← Фикх шафии

Фикх шафии · id 16934

بحر المذهب للروياني

عَبْد الواحِد الرُّوْياني

Полный текст (7 151 стр.). Показаны 6546–6585 · переход к 6551.

стр. 6546

ففرح المسلمون بذلك، وبادر أبو بكر إلى كفار قريش، فأخبرهم بما أنزل الله على رسوله من أن الروم ستغلب فارسا، وتقامر أبو بكر وأبي بن خلف على هذا بأربع قلائص إلى ثلاث سنين، وكان القمار يومئذ حلالًا، فلما علم رسول الله ﷺ أن أبا بكر قدر لهم هذه المدة أنكرها، وقال: ما حملك على ما فعلت؟ قال: ثقة بالله ورسوله. قال: فكم البضع؟ قال: ما بين الثلاث إلى العشر. فقال له: زدهم في الخطر، وازدد في الأجل فزادهم قلوصين وازداد منهم في الأجل سنتين، فصارت القلائص ستا، والأجل خمسًا، فلما أراد أبو بكر الهجرةً علق به أبي بن خلف وقال له: أعطني كفيلًا بالخطر إن غلبت، فكفل به ابنه عبد الرحمن بن أبي بكر ثم إن الله تعالى أنجز وعده في غلبة الروم لفارس في عام بدر، ونصر رسوله على قريش يوم بدر، وقيل: إنه كان النصران في يوم واحد، فعلم بهذا الخبر أن الفرس، وهم المجوس، لم يكن لهم كتاب، وأن الروم من النصارى هم أهل الكتاب، ولأنهم لو كانوا أهل كتاب، لظهر فيهم كظهور التوراةً والإنجيل، ولجرت عليهم من استباحة مناكحهم، وأكل ذبائحهم أحكام أهل الكتاب كاليهود والنصارى. وإذا قلنا بالقول الثاني إنهم أهل كتاب، فدليلنا رواه الشافعي، عن سفيان بن عيينة، عن أبي سعيد بن المرزبان، عن نصر بن عاصم، قال: قال فروة بن نوفل الأشجعي على ما تؤخذ الجزية من المجوس، وليسوا بأهل كتاب، فقام إليه المستورد، فأخذ بلبته وقال: يا عدو الله تطعن على أبي بكر، وعمر وعلى أمير المؤمنين - يعني عليا - وقد أخذوا منهم الجزية، فذهب به إلى القصر فخرج علي ﵇ فقال: اتئدا فجلسنا في ظل القصر، فقال: أنا أعلم الناس بالمجوس، كان لهم علم يعلمونه، وكتاب يدرسونه، وإن ملكهم سكر، فوقع على ابنته أو أخته، فاطلع عليه بعض أهل مملكته فلما صحا جاءوا يقيمون عليه الحد، فامتنع منهم فدعا أهل مملكته، فلما أتوه قال: أتعلمون دينًا خيرًا من دين آدم، وقد كان ينكح بنيه من بناته، وأنا على دين آدم ما نزعت بكم عن دينه، فبايعوه، وقاتلوا الذين خالفوهم حتى قتلوهم، فأصبحوا وقد أسري على كتابهم فرفع من بين أظهرهم، وذهب العلم الذي في صدورهم فهم أهل كتاب. وقد أخذ رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمر منهم الجزية، وانتشار هذا مع عدم المخالف فيه إجماع منعقد، ولأن الاتفاق على جواز أخذ الجزية منهم، وهي مقصورة على أهل الكتاب تجعلهم من أهل الكتاب الداخلين في قوله تعالى: ﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩]. ولأنهم قد كانوا ينتسبون إلى نبي مبعوث، ويتعبدون بدين مشروع، ولا يكون ذلك إلا عن كتاب يلتزمون أحكامه، ويعتقدون حلاله وحرامه.

стр. 6547

فصل: فإذا تقرر توجيه أحد القولين، فإن قيل بالأول منهما: إنه ليس لهم كتاب جاز إقرارهم على الجزية بالسنة والإجماع ولم يجز استباحة مناكحهم، ولا أكل ذبائحهم. وإن قيل بالثاني: إنهم أهل كتاب ففي استباحة مناكحهم، وأكل ذبائحهم وجهان حكاهما أبو إسحاق المروزي: أحدهما: يحل نكاح نسائهم، وأكل ذبائحهم لثبوت كتابهم، ولأن حذيفة بن اليمان نكح مجوسية بالعراق، وهذا قول أبي ثور. والثاني: وهو أظهر أنه لا تحل نساؤهم، ولا أكل ذبائحهم، وإن كانوا أهل كتاب: لأن كتابهم رفع، فارتفع حكمه، وقد روي عن إبراهيم الحربي، مع ما انعقد عليه إجماع الأعصار أنه قول بضعة عشر من الصحابة، وما علمنا مخالفًا من المسلمين حتى بعث نبي من الكرخ يعني أبا ثور يريد أنه لما تفرد بقول خالف فيه من تقدمه صار كنبي يشرع الأحكام. مسألة: قال الشافعي ﵀: " والصابئون والسامرة مثلهم يؤخذ من جميعهم الجزيةً ولا تؤخذ الجزية من أهل الأوثان ولا ممن عبد ما استحسن من غير أهل الكتاب ". قال في الحاوي: أما الصابئة، فطائفة تنضم إلى النصارى، والسامرة طائفة تنضم إلى اليهود، ولا يخلو حال انضمامهما إلى اليهود والنصارى من خمسة أقسام: أحدها: أن نعلم أنهم يوافقون اليهود والنصارى في أصول دينهم، وفروعه، فيجوز أن يقروا بالجزيةً، وتنكح نساؤهم، وتؤكل ذبائحهم. والثاني: أن يخالفوا اليهود والنصارى في أصول دينهم وفروعه، فلا يجوز إقرارهم بالجزية، ولا تستباح مناكحهم، ولا تؤكل ذبائحهم كعبدة الأوثان. والثالث: أن يوافقوا اليهود والنصارى في أصول دينهم، ويخالفوهم في فروعه، فيجوز أن يقروا بالجزيةً، وتستباح مناكحهم، وأكل ذبائحهم: لأن الأحكام تجري على أصول الأديان، ولا يؤثر الاختلاف في فروعها كما لم يؤثر اختلاف المسلمين في فروع دينهم. والرابع: أن يوافقوا اليهود والنصارى في فروع دينهم، ويخالفوهم في أصوله، فلا يجوز أن يقروا بالجزية، ولا تستباح مناكحهم، ولا أكل ذبائحهم تعليلًا باعتبار الأصول في الدين. والخامس: أن يشكل أمرهم، ولا يعلم ما خالفوهم فيه، ووافقوهم عليه من أصل

стр. 6548

وفرع، فيقروا بالجزيةً حقنا لدمائهم، ولا تنكح نساؤهم، ولا تؤكل ذبائحهم تغليبا للحظر في الأمرين كالذي قلناه فيمن أشكل دخوله في اليهوديةً والنصرانيةً، هل كان من المبدلين. فإن أسلم اثنان من الصابئين والسامرة، فشهدوا بما وافقوا عليه اليهود والنصارى من أصل وفرع حكم بشهادتهما، وأجري عليهم حكمها، ولا يراعى في هذه الشهادة عدد التواتر، ويراعى عدد التواتر فيمن ادعوا أن لهم كتابًا غير التوراةً والإنجيل؛ لأن هذا إخبار عن أصل دين مجهول، فراعينا فيه خبر التواتر والاستفاضةً، ومعتقد الصابئين والسامرةً دين معروف يعول في صفته على الشهادةً فافترقا، وقد قال ابن أبي هريرة: إن السامرةً من نسل السامري، وإنهم اعتزلوا عن اليهود بأن يقولوا لا مساس، فإن كان هذا صحيحًا فهم من بني إسرائيل يحل نكاح نسائهم، وأكل ذبائحهم. وقال أبو سعيد الإصطخري في الصابئين: إنهم يقولون: إن الملك حي ناطق وإن الكواكب السبعة آلهةً، واستفتي فيهم في أيام القاهر فأفتى، فهم القاهر بقتلهم، إن لم يسلموا، فاستدفعوا القتل ببذل مال جزيل، فإن كانوا على ما حكاه أبو سعيد فهم كعبدة الأوثان، لا يجوز أن يقروا بالجزية، ولا تستباح مناكحهم، ولا يحل أكل ذبائحهم، والله أعلم. باب الجزية على أهل الكتاب والضيافة وما لهم وعليهم قال الشافعي - رحمه الله تعالى -: " أمر الله تعالى بقتال المشركين من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون، قال: والصغار أن تؤخذ منهم وتجرى عليهم أحكام الإسلام ". قال في الحاوي: اعلم أن ما تحقن به دماء المشركين ينقسم أربعة أقسام: هدنةً، وعهد، وأمان، وذمةً. فأما القسم الأول: وهو الهدنة تعريفها: فهو أن يوادع أهل الحرب في دارهم على ترك القتال مدة أكثرها عشر سنين، كما هادن رسول الله ﷺ قريشًا عام الحديبيةً، فلا يجوز أن يتولى عقدها إلا الإمام أو من يستنيبه فيها عند الحاجة إليها وظهور المصلحة فيها. ويجوز أن يعقد على مال يؤخذ منهم إذا أمكن وعلى غير مال إذا تعذر، وعلى مال يدفع إليهم عند الضرورة كالذي هم به رسول الله ﷺ عام الخندق حين تمالأت عليه قريش، وغطفان والأحابيش أن يعطيهم شطر ثمار المدينة، لينصرفوا عنها، فقال أهلها من الأنصار: يا رسول الله، إن كنت تفعل هذا بوحي من السماء فالسمع والطاعة، وإن كان رأيا رأيته فوالله ما كنا نعطيهم في الجاهلية تمرةً إلا قرى أو شرًا: فكيف وقد أعزنا الله بالإسلام: فلما عرف قوة أنفسهم كف، وصابرهم على القتال حتى انصرفوا، فكان فيما هم بفعله من ذلك دليل على جوازه.

