← Фикх шафии

Фикх шафии · id 16934

بحر المذهب للروياني

عَبْد الواحِد الرُّوْياني

Полный текст (7 151 стр.). Показаны 6231–6270 · переход к 6236.

стр. 6231

لما ذكرنا أنه [٢٢/ب] من جنس تغلظت فيه الشهادة وهذا اختيار ابن أبي هريرة. واستدل بأن هذه شهادة على إيلاج فرجين فلا بد من أربعة كالشهادة على إيلاج فرج الآدمية ووكده أن الجلد والرجم يختلفان وكلاهما في عدد الشهود سواء، فكذلك الجلد والتعزير بسبب الإيلاج في الفرج، ومن أصحابنا من قال: يثبت بشاهدين وهذا اختيار المزني وابن خيران، وقال صاحب "الحاوي": وهكذا الخلاف على من أتى امرأة دون الفرج، وقيل: فيه وجهان والصحيح ما ذكرنا من النصوص وخلاف بعض أصحابنا وهو اختيار أبي حامد. فرع آخر قال صاحب "الحاوي": لا حد فيه فهل يلزم الغسل بإيلاجها؟ وجهان: أحدهما: يجب وهو المذهب. والثاني: لا يجب لأنه في حكم المباشرة في غير الفرج. فرع آخر في قتل البهيمة. قال القاضي أبو حامد: قال الشافعي ﵁: إن ثبت عن النبي ﷺ في قلتها وإلا لم تقتل وإنما علق الشافعي القوم فيه لأن الخبر الذي روي فيه ضعيف على ما ذكرنا، ومن أصحابنا من قال: فيه وجهان بناءً على حده هل هو مأخوذ من الخبر أو من الاستدلال؟ فإن قلنا: مأخوذ من الخبر تقتل البهيمة، وإن قلنا: مأخوذ من الاستدلال [٢٣/ أ] فلا تقتل. فرع آخر إذا قلنا: تقتل ففيه ثلاثة أوجه: أحدها: تقتل جميع البهائم للخبر. والثاني: لا تقتل. والثالث: إن كانت مما يؤكل لحمها ذبحت، وإن كان مما لا يؤكل لحمها لم تقتل لأن النبي ﷺ نهى عن ذبح الحيوان لغير مأكلةٍ، وقال الطحاوي في مختصره: تقتل إن كانت له، ولا تقتل إن كانت لغيره ولا وجه له لعموم الخبر، ومن أصحابنا من قال: إن كانت مما لا يؤكل لحمها لا تقتل وجهًا واحدًا، وإن كانت مأكولة اللحم وجهان، وقيل: إن كانت مأكولة اللحم تقتل وجهًا واحدًا، وإن كانت لا تؤكل فيه وجهان: أحدهما: لا تقتل لأن الأمر بقتلها لئلا يؤكل لحمها على ما ذكر في الخبر وهذا يخص المأكولة. والثاني: تقتل لعموم الخبر. فرع آخر إذا قلنا: تقتل فذبح المأكولة فهل يحل أكلها؟ وجهان: أحدهما: يحل وهذا أصح لأنه حيوان يحل ذبحه ممن هو من أهل الذكاة فيحمل على أكله. والثاني: لا يحل لأنها ذبحت لغير الأكل ولأنه أمر بقتلها وذلك يقتضي تحريم أكلها.

стр. 6232

فرع آخر اختلف أصحابنا في المعنى الذي لأجله أمر بقتلها فقيل: لئلا يؤكل لحمها، وقيل: لئلا يرى فيقذفه الناس بإتيانها، وقيل: لئلا يعير بها ويذكر بها وهذا أقرب من الأول، وقيل: لئلا تأتي بولد مشوه الخلق. فرع آخر إذا قتلت وكانت [٢٣/ب] للغير هل تجب قيمتها على الزاني؟ قال صاحب "الإفصاح": قد قيل: قيمتها على الزاني، وقيل: في بيت المال، قيل: لا شيء عليه، وقال غيره من أصحابنا: إنها على الزاني لأن فعله سبب قتلها فصار كما لو قتلها فإن كانت مما تؤكل وقلنا: يحل الأكل يلزمه ما نقص من قيمتها بالذبح. فرع آخر إذا قلنا: يقتل بكل حالٍ به وباللواط فكيف يقتل؟ فيه وجهان أحدهما: بالسيف، والثاني: يرجم لما روي عن عليّ ﵁ أنه سئل عن ذلك فقال: يرمى به من شاهقٍ ويعلى بالحجارة ثم تلا قوله تعالى: ﴿فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا﴾ [هود:٨٢] الآية. فرع آخر إتيان المرأة المرأةَ مُحرّم لما ذكرنا من الخبر وقد قال ﷺ : "السحاق زنا النساء بينهن ويجب فيه التعزير دون الحد". فرع آخر قد ذكرنا أن الاستمناء مُحرّم قال أصحابنا: ويعزَّر إذا فعل، ولا يحد لأنه مباشرة محرمة من غير إيلاج فأشبه الاستمناء دون الفرج. فرع آخر إذا وجب الحد على الزاني وأراد الإمام الإقامة يفرقه على بدنه ويجعل لكل موضع من بدنه قسطًا منه إلا الوجه والفرج ذكره أصحابنا، وقال أبو حنيفة: إلا الفرج والوجه والرأس. وهذا لا يصح لما روي عن عمر ﵁ أنه قال: اجعلوا لكل موضع من البدن حظًا [٢٤/أ] من الضرب واتقوا الوجه والفرج، وروي مثل ذلك عن عليّ ﵁ وروي أنه قال: واتق وجهه ومذاكيره، وروي عن عمر أنه أمر بجارية قد فجرت فقال: أدباها واضرباها ولا تجرها بها جلدًا، وقال أبو بكرٍ ﵁: اضرب الرأس فإن الشيطان في الرأس، ولأن في الفرج يخاف التلف وفي الوجه الأعضاء الشريفة فلا يؤمن التلف إذا ضرب عليها وهذا المعنى لا يوجد في سائر الأعضاء غيرها. وقال القاضي الطبري: قال الماسرجسي: يُتقى الرأس. كما قال أبو

стр. 6233

حنيفة وهذا لا يصح لأن في الرأس مقلًا ويخاف العمى وزوال العقل ولا يجرد ولا يمد لما روي عن ابن مسعود ﵁ أنه قال: ليس في هذه الأمة مدٌّ ولا تجريد ولا غل ولا حقد. فرع آخر إذا شهد شاهدان أنه أكرهها وآخران أنه طاوعته فلا حد عليها، لأن الشهادة لم تكمل على فعلٍ واحدٍ، وأما الرجل فالمذهب المنصوص أنه لا حد عليه أيضًا وبه قال أبو حنيفة لما ذكرنا، وقال ابن سريج والقاضي أبو حامد: من أصحابنا من قال: يلزمه الحد، وقيل: قولان: أحدهما: ما ذكرنا. والثاني: يلزمه الحد وبه قال أبو يوسف ومحمد لأن الشهادة كملت في حقه على الزنا لأنه زانٍ في الحالين معاً، وهذا غلط لأن الزاني الذي تكون المرأة فيه مطاوعةً غير الزاني الذي تكون المرأة فيه مكرهةً [٢٤/ب] فلا تتم الشهادة في الفعل الواحد. فرع آخر إذا قلنا: إنه لا حد عليهما هل يجب حد القذف على الشهود وهو مبني على القولين في الشهود إذا نقص عددهم فإن قلنا: لا حد عليهم لا يحد ها هنا، وإن قلنا: عليهم الحد فهنا وجهان فإن قلنا: يلزم فإن شاهدي الإكراه يحدان للرجل، وأما إذا قلنا: يحد الرجل فإن شاهدي الإكراه لا حد عليهما وأما شاهدا المطاوعة فهل يحدان للمرأة؟ قال القاضي الطبري: الذي عندي أنه يجب عليهما حد القذف، وقال بعض أصحابنا بخراسان: قال المزني: لا يحد الرجل ولا المرأة ولا على شاهدي الطواعية الحد وللشافعي ما يدل على هذا. فرع آخر لو شهد أربعةٌ وفيهم عبدٌ أو فاسق وقلنا: بنقصان العدد يوجب الحد على الشهود ففيه ثلاثة أوجه: أحدها: وهو الأصح لا حد على جميعهم لقوة الشهادة بالعدد ولكمال صفة الأكثرين. والثاني: يحد الكل. والثالث: يحد من نقصت صفته بالرق والفسق دون الباقين. فرع آخر لو كمل عددهم وصفتهم إلا أنه التكاذب فيها يعارض بأن شهد اثنان أنه زنا بها يوم الجمعة ببغداد وشهد آخران أنه زنا بها يوم الجمعة بالبصرة فإن قلنا: رد الشهود [٢٥/أ] من غير التكاذب يوجب الحد فمع التكاذب أولى، وإن قلنا: رد الشهود في غير التكاذب لا يوجب الحد ففيه ثلاثة أوجه: أحدها: يحدون للقطع بالكذب في شهادتهم. والثاني: لا يحدون لأن الكذب لم يتعين في إحدى الجهتين وبه قال أبو حنيفة. والثالث: يحد الأخيران لتقدم إكذاب الأولين لهما قبل شهادتهما، ولا يحد الأولان لحدوث الأخيرين لهما بعد شهادتهما وهذا أصح.

стр. 6234

فرع آخر لو ردت شهادتهم لاختلاف الزنا مع الاتفاق على وجوده منهما بأن شهد اثنان أنه زنا بها يوم الجمعة، والآخران أنه زنا بها يوم السبت أو اثنان أنه زنا بها في الدار، وآخران أنه زنا بها في البيت فليس في هذا تكاذب لأنهما فعلان. فإذا قلنا: نقصان العدد لا يوجب الحد فهذا أولى وإن قلنا: يوجبه (فهنا) وجهان: أحدهما: يحد لأن الشهادة لم تكمل بهم. والثاني: لا يلزم الحد لكمال الشهادة بالزنا فكملت في سقوط العفة. فرع آخر إذا قلنا: يحد الشهود لا تسمع شهادتهم في شيء لأنه لا يحد للقذف إلا قاذف ولا تقبل شهادته حتى يتوب ولهذا قال عمر ﵁ لأبي بكرة: تُب أقبل شهادتك. وهل يقبل الإخبار عن الرسول ﷺ : فيه وجهان: أحدهما: يقبل وهو اختيار أبي حامد [٢٥/ب] لأن المسلمين قبلوا روايات أبي بكرة ومن حد معه لم يقبلوا شهادتهم. والثاني: لا يقبل وهو الأقيس لأن العدالة في الخبر المتعلق بالدين أولى. فرع آخر لو ملك الرجل ذا محرمٍ له مثل أمه من الرضاع أو النسب أو عمته أو خالته لا يجوز له وطؤها فإن وطئها قال في "الإملاء": في قولان أحدهما: لا يحد لشبهة الملك فيه وهو الصحيح وبه قال أبو حنيفة. والثاني: يحد لأنه وطء محرم لا يستباح بحالٍ فهو بمنزلة اللواط. فرع آخر لو نكح ذات محرم له ثم وطئها مع العلم بتحريمها يلزمه الحد بلا خلاف على المذهب وكذلك لو نكح المطلقة ثلاثًا، أو البائنة باللعان، أو المرأة الخامسة مع العلم بالتحريم ووطئها يلزمه الحد وبه قال مالك والحسن وأبو يوسف ومحمد، وقال أحمد وإسحاق: يقتل ويؤخذ ماله للخبر في ذلك، وقال سفيان: يدرأ عنه الحد إذا كان التزويج بشهود. وقال أبو حنيفة: يعزر ولا يحد ودليلنا ما روي عن البراء بن عازب ﵁ أنه قال: (بينما) أنا أطوف على إبلٍ لي ضلت إذ أقبل ركب أو فوارس معهم لواء فجعل الأعراب يطيفون بي لمنزلتي من رسول الله [٢٦/أ] ﷺ إذ أتوا قبةً فاستخرجوا منها رجلًا فضربوا عنقه فسألت عنه فذكروا أنه أعرس بامرأة أبيه، فإن قيل: لعله لم ينكحها قلنا: قوله: أعرس كناية عن النكاح والبناء بالأهل، وقد روى يزيد بن البراء عن أبيه قال: لقيت عمي ومعه لواء فقلت: أين تريد؟ فقال: بعثني رسول

стр. 6235

الله (صلى) الله عليه وسلم إلي رجل نكح امرأة أبيه فأمرني أن أضرب عنقه وآخذ ماله وهذا صريح في النكاح، وروى الإمام أبو سليمان الخطابي بإسناده عن البراء بن عازب قال: مر بي خالي ومعه لواء فقلت: أين تذهب؟ قال: بعثني رسول الله صلي الله عليه وسلم إلي رجل تزوج بامرأة أبيه آتيه برأسه وهذا يرفع الإشكال وروى ابن عباس ﵁ أن النبي صلي الله عليه وسلم قال: "من وقع علي ذات محرم فاقتلوه" ولأنه وطء مجمع علي تحريمه لم يصادف ملكًا ولا شبهة ملك، فإذا أقدم عليه مع العلم بحاله يلزمه الحد إذا كان من أهله كما لو وطئها من غير عقد. فرع آخر إذا استأجر امرأة للزنا بها فزنا بها يلزمه الحد. وبه قال أبو يوسف ومحمد وجماعة العلماء، وقال أبو حنيفة: لا يلزمه الحد لشبهة العقد وهذا لا يصح لما ذكرنا وقياسًا علي ما لو استأجرها للخدمة ثم زنا بها يلزمه [٢٦/ب] الحد بالإجماع ويؤكده أن ما قاله يؤدي إلي فساد عظيم لأن كل زان لا يعجز عن مثل هذا العقد. فرع آخر لو وطئ جارية مشتركة بينه وبين غيره لا يلزمه الحد، وقال أبو ثور: يلزمه الحد لأن ملك البعض لا يبيح الوطء وهذا غلط لأنه اجتمع في الوطء ما يوجب الحد وما يسقطه فغلب الإسقاط لأن مبنى الحد علي الإسقاط بالشبهة وقد روي عن النبي ﷺ أنه قال: "ادرؤوا الحدود بالشبهات" وروت عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: "ادرؤوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم فإن وجدتم للمسلم مخرجًا فخلوا سبيله فإن الإمام إن يخطئ في العفو خيرٌ له من أن يخطئ في العقوبة". فرع آخر لو تزوج مجوسية فوطئها عالمًا بحالها لا يلزمه الحد لأن في إباحتها خلافا، كما لو نكحها بمتعةٍ ووطئها لا يلزمه الحد. ذكره القاضي الطبري، وفيه وجد آخر أنه يلزمه الحد وهو ضعيف. ولو تزوج معتدة فوطئها يلزمه الحد لأنه إجماع. فرع آخر لو ادعي الجهالة بأن لها زوجاً أو أنها معتدة في عدة من زوج أُحلف ودرء عنه الحد

