Полный текст (7 151 стр.). Показаны 6511–6550 · переход к 6516.
стр. 6511
أحدها: أن يكون قويًا على مقاومة من برز إليه بقوة جسمه، وفضل شجاعته وظهور عدته، فإن ضعف عنه لم يجزه.
فإن قيل: فلو تعرض بعض المسلمين للشهادة جاز، وإن كان ضعيفًا فهلا كان المبارز كذلك، قلنا: لأن المقصود بالمبارزة ظهور الغلبة، فلم يتعرض لها إلا من وثق بنفسه فيها، والمقصود بالشهادة فضل الثواب فجاز أن يتعرض لها من شاء.
والثاني: أن لا يدخل بقتل المبارزة ضرر على المسلمين؛ لهزيمة تنكؤهم أو لأنه أميرهم الذي تختل بفقده أمورهم، فإن كان كذلك لم يجز أن يبارز.
والثالث: أن يستأذن أمير الجيش في برازه، ليكون ردءًا له وعونًا، ولفضل علمه بالمبارزة، ومن برز إليه فإن لم يأذن له كف، وإن أذن له أقدم.
مسألة:
قال الشافعي ﵀: "فإذا بارز مسلم مشركًا أو مشرك مسلمًا على أن لا يقاتله غيره وفى بذلك له فإن ولي عنه المسلم أو جرحه فأثخنه فلهم أن يحملوا عليه ويقتلوه لأن قتالهما قد انقضى ولا أمان له عليهم إلا أن يكون شرط أنه آمن حتى يرجع إلى مخرجه من الصف فلا يكون لهم قتله ولهم دفعه واستنقاذ المسلم منه فإن امتنع وعرض دونه ليقاتلهم قاتلوه لأنه نقض أمان نفسه أعان حمزة عليا على عتبة بعد أن لم يكن في عبيدة قتال ولم يكن لعتبة أمان يكفون به عنه ولو أعان المشركون صاحبهم كان حقًا على المسلمين أن يعينوا صاحبهم ويقتلوا من أعان عليه ولا يقتلون المبارز ما لم يكن استنجدهم"
قال في الحاوي: وهذا صحيح وإذا بارز مسلم مشركًا إما داعيًا أو مجيبًا فهذا على ضربين:
أحدهما: أن لا يكون للمشرك المبارز شرط فيجوز للمسلمين أن يقاتلوه مع المبارز منهم ويقتلوه؛ لأنه على أصل الإباحة، وإن اختص بالمبارزة الواحد، قال الشافعي: اللهم غلا أن العادة جارة أن من بارز لا يعرض له حتى يعود إلى صفه، فيحمل على ما جرت به العادة، وتصير العادة كالشرط.
والثاني: أن يكون له شرط فضربان:
أحدهما: أن يشترط أن لا يقاتله غير من برز إليه، فيجب الوفاء بشرطه، لقول الله تعالى: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١] وقول النبي صلي الله عليه وسلم: "المسلمون عند شروطهم" فلا يجوز أن يقاتل المشرك ما كان المسلم على قتاله، فإذا انقضى القتال بينهما إما بأن ولي المسلم أو جرح فكف عن القتال، أو ولي المشرك أو جرح فكف عن القتال كان لنا أن نقاتل
стр. 6512
المشرك ونقتله، لأن أمانه كان مشروطًا بمدة المقاتلة فانقضى بزوال المقاتلة؛ ولأن شيبة بن ربيعة لما أثخن عبيدة بن الحارث يوم بدر، ولم يبق فيه قتال، مال علي بن أبي طالب، وحمزة بن عبد المطلب على شيبة حتى أجهز عليه.
الضرب الثاني: أن يستظهر في أشراط الأمان لنفسه أن يكون آمنًا حتى يرجع إلى صفه، فيحمل على شرطه ولا يجوز أن يقاتل بعد انقضاء المبارزة، حتى يرجع إلى صفه، وفاء بالشرط إلا أن يكون من المشرك إحدى ثلاث خصال، يبطل بها أمانه:
إحداهن: أن يولي عنه المسلم، فيتبعه، فيبطل أمانه، ويجوز لنا أن نقاتله ونقتله، لأن المبارزة قد انقضت، وأمانه منا مستحق عند أماننا منه، فإذا لم نأمنه لم نؤمنه.
والثانية: أن يظهر المشرك على المسلم، ويعزم على قتله، فيجب علينا أن نستنقذ منه المسلم لما يلزم من حراسة نفسه، فإن قدر على استنقاذه منه بغير قتله لم يجز أن يقتل، وإن لم يقدر على استنقاذه منه إلا بقتله جاز لنا أن نقتله؛ لأنه لا أمان على قتل مسلم.
والثالثة: أن يستنجد المشرك أصحابه من المشركين في معونته على المسلم، فيبطل أمانه؛ لأنه كان مشروطًا بالمبارزة، وقد زال حكمها بالاستنجاد، فإن أعانوه من غير أن يستنجدهم نظر، فإن نهاهم عن معونته فلم ينتهوا كان على أمانه، وكان لنا قتال من أعانه دونه، وإن لم ينههم كان إمساكه عنهم رضًا منه بمعونته له، فصار كاستنجاد لهم في نقص أمانه وجواز قتاله وقتله.
فصل:
وإذا أخذت رؤوس المشركين بعد قتلهم، لتحمل إلى بلاد الإسلام، فقد كره الأوزاعي والزهري ذلك؛ لأن رسول الله صلي الله عليه وسلم لم يفعل ذلك بقتلى بدر.
وروى عقبة بن عامر أنه حمل إلى أبي بكر ﵁ رؤوس من قتل من المشركين في فتح دمشق، فكره ذلك، وقال: تحمل جيف المشركين إلى مدينة الرسول صلي الله عليه وسلم.
وأجاز آخرون ذلك على الإطلاق، وليس للشافعي فيه نص، وذهب أبو حامد الإسفراييني إلى كراهيته، وعندي أن إطلاق الكراهية فيه أو الاستحباب غير صواب، ويجب أن ينظر في نقلها، فإن كان فيه وهن على المشركين أو قوة للمسلمين، فنقلها مستحب؛ لأنه لما لم يكره نقلهم إلى بلاد الإسلام أحياء ليقتلوا بها كان نقل رؤوسهم أقرب، وإن لم يكن في نقلها وهن لمشرك ولا قوة لمسلم كان نقلها مكروهًا، على هذا يحمل نهي أبي بكر ﵁ والله أعلم بالصواب.
باب فتح السواد
وحكم ما يوقفه الإمام من الأرض للمسلمين.
стр. 6513
قال الشافعي ﵀: " ولا أعرف ما أقول في أرض السواد إلا بظن مقرون إلى علم وذلك أني وجدت أصح حديث يرويه الكوفيون عندهم في السواد ليس فيه بيان ووجدت أحاديث من أحاديثهم تخالفه منها أنهم يقولون إن السواد صلح ويقولون إن السواد عنوة ويقولون إن بعض السواد صلح وبعضه عنوة، ويقولون إن جرير بن عبد الله البجلي وهذا أثبت حديث عندهم فيه. قال الشافعي: أخبرنا الثقة عن إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم عن جرير قال: كانت بجيلة ربع الناس فقسم لهم ربع السواد فاستغلوه ثلاث أو أربع سنين. شك الشافعي ثم قدمت على عمر بن الخطاب ﵁ ومعي بنت فلان امرأة منهم قد سماها ولم يحضرني ذكر اسمها. قال عمر: لولا أني قاسم مسئول لتركتكم على ما قسم لكم ولكني أرى أن تردوا على الناس. قال الشافعي: وكان في حديثه وعاضني من حقي فيه نيفًا وثمانين دينارا وكان في حديثه فقالت فلانة قد شهد أبي القادسية وثبت سهمه ولا أسلم حتى تعطيني كذا وكذا فأعطاها إياه. قال الشافعي ﵀: ففي هذا لحديث دلالة إذا أعطى جريرًا عوضًا من سهمه والمرأة عوضًا من سهم أبيها على أنه استطاب أنفس الذين أوجفوا عليه فتركوا حقوقهم منه فجعله وقفًا للمسلمين وقد سبى النبي صلي الله عليه وسلم هوازن وقسم الأربعة الأخماس بين الموجفين ثم جاءته وفود هوازن مسلمين فسألوه أن يمن عليهم وأن يرد عليهم ما أخذ منهم فخيرهم النبي صلي الله عليه وسلم بين الأموال والسبي فقالوا: خيرتنا بين أحسابنا وأموالنا فنختار أحسابنا فترك النبي صلي الله عليه وسلم حقه وحق أهل بيته فسمع بذلك المهاجرون فتركوا لهم حقوقهم وسمع بذلك الأنصار فتركوا لهم حقوقهم ثم بقي قوم من المهاجرين والأنصار فأمر فعرف على كل عشرة واحدًا ثم قال ائتوني بطيب أنفس من بقي فمن كره فله علي كذا وكذا من الغبل إلى وقت ذكره. قال: فجاؤوه بطيب أنفسهم إلا الأقرع بن حابس وعيينة بن بدر فإنهما أتيا ليعيرا هوازن فلم يكرههما صلي الله عليه وسلم على ذلك حتى كانا هما تركا بعد بأن خدع عيينة عن حقه وسلم لهم ﵇ حق من طاب نفسًا عن حقه. قال: وهذا أولى الأمرين بعمر عندنا في السواد وفتوحه إن كان عنوة لا ينبغي أن يكون قسم إلا عن أمر عمر لكبر قدره ولو يفوت عليه ما انبغى أن يغيب عنه قسمه ثلاث سنين ولو كان القسم ليس لمن قسم له ما كان له منه عوض ولكان عليهم أن يردوا الغلة والله أعلم كيف كان وهكذا صنع صلي الله عليه وسلم في خيبر وبني قريظة لمن أوجف عليها أربعة أخماس والخمس لأهله فمن طاب نفسًا عن حقه فجائز للإمام نظرًا للمسلمين أن يجعلها وقفًا عليهم تقسم غلته على أهل الفيء والصدقة وحيث يرى الإمام ومن يطب نفسًا فهو أحق بماله".
قال في الحاوي: أما أرض السواد فهو سواد كسرى ملك الفرس الذي فتحه
стр. 6514
المسلمون، وملكوه عنوة في أيام عمر بن الخطاب ﵁ بعد أن فتحت أطرافه في أيام أبي بكر ﵁. وحده طولًا من حريثة الموصل إلى عبادان، وعرضًا من عذيب القادسية إلى حلوان، يكون طوله مائة وستين فرسخًا، وعرضه ثمانين فرسخًا، وليست البصرة، وإن دخلت في هذا الحد من أرض السواد؛ لأنها مما أحياه المسلمون من الموات إلا مواضع من شرقي دجلتها يسميه أهل البصرة الفرات. ومن غربي دجلتها لنهر المعروف بنهر المرأة، ويسمى بالفهرج.
وحضرت الشيخ أبا حامد الإسفراييني، وهو يدرس تحديد السواد في كتاب "الرهن" وأدخل فيه البصرة، ثم أقبل علي، وقال: هكذا تقول قلت: لا، قال: ولم؟ قلت: لأنها كانت مواتًا أحياه المسلمون، فأقبل على أصحابه، وقال علقوا ما يقول: فإن أهل البصرة أعرف بالبصرة وفي تسميته سوادا ثلاثة أقاويل:
أحدها: لكثرته مأخوذ من سواد القوم: إذا كثروا، وهذا قول الأصمعي.
والثاني: لسواده بالزروع والأشجار، لأن الخضرة ترى من البعد سوادًا، ثم تظهر الخضرة بالدنو منها فقال المسلمون حين أقبلوا من بياض الفلاة: ما هذا السواد، فسموه: سوادًا.
والثالث: لأن العرب تجمع بين الخضرة والسواد في الاسم، قال أبو عبيدة: ومنه قول الشاعر:
وراحت رواحًا من زرود فصادفت زبالة جلبابًا من الليل أخضرا
يعني: أسود، وسواد كسرى أزيد من العراق بخمسة وثلاثين فرسخًا، فيكون العراق أقصر من السواد بخمسه والسواد أطول من العراق بربعه؛ لأن أول العراق من شرقي دجلة العلث، ومن غربيها جربى، وطوله مائة وخمسة وعشرون فرسخًا، وعرضه مستوعب لعرض السواد.
وسمي عراقًا لاستواء أرضه حين خلت من جبال تعلو، وأودية تنخفض، والعراق في كلام العرب: الاستواء، كما قال الشاعر:
سقتم إلى الحق معًا وساقوا سياق من ليس له عراق
أي ليس له استواء.
وقال قدامة بن جعفر: تكون مساحة العراق مكسرًا من ضرب طوله في عرضه عشرة آلاف فرسخ، يصير تكسير مساحة السواد مكسرًا بزيادة الربع مساحة العراق اثنا عشر ألف فرسخ وخمسمائة فرسخ، ومساحة تكسير فرسخ في فرسخ اثنان وعشرون ألف جريب وخمسمائة جريب؛ لأن طول الفرسخ اثنا عشر ألف ذراع بالمرسلة، ويكون بذراع المساحة، وهي الذراع الهاشمية تسعة آلاف ذراع، فتكون مساحة أرض العراق، وهي عشرة آلا فرسخ مكسرة مائتا ألف ألف جريب، وخمسة وعشرين ألف ألف جريب، يزيد عليها في مساحة السواد ربعها، فتصير مساحة السواد مائتا ألف ألف جريب وثمانين
стр. 6515
ألف ألف جريب، يسقط منها مجاري الأنهار، والآجام والسباخ والآكام ومواضع المدن والقرى ومدارس الطرق نحو ثلثها، ويبقي مائتا ألف ألف جريب يراح نصفها، ويزرع نصفها، إذا تكاملت مصالحنا، وعمارتها، وذلك نحو مائة ألف ألف جريب، ينقص عنها في مساحة العراق خمسها، وقد كانت مساحة المرزوع في أيام عمر بن الخطاب ﵁ اثنين وثلاثين ألف ألف جريب إلي ستة وثلاثين ألف ألف جريب، لأن البطائح تعطلت بالماء ونواحي تعطلت بالتبوق وفي المتقدرات تتكامل جميع العبارات حتى تستوعب من زرعها؛ لأن العوارض والحوادث لا يخلو الزمان منها خصوصا وعموما.
فصل:
فإذا استقر ما ذكرنا من حدود السواد، ومساحة أراضيه وقدر مزدرعه وفضل ما بينه وبين العراق، فقد اختلف العلماء في فتحه هل كان عنوه أو صلحا؛ فقدم الشافعي من الحجاز إلي العراق، وأهل العراق أعلم بفتوح سوادهم من أهل الحجاز، فسألهم عنه فاختلفوا عليه، فروي بعضهم أن السواد فتح صلحا.
وروي له بعضهم أن السواد فتح عنوه.