стр. 6549

وأما القسم الثاني: وهو العهد تعريفه: فهو أن يجعل لمن دخل من المشركين إلى دار الإسلام أمان إلى مدة مقدرةً بأربعة أشهر، ولا يجوز أن تبلغ سنة، وفيما بين أربعة أشهر وسنة قولان. فإن كان على مال يؤخذ منهم كان أولى، وإن كان على غير مال جاز، ولا يجوز أن يعقد على مال يدفع إليهم، ولا أن يتولى عهدهم غير الإمام، فيكون العهد موافقا للهدنة من وجهين، ومخالفًا لها من وجهين: فأما الوجهان في الموافقة: فأحدهما: أن لا يتولاهما إلا الإمام ونائبه. والثاني: أن لا يجيب إليهما إلا عند المصلحة فيما للمسلمين دونهم. وأما الوجهان في المخالفة: فأحدهما: أن الهدنة يجوز أن تعقد على مال يدفع إليهم، ولا يجوز أن يعقد العهد على مال يدفع إليهم. والثاني: في قدر المدةً، واختلافهما فيهما من وجهين: أحدهما: أن انتهاء مدة الهدنة مقدرة بعشر سنين، وانتهاء مدة المقام في العهد أربعة أشهر. والثاني: أنه يجوز في مدة العهد أن يتكرر دخولهم بذلك العهد، ولا يجوز بعد مدة الهدنة أن تتكرر موادعتهم إلا باستئناف عقد. وأما القسم الثالث: وهو الأمان: فهو ما بذله الواحد من المسلمين أو عدد يسير لواحد من المشركين أو لعدد كثير فيكون موافقا للعهد من وجهين، ومخالفًا له من وجهين: فأما الوجهان في الموافقة: فأحدهما: في تقدير مدتها بأربعة أشهر. والثاني: التزام حكمهما في دار الإسلام من المسلمين، ولا يلزم في دار الحرب، ولا من المحاربين. وأما الوجهان في المخالفة: فأحدهما: أن العهد عام لا يتولاه إلا الإمام، والأمان خاص يجوز أن يتولاه غير الإمام. والثاني: أن العهد يلزم فيه المماثلة، فنأمنهم إذا دخلنا إليهم كما نؤمنهم إذا دخلوا إلينا. والأمان الخاص لا تلزم فيه المماثلة، فيجوز أن يؤمن آحادهم إذا دخلوا إلينا وإن لم يؤمنوا آحادنا إذا دخلنا إليهم. وأما القسم الرابع: وهو عقد الذمة: فهو أن يقر أهل الكتاب على المقام في دار

стр. 6550

الإسلام بجزيةً يؤدونها عن رقابهم في كل عام، وهو أوكد العقود الأربعة: لأنها موافقة لها من وجهين، ومخالفةً لها من وجهين، وزائدةً عليها من وجهين. فأما الوجهان في الموافقة: فأحدهما: الأمان. والثاني: كفهم عن مطاولة الإسلام. وأما الوجهان من المخالفة: فأحدهما: اختصاص الذمة بأهل الكتاب، وعموم ما عداها في أهل الكتاب وغير أهل الكتاب. والثاني: وجوب الجزية على أهل الذمة، وسقوطها عن غير أهل الذمة. وأما الوجهان في الزيادة: فأحدهما: أن عقد الذمة مؤبد، وما عداه مقدر، فإن قدرها بمدة فهي ناقصةً عن حكم الكمال، ويتقدر أقلها بسنة يستحق فيها الجزيةً، ولا يتقدر أكثرها بالشرع، وتتقدر بالشرط، وإن زادت على مدة الهدنة أضعافًا لأنها لما انعقدت على الأبد جاز أن تعقد مقدرةً بأكثر الأبد. والثاني: أن عقد الذمة يوجب الذب عنهم من كل من أرادهم من مسلم وكافر، وما عداه يوجب ذب المسلمين عنهم دون غيرهم. فإن عقدها لأهل الذمة على أن لا يذب أهل الحرب عنهم نظر. فإن كانوا في بلاد الإسلام لم يجز، وإن كانوا في بلاد الحرب جاز؛ لأن التمكين منهم في بلاد الإسلام تسليط لأهل الحرب على المسلمين، ولو عقد العهد على أن يمنع أهل الحرب عنهم، فإن كانوا في بلاد الإسلام جاز، وإن كانوا في دار الحرب لم يجز إلا بشرطين: أحدهما: أن يعلم الإمام من نفسه قوة على المنع. والثاني: أن يعقدها على مال يبذلونه. فإن عدم أحد الشرطين لم يجز. فأما جريان أحكامنا عليهم جريان أحكام الإسلام على أهل الذمة، فقد قال الشافعي في تأويل قول الله تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩]. إن الصغار أن يجري عليهم أحكام الإسلام، وله في المراد بهذه الأحكام قولان: أحدهما: التحكم بالقوة والاستطالة. والثاني: الأحكام الشرعية. فعلى الأول لا تلزمهم أحكامنا. وعلى الثاني تلزمهم أحكامنا، ولا تلزم من عداهم قولًا واحدًا، ولا يتولى عقد الذمة إلا الإمام، وإذا بذلوا الجزية وجب على الإمام أن يعقد لهم الذمة.

стр. 6551

مسألة: قال الشافعي: " ولا نعلم النبي ﷺ صالح أحدًا على أقل من دينار، فمن أعطى منهم دينارًا غنيًا كان أو فقيرًا في كل سنة قبل منه ولم يزد عليه، ولم يقبل منه أقل من دينار من غني ولا فقير، فإن زادوا قبل منهم ". قال في الحاوي: اختلف الفقهاء في أقل الجزية وأكثرها، فذهب الشافعي إلى أن أقلها مقدر بدينار لا يجوز الاقتصار على أقل منه من غني ولا فقير، وأكثرها غير مقدر، وهو موكل إلى اجتهاد الإمام. فإن لم يجيبوا إلى الزيادةً على الدينار من غني ولا فقير وجب على الإمام إجابتهم إليه، وإن طبقوا أنفسهم بالغنى والتوسط، والذي عاقدهم عليه. وقال أبو حنيفة: هي مقدرة الأقل والأكثر بحسب طبقاتهم، فيؤخذ من الغني ثمانيةً وأربعون درهما مصارفةً اثنا عشر بدينار، ومن المتوسط أربعة درهمًا مصارفة اثنا عشر بدينار، ومن المتوسط أربعة وعشرون درهمًا، ومن الفقير المعتمل اثنا عشر درهمًا. وقال سفيان الثوري: لا يتقدر أقلها، ولا أكثرها، وهي موكولة إلى اجتهاد الإمام في أقلها وأكثرها، فإن رأى الاقتصار على أقل من دينار جاز، وإن رأى الزيادة على الأربعة فعل. وقد حكي عن مالك كلا المذهبين من قول أبي حنيفة، وقول سفيان. واستدل أبو حنيفة على تقدير أقلها وأكثرها بأن عمر بن الخطاب ﵁ ضرب الجزيةً على أهل الذمة فيما فتحه من سواد العراق، على الفقير المعتمل اثنا عشر درهمًا، وعلى المتوسط أربعة وعشرون درهمًا، وعلى الغني ثمانيةً وأربعون درهمًا عن رأي شاور فيه الصحابة، فصار إجماعًا، ولأنه مال يتعين وجوبه بالحول، فوجب أن يختلف بزيادةً المال كالزكاةً، ولأن المأخوذ بالشرك صار جزيةً وخراجًا، فلما اختلف الخراج باختلاف المال وجب أن تختلف الجزية باختلاف المال. واستدل الثوري بأن قال: الهدنة لما كانت موكولةً إلى اجتهاد الإمام، ولم يتقدر أقلها وأكثرها وجب أن تكون الجزية بمثابتها لا يتقدر أقلها وأكثرها. ودليلنا ما رواه أبو وائل شقيق بن سلمة، عن مسروق، عن معاذ بن جبل أن النبي ﷺ أمره حين بعثه إلى اليمن أن يأخذ من كل حالم دينارًا، وعدله من المعافر، ومعلوم أنهم كانوا على اختلاف في الغنى والتوسط فسوى بينهم، ولم يفاضل. وروي أن رسول الله ﷺ صالح أكيدر دومة على نصارى أيلةً، وهم ثلاثمائة رجل