стр. 6236

نص عليه قال القاضي أبو حامد: قد قيل: إن اليمين استظهار ولو قالت المرأة: علمت أني ذات زوج ولا يحل لي النكاح أقيم عليها الحد ولو قالت: بلغني موت زوجي واعتدت ثم نكحت درأ عنها الحد [٢٧/أ] وكلما درأنا الحد لزم المهر بالوطء. فرع آخر لو أباح جاريةً لغيره فوطئها يلزمه الحد، وقال أبو حنيفة: إن كانت لامرأته جارية فأباحتها فوطئها لا يلزمه الحد إذا قال: ظننت أنها تحل لي، وروي عن عمر وعليّ وعطاء بن أبي رباح وقتادة ومالك وإسحاق مثل قولنا، وقال الزهري والأوزاعي: يجلد ولا يرجم، وقال الثوري: إن كان يعرف بالجهالة يعزر ولا يحد، وقد روى أبو داود عن حبيب بن سالم أن رجلًا يقال له: عبد الرحمن بن حنين وقع علي جارية امرأته فرفع إلي النعمان بن بشير وهو أمير علي الكوفة فقال: لأقضين فيك بقضية رسول الله صلي الله عليه وسلم إن كانت أحلتها لك جلدتك مائة، وإن لم تك أحلتها لك رجمتك بالحجارة فوجده قد أحلتها له فجلده مائه وهذا خبر منقطع لا يعول عليه، وقال محمد بن إسماعيل البخاري: أنا أنفي هذا الحديث، وقيل: في تأويله: إذا أحلتها له أوقع شبهة في الوطء فدرأ عنه الرجم ويجب عليه التعزير لأنه لا يعذر بجهله من نشأ في الإسلام وزيد في عدد التعزير حتى أبلغ به حد الزنا للبكر وللإمام أن يبلغ بالتعزير الحد عند مالكٍ ومذهب الشافعي ﵁ بخلاف هذا ولو زنا بجارية أبيه يلزمه الحد، وقال أبو حنيفة: إن ظنت الجارية أنها تحل له لا تحد [٢٧/ب] وهذا لا يصح كما لو كانت عاقلة فكذبته. فرع آخر لو زنا بأمة له عليها قصاص يحد، وقال أبو حنيفة: لا يحد لأن له عليها حقًا يتوهم ملكه إياها بذلك السبب. فرع آخر لو زنا في دار الحرب يلزمه الحد خلافًا لأبي حنيفة وظاهر المذهب أنه يقيم الإمام الحد عليه هناك إذا لم يخف الفتنة، وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه قولان: أحدهما: هذا. والثاني: لا يقام عليه الحد لخوف الفتنة وانكسار قلوب المسلمين. مسألة: قال: وإِنْ شَهِدُوا مُتَفَرِقِيْنَ قَبِلْتُهُمْ إِذَا كَانَ الزِّنَا وَاحِدًا. إذا شهدوا بالزنا قبلت شهادتهم سواء شهدوا متفرقين أو مجتمعين في مجلس أو مجالس، وقال أبو حنيفة: إن شهدوا متفرقين في مجالس لا تقبل شهادتهم وكانوا قذفة يحدون. وحد المجلس عنده ما دام الحاكم جالسًا، وإن جلس إلي آخر النهار ودليلنا

стр. 6237

أنه حق ثبت بشهادة الشهود فلا يصير فيه الاجتماع في مجلس واحد كسائر الحقوق. فرع إذا شهدوا بالزنا بعد تقادم العهد تقبل شهادتهم، وقال أبو حنيفة: لا تقبل، وقال أبو يوسف: جهدت بأبي حنيفة أن يؤقت لتقادم العهد في شهادة الزنا وقتًا فأبي، وقال الحسن بن زياد: ووقته أبو حنيفة بسنة وروي عن أبي يوسف أنه قال: [٢٨/ب] حده شهر. واحتجوا بما روى عن عمر ﵁ أنه قال: أيما شهود شهدوا بحد لم يشهدوا بحضرته فإنما هم شهود ضغنٍ ودليلنا أنه حق ثبت بالشهادة علي الفور فوجب أن يثبت بها بعد تطاول الزمان كسائر الحقوق، وأما الأثر رواه الحسن وهو مرسل ولأن عندهم الضغن لا يمنع الشهادة ويحتمل أنه أراد إذا لم يشاهدوه. فرع آخر إذا شهد عليه بالزنا أربعة شهود فشهد أحدهم أنه زنا بها في زاوية البيت اليسرى، وشهد الآخر أنه زنا بها في اليمنى لم يجب الحد علي المشهود عليه، وهل يحد الشهود؟ قولان، وقال أبو حنيفة: القياس هذا ولكن رجم المشهود عليه استحسانًا قال الشافعي ﵁: أي استحسان في سفك دم المسلم؟ واحتجوا بأنهم اتفقوا علي الزنا ويحتمل أنه رآه أحدهم في زاوية ثم زحف في حال الفعل إلي زاوية أخري فرآه الآخر واعتقد أحدهما أنه قريب إلي زاوية والآخر أنه مائل إلي زاوية أخري وهذا خطأ لأنه لم تتم الشهادة علي فعل واحد كما لو شهد أحدهم أنه زنا بالغداة والآخر بالعشي. [٢٨/ب] مسألة: قال: وَمَتى رَجَعَ بَعْدَ تَمَامِ الشَّهَادَةِ لَمْ يُحَدَّ غَيْرُهُ. في هذا الفصل مسألتان: إحداهما: إذا شهد الشهود علي الزنا ثم رجع أحدهم. والثانية: إذا لم يكمل العدد في الأصل وذكرها المزني بعد هذه المسألة وهذه الثانية مقدمة علي الأولي فنبدأ بها، فإذا شهد شاهد أو اثنان أو ثلاثة علي رجل بالزنا ولم تتم الشهادة أربعة لا خلاف أنه لا يجب الحد علي المشهود عليه لأنه لم تكمل البينة، وهل يجب الحد من الشهود؟ قولان أحدهما: يجب نص عليه في القديم والجديد أيضًا وتكلم عليه، وقال: لا أعلم فيه خلافًا وهو الأصح وبه قال أبو حنيفة ومالك لما ذكرنا من خبر عمر ﵁ أنه حد الثلاثة الذين شهدوا علي المغيرة بالزنا وهم أبو بكرة ونافع وشبل بن معبد. وروى أن أبا بكرة قال بعد أن حده عمر: والله إن المغيرة زنا فهم عمر بجلده فقال له عليّ: إن حددته فارجم صاحبك يعني المغيرة، وأراد أن هذا القول إن كان شهادة أخري فقد تم العدد، وإن كان هو الأول فقد جلدته عليه ومثل هذه القصة تنتشر لأن المغيرة والشهود كانوا بالبصرة واستدعاهم عمر (إلى) المدينة،

стр. 6238

والثاني: لا يجب أومأ إليه في الجديد لأنهم جاؤوا مجيء الشهود. فرع لو كان في الأربعة عبد أو فاسق [٢٩/أ] فقد ذكرنا ولو كانت الأربعة كلهم فساقًا ففيه طريقان: أحدهما: أن نقص العدالة كنقص العدد ففي حدهم قولان. والثاني: لا يحدون قولًا واحدًا وهذا اختيار القاضي أبي حامد وبه قال أبو حنيفة لأن نقص العدد يدرك يقينًا، ونقص العدالة يدرك اجتهادًا والحدود تدرء بالشبهة. وقال بعض أصحابنا بخراسان: إن كان الفسق مجتهدًا فيه لا يحدون، وإن كان فسقًا ظاهرًا فيه وجهان، قال هذا القائل: وإن كانوا أعداءً للمشهود عليه لا يحدون لأنه كالفاسق المجتهد في فسقه، وقال القاضي أبو حامد: هذا إذا كان أحدهم عبدًا أو محدودًا في القذف هو بمنزلة الفسق لأنه يدرك اجتهادًا، وقيل: إنه بمنزلة نقص العدد قولًا واحدًا لأنه أمر ظاهر يستسر به بخلاف الفسق. وقيل: إن كانوا عبيدًا أو كفارًا يحدون قولًا واحدًا لأنهم تيقنوا أنا لا نقبل بشهادتهم فمجيئهم مجيء القذفة، وكذلك لو كن نسوة، وإن كان أحدهم عبدًا أو كافرًا فإن قلنا: لا يجب الحد عليه لا يجب علي أصحابه، وإن قلنا: يجب الحد عليه ففي أصحابه قولان نقص العدد، وإن كان أحدهم صبيًا أو امرأة، قال أصحابنا: هذا بمنزلة نقصان العدد. وأما المسألة الثانية إذا شهد أربعة بالزنا فقبل أن يحكم بشهادتهم رجع واحد منهم لا يجب الحد علي المشهود عليه، ويجب الحد علي الراجع لأنه قذفه لأنه إن قال: تعمدت [٢٩/ب] فهو قاذف وإن قال: أخطأت فهو مفرط كاذب، وقال القاضي الطبري: عندي علي لزومه الحد قولان لأنه أضاف الزنا إليه بلفظ الشهادة عند الحاكم فأشبه إذا شهد واحد وحده والأول أولى لأنه اعترف بالكذب فبطل حكم لفظ الشهادة بخلاف الواحد، وأما الثلاثة الآخرون نص الشافعي علي أنهم لا يحدون. والفرق بين هذه المسألة والمسألة التي قبلها أن هنا تكامل العدد فانتفي عنهم وصف القاذفين بكمال عددهم فلما رجع واحدٌ منهم صار هذا الراجع موصوفًا بوصف القاذفين، وهناك لم ينف وصف القاذفين عن الثلاثة لأن عددهم لم يتكامل حتى يتم وصف البينة فلهذا يحدون ويؤكده أن هناك ما وجب الحد في الظاهر علي المشهود عليه وإنما سقط الحد لمعنًى طرأ بعد وجوبه فافترقا، وقال القاضي أبو حامد: من جلد الأربعة إذا كانوا فساقًا فقياسه أن يحد هؤلاء أيضًا، ومن أصحابنا من أطلق وقال: فيه قولان أيضًا وهذا ضعيف لأنه نص أنهم يحدون في هذه المسألة مع نصه علي حدهم عند نقصان العدد، وقال أبو حنيفة: يحدون لأنه انتقص العدد فصار كما لو كان ناقصًا في الابتداء وهو الأصح والفرق ظاهرة.

стр. 6239

وقيل: [٣٠/أ] إن المغيرة في قصة عمر ﵁ علي ما ذكرنا كان نكحها سرًا فلم يذكره لعمر لأنه كان لا يري نكاح السر ويحد فيه وكان يتبسم عن الشهادة عليه فقيل له في ذلك فقال: لأني أعجب كما أريد أن أفعله بعد كمال شهادتهم فقيل له: وما تفعل؟ قال: أقيم البينة أنها زوجتي. ولو رجع واحد بعد الحكم بشهادتهم فالحكم عندنا كما لو رجع قبل الحكم، وحكي عن أبي حنيفة أنه قال هنا: لا يحد الحد علي غيره. مسألة: قال: فَإِنْ رُجِمَ بِشَهَادَةِ أربعةٍ ثُمَّ رَجَعَ أَحَدُهُمْ. الفصل إذا شهد أربعة علي رجلٍ بالزنا فرجم ثم قالوا: أخطأنا في الشهادة عليه ولم يكن زنا يجب عليهم حد القذف لأنهم اعترفوا بالقذف ويلزمهم الدية للمقتول أرباعًا لأنهم سبب قتله إلا أنهم أخطؤوا فتجب دية مخففة، وإن قالوا: لم نعلم أنه يقتل بشهادتنا أو ظننا أنه بكر وكانوا ممن يجوز أن يخفى عليهم هذا لقرب عهدهم بالإسلام فالقول قولهم ويجب الحد عليهم وتجب دية مغلظة لأن هذا عمد خطأ، وإن لم يصدقهم الولي علي ذلك يلزمهم اليمين، وإن قالوا: تعمدنا وقصدنا قتله يلزمهم الحد والقصاص وعند أبي حنيفة لا حد ولا قود لأن حد القذف عنده لا يورث، وحكي عن القاضي أبي الطيب أنه قال: الحد علي القولين في هذه المسألة أيضًا من أجل [٣٠/ب] لفظ الشهادة وقد بينا هذه المسألة قبلها. وإن رجع أحدهم فإن قال: عمدت وقصدت ليقتل وكذلك أصحابي يلزمه الحد والقصاص لأنه عامد شارك العامدين، وإن قال: عمدت وأخطأ أصحابي، أو قال أخطأت وعمد أصحابي أو أخطأنا كلنا أو لم أعلم حالهم فلا قود وعليه الحد وربع الدية مخففًا في الخطأ، ومغلظًا في العمد لأنه إما أن يكون مخطئًا، أو مشاركًا للخاطئ وكلاهما يسقط القصاص. فرع قال أصحابنا بخراسان: لو قال كل واحدٍ منهم عمدت وأخطأ أصحابي فيه وجهان أحدهما: العمد حصل من جميعهم فمقتولون. والثاني لا قصاص عليهم لأن موجب إقرار كل واحدٍ منهم أن لا قود عليه يجعل أصحابه مخطئين وهذا ظاهر المذهب ولا معني للوجه الأول عندي. فرع آخر قال ابن سريج: إذا شهد ثمانية علي رجلٍ بالزنا فرجم بشهادتهم ثم رجعوا كلهم وقالوا: أخطأنا تلزمهم الدية أثمانًا علي كل واحدٍ منهم الثمن، ولو رجع واحدٌ من الثمانية أو اثنان أو ثلاثة أو أربعة فهل يجب علي الراجعين الضمان؟ قال ابن سريج:

стр. 6240

لا ضمان وبه قال عامة أصحابنا وهو قول أبي حنيفة قد بقي بعد رجوعهم من يستوفي الحد بشهادتهم فلا ضمان علي من رجع كما لو شهد أربعة ثم رجعوا أو قالوا: أخطأنا [٣١/أ] وهناك أربعة يشهدون عليه بالزنا وشهدوا لا يجب علي الراجعين شيء، كذلك هنا فعلى هذا إن رجع الخامس انحل من الوثيقة الربع فيجب ربع الدية ويكون الربع علي الخمسة بالسوية، وإن رجع ستة وجب نصف الدية عليهم، وإن رجع سبعة وجب ثلاثة أرباع الدية عليهم، وإن رجع الكل فقد ذكرنا الحكم. وقال أبو إسحاق: إذا رجع واحدٌ منهم يلزمه ثُمن الدية لأن الحكم بالرجم ثبت بشهادة الكل فمن رجع منهم فقد أقر بأنه أتلف ثمن نفسه بغير حق فلزمه ضمانه وبه قال المزني، وقال القفال: هذا القول الثاني. رواه البويطي ففي المسألة قولان والمذهب الأول، وعلي القول الثاني إن رجع اثنان يلزم الربع عليهما، وإن رجع ثلاثة يلزمهم ثلاثة أثمان الدية. فرع لا يثبت الإحصان إلا بشاهدين ذكرين، وقال أبو حنيفة: يثبت بشاهد وامرأتين، دليلنا أنه لا يقصد منه المال ولا تقبل فيه شهادة النساء علي الانفراد فلا مدخل للنساء فيه أصلًا. فرع آخر لو شهد أربعة علي رجلٍ بالزنا وهو منكر الإحصان فشهد عليه رجلان بالإحصان رجم فإن رجع شهود الإحصان عن الشهادة روى المزني عن الشافعي في أربعة شهود شهدوا علي رجلٍ بالزنا وشهد آخران بالإحصان ثم رجعوا أن الدية تجب عليهم علي شهود الزنا ثلثا الدية، وعلي شهود الإحصان ثلثها وهذا [٣١/ب] لأن الرجم لم يستوف إلا بقولهم فيجب الضمان عليهم عند الرجوع وعلي هذا يلزمهم القود إن تعمدوا. وقال القاضي أبو حامد: وقيل: فيه قول آخر يجب الغرم علي شهود الزنا دون شهود الإحصان. وبه قال أبو حنيفة لأن شهود الإحصان لم يثبتوا الجناية وإنما أثبتوا صفة الكمال ومدحوا المشهود عليه فهو كما لو شهد أربعة بالزنا، وآخران أنه كان عاقلًا ثم رجعوا لا غرامة علي شاهدي العقل، وبه قال صاحب "الإفصاح". قال بعض أصحابنا: يُنظر فإن كان شهود الإحصان شهدوا قبل الزنا من أجل حكم الزنا فرجعوا لم يكن عليهم شيء، وإن كانت شهادتهم بالإحصان من أجل الزنا فرجعوا ففيه وجهان: أحدهما: لا شيء عليهم، والثاني: الغرامة. ثم في الغرامة وجهان: أحدهما: يقسم علي عدد الرؤوس. والثاني: نصفها علي شهود الإحصان ونصفها علي شهود الزنا لأنه قد ثبت بهم نصف الشرط فكان عليهم نصف الدية وهكذا ذكره ابن أبي

