر يجنأ والمحفوظ أنه يجنأ إذا أكب عليها يقال: حنا الرجل يحنا حنوًا إذا أكب على الشيء، وقال الإمام أحمد البيهقي: الصواب يجنأ بمعنى يكب، وروي أنهم لما صدقوا عبد الله بن سلام قالوا: ولكنه كثر الزنا في أشرافنا فكنا إذا أخذنا الشريف تركناه، وإذا أخذنا الضعيف أقمنا عليه الحد فجعلنا التحميم والجلد مكان الرجم فقال رسول الله ﷺ : "اللهم إني أول من أحيا أمرك إذا أماتوه" فأمر به فرجم وروى أبو هريرة ﵁ قال: زنا رجلٌ من اليهود وامرأة فقال بعضهم لبعض: اذهبوا بنا إلي هذا النبي فإنه نبي بعث بالتخفيف فإن أفتانا بالفتوى دون الرجم قبلناها واحتججنا بها عند الله تعالى قلنا: فتيا نبي من أنبيائك فأتوا النبي ﷺ وهو جالسٌ في المسجد فقالوا: يا أبا القاسم ما ترى في رجل وامرأة منهم زنيا فلم يكلمهم كلمة حتى أتى بيت مدارسهم فقام على الباب فقال: "أنشدكم بالله الذي أنزل التوراة على موسى ما تجدون في التوراة على من زنا إذا أحصن؟ قالوا: يحمم ويجبه ويجلد" والتجبية أن يحمل الزانيان على حمار يقابل أنفسهما ويطاف بهما قال: وسكت شاب منهم فلما رآه النبي ﷺ سكت ألظ به النشدة.
стр. 6215
فقال: اللهم إذ نشدتنا فإنا نجد في التوراة الرجم فقال النبي ﷺ : "فما أول ما ارتخصتم في أمر الله قال: زنا ذو قرابة ملك من ملوكنا فلم يرجم ثم زنا رجل في أسرة من الناس فأرادوا رجمه فحال قومه دونه، وقالوا: ألا ترجموا صاحبنا حتى يحيى بصاحبكم فنرجمه فأصلحوا عنده بينهم فقال النبي ﷺ : فإني أحكم بما في التوراة ثم أمر بهما فرجما". والتحميم تسويد الوجه بالحمم والتجبية: مفسر في الخبر ويشبه أن يكون أصله الهمز وهو يجيء من التجبية وهو الردع والردع يقال: جبأته فجبأ أي ارتدع فقلبت الهمزة هاء، والتجبية أيضًا أن ينكس رأسه فسمي بذلك الفعل تجبية، ويحتمل أن يكون من الجبة وهو الاستقبال بالمكروه وأصل الجبة إصابة الجبهة. وقوله: ألظ في النشدة أي: ألزمه القسم وألح عليه ومنه قوله ﷺ : "ألظوا بيا ذا الجلال والإكرام" أي: اسألوا الله بهذه الكلمة [٧/ب] وواظبوا على المسألة بها. والأسرة عشيرة الرجل وأهل بيته وقوله: واحكم بما في التوراة: أراد به احتجاجًا عليهم ولا يحكم إلا بما في دينه وشريعته لأنه بعث ناسخًا لشريعتهم فلا يحكم بالمنسوخ. وروى ابن عمر ﵁ "أن النبي ﷺ رجم يهوديين وكانا محصنين"، وأما الخبر الأخير فقلنا: رواه أبو بكر بن أبي مريم وهو ضعيف عند أهل الحديث.
فرع
اختلف أصحابنا في هذه الشرائط كيف تعتبر؟ فمنهم من قال: من شرط الوطء في النكاح الصحيح أن يصادف الرجل الكمال في البلوغ والعقل والحرية فإن وطئ وهو صحيح يجامع مثله في نكاح صحيح ثم بلغ لم يصر محصنًا حتى يطأ بعد البلوغ، وكذلك إذا وطء وهو مجنون لا يصير محصنًا حتى يطأ بعد العقل. وكذلك الموطوءة لا تصير محصنة حتى تكون في حال الوطء بالغةً عاقلةً حرة وهو ظاهر قول الشافعي ﵁، وإذا أصاب الحر أو أصيبت الحرة بعد البلوغ فشرط أن تكون الإصابة بعد البلوغ والحرية وهذا نص، ومن أصحابنا من قال: الاعتبار بالوطئ في النكاح الصحيح سواء صادف حالة النقصان، أو حالة الكمال لأن العقد شرط في هذا الوطء، ولا فرق بين أن يكون العقد حاصلًا في حالة النقص أو في حالة الكمال، فكذلك الوطء [٨/أ] لا فرق فيه بين الحالين وهذا لأن وطء تقع به الإباحة للزوج الأول فيثبت به الإحصان كالوطء في حال الكمال، والصحيح الأول وهو المنصوص وبه قال أبو حنيفة ووجه قوله ﷺ : "أو زنا بعد إحصان" فأوجب القتل على من زنا بعد الإحصان، وعلى القول
стр. 6216
الآخر يزني قبل: إن يثبت له الإحصان فيلزمه الرجم، ولأن الإحصان موضع كمال فأشرط فيه وطء يوجد في حالة الكمال وهو بعد وجود هذه الشرائط.
فرع آخر
إذا قلنا بالقول الصحيح فهل يعتبر الكمال في الطرفين أم يعتبر في كل واحد منهما كمال نفسه دون صاحبه؟ اختلف فيه قول الشافعي ﵁ قال القاضي أبو حامد: قال الشافعي في "الإملاء": وطء الصبي الذي يجامع مثله كوطء الكبير في الحرمة إلا في شيئين في أن لا يحلها الزوج، ولا يحصنا قال: وجعل الشافعي في القديم المرأة محصنة بوطء الصبي الذي يجامع مثله وجعل الرجل محصنًا إذا وطئ صبية يجامع مثلها محللًا للزوج إن كان طلقها وقال فيه: وكل وطء قام بنكاح حلال أحصن البالغ من الزوجين كما يقع به الحدود على المجامع أو المجامعة، ألا ترى أن المرأة يجامعها العبد أو المعتوه فترجم، وإن لم يكن على الواطئ رجم؟ قال: ويجامع الأمة المعتوهة فيرجم، وإن لم يكن عليها رجم، فجعل قولان: أحدهما: الكمال يعتبر في الطرفين وهذا أضعف القولين [٨/ب] وبه قال أبو حنيفة. والثاني: لا يعتبر كمال صاحبه وإنما يعتبر كمال نفسه وهو الصحيح المشهور وهو قول الزهري ووجهه أن حر بالغ عاقل وطئ في نكاح صحيح فصار محصنًا كما لو كانا كاملين. واحتج أبو حنيفة أن أحدهما إذا كان ناقصًا فالوطء غير كامل فأشبه إذا كانا ناقصين، قلنا: في الأصل لم يوجد الكمال في واحد منهما وهاهنا بخلافه فيعتبر كل واحد منهما بنفسه لا بصاحبه كما لو كان أحدهما بكرًا والآخر محصنًا. وقال أبو حامد: إذا كانت الموطوءة أمته والواطئ حرًا عاقلًا بالغًا محصنًا قولًا واحدًا، وكذلك العبد إذا وطئ حرة بالنكاح صارت محصنة، وإذا كان غير بالغ ففيه قولان قال في "الأم": يصير الكامل محصنًا دون الآخر، وقال في "الإملاء": لا يكون أحدهما محصنًا، وسائر أصحابنا ذكروا القولين في الكل ولم يميزوا الرق من الصغير. وما حكاه القاضي أبو حامد على ما ذكرنا يدل على اختلاف قوله في الصبي دون الرقيق، وقال القاضي الطبري: سوى الشافعي ﵁ بين الإحلال وبين الإحصان في اعتبار الكمال في الطرفين على ما ذكرنا في "الإملاء" فيجب على هذا إذا اعتبرنا كمال الوطء في نفسه أن يسوي فيه بين الإحلال والإحصان، فإذا وطئ رجل صبية يجامع مثلها فلا تحل لزوجها الأول وهذا غريب لم يذكره سائر أصحابنا. [٩/أ] وقال مالك: إذا كان أحدهما كاملًا صار محصنًا إلا الصبي يطأ الكبيرة فإنها لا تصير محصنة، ولو وطئ الكبير صغيرة يجامع مثلها صار محصنًا ودليله أن ما لا يمنع الإحصان إذا كان في الموطوءة لا يمنع إذا كان في الواطئ كالرق.
واعلم أن الشافعي اقتصر على ذكر الحرية والإصابة والبلوغ ولم يذكر العقل علمًا منه بأنه لا يفي اشتراط العقل في إيجاب العقوبات.