стр. 6552

على ثلاثمائة دينار، فجعلها معتبرة بعددهم، وليس يعتبرها بيسارهم وإعسارهم. ولأن رسول الله ﷺ أخذ جزية نصراني بمكة يقال له أبو موهب دينارا، ولم يذكر يساره ولا إعساره، فدل على استواء الحالين. وروى عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أن النبي ﷺ أمر بأخذ الجزية من أهل الكتاب - من كل حالم دينارًا، ولم يفضل فدل على التساوي. ومن القياس أن كل من حقن دمه بالجزيةً جاز أن يتقدر بالدينار - كالمقل، ولأن كل ما جاز أن يتقدر به جزية المقل جاز أن يتقدر به جزية المكثر كالأربعة، ولأن حرمةً دمهما واحدةً، فوجب أن تكون جزيتهما واحدة. فأما الجواب عما فعله عمر، فهذا أنه قدره عليهم عن مراضاة بينه وبينهم لا ينكر مثلها إذا فعلوه. وقياسهم على الزكاة منتقض بزكاة الفطر التي لا تزيد زيادة المال، ثم المعنى في الزكاةً وجوبها في عين المال، فجاز أن تختلف بقلته وكثرته، والجزية في الذمة عن حقن الدم كالأجرة، فلم تختلف بزيادة المال وكثرته كالإجارة. وأما الجواب عن جمعهم بين الجزية والخراج، فهو أن الخراج عند الشافعي أجرة عن أرض ذات منفعة، فجاز أن يختلف باختلاف المنافع، والجزية عوض عن حقن الدم والإقرار على الكفر، وذلك غير مختلف باختلاف المال، فلم يتفاضل بتفاضل المال. وأما الجواب عن استدلال سفيان الثوري بالهدنةً، فهو أن الهدنةً لما جاز أن تكون موقوفةً على رأي الإمام في عقدها بمال وغير مال جاز عقدها على رأي الإمام في قدر المال، والجزيةً لا تقف على رأيه في عقدها بغير مال، فلم تقف على رأيه في تقدير المال. مسألة: قال الشافعي: " في كتاب السير ما يدل على أنه لا جزية على فقير حتى يستغني، قال المزني: والأول أصح عندي في أصله، وأولى عندي بقوله ". قال في الحاوي: وأما المقل الذي يملك قدر الجزية ولا يملك ما سواها، فهي عليه واجبةً، لقدرته على أدائها، فأما الفقير الذي لا يملك قدر الجزية، فضربان: أحدهما: أن يكون معتملًا يكسب بعمله في السنة قدر جزيته فاضلة عن نفقته، فالجزية عليه واجبة. والثاني: أن يكون غير معتمل لا يقدر على الاكتساب إلا بالمسألة لقدر قوته من غير فضل، ففي وجوب الجزية عليه قولان:

стр. 6553

أحدهما: وهو المنصوص عليه في كتاب الجزيةً، وعامةً كتبه أنها واجبةً عليه، ولا تعقد له الذمة إلا بها، وهو اختيار المزني. والثاني: نص عليه في سير الواقدي: أنه لا جزية عليه، ويكون في عقد الذمة تبعا لأهل المسكنة، كالنساء والعبيد، وبه قال أبو حنيفة، احتجاجا بأن عمر بن الخطاب ﵁ حين طبق في الجزية أهل العراق ثلاث طبقات، جعل أدناها الفقير المعتمل، فدل على سقوطها عن غير المعتمل، ولأنه مال يجب في كل حول، فلم تجب على الفقير كالزكاةً، ولأن الجزية ضربان على الرءوس والأرضين، فلما سقطت عن الأرض إذا أعوز نفقتها، سقطت عن الرءوس إذا أعوز وجودها. والدليل على وجوبها على الفقير: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [التوبة: ٢٩]. إلى قوله: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ﴾ [التوبة: ٢٩] فلما كان قتالهم عامًا في الموسر والمعسر وجب أن يكون ما جعله غاية في الكف عن قتالهم من بذل الجزية عامًا في الموسر والمعسر: لأن النبي ﷺ قال لمعاذ بن جبل - حين بعثه إلى اليمن: خذ من كل حالم دينارا، وقد علم أن فيهم فقيرا، ولم يميزهم، فدل على أخذها منهم. فإن قيل: فالأمر بالأخذ في الكتاب والسنةً مشروط بالقدرةً، ويسقط فيما خرج من القدرةً. قيل: هذا الأمر إنما توجه إلى الضمان دون الدفع: لأنه في ابتداء الحول، والدفع يكون بعد الحول، وقد يتوجه الضمان إلى المعسر ليدفعه إذا أيسر كسائر الحقوق. ومن القياس أنه حر مكلف، فلم يجز إقراره على كفره في دار الإسلام بغير جزية كالموسر، وفيه احتراز من المرأةً: لأنها تدخل في اللفظ المذكر، ولأن كل من حل قتله بالأسر لم تسقط عنه الجزية بالفقر كالغني إذا افتقر، ولأنه أحد سببي ما يحقن به الدم، فوجب أن يقوى فيه الغني والفقير كالإسلام، ولأن الجزية في مقابلة أمرين: أحدهما: حقن الدم. والآخر: الإقرار في دارنا على الكفر. وما حقن به الدم لم يسقط بالإعسار، كالدية. وما استحق به المقام في مكان لم يسقط بالإعسار كالأجرة. فأما الجواب عن فعل عمر ﵁ فمن وجهين: أحدهما: أن أخذها من الفقير المعتمل لا يوجب سقوطها عن غير المعتمل. والثاني: أن المعتمل هو المكتسب بالعمل - وغير المعتمل قد يتكسب بالمسألة، وهي عمل فصار كالمعتمل. والقياس على الزكاة فاسد من وجهين: أحدهما: أن الزكاة تجب في المال، فاعتبرناه في الوجوب، والجزية تجب في الذمة، فلم يعتبر المال في الوجوب.

стр. 6554

والثاني: أن الجزيةً تجب على الفقير المعتمل، ولا تجب عليه الزكاةً، فلم يجز اعتبارها بالزكاة. وأما الجواب عن الجمع بين الجزية والخراج مع اختلاله من وجهين: أحدهما: أن الخراج لا يسقط بالفقر، فكذلك الجزية. والثاني: أنه لما لم يسقط ما في مقابلة الجزية من حقن الدم في حق الفقير لم تسقط الجزيةً، ولما سقط ما قي مقابلة الخراج من المنفعة سقط به الخراج. فصل: فإذا تقرر توجيه القولين، فإن قلنا: إنه لا جزية على الفقير مطالبته بالجزية، كانت القدرة عليها شرطًا في الوجوب والأداء، فلا يخاطب بوجوبها مع الفقر، إذا أيسر بها استوقف حوله، وأخذت منه بانقضائه. وإن قلنا: إن الجزية واجبة على الفقير، لم تكن القدرة شرطًا في وجوبها، فإذا حال الحول، وهو فقير وجبت عليه الجزيةً، وفيها وجهان دل كلام ابن أبي هريرة عليهما: أحدهما: أنه ينظر بها إلى ميسرته مع إقراره في دار الإسلام كسائر الديون التي يجب الأنظار بها إلى وقت اليسار. والثاني: لا يجوز أن ينظر بها لإعساره؛ لأن لها بدلًا في حقن دمه وهو قائم عليه، وهو الإسلام، فإذا امتنع منه لم يجز إنظاره. وقيل: إن لم تسلم، ولم يتوصل إلى تحصيل الجزية بالطلب والمسألة، لم يجز أن تقر في دار الإسلام، وأبلغت مأمنك، ثم كنت حربًا، ألا ترى أن الكفارةً، لما كان الصوم فيها بدلًا لم تسقط بالإعسار؟ ولم يجب فيها أنظار إلى وقت اليسار؟ كذلك الجزية. مسألة: قال الشافعي: " وإن صالحوا على ضيافةً ضيافة ما ضفت ثلاثًا، قال: ويضيف الموسر كذا والوسط كذا، ويسمى ما يطعمونهم خبز كذا، ويعلفون دوابهم من التبن والشعير كذا، ويضيف من مر به من واحد إلى كذا وأين ينزلونهم من فضول منازلهم أو في كنائسهم، أو فيما يكن من حر وبرد ". قال في الحاوي: يجوز أن يصالح أهل الذمة على عقد الجزية على ضيافة من يمر بهم من المسلمين، لما روي أن النبي ﷺ صالح أكيدر دومةً عن نصارى أيلة على ثلاثمائة دينار، وكانوا ثلاثمائة رجل، وأن يضيفوا ما مر بهم من المسلمين ثلاثة أيام لا يغشوا

стр. 6555

مسلماً. وصالح عمر بن الخطاب ﵁ نصارى الشام علي أن ضرب عليهم الجزية علي أهل الذهب أربعة دنانير، وعلي أهل الورق ثمانية وأربعون درهما وضيافة ثلاثة أيام، ولأنه مرفق يستزاد من المشركين ويستعين به سابلة المسلمين، وإذا كان كذلك فالكلام في عقد هذه الضيافة، مشتمل علي ثلاثة فصول. أحدهما: حكمها فيمن يشترط عليه. والثاني: حكمها فيمن تشرط له. والثالث: حكم بيانها. فأما الفصل الأول: فيمن يشترط عليه، فمعتبر بثلاثة شروط: أحدهما أن يبذلوا طوعا لا يجبرون عليها، لأنها عقد مراضاة، فلم يصح إلا عن اختيار الجزية، فإن امتنعوا من الضيافة، ولم يجيبوا إلي غير الدينار قبل منهم، وأسقطت الضيافة عنهم كما تسقط عنهم الزيادة علي الدينار إذا امتنعوا منها فإن امتنع منها بعضهم، وأجاب إليها بعضهم سقطت عمن امتنع ولزمت من أجاب. والثاني: أن يكون بهم قوة عليها لا يضعفون عنها إما لخصب بلادهم، وإما لكثرة أموالهم، فإن ضعفوا عنها لم يؤخذوا بها، واختص وجوبها بالأغنياء والمتوسطين دون المقلين، بخلاف الجزية، لأن الضيافة تتكرر في السنة، والجزية لا تتكرر. والثالث: أن تشترط عليهم بعد جزية رؤوسهم وهو الدينار الذي هو أصل المأخوذ منهم، ليكون زيادة معونة ومرفق، فإن جعلت الضيافة في الجزية، ولم يؤخذ دينار الجزية، ففي جوازه لأصحابنا وجهان: أحدهما: وهو قول أبي إسحاق المروزى، وأبي علي بن أبي هريرة، وجمهور البغداديين أنه لا يجوز إلا بعد الدينار لأن رسول الله صلي الله عليه وسلم صالح أهل أيلة عليهما، وكذلك عمر في صلح أهل الشام، ولأن الدينار معلوم يعم نفعه، فلم يجز أن يسقط بالضيافة التي يخص نفعها. والثاني: وهو قول كثير من البصريين يجوز الاقتصار عليها، إذا لم يبذلوا الدينار معها، إذا كان مبلغها في السنة معلوما قدر الدينار فما زاد، لأن الضيافة جزية، فلم يلزم أن يجمع عليهم بين جزيتين، كما لم يلزم في نصارى بني تغلب حين ضاعف عمر عليهم الصدقة أن يأخذها مع دينار الجزية، لأن كل واحد منهما جزية، ولأنه لما جاز أن يصالحوا علي الدينار دون الضيافة جاز أن يصالحوا علي الضيافة دون الدينار فعلي الوجه