وروي له آخرون أن بعض السواد فتح صلحا، وبعضه فتح عنوه. فلما اختلفوا عليه في النقل والرواية نظرا ثبت ما رووه من الأحاديث، وأصحها، فكان حديث جرير بن عبد الله البجلي.
قال الشافعي: أخبرنا الثقة يعني: أبا أسامة عن إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم عن جرير بن عبد الله البجلي قال: كانت بجيلة ربع الناس، فقسم لهم ربع السواد، فاستغلوه ثلاثا، أربع سنين شك الشافعي فقدمت علي عمر، ومعي فلانة بنت فلان امرأة منهم قد سماها، ولم يحضرني ذكر اسمها، فقال عمر: "لولا أني قاسم مسئول لتركتكم علي ما قسم لكم، ولكن أري أن تردوا علي الناس". قال الشافعي: "وكان في حديثه وعافني من حقه نيفا وثمانين دينارا وفي الحديث: فقالت فلانة: قد شهد أبي القادسية، وثبت سهمه، ولا أسلم حتى تعطيني كذا وكذا، فأعطاها إياه.
وروي غير الشافعي فقالت أم كرز: لا أنزل عن حقي حتى تحملني علي ناقة ذلول عليها قطيفة حمراء وتملأ كفي ذهبا، ففعل ذلك بها، فكان ما أعطاها من العين ثمانين دينارا فمن ذهب إلي أن السواد فتح صلحا، فقد أشار الشافعي إليه في كتاب قسم الفئ واستدل بهذا الحديث من وجهين:
أحدهما: أن عمر انتزعه من أيدي الغانمين حين علم بحصوله معهم، ولو كان عنوه لكان غنيمة لهم، ولم يجز انتزاعه منهم.
والثاني: قول عمر: لولا أني قاسم مسئول لتركتكم علي ما قسم لكم، فدل علي أنه انتزعه منهم بحق لم يستجز تركه معهم، وهذا حكم الصلح دون العنوة.
стр. 6516
وذهب الشافعي إلي أن فتح السواد عنوة، وهو الذي نص عليه في هذا الموضع المنقول عنه في أكثر كتبه.
والدليل عليه من هذا الحديث خمسه أوجه:
أحدهما: أنه أقر السواد في أيدي الغانمين ثلاث سنين، أو ربع يستغلونه، ولم ينتزعه منهم، ولو لم يكن لهم فيه حق الغنيمة لم يستجز تركه عليهم هذه المدة.
والثاني: أنهم اقتسموه قسمة الغنائم حتى صار لبجيلة، وهم ربع الناس ربع السواد، وما اقتسموه إلا بأمر عمر، وعن علمه؛ لأنه من الأمور العامة، والفتوح العظيمة التي لا يستبد الجيش فيها بآرائهم إلا بمطالعته وأمره.
والثاني: أنهم لو تصرفوا فيه بغير حق لاسترد منهم ما استغلوه؛ لأنه يكون لكافة المسلمين دونهم.
والثالث: أنه عاوض من لم يطب نفسا بالنزول عن سهمه بعوض دفعه إليهم، جري عليه حكم الثمن حتى أعطي جريرا، وأم كرز ما أعطي، وهو لا يبذل من مال المسلمين إلا في حق.
والرابع: أنه استطاب نفوسهم عنه، ولو كانت أيديهم فيه بغير حق لأخذه منهم جبرا.
فدلت هذه الوجوه علي أنه كان عنوه مغنوما اقتداء في استطابه نفوسهم عنه برسول الله صلي الله عليه وسلم في سبي هوازن حين سألوه بعد إسلامهم المن عليهم، فخيرهم بين أموالهم وأهليهم، فاختاروا الأهل والأولاد، فمن عليهم، وعرف العرفاء عن استنزال الناس عنوا، وجعل لمن لم يطب نفسا بالنزول عن كل رأس من السبي ست قلائص حتى نزل جميعهم، إلا عيينة والأقرع إلي أن جدع عيينة، ونزل الأقرع، فلما استنزلهم رسول الله صلي الله عليه وسلم للمن والتكريم كان استنزال عمر للغانمين في عموم المصالح للمسلمين أولي وأوكد، واختلف في السبب الذي استنزلهم عمر لأجله علي قولين:
أحدهما: أنه رأي إن أقاموا فيه علي عمارته، واتغلاله، وألفوا ريف العراق، وخصبه تعطل الجهاد، وإن انهضم عنه مع بقائه على ملكهم خرب مع جلالة قدره، وكثرة استغلاله، فعلي أن الأصلح إقرار في أيدي الدهاقين والأكرة الذين هم بعمارته أعرف، وزراعته أقوم بخراج يضربه عليهم يعود نفعه علي المسلمين، ويتوفروا به علي جهاد المشركين.
والثاني: أنه فعل ذلك لنظره في المتعقب؛ لأنه جعل مصري العراق البصرة والكوفة وطنا للمجاهدين؛ ليحضوا بجهاد من بإزائهم من المشركين، ويستمدوا بسواد عراقهم في أرزاقهم، ونفقاتهم في جهادهم، وعلم أنه إن أقره علي ملكهم مع سعته، وكثرة ارتفاعه بقي من بعدهم لا يجدون ما يستمدونه، وقد قاموا مقامهم، وسدوا مسدهم فرأي أن الأعم في صلاح أهل كل عصر أن يكون وقفا عاما علي جميع المسلمين؛ ليكون لأهل
стр. 6517
كل عصر فيه حظ يقوم بكفايتهم فاستنزلهم عن أصل ملكه، وأمدهم بارتفاعه، ليكون يأتي بعدهم فيه بمثابتهم.
وقد روي زيد بن أسلم عن أبيه عن عمر بن الخطاب أنه قال: لولا أخشي أن يبقي آخر الناس لا شئ لهم لتركتكم، وما قسم لكم، لكن أحب أن يلحق آخرهم أولهم، وتلا قوله تعالي: ﴿والَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ولإخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإيمَانِ﴾ [الحشر: ١٠].
فصل:
فإذا ثبت أن فتح أرض السواد عنوة انتقل الكلام إلي فصلين:
أحدهما: حكم أرض العنوة.
والثاني: ما استقر عليه حكم أرض السواد بعد الاستنزال.
فأما الفصل الأول في حكم كل أرض إذا فتحت عنوة، فقد اختلف فيه الفقهاء علي مذاهب شتي.
فذهب الشافعي إلي أنها تكون غنيمة كسائر الأموال، يخرج خمسها لأهل الخمس، وتقسم باقيها بين الغانمين كقسمة الأموال المنقولة إلا أن يري إمام العصر أن يستنزلهم عنه بطيب أنفسهم، أو بعوض يبذله لهم ليفضها علي كافة المسلمين، فيمضي وإلا فهي غنيمة مقسومة لعموم قول الله تعالي: ﴿واعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ ولِلرَّسُولِ﴾ [الأنفال: ٤١]، فدل علي أن ما سوي الخمس للغانمين، كما قال: ﴿ووَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ [النساء: ١١] فدل علي أن ما سوي الثلث للأب.
وقال مالك والأوزاعي: الأرض غير مغنومة، وتصير بالفتح وقفا علي كافة المسلمين، لا يجوز لهم بيعها.
وقال أبو حنيفة: يكون الإمام فيها مخيرا بين ثلاثة أشياء بين أن يقسمها علي الغانمين كالذي قاله الشافعي وبين أن يقرها علي مالك أربابها، ويضرب عليهم جزيتين:
إحداهما: علي رؤوسهم، والأخرى علي أرضهم.
فإذا أسلموا سقطت جزية رؤوسهم، وبقيت جزية أرضهم تؤخذ باسم الخراج، ويجوز لهم بيعها.
بين أن يقفها علي كافة المسلمين، فلا يجوز لهم بيعها.
وأما الفصل الثاني: فيما استقر عليه حكم أرض السواد بعد الاستنزال عنها: فالذي نص عليه الشافعي في سير الواقدي أن عمر وقفها علي كافة المسلمين، فلا تباع، ولا توهب، ولا تورث كسائر الوقوف، وقال فيه مثله من كتاب الرهن: إنه لو رهن أرضا من أرض الخراج كان الرهن باطلا ثم إن عمر بعد وقفها أجرها للدهاقين والأكره بالخراج الذي ضربه عليها يؤدية كل سنه أجره عن رقابها، فيكونوا أحق بالتصرف فيها لأصل
стр. 6518
الإجازة، وإن لم تكن ملكا لهم وإذا مات أحدهم انتقل إلي وارثه يدا لا ملكا كالموروث، وبه قال أبو سعيد الإصظخري وأكثر البصريين، واختلف من قال بهذا فيما توجه الوقف إليه علي وجهين:
أحدهما: إلي جميع الأرض من مزارع ومنازل.
والثاني: إلي المزارع دون المنازل، لأن وقف المنازل مفض إلي خرابها، فهذا قول من جعلها وقفا.
وقال أبو العباس بن سريج وأبو إسحاق المروزي: لم يقفها، وإنما باعها علي أربابها بثمن يؤدي في كل سنة علي الأبد بالخراج المضروب عليها لينتفع بها الآخرون كما انتفع بها الأولون، ويكون الخراج ثمنا ويجوز أن تباع، وتوهب، وتورث، قالوا: إنما كانت مبيعه، ولم يكن وقفا لأمرين:
أحدهما: أن عمر قصد بما فعله فيها حفظ عمارتها، ولو كانت وقفا لا يملكها المتصرف، ويري أنها ليست ملكا مبيعا موروثا لم يشرع أهلها في تأبيد عمارتها، وراعوا ما يتعجلون به استغلالها، فأفضي ذلك إلي خرابها، وزوال الغرض المقصود بها.
والثاني: انه لما يزل أهلها علي قديم الوقت وحديثه، يتبايعونها ويتوارثونها، ولا ينكره عليهم احد من أثمة الامصار، ولا يبطله أحد من القضاة والحكام، ولا يمتنع احد من العلماء من اعل الديات أن يتبايعوها، ويتوارثوها، دل علي انعقاد الإجماع علي خروجها ما أحكام الوقف إلي أحكام الأملاك.
قالوا: وإنما استجاز عمر بيعها بهذا الثمن المجهول المؤبد لأمرين:
أحدهما: لوصولها من جهة المشركين المعفو عن الجهالة فيما صار منهم، كما بذل رسول الله صلي الله عليه وسلم في البدأة والرجعة، الثلث والربع في الغنيمة، وإن كان قدرها مجهولا، وكما يجوز أن يبذل لمن دل علي القلعة في بلاد الشرك جارية من أهلها، وإن جهلت.
والثاني: أن ما تعلق بالمالح العامة يخفف حكم الجهالة فيه، للجهالة بأحكام العموم.
وإطلاق هذين المذهبين في وقفها وبيعها عندي معلول، لأن ما فعله عمر فيها لا يثبت بالاجتهاد حتى يكون نقلا مرويا، وقولا محكيا عن عقد صريح يستوثق فيه بالكتاب والشهادات في الأغلب، وهذا معدوم فيه، فلم يصح القطع بوفقها لما عليه الناس من تبايعها، ولا القطع ببيعها بالخراج المضروب عليها لأمرين:
أحدهما: أن الخراج مخالف للأثمان بالجهالة، وأنه مقدر بالزراعة.
والثاني: أن مشتريها يدفع خراجها دون بائعها، فيصير دافعا لثمنين، وليس للمبيع إلا ثمن واحد، ويكون ما قيل من وقفها محمولا علي أنه وقفها علي قسمة الغانمين، ووقف خراجا علي كافة المسلمين فيكون ملكها مطلقا لمن أقرت عليه استصحابا لقديم ملكهم، لما علم من عموم المصلحة فيه، ودوام الانتفاع به، فتصير مخالفاً للأرض
стр. 6519
الصلح من وجهين، موافقة لها من وجهين.
فأما الوجهان من المخالفة، فأحدهما: أن أرض الصلح لا حق للغانمين في رقابها، فيمنعون منها جبرا، وأرض السواد كانت للغانمين، فاستنزلوا عنها عفوا، وعوض منهن من أبي.
والثاني: أن خراج أرض الصلح لأهل الفئ خاصة، وفيه الخمس لأهل الخمس وخراج أرض السواد لكافة المسلمين، ولا خمس فيه لأهل الخمس لأن الخمس أخرج عنه عند قسمته.
وأما الوجهان في الموافقة، فأحدهما: وضع الخراج علي رقابها.
والثاني: جواز بيعها.
فإن قيل: فقد روى عن فرقد السبخي أنه قال: اشتريت شيئا من أرض السواد، فأتيت عمر، فأخبرته بذلك، فقال: ممن اشتريتها؟ فقلت من أربابها، فقال هؤلاء أربابها يعني الصحابة، فدل علي أن بيعها لا يجوز.
فعنه جوابان:
أحدهما: أنه أنكر البائع، ولم ينكر البيع.
والثاني: أنه محمول علي ما قبل استنزالهم عنها أن ابتياعها لا يجوز إلا من الغانمين.
فصل:
فأما بيع العمارة واليد المتصرفة، فقد اختلف الفقهاء في جوازه.
فقال مالك: يجوز بيعها سواء كان فيها إثارة أو لم يكن.
وقال أبو حنيفة: إن كان فيها إثارة جاز بيعها، وإن لم يكن فيها إثارة لم يحز بيعها.
وقال الشافعي: إن كان أعيان كالزرع والشجر جاز بيعها، وإن كانت آثارا كالأثارة، لم يجز بيعها، لأنها منافع، والبيع إنما يصح في الأعيان دون منافع كما أن الإجارة تصح في المنافع دون الأعيان لأن لكل واحد من العقدين حكمًا.
فصل:
فأما قدر الخراج المطلوب علي الأرض السواد، فقد روى قتادة عن أبي مجلز أن عثمان بن جنيف جعل كل جريب من الكرم عشرة دراهم، وقيل علي كل جريب من النخل ثمانية دراهم، وعلي كل جريب من قصب السكر سته دراهم، وعلي كل جريب من الرطبة خمسة دراهم، وعلي كل جريب من البر أربعة دراهم، وعلي كل جريب من الشعير درهمين.
وحكي الشعبي أن عثمان بن جنيف مسح السواد، فوجده ستة وثلاثين ألف ألف
стр. 6520
جريب، فوضع علي كل جريب درهما وقفيزا.