стр. 6217
فرع آخر
لو زنا بكرٌ بامرأةٍ فجلد مائة ونفي سنةً، ثم زنا بها أو بأخرى مرة ثانية جلد مائة وغرب سنة. وكذا الحكم إذا زنت وكانت بكرًا فجلدت ونفيت ثم زنت يقام عليها الحد بالجلد والنفي وأيهما زنا مرارًا كثيرةً ثم اعترف بالزنا، أو قامت عليه البينة لم يكن عليه إلا حد واحد. وسمي الحد حدا لوصوله إلي الجلد.
فرع آخر
قال: والزاني أن يطأ الرجل المرأة من غير عقد ولا شبيه عقد، ولا ملك ولا شبيه ملك مع العلم بتحريم ذلك عليه، ويجب الحد بتغييب الحشفة في الفرج ويقع عليه اسم الزنا إذا كان على ما وصفنا، وكذلك المرأة إذا طاوعت رجلًا حتى يغيب حشفته في فرجها، فإن زنا حر بمجنونة كان عليه الحد دونها، وكذلك إن زنا بصبية يجامع مثلها كان عليه الحد دونها ولها المهر، وكذلك النائمة إذا وطئت في حال نومها فإن استكرهها رجل فزنا بها كان عليه الحد دونها [٩/ب] ولها مهر مثلها حرة كانت أو أمةً ونقصت الإصابة من ثمنها شيئًا فعليه ما نقص من ثمنها مع المهر. وكذلك إن كانت حرة فجرحها جرحًا له أرش قضي عليه بأرش الجرح مع المهر. فإن ماتت من وطئه كان عليه المهر ودية الحرة، ولو زنت المرأة بمعتوهٍ كان عليها المهر دونه وبه قال مالك، وقال أبو حنيفة: لا حد عليها لأنها لم تمكن من الزاني لأن فعل المعتوه ليس بزنا وهذا لا يصح لأنها لم تعتمد في هذا التمكين ملكًا ولا شبهة ملك فيلزمها الحد إذا كانت من أهله كما لو زنا المستأمن بمسلمة، وأما ما قاله فلا يصح لأن وطء المجنون زنا ولكن لا حد عليه لعدم التكليف ولهذا لا يلحق به الولد، وهكذا الخلاف فيمن جاءت إلي نائم فأدخلت ذكره في فرجها يلزمها الحد عندنا خلافًا لأبي حنيفة، وكذلك لو حملت على نفسها صبيًا يجامع مثله يجب عليها الحد خلافًا لأبي حنيفة.
فرع آخر
المحصن إذا ارتد ثم أسلم لم يبطل إحصانه، وقال أبو حنيفة: يبطل إحصانه فإذا عاد إلي الإسلام وقد زال نكاحه ثم عاد وتزوج ووطئ عاد إحصانه، وإن ارتدا معًا وبقيا على النكاح ثم أسلما ثم وطيء عاد إحصانه وبناه على أصله أن الإحصان شرط في الإسلام ودليلنا أن هذا محصن فإذا ارتد ثم عاد إلي الإسلام [١٠/أ] كان محصنًا كما في إحصان القذف.
مسألة: قال: "فمن زنا منهما فحده الرجم حتى يموت".
الفصل:
الرجم لا يتكامل إلا بموت المرجوم ولا يجوز أن ترجم بأحجار ثم يترك، وإن كان
стр. 6218
اسم الرجم ينطلق على هذا القدر ولكن يوالي رجمه بالأحجار حتى يموت لأن رسول الله ﷺ رجم ماعزًا فلم يزل يضرب حتى مات، ورجم الغامدية فما زالت تضرب حتى ماتت وروى جابر ﵁ أن رجلًا زنا فأمر به رسول الله ﷺ فجلد الحد ثم أخبر أنه كان أحصن فأمر به فرجم. فإن أشرف المرجوم على التلف بحيث يعلم أنه لا يعيش لا يجوز الإقلاع عنه حتى يتم الإزهاق لأن القتل تمام الحد ثم إذا مات يغسل ويصلى عليه ويدفن لأن الرجم إقامة الحد فلا يمنع من سنة الموتى كما لو قتل قصاصًا، ولأنه لو مات حتف أنفه يغسل ويصلى عليه، فإذا قتل حدًا أولى لأن الكفارة حد وتطهير.
فرع
لا يكره للإمام الحاكم برجمه أن يصلي عليه بعد رجمه، وقال مالك: يكره وهذا خطأ لما روى عمران بن الحصين ﵁: أن النبي ﷺ صلى على التي رجمها من جهينة وأحسبها الغامدية، وقال له عمر: ترجمها ثم تصلي عليها فقال: "لقد تابت توبة لو قسمت على سبعين من أهل المدينة لوسعتهم هل وجدت أفضل من أن جادت بنفسها" ورجم علي ﵁ [١٠/ب] الهمدانية يوم الجمعة وصلى عليها.
فرع
تعرض عليه التوبة قبل رجمه لتكون خاتمة أمره، وإن حضر وقت صلاة أمر بها، وإن تطوع بصلاة مكن من ركعتين، وإن استسقى ماء سقي وإن استطعم طعامًا لم يطعم والفرق أن الماء لعطش متقدمٍ والأكل لشبعٍ مستقبلٍ.
فرع آخر
لا يربط ويخلى والاتقاء بيده لما روي في خبر اليهودي المرجوم أنه كان يجنأ عليها يقيها الحجارة، ولو كان مربوطًا لم يمكنه ذلك. ولا يحفر للرجل بحال سواء ثبت عليه الزنا بالبينة أو بالاعتراف لأن النبي ﷺ لم يحفر لماعز بن مالك، وأما المرأة إن ثبت عليها الزنا بالبينة حفر لها لصيانتها وسترها. وإن ثبت عليها بالإقرار فهل يحفر؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يحفر لها عونًا على هربها إن رجعت عن إقرارها. والثاني: يحفر تغليبًا لصيانتها وقد أمر رسول الله ﷺ أن يحفر للغامدية إلي الصدر وكانت مقرة بالزنا
стр. 6219
والأول اختيار أبي حامد. وقال القاضي أبو حامد: إن ثبت بالإقرار لا يحفر لها، وإن ثبت بالبينة كان بالخيار بين أن يحفر لها ومن أن لا يحفر، وقال القاضي الطبري: السنة تقتضي أنه بالخيار سواء ثبت بالبينة أو بالإقرار لأن النبي ﷺ حفر للغامدية إلي الثندوة ولم يحفر للجهنية وكان الزنا ثبت بإقرارها، وقال قتادة: يحفر للرجل أيضًا كالمرأة [١١/أ] وقال أبو يوسف وأبو ثور: يحفر للمرأة دون الرجل.
فرع آخر
قال أصحابنا: صفة الرجم أن يضرب بالحجارة، أو بالمدر أو بما في معنى ذلك إلي أن يموت على ما ذكرنا. وقال في "الحاوي": الاختيار أن يكون الحجر مثل الكف، ولا يكون أكبر كالصخرة فيوجبه، ولا يكون أصغر منه كالحصاة فيطول عليه ويكون موقف الرامي منه بحيث لا يبعد فيخطئه ولا يدنو منه فيؤلمه. وقال الإمام والدي ﵀: في الأول ثلاثة أوجه: أحدهما: أن الرجم بالحجارة الصغار. والثاني: بالكبار. والثالث: بهما جميعًا وهما سواء.
فرع آخر
فإن كان ثبت الزنا عليه بالبينة اتبع حتى يقتل، وإن كان ثبت بالإقرار قال الشافعي ﵁: إذا هرب خلى بينه وبين هربه ولم يتبع فإن عاد إلينا مقيمًا على إقراره حددناه. وهذا لما روي أن ماعزًا لما مسه حر الحجارة أخذ يشتد فلقيه عبد الله بن أنيس وقد عجز أصحابه فرماه فقتله فذكر ذلك لرسول الله ﷺ فقال: "هلا تركتموه لعله يتوب فيتوب الله تعالى عليه" وروي أنه قال لما مسته الحجارة وهرب: ردوني إلي محمد فإن قومي عزوني، وقالوا: إن محمدًا غير قاتلي فلما أخبر الرسول ﷺ [١١/ب] قال: "هلا رددتموه إلي لعله يتوب" وروي أنه لما مر يشتد لقيه رجل معه لحي بعير فضربه فقتله. وروي: فلما أذلقته الحجارة فر أي أصابته بحدها وذلق كل شيء حده يقال لسان ذلق طرق، وقيل: الإذلاق سرعة الرمي ومعناه أنه لما تتابع عليه وقع الحجارة من كل وجه فر.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: إذا هرب أو امتنع من إقامة الحد عليه ولم يصرح بالرجوع فيه وجهان ذكرهما صاحب "التقريب": أحدهما: أنه كالرجوع لقوله ﷺ في ماعز: "هلا تركتموه". وعلى هذا يضمن وهو اختيار أبي إسحاق. والثاني: يقام عليه الحد ولا يكون رجوعًا ويسأل عن هربه حتى يفسره استحبابًا وإنما أمرهم برد ماعز استحبابًا رجاء أن يرجع ومعنى التوبة في قوله: "لعله يتوب" الرجوع عن الإقرار إذا
стр. 6220
قلنا: لا يسقط حد الزنا بالتوبة وهو أحد القولين.