стр. 6241

هريرة، وقال بعض أصحابنا بخراسان: هل يغرم شهود الإحصان؟ فيه قولان وكم يغرمون؟ فيه قولان، وقال أبو ثور: لا ضمان علي شهود الزنا وإنما الضمان علي شهود الإحصان فلا يجب علي شهود الزنا أولى. فرع آخر لو شهد ثمانية بالزنا واثنان [٣٢/أ] بالإحصان فالحكم في الضمان علي ذكرنا فإن قلنا: يضمن الكل ففيه وجهان. أحدهما: الثلثان علي شهود الزنا، والثلث علي شهود الإحصان. والثاني: النصف علي شهود الزنا والنصف علي شهود الإحصان ولا فرق بين أن يكون أقل العدد من هؤلاء أربعة وهؤلاء اثنان أم كانوا زائدين علي ذلك أم إحدى البينتين زائدة في العدد دون الأخرى فالحكم واحد. فرع آخر لو شهد أربعة بالزنا، واثنان سواهم بالإحصان ثم رجع أحد شاهدي الإحصان فإن قلنا: لا يغرم شهود الإحصان فيغرم الذي رجع عن الزنا ربع الدية ثم هكذا كل من رجع منهم وإن قلنا: يغرم شهود الإحصان النصف والراجع عن شهادة الإحصان يغرم الربع، والراجع عن شهادة الزنا يغرم الثمن وإن قلنا: علي شهود الإحصان الثلث يغرم الراجع عنه السدس، والراجع عن شهادة الزنا يلزمه السدس أيضًا. فرع آخر لو شهد أربعة بالزنا، وشهد اثنان من الأربعة بالإحصان ثبت الزنا والإحصان جميعًا وشهادة الإحصان لا تتضمن تصديقها في شهادة الزنا فتقبل ويخالف هذه إذا شهد أربعة علي رجلٍ بالزنا وعرف الحاكم عدالة اثنين منهم وجهل عدالة الآخرين فشهد العدلان عنده على الشاهدين الآخرين لم تقبل شهادتهما لأنهما يجران بشهادتهما صدقهما فيما شهدا به. فرع آخر إذا رجمناه [٣٢/ب] بشهادة هؤلاء الأربعة ثم رجع الكل عن الشهادة فإن قلنا: في المسألة التي قبلها لا ضمان علي شاهدي الإحصان فهنا تكررت الدية عليهم بالسوية فيجب علي كل واحدٍ منهم الربع من الديه وإن قلنا هناك: يجب الضمان علي شاهدي الإحصان فهل يجب هنا؟ وجهان: أحدهما: لا يجب علي شاهدي الإحصان شيء إلا ما يجب علي الشاهدين الآخرين لأن القتل حصل بشهادة الأربعة، ومن شهد منهم بالإحصان فإنما زادت شهادته وذلك لا يوجب زيادة في الشخص الواحد، ألا تري أن من جرح جرحًا واحدًا ومن جرح عشرة في مقدار الديه سواء. والثاني: يجب علي شاهدي الإحصان ويكونان بمنزله أربعة فإنما شهدوا بالزنا والإحصان فكأن الشهود ستة فإذا قسطنا في المسألة الأولى علي الثلث والثلثين وجب علي شاهدي الإحصان ثلثا الدية وعلي الآخرين ثلث الدية، وإذا قسطناها علي النصف والنصف يجب (على)

стр. 6242

شاهدي الإحصان ثلاثة أرباع الدية وعلي الآخرين ربعها. فرع آخر لو شهد أربعة علي رجلٍ بالزنا فأنكر الإحصان وله امرأة له منها ولد فأنكر أن يكون جامعها لم يرجم قيل: إن الولد يلحق بالإمكان والإحصان لا يثبت إلا بالإقرار أو بالبينة. فرع آخر لو شهد أربعة بالزنا فزكاهم نفرٌ [٣٣/أ] زعموا أنهم أحرارٌ مسلمون فإذا هم مجوسٌ أو عبيد وقد رجمهم الإمام حين زكاهم قال القاضي أبو حامدٍ: غرم الإمام الدية ورجع بها علي المزكين، وإن غرم المزكون لم يرجعوا علي الإمام بها وإنما أوجبنا الضمان علي الإمام لأنه مفرّط بالحكم بشهادتهم، وإنما قلنا: إنه يرجع علي المزكين لأن شهادتهم هي السبب في الضمان لأنه لما شهدوا بالعدالة وثبت صدقهم ظاهرًا وجب علي الحاكم الحكم بشهادتهم فوجب أن يستقر الضمان عليهم، فأما شهود الزنا فلا ضمان عليهم لأنهم مقيمون علي ما شهدوا به ولم يثبت عند الحاكم الحكم بخلاف ما شهدوا به وإنما ثبت عنده خلاف ما شهد به المزكون قال أصحابنا: وكذلك إذا زكاهم ثم شهد شاهدان عنده بفسقهم كان الحكم علي ما ذكرنا، وحكي عن أبي ثور أنه قال: سألت أبا عبد الله عن هذه المسألة فقال: الدية علي عاقلة الإمام وعلي المركزين التعزير وهذا غير مشهور. فرع آخر قال ابن سريج: ولو شهد رجلٌ وامرأتان فقضى القاضي به ثم رجعوا فعليهم الضمان نصفين علي الرجل النصف وعلي المرأتين النصف لأنهما قائمتان مقام رجلٍ واحدٍ. فرع آخر لو شهد رجلٌ وعشرة نسوةٍ بمالٍ ثم رجعوا فعلى الرجل سدس الضمان [٣٣/ب] وعلي النسوة خمسة الأسداس لأن الرجل في المال بمنزلة المرأتين وكل امرأتين بمنزلة رجل، فإذا شهد عشر نسوةٍ ورجل يصير بمنزلة ستة رجال. وبه قال أبو حنيفة ومالك والمزني، وقال أبو يوسف ومحمد: علي الرجل نصف الضمان وعلي النسوة النصف، وقال بعض أصحابنا بخراسان: هذا قول الشافعي ﵁ دون الأول لأن النساء وإن كثرن يقمن مقام رجل واحد، لأنهن لو انفردن لم يحكم بشهادتهن وما ذكرناه أصح. فرع آخر لو رجعت واحدةٌ أو ثمان في هذه المسألة فلا شيء عليهن بناءً علي ما ذكرناه أنه لا ضمان ما دام هناك من يثبت الحق بقوله. فإن رجعت التاسعة فعليهن ربع الضمان لأنه انتقص ربع البينة. فإن رجعت العاشرة فعليهن نصف الضمان، فإن رجع

стр. 6243

الرجل فعليهن كل الضمان علي الرجل نصفه وعلي النساء نصفه. فرع آخر لو شهد رجلان وامرأة فرجعت المرأة فلا شيء عليها لأنه بقي من يثبت الحق به، ولو شهد رجلان وامرأتان ثم رجع الكل فعليهم الضمان أثلاثًا علي كل رجل الثلث وعلي المرأتين الثلث. ولو شهد رجلٌ وثلاث نسوةٍ فرجعت امرأة واحدة والرجل فعلى الرجل نصف الضمان ولا شيء علي المرأة وعلي هذا قياس هذا الباب. مسألة: قال: وَلَوْ شَهِدَ عَلَيْهَا بِالزِّنَا [٣٤/أ] أربعة، وَشَهِدَ أربعة نِسْوَةٍ أَنَّهَا عَذْرَاءُ فَلاَ حَدَّ عَلَيْهَا. وقال مالك: يلزمها الحد لأن شهادة النساء لا تسمع في الحدود فلا يسقط الحد بشهادتهن وهذا غلط لأن البكارة تثبت بشهادة النساء، وثبوت البكارة يورث شبهة لأن الظاهر عدم الوطء مع بقاء البكارة والحد يسقط بالشبهة، وأما الشهود فلا يحدون لأن العذرة قد تعود بعد زوالها، وإن كان نادرًا فلا تبطل شهادتهم مع تجويز صدقهم ويسقط الحد عن قاذفها ويسقط إحصانها حتى لو قذفها قاذفٌ بذلك الزنا لم يحد، ومن أصحابنا من قال: هل يسقط الحد عن قاذفها؟ فيه وجهان وهو غريبٌ. فرع لو شهد أربعة أن فلانًا زنا بهذه المرأة وهي مكرهةٌ، وشهد أربع نسوةٍ أنها عذراء درء عنه الحد ولزمه المهر لأن بقاء العذرة شبهة في درء الحد دون سقوط المهر، وصورة المسألة أنها إن كانت تدعي أنه فعل ذلك لتستحق المهر بدعواها ذكره أصحابنا بخراسان. فرع آخر لو بان بعد الشهادة بالزنا أنها وتقاء أو قرناء ننظر فإن كان يمنع إيلاج الحشفة لم يحد كما لو شهدت النسوة أنها عذراء، وإن كان لا يمنع إيلاجها حدت ثم هذه الشهادة، وإن سقط الحد عنها فسقطه لعفتها [٣٤/ب] حتى أنها لو قذفت لا تحد لكمال الشهادة بالزنا وسقوط الحد بالشبهة. مسألة: قال: وَلَوْ أَكْرَهَهَا عَلَي الزَّنَا فَعَلَيْهِ الحَدَّ وَمَهْرُ مِثْلِهَا. وقد ذكرنا هذه المسألة في كتاب الغصب. فرع لو أكره الرجل علي الزنا لا يلزمه الحد، وقال أبو حنيفة. إن أكرهه السلطان أو الحاكم لا يجب الحد، وإن أكرهه واحدٌ من الرعية يجب الحد استحسانًا ودليلنا أنه مكرهٌ على الوطء فلا يلزمه الحد كما لو أكرهه السلطان، ومن أصحابنا من قال: فيه

стр. 6244

وجهان أحدهما: ما ذكرنا. والثاني يحد لأن الوطء لا يكون إلا بالانتشار وهو الاختيار. مسألة قال: وحَدَّ العَبْدِ وَالأَمَةِ أُحْصِنَا بِالتَّزْوِيْجِ أَوْ لَمْ يُحْصَنَا نِصْفُ حَدَّ الحُرَّ. عندنا حد العبد والأمة في الزنا خمسون جلدة وبه قال مالكٌ وأبو حنيفة وأكثر الفقهاء، وقال ابن عباس ﵄: إن تزوجا فعلى كل واحدٍ منهما نصف الحد، وإن لم يتزوجا فلا حد عليهما. وبه قال طاوس وأبو عبيد القاسم بن سلام، وقال داود: أما العبد فيجلد مائةً وأما الأمة فإن تزوجت يلزمها نصف الحد، وإن لم تكن تزوجت ففيه روايتان: إحداهما: حد كامل وهو مائة. والثانية: لا حد عليها لأنه قال في قوله تعالي: ﴿فَإذَآ أُحْصِنَّ﴾ [النساء:٢٥] أي تزوجن ﴿فَإنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ [٣٥/أ] فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى المُحْصَنَاتِ مِنَ العَذَابِ﴾ وأمسك عن ذكرهن إذا لم يتزوجن فاحتمل كمال الحد واحتمل أن لا حد والعبد داخلٌ في قوله تعالى: ﴿?لزَّانِيَةُ و?لزاَّنِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور:٢] واحتج ابن عباس ﵄ بهذه الآية وقرأها صلي الله عليه وسلم (فإذا أحصن) بضم الهمزة أي: تزوجن فإذا لم تتزوج فلا حد عليها بدليل الخطاب. وقال أبو ثور: إذا لم يحصنا بالتزويج فعليها نصف الحد وإن أحصنا بالتزويج فعليها الرجم وهو قول بعض أهل الظاهر، ودليلنا ما روى أبو هريرة ﵁ أن النبي صلي الله عليه وسلم سئل عن الأمة إذا زنت ولم تحصن فقال: "إن زنت فاجلدوها" إلي أن قال في الرابعة: "ثم إن زنت فبيعوها ولو بضفير" وهذا نصٌ في وجوب الحد قبل التزويج. وقال أبو ثور: يلزم بيعها في الرابعة لهذا الخبر، وروي عن أبي الرحمن السلمي أنه قال: خطب عليّ ﵁ فقال: أيها الناس أقيموا الحدود علي أرقائكم من أحصن منهن ومن لم يحصن فإن أمةً لرسول الله صلي الله عليه وسلم زنت فأمرني أن أجلدها فأتيتها فإذا هي حديثة عهدٍ بنفاسها فخشيت إن أنا جلدتها أن تموت فأتيت النبي صلي الله عليه وسلم فأخبرته فقال: أحسنت. وروى نافع [٣٥/ب] أن عبدًا كان يقوم علي رقيق الخمس استكره جاريةً من ذلك الرقيق فوقع بها فجلده عمر ونفاه ولم يجلد الوليدة لأنه استكرهها. أما الآية قلنا: قرأ ابن مسعود وعاصم والأعمش والكسائي (أحصن) بفتح الهمزة يعني أسلمن فلا صحة فيما قالوا، وفائدة هذا أنها كانت حربيةً لا يقام عليها الحد لأنه لا يجري حكمنا علي أهل الحرب ثم إن أراد به التزويج فهو بينة علي ما قبل التزويج فإنها أخف حالًا في تلك الحالة فلا يجوز أن يغلظ حدها فتجلد مائةً. وفيه بينة علي أنه لا رجم عليها فإنها لا تجلد كاملًا فالرجم أولي أن لا يجب عليها، واحتج أبو ثور بأنه حدٌ لا يتبعض