قال يحيي بن آدم وهو المختوم الحجابي: قيل إن ثمانية أرطال، فكان خراجها سوي البر والشعير متفقا علي قدره في الروايات كلها. واختلف في خراج البر والشعير، فذهب أهل العراق إلي تقديره بقفيز ودرهم وهو المأخوذ منهم في الأيام العادلة من ممالك الفرس، وقد ذكره زهير في شعره فقال:
فتغلل لكم ما تغل لأهلها ... قري بالعراق من قفيز ودرهم
وذهب أبو حامد الإسفراييني، وطائفة من أصحاب الشافعي إلي خراج البر أربعة دراهم، وخراج الشعير درهمان، تعويلا علي رواية أبي مجلز. وكلا القولين علي إطلاقه معلول عندي، لأن كل واحد منهما إسقاط للآخر، والصحيح أن كلا الروايتين صحيحتين، وإنما اختلفا لاختلاف النواحي، فوضع علي بعضها قفيز ودرهم، وعلي بعضها أربعة دراهم علي البر ودرهمان علي الشعير، فأخذ الدرهم والقفيز فما كان غالب زراعة برا او شعيرا، لأن ما قل من ناحيته غلا، وما كثر فيها رخص، فزيد من خراج المال ن ونقص من خراج الرخيص، والله أعلم.
فكانت ذراع عثمان بن حنيف في مساحته ذراع اليد وقبضة ممدودة، وكان مبلغ ارتفاع السواد في أيام عمر بن الخطاب مائة ألف ألف درهم، وعشرين ألف ألف درهم وحياة زيادة مائة ألف ألف وخمسة وعشرين ألف ألف، وحياة عبيد الله بن زياد مائة ألف ألف، وخمسة وثلاثين ألف ألف، وحياة الحجاج ثمانيه عشر ألف ألف، لغشمه وإخرابه، وحياة عمر بن عبد العزيز ثمانين ألف ألف، ثم بلغ في آخر أيامه مائة ألف ألف وعشرين ألف ألف، لعدله وعمارته.
فصل:
ولا يسقط عشر الزروع بخراج الأرض، ويجمع بينهما الشافعي لأن الخراج إما أن يكون أجرة علي قوله، أو ثمنا علي قول من خالفه من أصحابه، والعشر يسقط بواحد منهما.
ومنع أبو حنيفة من الجمع بينهما، وأسقط العشر بالخراج، وقد تقدم الكلام معه في كتاب الزكاة. فأما عشر زروعه فمصروف في أهل الصدقات كسائر الزكوات.
وخالف فيه أبو حنيفة، فجعل مصرف الغنيمة والفئ مشتركا، وقد مضي الكلام معه في كتاب قسم الصدقات.
وأما خراج السواد، فمصرفه في كل مصلحه عاد علي المسلمين نفعها من أرزاق الجيش وتحصين الثغور، وابتياع الكراع والسلاح، وبناء المساجد، والقناطر وأرزاق القضاة والأئمة، ومن انتفع به المسلمون الفقهاء، والقراء، والمؤذنين.
стр. 6521
فصل:
ولا يجوز للإمام، ولا لوال من قبله يضمن العشر والخراج لأحد من العمال، فإن عقد علي واحد منهما ضمانا كان عقده باطلا لا يتعلق به في الشرع حكم، لأن العامل مؤتمن يستوفي ما وجب، ويؤدي ما حصل لا يضمن نقصانا، ولا يملك زيادة، وضمان الأموال بمقدر معلوم يقتضي الاقتصار عليه، ويملك ما زاد، ويغرم ما نقص، وهذا مناف لوضع العمالة وحكم الأمانة فبطل.
حكي أن رجلا أتي ابن عباس يتقبل منه الأبلة بمائة درهم، فضربه مائة سوط، وصلبه حيا تعزيرا وأدبا.
ولا يجوز تضمين الأرض لأربابها في عشر ولا خراج، لأن العشر مستحق أن زرع، وساقط إلي قطع، والخراج مقدر علي المساحة لا يجوز أن يزاد فيه، ولا ينقص منه، وما هذه سبيله لا يصح تضمينه. فأما إجارتها، فيصح أن يؤجرها أربابها، ولا يصح أن يؤجرها غيرها، لأن حق السلطان فيها قد سقط بخراجها.
فصل:
فأما تفسير كلام الشافعي في أول باب، وهو قوله "لا أعرف ما أقوله في أرض السواد، إلا بظن مقرون إلى علم، فقد أنكر هذا الكلام على الشافعي من وجهين:
أحدهما: قوله: لا أعرف ما أقول في ارض السواد، ما أحد بدأ في كتاب في علم بمثل هذا اللفظ، لأن من لم يعرف شيئا لم يجز أن يتعرض لإثبات حكمه.
والثاني: قوله: إلا بظن مقرون إلي علم، والظن شك والعلم يقين، وهما ضدان فكيف يصح الجمع بينهما، وهو ممتنع؟
قيل: أما قوله: لا أعرف ما أقول في أرض السواد، فلأن الطريق إلي العلم يفتحها النقل المروى، وقد اختلفت الرواية عنه، فروى بعضهم أنها فتحت صلحا، وروى بعضهم أنها فتحت عنوة، وروى آخرون أن بعضها فتح صلحا، وبعضها فتح عنوة.
وهذا الاختلاف في النقل يمنع من الأخذ بأحدها إلا بدليل، فحسن أن يقول: لا أعرف إثبات أحدهما، وإن كنت أعرف نقل جميعها.
وأما قوله "إلا بظن القرون إلي علم"، فقد اختلف أصحابنا في مراده به علي ما هو محمول علي فتحها أو علي حكمها علي وجهين:
أحدهما: أنه محمول علي فتحتها أنه عنوة لا صلحا، وهو المشهور من قوله.
والثاني: أنه محمول علي حكمها أنها وقف لا يجوز بيعها، وهو الظاهر من مذهبه.
فإن قيل: إن المراد فتحها، ففي تأويل قوله: "إلا بظن مقرون إلي علم" وجهان:
أحدهما: أنه أراد بالظن هنا الاجتهاد الذي هو غلبة الظن وأراد بالعلم الخبر، لأن
стр. 6522
جنس الأخبار قد يفضي إلي العلم، فكأنه توصل باجتهاده وغلبة ظنه إلي إثبات خبر جرير، وعلم من خبر جرير أنها فتحت عنوة.
والثاني: أن الاجتهاد ذو غلبة الظن هو فيما خفي واشتبه من سبب فتحها والعلم هو فيما ظهر وانتشر من قسمها، فاستدل بظاهر القسمة علي باطن العنوة.
وإن قيل: إن المراد به حكمها، لأنها وقف، ففي تأويل قوله: إلا بظن المقرون إلي علم وجهان:
أحدهما: أن العلم ما فعله عمر من استنزالهم عنها، وغلبة الظن فيما حكم به من وقفها.
والثاني أن العلم وضع للخراج عليها، وغلبة الظن في المنع من بيعها، والله أعلم.
مسألة:
قال الشافعي: "وأي أرض فتحت صلحا علي أن أرضها لأهلها يؤدون فيها خراجا فليس لأحد أخذها من أيديهم وما أخذ من خراجها فهو لأهل الفئ دون أهل الصدقات لأنه فئ من مال مشرك وإنما فرق بين هذه المسألة والمسألة قبلها أن ذلك وإن كان من مشرك فقد ملك المسلمون رقبة الأرض أفليس بحرام أن يأخذ منه صاحب صدقة ولا صاحب فئ ولا غني ولا فقير لأنه كالصدقة المؤقوفة يأخذها من وقفت عليه".
قال في الحاوي: اعلم أن ما استولي عليه من أرض بلاد الترك ينقسم علي خمسة أقسام:
أحدهما: ما فتحوه عنوة، واستولوا عليه قهرا ن فهي ملك للغانمين تقسم بينهم قسمة الأموال بعد أخذ خمسها لأهل الخمس، وللغانمين أن يتصرفوا فيما قسم لهم تصرف المالكين بالبيع والرهن والهبة، إن خالف فيها مالك وأبو حنيفة خلافا قدمناه، وتكون أرض عشر لا خراج عليها إلا أن يستنزلهم الإمام عنها كالذي فعله عمر فيكون حكرا علي ما قدمناه في أرض السواد.
والثاني: ما أسلم عليه أهله، فقد صارت تلك الأرض بإسلام أهلها دار الإسلام وأرضها معشورة ولا يجوز أن يوضع عليها خراج.
وقال أبو حنيفة: الإمام مخير فيها بين أن يجعلها عشرا أو خراجا فإن جعلها لم يجز أن ينقلها إلي العشر،،وإن جعلها عشرا جاز أن ينقلها إلي الخراج، وهذا فاسد من وجهين: نص وتعليل:
стр. 6523
أحدهما: أن أهل الطائف أسلموا، فأقرهم رسول الله صلي الله عليه وسلم علي أملاكهم في أرضهم، فكانت أرض عشر لم يضرب عليها خراجا.
والثاني أن الخراج أحد الجزيتين، فلم يجز أن يؤخذ من مسلم كالجزيه علي الرؤوس.
والثالث: ما جلا عنه أهله من البلاد خوفا حتى استولي عليه المسلمون، فأرضهم في مخموس توقف رقابها، ويصرف ارتفاعها مصرف الفئ، فإن ضرب الإمام عليها خراجا جاز، وكان الخراج أجرة يصرف مصرف الفئ، في أحد القولين بعد الخمس مصروفا إلي الجيش خاصة، وفي القول الثاني في جميع المصالح التي منع أرزاق الجيش، وفيما يصير به وفقا وجهان:
أحدهما: يصير وفقا بالاستيلاء عليها، ولا يراعي فيها لفظ الإمام بوقفها.
والثاني: لا تصير وقفا إلا أن يتلفظ الإمام بوقفها.
والرابع: ما صولح عليه المشركون من أرضهم علي أن يكون ملكا للمسلمين بخراج يؤديه أهلها إلي الإمام، فهذه الأرض في ذلك الاستيلاء عليها بغير إيجاف خيل ولا ركاب وتصير وقفا علي ما ذكرنا من الوجهين:
أحدهما: بأن يتلفظ الإمام أو من استنابة فيها بوقفها، وتصير الأرض من بلاد الإسلام ولا يجوز بيعها كسائر الوقوف، ولا يقر فيها أهلها من المشركين إلا بالجزية المؤداة عن رؤوسهم جزيتهم بخراج أرضهم، لأن خراجها أجرة لا جزية.
فإن انتقلت إلي يد مسلم لم يسقط عنه خراجها، وكذلك لو أسلم أهلها.
والخامس: وهو مسألة الكتاب أن يصالحوا علي الأرضين لهم بخراج يؤدونه عنها، فيجوز ويكون هذا الخراج جزية، والأملاك طلق يجوز بيعها، وينظر في بلادها، فإن لم يستوطنها المسلمون، فهي دار عهد، وليست دار الإسلام، ولا دار حرب، ويجوز أن يقر أهلها بالخارج من غير جزية رؤوسهم ولا يجري عليها من أحكامنا إلا ما يجري علي المعاهدين دون أهل الذمة والمسلمين، وإن استوطنها المسلمون بالاستيلاء عليها صارت دار إسلام، وصار المشركون فيها أهل ذمة يجب عليهم جزية أرضهم وحدها جاز إذا بلغ ما يؤخذ من كل واحد من أهلها دينارا فصاعدا.
وقال أبو حنيفة: يجب أن يجمع عليهم بين جزية رؤوسهم وجزية أرضهم، ولا يجوز الاقتصار علي جزية الأرض وحدها، وهذا فساد، لأن الجزية واحدة لا يجوز مضاعفتها علي ذي مال ولا غيره كسائر أهل الذمة، فإن أسلموا سقطت عنهم جزية رؤوسهم وجزية أرضهم.
وقال أبو حنيفة: لا تسقط عنهم جزية أرضهم بالإسلام احتجاجا لا خراج عن أرض، فلم يسقط بالإسلام كالخراج علي سواد العراق.
ودليلنا: ما روى النبي صلي الله عليه وسلم أنه قال: "لا ينبغي لمسلم أن يؤدي الخراج، ولا
стр. 6524
لمشرك أن يدخل المسجد الحرام" ولأنه مال حقنت به دماؤهم فوجب أن يسقط بإسلامهم كالجزية علي الرؤوس. فأما خراج أرض السواد فليس بجزية وهو أجرة أحد الوجهين، وثمن في الوجه الثاني علي ما قدمناه من اختلاف أصحابنا فيه، فافترقا، وهكذا لو باعوا أرضهم علي مسلم سقط خراجها عنه كما يسقط عنه بإسلامهم.
مسألة:
قال الشافعي: "ولا بأس أن يكتري المسلم من أرض الصلح كما يكتري دوابهم والحديث الذي جاز عن النبي صلي الله عليه وسلم "لا ينبغي لمسلم أن يؤدي الخراج ولا لمشرك يدخل المسجد الحرام إنما هو خراج الجزية وهذا كراء".
قال في الحاوي: وهذا كما قال: "إذا كانت أرض الصلح ملكا للمشركين، وعليها خراج للمسلمين جاز للمسلم أن يستأجرها، ولا يكره له ذلك، وكرهه الإسلام لقول النبي صلي الله عليه وسلم "لا ينبغي لمسلم أن يؤدي الخراج، ولا لمشرك أن يدخل المسجد الحرام".
ودليلنا علي إباحته وعدم كراهته: ما روى أن الحسن بن علي ﵉ استأجر قطعة كبيرة من أرض الخراج، وكذلك روى ابن مسعود ومعاذ بن جبل ﵄ وليس يعرف لهم مخالف، ولأنه لما يكره أن يستأجر منهم غير الأرضين من الدواب والآلات لم يكره أن يستأجر منهم الأرضين.
فأما الخبر فلا دليل فيه، لأن الخراج يؤخذ من مؤجرها، والأجرة تؤخذ من مستأجرها، فإن شروط الخراج علي مستأجرها صح إن كان معلوما، وكان أجرة في حق المستأجر وخراجا في حق المؤجر.
فصل:
فإن باع المشرك أرضه هذه علي مشرك صح، كان خراجها باقيا، وإن باعها علي مسلم صح البيع، وسقط الخراج بانتقالها إلي ملك المسلم كما لو كان مالكها من المشركين قد أسلم.
وقال: بيعها علي مسلم باطل، لأنه مفض إلي سقوطه ما استحقه المسلمون عليها من الخراج، وهذا باطل لقول الله تعالي ﴿وَأَحَلَّ الله اُلْبَيْعَ﴾ [البقرة: ٢٧٥].
ولأن كل ما صح بيعه من مشرك كسائر الأموال، ولأن المسلم لو باع أرضه علي مسلم صح، إن أفضي إلي إسقاط العشر، فلأن يجوز بيع أرض المشرك علي المسلم وإن أفضي إلي إسقاط الخراج أولي، وفيه انفصال، فإذا ثبت خراجها علي أهل الصلح، فإن بذلوه وإلا نبذ إليهم عهده، وهذا خطأ من وجهين:
стр. 6525
أحدهما: أن المستحق عليهم خارج أملاكهم، فلم يجز أن يؤخذ منهم خراج ما خرج عن أملاكهم.
والثاني: أنه لما كان سقوط خراجها بإسلام مالكها لا يقتضي الرجوع عليها بخراجها كان بإسلام غيره أولى، والله أعلم.