فرع آخر
الأولى لمن حضر رجمه أن يكون عونًا إن رجم بالبينة، وممسكًا عنه إن رجم بالإقرار لما ذكرنا.
فرع آخر
يختار أن يتوقى الوجه لأمر رسول الله ﷺ باتقاء الوجه.
مسألة: قال: ويجوز للإمام أن يحضر رجمه ويترك. [١٢/أ]
اعلم أنه إذا أراد الإمام رجم المحصن فإن شاء حضر رجمه، وإن شاء لم يحضره وكذلك الشهود لا يلزمهم الحضور وبه قال مالك. وقال أبو حنيفة: إن ثبت عليه الزنا بالبينة وجب على الشهود أن يبدؤوا بالرمي ثم الإمام ثم الناس، وإن ثبت باعترافه بدأ الإمام ثم الناس. واحتجوا بما روى القاسم بن عبد الرحمن عن أبيه قال: رأيت عليًا ﵁ حين رجم شراحة الهمدانية لفها في عباءةٍ وحفر لها حفيرة ثم قام فحمد الله تعالى، وقال: أيها الناس إنما الرجم رجمان رجم سر، ورجم علانيةٍ ورجم السر أن يشهد عليه الشهود فيبدأ الشهود فيرجمون ثم يرجم الإمام ثم يرجم الناس ورجم العلانية أن يشهد على المرأة ما في بطنها فيبدأ الإمام فيرجم ثم يرجم الناس. إلا وإني راجم فارجموا. ودليلنا ما روي أن النبي ﷺ أمر برجم الغامدية وماعز ولم يحضر رجمهما ولأنه إقامة حد فلا يجب هذا كسائر الحدود، وأما أثر علي فنحمله على الأولى.
فرع
قال: ويحضر حد الزاني في الجلد والرجم طائفة من الأحرار المسلمين لقوله تعالى: ﴿ولْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِّنَ المُؤْمِنِينَ﴾ [النور:٢] قال الشافعي ومالك: وأقلهم أربعة، وقال عكرمة وعطاء وإسحاق: اثنان، وقال الزهري: ثلاثة، وقال الحسن: عشرة، وقال ربيعة: خمسة وما قاله الشافعي [١٢/ب] أولى لأنه العدد الذي يثبت به حد الزنا.
مسألة: قال: وإن أقر مرةً حد.
الزنا يثبت بالإقرار مرة واحدة وبه قال حماد بن أبي سليمان والحسن وعثمان البتي ومالك وأبو ثور وابن المنذر، وروي ذلك عن أبي بكر وعمر ﵄، وقال أبو حنيفة وأصحابه: لا يثبت إلا بالإقرار أربع مرات في أربع مجالس متفرقة وبه قال إسحاق، وقال ابن أبي ليلى وأحمد: يثبت بالإقرار أربع مرات في مجلسٍ واحدٍ أو
стр. 6221
مجالس، واحتجوا بما روي عن ابن عباس ﵁ قال: جاء ماعز بن مالك إلي النبي ﷺ فاعترف مرتين فطرده ثم جاء فاعترف مرتين فقال: "أتشهد على نفسك أربع مرات اذهبوا به فارجموه" وروي أنه قال له: "الآن أقررت أربعًا فبمن" وروي أنه قيل له: لو أقررت أربعًا لرجمك رسول الله ﷺ . ودليلنا ما روي من خبر العسيف أن النبي ﷺ قال لأنيس: "فإن اعترفت فارجمها" ولم يعتبر العدد وأيضًا روى عبد الله بن بريدة عن أبيه أن امرأة من غامدٍ أتت النبي ﷺ فقالت: إني قد فجرت فقال: "ارجعي" فرجعت فلما كان الغد أتته فقالت: "لعلك أن ترددني كما رددت ماعز بن مالك" قالت: والله إني لحبلى فقال لها: "ارجعي" فرجعت فلما كان الغد [١٣/أ] أتته فقال لها: "ارجعي حتى تلدي" فلما ولدت أتته فقالت: هذا قد ولدته قال: "ارجعي فارضعيه حتى تفطميه" فجاءت به وقد فطمته وفي يده شيء يأكله فأمر بالصبي فدفع إلي رجل من المسلمين وأمر بها فحفر لها فرجمت". وروي أنها قالت: طهرني فقال: "ويحك ارجعي فاستغفري الله وتوبي إليه" فقالت: لعلك تريد أن ترددني كما رددت ماعز بن مالك قال: وما ذاك قالت: إني حبلى من الزنا قال: أثيبٌ أنت؟ قالت: نعم قال: إذًا لا نرجمك حتى تضعي ما في بطنك فكفلها رجل من الأنصار حتى وضعت ثم أتي النبي ﷺ قال: قد وضعت الغامدية قال: إذًا لا نرجمها وندع ولدها صغيرًا ليس له من يرضعه فقام رجل من الأنصار فقال: إلي رضاعه يا رسول الله فرجمها" وروي عن عمران بن الحصين أن النبي ﷺ دعا وليًا لها وقال له: "أحسن إليها فإذا وضعت فجيء بها" فلما وضعت أتى بها فأمر النبي ﷺ فشكت عليها ثيابها ثم أمر بها فرجمت.
وقوله: فشكت ثيابها أي شدت عليها لئلا تتجرد فتبدو عورتها. وفيه إثبات الكفالة بالنفس وفيه دليل أنه لا يعتبر العدد في الإقرار لأنه لم ينكر عليها قولها: لعلك تريد أن ترددني كما رددت ماعز بن مالك وفي هذا الخبر الأخير دليل على أنه أمر برجمها يوم وضعت وبه قال مالك والشافعي وأبو حنيفة وأصحابه [١٣/ب] إذا لم يستضر به الولد بأن يقوم بكفايته آخر، وقال أحمد وإسحاق: يترك حولين حتى يفطم الولد للخبر الأول، قال أصحاب الحديث: إسناد الخبر الثاني أجود وعمران بن الحصين أولى في الرواية، وأما خبر ماعز قلنا: إنما رده للشك في عقله وكان مشكك الحال والمقال وتمام الخبر ما روى نعيم بن هزال عن أبيه قال: كان ماعز بن مالك يتيمًا في حجر أبي فأصاب جارية من الحي فقال له: ائت النبي ﷺ فأخبره بما صنعت لعله يستغفر لك فأتاه فقال: يا رسول الله إني زنيت فأقم علي كتاب الله حتى قالها أربع مرات فقال النبي ﷺ : "قد قلتها أربع مرات فيمن" قال: بفلانة قال: هل ضاجعتها؟ قال: نعم قال: باشرتها قال: نعم قال: هل جامعتها؟ قال: نعم فأمر به فأخرج إلي الحرة فلما رجم ووجد مس الحجارة خرج فخرج يشتد فلقيه عبد الله بن أنيس وقد عجز أصحابه
стр. 6222
فشرع له بوظيف بعير فرماه فقتله ثم أتى النبي ﷺ فذكر ذلك له فقال: "هلا تركتموه" وروى سليمان بن بريدة عن أبيه أن ماعزًا جاء فقال: يا رسول الله طهرني فقال: "ويحك ارجع فاستغفر الله وتب إليه" فرجع غير بعيد ثم جاء فقال: يا رسول الله طهرني فقال مثل ذلك حتى إذا كانت الرابعة قال: مم أطهرك فقال: من الزنا فسأل رسول الله ﷺ أبه جنون؟ فأخبر أنه ليس به جنون [١٤/أ] فقال: أشربت خمرًا؟ فقام رجل فاستنكهه فلم يجد منه ريح خمر فقال النبي ﷺ : أثيبٌ أنت قال: نعم فأمر به فرجم وكان الناس فيه فريقين تقول فرقة: هلك ماعز على أسوأ عمله لقد أحاطت به خطيئته وقائل يقول: أتوبةٌ أفضل من توبة ماعز إن جاء إلي رسول الله ﷺ فوضع يده على يده فقال: اقتلني بالحجارة فلبثوا في ذلك يومين أو ثلاثة ثم جاء النبي ﷺ وهم جلوس فسلم ثم جلس ثم قال: "استغفروا لماعز بن مالك" فقالوا: لماعز بن مالك. فقال النبي ﷺ : "لقد تاب توبة لو قسمت على أمةٍ لوسعتها"
وروى أبو هريرة ﵁ أنه قال له في الخامسة: أنكتها؟ قال: نعم قال: حين غاب ذلك منك في ذلك منها؟ قال: نعم قال: كما يغيب المرود في المكحلة والرشا في البئر؟ قال: نعم قال: هل تدري ما الزنا؟ قال: أتيت منها حرامًا ما يأتي الرجل من امرأته حلالًا قال: فما تريد بهذا القول؟ قال: أريد أن تطهرني فأمر به فرجم وروي أنه قال: "والذي نفسي بيده: إنه الآن لفي أنهار الجنة ينقمس فيها" معناه ينغمس والقاموس: معظم الماء ومنه قاموس البحر وروي فرميناه بجلاميد الصخر حتى سكت يعني مات. وروي أنه قال لهزالٍ: "يا هزال لو كنت سترت عليه بثوبك لكان خيرًا لك مما صنعت" وروي عن أبي سعيد الخدري ﵁ في هذا الخبر أتينا به مكانًا قليل الحجارة [١٤/ ب] فلما رميناه اشتد من بين أيدينا فسعى فتبعاه فأتى ناحيةً كثيرة الحجارة فقام ونصب نفسه فرميناه حتى قتلناه ثم اجتمعنا عند النبي ﷺ فأخبرناه فقال: "سبحان الله فهلا خليتم عنه حتى يسعى من بين أيديكم" هذا كله يدل على أن الإقرار الأول لم يكن تامًا والبيان كان بعد التكرار وارتفعت الشبهة عن فعاله وحاله بعد الإقرار أربع مرات، ولا يدل ذلك على أن التكرار الأربع فيه شرطٌ وأيضًا فهذا حق يبعث الاعتراف فلا يشترط فيه التكرار كسائر الحدود والحقوق، وقال أبو يوسف وزفر: لا بد من إقرارين في سائر الحدود إلا في حد القذف فإنه يكفي الإقرار به مرة.