стр. 6556

الأول: يجوز أن يشترط عليهم ضيافة من يمر بهم، وإن لم يعلم عددهم في جميع السنة، وإن لم يمر بهم أحد لم يؤخذ منهم ثمن الضيافة. وعلي الوجه الثاني: لا يصح حتى يعلم عدد الأضياف في جميع السنة وإن لم يمر بهم أحد، أو يمر بهم بعض العدد حوسبوا، وأخذ منهم ثمن الضيافة من بقي، فيكون الفرق بين الوجهين من وجهين: أحدهما: جوازه علي الوجه الأول، وإن لم يعلم عددهم في جميع السنة ولا يجوز علي الوجه الثاني حتى يعلم عددهم في جميع السنة. والثاني: أن لا يؤخذ منهم علي الوجه الأول قيمة الضيافة إن تأخر الأضياف، وتؤخذ منهم علي الوجه الثاني قيمتها إن تأخروا. وأما الفصل الثاني: وهو من يشترط له من الأضياف، فهم أهل الفئ من المجتازين بهم دون المقيمين بينهم، لأن الضيافة جزية، والجزية لأهل الفئ خاصة، فعلي هذا تكون مقصورة علي الجيش المجاهدين خاصة أو تكون لهم ولغيرهم من أهل الفئ علي قولين من مصرف مال الفئ هل يختص بالجيش أو يعم جميع أهل الفئ؟ فإن شرطت الضيافة لغير أهل الفئ من تجار المسلمين وجميع السابلة جاز علي الوجه الأول إذا قيل: إنها تشترط بعد الدينار، ولم تجز علي الوجه الثاني إذا قيل: إنه يجوز الاقتصار عليها وحدها، فإن أراد الضيف أن يأخذ منهم قدر ضيافته، ولا يأكل من عندهم نظر. فإن طالبهم بثمن الضيافة لم يلزمهم دفعه، وإن طالبهم بطعام الضيافة لزمهم دفعه، وفارق ما أبيح من أكل طعام الولائم الذي لا يجوز أخذه لأن هذه معاوضة، والوليمة مكرمة، ولا يطالبهم بطعام الأيام الثلاثة في الأول منها، لأنه مؤجل فيها، فلا يطالبوا به قبل حلوله، ويطالب في كل يوم بقدر ضيافته، فإن لم يطالب بضيافة اليوم حتى مضي لم يجز أن يطالبهم به علي الوجه الأول إذا جعل تبعا للدينار وجاز أن يطالبهم به علي الوجه الثاني إذا جعل مقصودا كالدينار. ولو تكاثر أهل الذمة علي ضيف تنازعوه كان الخيار إلي الضيف دون المضيف في نزوله علي من يشاء منهم بغير قرعة، ولو تكاثر الأضياف علي المضيف كان الخيار إلي المضيف دون الأضياف إلي أن يقصد عدد أهل الناحية عن إضافة جميعهم، فيقرع بينهم، ويضيف كل واحد منهم من قرع، والأولي أن يكون للأضياف عريف يكون هو المرتب لهم، لينقطع التنازع بينهم. وأما الفصل الثالث: في بيان الضيافة، فيعتبر فيها ثلاثة شروط: أحدهما: عدد الأضياف. والثاني: أيام الضيافة.

стр. 6557

والثالث: قدر الضيافة. فأما الشرط الأول: في عدد الأضياف، فهو أن يشترط علي الموسر ما استقر عليه من خمسة إلي عشرة، وعلي المتوسط من ثلاثة إلي خمسة بحسب ما يقع عليه التراضي، ليضيف كل واحد منهم القدر المشروط عليه في يساره وتسوطه فإن سوى بين الموسر والمتوسط في عدد الأضياف جاز مع المراضاة كما يجوز أن يسوى بينهم في دينار الجزية، فإن شرط علي جميع الناحية عددا من الأضياف كأنه شرط علي الناحية ضيافة ألف رجل جاز، واجتمعوا علي تقسيط الألف بينهم علي ما ينفقون عليه من تفاضل أو تساو، فإن اختلفوا، وتنازعوا إلينا، قسطت بينهم التساوي دون التفاضل، فإن كانت لهم جزية رؤوس تفاضلوا فيها، ففي اعتبار الضيافة بها وجهان: أحدهما: يتفاضلون في الضيافة بحسب تفاضلهم في جزية الرؤوس إذا جعلت الضيافة تبعا. والثاني: يتساوون في الضيافة، وإن تفاضلوا في الجزية إذا جعلت الضيافة أصلا. وأما الشرط الثاني: في أيام الضيافة: فالعرف والشرع فيها لكل ضيف ثلاثة أيام. أما العرف المشهور في الناس تقديرها بالثلاث. وأما الشرع: فلقول النبي صلي الله عليه وسلم "الضيافة ثلاثة أيام، وما زاد عليها مكرمة". وروى "صدقة"، ولأن الضيافة مستحقة للمسافر ومقامه في سفره ثلاث، وما زاد عليها مغير لحكم السفر إلي الإقامة والضيافة لا يستحقها مقيم، فإن زاد في الشرط علي ثلاث أو نقص منها كان الشرط أحق من مطلق الشرع والعرف، ويذكر عدد أيام الضيافة في السنة أنها مائة يوم أو اقل، أو أكثر ليكون أنفي الجهالة، فإن لم يذكر عدد الضيافة، وأيامها في السنة، واقتصر علي ذكر ثلاثة أيام عند قدوم كل قوم كان علي الوجهين في الضيافة: أحدهما: يجوز إذات جعلت تبعا. والثاني: لا يجوز إذا جعلت أصلا. وأما الشرط الثالث: فهو قدر الضيافة، فمعتبره من ثلاثة أوجه: أحدهما: جنس الطعام، وذلك غالب أقوالهم من الخبز والأدم، فإن كانوا يقتاتون الحنطة، ويتأدمون باللحم، فإن عليهم أن يضيفوهم بخبز الحنطة، وأدم اللحم. وإن كانوا يقتاتون الشعير، ويتأدمون بالألبان أضافوهم منه أو بما سوى ذلك مما هو غالب قوتهم وأدامهم، وإن كانت لهم ثمار وفواجه يأكلونها غالبا في كل يوم شرطها

стр. 6558

عليهم في زمانها وليس للأضياف أن يكلفوهم ما ليس بغالب من أقواتهم، وأدامهم، ولا ذبح حملانهم ودجاجهم، ولا الفواكه النادرة والحلوى التي لا تؤكل في يوم غالبا ولا ما لم يتضمنه شرط صلحهم. والثاني: مقدار الطعام والأدام، وللطعام في الشرع أصل أكثره "مدان" من حب في فدية الأذي وأقله "مد" في كفارة الأيمان لأنه ليس يحتاج أحد في الأغلب إلي أكثر من "مدين" ولا يقتنع في الأغلب بأقل من مد و"المد" رطل وثلث، ويكون خبزه رطلين، والمدان أربعة أرطال خبزًا. فأما الإدام فلا أصل له في الشرع، فيكون مقداره معتبرا بالعرف الغالب يشرط لكل ضيف من الخبز كذا، فإن ذكر أقل من رطلين لم يقتنع، وإن ذكر أكثر من أربعة لم يحتج إليها، ولو شرط ثلاثة كان وسطا، ويذكر جنس الإدام، ومقداره للضيف في كل يوم، وإن كانت له دواب ذكر ما يعقله الواحد منها في كل يوم من التبن والقت والشعير بمقدار كاف، لا سر فيه ولا تقطير، فإن شرط علفها، وأطلقه علقت التبن والقت، ولا يلزمهم للأضياف أجرة حمام، ولا طبيب، ويشترط عليهم أن من انقطع مركوبه حملوه إلي أقرب بلاد الضيافة لهم، فإن لم يشترط عليهم لم يلزمهم. والثالث: السكن لحاجتهم إليه في الحر والبرد، فيشترط عليهم أن يسكنوهم من فضول منازلهم، وكنائسهم وبيعهم، ليكونوا فيها من حر وبرد، وكذلك لدوابهم. وقد كتب عمر بن الخطاب ﵁ إلي الشام أن يؤخذ أهل الذمة بتوسيع أبواب كنائسهم وبيعهم، ليدخلها الراكب إذا نزلها، وليس للأضياف إخراجهم من مساكنهم إذا نزلوا عليهم، وإن ضاقت بهم ويثبت الإمام ما استقر من صلح هذه الضيافة في ديوان كل بلد من بلاد الضيافة، ليأخذهم عامل ذلك البلد بموجبه ثم يثبته في الديوان العام لثبوت الأموال كلها ليرفع إليه عند الحاجة إذا تنازع فيه المسلمون وأهل الذمة، وإن فقد الديوان، ولم يعرف فيه ما صولحوا عليه عمل ما يشهد به شاهدان من المسلمين، فإن لم يكن عندهم شهادة قبل فيه قول أهل الذمة إقرارا لا خبرا ولا شهادة، فإن عمل علي قولهم فيها ثم بان له زيادة رجع عليهم بها. مسألة: قال الشافعي: "ولا يؤخذ من امرأة ولا مجنون حتى يفيق ولا مملوك حتى يعتق ولا صبي حتى ينبت الشعر تحت ثيابه أو يحتلم أو يبلغ خمس عشرة سنة فيلزمه الجزية كأصحابه".