باب الأسير يؤخذ عليه العهد أن لا يهرب، أو على الفداء
قال الشافعي ﵀: " وإذا أسر المسلم فأحلفه المشركون على أن لا يخرج من بلادهم إلا أن يخلوه فله أن يخرج لا يسعه أن يقيم ويمينه يمين مكره ".
قال في الحاوي: ومقدمة هذه المسألة هجرة من أسلم من أهل الحرب، فلا يخلو أن يكون فيها ممتنعًا أو مستضعفًا، فإن كان فيها مستضعفًا لا يأمن أهلها على نفسه وأهله وماله، وجب عليه إذا قدر على الهجرة أن يهاجر منها إلى دار الإسلام لقول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَائِكَ مَاوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ٩٧]. فدل على وجوب الهجرةً، ولما روي عن النبي ﷺ أنه قال: "أنا بريء من كل مسلم مع مشرك قيل: ولم يا رسول الله، قال: لا تراءا ناراهما". يعني تنظر ناره إلى ناره فيكثر سواد المشركين.
وقد روي عن النبي ﷺ أنه قال: "من كثر سواد قوم فهو منهم"، ولأنه لا يأمن أن يفتن عن دينه أو تسبى الدار فيسترق ولده، فإن عجز عن الهجرةً لضعفه كان معذورًا في التأخر عن الهجرة حتى يقدر عليها، قال الله تعالى: ﴿إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلاً (٩٨) فَأُوْلَئِكَ عَسَى اللهُ أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللهُ عَفُوّاً غَفُوراً﴾ [النساء: ٩٨، ٩٩].
فأما إذا كان المسلم في دار الحرب ممتنعًا في أهل وعشيرة، فإن لم يأمن الافتتان عن دينه كان فرض الهجرة باقيًا عليه.
وإن أمن الافتتان في دينه سقط فرض الهجرة عنه لاختصاص وجوبها نصًا بالمستضعفين وكان مقامه بينهم مكروهًا؛ لأن المقام على مشاهدة المنكرات منكر، والإقرار على الباطل معصية؛ لأنها تبعث على الرضا، وتفضي إلى الولاء.
قال الله تعالى: ﴿لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [المائدة: ٥١].
стр. 6526
فصل:
فإذا ثبت حكم الهجرة فيمن أسلم من أهل الحرب، فصورة هذه المسألة في المسلم إذا أسره أهل الحرب، فالأسير مستضعف تكون الهجرة عليه إذا قدر عليها فرضًا، ويجوز له أن يغتالهم في نفوسهم وأموالهم، ويقاتلهم إن أدركوه هاربًا، فإن أطلقوه وأحلفوه أن يقيم بينهم، ولا يخرج عنهم وجب عليه الخروج عنهم مهاجرًا، ولم تمنعه اليمين من الخروج المفروض، لقول النبي ﷺ : "من حلف على يمين، فرأى غيرها خيرا منها، فليأت الذي هو خير، وليكفر عن يمينه".
فأما حنثه في يمينه إذا خرج يمين الأسير، فمعتبر بحال إحلافه، وله فيها ثلاثة أحوال:
أحدها: أن يبدءوا به، فيحلفوه في حبسه قبل إطلاقه أنهم إذا أطلقوه لم يخرج عنهم، فهذه يمين مكره لا يلزمه الحنث فيها.
والثانية: أن يطلقوه على غير يمين، فيحلف لهم بعد إطلاقه أنه لا يخرج عنهم فهذه يمين مختار يحنث فيها إذا خرج، وكان التزامه للحنث مستحقًا.
والثالثة: أن يبتدئ قبل إطلاقه، فيتبرع باليمين، أنهم إن أطلقوه لم يخرج عنهم. ففي يمينه وجهان:
أحدهما: أنها يمين إكراه لا يحنث فيها لأنه لم يقدر على الخروج من الحبس إلا بها كما لو أحلفوه محبوسًا.
مسألة:
قال الشافعي: "وليس له أن يغتالهم في أموالهم وأنفسهم لأنهم إذا أمنوه فهم في أمان منه ولو حلف وهو مطلق كفر".
قال في الحاوي: اعلم أن للأسير إذا أطلق في دار الحرب أربعة أحوال:
أحدها: أن يؤمنوه ويستأمنوه، فيحرم عليه بعد استئمانهم له أن يغتالهم في أنفسهم وأموالهم، لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١]. إلا أن ينقضوا أمانهم له، فينتقض به أمانه لهم، لقوله تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾ [الأنفال: ٥٨]. ولو استرقوه بعد أمانهم كان الاسترقاق نقضًا لأمانهم واستئمانهم.
والثانية: أن لا يؤمنوه ولا يستأمنوه، فلا يكون الإطلاق استئمانًا كما لم يكن أمانًا، ويجوز أن يغتالهم في أنفسهم وأموالهم، ولو أطلقوه بعد أن استرقوه لم يكن الاسترقاق أمانا فيهم ولا أمانا لهم.
الثالثة: أن يستأمنوه، ولا يؤمنوه، فينظر، فإن كان لا يخافهم إما لقدرته على الخروج، وإما لثقته بكفهم عنه، فهم على أمانهم منه لا يجوز أن يغتالهم في نفس ولا
стр. 6527
مال، وإن لم يأمنهم فلا أمان لهم، ويجوز له اغتيالهم، لقوله تعالى: ﴿فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾ [الأنفال: ٥٨].
والرابعة: أن يؤمنوه ولا يستأمنوه، ففيه وجهان:
أحدهما: وهو قول أبي علي بن أبي هريرة إنهم لا أمان لهم منه، وإن عقدوا له أمانا منهم: لأن تركهم لاستئمانه قلة رغبة في أمانه.
والثاني: وهو الظاهر من مذهب الشافعي، وقول جمهور أصحابه، إنه قد صار لهم بأمانهم له أمان منه، وإن لم يستأمنوه، لما يوجبه عقد الأمان من التكافؤ فيه.
مسألة:
قال الشافعي: "ولو خلوه على فداء إلى وقت فإن لم يفعل عاد إلى أسرهم فلا يعود ولا يدعه الإمام أن يعود ولو امتنعوا من تخليته إلا على مال يعطهموه فلا يعطيهم منه شيئًا لأنه مال أكرهوه على دفعه بغير حق".
قال في الحاوي: إذا أطلق أهل الحرب أسيرًا على اشتراط فداء يحمله إليهم، فإن حمله، وإلا عاد إليهم، لم يجب عليه حمل الفداء، ولا العود إليهم، ويكون الشرطان باطلين.
وقال الزهري، والأوزاعي: الشرطان واجبان، فيؤخذ بحمل المال إليهم، فإن حمله، وإلا أخذ بالعود إليهم.
وقال أبو هريرة والحسن البصري، وإبراهيم النخعي، وسفيان الثوري: اشتراط الفداء لازم، واشتراط العود باطل.
واحتجوا بأن رسول الله ﷺ عقد صلح الحديبية مع قريش على أنه يرد إليهم من جاء مسلمًا منهم، فجاءه أبو جندل بن سهل بن عمرو مسلمًا، فرده إلى أبيه، وجاءه أبو بصير مسلمًا، فرده إليهم مع رسول لهم، فقتل الرسول، وعاد فقال: يا رسول الله قد وفيت لهم، ونجاني الله منهم، فلم ينكره عليه.
ودليلنا: ما روي أن أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط، قدمت على رسول الله ﷺ بعد صلح الحديبية مسلمةً، وجاء أخواها في طلبها، فنهى رسول الله ﷺ عن ردها إليهم، بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾ [الممتحنة: ١٥]. ولأن المعاوضة عن رقبة الحر لا تصح، فبطل الفداء، وسقط المال.
والهجرة من دار الحرب واجبةً، والعود إليها معصيةً، فلم يجز العود. فأما حديث أبي جندل، وأبي بصير، فهو منسوخ بحديث أم كلثوم، وعلى أنهما كانا ذوي عشرة طلبا رغبة فيهما، وإشفاقا عليهما، فخالفا من عداهما.
стр. 6528
فصل:
فإذا ثبت سقوط الفداء، وتحريم العود، فالوفاء لهم بالفداء مستحب، وإن لم يجب، ليكون ذريعةً إلى إطلاق الأسرى. والوفاء بالعود محظور، لا يجب، ولا يستحب لما فيه من الخوف على نفسه ودينه. فإن افتدى نفسه بماله ساقه إليهم، ثم غنمه المسلمون منهم نظر، فإن كان بذله لهم مبتدئًا كان ذلك المال مغنومًا، وإن شرطوه على إطلاقه، كان ذلك الحال باقيًا على ملكه، ويكون أحق من الغانمين به.
وهكذا إذا افتدى الإمام أسرى في دار الحرب بماله ساقه إليهم من بيت المال، ثم غنم ذلك المال منهم، لم يملكه الغانمون عنهم؛ لأنه مال المسلمين صار إليهم بغير حق، فوجب أن يعود إلى حقه في بيت المال.
مسألة:
قال الشافعي: "ولو أعطاهموه على شيء أخذه منهم لم يحل له إلا أداؤه إليهم إنما أطرح عنه ما استكره عليه".
قال في الحاوي: إذا ابتاع الأسير من أهل الحرب مالًا بثمن أطلقوه عليه، ليحمله إليهم من بلاد الإسلام، لم يخل ابتياعه من أن يكون عن مراضاةً أو إكراه.
فإن كان عن مراضاةً لزمه الوفاء به، وحمل الثمن إليهم: لأن العقود في دار الحرب لازمةً، كلزومها في دار الإسلام، ولذلك كان تحريم الربا في الدارين سواء، وإن كان عن إكراه فعقد المكره باطل، ويجب عليه رد المال: لأنه قبضه عند استئمان، وفيما يلزمه من رده وجهان:
أحدهما: يلزمه رد ما ابتاعه لفساد العقد، وضمانه الرد، وهو الظاهر من مذهب الشافعي.
والثاني: وهو قول أبي علي بن أبي هريرة - أنه يكون مخيرًا بين رد ما ابتاعه منهم: لأنه عين مالهم، وبين دفع ثمنه: لأنهم قد امتنعوا به، فلو تلف منه ما ابتاعه نظر في تلفه.
فإن كان بفعله، فعليه ضمانه، وإن تلف بغير فعله اعتبر حال قبضه منهم، فإن كان باختياره وجب عليه ضمانه، وإن كان مكرها عليه لم يضمنه. وفي ضمانه إذا لزم ما قدمناه من الوجهين:
أحدهما: قيمته إذا قيل: إن الواجب رد عينه.
والثاني: يكون مخيرًا بين القيمة والثمن إذا قيل مع بقائه: إنه مخير فيهما.
مسألة:
قال الشافعي: "وإذا قدم ليقتل لم يجز له من ماله إلا الثلث".
стр. 6529
قال في الحاوي: أما الأسير في دار الحرب، ومن وجب عليه من المسلمين القصاص في النفس، إذا وهبا مالًا وأعطيا عطايا لم يخل حالها من ثلاثة أقسام:
أحدها: أن تكون هباتهما وعطاياهما قبل تقديمهما للقتل والقصاص، فيكون ذلك من رءوس أموالهم دون الثلث: لأن السلامة عليها في هذه الحال أغلب من الخوف.
والثاني: أن تكون عطاياهما بعد تقديمهما للقتل والقصاص، ووقوع الجرح بهما، وإنها ردمهما، فيكون من الثلث لا من رأس المال؛ لأن الخوف عليهما بعد الجرح أغلب، والسلامة فيها نادرةً، فأجرى عليهما في الحياة حكم الوصايا بعد الموت، لقول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ [آل عمران: ١٤٣]. فأجرى عليهما عند حضور أسباب الموت حكم الموت.
والثالث: أن يكون عطاياهما بعد تقديمهما للقتل والقصاص، وقبل وقوع الجرح بهما، فقد قال الشافعي في الأسير: تكون عطاياه من الثلث، فجعل الخوف عليه أغلب، وقال في المقتص منه: تكون عطاياه من رأس المال دون الثلث، فجعل السلامة عليه أغلب، فخالف بينهما في الجواز مع اتفاقهما في الصورة.
فاختلف أصحابنا في ذلك على ثلاثة أوجه:
أحدها: - وهو قول أبي إسحاق المروزي - إن جمع بين المسألتين وجمع اختلاف الجوابين وخرجهما على قولين:
أحدهما: تكون عطاياهما من الثلث على ما نص عليه في الأسير: لأن الخوف عليهما أرجى من الخوف على المريض.
والقول الثاني: تكون عطاياهما من رأس المال على ما نص عليه في المقتص منه بخلاف المريض ما لم يقع به جرح؛ لأن سبب الموت حال في بدن المريض، وليس بحال في بدن الأسير والمقتص منه، فهذا وجه.
والثاني: أن الجواب على ظاهره فيهما، فتكون عطايا الأسير من الثلث، وعطايا المقتص منه من رأس المال، ويكون الأسير أخوف حالًا منه: لأنه مع أعدائه في الدين يرون قتله تدينا وقربة، والمقتص منه مع موافقين فيه وصفهم الله بالرأفة والرحمة، وندبهم إلى العفو مع المقدرة.
والثالث: أن تغلب شواهد الحال فيهما، فإن شوهد من المشركين في الأسير رقةً ولين كانت عطاياه من رأس المال، وإن لم يشاهد ذلك كانت من الثلث.
وإن شوهد من أولياء القصاص غلظة وحنق، كانت عطاياه من الثلث، وإن لم يشاهد ذلك كانت من رأس المال، وهذا محكي عن أبي العباس بن سريج، وقد ذكرنا في كتاب الوصايا من التفريع على هذه المسألة، فيمن وجب عليه القتل في الحرابة، والرجم في الزنا، والحامل إذا ضربها الطلق، وراكب البحر إذا اشتد به الريح، والملتحم في القتال بين الصفين ما أغنى عن الإعادة، وبالله التوفيق.