مسألة: قال: ومتى رجع ترك وقع به بعض الحد أو لم يقع.
إذا اعترف الرجل بالزنا فلزمه الحد ثم رجع، وقال: ما كنت زنيت سقط عنه الحد، وكذلك كل حد لله تعالى خالص إذا أقر به ثم رجع كحد الخمر والقتل بالردة، والقطع بالسرقة وبه قال أبو حنيفة والثوري وأحمد وإسحاق، وقال سعيد بن جبير والحسن وابن
стр. 6223
أبي ليلى وعثمان البتي وأبو ثور وداود: لا يقبل رجوعه، وعن مالك روايتان كالمذهبين. ودليلنا ما روي أن النبي ﷺ عرض لماعز بن مالكٍ [١٥/أ] بعد إقراره بالرجوع فقال: "لعلك قبلت، لعلك لمست" وروي عن أبي بكر الصديق ﵁ أن سارقًا اعترف عنده بالسرقة فقال: أسرقت؟ قال: لا وروي عن عمر وعلي ﵄ نحو ذلك ولأنه حد لله تعالى خالص ثبت بقوله فسقط برجوعه كالقتل بالردة، وقيل: جملة ما يقر به الإنسان على أربعة أضرب أحدها: ما يوجب حقًا لله تعالى محضًا على ما ذكرنا. والثاني: ما يوجب حقًا للآدمي محضًا فإذا أقر به ثم رجع لا يقبل. والثالث: ما يوجب حقًا يتعلق بحق الله تعالى وحق الآدمي كمال المسجد والزكاة فإذا أقر ثم رجع لا يقبل رجوعه. والرابع: ما يوجب حقين أحدهما: لله تعالى. والثاني: للآدمي مثل الإقرار بالسرقة التي توجب القطع لله والغرم للآدمي فإذا أقر بها ثم رجع يقبل رجوعه في القطع دون الغرم وقد ذكرنا فيما تقدم عن بعض أصحابنا في سقوط القطع قولين أو وجهين لاقترانه بما لا يؤثر الرجوع فيه.
فرع
لا فرق بين أن يرجع بعد وقوع بعض الحد، أو قبل انتهاء الحد فيترك عقوبته إذا رجع، وقال بعض العراقيين: لا يقبل رجوعه بعد الشروع في حده، وحكي عن مالك أنه قال: يقبل الرجوع إن بين علة أو عذرًا بأن يقول: ظننت أن الوطء دون الفرج زنا، أو إتيان البهيمة زنا، وإن قال: كذبت ولم يبين لكلامه وجهًا [١٥/ب] لم يقبل.
فرع آخر
قال في "الحاوي": الرجوع أن يقول: كذبت في إقراري ولم أزن، أو رجعت عن إقراري فإن قال: لا تحدوني لم يكن رجوعًا صريحًا فإن بين مراده قبل، وكذلك لو قال: لا حد علي وهذا أقرب إلي صريح الرجوع ولكنه يسأل عنه، ولو ندب فهل يقوم مقام رجوعه باللفظ، فيه وجهان وذكرنا خلاف هذا عن بعض أصحابنا بخراسان وهذا الذي قاله أوضح.
فرع آخر
لو اجتمع في حدود الله تعالى الإقرار والشهادة فهل يختص إقامتها بالإقرار أو بالشهادة؟ فيه وجهان: أحدهما: يختص بالشهادة لأنها أغلظ فعلى هذا لو رجع لم يسقط. والثاني: يختص بالإقرار فعلى هذا إن رجع سقط، وقال صاحب "الحاوي": الأصح عندي أن ينظر في اجتماعهما فإن تقدم الإقرار على الشهادة كان وجوبه بالإقرار ويسقط بالرجوع، وإن تقدمت الشهادة على الإقرار كان وجوبه بالشهادة ولم يسقط بالرجوع لأن وجوبه بأسبقهما فلم يؤثر فيه ما يعقبه وعلى الوجوه كلها لا يسقط أحدهما بالآخر.
стр. 6224
مسألة: قال: ولا يقام حد الجلد على حبلى، ولا على المريض المدنف ولا في يوم حر أو برد شديد.
الكلام في هذا في الأعذار التي توجب تأخير إقامة الحدود [١٦/أ] والحكم في هذا أن من وجب عليه حد الزنا فلا يخلو من أن يكون بكرًا أو محصنًا، فإن كان بكرًا فإن كان سليمًا لا مرض به ولا خلقه نظر، فإن كان الهواء معتدلًا لا حر ولا برد شديد فإنه يجلد رجلًا كان أو امرأة للآية، وإن كان الهواء غير معتدل إما شدة حر أو برد أخّر الجلد إلي اعتدال هواء لأن القصد منه الردع والزجر والتأديب دون القتل والإتلاف، فإذا أقيم عليه الحد في هذه الحالة أعان الزمان على نفسه فيتلف، وإن كان عليلًا لم يخل إما أن تكون العلة مما يرجى زوالها، أو لا يرجى زوالها، فإن كان يرجى زوالها لم يقم عليه الحد حتى يبرأ من مرضه لأنه إن أقيم عليه الحد وهو مريض أعان المرض عليه فيفضي إلي تلفه، وإن كان مرضه مما لا يرجى زواله كالسل والزمانة والعضب أو كان نضو الخلق.
يضرب بأطراف الثياب وعثكال النخل، وقال مالكٌ: لا يجوز إلا أن يضرب بالسياط مائة جلدة، فإن لم يكن يؤخر، وقال أبو حنيفة: تجمع الأسواط ويضرب بها دفعة واحدة. ودليلنا ما روى أبو أمامة بن سهل بن حنيف عن بعض أصحاب النبي ﷺ من الأنصار: أنه اشتكى رجل منهم حتى أضنى فعاد جلده على عظم فدخلت عليه جارية لبعضهم فمشى لها وقع عليها فلما دخل عليه رجال من قومه [١٦/ب] يعودونه أخبرهم بذلك، وقال: استفتوا لي رسول الله ﷺ فإني وقعت على جارية دخلت عليّ فذكروا ذلك لرسول الله ﷺ وقالوا: ما رأينا بأحدٍ من الناس من الضنا مثل الذي به لو حملناه إليك لتفسخت عظامه ما هو إلا جلد على عظم فأمر رسول الله ﷺ أن يأخذوا له مائة شمراخ فيضربوه بها ضربةً واحدةً. وقوله: أضنى أي: أصابه الضنا وهو شدة المرض وسوء الحال حتى ينحل بدنه ويهزله، وقيل: الضنا انتكاس العلة. وفي رواية عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف قال: أتت امرأة النبي ﷺ وهي حبلى فقالت: إن فلانًا أحبلها فأرسل إليه فأتي به يحمل وهو ضريرٌ مقعد فاعترف على نفسه فضربه رسول الله ﷺ بعثكالٍ فيه مائة شمراخ الحد ضربة واحدة وكان بكرًا. ولأن في الضرب بالسياط تلفه ولا وجه للترك أصلًا والأولى ما ذكرنا. وروي أن رسول الله ﷺ أتى بنغاشي وجد على ظهر امرأة يخبث بها فقال: "اجلدوه مائة جلدة" فقالوا: لو ضربناه مائة جلدة لتفتت فقال: "خذوا عثكالًا عليه مائة شمراخ فاضربوه بها". فإذا تقرر هذا [١٧/أ]
стр. 6225
فإن كانت عليه مائة فرع يضرب بذلك ضربةً، وإن كان خمسون فرعًا يضرب ضربتين ولا بد أن يصيبه من الفروع المائة، فإن وقع بعض الفروع على البعض كفي لأن أذى الكل قد أصابه ولا يشدد في ذلك الضرب بل يكفي قدر ما يفارق اسم الوضع وينطلق عليه اسم الضرب، ثم من حدّ هكذا فبرأ من بعد لا يقام عليه الحد بل قد وقع الأول موقعه. وإن كان المحدود في بلدةٍ لا يسكن حرها أو لا يقل بردها لم يؤخر حده ولم ينقل إلي البلاد المعتدلة لما فيه من تأخير الحد ولحوق المشقة وقوبل إفراط الحر والبرد تخفيف الضرب حتى يسلم من القتل كما نقول في المرض الملازم.