стр. 6245

فيستوي فيه العبد والحر كالقطع في السرقة قلنا: الفرق أن لا قطع فيها دونه، فلو لم يجب أدى إلى إسقاط ما يوجب الردع عن الجناية وهنا حدٌ دونه وهو الجلد فلا يجب الرجم والردع بالجلد يحصل، وأما التغريب فقد ذكرنا حكمه في الرقيق. مسألة: قال: ويحد الرجل أمته إذا زنت. إذا كان له عبدٌ أو أمة فزنيا فله إقامة الحد عليهما. وبه قال عليٌّ وفاطمة وعبد الله بن مسعود وابن عمر وزيد بن ثابت وأنس ﵃ والحسن وعلقمة والزهري والأسود [٣٦/أ] والأوزاعي والثوري وإسحاق، وقال أبو حنيفة: ليس للسيد إقامة الحد عليهما وإنما هو للإمام، وحكي عن مالك: أنه يقيم الحد على عبده والأمة التي لم تتزوج فإن كانت مزوجة لا يملك السيد إقامة الحد عليها وإنما هو إلى الإمام والصحيح عنه مثل: مذهبنا وهذا خطأ للخبر الذي ذكرنا. وأيضًا روى أبو هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "إذا زنت أمة أحدكم فليضربها كتاب الله تعالى ولا يثرب عليها" ومعنى التثريب التعيير والتبكيت ومعناه: لا يقتصر على ذلك ويعطل الحد الواجب عليها وروي أن النبي ﷺ قال: "أقيموا الحدود على ما ملكت أيمانكم" وروى الحسن بن محمد بن علي أن فاطمة بنت رسول الله ﷺ جلدت جارية لها زنت، وكان أنس بن مالك ﵁ يضرب إماءه الحد تزوجن أو لم يكن تزوجن، وقال عبد الرحمن بن أبي ليلى: أدركت بقايا الأنصار وهم يضربون الوليدة في مجالسهم إذا زنت، وقال علي ﵁ في أم ولدٍ بغت: تضرب ولا نفي عليها. وروي عنه أنه قال: تضرب وتنفى وبه قال ابن مسعود. فرع قال ابن أبي أحمد في "المفتاح": هل يملك السيد إقامة على عبده؟ فيه قولان وهذا غلط لم يساعده أصحابنا عليه، وذكر القاضي أبو حامدٍ [٣٦/ب] في "الجامع": ويحد الرجل أمته وعبده في الزنا فإذا أحدهما لم يكن أن يثني عليهما. فرع قال القاضي أبو حامد: ولا يحدهما إلا باعترافهما أو ببينة تقوم عليهما فإن شاهدهما على الزنا لم يحدهما على أظهر قوليه، ويحدهما على القول الثاني إذا قلنا: يقضي القاضي بعلمه في الحدود، ومن أصحابنا من قال: لا يقضي القاضي بعلمه في

стр. 6246

الحدود قولًا واحدًا وهذا غلط لأن الشافعي نص في هذا الموضع على ما يدل على القولين في الحدود أيضًا، وقال بعض أصحابنا: هل يقضي القاضي بعلمه في الأموال؟ فيه قولان فإذا قلنا: يقضي به ففي الحدود هل يقضي بعلمه؟ وجهان فإذا قلنا: لا يقضي به القاضي فالسيد أولى وإذا قلنا: يقضي القاضي به ففي السيد وجهان كالوجهين في جواز حده بالبينة على ما سنذكره. فرع آخر ظاهر نص الشافعي ﵁ أنه يملك سماع البينة فيه ويجتهد في التعديل والتزكية لأن كل من ملك إقامة الحد بالإقرار ملك إقامة الحد بسماع البينة كالقاضي، وقال ابن أبي هريرة: من أصحابنا من قال: لا تسمع البينة في ذلك ضعيف لأنه يمكن ذلك إذا أراد وله معرفة بذلك والإقرار وإقامة الحد يحتاجان إلى الاجتهاد أيضًا وللسيد ذلك كذلك إقامة الحد بالبينة. وقال بعض أصحابنا بخراسان: إن قلنا: للسيد إقامته للولاية فله سماع البينة [٣٧/أ] وإن قلنا: إن له ذلك لاستصلاح الملك فليس له ذلك. فرع آخر قال القفال: إذا قلنا سماع البينة لا تحتاج إلى أن يكون السيد عالمًا مجتهدًا إذ يكفي أن يعلم قدرًا يمكن الحكم به، ومن أصحابنا من قال: لابد وأن يكون مجتهدًا عالمًا بالحدود وهذا أقيس وإذا قلنا: لا يسمع البينة فمتى حكم الحاكم بثبوت الزنا ملك السيد إقامة الحد عليه من دون إذنه لأن استيفاءه إليه بعد الثبوت. فرع آخر للسيد أن يقيم على عبده حد الشرب وحد القذف لأنهما أضعف من حد الزنا، وأما القطع في السرقة والقتل بالردة ففيهما وجهان والمذهب أن له ذلك وقد نص الشافعي ﵁ في البويطي على القطع من السرقة، وروي عن ابن عمر ﵁ أنه قطع يد عبدٍ له سرق، وروى ابن عمر ﵄ أن جارية لحفصة سحرتها فاعترفت بذلك فأمرت بها عبد الرحمن بن زيد فقتلها فأنكر ذلك عثمان ﵁ فقال ابن عمر: ما ينكر علي أمير المؤمنين من امرأة سحرت واعترفت فسكت عثمان. ومن أصحابنا من قال: لا يقيم عليهما بل هما إلى الإمام لأنه جوز له إقامة الحد لئلا يبقيه الإمام فيظهر أمره وتنقص قيمته. والقتل القطع أمرٌ ظاهرٌ لا يخفى فكان إلى الإمام ذكره ابن أبي هريرة وصاحب "الإفصاح" وهذا لا يصح [٣٧/ب] لأنه ملك إقامة الحد لقوة ولايته بسبب الملك، ولأنه أقوى ولاية فيه من الحاكم لما ذكروه من المعنى وهذه العلة توجب جواز إقامة كل الحدود ومن أصحابنا من قال: قولًا

стр. 6247

واحدًا له ذلك للنص في "البويطي". ورواه فيه عن ابن عمر وعائشة، وقال القفال: الأظهر من الوجهين أنه لا يقطعه في السرقة لأنه لا يؤدب أحد بجنس القطع ولا يعزر به بخلاف الجلد وهذا غير صحيح على ما ذكرت، وقيل: لا يملك القتل بالردة قولًا واحدًا، وإن كان بالقطع في السرقة وجهان لأنه ليس فيه استصلاح الملك بوجهٍ وهذا أيضًا غير صحيح وهكذا الخلاف في قطع يده قصاصًا إذا قطع يد عبد الغير من غير فرق. فرع آخر إذا كان السيد ثقة عدلًا من أهل العلم والمعرفة قويًا يستوفيه بنفسه وإن لم يكن قويًا أمر قويًا باستيفائه ولا يستوفيه بنفسه. فرع آخر لو كان السيد فاسقًا أو مكاتبًا قال في القديم: له أن يجلده سواء كان عدلًا أو غير عدلٍ لأن هذه ولاية مستفادة بالملك فاستوى فيها الفاسق والعدل كالتزويج والمكاتب لما هلك سائر التصرفات فيه بحق الملك ملك إقامة الحد عليه أيضًا، وقال أبو إسحاق وجماعة: لا يملكان إقامة الحد لأن هذه ولاية وليسا من أهل الولاية. فرع آخر الكافر هل يملك [٣٨/أ] إقامة الحد عليه؟ وجهان أيضًا، وقال بعض أصحابنا: هما ينبنيان على أنه للولاية أو لاستصلاح الملك. وهكذا الوجهان في الفاسق والمكاتب على هذين المعنيين. فرع آخر لو كان السيد امرأة هل لها أن تقيم الحد على عبدها أو أمتها؟ قال أبو إسحاق: إن أمكنها القيام بذلك قامت به، وإلا جعلت ذلك إلى غيرها ليتولى لها القيام به وللمرأة إقامة الحد على عبدها وأمتها، وقال ابن أبي هريرة في التعليق: وليس للمرأة أن تقيم حدًا، ولا أن تقطع، ولا أن تقتل لأنها ليست من الجنس الذي يكون منه الحاكم بخلاف الرجل فإنه يكون منه الحاكم والأول ظاهر المذهب لخبر فاطمة وحفصة، وقال القفال: فيه وجهان بناءً على المعنيين على ما ذكرنا. فرع آخر لو قلنا: لا تملك هي إقامة الحد بنفسها فيه وجهان، أحدهما: يتولى الحاكم إقامته، والثاني: يتولى من يلي تزويجها، وقيل: في المرأة ثلاثة أوجهٍ الثالث يتولاه وليها نيابة عنها كما في تزويج أمتها. فرع آخر لو كان السيد صبيًا فهل للوصي إقامة الحد على عبده؟ فيه وجهان بناءً على المعنيين ذكره أصحابنا بخراسان، وقيل: هما ينبنيان على أنه له أن يزوج أمته وعبده وفيه وجهان.

стр. 6248

فرع آخر لو كان السيد عالمًا مجتهدًا وكان الحد مختلفًا فيه ورأى الإمام وجوبه ورأى السيد إسقاطه [٣٨/ب] فالإمام يستوفيه دون السيد وإن رأى السيد وجوبه دون الإمام فللسيد أن يستوفيه ما لم يحكم الحاكم بإسقاطه فإن حكم بإسقاطه منع لأن حكم الحاكم أعم وأنفذ. فرع آخر لو لم يكن السيد عالمًا بالحدود منع من إقامتها من يرجع فيها إلى من يجوز له العمل بقوله، فإن رجع إلى حاكم عمل على قوله فيما حكم به ويقوم باستيفائه وليس للإمام نقضه، وإن رجع ففيه وجهان: أحدهما: لا يجوز استيفاءه بفتواه لأن المختلف فيه لا يتعين إلا بحكم الحاكم. والثاني: يجوز لأن تصرف السيد في عبده أقوى من تصرف الحاكم إلا أن يحكم الحاكم بسقوطه فيمنع. ومن أصحابنا من قال: العامي لا يقيم الحد وليس بشيءٍ لأنه نص في الجديد عليه وقال: لا يجهل أحد يعقل أن يضرب خمسين جلدةً غير مبرحةٍ. وقال في القديم: يجلده عاميًا كان أو جاهلًا، وقيل: يحتاج فيه إلى أربع شرائط جواز الأمر بالبلوغ والعقل والرشد فالسفيه لا يملك ولو أقام لا يحتسب. والثانية: أن يكون رجلًا. والثالثة: أن يكون تام الملك في كامل الرق. والرابعة: أن يكون من أهل العلم بالحدود ومن المجتهدين فيها وفي هذا نظر على ما فصلناه وشرحناه. [٣٩/أ]. فرع آخر لا يملك إقامة الحد على مكاتبه لأنه ليس في تصرفه وله إقامة الحد على أم ولده ومدبره والمعتق بالصفة. باب حد الذميين مسألة: قال: في كتاب الحدود: وإذا تحاكموا إلينا فلنا أن نحكم أو ندع، فإن حكمنا حددنا المحصن. قد ذكرنا أن أهل الذمة إذا تحاكموا إلينا نص في كتاب "الجزية" وهو اختيار المزني أنه يجب عليه أن يحكم وفي المسألة: ثم إذا حكمنا حددنا المحصن منهم بالرجم على ما ذكرنا، وقال مالك: إن كانا كافرين لم يحصن واحد منهما، وإن كان مسلمًا وزوجته ذمية فقد أحصنا وبني هذا على أصله أن نكاح الكافر فاسد وعلى هذا قال بعض أصحابنا بخراسان: لو شهد أربعةٌ من المسلمين على ذمي بالزنا كان على القولين كما لو تحاكم ذميان إلينا ففي أحدهما يلزمه إقامة الحد عليه وفي القول الآخر يتخير وهذا غريبٌ لا يساعده المذهب، ولو زنا المعاهد بمسلمة مطاوعةٍ هل يقام عليه الحد؟ قيل:

стр. 6249

قولان، وقيل: إذا شرط في أمانة إلزام حكمنا حددناه وإلا فلا. باب حد القذف مسألة: قال: إذا قذف البالغ حرًا بالغًا مسلمًا [٣٩/ب] أو حرةً بالغةً مسلمةً حد ثمانين. اعلم أن حد قذف المحصنة حرامٌ وهو من الكبائر والأصل فيه قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَاتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور:٤] الآية، وروى أبو هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "اجتنبوا السبع الموبقات" قالوا: يا رسول الله ما هن؟ قال: "الشرك بالله والسحر وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات" وروي أن النبي ﷺ قال: "قذف المحصنة يحبط عمل مائة سنة" وروى ابن عباس ﵁ "أن رجلًا أقر بالزنا فجلده رسول الله ﷺ مائة جلدةٍ فلما أتى مجلودًا قال: من صاحبتك قال: فلانة فدعاها فسألها فقالت: كذب من شهودك أنك خبثت بها فإنها تنكر قال: والله مالي شهداء فأمر به فجلد حد الفرية ثمانين جلدة". واعلم أن القذف بغير الزنا لا يوجب الحد، والفرق أن القذف بالزنا أعر وهو بالنسل أضر بخلاف القذف بغيره، وأيضًا فالمقذوف بالكفر يقدر على نفيه عن نفسه بإظهار الشهادتين ولا يقدر على نفي الزنا عن نفسه. ثم اعلم أن القذف بالزنا [٤٠/أ] يوجب ثمانين جلدة إذا قذف محصنًا أو محصنةً لظاهر الآية وشرائط الإحصان خمس البلوغ، والعقل، والحرية، والإسلام، والعفة عن الزنا سواء كان عدلًا أو فاسقًا فإن كان المقذوف صبيًا أو مجنونًا أو كافرًا أو عبدًا أو زانيًا لا حد على قاذفه ويعزر. وأما القاذف فلا يعتبر إحصانه ولكن يعتبر فيه شرطان البلوغ، والعقل فإن كان بالغًا عاقلًا حد ويختلف في مقدار الحد بحريته ورقه فإن كان حرًا جلد ثمانين جلدةً، وإن كان عبدًا جلد أربعين جلدةً وإنما اعتبرنا رق القاذف وحريته لأن القذف معصية يتعلق بها الحد يختلف بالرق والحرية فيعتبر رق فاعله وحريته وبه قال أبو بكر وعمر وعثمان وعلي ﵃ وجماعة الفقهاء، وقال داود: يحد قاذف العبد ولو قذف العبد: يحد ثمانين. وبه قال عمر بن عبد العزيز والزهري والأوزاعي، وروي عن عمر بن عبد العزيز أنه جلد عبدًا في القذف أربعين ثم جلد عبدًا آخر ثمانين ثم قال: ذاك برأيي وهذا بكتاب الله تعالى ودليلنا ما روى أبو هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "أيما رجل قذف مملوكه وهو بريء مما قال أقيم عليه الحد يوم القيامة إلا أن يكون كما