стр. 6559

قال في الحاوي: ذكر الشافعي فيمن تسقط الجزية عنه أربعة أصناف النساء والمجانين والعبيد والصبيان. فأما النساء، فلا جزية عليهم لخروجهن عن المقاتلة، وتحريم قتلهن عند السبي، والله تعالي يقول: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [التوبة: ٢٩] وهن غير مقاتلات. وقد مر رسول الله صلي الله عليه وسلم في بعض غزواته بامرأة مقتولة، فقال "ما بال هذه تقتل وهي لا تقاتل" فذلك قلنا: إنه لا جزية عليها، سواء كانت ذات زوج يؤدي الجزية أو كانت خالية لا تتبع رجلا، وهكذا الخنثي المشكل لا جزية عليه، لجواز أن يكون امرأة، فلو بذلت امرأة من أهل الذمة الجزية عن نفسها، لم يلزم لخروجها من أهل الجزية، فإن دفعتها مختارة جاز قبولها منها، وتكون هدية لا جزية، فإن امتنعت من إقباضها لم تجبر علي دفعها، لأن الهدايا لا إجبار فيها وإذا نزل جيش المسلمين حصنا، فبذل نساؤه الجزية لم يخل حالهن من أمرين: أحدهما: أن يكون معهن رجال، فلا يصح عقد الجزية معهن، سواء بذلن الجزية من أموالهن أو من أموال رجالهن، لأنهن إن بذلنها من أموالهن، فليس من أهل الجزية، فلا تلزمن،، إن بذلنها من أموال رجالهن لم يلزم الرجال بعقد غيرهم. والثاني: أن ينفرد النساء في الحصن عن رجل مختلط بهن، ففي انعقاد الجزية معهن منفردات قولان حكاهما أبو حامد الإسفراييني وأشار إليهما أبو علي بن أبي هريرة توجيها: أحدهما: أنه لا تنعقد بهما الذمة لهن لخروجهن من أهل الجزية، فلم تنعقد معهم الجزية، فعلي هذا يصمم أمير الجيش علي حصارهن حتى يسبين: والثاني: تنعقد معهن الذمة بما بذلنه من الجزية ويحرم سبيهن لأنه لما كان إقرارهن بالجزية تبعا كان إقرارهن بما بذلنه منفردات أولي، فعلي هذا هل تلزمهن الجزية يبذلهن أم لا علي وجهين أشار إليهما ابن أبي هريرة: أحدهما: يلزمهن أداؤها بعد إعلامهن عند عقدها أنهن من غير أهلها فإن امتنعن من بذلها بعد لزومها خرجن عن الذمة. والثاني: أن لا يلزمهن أداؤها وتكون كالهدية تؤخذ منهن إذا أجبن إليها، ولا تؤخذ إذا امتنعن منها، وهل علي ذمتهن في حالتي الإجابة والمنع. وإذا اجتمع الرجال والنساء، فبذل الرجال الجزية عن أنفسهم ونسائهم نظر. فإن بذلوها من أموالهم جاز، ولزمهم ما بذلوه، وجري مجري زيادة بذلوها من

стр. 6560

جزيتهم، ولا يؤخذ الرجال إلا بجزية أنفسهم دون نسائهم. فصل: وأما المجانين فلا جزية عليهم لارتفاع القلم عنهم، وأنهم في جملة الذراري ولا يقتل المجنون إذا سبي، هذا إذا كان جنونه مطبقا، فأما إذا جن في زمان، وأفاق في زمان، فقد قال أبو حنيفة: يراعي فيه أغلب حالتيه. فإن كان المجنون أكثر، فلا جزية، وإن كان أقل، فعليه الجزية. ومذهب الشافعي يلفق زمان الإفاقة قل أو كثر يستكمل حولا، فإن كان يجن يوما ويفيق يوما أخذت منه جزية سنة من سنتين وإن كان يجن يومين ويفيق يوما أخذت منه جزية سنة من ثلاث سنين، وإن كان يجن يوما، ويفيق يومين أخذت منه جزية سنة من سنة ونصف، ثم علي هذا القياس، لأنه لما اختلف حكم الإفاقة، وحكم الجنون كان تميزها أولي من تغليب أحدهما، لأن في التمييز جمعا بين الحكمين وفي تغليب الأكثر إسقاط أحدهما. فصل: وأما العبيد، فلا جزية عليهم، لما روي عن النبي صلي الله عليه وسلم أنه قال: "لا جزية علي العبيد". وقال عمر: لا جزية علي مملوك. ولأنهم تبع لساداتهم، ولأنهم لا يملكون، فكانوا أسوأ حالا من الفقراء، ولأنهم مماليك، فكانوا كسائر الأموال، وكذا لا جزية علي مدبر، ولا مكاتب، ولا أم ولد، لأنهم عبيد، ولا جزية علي من بعضه حر وبعضه مملوك، لأن أحكام الرق عليه أغلب. وقيل: إنه يؤدي من الجزية بقدر ما فيه من الحرية، لأنه يملك بها، فإذا أعتق العبد علي كفره، وكان من أهل الكتاب اسؤنفت جزيته، وسواء أعتقه مسلم أو كافر. وقال مالك: إن عتقه مسلم، فلا جزية عليه، لحرمة ولائة، وهذا خطأ، لأن حرمة النسب أغلظ، ولا تسقط الجزية بإسلام الأب، فكان أولي أن لا تسقط بإسلام المعتق، لكن إن كان المعتق مسلما استؤنفت جزيته عن مراضاة، وإن كان معتقه ذميا، ففيها ثلاثة أوجه: أحدها: أنه يلزمه جزية معتقه، لأنها لزمته بعتقه. والثاني: يلزمه جزية عصبته، لأنهم أخص بميراثه ونصرته.

стр. 6561

والثالث: أنه لا يلزمه إلا ما استأنف الصلح عليه بمراضاته، ليفرده بها من غيره فإن امتنع منها بنذر إليه عهده، ثم صار حرا، وعلي الوجهين الأولين تؤخذ منه جبرا. فصل: وأما الصبيان، فلا جزية عليهم لارتفاع القلم عنهم، ولأن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال لمعاذ: "خذ من كل حالم دينارا" فدل علي سقوطها عن غير الحالم، ولأنهم من غير أهل القتال، ولأنهم يسترقون إذا سبوا، فصاروا أموالا، فإذا بلغوا وجبت عليهم الجزية. والظاهر من مذهب الشافعي أنهم لا يلتزمون جزية آبائهم من غير استئناف عقد معهم، لأنهم خلف لسلفهم. وقال أبو حامد الإسفراييني: لا تلزمهم جزية آبائهم، ويستأنف معهم عقدها عن مراضاتهم، إما بمثلها أو بأكثر أو أقل إذا لم ينقص عن الدينار، وهذا وهم فيه يفسد من وجهين: مذهب، وحجاج. أما المذهب: فإن الشافعي قد جعل جزية الولد إذا اختلفت جزية أبوية أن جزيته جزية أبيه دون أمه. وأما الحجاج: فمن وجهين: أحدهما: أنهم لما كانوا تبعا لآبائهم في أمان الذمة كانوا تبعا لهم في قدر الجزية. والثاني: أن عقد الذمة مؤبد، وهذا يجعله مؤقتا يلزم استئنافه مع بلوغ كل ولد، وفيه أعظم مشقه، وما فعله أحد من الأئمة. فأما البلوغ: فيكون بالاحترام، وباستكمال خمس عشرة سنة، ويحكم ببلوغه بإنبات الشعر، لأن سعد بن معاذ حكم في بني قريظة أن من جرت عليه المواسي قتل، ومن لم تجر عليه استرق. فقال النبي صلي الله عليه وسلم: "هذا حكم الله من فوق سبعة أرقعة". وهل يكون ذلك بلوغا فيهم كالسن والاحتلام، أو يكون دليلا علي بلوغهم، فيه قولان مضيا. فصل: فإذا تقرر ما وصفنا، وبلغ الصبي، وأعتق العبد، وأفاق المجنون نظر. فإن كان ذلك في أول الحول: فقد ساووا أهل دينهم في حول جزيتهم، وإن كان ذلك في تضاعيف الحول مثل أن يكون قد مضي من الحول نصفه قيل لهم: لا يمكن أن يستأنف لكم حول غير حول أهل دينكم لأنه شاق، وأنتم بالخيار إذا حال حول الجماعة وقد مضي لكم من الحول نصفه بين أن تعطوا جزية نصف سنة ثم يستأنف لكم الحول مع