وإن وجب على امرأةٍ حامل الجلد لا يقام عليها حتى تضع لأنه لا يؤمن من إذا جلدت وهي حامل أن يسقط الولد من الأم، وإذا وضعت نظر، فإن لم يكن بها ضعف أقيم عليها الحد من نفاسها، وإن كانت ضعيفة لم يقم عليها حتى تبرأ لأنها كالزمنة وكل موضع، قلنا: لا يقام عليها الحد لعذر من شدة حرٍّ أو بردٍ أو عذر في بدنها فأقيم عليها وتلفت فهل عليه الضمان؟ قال في الجنايات: إذا أقام في شدة حرٍّ أو بردٍ فهلك فلا ضمان، وإن كانت حاملًا فعليه ضمان الحمل. وقال في موضع آخر: لو كان أغلفة فخثنه الإمام في شدة حرٍّ أو بردٍ فعلى عاقلته الدية، واختلف الأصحاب فيه على طريقين: أحدهما: لا ضمان لأنه أقام [١٧/ب] حدًا واجبًا. والثاني: يلزم الضمان لأنه مفرّط. والتأمة المسألتان على ظاهرهما، والفرق أن الحد ثابت نصًا بغير اجتهاد فلا يضمن والختان بالاجتهاد فيضمن وأيضًا فإن استيفاء الحد إلي الإمام لا يقيمه غيره فقد أدى فرضًا عليه بعينه. والختان يتولاه الرجل من نفسه أو أبوه منه في حال صغره والإمام قائمٌ مقامه فيجب النظر له ولا يقيمه في أسباب التلف، فإذا أقام فتلف ضمن فإذا قلنا: يضمن فكم يضمن؟ فيه وجهان: أحدهما: يضمن جميع الدية لأنه فرط. والثاني يضمن نصف الدية لأنه مات من واجبٍ محظورٍ. وأما المحصن إذا وجب عليه الرجم فلا يخلو إما أن يكون رجلًا أو امرأة، فإن كانت امرأة حاملًا أو كان رجلًا صحيحًا والزمان معتدل رجم في الحال لأنه لا عذر يقتضي تأخيره، وإن كان هناك مرض أو كان الزمان غير معتدلٍ نظر، فإن كان الرجم ثبت بالبينة أقيم في الحال ولم يؤخر لأن القصد قتله فلا يعتبر حال الزمان، وإن كان ثبت بالإقرار فالمنصوص أنه يؤخر إلي اعتدال الزمان والبرد لأنه ربما يمسه حر الحجارة فيرجع فيعين الزمان على قتله، ومن أصحابنا من قال: يقام عليه الحد لأن القصد منه القتل وقد وجب كما وجب بالبينة وهذا اختيار أبي إسحاق.
وقال بعض أصحابنا: فيه ثلاثة أوجه قالها ابن أبي هريرة؛ أحدها: وهو المنصوص لا يؤخر. والثاني: يؤخر لأنه يجوز [١٨/أ] أن يرجع الشهود أيضًا كما يرجع عن الاعتراف. والثالث: يفصل بين أن يكون بالبينة أو بالإقرار على ما ذكرنا. ولو سرق نضو الخلف وعلم أن القطع قاتله ذكرنا وجهين ولا خلاف في القصاص أنه يستوفى وفي حد القذف يحد كما يحد في الزنا.
стр. 6226
وإن كانت امرأة حبلى قال الشافعي ﵁: تترك حتى تضع ويكفل ولدها، وقد روي أن عمر ﵁ هم برجم حبلى من الزنا فقال له معاذٌ ﵁: إن كان لك عليها سبيل فلا سبيل لك على ما في بطنها، فصبر حتى وضعت فلما وضعت سقط الحد عنها إما باعتراف الزوج بذلك، وإما بإلحاق القائف أو غير ذلك ففرح به عمر ﵁ ومدح معاذًا. وقال بعض أصحابنا بخراسان: لم يذكر الشافعي الفطام، وقد روي الفطام في خبر الغامدية وأنه لما كفل رجلٌ ولدها رئيت الكراهة في وجه رسول الله ﷺ فلو كفل ولدها كافل للرضاع أقيم الحد عليها. وقيل: قال الشافعي: ظاهر الخبر التأخير إلي الفطام والكفالة والصحيح أن يقال: لا ترجم حتى تضع ولدها اللباء، ثم إن وجدت المرضعة يسلم إليها وترجم وإن لم توجد يؤخر رجمها حتى ترضعه حولين كاملين لأنا لما حفظنا حياته حملًا فأولى أن نحفظه وليدًا، وإن علم وجود المرضعة ولكنها لم تتعين ففي جواز رجمها قبل تعينها ودفعها إلي المرضع وجهان: أحدهما [١٨/ب] يجوز لأن المرضع موجودٌ، والثاني: لا ترجم حتى تدفع إلي المرضع.
فرع
إذا أقر أنه زنا بامرأة فأنكرت وجب الحد عليه دونها، وقال أبو حنيفة: لا يجب الحد عليهما لأنا صدقناها في إنكارها فصار محكومًا بكذبه فلا حدَّ عليه وهذا لا يصح لأن عدم إقرارها لا يبطل إقراره، كما لو سكت، وروى سهل بن سعدٍ الساعدي: أن رجلًا أقر أنه زنا بامرأة فبعث النبي ﷺ إلي المرأة فسألها عن ذلك فجحدت فحد الرجل.
فرع آخر
إذا شهد أربعة عدولٍ على رجلٍ بالزنا فإن كذبهم أو صدقهم رجمناه، وقال أبو حنيفة: إن كذبهم رجمناه، وإن صدقهم لم نجرمه بناء على أصله أنه لا حكم له مع الإقرار ولم يقر أربع مراتٍ وهذا لا يصح لأنه لو كذب الشهود لزمه الحق فكذا إذا صدقهم كسائر الحقوق.
فرع آخر
لو وجد امرأة على فراشه فوطئها على ظن أنها امرأته، أو أمته، لا يلزمه الحد، وقال أبو حنيفة: يلزمه الحد وهذا لا يصح لأنه وطئ من ظنها زوجته فلا حد عليه، كما لو زفت إليه غير زوجته فوطئها، وأما الموطوءة فإن كانت تعتقد أنه زوجها فلا حد عليها وإن علمت أنه أجنبي وسكتت يلزمها الحد.
стр. 6227
فرع آخر
لو أقر الأخرس بالزنا وله إشارةٌ مفهمة أو كتابة معلومة يلزمه الحد، وقال أبو حنيفة: لا يلزمه الحد لأن في [١٩/أ] الإشارة المفهمة شبهة وهذا لا يصح لأن من صح إقراره بغير الزنا صح إقراره بالزنا كالناطق.
فرع آخر
لو غيب بعض الحشفة عزّر وتعزيره به أغلظ من تعزيره بالاستمتاع دون الفرج، وتعزيزه بهذا أغلظ من تعزيره بالمضاجعة والقبلة، وقال عمر وعليّ ﵄: إذا اضطجعا في فراشٍ واحدٍ يقبلها وتقبله متعانقين يحد كل واحدٍ منهما مائة جلدة، وقال عمر بن الخطاب ﵁: خمسين جلدة.
فرع آخر
لو شهدوا بالزنا ثم غابوا، أو ماتوا يجوز للحاكم إقامة الحد خلافًا لأبي حنيفة رحمة الله تعالى عليه.
فرع آخر
إذا وجد رجلٌ مع امرأة في لحافٍ واحدٍ لا يجب عليهما الحد، وقال إسحاق: يجب عليهما الحد وهذا غلط لما روى ابن مسعود ﵁ أن رجلًا جاء إلي النبي ﷺ فقال: يا رسول الله إني نلت من امرأة حرامًا ما ينال الرجل من امرأته إلا الجماع فقال: "استغفر الله وتوضأ" ولم يوجب عليه الحد.