стр. 6250

قال" فدل أنه لا يقام عليه حدٌ كاملٌ بقذفه. وروي عن يحيي بن سعيد الأنصاري [٤٠/ب] ضرب أبو بكر محمد بن عمرو بن حزم مملوكًا افترى ثمانين جلدةً فقال عبد الله بن عامر بن ربيعة: أدركت أبا بكرٍ وعمر وعثمان ومن بعدهم من الخلفاء يضربون المملوك إذا قذف ثمانين قبل أبي بكر محمد بن عمرو بن حزم. ولأن الحد إذا كان يتبعض كان العبد فيه على النصف كحد الزنا. فرع قال في "الأم": لو كان القاذف أبا المقذوف وإن علا، أو أمه وإن علت لم يجب عليه الحد. وبه قال أبو حنيفة وأحمد وإسحاق، وقال مالك: يكره له أن يحده فإن حده جاز، وقال أبو ثور وابن المنذر: له أن يحده لظاهر الآية وهذا لا يصح لأن الحد عقوبة تسقط بالشبهة فلا يثبت للابن على الأب كالقصاص والآية مخصوصة بما ذكرنا. فرع آخر لو أن رجلًا قذف امرأةً حرةً مسلمةً له منها ولدٌ فماتت لم يكن للولد أن يطالب بحدها لأنه لما لم يثبت له عليه الحد ابتداءً فلم يثبت له إرثًا كالقصاص، ولو كان لها ابن آخر من غيره كان له استيفاء الحد لأن بعض الورثة يستوفى بخلاف القصاص. فرع آخر لو قذف أم عبده وهي حرةٌ مسلمة كان لها أن تطالب بالحد، فإن ماتت وكان لها عصبة أخر قاموا بحدها، وإن لم يكن لها عصبة فإن للإمام يطلب حدها وليس العبد من حدها بسبيل. مسألة: قال: ولو قذف نفرًا بكلمةٍ واحدةٍ. الفصل وقد ذكرنا هذه [٤١/أ] المسألة فيما تقدم ففي قوله الجديد: إن قذفهم بكلماتٍ يلزمه حده دون قذفهم بكلمةٍ واحدةٍ يلزمه الحدود أيضًا وفي قوله القديم: إذا كان بكلمة واحدة يلزمه حدٌ واحدٌ، وعند أبي حنيفة يلزمه حدٌ واحدٌ بكل حالٍ. ولو قال: زنا فلانٌ بفلانة فعلى قوله القديم يجب واحدٌ لهما وفي قوله الجديد وجهان أو قولان، والأصح أنه يلزمه حدان ووجه الآخر أنه فعلٌ واحدٌ لا يتميز أحدهما عن الآخر فيكفي حدٌ واحدٌ بالقذف. فرع لو قذف من بعضه حر وبعضه عبد محصنًا يحد أربعين كالعبد، وقال ابن أبي ليلى: يوزع على الحرية والرق.

стр. 6251

مسألة: قال: وإن قال: يا ابن الزانيين. الفصل إذا قال: يا ابن الزانيين فقد قذف أباه وأمه فينظر فإن لم يكونا محصنين فلا حد وعليه التعزير، وإن كانا محصنين نص أن يلزمه حدان وهذا على القول الجديد ثم ينظر، فإن كانا حيين يستوفيان لأنفسهما، وإن كانا ميتين فلوارثهما أن يستوفي الحدين لأن حد القذف يورث عندنا. ثم قال هنا: ويأخذ حد الميت ولده وعصبته من كانوا، وهذا اللفظ ذكره الشافعي ﵁ في كتاب ابن أبي ليلى وأبي حنيفة، وقال في كتاب اللعان: لورثتها أن يحدوه وقد ذكرنا من يطلب من الورثة، وقال القفال: إذا قلنا: لا يثبت للزوج والزوجة إذا قذف حيًا ثم مات، فإذا قذف ميتًا أولى [٤١/ب] أن لا يثبت وإن قلنا: هناك يثبت فهنا وجهان لأن الزوجية كانت منقطعة يوم القذف. مسألة: قال: ولو قال القاذف للمقذوف: إنه عبدٌ. الفصل نص هنا أنهما إذا اختلفا القاذف: هو عبدٌ، وقال المقذوف: أنا حرٌ ولا يعرف بالحرية والرق فالقول قول القاذف وعلى المقذوف البينة، وقال في كتاب التقاط المنبوذ: فإن قذفه قاذفٌ لم أحد له حتى أسأله فإن قال: أنا حر حددت قاذفه فقيل: قولان، وقيل: إن كان المقذوف مجهول النسب لا تعرف حاله فالقول قول المقذوف لأن الأصل الحرية والذي قال هنا تأويله إذا عرفت عبوديته فالقول قول القاذف وعلى المقذوف البينة أنه صار حرًا لأنه الأصل الرق قال أصحابنا: فإن كان معروف النسب حرًا فادعى القاذف رقه لم يقبل قوله وعليه الحد ولا يمين على المقذوف وقد ذكرنا ما قيل فيه قبل هذا مشروحًا. مسألة: قال: ولو قال لعربي: يا نبطي. الفصل إذا قال لعربي: يا نبطي سئل فإن قال: أردت قذفه ونفيه عن آبائه حد، وإن قال: أردت أنه نبطي اللسان وليس فيه فصاحة العرب، أو نبطي الدار لأن مولده كان في دار النبط أو فارق دار العرب وسكن دار النبط نُظر فإن صدقه المقذوف لم يُحد، وإن كذبه [٤٢/أ] فالقول قول القائل إنه ما أراد أن ينسبه إلى النبط فإن حلف لم يُحد وأدب على الأذى وإن لم يحلف فإن كانت أمه باقيةً حلفت لقد أراد قذفي، وإن كانت ميتةً حلف لقد أراد أن ينفي نسبي أو أراد أن ينسبني إلى النبط فإن حلف حد القاذف قال

стр. 6252

الشافعي: وإن قال: عنيت بالقذف الأب الجاهلي حلف وعزر على الأذى وتفسير هذا أنه قال: إن جدتك الكافرة زنا بها نبطيٌ فأبوك ولد ذلك النبطي فهذا قذف لجدته فيكون القول قوله مع يمينه، فإذا حلف لم يحد وعزر على الأذى، فإن قيل: لم قال الشافعي ﵁: الأب الجاهلي وإنما يكون القذف للجدة؟. قلنا: قد يسمى الجد أبًا كما يقال: أبوان ويراد به الأم والأب والجد والجدة وهذا لا يصح لأنها لا تسمى فيه هاء التأنيث والجواب الصحيح أنه أراد به إذا قال: عنيت بالمولود من النبطي أباك الجاهلي فيكون قذفًا للجدة على ما بيناه. ولو قال: أردت به قذف امرأة في الإسلام حمل على القربى كما لو قال: أمك زانية وله أمهات في الإسلام حمل على القربى. ولو قال: أردت قذف إحدى أمهاتك في الإسلام لا يحد لأن المقذوف لم يتعين، وإن كان وارث جميع أمهاته في الإسلام هو لا غيره، وكذلك لو قال: أحد أبويك زانٍ لا حد عليه لأنه لم يعين المقذوف ويعزر للأذى. [٤٢/ب] واعلم أن الشافعي ﵁ أوجب الحد في أصل المسألة بنفي النسب دون القذف لأنه قال: حُلف المقذوف على أنه أراد نفيه ولم يعتبر قذف أمه ولا إحصانها وقد ينتفي عن أبيه بغير زنا، واختلف أصحابنا في هذا فمنهم من قال: أراد به إذا كان نفاه بقذف أمته وكانت ميتة وهو اختيار أبي حامد لأن الله تعالى أوجد حد القذف بالرمي بالزنا لا غير، ومنهم من قال: يجب بنفيه على ما ذكرنا وهو الصحيح واختاره القاضي الطبري، وذكر الطحاوي أن نفي النسب عند الشافعي يوجب الحد خلافًا لأبي حنيفة وبه قال مالك وابن أبي ليلى والليث وأحمد وإسحاق وأبو ثور ووجهه ما روى الأشعث بن قيس أن النبي ﷺ قال: "لا أؤتى برجلٍ يقول: إن كنانة ليس من قريش إلا جلدته" وروي عن ابن مسعود ﵁ أنه قال: لا حد إلا في اثنين قذف محصنة، أو نفي رجلٍ من أبيه. فرع آخر لو قال لعلوي: لست من عبد مناف، أو لست من علي ثم قال: ليس من صلبه بل بينه وبينه آباء فالقول قول المقذوف لأنه لا يراد بهذا اللفظ هذا المعنى غالبًا، فإن شكك حلف القاذف وبرئ وعزر. فرع آخر لو رماه رجل فقال: من رماني فأمه زانية فإن عرفه قبل أن قال ذلك كان قاذفًا لأنه وإن لم يعرف [٤٣/أ] من رماه وأراد جزاء الرامي في الجملة لا يكون قاذفًا، وإن عرف من بعد لأمه علق القذف بالصفة والشرط وفي القسم الأول عرف المقذوف بالرمي.

стр. 6253

فرع آخر لو قال: لطت أو لاط بك فلان باختيارك فهو قذفٌ يوجب الحد، ولو قال: يا لوطي، وقال: أردت أنك على دين قوم لوط يجب الحد، ومن أصحابنا من قال: لا يقبل قوله في ذلك أنه أراد به أنه على دين قوم لوط لأن هذا مستعمل في الرمي بالفاحشة ظاهرًا غالبًا فلا يقبل تأويله وبه قال مالك. والأول اختيار القاضي الطبري. فرع آخر لو قال: يا مؤاجر لا يكون قذفًا بأن يؤتي كما تؤتي النساء بل هو كناية ليس فيه إلا معنى الإجارة وقد يؤجر الإنسان نفسه لبعض الأعمال. فرع آخر لو قال للرجل: يا قواد لم يكن قذفًا لزوجته ويعزر للأذى في مثل هذا الألفاظ، وكذلك لو قال: لا حمية لك. فرع آخر لو قال: يا عاهر فيه وجهان: أحدهما: صريح في القذف لقوله ﷺ : "وللعاهر الحجر". والثاني أنه كناية فيه ذكره في "الحاوي". مسألة: قال: ولو قذف امرأةً وطئت وطئًا حرامًا درء عنه الحد. قد ذكرنا في هذه المسألة قبل هذا: وجملته أن الوطء الحرام على ثلاثة أضرب: [٤٣/ب] ضرب يوجب الحد فيسقط الإحصان ولا يجب الحد إلا على قاذفها مثل أن يطأ ذات محرم له بالنكاح مع العلم، أو يطأ الابن جارية أبيه ونحو ذلك، وضرب لا يوجب الحد ولكنه ملكه مع العلم بالتحريم مثل وطء أمته المجوسية أو زوجته الحائض أو المحرمة أو المظاهر منها فلا يسقط الإحصان قولًا واحدًا، وضرب لا يوجب الحد ولا يصادف الملك كالوطء بالشبهة، وإذا ادعى الجهالة بتحريمه وهو ممن يعذر فيه والوطء في النكاح الفاسد المختلف في صحته، ووطء أحد الشريكين، ووطء الأب جارية ابنه، ووطء مكاتبته فيها ثلاثة أوجه: أحدها: لا يحد قاذفه لأنه سقط فيه الحد عن الوطء بالشبهة فسقط به عن القاذف للشبهة وهذا اختيار أبي إسحاق. والثاني: يجب الحد على قاذفه ولا يسقط الإحصان بالوطء الذي يحد. والثالث: أن كل وطء يمكن أن يكون زنا وإنما سقط الحد فيه بشبهة ادعاها مثل أن يدعي بقاء العذرة وشهد أربع نسوة بها، أو يدعي أنه وطئ امرأته أو جاريته أو يجهل بتحريمها ويحتمل ذلك يسقط الإحصان، ولو لم يحتمل أنه زنا مثل وطء الأب جارية ابنه أو (مكاتبته) [٤٤/أ] والجارية المشتركة لا يسقط الإحصان ويجب الحد على قاذفه.

стр. 6254

وقيل: قال الشافعي: ولو قذف امرأةً وطئت وطئًا حرامًا فقذفها بذلك الوطء فنزل المزني قوله فقذفها بذلك الوطء، وقيل إذا نكحت بلا ولي ويعتقد بطلانه بطلت عفته إذا أصابها، والأصح أنها لا تبطل به العفة، وقيل: إذا وطئ أخته من الرضاع في ملكه هل يبطل إحصانه؟ وجهان. وكذلك إذا وطئ جارية اشتراها ثم بان أنها كانت مستحقة فيه وجهان. وحكي عن أبي حنيفة أنه قال: يبطل إحصانه. وقيل: لو أكره على الزنا هل تبطل عفته؟ فيه وجهان. وكذلك لو وطئ صغيرٌ صغيرة ثم بلغا هل تبطل عفتهما؟ وجهان. وحكي عن أبي حنيفة أنه قال: تبطل ولو نكح مجوسي أمه ووطئها ثم أسلما بطلت عفته ذكره القفال. مسألة: قال: ولا حد في التعريض. والتعريض أن يقول في المشاتمة واللجاج: أما أنا فلست ابن زنا أو يقول: يا ابن الحلال لا يكون قذفًا خلافًا لمالك. واحتج الشافعي بأن الله تعالى أباح التعريض فيما حرم عقده فقال: ﴿وَلاَ تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّىَ يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾ [البقرة:٢٣٥] وقال: ﴿وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُم بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾ [البقرة:٢٣٥] فجعل التعريض مخالفًا للتصريح فلا يحد إلا بقذفٍ صريح. وكذلك لو قال: ما أنا بابن إسكاف، ولا بابن خباز ويحلف أنه لم يرد قذفه ولا قذف أبيه ولا أمه فإن حلف عزر للأذى. [٤٤/ب]. فرع لو قذف الميت وعفا الأقرب من الورثة هل يستحق الأبعد إقامة حده؟ وجهان مخرجان من اختلاف أقواله في ميراث الحد هل يجري مجرى ميراث الأموال؟ وفيه وجهان فإن قلنا: إنه كميراث الأموال لا حد له، وإن قلنا: يختص بالعصبات يستحقه الأبعد.