стр. 6562

الجماعة، وبين أن تتعجلوا جزية سنة حتى تؤخذ منكم في السنة الثانية جزية نصف سنة، وبين أن تستنظروا بجزية نصف هذه السنة حتى تؤخذ منكم مع الجزية السنة الثانية إذا تمت جزية سنة ونصف فاق هذه الثلاثة سألوها أجيبوا إليها. مسألة: قال الشافعي: "ويؤخذ من الشيخ الفاني والزمن". قال في الحاوي: وهذا مبني علي إباحة قتل من أسر منهم، وقد اختلف قول الشافعي في إباحة قتل الرهبان، وأصحاب الصوامع، والأعمى ومن لا نهضة فيه من الشيوخ والزمني الذين لا يقاتلون إما لتعبد كالرهبان أو لعجز كالشيخ الفاني، ففي جواز قتلهم قولان: أحدهما: يجوز قتلهم، لأنهم من جنس مباح القتل، ولأنهم كان رأيهم، وتدبيرهم أضر علينا من قتال غيرهم، فعلي هذا لا يقرون في دار الإسلام إلا بجزية. والثاني: أنه لا يجوز قتلهم، لأن القتل للكف عن القتال، وقد كفوا أنفسهم عنه، فلم يقتلوا، فعلي هذا يرون بغير جزية وهو مذهب أبي حنيفة فصار في إقرارهم بغير جزية قولان. فصل: فأما يهود خيبر، فالذي عليه الفقهاء أنهم ممن أخذ الجزية منهم كغيرهم، وقد تظاهروا في هذا الزمان بأمان رسول الله صلي الله عليه وسلم في كتاب نسبوه إليه وأسقطوا به الجزية عن نفوسهم، ولم ينقله أحد من رواه الأخبار، ولا من أصحاب المغازي، ولم أر لأحد من الفقهاء في إثباته قولا غير أبي علي بن أبي هريرة فإنه جعل مساقاة رسول الله صلي الله عليه وسلم في نخل خيبر حين افتتحها، وقوله لهم: "أقركم ما أقركم الله" أمانا، وجعلهم بالمساقاة حولا، وأن بهذين سقطت الجزية عنهم، وهذا قول تفرد به لا أعرف له موافقا عليه، وليس الأمان موجبا لسقوط الجزية، لأنها تجب الأمان، فلم تسقط به، ولا تسقط بالمعاملة كما لا تسقط بها جزية غيرهم، ولو جاز هذا فيهم لكان من أهل فدك أجوز، لأنه فتحها صلحا وفتح خيبر عنوة، وأحسب أبا علي بن أبي هريرة لما رأي الولاة، علي هذا أخرج لفعلهم وجهًا، وما لم يثبته الفقهاء لنقل أوجب التخصيص فحكم العموم فيه أمضي والله أعلم.

стр. 6563

مسألة: قال الشافعي: "ومن بلغ وأمه نصرانية وأبوه مجوسي أو أمه مجوسيه وأبوه نصراني فجزيته جزية أبيه لأن الأب هو الذي عليه الجزية لست أنظر إلي غير ذلك". قال في الحاوي: وجملته أنه إذا اختلف حكم أبوي الكافر في حكم كفرهما المتعدي عنهما إلي ولدها، تعلق باختلافهما أربعة أحكام. أحدهما: الجزية. والثاني: النكاح والذبيحة. والثالث: عقد الذمة. والرابع: الدية. فأما الحكم الأول: وهو الجزية، فهو أن يكون أبوه نصرانيا له جزية، وأمه يهودية لقومها جزية أخري، فجزية الولد جزية أبيه دون أمه سواء قلت جزية أبيه أو كثرت لأمرين: أحدهما: أنه داخل في نسب أبيه دون أمه، فدخل في جزيته دونها. والثاني: أن الجزية علي أبيه دون أمه، فدخل في جزية من تجب عليه الجزية دون من لا تجب عليه. وأما الحكم الثاني: وهو استباحة النكاح والذبيحة، وهو أن يكون أحد أبويه يهوديا، والآخر مجوسيا، فينظر. فإن كان أبوه مجوسيا وأمه نصرانية، لم تحل ذبيحة الولد ولم ينكح إن كان امرأة تغليبا لحكم الحظر واعتبارا بلحوق النسب. وإن كان أبوه نصرانيا، وأمه مجوسية، ففيه قولان: أحدهما: يعتبر بأبيه واستباحة نكاحه، وأكل ذبيحته، تعليلا بلحوق النسب به. والثاني: يعتبر بأنه في خطر نكاحه، وتحريم ذبيحته، تعليلا لتغليب الحظر علي الإباحة. وأما الحكم الثالث: وهو عقد الذمة، فهو أن يكون أحد أبويه كتابيا يقر بالجزية، وثنيا لا يقر بالجزية، فقد اختلف كلام أصحابنا فيه، لأن الشافعي عطف به علي استباحة النكاح والذبيحة عطفا مرسلا، فخرج عن اختلافهم فيه أربعة أوجه: أحدهما: أن يكون في ذمته ودينه ملحقا بأبيه دون أمه اعتبارا بنسبه، فعلي هذا إن كان أبوه كتابيا، فهو كتابي يقر بالجزية، وإن كان وثنيا فهو وثني لا يقر بالجزية.

стр. 6564

والثاني: أن يكون في دينه ملحقا بأمه دون أبيه اعتبارا بجزيته ورقه في لحوقه بأمه دون أبيه، ولحدوثه عن اختلاف الدين، فعلي هذا إن كانت أمه كتابيه، فهو كتابي يقر بالجزية، وإن كانت وثنية، فهو وثني لا يقر بالجزية. الثالث: أن يلحق بأثبتهما دينا كما يلحق بالمسلم منهما دون الكافر، فعلي هذا إن كان أبوه كتابيا وأمه وثنية ألحق بأبيه، وجعل كتابيا يقر بالجزية، وإن كانت أمه كتابية، وأبوه وثنيا ألحق بأمه، وجعل كتابيا يقر بالجزية. والرابع: أن يلحق بأغلظهما كفرا، لأن التخفيف رخصة مستثناة، فعلي هذا أيهما كان في دينه وثنيا، فهو وثني لا يقر بالجزية سواء كان الوثني منهما أبا أو أما، وهو ضد الوجه الثالث كما أن الوجه الثاني ضد الوجه الأول. وأما الحكم الرابع، وهو الدية: إذا قتل، فهو أن يكون أحد أبويه نصرانيًا والآخر مجوسيًا، فهو ملحق في الدية بأكثر أبويه دية سواء كان أبًا وأمًا، نص عليه الشافعي في "الأم". والفرق بين الدية والنسب من وجهين: أحدهما: أن الدية لما اختلفت باختلاف الدين، ولم تختلف باختلاف النسب، وكان في الدين ملحقا بالمسلم منهما تغليظا كان في الدية ملحقا بأغلظهما دية. والثاني: أن ما أوجب ضمان النفوس كان معتبرا بأغلظ الحكمين كالمحرم إذا قتل ما تولد من بين وحشي وأهلي أو مأكول، ومحظور لزمه الجزاء تغليظا. مسألة: قال الشافعي: "فأيهم أفلس أو مات فالإمام غريم يضرب مع غرمائه". قال في الحاوي: وهذا صحيح إذا مات الذمي أو أفلس بعد الحول لم تسقط عنه الجزية بموته وفلسه، وأسقطها أبو حنيفة بموته احتجاجا بأن الجزية عقوبة تسقط عن الميت كالحدود، لأنه يخرج بالموت من أهل القتال، فوجب أن تسقط عنه الجزية كالنساء والصبيان. ودليلنا: هو أنه مال استقر قبوله في ذمته، فلم يسقط بموته كالديون ولأن الجزية عوض عن حقن دمه، وإقراره في دار الإسلام علي كفره، فلم يسقط ما وجب منها بموته كالأجور. فأما الجواب عن اعتبارهم بالحدود، فهو أن الحد متعلق بالبدن، فسقط بالموت كالقصاص والجزية متعلقة بالمال، فلم تسقط بالموت كالدية. وأما الجواب عن

стр. 6565

استدلالهم بخروجه من أهل القتال، فهو أنها تؤخذ على ما مضى في حياته، وقد كان فيه من أهل القتال. فإذا تقرر أنها لا تسقط بالموت والفلس، كانت كالديون المستقرة تقدم على الوصايا، والورثة، ويساهم فيها الغرماء بالحصص، ويكون ما عجز المال عنها دينًا في ذمة المفلس، وثابتًا على الميت. وهكذا لو زمن أو عمي أو جن لم يسقط عنه، وأسقطها أبو حنيفة عنه، ودليله ما قدمناه. مسألة: قال الشافعي: "وإن أسلم وقد مضى بعض السنة أخذ منه بقدر ما مضى منها". قال في الحاوي: وهذا صحيح، وإذا أسلم الذمي بعد وجوب الجزية عليه لم تسقط بإسلامه. وقال أبو حنيفة: تسقط عنه بإسلامه استدلالًا بقول الله تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩]. والمسلم لا صغار عليه، وبقوله تعالى: ﴿قُل لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِن يَنتَهُوا يُغَفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال:٣٨]، وقد انتهى بالإسلام، فوجب أن يغفر له ما سلف من الجزية. وبما روي عن النبي ﷺ أنه قال: "الإسلام يجب ما قبله". وبما روى محارب بن دثار عن ابن عمر، عن النبي ﷺ أنه قال: "لا جزية على مسلم" وهذا نص. ومن القياس: أنها عقوبة تتعلق بالكفر، فوجب أن تسقط بالإسلام كالقتال. ولأن الجزية تأخذ منه صغارًا وذلة، والمسلم لا صغار عليه، فوجب سقوطها عنه. ودليلنا: قول رسول الله ﷺ : "الزعيم غارم" وقد ضمنها، فوجب أن يلزمه غرمها. ومن القياس: أنه مال استقر ثبوته في ذمته، فوجب أن لا يسقط بإسلامه كالديون. فإن قيل: يبطل بالزوجين الوثنيين إذا أسلم الزوج منهما قبل الدخول سقط عنه صداقها بإسلامه.