стр. 6530
باب إظهار دين النبي على الأديان كلها من كتاب الجزية
قال الشافعي: - رحمه الله تعالى -: قال الله تعالى: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [الصف: ٩] وروي مسندًا أن النبي ﷺ قال: "إذا هلك كسرى فلا كسرى بعده، وإذا هلك قيصر فلا قيصر بعده، والذي نفسي بيده لتنفقن كنوزهما في سبيل الله، وقال: ولما أتى كتاب النبي ﷺ إلى كسرى مزقه فقال ﷺ : يمزق ملكه قال: وحفظنا أن قيصر أكرم كتابه ووضعه في مسك فقال ﷺ يثبت ملكه (قال الشافعي) ﵀: ووعد رسول الله الناس فتح فارس والشام، فأغزى أبو بكر الشام على ثقة من فتحها لقول النبي ﷺ ففتح بعضها وتم فتحها في زمن عمر، وفتح عمر ﵁ العراق وفارس، قال الشافعي - رحمه الله تعالى -: فقد أظهر الله دين نبيه ﷺ على سائر الأديان بأن أبان لكل من تبعه أنه الحق وما خالفه من الأديان فباطل، وأظهره بأن جماع الشرك دينان: دين أهل الكتاب، ودين الأميين فقهر النبي ﷺ الأميين حتى دانوا بالإسلام طوعا وكرها، وقتل من أهل الكتاب وسبى حتى دان بعضهم بالإسلام وأعطى بعض الجزية صاغرين، وجرى عليهم حكمه ﷺ قال: فهذا ظهوره على الدين كله، قال: ويقال ويظهر دينه على سائر الأديان حتى لا يدان لله إلا به، وذلك متى شاء الله قال: وكانت قريش تنتاب الشام انتيابًا كثيرًا، وكان كثير من معاشهم منه، وتأتي العراق، فلما دخلت في الإسلام ذكرت للنبي ﷺ خوفها من انقطاع معاشها بالتجارة من الشام والعراق إذا فارقت الكفر ودخلت في الإسلام، مع خلاف ملك الشام والعراق لأهل الإسلام، فقال ﷺ : إذا هلك كسرى فلا كسرى بعده، فلم يكن بأرض العراق كسرى ثبت له أمر بعده، وقال إذا هلك قيصر فلا قيصر بعده، فلم يكن بأرض الشام قيصر بعده وأجابهم ﵊ على نحو ما قالوا وكان كما قال ﵇ وقطع الله الأكاسرة عن العراق وفارس وقيصر ومن قام بعده بالشام، وقال في قيصر: يثبت ملكه، فثبت له ملكه ببلاد الروم، وتنحى ملكه عن الشام وكل هذا متفق يصدق بعضه بعضًا ".
قال في الحاوي: وهذا الباب أورده الشافعي، وليس من الفقه، ليوضح به صدق الله تعالى في وعده، وصدق رسوله في خبره، ليرد به على من ارتاب بهما، فصار تاليا للسير.
فأما كتاب الله تعالى، فقال: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٣٣]. أما قوله: ﴿بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ﴾ تفسيرها ففيه ثلاث تأويلات:
أحدها: أن الهدى هو دين الحق، وإنما جمع بينهما لتغاير لفظيهما، ليكون كل
стр. 6531
واحد منهما تفسيرًا للآخر.
والثاني: معناه أنه أرسله بالهدى إلى دين الحق؛ لأن الرسول هادٍ والقرآن هدايةً، والمأمور به هو دين الحق.
والثالث: أن الهدى هو الدليل، ودين الحق هو المدلول عليه.
وأما قوله: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٣٣]. فقد دفعه المتشككون في أديانهم، وقالوا: قد بقيت أطراف الأرض من الروم، والترك، والهند، والزنج، وغيرهم من الأمم القاصيةً، ما أظهر دينه على أديانهم، فلم يصح هذا الموعد.
والجواب عن هذا القدح: أن أهل التأويل قد اختلفوا في هاء الكناية التي في قوله: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٣٣] إلى ماذا تعود؟ على ثلاثة أوجه:
أحدها: أن تعود إلى الهدى.
والثاني: أنها تعود إلى دين الحق وحده.
والثالث: أنها تعود إليهما، وهو الأظهر.
فأما الهدى ففي معنى إظهاره ثلاثة أوجه:
أحدها: أنه إظهار دلائله، وحججه، وقد حقق الله فعل ذلك، فإن حجج الإسلام أظهر ودلائله أقهر.
والثاني: أنه إظهار رسوله الله وقد حقق الله تعالى ذلك، فإنه ما حارب قومًا إلا انتصف منهم، وظهر عليهم.
والثالث: أنه بقاء إعجازه ما بقي الدهر، فإن معجزة القرآن باقيةً على مرور الأعصار، ومعجزة موسى فلق البحر، وعيسى في إحياء الموتى، منقطع لم يبق.
وأما الدين، ففي إظهاره على الدين كله ثلاثة أوجه:
أحدها: أن إظهاره هو انتشار ذكره في العالمين، ومعرفة الخلق به أجمعين، وهذا موجود؛ لأنه لم يبق في أقطار الأرض أمة إلا وقد علمت بدين الإسلام، ودعوة محمد ﷺ إليه، وهو بالحجاز، وهو أحد التأويلات في قوله تعالى: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ [الشرح: ٤].
والثاني: أن إظهاره هو علوه على الأديان كلها، فهو طالب وغيره مطلوب، وقاهر وغيره مقهور، وغانم وغيره مغنوم، وزائد وغيره منقوص، وهذا ظاهر موجود، قال ﴿ ﷺ ﴾: "الإسلام يعلو ولا يعلى، ويزيد ولا ينقص".
والثالث: أن إظهاره على الأديان كلها سيكون عند ظهور عيسى ابن مريم ونزوله من السماء حتى لا يعبد الله تعالى بغيره من الأديان كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾، [النساء: ١٥٩].
وقال النبي ﷺ : زويت لي الأرض، فأريت مشارقها ومغاربها، وسيبلغ ملك أمتي
стр. 6532
ما زوي لي منها، ومعنى زويت: أي جمعت.
فصل:
وأما السنة، فقد روي عن النبي ﷺ خبران:
أحدهما: رواه الشافعي، عن سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ أنه قال: "إذا هلك كسرى فلا كسرى بعده، وإذا هلك قيصر فلا قيصر بعده، والذي نفسي بيده لتنفقن كنوزهما في سبيل الله".
والثاني: ما روي أن النبي ﷺ كتب إلى كسرى يدعوه إلى الإسلام، فلما وصل كتابه إليه مزقه، فبلغ ذلك النبي ﷺ فقال: "تمزق ملكه". وكتب إلى قيصر كتابًا إلى الإسلام، لما وصل كتابه إليه قبله، وأكرمه، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فقال: "ثبت ملكه". والأكاسرة هم ملوك الفرس، ودينهم المجوسية، والقياصرة هم ملوك الروم، ودينهم النصرانية. فكان الخبران في الأكاسرة متفقين، وقد وجد الخبر فيهما على مخبره: لأنه قال في الخبر الأول: إذا هلك كسرى فلا كسرى بعده، وقال في الخبر الثاني: تمزق ملكه، وكان ظاهر الخبرين في القياصرة مختلفًا، والمخبر فيهما متنافيًا لأنه قال في الأول: وإذا هلك قيصر فلا قيصر بعده، وقال في الثاني: ثبت ملكه، وهذا متناف، وقد نرى ملك الروم ثابتًا فكان ثباته موافقا للخبر الثاني منافيًا للخبر الأول، فعنه جوابان يمنعان من التنافي:
أحدهما: أن معنى قوله: "إذا هلك قيصر فلا قيصر بعده" يعني به زوال هذا الاسم عن ملوكهم، وكان اسمًا لكل ملك منهم، فلما هلك قيصر لم يتسم به أحد من ملوكهم، وثبت ملكه الآن في بلادهم.
والثاني: أن لهذا الحديث سببًا، وهو أن قريشا كانت تنتاب اليمن في الشتاء، والشام والعراق في الصيف، وهو معنى قوله تعالى: ﴿إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ﴾، [قريش: ٢]. فلما أسلموا وبلاد الرحلتين على شركهم شكوا ذلك إلى رسول الله ﷺ لانقطاع الرحلتين عنهم بالشام والعراق فقال ﷺ ما طيب به نفوسهم: إذا هلك كسرى فلا كسرى بعده، يعني بالعراق، فهلك، فلم يبق بالعراق ولا بغيرها من البلاد، وإذا هلك قيصر، فلا قيصر بعده يعني بالشام، فهلك، ولم يبق لهم ملك بالشام، وإن بقي في غيرها في بلاد الروم، فصدق خبره، وصح موعده، وبالله التوفيق.
فصل:
يشتمل على فروع من كتاب الأسارى والغلول
стр. 6533
وإذا سبى الحربي جاريةً لمسلم، فأولدها في دار الحرب أولًا ثم غنمها المسلمون لم يملكوها، وكان مالكها من المسلمين أحق بها وبأولادها. ولو أسلم الحربي وهي معه وأولادها لم يملكها: لأنها ملك لمسلم غلب عليها بغير حق. فأما قيمة أولادها، ومهر مثلها، فمعتبر بحال إيلاده لها، فإن كان قبل إسلامه، فلا قيمة عليه لأولادها، ولا مهر لها عليه: لأن ذلك استهلاك منه في حال كفره، وما استهلكه الحربي على المسلمين هدر. وإن أولدها بعد إسلامه كان عليه قيمة أولادها، ومهر مثلها؛ لأنه أولدها بشبهة ملك، فلحقوا به، وعتقوا عليه، وهو مسلم، فلا ينهدر ما استهلكه كالمسلم.
فرع:
ولو دخل مسلم دار الحرب، فدفع إليه أهلها مالا ليشتري لهم به متاعا من بلاد الإسلام، فللمال أمان إذا دخل به المسلم، وإن لم يكن لمالكه أمان؛ لأن استئمانهم له أمان منه، ولو خرج بالمال ذمي كان أمانه فاسدًا، فإن علم مالكه من أهل الحرب فساد أمانه كان المال مغنومًا، وإن لم يعلم فساد أمانه كان محروسا عليه حتى يصل إليه، وحال الصبي والمجنون إذا أمن أحدهما حربيًا كان الأمان فاسدًا، وكان مستأمن الصبي والمجنون محقون الدم، حتى يعود إلى مأمنه إن لم يعلم بفساد الأمان، فإن علم به كان مباح الدم، وخرج الربيع استئمان الذمي على المال على قولين، وهو خطأ منه، وحمله على هذا التفصيل أصح.
فرع:
ولو أسلم عبد لحربي في دار الحرب، وخرج إلينا عتق، ولو أقام في دار الحرب كان على رقه، فإن سبي العبد ملكه الغانمون؛ لأنه وإن كان مسلمًا فهو عبد لحربي.
والفرق بين أن يعتق إذا خرج إلى دار الإسلام أو لا يعتق إن أقام في دار الحرب أنه إذا خرج، فقد قهر سيده على نفسه فعتق، وإذا أقام لم يقهره عليها فرق، ألا ترى أن العبد لو أسلم، وغلب على سيده الحربي وأولاده، وأزواجه، ودخل دار الإسلام عتق، وصاروا له رقيقا.
فرع:
وإذا دخل الحربي دار الإسلام، واشترى عبدا مسلمًا، ودخل به دار الحرب، فسبي العبد، فهل يملكه غانموه أم لا؟ على قولين على اختلاف قولي الشافعي في صحة ابتياع الكافر للعبد المسلم، فإن قيل بصحة ملكه، ملكه الغانمون، وإن قيل بفساده لم يملكوه، وكان باقيًا على ملك سيده المسلم.
فرع:
وإذا دخل الحربي دار الإسلام بأمان لم يكن له أن يستكمل مقام حول إلا ببذل
стр. 6534
الجزية، وإن شرط الإمام عليه عند دخوله أنه إن أقام حولًا أخذت منه الجزية، فأقام حولا وجبت عليه الجزية، ولو شرط عليه أنه إن أقام حولا جعل نفسه من أهل الذمة، فاستكمل حولا لم يصر من أهل الذمة إلا باختياره.
والفرق بين المسألتين: أن الشرط في الأولى للإمام فالتزمه الحربي بغير اختياره، وفي الثانية للذمي فلم يلزمه إلا باختياره.
وسوى أبو حنيفة بينهما في اللزوم، والفرق يمنع من استوائهما.
فرع:
وإذا غزا صبيان لا بالغ فيهم أو نساء لا رجل بينهن أو عبيد لا حر معهم، وغنموا أخذ الإمام خمس غنيمتهم، وفي أربعة أخماسها وجهان أشار إليهما ابن أبي هريرة:
أحدهما: أن يقسم جميعه بينهم باسم الرضخ، وإن كان في حكم السهام، وليسوي بينهم فيه كأهل السهام.
والثاني: أنه يحبس بعضه عنهم بحسب ما يؤديه اجتهاده إليه، لئلا يساووا فيه أهل السهام، وتقسم الباقي بينهم بحسب ما يراه من مساواة وتفضيل.
فصل:
وإذا حاصر الإمام بلدا أو قلعة في دار الحرب، ثم صالحهم على تحكيم رجل من المسلمين، ليحكم فيهم بما يؤديه اجتهاده إليه إذا كان من أهل الاجتهاد مستوفيا لشروط الحكام، وهي البلوغ، والعقل، والحرية، والإسلام، والذكورية، والعلم.
فإذا استكمل هذه الشروط السبعة صح أن يحكم فيهم برأيه كما حكم رسول الله ﷺ سعد بن معاذ في بني قريظة، فحكم أن من جرت عليه الموسى قتل، ومن لم تجر عليه استرق، فقال رسول الله ﷺ : "هذا حكم الله من فوق سبع أرقعة، وهي سبع سماوات"، وإن أخل بشرط منها فقد شرط من شروط الحاكم الذي ينزل على حكمه لم يجز أن يحكم فيهم، فإن كان هذا المحكم فيهم أعمى جاز تحكيمه، وإن كان لا يجوز أن يكون حاكمًا في عموم الأحكام؛ لأنه يحكم بما اشتهرت فيه أحوالهم، وتظاهرت به أخبارهم، فاستوي فيها الأعمى والبصير، كما يستويان في الشهادة بما تعلق باستفاضة الأخبار، فإن صلحوا على تحكيم غير معين، ليقع الاختيار له، أو التعيين عليه من بعد لم يخل من ثلاثة أحوال:
أحدها: أن يكون موقوفًا على اختيار المسلمين له، فيصح.
والثاني: أن يكون موقوفًا على اختيار المشركين له، فلا يصح.
والثالث: أن يكون موقوفًا على اختيار المسلمين والمشركين، فيصح؛ لأن بني قريظة سألوا رسول الله ﷺ تحكيم سعد بن معاذ فأجابهم إليه، فإن اتفق المسلمون والمشركون على اختياره انعقد تحكيمه ونفذ فيهم حكمه، وإن اختلفوا لم ينعقد تحكيمه،
стр. 6535
وأعيدوا إلى مأمنهم حتى يستأنفوا اختيارًا أو صلحًا، فإن صولحوا على تحكيم أسير في أيديهم نظر.
فإن كان في وقت اختياره للتحكيم أسيرًا لم يصح تحكيمه؛ لأنه مقهور لا ينفذ حكمه، وإن كان قد أطلق قبل تحكيمه كرهناه حذرًا للممايلة وصح تحكيمه لأن دينه يمنعه من المقابلة، وهكذا لو عقد التحكيم على رجل منهم قد أسلم قبل التحكيم جاز وإن كره.
وإذا انعقد الصلح على تحكيم رجلين جاز؛ لأن اجتهادهما أقوى ونفذ حكمهما إن اتفقا عليه، ولم ينفذ إن اختلفا فيه، وإذا مات الحكم قبل حكمه، أو استعفي واعتزل أعيدوا إلى مأمنهم حتى يستأنفوا صلحا على تحكيم غيره.