стр. 6255

كتاب السرقة باب ما يجب فيه القطع مسألة: قال: القطع في ربع دينارٍ فصاعدًا. الأصل في وجوب القطع على السارق الكتاب والسنة والإجماع. أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة:٣٨] وقرأ ابن مسعود: والسارقون والسارقات فاقطعوا أيديهم على سبيل التفسير. وأما السنة فما روي أبو داود بإسناده عن نافع عن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ "قطع في مجنٍ ثمنه ثلاثة دراهم" وروي في مجنٍ أو جحفة. وروت عائشة ﵂ أن النبي قال: "القطع في ربع دينارٍ فصاعدًا" وروي "تقطع اليد في ربع دينار فصاعدًا" وروى ابن عمر أن النبي ﷺ "قطع يد رجل سرق تُرسًا من صفة النساء ثمنه ثلاثة دراهم". وروت عائشة ﵂ أن قريشًا أهمهم أمر المخزومية التي سرقت فقالوا: [٤٥/أ] من يكلم فيها رسول الله ﷺ فقال واحدٌ: لا يجترئ على هذا إلا أسامة حب رسول الله ﷺ فكلمه أسامة فقال رسول الله ﷺ : "أتشفع في حد من حدود الله؟ " ثم قام فاختطب فقال: "إنما هلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق الشريف تركوه، وإذا سرق الضعيف أقاموا عليه الحد، وأيم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها" وروى ثعلبة الأنصاري أن عمرو بن سمرة بن حبيب بن عبد شمس جاء إلى رسول الله ﷺ فقال: "يا رسول الله إني سرقت جملًا لبني فلانٍ فأرسل إليهم فقالوا: إنا افتقدنا جملًا لنا فأمر بقطع يده فقطعت" قال ثعلبة: أنا أنظر إليه حين وقعت يده وهو يقول: الحمد لله الذي طهرني منك أردت أن تدخلي جسدي النار. وأما الإجماع فلا خلاف بين المسلمين فيه. اعلم أن الله تعالى جعل حد السرقة

стр. 6256

قطع اليد لتناول المال بها ولم يقطع الذكر في آلته لأن للسارق مثل يده إذا قطعت بخلاف الذكر فإنه واحد. وأيضًا فاليد تُرى بخلاف الذكر فلا يحصل به الزجر للغير وبقطع اليد يحصل الزجر للغير، وأيضًا في قطع الذكر إبطال النسل بخلاف قطع اليد، واعلم أنه قطعت يد السارق في الجاهلية وأول من حكم به الوليد بن المغيرة [٤٥/ب] فأمر الله تعالى به في الإسلام، وأول سارقٍ في الإسلام من الرجال الحياد بن عدي بن نوفل بن عبد مناف، ومن النساء مرت بنت سفيان بن عبد الأسد من بني مخزوم. واختلف أصحابنا في آية السرقة هل هي عموم خص أو مجمل؟ فسر على وجهين، وقال عبد الله ابن عمرو: سرقت امرأة حليًا فأمر رسول الله ﷺ بقطع يدها اليمنى فقالت: يا رسول الله هل لي من توبة؟ فقال: "أنت اليوم من خطيئتك كيوم ولدتك أمك" فأنزل الله تعالى ﴿فَمَن تَابَ مِن بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ﴾ [المائدة:٣٩] وفي قوله: ﴿وَأَصْلَحَ﴾ وجهان: أحدهما: معناه أصلح سريرته بترك العزم. والثاني: معناه أصلح بترك المعاودة. فإن قيل: فما معنى قوله ﷺ "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن"؟ قلنا: تأويله لا يستحلها وهو مؤمن، وقيل: معناه لا يفعل فعل المؤمن لأن المؤمن يمتنع منها، وقيل: معناه أنه لا خلاف أنه يحد إذا زنا ويقطع إن سرق، ولو تحقق أنه يقام عليه لامتنع، وقيل: إنه قالها مبالغةً في الزجر عنها كما قال ﷺ : "من قتل عبده قتلناه". ثم اعلم أن العلماء اختلفوا في القدر الذي تقطع فيه اليد فقال داود وأهل الظاهر والخوارج: تقطع اليد [٤٦/أ] في الكثير والقليل. وحكي هذا عن الحسن البصري واختاره الشافعي واحتجوا بعموم الآية وبأن النبي ﷺ قال: "لعن الله السارق يسرق الحبل فتقطع يده ويسرق البيضة فتقطع يده" رواه أبو هريرة ﵁، وقال الحسن في الرواية المشهورة وابن الزبير: تقطع في نصف دينار، وقال سليمان بن يسار: لا تقطع الخمس إلا في خمس يريد خمسة دنانير وبه قال ابن أبي ليلى وابن شبرمة. وروي ذلك عن عمر ﵁ في روايةٍ، وقال أبو حنيفة: تقطع في

стр. 6257

عشرة دراهم مضروبة يقوم غيرها بها ولا تقطع في أقل منها. وبه قال الثوري. وروي ذلك عن ابن مسعود واحتجوا روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ قال: "لا قطع إلا في عشرة دراهم"، وقال ابن عباس: قطع رسول الله ﷺ يد رجل في مجنٍ قيمته دينار أو عشرة دراهم، وقال النخعي: لا تقطع اليد إلا في أربعين درهمًا، وقال مالك والليث وأبو إسحاق وأبو ثور: تقطع في ثلاثة دراهم أو ربع دينار وهما أصلان وقوم غيرهما بالدراهم، وحكي عن مالك أنه قال: الأصل ثلاثة دراهم والذهب وغير ذلك يقوم بها. وحكي عن أحمد أنه قال: إذا سرق متاعًا قيمته ربع دينار [٤٦/ب] أو ثلاثة دراهم قطع قولًا بالخبرين على ما ذكرناه، وقال الشافعي: الأصل فيه ربع دينار والدراهم وغيرها مقومة به، وبه قال عمر وعثمان وعلي وعائشة وابن عمر وعمر بن عبد العزيز والأوزاعي، وقال أبو هريرة وأبو سعيد الخدري: تقطع في أربعة دراهم فصاعدًا ودليلنا ما ذكرنا من الخبر، وروي أن النبي ﷺ قال: "لا قطع إلا في ربع دينار"، وروي عن يحيي بن يحيي الغساني قال: قدمت المدينة فلقيت أبا بكر محمد بن عمرو بن حزم وهو عامل على المدينة فقال: أتيت بسارقٍ من أهل بلادكم حوراني قد سرق سرقة يسيرة قال: فأرسلت إلي خالتي عمرة بنت عبد الرحمن أن لا تعجل في أمر هذا الرجل حتى آتيك فأخبرك ما سمعت عن عائشة في أمر السارق قال: فأتتني فأخبرتني أنها سمعت عائشة ﵂ تقول قال رسول الله ﷺ : "اقطعوا في ربع دينار ولا تقطعوا فيما هو أدنى من ذلك" وكان ربع دينار يومئذ ثلاثة دراهم والدينار باثني عشر درهمًا قال: وكانت سرقته دون ربع دينار فلم أقطعه، وروي عن عائشة ﵂ أنها قالت: ما طال علي وما نسيت القطع في ربع دينار فصاعدًا، وروي أن قتادة سأل أنس بن مالك ﵁ فقال: يا أبا حمزة: أيقطع السارق [٤٧/أ] في أقل من دينار؟ قال: قطع أبو بكر في شيء لا يسرني أنه لي بثلاثة دراهم، وروى أنس أن أبا بكر ﵁ قطع في

стр. 6258

خمسة دراهم وروت عمرة بنت عبد الرحمن أن سارقًا سرق أترجةً في عهد عثمان فأمر بها عثمان فقومت بثلاثة دراهم من صرف اثني عشر درهمًا بدينارٍ فقطع يده قال مالك: وهي الأترجة التي يأكلها الناس، وروي أن عليًا ﵁ قطع يد السارق في بيضةٍ من حديد ثمنها ربع دينار، وأما خبر البيض كانوا يرونه أنه بيض الحديد والحبل الذي منها ما يساوي دراهم ولهذا قالت عائشة ﵂: لم تكن يد السارق تقطع على عهد رسول الله ﷺ في أدنى من ثمن مجنٍ جحفةٍ أو ترسٍ، وأما الخبر الذي ذكره أبو حنيفة قلنا: رواه الحجاج بن أرطأة وهو مطعون فيه فخبرنا أولى، وأما الخبر الثاني حكم وليس فيه تحديد ونحن نقول: نقطع في ربع دينار والزيادة أولى بالقطع فيه. فرع قال الشافعي ﵁: والدينار الذي تقطع اليد في ربعه هو المثقال فإن كان في بلدٍ يكون أنقص منه لم يقطع. ولو سرق ذهبًا خالصًا غير مضروب وزنه ربع مثقال قال ابن أبي هريرة: لا يقطع حتى تكون قيمته ربع دينار بأن يقوم بالفضة ثم نقوم الفضة بالدينار فيعلم أنه يساوي ربع دينار لأن القطع ورد [٤٧/ب] باسم الدينار ولأن غير المضروب بمنزلة السلعة، ألا ترى أن التقويم لا يقطع به بحالٍ فيعتبر المضروب وهو اختيار الإصطخري وصاحب "الإفصاح" والقاضي الطبري، وجماعة. ومن أصحابنا من قال: لا فرق بين الخالص والمضروب لأنه ربع مثقال من الذهب ويقال: دينار قراضة ودينار خلاص، وإن لم يكن منقوشًا قال أبو حامد: وهذا أصح وبه قال عامة أصحابنا. فرع آخر لو كان للبلد ديناران أعلى وأدنى وكلاهما خالص غالب ففيما تقوم به السرقة؟ وجهان أحدهما: يقوم بالأدنى اعتبارًا بعموم الظاهر. والثاني: بالأعلى لدرء القطع بالشبهة. فرع آخر لو سرق كسورًا تنقص عن قيمة الصحاح؟ فيه وجهان: أحدهما: قال الإصطخري وهو ظاهر قول ابن أبي هريرة: لا يقطع اعتبارًا بما يراعي في الأثمان والقيم وظاهر المذهب أنه يقطع اعتبارًا بجنسه ووزنه. فرع آخر لو سرق ربع دينار تبرًا فلا قطع فيه لأن فيه غير الذهب. مسألة: قال: بعد أن ذكر حديث عثمان ﵁: وفي ذلك دلالةٌ على قطع من سرق الرطب من طعامٍ أو غيره.

стр. 6259

استدل الشافعي ﵁ بقطع عثمان ﵁ يد السارق بالأترجة أنه تقطع اليد في الطعام الرطب كالعنب والتفاح والرطب والخضراوات [٤٨/أ] من القثاء والبطيخ والبقول والشواء والهريسة والفالوذج وبه قال مالك، وقال أبو حنيفة: لا قطع في شيء منها ولا فيما يتسارع إليه الفساد واحتجوا بقوله ﷺ : "لا قطع في الطعام" ولأنه غير محرزٍ بنفسه لأنه معرض للهلاك فأشبه إذا كان محرز بغيره. ودليلنا ما روي عن النبي ﷺ أنه سئل عن التمر المعلق فقال: "من أصاب منه من ذي حاجة غير متخذٍ خبتة فلا شيء عليه، ومن خرج بشيء منه فعليه غرامة مثله والعقوبة ومن سرق شيئًا بعد أن يأويه الجرين فبلغ ثمن المجن فعليه القطع" رواه عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁ والخبتة: ما يحمله الرجل في ثوبه والجرين: البيدر وهو حرز الثمار كالمراح حرز النعم، وقد أباح لذي الحاجة فيحتمل أن يكون الاضطرار وماله فيه من حق العشر ومضاعفة الغرامة نوع من الردع والتنكيل وقد ذهب إليه جماعة من الفقهاء وعندنا أنه نسخ ذلك. وروي أن رجلًا من مزينة قال: يا رسول الله كيف ترى في حريسة الجبل؟ قال: "لا قطع في شيء من الماشية إلا ما أواه المراح ولا شيء في شيء من التمر المعلق إلا ما أواه الجرين وفيما أخذ من الجرين فبلغ ثمن المجن ففيه القطع". [٤٨/ب] وروي عن ابن عمر ﵃ أنه سئل عن سارق الثمار فقال: القطع في الثمار فيما أحرز الجرين، والقطع في الماشية فيما آوى المراح، فإن قيل: روى أبو داود بإسناده عن محمد بن يحيي أن عبدًا سرق وديًا من حائط رجل فغرسه في حائط سيده فاستعدى صاحب الودي على العبد مروان بن الحكم فسجن مروان العبد وأراد قطع يده فانطلق سيد العبد إلى رافع بن خديج فسأله عن ذلك فأخبره أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "لا قطع في ثمرٍ ولا كثر" فمشى إلى مروان فحدثه بذلك عن رسول الله ﷺ فأمر مروان بالعبد فأُرسل والودي: صغار النخل واحدها ودية، والمكثر جمار النخل. قلنا: معنى الثمر هنا ما كان معلقًا في النخل قبل أن يحذ ويحرز بدليل خبرنا ولأن حوائط المدينة ليست بحرز وممكن الدخول من جوانبها ومن سرق من غير حرز لا يقطع عندنا، وأما ما ذكره فلا يصح لأن الطعام محرز في الحال حرزًا تامًا والاعتبار بهذا كما لو سرق الديباج من وسط الماء يلزمه القطع، وإن كان يتسارع إليه الفساد. وأما

стр. 6260

الخبر الذي ذكره قيل: لا أصل له ولئن صح فيحمل على ما لو كان في الحرز وعند الضرورة. فرع يلزم القطع في كل مملوكٍ سرقة وكان قيمته ربع دينار، وإن كان أصله [٤٩/أ] على الإباحة من الصيود والخشب والزجاج ونحو ذلك وبه قال مالك وجماعة الفقهاء، وقال أبو حنيفة: لا قطع فيما أصله على الإباحة إلا في الساج والأبنوس والصندل والعود والخشب المعمول، وقال: لا قطع في اللؤلؤ والياقوت وناقض في القدور المتخذة من الأحجار وحجر الرحى والزجاج المعمول فقال: لا قطع في شيء منها، وقال في الحصير: إن كان ثمينًا كالسامان والعبداني يلزم فيه القطع، وإن كان من الحشيش والأسل لا قطع فيه، ودليلنا أنه قال: يقيس بملك بيعًا وشراء ويجب القطع في معموله فأشبه الذهب والفضة وأصلها على الإباحة أيضًا في المعدن. فرع آخر هل يلزم القطع بسرقة الماء؟ فيه وجهان: أحدهما: لا قطع فيه لأنه لا يتمول في العادة والثاني: فيه القطع وهو الأصح لأنه ملك بيعًا وشراء. فرع آخر إذا سرق من قرون الحيوان ما قيمته ربع دينار يلزمه القطع وقال أبو حنيفة: لا قطع فيها سواء كانت معمولة أو غير معمولة لأن لصنعة لا تكون فيها وقال أبو يوسف: إن كانت معمولة لا قطع فيها كما في الخشب. ثم قال: والمثقال الذي كان على عهد رسول الله ﷺ وجملته أن الدينار هو وزن مثقال الذي كان سبعة منه عشرة دراهم والمثقال لم يتغير [٤٩/ب] عما كان في عهد رسول الله ﷺ وقبله وإنما اختلفت الدراهم على ما ذكرنا في كتاب الزكاة، فإذا بلغ ربع دينار بوزن مكة وجب القطع. مسألة: قال: ولا يُقطع إلا من بلغ الاحتلام من الرجال. الفصل اعلم أنه لا قطع في السرقة على رجل ولا على امرأة حتى يكونا بالغين يوم السرقة لأن الصغير غير مكلف ولا معاقب وقد ذكرنا حد البلوغ، وقال عطية القرظي: كنت في سبي قريظة فكانوا ينظرون من أنبت الشعر قتل، ومن لم ينبت لم يقتل فكنت فيمن لم ينبت، وقال أحمد وإسحاق: الإنبات بلوغ يقام به الحد على من أنبت وبه قال مالك لظاهر هذا الخبر، وقال سفيان الثوري: سمعنا أن الحلم أدناه أربع عشرة وأقصاه ثماني عشرة فإذا جاءت الحدود أخذنا أقصاها، وروي عن علي ﵁ أنه شق