فرع آخر
إذا وجدت امرأة حاملًا ولا زوج لها سئلت فإن اعترفت بالزنا وجب عليها الحد، وإن أنكرت الزنا لم يجب الحد عليها، وقال مالك: يجب عليها الحد لأن الظاهر أنه من زنا وهذا لا يصح لأنه يحتمل أن يكون من وطئ بشبهةٍ أو إكراهٍ والحد يسقط بالشبهة، وروى عمر ﵁ أنه أتى بامرأة حامل فسألها فقالت: لم أحس حين ركبني رجلٌ فقال عمر: دعوها [١٩/ب].
فرع آخر
من لم يعلم بتحريم الزنا لا حد عليه كالذي لم تبلغه دعوة الإسلام، أو مجنون أفاق بعد بلوغه فزنا لوقته، أو حديث عهد الإسلام، أو قادمٌ من باديةٍ. ولا يلزم إحلافه إلا استظهارًا، وإن لم يكن من هؤلاء الجملة لا يقبل قوله. وروي عن سعيد بن المسيب أنه قال: ذكر الزنا بالشام فقال رجل: زنيت البارحة فقالوا: ما تقول؟ فقال: ما علمت أن الله حرمه فكتبوا إلي عمر ﵁ فكتب عمر: إن كان علم أن الله حرمه فخذوه، وإن لم يكن علم فعلموه، وإن عاد فارجموه.
стр. 6228
وروي أن جارية سوداء رفعت إلي عمر فخفقها بالدرة خفقات وقال: أي لكعاء زنيت؟ فقالت: عرّس بي فلان بدرهمين فجيء بصاحبها الذي زنا بها ومهرها الذي أعطاها فقال عمر: ما ترون؟ وعنده عليٌّ وعثمان وعبد الرحمن بن عوف فقال عليّ: أرى أن ترجموا، وقال عبد الرحمن: أرى مثل ما رأى عليّ فقال لعثمان: ما تقول؟ قال: أرى أنها لم تر بأسًا بالذي صنعت وإنما حد الله على من علم من أمر الله تعالى قال: صدقت.
مسألة: قال: لا يجوز على الزنا واللواط وإتيان البهائم إلا أربعةٌ من الشهود.
جملة هذا أن الزنا واللواط وإتيان البهائم لا يثبت بأقل من أربعة من الشهود العدول الذكور لأن الله تعالى قال في الزنا: ﴿ثُمَّ لَمْ يَاتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ﴾ [النور:٤] فجعل المخلص [٢٠/أ] من حد القذف إن شهد أربعة شهود بالزنا واللواط وإتيان البهائم فقيس على هذا، ولأنه مندوبٌ إلى الستر على الزنا فاستظهر في عدد الشهود بالتقدير بالأربعة توصلًا إلى ستره، ولا تقبل فيه شهادة النساء مع الرجال، ولا تقبل فيه الشهادة على الشهادة في أحد القولين، وقال الحسن: تقبل فيه شهادة ثلاثة مع امرأتين قال الشافعي: ثم يتفهم الحاكم حتى يتبينوا أنهم رأوا ذلك منه يدخل في ذلك منها دخول المرود في المكحلة وهذا تحسين العبارة من جهة السلف فأما رسول الله ﷺ فما قنع إلا بتصريح العبارة قال أصحابنا: ولو قالوا: رأينا ذكره وغاب في فرجها أجزاهم ولا يحتاجون إلي قولهم: مثل المرود في المكحلة لأنه صريح بهذا المعنى، فإن ذكروه كان تأكيدًا والدليل على وجوب التفسير على المشاهد أن النبي ﷺ استفسر ماعزًا حتى أقر بالزنا على ما ذكرنا فإذا لزم التفسير في الإقرار ففي الشهادة أولى وروي أنه لما شهد أبو بكرة وصاحباه على المغيرة بالزنا جاء زياد ليشهد فقال عمر ﵁: جاء رجلٌ لا يشهد إلا بالحق إن شاء الله فقال زياد: رأيت ابتهارًا ومجلسًا سيئًا فقال عمر: أهل رأيت المرود دخل المكحلة؟ فقال: لا فأمر بالثلاثة فجلدوا، وروي أنه قال: رأيت نفسًا يعلو وإستًا تنبو ورأيت رجليها على عنقه كأنها أذنا حمار [٢٠/ب] ولا أدري ما وراء ذلك فأسقط شهادته.
قال: ويجوز للشهود أن ينظروا إلي ذلك منها لإقامة الشهادة عليها ليحصل الردع بالحد.
ثم اعلم أن اللواط وهو إتيان الذكور محرَّمٌ وهو من كبائر الذنوب قال الله تعالى في قوم لوط ﵇: ﴿أَتَاتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ العَالَمِينَ (١٦٥) وتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُم مِّنْ أَزْوَاجِكُم بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ﴾ [الشعراء:١٦٥ - ١٦٦] وعن النبي ﷺ أنه قال: "أول من لاط إبليس أهبط من الجنة فردًا لا زوجة له فلاط بنفسه فكانت ذريته منه" فإذا أتى ذلك اختلف قول
стр. 6229
الشافعي ﵁ فيه فقال: في كتاب عليّ وعبد الله ﵄: يرجم بكرًا كان أو ثيبًا، وبه قال ربيعة ومالك وإسحاق وروي ذلك عن الشعبي ووجه هذا ما روى ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: "من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به" وروي عن ابن عباس أنه قال في البكر يوجد في اللوطية يرجم، وقال أيضًا: ينظر أعلى بناءٍ في القرية فيرمى به منكسًا ثم يتبع بالحجارة لأنه أغلظ لأنه لا يستباح بحالٍ فلزم القتل به، وقال الشافعي في أكثر كتبه: هو كالزنا إن كان بكرًا يجلد، وإن كان ثيبًا يرجم وبه قال الحسن والنخعي وعطاء وقتادة والأوزاعي وابن المسيب وأبو يوسف ومحمد والثوري والزهري. ووجه هذا أن الله تعالى سماه فاحشة [٢١/أ] فقال: ﴿أَتَاتُونَ الفَاحِشَةَ﴾ [النمل:٥٤] وجعل حد الفاحشة الحبس إلي الممات ثم نسخ بخبر عبادة بن الصامت الذي ذكرناه، وقال أبو حنيفة: لا حد فيه ويعزر، وفيه عنه أنه قال: يحبس بعد التعزير حتى يموت، وعلى هذا تثبت اللواطة عنده بشاهدين وهذا لا يصح لما ذكرنا.
وروي عن صفوان بن سليم عن خالد بن الوليد ﵁ أنه وجد في بعض نواحي العرب رجلًا ينكح كما تنكح المرأة فكتب إلي أبي بكر ﵁ فاستشار أبو بكرٍ الصحابة فكان عليّ أشدهم قولًا فقال: ما فعل هذا إلا أمة من الأمم وقد علمتم ما فعل الله بهم أرى أن يحرق بالنار فكتب أبو بكر بذلك فحرَّقه وروى أبو موسى الأشعري ﵁ أن النبي ﷺ قال: "إذا أتى الرجلُ الرجلَ فهما زانيان، وإذا أتت المرأةُ المرأةَ فهما زانيتان" وروي عن عليّ ﵁ أنه قال: يرجم اللوطي وكان ابن الزبير يحرّق اللوطي، وروي عن عليّ أنه رجم لوطيًا، وروى الربيع أن الشافعي رجع عن القول الأول إلى هذا القول الثاني. وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه قول ثالث إنه يعزر كما في إتيان البهائم وهذا غلط ظاهر، ولا فرق أن يلوط بغلامٍ كبيرٍ أو صغير، ولو تلوط بغلام يملكه كما لو تلوط بغلام الأجنبي، وقيل: إن فيه وجهان إن ملكه فيه يصير شبهة في سقوط الحد وهذا ليس بشيء. [٢١/ب] ولو تلوط بامرأة أجنبية فالحكم كما تلوط بالغلام، وقيل: قولًا واحدًا كما لو زنا في قبلها
стр. 6230
يختلف بالبكارة والثيابة، ولو تلوط بزوجة نفسه فالمذهب أنه لا حد وقد ذكرنا. وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه وجهٌ أنه كوطء أخته من الرضاع في ملكه يلزمه الحد في أحد القولين وليس بشيء.