فإذا تقررت هذه الجملة وانعقد التحكيم على رجل بعينه اجتهد رأيه في الأصلح للمسلمين دون المشركين لعلو الإسلام على الشرك، فإن أداه اجتهاده إلى قتل رجالهم، وسبي ذراريهم جاز ولزمهم حكمه كالذي حكم له سعد في بني قريظة، فإن رأى الإمام بعد ذلك المن على من حكم بقتله من رجالهم جاز، وإن رأى المن على من حكم بسبيه من ذراريهم نظر.
فإن كان بعد استرقاقهم لم يجز إلا بمراضاة الغانمين كما فعل رسول الله ﷺ في سبي هوازن حين من، وإن كان قبل استرقاقهم جاز؛ لأن سعدا لما حكم في بني قريظة بالقتل والسبي، جاء ثابت الأنصاري، فقال: يا رسول الله، إن الزبير بن باطأ اليهودي عندي، وقد سأل أن نهب له دمه وماله، ففعل ووهب له دمه وماله. وإن رأى الإمام أن يسترق رجالهم أو يأخذ فداهم لم يجز إلا عن مراضاتهم؛ لأنه نقض حكم نفذ بالاستئناف لحكم مجدد، ولو كان المحكم فيهم قد حكم بالمن على رجالهم وذراريهم نفذ حكمه إذا أداه اجتهاده إليه، ولم يجز للإمام أن يفسخ حكمه عليه، وإن حكم عليه بالفداء لم يلزمهم حكمه إن كان المال غير مقدور عليه؛ لأنه عقد معاوضةً لا يلزم إلا عن مراضاةً، ولزمهم حكمه إن كان المال مقدورًا عليه؛ لأنه حكم منه بغنيمة ذلك المال، فنفذ حكمه به، وإن حكم باسترقاقهم صاروا بحكمه رقيقًا ولم يجز للإمام أن يمن عليهم إلا باستطابة نفوس الغانمين، وإن حكم عليهم بالجزية وأن يكونوا أهل ذمة لم يلزمهم حكمه بذلك؛ لأنها عقد معاوضةً لا يصح إلا عن مراضاةً، ولو حكم بقتلهم، فأسلموا سقط القتل عنهم، ولم يجز استرقاقهم، ولو حكم استرقاقهم، فأسلموا لم يسقط استرقاقهم؛ لأنه يجوز استرقاقهم بعد إسلامهم، ولا يجوز قتلهم بعد إسلامهم وبالله التوفيق.
стр. 6536
كتاب الجزية
باب من يلحق بأهل الكتاب
قال الشافعي ﵀: "انتوت قبائل من العرب قبل أن يبعث الله محمدًا ﷺ وينزل عليه القرآن فدانت دين أهل الكتاب فأخذ ﵊ الجزية من أكيدر دومةً، وهو رجل يقال إنه من غسان أو من كندة ومن أهل ذمة اليمن وعامتهم عرب ومن أهل نجران وفيهم عرب فدل ما وصفت أن الجزية ليست على الأحساب وإنما هي على الأديان".
قال في الحاوي: والأصل في أخذ الجزية وأن يصير المشركون بها أهل ذمة الكتاب والسنة: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩]. أما قوله هاهنا: ﴿قَاتِلُوا﴾ [التوبة: ٢٩] ففيه وجهان:
أحدهما: يعني جاهدوا.
والثاني: اقتلوا، فعبر عن القتل بالمقاتلة لحدوثه في الأغلب عن القتال، وفي قوله: ﴿الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ﴾ [التوبة: ٢٩] وجهان:
أحدهما: لا يؤمنون بكتاب الله.
والثاني: لا يؤمنون برسول الله ﷺ ؛ لأن تصديق الرسول إيمان بالرسل وإلا فهم مؤمنون بأن الله تعالى واحد معبود.
وفي قوله: ﴿وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ [النساء: ٣٨] وإن كانوا يعتقدون البعث والجزاء وجهان:
أحدهما: أن إقرارهم باليوم الآخر يوجب الإقرار بجميع حقوقه، فصاروا بترك الإقرار بحقوقه كمن لم يقر به.
والثاني: أنهم لا يخافون وعيد اليوم الآخر، فذمهم ذم من لا يؤمن باليوم الآخر.
وقوله: ﴿ولا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ ورَسُولُهُ﴾ [التوبة: ٢٩] فيه وجهان:
стр. 6537
أحدهما: أنه ما أمر بنسخه من شرائعهم.
والثاني: أنه ما أحله لهم، وحرمه عليهم.
وقوله: ﴿وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ﴾ [التوبة: ٢٩] فيه وجهان:
أحدهما: ما في التوراة والإنجيل من أتباع الرسول، وهو قول الكلبي.
والثاني: الدخول في شريعة الإسلام، وهو قول الجمهور، والحق هاهنا هو الله تعالى.
وقوله: ﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ [البقرة: ١٠١] فيه وجهان:
أحدهما: يعني من آباء الذين أوتوا الكتاب.
والثاني: من الذين أوتوا الكتاب؛ لأنهم في أتباعه كآبائهم.
وقوله: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ﴾ [التوبة: ٢٩] فيه وجهان:
أحدهما: حتى يدفعوا الجزية، وهو قول أبي حنيفة؛ لأنه يوجبه في أول الحول.
والثاني: حتى يضمنوا الجزية، وهو قول الشافعي؛ لأنه يوجبها بانقضاء الحول.
والجزية: اسم مشتق من الجزاء، إما على إقرارهم على الكفر، وإما على مقامهم في دار الإسلام، والجزية هو المال المأخوذ منهم عن رقابهم، وفيها وجهان:
أحدهما: أنها من المجمل الذي يفتقر إلى البيان.
والثاني: أنها من العموم الذي يعمل ما اشتمل عليه من قليل وكثير ما لم يخصه دليل.
وقوله: ﴿عَن يَدٍ﴾ [التوبة: ٢٩] فيه وجهان:
أحدهما: عن غنى وقدرة.
والثاني: أن يروا لنا في أخذها منهم بدا عليهم.
وقوله: ﴿وهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩] فيه وجهان:
أحدهما: أن يكونوا أذلاء مقهورين.
والثاني: أن تجري عليهم أحكام الإسلام، فدلت هذه الآية على ثلاثة أحكام:
أحدها: وجوب جهادهم.
والثاني: جواز قتلهم.
والثالث: حقن دمائهم بأخذ الجزية منهم.
ويدل عليه من السنة ما روى سليمان بن بريدة عن أبيه أن رسول الله ﷺ كان إذا بعث أميرا على جيش أوصاه بتقوى الله تعالى في خاصةً نفسه وبمن معه من المسلمين خيرًا، وقال له: إذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى إحدى خصال ثلاث أيتهن أجابوك إليها فاقبل منهم ادعهم إلى الإسلام، فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم،
стр. 6538
وإن أبوا فالجزية، فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، وإن أبوا فاستعن بالله وقاتلهم".
وقد أخذ رسول الله ﷺ الجزية من أهل نجران، ومن مجوس هجر، وأخذها من أهل أيلة، وهم ثلاث مائة رجل أخذ منهم ثلاثمائة دينار، ولأن في أخذ الجزية منهم معونة للمسلمين، وأناة بالمشركين في توقع استنصارهم، وذلة لهم ربما تبعثهم على الإسلام، فجوز النص لهذه المعاني الثلاثة أخذها منهم.
فصل:
فإذا تقرر وجوب أخذ الجزية من الكفار، لإقرارهم على الكفر في مأخوذةً من بعضهم دون جميعهم.
واختلف في المأخوذ منهم على أربعة مذاهب:
أحدها: وهو مذهب الشافعي أنها تؤخذ من أهل الكتاب عربًا كانوا أو عجمًا، ولا تؤخذ من غير أهل الكتاب عربًا ولا عجمًا، فاعتبرها بالأديان دون الأنساب.
والثاني: على ما قاله أبو حنيفة بأنها تؤخذ من جميع أهل الكتاب، ومن عبدة الأوثان إذا كانوا عجمًا، ولا تؤخذ منهم إذا كانوا عربًا.
والثالث: - ما قاله مالك - إنها تؤخذ من كل كافر من كتابي، ووثني، وعجمي، وعربي، إلا من كفار قريش، فلا تؤخذ منهم، وإن دانوا دين أهل الكتاب.
والرابع: - ما قاله أبو يوسف - إنها تؤخذ من العجم سواء كانوا أهل كتاب أو عبدة أوثان حكم أخذ الجزية منهم، ولا تؤخذ من العرب سواء كانوا من أهل الكتاب أو من عبدة الأوثان، فجعلها معتبرة بالأنساب دون الأديان، فصار الخلاف مع الشافعي في حكمين:
أحدهما: في عبدة الأوثان، فعند الشافعي لا تقبل جزيتهم، وعند غيره تقبل.
والثاني: في العرب، فعند الشافعي تقبل جزيتهم، وعند غيره لا تقبل.
فأما الحكم الأول في عبدة الأوثان، فاستدل من ذهب إلى قبول جزيتهم بحديث سليمان بن بريدة، أن النبي ﷺ كان إذا بعثه على جيش قال له: "ادعهم إلى الإسلام، فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، ولم يفرق بين عبدة الأوثان وأهل الكتاب، وإن كان أكثرهم عبدة أوثان، ولأن رسول الله ﷺ أخذ الجزية من المجوس وليس لهم كتاب، فكذلك عبدة الأوثان، ولأنه استذلال يجوز في أهل الكتاب، فجاز في عبدة الأوثان كالقتل.
ودليلنا قوله تعالى: ﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ [التوبة: ٢٩]. فجعل الكتاب
стр. 6539
شرطًا في قبولها منهم، فلم يجز لعدم الشرط أن تقبل من غيرهم. وروى عبد الرحمن بن عوف أن النبي ﷺ قال في المجوس: سنوا بهم سنة أهل الكتاب، فدل على اختصاص الجزية بهم.
وروى عمرو بن شعيب - عن أبيه - عن جده - أن النبي ﷺ كتب إلى أهل اليمن أن تؤخذ الجزية من أهل الكتاب، فخصهم بالذكر لاختصاصهم بالحكم ولأنه وثني فلم يقر على حكمه بالجزية كالعربي، ولأن من لم يقر بالجزية من العرب لم يقر بها من العجم كالمرتد، ولأن لأهل الكتاب حرمتين:
إحداهما: حرمة الكتاب الذي نزل عليهم.
والثانية: حرمة دين الحق الذي كانوا عليه.
وهاتان الحرمتان معدومتان في عبدة الأوثان، فافترقا في حكم الإقرار بالجزية.
فأما الجواب عن حديث ابن بريدة، فمن وجهين:
أحدهما: تخصيص عمومه بأدلتنا.
والثاني: أنه لا يصح التعلق بظاهره حتى يقترن به إضمار، فهم يضمرون أخذ الجزية منهم إذا كانوا عجما، ونحن نضمر أخذ الجزية منهم إذا كانوا أهل كتاب، ولو تكافأ الإضماران سقط الدليل، واختيارنا أولى لثبوت حكمه عن إجماع.
وأما الجواب عن أخذها من المجوس، فهو ما سنذكره من بعد في أن لهم كتابًا.
وأما قياسهم على القتل، فغير صحيح لأمرين:
أحدهما: أن القتل لا يبقى معه إقرار على الكفر، وفي الجزية إقرار على الكفر فافترقا.
والثاني: أن القتل أغلظ من الجزية، فلم يجز أن يلحق به ما هو أخف منه إذا كان محمولًا على التغليظ.
فصل:
وأما الحكم الثاني: في العرب، فاستدل من منع من قبوله جزيتهم بما روي عن النبي ﷺ أنه كان إذا عرض نفسه في المواسم قبل هجرته على القبائل قال لهم: "هل لكم في كلمة إذا قلتموها دانت لكم العرب، وأدت إليكم الجزية العجم، فأضاف الجزية إلى العجم ونفاها عن العرب".
وبما روي عن النبي ﷺ أنه قال: "لا يجري على عربي صغار".
والجزية صغار بالنص، وقد نفاه عنهم، فلم يجزه أخذها منهم، ولأن كل حرمة ثبتت بالإسلام منعت من قبوله الجزية ً كالإسلام، ولأن كل من لم يجز استرقاقه لم تؤخذ جزيته كالمرتد.
стр. 6540
ودليلنا قوله تعالى: ﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ﴾ [التوبة: ٢٩]. فكان على عمومه من كل كتابي من عجمي وعربي، ولأن رسول الله ﷺ أخذ الجزية من العرب، فأخذها من أكيدر دومة بعد أسره، وحمله إلى المدينة، وكان من غسان أو من كندة، وأخذها من أهل اليمن، وأكثرهم عرب، ومن أهل نجران، وفيهم عرب، ولأن كل من جاز إقراره على كفره جاز أخذ جزيته كالعجم، ولأن وجوب القتل أغلظ من أخذ الجزية، فلما لم يمنع النسب من القتل، فأولى أن لا يمنع من الجزية، ولأنه لما جاز أن يحقن بالجزية دم ضعفت حرمته من العجم، فلأن يحقن بها دم من قويت حرمته من العرب أولى. فأما الجواب عن الخبر الأول، فهو أن المقصود به سرعة إجابة العرب إلى الإسلام، وإبطاء أهل الكتاب عنه، وهذا موجود ومعهود.
وأما الجواب عن قوله: "لا يجري على عربي صغار" فالقتل أغلظ، وهو يجري عليه، فكانت الجزية أقرب، وهو محمول على أحد وجهين: إما صغار الاسترقاق.
والثاني: أن يكون محمولًا على أهل مكة حين من عليهم بعد الفتح أنهم لا يغزون بعده، وبه قال الشافعي.
فأما قول أبي يوسف: إنه لا تؤخذ الجزيةً من العرب، فنحن كنا على هذا أحرص، ولولا أن نأثم بثمن باطل لرددناه كما قال، وأن لا يجري على عربي صغار، ولكن الله أجل في أعيننا من أن نحب غير ما حكم به. فأما قياسهم على الإسلام فباطل؛ لأن الكفر ضد الإسلام، فلم يجز أن يقاس عليه.
وأما قياسهم على المرتد، فالمرتد لا يجوز أن يقر على ردته، فلم يجز قبول جزيته، والعربي يقر على كفره، فجاز أخذ جزيته.
فأما استرقاقه، ففيه قولان مضيا. فأما قول الشافعي: " انتوت قبائل من العرب " ففيه تأويلان:
أحدهما: معناه قربت من بلاد أهل الكتاب.
والثاني: اختلطت بأهل الكتاب، فدانت دين أهل الكتاب، فأخذها عمر بالشام من تنوخ وبهراء وبني تغلب، فدلت سنة رسول الله ﷺ وسنة خلفائه من بعدها على جواز أخذها من العرب كما جاز أخذها من غير العرب كما جاز أخذها من غير العرب.