стр. 6261

بطن أصابع صبي سرق، وقال أصحابنا: إن صح هذا يحتمل أنه ضرب على كفه تأديبًا فانشقت بطون أصابعه لرقتها، بدليل أنه روي عنه أنه أتى بصبي سرق فقال: أشبروه فكان دون خمسة أشبارٍ فلم يقطعه. وروي عن ابن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ أتى بجارية قد سرقت فوجدها لم تحض فلم يقطعها، وعلى ما ذكرنا لا قطع على المجنون أيضًا لأنه غير مكلف كالصبي. [٥٠/أ] وقد روى ابن عباس ﵄ قال: أُتي عمر ﵁ بمجنونةٍ قد زنت فاستشار فيها ناسًا فأمر بها عمر أن ترجم فمر بها على علي ﵁ فقال: ما شأن هذه؟ قالوا: مجنونة بني فلانٍ زنت فأمر بها أن ترجم فقال: ارجعوا بها فقال: يا أمير المؤمنين أما علمت أن القلم رفع عن ثلاثةٍ عن المجنون حتى يبرأ، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يعقل؟ قال: بلى قال: فما بال هذه؟ قال: لا شيء فأرسلها قال: فأرسلها قال: فجعل يكبر قال أصحابنا: يحتمل أنها كانت تجن مرة وتفيق أخرى فرأى عمر أنه لا يسقط الحد عنها بالجنون الطارئ ورأى علي أنها أصابت في بقية جنونها ثم وافق اجتهاد عمر اجتهاده في ذلك فدرأ عنها الحد. مسألة: قال: وجملة الحرز أن يُنظر [إلى] المسروق فإن كان الموضع الذي سرق منه ينسبه العامة إلا أنه حرزٌ قطع. الفصل اعلم أن القطع لا يجب إلا بشرطين أحدهما: النصاب على ما ذكرنا. والثاني: أن تكون السرقة من حرزٍ فإن سرق من غير حرزٍ لا يلزم القطع، وقال داود: لا يعتبر الحرز لظاهر الآية ودليلنا ما ذكرنا من الخبر، وروى جابر ﵁ قال: أضاف رجلٌ رجلًا في مشربة له فوجد متاعًا له قد اختانه فأتى به أبو بكر ﵁ فقال: خل عنه فليس بسارقٍ وإنما هي أمانة اختانها. [٥٠/ب] وإن كان جائزًا مهملًا لأهل الفساد غلطت إحرازه ويختلف باختلاف الليل والنهار فيكون في الليل أغلظ لاختصاصه بأهل العبث والفساد فلا يقتنع بإغلاق الأبواب وكثرة الإغلاق حتى يكون لها حارس يحرسها وهي بالنهار أخف لانتشار أهل الخير فيه ومراعاة بعضهم لبعض فلا يفتقر إلى حارس. ويتغير الحرز بتغير الأحوال لأن الزمان يتغير من صلاح إلى فساد، ومن فساد إلى صلاح، وقال أبو حنيفة: الحرز لا يختلف فما كان حرزًا للشيء كان حرزًا لجميع الأشياء حتى ما كان حرزًا للتبن كان حرزًا للجواهر وهذا غلط لما ذكرنا.

стр. 6262

فرع آخر الأمتعة الجافية التي لا تنقل باليد كالحطب والقصب والجذوع تصير حرزًا بضم بعضها إلى بعض في وسط السوق، ويدار عليها ما يشد به وأن يكون في وسط سوقٍ يعلق دونها درب أو في قرية يقل أهلها وأن يكون الموضع أنيسًا إما بمساكن فيها أهلها، أو بحارسٍ يكون راعيًا لها وأن يكون الوقت ساكنًا وأهل الفساد قليلًا ومن الأمتعة ما يحرز بأن يمد عليه السريجة فإذا فتحت السريجة وأخذ ما وراءها يقطع وذلك مثل الأواني المتخذة من الخزف والزجاج ونحو ذلك. ومنها ما يجعل في غرائر وخيش ويخيط عليه مثل الطعام في كثير من البلدان، ورأيت في بلدنا صبر الأرز في السوق الذي يباع فيه مغطاة بالأكسية والمسوح ولا يزيدون في حفظها على ذلك. [٥١/أ] وقال الشافعي: حرز الحنطة أن تجعل في غرائر في موضع البيع ويشد بعضها إلى بعضٍ وإن لم يغلق دونها باب، وقال بعض أصحابنا: إنما قاله الشافعي على عادة أهل مصر فإنهم يحرزون هكذا فأما في العراق فحرزه أن يجعل بعضه على بعضٍ ويربط أعلاه بحبلٍ بحيث لا يمكن أن يسل منه وفي بعض البلاد يحرزون وراء الباب والغلق فيعتبر ذلك وهذا صحيح ومن الأصحاب من قال: هذا حرزه نهارًا، فأما حرزه ليلًا فلابد من بابٍ يغلق عليه. قال أبو حامد: وهذا ليس بشيء وحقيقة الكلام يرجع إلى ما قلنا: إنه يختلف باختلاف البلدان والزمان وأحوال السلطان والاعتماد على ذلك والمتاع الخفيف كمتاع الصيادلة والعطارين والبقالين فإن العادة فيه إدخاله الدكان وإغلاق الباب عليه، فإن لم يفعل ذلك لا يكون محرزًا. والذهب والفضة والجواهر تحرز بالأقفال والأغلاق. والبقول والفجل إذا ضم بعضها إلى بعضٍ وترك عليها حصيرًا وتركها على الطريق في السوق وهناك حارسٌ يدور ساعةً وينام ساعةً فتصير محرزةً. وقد يزين العامي أيام العيد حانوته بالأمتعة ويشق عليه رفعها بالليل فيدعها ويلقي عليها قطعًا وينصب هناك حارسًا فذلك حرزه، وفي غير هذه الأيام لا يكون حرزًا لأن جيرانه يفعلون ذلك في أيام العيد فيقوي بعضهم بعضًا. والزروع محرزة في المزارع، وإن لم يكن هناك حارسٌ. والحبوب المبقاة في الكدس [٥١/ب] لا تكون محرزة إلا بحارسٍ. مسألة: قال: وإن كان يقود قطار إبلٍ. الفصل لا يخلو حال الإبل من ثلاثة أحوالٍ: إما أن تكون راعيةً، أو باركةً، أو مقطرةً فإن كانت راعية وراعيها معها فإن كانت بحيث ينظر إليها كلها فهي في حرزٍ فإن أغفله رجلٌ فسرق منها يقطع، وإن كانت بحيث لا ينظر إليها فإن نام وحصلت في وهدةٍ أو خلف

стр. 6263

جبلٍ، أو كان بينه وبين حائلٌ فليست في حرزٍ. وإن كانت باركةً فإن كان ينظر إليها فهي في حرزٍ، وإن كان لا ينظر إليها فإنها في حرز بشرطين: أحدهما: أن يعقلها ويشد ركبها. والثاني: أن ينام عندها. فإن اختل واحدٌ من هذين الشرطين فليست بمحرزةٍ وهذا لأن عادة الرعاة أنهم إذا أرادوا النوم عقلوا إبلهم وحل المعقولة يوقظ النائم وينبه المشغول بخلاف الراعية. وإن كانت مقطورة نُظر فإن كان يسوقها وينظر إلى جميعها فالكل في حرزٍ لأنها في حرز مثلها، وإن كان يقودها فالحرز بشرطين: أحدهما: مراعاتها والالتفات إليها. والثاني: يكون بحيث يشاهد جميعها فإن خرجت عن ضبطه وحفظه فليست بمحرزة ولذلك إن كان يسيرًا بحيث يحيط نظره به ولكنه لا يلتفت وإنما يمشي على وجهه من غير تفكر به فلا تكون محرزة وهذا لأنه إذا أكثر التفاته لا يقدم السارق على أخذ شيءٍ منها مخافة أن تخرج منه التفاتة فيراه بخلاف ما إذا قل التفاته إليها، وقال أبو حنيفة: [٥٢/أ] الذي يباشر قيادته محرز وما سواه غير محرز حتى قال: لو ركب بعيرًا فسرق من ذلك البعير بعض العلائق نُظر فإن كان المسروق معلقًا أمامه قطع، وإن كان معلقًا وراءه لم يقطع وهذا لا يصح لأن الناس يعدون القطار المعتاد في عدده محرزًا ولا يعدون ما عليها من المال ضائعًا. فإن قال قائل: اشترط الشافعي في سوق الإبل أن تكون مقطرةً حتى تكون محرزةً فقال: وإذا كان يقود قطار إبلٍ أو يسوقها وقطر بعضها إلى بعضٍ وعند السوق ينظر إليها فكيف اشترط التقطير؟ قلنا: إنها إذا سيقت فربما يسبق بعضها بعضًا سبقًا شديدًا بحيث يتباعد أوائلها عن بصر سائقها فتخرج عن حد الحرز فلعله اشترط التقطير لكيلا يدخل في حد التباعد، وعادة العرب في السوق أن تجعلها بعيرين بعيرين في قرنٍ إن لم تكن مقطورة والمقصود في الجملة القرب من السابق كالقرب من القائد وليس المقصود صورة التقطير وقد قال في "الإفصاح" إن كان يحيط نظره بجميعها فهي محرزة مقطورة كانت أو غير مقطورة. فرع قطار الإبل التي تكون محرزة أن تكون ثلاثةً أو أربعةً وغايته خمسة إن كانت في الجمل فضل جلدٍ وشهامةٍ. هكذا ذكره في "الحاوي"، وقال بعض أصحابنا بخراسان: العادة في القطار سبع، وقيل: دون العشر إن كان في البلد، وإن كان في الصحراء ربما يقوم بخمسين منها والأول أولى [٥٢/ب]. فرع آخر قال في "الحاوي": لو طال القطار وكثر عدده عن مراعاة الواحد كان حرزاً لما أمكن أن يراعيه، فلو كان متوسطًا كان حرزًا لواحد مما قاد ولبقية العدد مما ساق لأنه

стр. 6264

إذا توزعت مراعاته من أمامه وورائه كان بأمامه أبصر وما تجاوز غير محرزٍ. فرع آخر لو كانت مقطورةً في سيرها كان الرجل الواحد حرزًا لما يناله سوطه منها لأنه بالسوط يسوقها ولا يكون حرزًا لما لا يناله سوطه وإن كان يراه. فرع آخر قال: لو سرق وعاءه يقطع ولو بعد عن بصر الجمال بخلاف البعير لأن حرز البعير برؤية الجمال. فرع آخر لو سرق سارقٌ وعاءً من ظهر الإبل المحرزة قطع، وقال أبو حنيفة: إنما يقطع إذا سرق شيئًا من الوعاء، أما الوعاء فهو الحرز فلا يقطع به ووافقنا في الوعاء الفارغ أنه يقطع بسرقته ودليلنا أنه محرز بصاحبه وقد سرق فيقطع. فرع آخر لو نام على جملٍ له فجاء سارقٌ فسرق الجمل وهو عليه قال أصحابنا: لم تقطع يده لأنه في يد صاحبه ولم تزل يده عنه. فرع آخر لو سرق الجمل والمتاع ولم يكن صاحبه عليه يقطع، وقال أبو حنيفة: لا يقطع إلا أن يفتق الحمل ويسرق منه لأنه لم يسرق من الحرز ولم يهتكه. فرع آخر الخيل والبغال والحمير إن كانت راعيةً أو سائمةً فالحكم على ما ذكرنا في الإبل، وإن كانت في المأوى فإن كانت بيوتها في الصحراء، [٥٣/أ] فإن لم يكن معها من يحفظها لم تكن محرزة سواء كان البيت الذي هي فيه مغلقًا أو مفتوحًا لأنه لا يعد حرزًا، وإن كان معها حافظٌ فإن كان مستيقظًا كان حرزًا سواء كان الباب مفتوحًا أو مغلقًا، وإن كان نائمًا إما فيه أو على بابه فإن كان الباب مفتوحًا فليس بحرز، وإن كان مغلقًا فهو حرز، وإن كانت بيوتها في البنيان فإن كان معها حافظٌ فهي محرزة مفتوحة كانت أو مغلقة إذا كان مستيقظًا، وإن كان نائمًا وهي مغلقة كانت محرزة، وإن كانت مفتوحة لم تكن محرزة، وقال في "الحاوي": حرزها في مبارك الاستراحة أن يضم البهائم بعضها إلى بعضٍ ويربطها إلى حبلٍ قد مده لجميعها ولا يحتاج إلى إناختها لأنها تنام قيامًا بخلاف الإبل ويشكلها ويكون معها من يحفظ مثل عددها إما مستيقظة، وإما نائمة لأنه وإن كان نائمًا مستيقظ بحركتها إن سرقت ولابد من النوم وهذا أصح عندي.

стр. 6265

فرع آخر الأغنام في المرعى يعتبر أن يرى الراعي جميعها وأن لا تخرج عن مدى صوته لأنها تجتمع وتفترق في المرعى بصوته وأن يكون مستيقظًا لأنها ترعى نهارًا فإن نام لا تكون محرزة، وإن كانت في مراحها فالحكم على ما ذكرنا في البغال، وإن كانت الأغنام في البلد فقدر ما جرت العادة بحفظها في البلد والصحراء تختلف والحكم يختلف على حسب العادة. فرع آخر لو كان يقود قطارًا من الإبل [٥٣/ب] في بلدٍ فانعطف في معطفٍ أو في سكةٍ أو طريقٍ فالذي انعطف غير محرز في تلك الحالة. فرع آخر قال الشافعي ﵁: والحوائط ليست بحرزٍ للنخل ولا للتمر أكثرها مباح من مواليه فمن سرق من حائطٍ شيئًا من ثمر معلق لم يقطع. وجملته أن الحائط إذا كان فيه حافظ كان ما فيه محرزًا، قال القاضي أبو حامد: قد قيل: إن كان في وسط العمارة كان محرزًا لما فيه كالدور وغيرها، وإن كان في الصحراء لا يكون حرزًا، ومن أصحابنا من قال: إن كانت الأشجار مما يقطع سارق ثمارها يقطع فيها أيضًا ذكره في "الحاوي" والأول أصح عندي لأن حرز الشجرة غير حرز الثمرة في العادة. فرع آخر لو صرمت الثمار ووضعت في جريبها في الضياع فإن كان الموضع أنيسًا لاتصالات البساتين وانتشار أهلها لم يحتج إلى حافظٍ بالنهار، ويحتاج إلى حافظٍ بالليل. فإن سرقت نهارًا يقطع، وإن سرقت ليلًا لا يقطع إلا أن يكون لها حافظًا. فرع آخر متى كانت الشياه في حرز فضروع المواشي حرز ألبانها فإن بلغ لبن البهيمة الواحدة نصابًا قطع خلافًا لأبي حنيفة، وإن لم يبلغ النصاب إلا باختلاف جماعة منها فيه وجهان أحدهما: لا يقطع لأنها سرقات من أحراز. والثاني: يقطع لأن المراح حرز واحد لجميعها وهو اختيار جماعةٍ من أصحابنا. مسألة: قال الشافعي: لو اضطجع في صحراءٍ وترك ثوبه [٥٤/أ] بين يديه فسرق لم يقطع، قال أصحابنا: معناه إذا نام. فأما إذا كان مُنتبهًا ينظر إليه قطع به. فرع آخر قال: ولو توسد به ونام فجره سارق من تحت رأسه قُطع، وكذلك لو فرشه ونام عليه