وأما إتيان البهيمة ففيه ثلاثة أقوالٍ. أحدها: يقتل بكل حالٍ وهو ظاهر ما قاله هنا لأنه قرنه باللواط وبه قال أبو سلمة بن عبد الرحمن، ووجهه ما روى عكرمة عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال: "من أتى بهيمةً فاقتلوه واقتلوها معه" وقال عكرمة قلت له: ما شأن البهيمة؟ ما أراه قال ذلك إلا أنه كره أن يؤكل لحمها. وقد عمل بها ذلك العمل. والثاني: حكمه حكم الزنا وبه قال الحسن وروي عن إسحاق بن راهويه أنه قال: يقتل إذا تعمد ذلك وعلم ما جاء من الخبر فيه. فإن درأ عنه إمامٌ القتل لا ينبغي أن يدرأ عنه جلد مائةٍ تشبيهًا بالزنا ولأنه فرج يجب بالإيلاج فيه الغسل فيجب الحد بالإيلاج فيه كفرج الآدمية. والثالث: يعزَّر لأن الشافعي قال في كتاب الشهادات: وإذا شهدوا على رجل بالزنا سألهم الإمام: أزنا بامرأةٍ؟ لأنهم قد يعدون الزنا وقوعًا على بهيمة لعلهم يعدون الاستمناء زنا وهذا نص على أن إتيان البهيمة ليس بزنا، وبه قال [٢٢/أ] أكثر الفقهاء عطاء والنخعي ومالك والثوري وأحمد أبو حنيفة وأصحابه: وجهه أن الحد يجب للردع والزجر، والنفس لا تدعو إلي مواقعة البهيمة فلا يحتاج إلي المبالغة في الردع عنها، ومن أصحابنا من قال: قولًا واحدًا إتيان البهيمة زنا وفي حده قولان كما في اللواط. وتأويل ما قال في الشهادات إنه ربما تعد الشهود إتيان البهيمة زنا والقاضي لا يعده زنا ولهذا يستفسرهم لأن الشافعي ﵁ لا يعده زنا، ومن أصحابنا من قال: قولًا واحدًا إنه ليس بزنا كما صرح في الشهادات وهو اختيار المزني.
وإشراط أربعة من الشهود في هذا لا يدل على أنه زنا لأنه شرط في التعزير الذي هو جنس الحد الذي لا يثبت إلا بأربعة من عدد الشهود الذي شرط في ذلك الحد بخلاف التعزير في الأجناس الأخر لأن حد ذلك الجنس يثبت باثنين. وأما خبر ابن عباس ﵄ قد قال أبو داود: روى عاصم عن أبي رُزين عن ابن عباس أنه قال: لا حد على الذي أتى بهيمةً وهذا يضعف الرواية المرفوعة، وقال يحيى بن معين: روى المرفوع عمرو بن أبي عمرو وليس بالقوي.
فرع
إذا قلنا: يجب التعزير به فظاهر مذهب الشافعي أنه لا يقبل فيه أقل من أربعة شهود
стр. 6231
لما ذكرنا أنه [٢٢/ب] من جنس تغلظت فيه الشهادة وهذا اختيار ابن أبي هريرة.
واستدل بأن هذه شهادة على إيلاج فرجين فلا بد من أربعة كالشهادة على إيلاج فرج الآدمية ووكده أن الجلد والرجم يختلفان وكلاهما في عدد الشهود سواء، فكذلك الجلد والتعزير بسبب الإيلاج في الفرج، ومن أصحابنا من قال: يثبت بشاهدين وهذا اختيار المزني وابن خيران، وقال صاحب "الحاوي": وهكذا الخلاف على من أتى امرأة دون الفرج، وقيل: فيه وجهان والصحيح ما ذكرنا من النصوص وخلاف بعض أصحابنا وهو اختيار أبي حامد.
فرع آخر
قال صاحب "الحاوي": لا حد فيه فهل يلزم الغسل بإيلاجها؟ وجهان: أحدهما: يجب وهو المذهب. والثاني: لا يجب لأنه في حكم المباشرة في غير الفرج.
فرع آخر
في قتل البهيمة. قال القاضي أبو حامد: قال الشافعي ﵁: إن ثبت عن النبي ﷺ في قلتها وإلا لم تقتل وإنما علق الشافعي القوم فيه لأن الخبر الذي روي فيه ضعيف على ما ذكرنا، ومن أصحابنا من قال: فيه وجهان بناءً على حده هل هو مأخوذ من الخبر أو من الاستدلال؟ فإن قلنا: مأخوذ من الخبر تقتل البهيمة، وإن قلنا: مأخوذ من الاستدلال [٢٣/ أ] فلا تقتل.
فرع آخر
إذا قلنا: تقتل ففيه ثلاثة أوجه: أحدها: تقتل جميع البهائم للخبر. والثاني: لا تقتل. والثالث: إن كانت مما يؤكل لحمها ذبحت، وإن كان مما لا يؤكل لحمها لم تقتل لأن النبي ﷺ نهى عن ذبح الحيوان لغير مأكلةٍ، وقال الطحاوي في مختصره: تقتل إن كانت له، ولا تقتل إن كانت لغيره ولا وجه له لعموم الخبر، ومن أصحابنا من قال: إن كانت مما لا يؤكل لحمها لا تقتل وجهًا واحدًا، وإن كانت مأكولة اللحم وجهان، وقيل: إن كانت مأكولة اللحم تقتل وجهًا واحدًا، وإن كانت لا تؤكل فيه وجهان: أحدهما: لا تقتل لأن الأمر بقتلها لئلا يؤكل لحمها على ما ذكر في الخبر وهذا يخص المأكولة. والثاني: تقتل لعموم الخبر.
فرع آخر
إذا قلنا: تقتل فذبح المأكولة فهل يحل أكلها؟ وجهان: أحدهما: يحل وهذا أصح لأنه حيوان يحل ذبحه ممن هو من أهل الذكاة فيحمل على أكله. والثاني: لا يحل لأنها ذبحت لغير الأكل ولأنه أمر بقتلها وذلك يقتضي تحريم أكلها.
стр. 6232
فرع آخر
اختلف أصحابنا في المعنى الذي لأجله أمر بقتلها فقيل: لئلا يؤكل لحمها، وقيل: لئلا يرى فيقذفه الناس بإتيانها، وقيل: لئلا يعير بها ويذكر بها وهذا أقرب من الأول، وقيل: لئلا تأتي بولد مشوه الخلق.
فرع آخر
إذا قتلت وكانت [٢٣/ب] للغير هل تجب قيمتها على الزاني؟ قال صاحب "الإفصاح": قد قيل: قيمتها على الزاني، وقيل: في بيت المال، قيل: لا شيء عليه، وقال غيره من أصحابنا: إنها على الزاني لأن فعله سبب قتلها فصار كما لو قتلها فإن كانت مما تؤكل وقلنا: يحل الأكل يلزمه ما نقص من قيمتها بالذبح.
فرع آخر
إذا قلنا: يقتل بكل حالٍ به وباللواط فكيف يقتل؟ فيه وجهان أحدهما: بالسيف، والثاني: يرجم لما روي عن عليّ ﵁ أنه سئل عن ذلك فقال: يرمى به من شاهقٍ ويعلى بالحجارة ثم تلا قوله تعالى: ﴿فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا﴾ [هود:٨٢] الآية.
فرع آخر
إتيان المرأة المرأةَ مُحرّم لما ذكرنا من الخبر وقد قال ﷺ : "السحاق زنا النساء بينهن ويجب فيه التعزير دون الحد".
فرع آخر
قد ذكرنا أن الاستمناء مُحرّم قال أصحابنا: ويعزَّر إذا فعل، ولا يحد لأنه مباشرة محرمة من غير إيلاج فأشبه الاستمناء دون الفرج.
فرع آخر
إذا وجب الحد على الزاني وأراد الإمام الإقامة يفرقه على بدنه ويجعل لكل موضع من بدنه قسطًا منه إلا الوجه والفرج ذكره أصحابنا، وقال أبو حنيفة: إلا الفرج والوجه والرأس. وهذا لا يصح لما روي عن عمر ﵁ أنه قال: اجعلوا لكل موضع من البدن حظًا [٢٤/أ] من الضرب واتقوا الوجه والفرج، وروي مثل ذلك عن عليّ ﵁ وروي أنه قال: واتق وجهه ومذاكيره، وروي عن عمر أنه أمر بجارية قد فجرت فقال: أدباها واضرباها ولا تجرها بها جلدًا، وقال أبو بكرٍ ﵁: اضرب الرأس فإن الشيطان في الرأس، ولأن في الفرج يخاف التلف وفي الوجه الأعضاء الشريفة فلا يؤمن التلف إذا ضرب عليها وهذا المعنى لا يوجد في سائر الأعضاء غيرها. وقال القاضي الطبري: قال الماسرجسي: يُتقى الرأس. كما قال أبو
стр. 6233
حنيفة وهذا لا يصح لأن في الرأس مقلًا ويخاف العمى وزوال العقل ولا يجرد ولا يمد لما روي عن ابن مسعود ﵁ أنه قال: ليس في هذه الأمة مدٌّ ولا تجريد ولا غل ولا حقد.