مسألة:
قال الشافعي: " وكان أهل الكتاب - المشهور عند العامةً - أهل التوراةً من اليهود والإنجيل من النصارى وكانوا من بني إسرائيل، وأحطنا بأن الله تعالى أنزل كتبا من التوراة والإنجيل والفرقان بقوله تعالى: ﴿أَمْ لَمْ يُنَبَّا بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي
стр. 6541
وَفَّى﴾ [النجم: ٣٦ - ٣٧] وقال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ﴾ [الشعراء: ١٩٦] فأخبر أن له كتابا سوى هذا المشهور، قال: فأما قول أبي يوسف: لا تؤخذ الجزية من العرب، فنحن كنا على هذا أحرص، ولولا أن نأثم بتمني باطل لوددناه كما قال وأن لا يجري على عربي صغار ولكن الله أجل في أعيننا من أن نحب غير ما حكم الله به تعالى".
قال في الحاوي: وهذا صحيح: إذا ثبت أن الجزيةً تؤخذ من أهل الكتاب دون غيرهم، فالكتاب المشهور كتابان:
أحدهما: أن التوراة أنزلت على موسى، ودان بها اليهود، والإنجيل أنزل على عيسى، ودان به النصارى.
قال الله تعالى: ﴿أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ﴾ [بالأنعام:١٥٦]. فكان اليهود والنصارى أهل كتاب مقطوع بصحته، فأما غير التوراة والإنجيل من كتب الله المنزلة على أنبيائه، فقد أخبر الله تعالى بها، وإن لم يسمها، ولم يعين من دان بها.
قال الله تعالى: ﴿أَمْ لَمْ يُنَبَّا بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى (٣٦) وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾ [النجم: ٣٦، ٣٧]. وقال تعالى: ﴿الصُّحُف الْأُولَى﴾ [الأعلى: ١٨]، وقال: ﴿وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ﴾ [الشعراء: ١٩٦].
فإن عرفنا من كتب الله تعالى غير التوراة والإنجيل، وعرفنا من دان بها غير اليهود والنصارى، فقد اختلف أصحابنا هل يكونون أهل كتاب يقرون عليه بالجزية، وتنكح نساؤهم، وتؤكل ذبائحهم كاليهود والنصارى، أم لا؟ على وجهين:
أحدهما: أنهم أهل كتاب يقرون على التدين به، وتؤخذ جزيتهم، وتنكح نساؤهم، وتؤكل ذبائحهم كاليهود والنصارى، وهو الظاهر من مذهب الشافعي.
وبه قال أبو إسحاق المروزي: لأن حرمة الكتاب لنزوله من الله تعالى، وحرمة من دان به أنه كان على حق، فكان كتابهم مساويا للتوراة والإنجيل، وكانوا هم مساوين لليهود والنصارى، كما كانت التوراة والإنجيل في أيام موسى وعيسى مساويين للقرآن في نزوله على محمد ﷺ وكان اليهود والنصارى في أيامها مساوين للمسلمين، وليس التفاضل بينهم بمانع من التساوي في الحق.
والثاني: أنهم لا يقرون على كتابهم، ولا تقبل جزيتهم، ولا تنكح نساؤهم، فيكونون مخالفين لليهود والنصارى في تمسكهم بالتوراة والإنجيل؛ لأن الله تعالى لما رفعها بعد نزولها دل على ارتفاع حكمها، فزوال حرمتها، ولما بقى التوراة والإنجيل دل على بقاء حكمهما وثبوت حرمتهما، وإطلاق هذين الجوابين عندي غير صحيح، فالواجب اعتبار كتابهم، فإن كان يتضمن تعبدًا وأحكامًا يكتفي أهله به عن غيره كان كالتوراةً
стр. 6542
والإنجيل في ثبوت حرمته وإقرار أهله.
وإن لم يتضمن تعبدا وأحكامًا، وكان مشتملًا على مواعظ وأمثال يفتقر أهله في التعبد والأحكام إلى غيره كان مخالفًا لحرمة التوراة والإنجيل ولم يجز أن يقر أهله عليه.
فصل:
فإذا تقرر حكم أهل الكتاب أنهم مقرون بالجزية على ما تدينوا به من شرائعهم، فالكلام في تعيينهم، وحكم من دخل في أديانهم تعيين أهل الكتاب وحكم من دخل في أديانهم مشتمل على فصلين:
أحدهما: من عرف كتابه ودينه من اليهود والنصارى.
والثاني: من لم يعرف.
فأما المعروفون من اليهود المتدينون بالتوراة والنصارى المتدينون بالإنجيل فضربان:
أحدهما: من عاينه وآمن به وتدين بكتابه كاليهود الذين كانوا في عصر موسى، والنصارى الذين كانوا في عصر عيسى من بني إسرائيل، وإسرائيل هو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، وأبناء هؤلاء الآباء مقرون على دينهم بالجزية، وهم أبناء من عاصر موسى وعيسى، فإن لم يبدلوا كانت لهم حرمتان: حرمة آبائهم أنهم كانوا على حق، وحرمة بأنفسهم في تمسكهم بكتابهم، وإن بدلوا أقروا مع التبديل لإحدى الحرمتين، وهي حرمة آبائهم، وليس لهم حرمة أنفسهم في التمسك بكتابهم: لأن المبدل لا حرمةً له.
والثاني: من دخل في دينهما من غيرهما، بعد انقضاء عصر نبوتهما، وهو أن يدخل في اليهودية بعد موسى، وفي النصرانية بعد عيسى، فهذا على ثلاثة أقسام:
أحدهما: أن يدخلوا فيه قبل تبديله.
والثاني: أن يدخلوا فيه بعد نسخه.
والثالث: أن يدخلوا فيه بعد تبديله وقبل نسخه.
فأما القسم الأول: وهو أن يدخلوا فيه قبل تبديله، فهم مقرون عليه بالجزية كالداخل فيه على عصر نبيه، وسواء كان أبناؤهم الآن مبدلين أو غير مبدلين، ولأن لهم حرمتين إن لم يبدلوا، وحرمة واحدة إن بدلوا: لأن دينهم على حق بعد موت نبيهم كما كان على حق قبل موته، فاستوت حرمة الدخول فيه من الحالين.
وأما القسم الثاني: وهو أن يدخلوا فيه بعد نسخه، وبعد نسخ شريعة عيسى في النصرانية بشريعة الإسلام. فأما نسخ شريعة موسى ففيه وجهان حكاهما أبو إسحاق المروزي:
أحدهما: أنها تكون منسوخة بالنصرانية - شريعة عيسى - وهو أظهرها، لاختلافهما وأن الحق في أحدهما.
والثاني: أنها منسوخة بشريعة الإسلام دون النصرانية: لأن عيسى نسخ من شريعة
стр. 6543
موسى ما خالفها، ولم ينسخ منها ما وافقها، وإنما نسخ الإسلام جميع ما تقدمه من الشرائع.
فإذا ثبت ما نسخ به كل شريعة، فمن دخل في دين بعد نسخه لم يقر عليه، لعدم حرمته عند دخوله فيه، فصار كعبدة الأوثان في عدم الحرمة.
وقال المزني: يقر الداخل فيه بعد نسخه كما يقر الداخل فيه قبل نسخه وتبديله، لقول الله تعالى: ﴿ومَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة: ٥١].
وهذا فاسد بما عللنا به من عدم الحرمة فيما دخل فيه.
وقوله ﴿ومَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة: ٥١]. يعني في وجوب القتل؛ لأن من تولاهم منا مرتد لا يقر على ردته.
وأما القسم الثالث: وهو أن يدخلوا فيه بعد التنزيل وقبل النسخ، فعلى ثلاثة أقسام:
أحدهما: أن يدخلوا فيه مع غير المبدلين مثل الروم، فيكونوا كالداخل فيه قبل التبديل في إقرارهم بالجزية ونكاح نسائهم وأكل ذبائحهم؛ لأن حرمته في غير المبدلين ثابتة.
والثاني: أن يدخلوا فيه مع المبدلين كطوائف من نصارى العرب، فيكونوا كالداخل فيه بعد النسخ.
والثالث: أن يشكل حال دخولهم فيه هل كان مع المبدلين أو مع غير المبدلين، أو يشكل هل دخلوا قبل التبديل أو بعد التبديل كتنوخ وبهراء وبني تغلب، فهؤلاء قد وقفهم الإشكال بين أصلين:
أحدهما: يوجب حقن دمائهم واستباحة نكاحهم، كالداخل فيه مع غير المبدلين.
والثاني: يوجب إباحة دمائهم، وحظر مناكحهم كالداخل فيه مع المبدلين، فوجب أن يغلب في الأصلين معا حكم الحظر دون الإباحة، فيقروا بالجزية حقنا لدمائهم: لأن أصل الدماء على الحظر، ولا تنكح نساؤهم، ولا تؤكل ذبائحهم: لأن أصل الفروج على الحظر، والحظر تعيين، والإباحة شك، فغلب حكم اليقين على الشك، وصاروا في ذلك كالمجوس، فهذا حكم الكتاب المشهور، والدين المعروف.
فصل:
وأما الضرب الثاني: وهو من ادعى كتابًا غير مشهور، ودينًا غير كالزبر الأولى، والصحف المتقدمة.
فإن قيل: إنه لا يجري عليهم حكم أهل الكتاب، لم يقروا على دينهم وإن تحققنا كتابهم.
стр. 6544
وإن قيل: إنهم يقرون على دينهم وتحفظ حرمة كتابهم، فلا يخلو حالهم من ثلاثة أقسام:
أحدهما: أن يتحقق صدقهم، يعرف كتابهم، فيكونوا كاليهود والنصارى في إقرارهم بالجزية، واستباحة مناكحهم، وأكل ذبائحهم.
والثاني: أن يتحقق كذب قولهم، وأن لا كتاب لهم، فيكونوا كعبدةً الأوثان في استباحة دمائهم، وحظر مناكحهم.
والثالث: أن يحتمل ما قالوه الصدق والكذب، وليس على أحدهما دليل يقطع به، فلا يقبل فيهم قول كفارهم.
فإن أسلم منهم عدد يكون خبرهم مستفيضًا حكم بقولهم في ثبوت كتابهم وإقرارهم بالجزية على دينهم، واستباحة مناكحهم.
وإن لم يسلم منهم من يكون خبره مستفيضا متواترا، ولم يعلم قولهم إلا منهم في حال كفرهم، فيقرون بالجزيةً: لأنها مال بذلوه لا يحرم علينا أخذه، وأصل الدماء على الحظر، فلا يحل لنا قتلهم.
فأما استباحة مناكحهم، وأكل ذبائحهم، فلا يقبل قولهم فيها؛ لأنها على أصل الحظر، فلا تستباح بقول من لا يوثق بصدقه، والله أعلم.
مسألة:
قال الشافعي: "والمجوس أهل كتاب دانوا بغير دين أهل الأوثان وخالفوا اليهود والنصارى في بعض دينهم كما خالفت اليهود والنصارى في بعض دينهم، وكانت المجوس في طرف من الأرض لا يعرف السلف من أهل الحجاز من دينهم ما يعرفون من دين اليهود والنصارى حتى عرفوه وأن النبي ﷺ أخذها من مجوس هجر وقال علي بن أبي طالب ﵁: هم أهل كتاب بدلوا فأصبحوا وقد أسري بكتابهم وأخذها منهم أبو بكر وعمر ﵄ ".
قال في الحاوي: وأما المجوس، فقد كانوا على بعد من الحجاز، وكانت ديارهم العراق وفارس، وهم يتدينون بنبوة زرادشت وإقرارهم بالجزية متفق عليه، لما رواه الشافعي أن رسول الله ﷺ أخذ الجزية من مجوس هجر.
وروي أن عمر أشكل عليه أمر المجوس حين افتتح بلادهم بالعراق، وقال: ما أدري ما أصنع في أمرهم: فقال له عبد الرحمن بن عوف: أشهد لقد سمعت رسول الله ﷺ يقول: "سنوا بهم سنة أهل الكتاب". فأخذ عمر منهم الجزيةً بالعراق وفارس، وقد
стр. 6545
كان أبو بكر أخذها منهم فيما افتتحه من أطراف العراق، وأخذها بعدهما عثمان وعلي، فكان أخذها منهم سنةً عن الرسول ﷺ وأثرا عن الخلفاء الراشدين.
فصل:
فأما كتاب المجوس، فلم يبق لهم في شريعة الإسلام كتاب، واختلف هل كان لهم، فذكر الشافعي - فيما نقله المزني هاهنا - أنهم أهل كتاب، وقد نص عليه في كتاب الأم، وقال في موضع آخر: لا كتاب لهم، وقد علق القول في موضع ثالث، فاختلف أصحابه في مذهبه، فذهب البغداديون إلى أنه على قولين بحسب اختلاف نصه في الموضعين:
أحدهما: أنهم أهل كتاب.
والثاني: ليس لهم كتاب.
وذهب البصريون إلى أن قوله لم يختلف فيهم، وحملوا قوله: إنهم أهل كتاب على أن حكمهم حكم أهل الكتاب في إقرارهم بالجزية خاصة، وقوله: إنه لا كتاب لهم في أنه لا تستباح مناكحهم، ولا تؤكل ذبائحهم، وأنهم لا يتلون كتابا لهم.
والذي عليه الجمهور من أصحابنا ما قاله البغداديون من القولين دون ما ذهب إليه البصريون من اختلاف الحالين.
فإذا قيل: إنه لا كتاب لهم، وهو مذهب أهل العراق، فدليله قول الله تعالى: ﴿أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا﴾ [الأنعام: ١٥٦]. فدل على أنه لا كتاب لمن عداهما، ولأن رسول الله ﷺ حين كاتب كسرى وقيصر، قال في كتابه إلى قيصر: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا﴾ [آل عمران: ٦٤]. فجعلهم من أهل الكتاب، ولم يكتب إلى كسرى بهذا، وكتب: أسلم تسلم، فدل على أنه ليس لهم كتاب، ولأن رسول الله ﷺ قال: سنوا بهم سنة أهل الكتاب، ولو كان لهم كتاب لاستغنى عن هذا بأن قال هم أهل الكتاب.
ولرواية ابن عباس أن المسلمين بمكة قبل الهجرة كانوا يحبون أن يظهر الروم على فارس؛ لأنهم أهل كتاب، وكان مشركو قريش يحبون أن يظهر فارس على الروم: لأنهم غير أهل كتاب، فلما غلبت فارس الروم سر المشركون، وقالوا للمسلمين: تزعمون أنكم ستغلبونا: لأنكم أهل كتاب، وقد غلبت فارس الروم، والروم أهل كتاب، فأخبر رسول الله ﷺ بذلك فساءه فنزل عليه قوله تعالى: ﴿آلم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (٣) فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (٤) بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ مَن يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الروم: ١ - ٥].