стр. 6266

فجره سارقٌ من تحته قطع بدليل ما روي عن صفوان بن أمية ﵁ قال: كنت نائمًا على خميصة لي في المسجد ثمن ثلاثين درهمًا فجاء رجلٌ فاختلسها مني فأخذ الرجل فأتى به رسول الله ﷺ فأمر به ليقطع فأتيته فقلت: أتقطعه من أجل ثلاثين درهمًا أنا أبيعة وأنسئه ثمنها قال: "فهلا قبل أن تأتيني به"، وروي أنه قال: يا رسول الله لم يبلغ من ردائي ما يقطع فيه يد رجل قد جعلتها عليه صدقة فقال ما قال، وروي أنه قال: يا رسول الله قد أحللته فقال: "هلا قبل أن تأتيني به إن الإمام إذا انتهى إليه حد من الحدود أقامه". فإن قد خرج عنه في نومه ثم أخذ لم يقطع لأن بزواله عنه زال حرزه. فرع آخر لو كان معه هميان فيه دراهم أو دنانير فوضعه تحت رأسه ونام لا يكون محرزًا حتى يشده في وسطه بخلاف ثوبه. فرع آخر قال: ولو ترك أهل السوق متاعهم في مقاعد ليس عليها حرز لم يضمن ولم يربط. أرسل رجل إبله ترعى أو تمضي على الطريق غير مقطورة بغير ما ذكرنا من تباعد بعضها عن بعضٍ فلا قطع فيه [٥٤/ب] لأنها أموال ضائعة في العرف والعادة والعامة لا تراها محرزة، ولو كان بين يديها بالقرب منه ميزان الخباز فإن كان نائمًا فليس بحرز، ومن أصحابنا من قال: ليس في حرزٍ وليس بشيءٍ. فرع آخر صحون المساكن حرز للبسط والأواني دون الحلي والثياب، وإن كان في جدار الدار فتحه للضوء، فإن كانت عالية لا تنال فالحرز بحاله، وإن كانت قصيرة، فإن كانت ضيقة لا يمكن ولوجها إلا بهدم بناء كان حرزًا، وإن كانت واسعة يمكن ولوجها صارت كالباب المفتوح، فإن كان عليها باب وثيق كباب الدار جرى مجراه وجاز فتحه نهارًا دون الليل، وإن كان عليها شباك فإن كان ضعيفًا لا يرد لا يكون حرزًا، وإن كان قويًا كان حرزًا. فرع آخر إن سرق صندوق الصيرفي فإن كان مغروزًا يقطع، وإن لم يكن مغروزًا لم يقطع. مسألة: قال: ولو ضرب فسطاطًا وآوى فيه متاعًا واضطجع فيه فسرق الفسطاط

стр. 6267

والمتاع من جوف الخيمة قطع لأن اضطجاعه حرزٌ له ولما فيه نائمًا كان أو منتبهًا فإن لم يضطجع فيها ولا على بابها لا يقطع وهذا القطع إذا أرسل بابها وشد أذيالها وأطنابها فإن أمكن الدخول إليها من أذيالها يُقطع، وقال بعض أصحابنا بخراسان: إنما يقطع أيضًا: إذا كان مثل هذه الخيمة في البلد لا تكون مُحرزة [٥٥/أ] للزحام وكثرة المارة بخلاف الصحراء، وقال أبو حنيفة: لو سرق الخيمة لا يُقطع ولكن يُقطع من سرق منها ودليلنا أنه لا يُحرز الفسطاط والخيمة إلا بمثل ما ذكرنا فقد سرق المال المُحرز فقطع. فرع آخر لو حمل السارق الرجل النائم في الفسطاط إلى موضعٍ آخر، ثم ذهب هو أو غيره بالفسطاط أو المتاع لم يقطع لأنه أزال من المال ما هو حرز بمعنى غير مضمون ثم أخذ مالًا ضائعًا. مسألة: قال: والبيوت المغلقة حرزٌ لما فيها. الفصل البيت إذا كان في البرية أو الصحراء فإن كان فيه حافظٌ مستيقظ يراعيه فهو محرزٌ به، وإن كان نائمًا فيه فإن كان الباب مغلقًا فهو حرز، وإن كان مفتوحًا فليس بحرزٍ، وإن لم يكن فيه أحد فليس محرزًا سواء كان مفتوحًا أو مغلقًا لأن من ترك متاعه في البرية وانصرف عنه لا يكون حافظًا له في العادة وإن أغلق عليه. وأما البيوت في القرى والبلاد فإن كانت مغلقة فهي حرزٌ لما فيها، وإن كانت مفتوحة وليس فيها أحدٌ يراعيها فليست حرزًا لأن العامة تنسب فاعل ذلك إلى التفريط والتغرير بما فيه ولهذا يقولون: خرج ونسي باب الدار مفتوحًا، ومتى كان البيت مغلقًا فسرق منه سارق شيئًا بفتح الغلق أو نقب البيت أو قلع الباب أو كسر القفل وإخراج المتاع من حرزه يقطع. [٥٥/ب] قال الشافعي: وإن كان الباب مفتوحًا وصاحبه في البيت فوجد إنسان يسرق منه شيئًا لم يقطع لأن هذه خيانة لأن ما في البيت يحرزه قعوده عندها. هكذا نص عليه قال القاضي أبو حامد: أراد الشافعي إذا لم يكن القاعد يحيط يمانية ببصره، فأما إذا كان الحافظ قاعدًا لها قطع السارق. فرع آخر قال أصحابنا: لو قطع باب الدار ونحاه إلى خارج وكان يساوي ربع دينار قطع لأن الباب إذا كان منصوبًا فهو حرز بنفسه وحرز لما وراءه، وكذلك آجر الحائط إذا قلع منه ما يساوي ربع دينار قطع لأنه محرز للبناء خلافًا لأبي حنيفة ﵀، وقال ابن أبي هريرة: هذا إذا كانت الدار في البلد أو الموضع العامر، أما إذا كانت في الخرابات

стр. 6268

التي تركت وفيها حيطان قائمة فجاء سارق فقلع منها ما قيمته ربع دينار فلا تقطع، وقال في "الحاوي": إذا خلا من أهله حتى خرب فإن كان بناؤه وثيقًا لم يستهدم قطع، وإن كان مستهدمًا متخللًا لا يقطع، ولو كان على هذا الخراب أبوابٌ لم يقطع في أخذها لأن الأبواب محرزةً بالسكنى والآلة محرزة بالبناء وهذا أصح وأظهر. فرع آخر لو سرق حلقة الباب [٥٦/أ] وهي مسمرة فيه قطع لأنها محرزة بالتسمير في الباب. فرع آخر لو كان باب الدار مفتوحًا فدخل الدار وقلع بابًا من أبواب البيت قال أبو إسحاق: لا قطع فيه لأنه غير محرز إلا أن يكون باب البيت مغلقًا أو يكون باب الدار مغلقًا قياسًا على سائر ما في الدار من المتاع، وهذا إذا كان باب البيت مغلقًا يكون الباب محرزًا كالأمتعة التي فيه تكون محرزة والفرق بين أبواب البيوت وباب الدار أن أبواب البيوت تحرز بباب الدار وباب الدار لا يحرز الأنصبة ولا يحرز بغيره، وقال بعض أصحابنا: يقطع في أبواب البيت أيضًا وحرزها نصبها كما في باب الدار أيضًا والصحيح ما ذكرنا والفرق ظاهرٌ. مسألة: قال: وإن أخرجه من البيت أو الحجرة إلى الدار والدار للمسروق منه وحده لم يُقطع حتى يُخرجه من جميع الدار. قال أصحابنا: إذا أخرج السارق المتاع من البيت الذي هو فيه نظر فإن كان البيت في خانٍ مشتركٍ فيه بيوت كل بيت لواحدٍ يحرز متاعه فيه، فإذا فتح السارق البيت وأخرج المتاع إلى صحن الخان وجب عليه القطع سواء كان باب الخان مفتوحًا أو مغلقًا لأن هذا الخان ليس بحرزٍ لصاحب البيت لأنه مشترك يدخل فيه هو وغيره فكان بمنزلة الدرب المشترك بين أهله إذا أخرج السارق المتاع من دار رجلٍ إليه فإنه يجب القطع، كذلك هنا وإن كان البيت [٥٦/ب] في دارٍ لصاحبه مفرد بها فأخرج المتاع من البيت فيه أربع مسائل: أحدها: أن يكون البيت مفتوحًا وباب الدار مغلقًا، فإذا أخرج المتاع من البيت إلى صحن الدار لم يجب القطع لأنه لم يخرجه من حرزه لأن باب الدار حرزه دون البيت. الثانية: أن يكون باب البيت مفتوحًا وباب الدار مفتوحًا فلا قطع أيضًا لأن المتاع غير محرز. الثالثة: أن يكون البيت مغلقًا وباب الدار مفتوحًا يلزمه القطع لأنه أخرجه من حرزه. الرابعة: أن يكون باب البيت مغلقًا وباب الدار مغلقًا فهل يجب القطع؟ فيه وجهان:

стр. 6269

أحدهما: يجب القطع لأنه أخرجه من الحرز لأن البيت حرز له وقد أخرجه منه. والثاني: لا يجب القطع لأنه لم يخرجه من جميع حرزه لأن الدار حرز له أيضًا وهذا كما لو كان ماله في صندوقٍ في جوف بيتٍ مغلق ففتح الصندوق وأخرج المال إلى البيت لم يجب القطع وهذا أصح. ومن أصحابنا من قال: إذا أغلق باب الخان بالليل والبيوت مشتركة يكون حكمها حكم صحن الخان كحكم صحن الدار الخالصة، ومن أصحابنا من فصل في الخان بين أن يكون السارق من سكان الخان أو من خارجه لأن بعض السكان في الخان يحرز ماله عنه بعضهم بالحجرة والبيت دون الخان وعن الخارجين بالحجرة والخان، وظاهر كلام الشافعي ﵁ التسوية بين الفريقين. [٥٧/أ]. فرع لو أصعد السرقة من الدار إلى سطحها فإن كان على السطح باب يغلق على السفل قطع وإن لم يكن، فإن كان السطح عاليًا وعليه سترة مبنية تمنع من الوصول إليه لا يقطع لأنه من جملة الحرز وإن كان بخلاف ذلك يقطع. مسألة: قال: ولو أخرج السرقة فوضعها في بعض النقب فأخذها رجلٌ من خارجٍ لم يُقطع واحدٌ منهما. صورة المسألة: أن ينقب رجلان معًا نقبًا ثم دخل أحدهما فأخذ المتاع وتركه على موضع النقب وأخذه الآخر من خارج. روى المزني والربيع أنه لا يقطع عندهما لأنهما لم يخرجاه من جميع الحرز، وروى الحارث بن شريح البقال عن الشافعي أنه قال: يلزمهما القطع، وقال القاضي أبو حامد: نص الشافعي في هذه المسألة في القديم على هذين القولين أحدهما: يلزمهما القطع لأنهما قد اشتركا في النقب والإخراج فهو بمنزلة ما لو نقبا جميعًا ودخلا وحملا المتاع جميعًا. والثاني: لا قطع عليهما وهو الأصح، لأنهما وإن اشتركا في النقب فقد تفرقا في الإخراج فصار كالواحد إذا نقب وأخذ المتاع ووضعه في جوف النقب فاجتاز مجتازٌ بالنقب فتناوله فإنه لا قطع عليهما كذلك هنا، وقال مالك: يلزمها القطع للتعاون، وقال الشعبي فيه اللص الظريف لا يقطع، وقال أبو حنيفة: إذا اشترك جماعة في النقب وحمل أحدهم المال فإن صحبه الآخرون في الخروج [٥٧/ب] قطع كلهم، وإن أخرجوا قبله أو بعده لا في صحبته قطع بناءً على أصله أن الدرء في قطع الطريق كالمباشر في الحدود. فرع لو نقب واحد ولم يشاركه الآخر فيه ثم دخل الذي نقب فأخرج المتاع ولم يكن في الدار أحدٌ اختلف أصحابنا فيه على طريقين، أحدهما: لا يقطع واحد منهما قولًا

стр. 6270

واحدًا وهو اختيار صاحب "الإفصاح" لأنهما لم يشتركا في النقب ولا في الإخراج فأشبه ما إذا نقب أحدهما وانصرف ثم جاء آخر فدخل وأخذ المال بخلاف المسألة قبلها. والثانية فيه قولان أيضًا لأنهما اشتركا في السرقة وهذا ضعيف. فرع آخر لو نقباه ودخل أحدهما فأخذ المال ولم يدخله الآخر في النقب ولكنه تركه في الدار، ثم أدخل يده وأخذ قطع الآخذ لأنه حصل منه هتك الحرز وإخراج المتاع من الحرز فيلزمه القطع، وأما الذي قربه إلى باب النقب لا يلزمه القطع. فإن قال قائلٌ: ما بال الشافعي جعل الاشتراك في الإخراج شبهة في إسقاط القطع حيث قال: ولو وضعه في بعض النقب فأخذه رجلٌ من خارج لم يقطع ولم يجعل الاشتراك في النقب شبهة في إسقاط القطع بل قال: إذا نقبوا جميعًا فأخرج بعضهم المال قطع المخرج خاصة؟ قلنا: إنما أسقط الشافعي القطع إذا وضعه في النقب لأن حقيقة الاشتراك في الإخراج غير موجود. ولكن فعل أحدهما بعض الإخراج ولم يكمله وانقطع [٥٨/أ] فعله ثم تناوله الثاني ففعل بعض الإخراج لا جميعه وإنما يشتركان على الحقيقة بأن يأخذا شيئًا ثقيلًا فيحملان معًا أو بساطًا فيجراه معًا. فإن قيل: فاشتراكهما في النقب هكذا أيضًا لأن أحدهما فعل بعض النقب، والثاني فعل الباقي، وفعل كل واحدٍ منهما متميز عن فعل الآخر قيل: حقيقة الاشتراك في النقب لا يكون إلا هكذا إذ يبعد في العادة أن يأخذ الفأس أو السكين فينقبا ولا يكاد يحصل النقب بمثل هذا الفعل فلما تحقق الاشتراك المتناهي في النقب جعل كل واحدٍ منهما كالمنفرد به وصار كما لو اشتركا في قطع يدٍ بإمرار الحديدة معًا من أحد الجانبين إلى الجانب الثاني فيكون كل واحدٍ منهما كالمنفرد بالإبانة في وجوب القصاص. فأما بعض الإخراج إذا وجد من واحدٍ والبعض من الثاني فالاشتراك في الإخراج درجة وراء هذه الدرجة فلا يجعل كالمنفرد بالإخراج ولكن منزلتهما منزلة من لو قطع أحدهما بعض مفصل اليد منفردًا ثم جاء الثاني فقطع الباقي منفردًا ولا قصاص على واحدٍ منهما، وقال بعض أصحابنا بخراسان: الاشتراك في النقب لا يكون إلا بأن يأخذ آلة واحدة بأيديهما فينقبا معًا وهذا غير صحيح وما ذكرناه أصح. فرع آخر لو نقب أحدهما ودخل الذي لم ينقب وكان في الدار حافظٌ متيقظٌ فأخذ نصابًا وأخرجه من الحرز قطع الآخذ، لأن الحرز قائم بالحفاظ ويخالف إذا لم يكن في الدار أحدٌ [٥٨/ب] لا قطع عليه لأنه لم يهتك الحرز وإنما دخل في حرز مهتوك وليس على الآخر قطعٌ لأنه حصل منه هتك الحرز ولم يأخذ المتاع.
следующие страницы →