فرع آخر
إذا شهد شاهدان أنه أكرهها وآخران أنه طاوعته فلا حد عليها، لأن الشهادة لم تكمل على فعلٍ واحدٍ، وأما الرجل فالمذهب المنصوص أنه لا حد عليه أيضًا وبه قال أبو حنيفة لما ذكرنا، وقال ابن سريج والقاضي أبو حامد: من أصحابنا من قال: يلزمه الحد، وقيل: قولان: أحدهما: ما ذكرنا. والثاني: يلزمه الحد وبه قال أبو يوسف ومحمد لأن الشهادة كملت في حقه على الزنا لأنه زانٍ في الحالين معاً، وهذا غلط لأن الزاني الذي تكون المرأة فيه مطاوعةً غير الزاني الذي تكون المرأة فيه مكرهةً [٢٤/ب] فلا تتم الشهادة في الفعل الواحد.
فرع آخر
إذا قلنا: إنه لا حد عليهما هل يجب حد القذف على الشهود وهو مبني على القولين في الشهود إذا نقص عددهم فإن قلنا: لا حد عليهم لا يحد ها هنا، وإن قلنا: عليهم الحد فهنا وجهان فإن قلنا: يلزم فإن شاهدي الإكراه يحدان للرجل، وأما إذا قلنا: يحد الرجل فإن شاهدي الإكراه لا حد عليهما وأما شاهدا المطاوعة فهل يحدان للمرأة؟ قال القاضي الطبري: الذي عندي أنه يجب عليهما حد القذف، وقال بعض أصحابنا بخراسان: قال المزني: لا يحد الرجل ولا المرأة ولا على شاهدي الطواعية الحد وللشافعي ما يدل على هذا.
فرع آخر
لو شهد أربعةٌ وفيهم عبدٌ أو فاسق وقلنا: بنقصان العدد يوجب الحد على الشهود ففيه ثلاثة أوجه: أحدها: وهو الأصح لا حد على جميعهم لقوة الشهادة بالعدد ولكمال صفة الأكثرين. والثاني: يحد الكل. والثالث: يحد من نقصت صفته بالرق والفسق دون الباقين.
فرع آخر
لو كمل عددهم وصفتهم إلا أنه التكاذب فيها يعارض بأن شهد اثنان أنه زنا بها يوم الجمعة ببغداد وشهد آخران أنه زنا بها يوم الجمعة بالبصرة فإن قلنا: رد الشهود [٢٥/أ] من غير التكاذب يوجب الحد فمع التكاذب أولى، وإن قلنا: رد الشهود في غير التكاذب لا يوجب الحد ففيه ثلاثة أوجه: أحدها: يحدون للقطع بالكذب في شهادتهم. والثاني: لا يحدون لأن الكذب لم يتعين في إحدى الجهتين وبه قال أبو حنيفة. والثالث: يحد الأخيران لتقدم إكذاب الأولين لهما قبل شهادتهما، ولا يحد الأولان لحدوث الأخيرين لهما بعد شهادتهما وهذا أصح.
стр. 6234
فرع آخر
لو ردت شهادتهم لاختلاف الزنا مع الاتفاق على وجوده منهما بأن شهد اثنان أنه زنا بها يوم الجمعة، والآخران أنه زنا بها يوم السبت أو اثنان أنه زنا بها في الدار، وآخران أنه زنا بها في البيت فليس في هذا تكاذب لأنهما فعلان. فإذا قلنا: نقصان العدد لا يوجب الحد فهذا أولى وإن قلنا: يوجبه (فهنا) وجهان: أحدهما: يحد لأن الشهادة لم تكمل بهم. والثاني: لا يلزم الحد لكمال الشهادة بالزنا فكملت في سقوط العفة.
فرع آخر
إذا قلنا: يحد الشهود لا تسمع شهادتهم في شيء لأنه لا يحد للقذف إلا قاذف ولا تقبل شهادته حتى يتوب ولهذا قال عمر ﵁ لأبي بكرة: تُب أقبل شهادتك. وهل يقبل الإخبار عن الرسول ﷺ : فيه وجهان:
أحدهما: يقبل وهو اختيار أبي حامد [٢٥/ب] لأن المسلمين قبلوا روايات أبي بكرة ومن حد معه لم يقبلوا شهادتهم.
والثاني: لا يقبل وهو الأقيس لأن العدالة في الخبر المتعلق بالدين أولى.
فرع آخر
لو ملك الرجل ذا محرمٍ له مثل أمه من الرضاع أو النسب أو عمته أو خالته لا يجوز له وطؤها فإن وطئها قال في "الإملاء": في قولان أحدهما: لا يحد لشبهة الملك فيه وهو الصحيح وبه قال أبو حنيفة. والثاني: يحد لأنه وطء محرم لا يستباح بحالٍ فهو بمنزلة اللواط.
فرع آخر
لو نكح ذات محرم له ثم وطئها مع العلم بتحريمها يلزمه الحد بلا خلاف على المذهب وكذلك لو نكح المطلقة ثلاثًا، أو البائنة باللعان، أو المرأة الخامسة مع العلم بالتحريم ووطئها يلزمه الحد وبه قال مالك والحسن وأبو يوسف ومحمد، وقال أحمد وإسحاق: يقتل ويؤخذ ماله للخبر في ذلك، وقال سفيان: يدرأ عنه الحد إذا كان التزويج بشهود. وقال أبو حنيفة: يعزر ولا يحد ودليلنا ما روي عن البراء بن عازب ﵁ أنه قال: (بينما) أنا أطوف على إبلٍ لي ضلت إذ أقبل ركب أو فوارس معهم لواء فجعل الأعراب يطيفون بي لمنزلتي من رسول الله [٢٦/أ] ﷺ إذ أتوا قبةً فاستخرجوا منها رجلًا فضربوا عنقه فسألت عنه فذكروا أنه أعرس بامرأة أبيه، فإن قيل: لعله لم ينكحها قلنا: قوله: أعرس كناية عن النكاح والبناء بالأهل، وقد روى يزيد بن البراء عن أبيه قال: لقيت عمي ومعه لواء فقلت: أين تريد؟ فقال: بعثني رسول
стр. 6235
الله (صلى) الله عليه وسلم إلي رجل نكح امرأة أبيه فأمرني أن أضرب عنقه وآخذ ماله وهذا صريح في النكاح، وروى الإمام أبو سليمان الخطابي بإسناده عن البراء بن عازب قال: مر بي خالي ومعه لواء فقلت: أين تذهب؟ قال: بعثني رسول الله صلي الله عليه وسلم إلي رجل تزوج بامرأة أبيه آتيه برأسه وهذا يرفع الإشكال وروى ابن عباس ﵁ أن النبي صلي الله عليه وسلم قال: "من وقع علي ذات محرم فاقتلوه" ولأنه وطء مجمع علي تحريمه لم يصادف ملكًا ولا شبهة ملك، فإذا أقدم عليه مع العلم بحاله يلزمه الحد إذا كان من أهله كما لو وطئها من غير عقد.
فرع آخر
إذا استأجر امرأة للزنا بها فزنا بها يلزمه الحد. وبه قال أبو يوسف ومحمد وجماعة العلماء، وقال أبو حنيفة: لا يلزمه الحد لشبهة العقد وهذا لا يصح لما ذكرنا وقياسًا علي ما لو استأجرها للخدمة ثم زنا بها يلزمه [٢٦/ب] الحد بالإجماع ويؤكده أن ما قاله يؤدي إلي فساد عظيم لأن كل زان لا يعجز عن مثل هذا العقد.
فرع آخر
لو وطئ جارية مشتركة بينه وبين غيره لا يلزمه الحد، وقال أبو ثور: يلزمه الحد لأن ملك البعض لا يبيح الوطء وهذا غلط لأنه اجتمع في الوطء ما يوجب الحد وما يسقطه فغلب الإسقاط لأن مبنى الحد علي الإسقاط بالشبهة وقد روي عن النبي ﷺ أنه قال: "ادرؤوا الحدود بالشبهات" وروت عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: "ادرؤوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم فإن وجدتم للمسلم مخرجًا فخلوا سبيله فإن الإمام إن يخطئ في العفو خيرٌ له من أن يخطئ في العقوبة".
فرع آخر
لو تزوج مجوسية فوطئها عالمًا بحالها لا يلزمه الحد لأن في إباحتها خلافا، كما لو نكحها بمتعةٍ ووطئها لا يلزمه الحد. ذكره القاضي الطبري، وفيه وجد آخر أنه يلزمه الحد وهو ضعيف. ولو تزوج معتدة فوطئها يلزمه الحد لأنه إجماع.
فرع آخر
لو ادعي الجهالة بأن لها زوجاً أو أنها معتدة في عدة من زوج أُحلف ودرء عنه الحد
следующие страницы →