стр. 6546
ففرح المسلمون بذلك، وبادر أبو بكر إلى كفار قريش، فأخبرهم بما أنزل الله على رسوله من أن الروم ستغلب فارسا، وتقامر أبو بكر وأبي بن خلف على هذا بأربع قلائص إلى ثلاث سنين، وكان القمار يومئذ حلالًا، فلما علم رسول الله ﷺ أن أبا بكر قدر لهم هذه المدة أنكرها، وقال: ما حملك على ما فعلت؟ قال: ثقة بالله ورسوله. قال: فكم البضع؟ قال: ما بين الثلاث إلى العشر. فقال له: زدهم في الخطر، وازدد في الأجل فزادهم قلوصين وازداد منهم في الأجل سنتين، فصارت القلائص ستا، والأجل خمسًا، فلما أراد أبو بكر الهجرةً علق به أبي بن خلف وقال له: أعطني كفيلًا بالخطر إن غلبت، فكفل به ابنه عبد الرحمن بن أبي بكر ثم إن الله تعالى أنجز وعده في غلبة الروم لفارس في عام بدر، ونصر رسوله على قريش يوم بدر، وقيل: إنه كان النصران في يوم واحد، فعلم بهذا الخبر أن الفرس، وهم المجوس، لم يكن لهم كتاب، وأن الروم من النصارى هم أهل الكتاب، ولأنهم لو كانوا أهل كتاب، لظهر فيهم كظهور التوراةً والإنجيل، ولجرت عليهم من استباحة مناكحهم، وأكل ذبائحهم أحكام أهل الكتاب كاليهود والنصارى.
وإذا قلنا بالقول الثاني إنهم أهل كتاب، فدليلنا رواه الشافعي، عن سفيان بن عيينة، عن أبي سعيد بن المرزبان، عن نصر بن عاصم، قال: قال فروة بن نوفل الأشجعي على ما تؤخذ الجزية من المجوس، وليسوا بأهل كتاب، فقام إليه المستورد، فأخذ بلبته وقال: يا عدو الله تطعن على أبي بكر، وعمر وعلى أمير المؤمنين - يعني عليا - وقد أخذوا منهم الجزية، فذهب به إلى القصر فخرج علي ﵇ فقال: اتئدا فجلسنا في ظل القصر، فقال: أنا أعلم الناس بالمجوس، كان لهم علم يعلمونه، وكتاب يدرسونه، وإن ملكهم سكر، فوقع على ابنته أو أخته، فاطلع عليه بعض أهل مملكته فلما صحا جاءوا يقيمون عليه الحد، فامتنع منهم فدعا أهل مملكته، فلما أتوه قال: أتعلمون دينًا خيرًا من دين آدم، وقد كان ينكح بنيه من بناته، وأنا على دين آدم ما نزعت بكم عن دينه، فبايعوه، وقاتلوا الذين خالفوهم حتى قتلوهم، فأصبحوا وقد أسري على كتابهم فرفع من بين أظهرهم، وذهب العلم الذي في صدورهم فهم أهل كتاب.
وقد أخذ رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمر منهم الجزية، وانتشار هذا مع عدم المخالف فيه إجماع منعقد، ولأن الاتفاق على جواز أخذ الجزية منهم، وهي مقصورة على أهل الكتاب تجعلهم من أهل الكتاب الداخلين في قوله تعالى: ﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩]. ولأنهم قد كانوا ينتسبون إلى نبي مبعوث، ويتعبدون بدين مشروع، ولا يكون ذلك إلا عن كتاب يلتزمون أحكامه، ويعتقدون حلاله وحرامه.
стр. 6547
فصل:
فإذا تقرر توجيه أحد القولين، فإن قيل بالأول منهما: إنه ليس لهم كتاب جاز إقرارهم على الجزية بالسنة والإجماع ولم يجز استباحة مناكحهم، ولا أكل ذبائحهم.
وإن قيل بالثاني: إنهم أهل كتاب ففي استباحة مناكحهم، وأكل ذبائحهم وجهان حكاهما أبو إسحاق المروزي:
أحدهما: يحل نكاح نسائهم، وأكل ذبائحهم لثبوت كتابهم، ولأن حذيفة بن اليمان نكح مجوسية بالعراق، وهذا قول أبي ثور.
والثاني: وهو أظهر أنه لا تحل نساؤهم، ولا أكل ذبائحهم، وإن كانوا أهل كتاب: لأن كتابهم رفع، فارتفع حكمه، وقد روي عن إبراهيم الحربي، مع ما انعقد عليه إجماع الأعصار أنه قول بضعة عشر من الصحابة، وما علمنا مخالفًا من المسلمين حتى بعث نبي من الكرخ يعني أبا ثور يريد أنه لما تفرد بقول خالف فيه من تقدمه صار كنبي يشرع الأحكام.
مسألة:
قال الشافعي ﵀: " والصابئون والسامرة مثلهم يؤخذ من جميعهم الجزيةً ولا تؤخذ الجزية من أهل الأوثان ولا ممن عبد ما استحسن من غير أهل الكتاب ".
قال في الحاوي: أما الصابئة، فطائفة تنضم إلى النصارى، والسامرة طائفة تنضم إلى اليهود، ولا يخلو حال انضمامهما إلى اليهود والنصارى من خمسة أقسام:
أحدها: أن نعلم أنهم يوافقون اليهود والنصارى في أصول دينهم، وفروعه، فيجوز أن يقروا بالجزيةً، وتنكح نساؤهم، وتؤكل ذبائحهم.
والثاني: أن يخالفوا اليهود والنصارى في أصول دينهم وفروعه، فلا يجوز إقرارهم بالجزية، ولا تستباح مناكحهم، ولا تؤكل ذبائحهم كعبدة الأوثان.
والثالث: أن يوافقوا اليهود والنصارى في أصول دينهم، ويخالفوهم في فروعه، فيجوز أن يقروا بالجزيةً، وتستباح مناكحهم، وأكل ذبائحهم: لأن الأحكام تجري على أصول الأديان، ولا يؤثر الاختلاف في فروعها كما لم يؤثر اختلاف المسلمين في فروع دينهم.
والرابع: أن يوافقوا اليهود والنصارى في فروع دينهم، ويخالفوهم في أصوله، فلا يجوز أن يقروا بالجزية، ولا تستباح مناكحهم، ولا أكل ذبائحهم تعليلًا باعتبار الأصول في الدين.
والخامس: أن يشكل أمرهم، ولا يعلم ما خالفوهم فيه، ووافقوهم عليه من أصل
стр. 6548
وفرع، فيقروا بالجزيةً حقنا لدمائهم، ولا تنكح نساؤهم، ولا تؤكل ذبائحهم تغليبا للحظر في الأمرين كالذي قلناه فيمن أشكل دخوله في اليهوديةً والنصرانيةً، هل كان من المبدلين.
فإن أسلم اثنان من الصابئين والسامرة، فشهدوا بما وافقوا عليه اليهود والنصارى من أصل وفرع حكم بشهادتهما، وأجري عليهم حكمها، ولا يراعى في هذه الشهادة عدد التواتر، ويراعى عدد التواتر فيمن ادعوا أن لهم كتابًا غير التوراةً والإنجيل؛ لأن هذا إخبار عن أصل دين مجهول، فراعينا فيه خبر التواتر والاستفاضةً، ومعتقد الصابئين والسامرةً دين معروف يعول في صفته على الشهادةً فافترقا، وقد قال ابن أبي هريرة: إن السامرةً من نسل السامري، وإنهم اعتزلوا عن اليهود بأن يقولوا لا مساس، فإن كان هذا صحيحًا فهم من بني إسرائيل يحل نكاح نسائهم، وأكل ذبائحهم.
وقال أبو سعيد الإصطخري في الصابئين: إنهم يقولون: إن الملك حي ناطق وإن الكواكب السبعة آلهةً، واستفتي فيهم في أيام القاهر فأفتى، فهم القاهر بقتلهم، إن لم يسلموا، فاستدفعوا القتل ببذل مال جزيل، فإن كانوا على ما حكاه أبو سعيد فهم كعبدة الأوثان، لا يجوز أن يقروا بالجزية، ولا تستباح مناكحهم، ولا يحل أكل ذبائحهم، والله أعلم.
باب الجزية على أهل الكتاب والضيافة وما لهم وعليهم
قال الشافعي - رحمه الله تعالى -: " أمر الله تعالى بقتال المشركين من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون، قال: والصغار أن تؤخذ منهم وتجرى عليهم أحكام الإسلام ".
قال في الحاوي: اعلم أن ما تحقن به دماء المشركين ينقسم أربعة أقسام: هدنةً، وعهد، وأمان، وذمةً.
فأما القسم الأول: وهو الهدنة تعريفها: فهو أن يوادع أهل الحرب في دارهم على ترك القتال مدة أكثرها عشر سنين، كما هادن رسول الله ﷺ قريشًا عام الحديبيةً، فلا يجوز أن يتولى عقدها إلا الإمام أو من يستنيبه فيها عند الحاجة إليها وظهور المصلحة فيها.
ويجوز أن يعقد على مال يؤخذ منهم إذا أمكن وعلى غير مال إذا تعذر، وعلى مال يدفع إليهم عند الضرورة كالذي هم به رسول الله ﷺ عام الخندق حين تمالأت عليه قريش، وغطفان والأحابيش أن يعطيهم شطر ثمار المدينة، لينصرفوا عنها، فقال أهلها من الأنصار: يا رسول الله، إن كنت تفعل هذا بوحي من السماء فالسمع والطاعة، وإن كان رأيا رأيته فوالله ما كنا نعطيهم في الجاهلية تمرةً إلا قرى أو شرًا: فكيف وقد أعزنا الله بالإسلام: فلما عرف قوة أنفسهم كف، وصابرهم على القتال حتى انصرفوا، فكان فيما هم بفعله من ذلك دليل على جوازه.
стр. 6549
وأما القسم الثاني: وهو العهد تعريفه: فهو أن يجعل لمن دخل من المشركين إلى دار الإسلام أمان إلى مدة مقدرةً بأربعة أشهر، ولا يجوز أن تبلغ سنة، وفيما بين أربعة أشهر وسنة قولان.
فإن كان على مال يؤخذ منهم كان أولى، وإن كان على غير مال جاز، ولا يجوز أن يعقد على مال يدفع إليهم، ولا أن يتولى عهدهم غير الإمام، فيكون العهد موافقا للهدنة من وجهين، ومخالفًا لها من وجهين: فأما الوجهان في الموافقة:
فأحدهما: أن لا يتولاهما إلا الإمام ونائبه.
والثاني: أن لا يجيب إليهما إلا عند المصلحة فيما للمسلمين دونهم. وأما الوجهان في المخالفة:
فأحدهما: أن الهدنة يجوز أن تعقد على مال يدفع إليهم، ولا يجوز أن يعقد العهد على مال يدفع إليهم.
والثاني: في قدر المدةً، واختلافهما فيهما من وجهين:
أحدهما: أن انتهاء مدة الهدنة مقدرة بعشر سنين، وانتهاء مدة المقام في العهد أربعة أشهر.
والثاني: أنه يجوز في مدة العهد أن يتكرر دخولهم بذلك العهد، ولا يجوز بعد مدة الهدنة أن تتكرر موادعتهم إلا باستئناف عقد.
وأما القسم الثالث: وهو الأمان: فهو ما بذله الواحد من المسلمين أو عدد يسير لواحد من المشركين أو لعدد كثير فيكون موافقا للعهد من وجهين، ومخالفًا له من وجهين:
فأما الوجهان في الموافقة:
فأحدهما: في تقدير مدتها بأربعة أشهر.
والثاني: التزام حكمهما في دار الإسلام من المسلمين، ولا يلزم في دار الحرب، ولا من المحاربين.
وأما الوجهان في المخالفة:
فأحدهما: أن العهد عام لا يتولاه إلا الإمام، والأمان خاص يجوز أن يتولاه غير الإمام.
والثاني: أن العهد يلزم فيه المماثلة، فنأمنهم إذا دخلنا إليهم كما نؤمنهم إذا دخلوا إلينا.
والأمان الخاص لا تلزم فيه المماثلة، فيجوز أن يؤمن آحادهم إذا دخلوا إلينا وإن لم يؤمنوا آحادنا إذا دخلنا إليهم.
وأما القسم الرابع: وهو عقد الذمة: فهو أن يقر أهل الكتاب على المقام في دار
стр. 6550
الإسلام بجزيةً يؤدونها عن رقابهم في كل عام، وهو أوكد العقود الأربعة: لأنها موافقة لها من وجهين، ومخالفةً لها من وجهين، وزائدةً عليها من وجهين.
فأما الوجهان في الموافقة:
فأحدهما: الأمان.
والثاني: كفهم عن مطاولة الإسلام.
وأما الوجهان من المخالفة:
فأحدهما: اختصاص الذمة بأهل الكتاب، وعموم ما عداها في أهل الكتاب وغير أهل الكتاب.
والثاني: وجوب الجزية على أهل الذمة، وسقوطها عن غير أهل الذمة. وأما الوجهان في الزيادة:
فأحدهما: أن عقد الذمة مؤبد، وما عداه مقدر، فإن قدرها بمدة فهي ناقصةً عن حكم الكمال، ويتقدر أقلها بسنة يستحق فيها الجزيةً، ولا يتقدر أكثرها بالشرع، وتتقدر بالشرط، وإن زادت على مدة الهدنة أضعافًا لأنها لما انعقدت على الأبد جاز أن تعقد مقدرةً بأكثر الأبد.
والثاني: أن عقد الذمة يوجب الذب عنهم من كل من أرادهم من مسلم وكافر، وما عداه يوجب ذب المسلمين عنهم دون غيرهم.
فإن عقدها لأهل الذمة على أن لا يذب أهل الحرب عنهم نظر. فإن كانوا في بلاد الإسلام لم يجز، وإن كانوا في بلاد الحرب جاز؛ لأن التمكين منهم في بلاد الإسلام تسليط لأهل الحرب على المسلمين، ولو عقد العهد على أن يمنع أهل الحرب عنهم، فإن كانوا في بلاد الإسلام جاز، وإن كانوا في دار الحرب لم يجز إلا بشرطين:
أحدهما: أن يعلم الإمام من نفسه قوة على المنع.
والثاني: أن يعقدها على مال يبذلونه.
فإن عدم أحد الشرطين لم يجز.
فأما جريان أحكامنا عليهم جريان أحكام الإسلام على أهل الذمة، فقد قال الشافعي في تأويل قول الله تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩]. إن الصغار أن يجري عليهم أحكام الإسلام، وله في المراد بهذه الأحكام قولان:
أحدهما: التحكم بالقوة والاستطالة.
والثاني: الأحكام الشرعية.
فعلى الأول لا تلزمهم أحكامنا.
وعلى الثاني تلزمهم أحكامنا، ولا تلزم من عداهم قولًا واحدًا، ولا يتولى عقد الذمة إلا الإمام، وإذا بذلوا الجزية وجب على الإمام أن يعقد لهم الذمة.
следующие страницы →