стр. 6566

قيل: صداقها إنما بطل بوقوع الفرقة كما يبطل صادقها بالردة، لوقوع الفرقة ألا ترى من تكلم من في صلاته، فبطلت بكلامه حل له الكلام يبطلان الصلاة لا بالكلام؟ فإن قيل: إنما لم يسقط عنه الدين بإسلامه، لأنه يجوز أن يثبت ابتداؤه في إسلامه، وسقطت الجزية بإسلامه، لأنه لا يجوز أن يثبت ابتداؤها في إسلامه. فالجواب عنه: أنه تبطل علة الأصل بالموت، لأنه يمنع من ابتداء الدين، ولا يمنع من استدامته، وتبطل علة الفرع بالاسترقاق، ويمنع الإسلام من ابتدائه، ولا يمنع من استدامته، ولأن الجزية والخراج مستحقان بالكفر، لما لم يسقط بالإسلام ما وجب من الخراج لم يسقط به ما وجب من الجزية. وتحريره قياسًا: أنه مال مستحق بالكفر، فلم تسقط ما وجب منه بالإسلام كالخراج، وعبر عنه بعض أهل خراسان بأن ما وجب على الكافر بالالتزام لم يسقط بالإسلام كالخراج، ولأن الجزية معاوضة عن حقن الدم والمساكنة، فلم يسقط ما وجب منها بالإسلام كالأجرة. وأما الجواب عن قوله تعالى: ﴿وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة:٢٩]. فهو أن الصغار علة في الوجوب دون الأداء، ووجوبها يسقط بالإسلام، وأداؤها لا يسقط. وأما الجواب عن قوله تعالى: ﴿يُغَفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨] فهو أن الغفران مختص بالآثام دون الحقوق. وأما الجواب عن قوله ﷺ : "الإسلام يجب ما قبله" فهو أنه يقطع وجوب ما قبله، ولا يرفع ما وجب منه. وأما الجواب عن قوله: "لا جزية على مسلم" فهو أنه محمول على ابتداء الوجوب دون الاستيفاء. وأما الجواب عن قياسهم على القتل، فهو أن الجزية معاوضة، وليست عقوبة، ثم هو منتقض بالاسترقاق لا يبطل بالإسلام، وإن وجب بالكفر، ثم المعنى في القتل أنه وجب بالإصرار على الكفر، وقد زال الإصرار بالإسلام، فلذلك سقط. والجزية وجبت معاوضة عن المساكنة لم تنزل، فلم تسقط بالإسلام. وأما الجواب عن قولهم: إنهم صغار، فهو أنه منتقض بالاسترقاق، وبالخراج، ويفسد بالحدود، وهي عقوبة وإزلال، ولا تسقط بالعقوبة بعد الوجوب على أن الصغار عليه، في الوجوب دون الاستيفاء وقد يمنع الإسلام من وجوب ما لا يمنع من استيفائه كذلك الجزية. فصل: فإذا ثبت أن الإسلام لا يسقط ما وجب من الجزية، لم يخل إسلامه من أن يكون

стр. 6567

بعد انقضاء الحول أو من تضاعيفه. فإن كان بعد انقضاء الحول واستقرار الوجوب استوفيت منه جبرًا وحبس بها إن امتنع. وإن كان إسلامه في تضاعيف الحول سقطت عنه جزية ما بقي من الحول وهل تؤخذ منه جزية ما مضى قبل إسلامه أم لا؟ على قولين من اختلاف قول الشافعي في حول الجزية: هل هو مضروب للوجوب أولًا. فأحد قوليه: أنه مضروب للوجوب، كالحول في الزكاة، فعلى هذا لا جزية عليه فيما مضى منه قبل إسلامه. والثاني: أنه مضروب للأداء كالحول في عقل الدية، فعلى هذا تجب عليه جزية ما مضى قبل إسلامه. وخالف أبو حنيفة القولين معًا، وقال: الجزية تجب بأول الحول، وتؤخذ في أوله، وليس الحول فيها مضروبًا للوجوب، ولا للأداء، وإنما هو مضروب لانقضاء مدتها، احتجاجًا بقول الله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ [التوبة:٢٩] إلى قوله: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة:٢٩]. فأمر بالكف عن قتالهم بإعطاء الجزية، فدل على استحقاقها بالكف عنهم دون الحول. والدليل على أنها لا يتعلق بأول الحول وجوبها، ولا أداؤها، ما روي عن النبي ﷺ أنه كتب إلى أهل اليمن أن تؤخذ جزية أهل الكتاب من كل حالم، دينارًا في كل سنة، فاقتضى أن يكون وجوبها وأداؤها بعد انقضاء السنة، ولأنه مال يتكرر وجوبه في كل حول، فوجب أن لا يلزم أداؤه قبل انقضاء حوله كالزكاة والدية العاقلة. فأما الجواب عن الدية، فهو أن المراد بإعطاء الجزية ضمانها دون دفعها، لأجماعنا على أنه إذا ضمنوا الجزية حرم قتلهم قبل دفعها. فصل: وإذا تعذر أخذ الجزية من الذمي حتى مضت عليه سنوات لم تتداخل، وأخذت منه جزية ما مضى من السنين كلها. وقال أبو حنيفة: تتداخل، ولا يؤخذ منه إلا جزية سنة واحدة، استدلالًا بأن الجزية عقوبة، فوجب أن لا تتداخل كالحدود. ودليلنا: هو أنها مال يتكرر وجوبه في كل حول، فوجب أن لا يتداخل كالزكاة والدية على العاقلة، ولأن الجزية معاوضة عن حقن الدم والمساكنة، فوجب أن لا تتداخل كالأجرة. وأما الجواب عن قياسه على الحدود مع انتقاضه بمن أفطر بجماع في شهر

стр. 6568

رمضان، ثم أفطر فيه في يوم ثان، لم تتداخل الكفارتان وإن كانتا من جنس واحد، فهو أن المعنى في الحدود أن لا مال فيها، فجاز أن تتداخل كالقطع في السرقة، والجزية مال، فلم تتداخل كالمال فيها، فإذا ثبت هذا، وغاب الذمي سنين، ثم عاد مسلمًا، وادعى تقدم إسلامه، وسقوط جزيته في جميع مدته، قال الشافعي: قبل قوله في سقوطها عنها، وأحلف إن اتهم. قال الربيع: وفيها قول آخر: أنه لا يقبل منه إلا ببينة، لأنها على أصل الوجوب، فلم تسقط بمجرد الدعوى. والأشبه أنه قال مذهبًا لنفسه، وليس يصح، لأنه خلف في أصل الوجوب، والأصل براءة الذمة، والله أعلم بالصواب. مسألة: قال الشافعي: " ويشترط عليهم أن من ذكر كتاب الله تعالى أو محمدًا ﷺ أو دينِ الله بما لا ينبغي أو زنى بمسلمةٍ أو أصابها باسم نكاح أو فتن مسلمًا عن دينه أو قطع عليه الطريق أو أعان أهل الحرب بدلالةٍ على المسلمين أو آوى عينًا لهم فقد نقض عهده وأحل دمه وبرئت منه ذمة الله تعالى وذمة رسوله ﵊، ويشترط عليهم أن لا يسمعوا المسلمين شركهم وقولهم في غريرٍ والمسيح ولا يسمعونهم ضرب ناقوسٍ وإن فعلوا عزروا ولا يبلغ بهم الحد". قال في الحاوي: وجملته أن المقصود بعقد الجزية تقوية الإسلام، وإعزازه وإضعاف الكفر وإذلاله ليكون الإسلام أعلى والكفر أخفض، كما قال النبي صلى الله عليه سلم: "الإسلام يعلو ولا يعلى"، فكل ما دعا إلى هذا كان الإمام مأمور باشتراطه عليهم، وما يؤخذون به من ذلك في عقد جزيتهم ينقسم خمسة أقسام: أحدها: ما وجب بالعقد دون الشرط. والثاني: ما وجب بالشرط، واختلف في وجوبه بالعقد. والثالث: ما لم يجب بالعقد، ووجب الشرط. والرابع: ما لم يجب بالعقد، واختلف في وجوبه بالشرط. والخامس: ما لم يجب بعقد ولا شرط. فأما القسم الأول: وهو ما وجب بالعقد، وكان الشرط فيه مؤكدًا لا موجبًا فثلاثة أشياء: أحدها: التزام الجزية، لقول الله تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾

стр. 6569

[التوبة:٢٩]. أي يضمنوها. والثاني: التزام أحكامها بالإسلام فيما أجابوه من المسلمين لقوله تعالى: ﴿وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة:٢٩] والصغار: أن تجري أحكام الإسلام عليهم. والثالث: أن لا يجتمعوا على قتال المسلمين، ليكونوا آمنين منهم كما أمنوهم نقضًا لعهدهم، فلو قاتل المسلمين بعضهم، وقعد عنهم بعضهم انتقض عقد المقاتل، ونظر في القاعد، فإن ظهر منه الرضا كان نقضًا لعهده، وإن لم يظهر منه الرضا كان على عهده، ولو امتنعوا جميعًا من بذل الجزية كان نقضًا لعهدهم سواء امتنعوا جميعًا من التزامها أو من أدائها وإن امتنع واحد منهم من بذلها نظر، فإن امتنع من التزامها كان نقضًا لعهده كالجماعة، وإن امتنع من أدائها مع بقائه على التزامها لم يكن نقضًا لعهده، وأخذت منه بخلاف الجماعة، لأن إجبار الجماعة عليها متعذر، وإجبار الواحد عليها ممكن. وقال أبو حنيفة: لا ينتقض عهدهم إذا امتنعوا من أدائها، وينتقض إذا امتنعوا من بذلها كالآحاد، وفيما ذكرنا من الفرق. وأما القسم الثاني: وهو ما وجب بالشرط، واختلف في وجوبه بالعقد وهو ما منعوا منه لتحريمه، وذلك ستة أشياء: أحدها: أن لا يذكروا كتاب الله بطعن عليه ولا تحريف له. والثاني: أن لا يذكروا رسول الله ﷺ بتكذيب له، ولا إزراء عليه. الثالث: أن لا يذكروا دين الله بذم له، ولا قدح فيه. والرابع: أن لا يفتنوا مسلمًا عن دينه، ولا يتعرضوا لدمه أو ماله. والخامس: أن لا يصيبوا مسلمة بزنا، ولا باسم نكاح. والسادس: أن لا يعينوا أهل الحرب، ولا يؤوا عينًا لهم، ولا ينقلوا أخبار المسلمين إليهم. فهذه الستة تجب بالشرط، وفي وجوبها بالعقد قولان: أحدهما: تجب بالعقد، ويكون الشرط تأكيدًا، تعليلًا بدخول الضرر بها على المسلمين، فعلى هذا إن خالفوها انتقض عهدهم. والثاني: إنها لا تجب بالعقد، تعليلًا بدخولهم تحت القدرة، وخروجها عن لوازم الجزية، لكنها تلزم بالشرط، لتحريمها، وظهور الضرر بها، وقول رسول الله ﷺ : "المسلمون على شروطهم"، فعلى هذا إن خالفوها بعد اشتراطها، ففي انتقاض عهدهم بها قولان: أحدهما: ينقض بها عهدهم للزومها بالشرط. والثاني: لا ينتقض بها عهد، لخروجها عن لوازم العقد.

стр. 6570

أما القسم الثالث: وهو ما لا يجب بالعقد، ويجب بالشرط، وهو ما منعوا منه، لأنه منكر، فذلك ستة أشياء: أحدها: أن لا يعلو على المسلمين في الأبنية، ويكونوا إن لم ينخفضوا عنهم مساوين لهم. والثاني: أن لا يحدثوا في بلاد الإسلام بيعة، ولا كنيسة، وإن أقروا على ما تقدم من بيعهم وكنائسهم. والثالث: أن لا يجاهروا المسلمين بإظهار صلبانهم. والرابع: أن لا يتظاهروا بشرب خمورهم، وخنازيرهم، ولا يسقوا مسلمًا خمرًا ولا يطعمونهم خنزيرًا. والخامس: أن لا يتظاهروا بما قدره الشرع من قولهم: عزيز ابن الله، والمسيح. والسادس: أن لا يظهروا بتلاوة ما نسخ من كتبهم، ولا يظهروا فعل ما نسخ من صلواتهم وأصوات نواقيسهم. فهذه ستة تجب عليهم بالشرط، لأنها مناكير لزم المنع مناه بالشرع، فإن خالفوها، ففي بطلان عهدهم بها قولان على ما مضى. وأما القسم الرابع: وهو ما لم يجب بالعقد، واختلف في وجوبه بالشرط، وهو ما منعوا منه، لتطاولهم به، وذلك ستة أشياء: أحدها: أن يمنعوا من ركوب الخيل عتاقًا، وهجانًا، ولا يمنعوا من ركوب البغال والحمير. والثاني: تغيير هيئاتهم، بلبس الغبار وشد الزنار، ليتميزوا من المسلمين باختلاف الهيئة، ولواحدة نسائهم إذا برزت بأن يكون أحد الخفين أحمر، والآخر أسود ليتميز به نساؤهم. وأن يكون على أبوابهم أثر يتميز بها دورهم، فقد أخذ عمر ﵁، بعض أهل الذمة بذلك، فكان أولى. والثالث: أن يخفوا دفن موتاهم، ولا يظهروا إخراج جنائزهم. والرابع: أن لا يظهرا على موتاهم لطمًا، ولا ندبًا، ولا نوحًا. والخامس: أن لا يدخلوا مساجدنا صيانة لها منهم. والسادس: أن لا يتملكوا من رقيق المسلمين عبدًا، ولا أمة، لئلا يذلوهم بالاسترقاق، ويحملوهم على الارتداد. فهذه الستة إن لم تشترط عليهم لم تلزمهم، وفي لزومها إذا شرطت عليهم وجهان: أحدهما: لا تلزم لخروجها على محرم ومنكر، فعلى هذا إن خالفوها بعد

стр. 6571

اشتراطها، عزروا عليها، ولم ينتقض بها عهدهم. والثاني: أنها تلزم بالشرط، لقول النبي ﷺ : "الإسلام يعلو ولا يعلى عليه" فعلى هذا إذا خالفوها بعد الشرط، فعلى انتقاض عهدهم بها قولان على ما مضى. فأما القسم الخامس: وهو ما لا يجب بعقد، ولا شرط، وهو ما زاد على إذلالهم. وذلك ستة أشياء: أحدها: أن لا يعلو أصواتهم على المسلمين. والثاني: أن لا يتقدوا عليهم في المجالس. والثالث: لا يضايقوهم في الطريق، ولا يمشوا فيها إلا أفرادًا متفرقين. والرابع: أن يبدؤهم بالسلام، ولا يساووهم في الرد، فقد روي عن النبي ﷺ أنه قال: "اضطروهم إلى أضيق الطرق، ولا تبدءوهم بالسلام". والخامس: إذا استعان بهم مسلم فيما لا يستضروا به أعانوه. والسادس: أن لا يستبدلوا المسلمين من مهن الأعمال بأجر ولا تبرع. فهذه الستة تشترط عليهم إذلالًا لهم، فإن خالفوها لم ينتقض بها عهدهم، وجبروا عليها، إن امتنعوا منها، فإن أقاموا على الامتناع عزروا. فصل: فإذا تقرر ما ينتقض به العهد، ولا ينتقض، فإن لم ينتقض به عهدهم أخذوا بما وجب عليهم من الحقوق، وأقيم من قتل، ولزمه من حدّ، وقوموا به من تأديب وإن انتقض عهدهم، نظر حالهم بعد نقضهم، فإن قاتلوا بطل أمانهم، وكانوا حربًا يقتلون، ويسترقون، وإن لم يقاتلونا ففي بطلان أمانهم بانتقاض عهدهم قولان: أحدهما: نص عليه في كتاب الجزية أن أمانهم لا يبطل بنقض العهد، لأنه مستحق في عقد، فالتزمنا حكمه، وإن لم يلتزموه. ولا يجوز بعد نقض العهد أن يقروا في دار الإسلام لزم أن يبلغوا مأمنهم، ثم يكونوا بعد بلوغ مأمنهم حربًا. والثاني: نص عليه في كتاب النكاح من الأم أن أمانهم قد بطل، لأنه مستحق بالعهد، فبطل بانتقاضه ما استحق به كسائر العقود، فعلى هذا قد صاروا ببطلان الأمان حربًا، يجري عليهم حكم الأسرى إما الاسترقاق أو المنّ، أو الفداء، فلو أسلموا قبلها سقطت عنهم، ولم يجز أن يسترقوا، ويفادوا إسلامهم، وإن جاز استرقاق الأسير المحارب بعد إسلامه، لأن لهؤلاء أمانًا متقدمًا لم يكن للأسير، فصار حكمهم به أضعف وأخف من الأسير.

стр. 6572

وأما أمان ذراريهم من النساء والصبيان، ففي بطلان أمانهم وجهان: أحدهما: يبطلن لأنهم تبع في لزومه، فكانوا تبعًا في بطلانه، فيصيروا سببًا. والثاني: وهو أظهر - أن أمانهم لا يبطل لاستقراره فيهم، فلم يبطل ببطلانه في غيرهم، فلا يجوز أن يسبوا، ويجوز إقرارهم في دار الإسلام، فإن سألوا الرجوع لدار الحرب أعيد الصبيان، لأن لا حكم لاختيار من لم يبلغ، وأقام الصبيان حتى يبلغوا، ثم يخاطبوا بالجزية، فإن التزموها استؤنف عهدهم عليها، وإن امتنعوا منها بلغوا مأمنهم، ثم كانوا حربًا، فإن لم يبلغ الصغار مطلبهم أهلوهم من دار الحرب نظر. فإن كان طالبهم هو المستحق لحضانتهم أجيب إلى ردهم عليه، وإن كان غير المستحق لحضانتهم منع منهم. مسألة: قال الشافعي: "ولا يحدثوا في أمصار الإسلام كنيسة ولا مجمعًا لصلاتهم ولا يُظهروا فيها حمل خمرٍ ولا إدخال خنزيرٍ". قال في الحاوي: وهذا قد دخل في جملة القسم الثالث من منكراتهم، فيمنعوا من إحداث البيع والكنائس في أمصار المسلمين، لما روي مسروق عن عبد الرحمن بن غنم قال: لما صالح عمر بن الخطاب نصارى الشام كتب لهم كتابًا، فذكر فيه أنهم لا يبنون في بلادهم، ولا فيما حولها ديرًا ولا كنيسة، , ولا صومعة راهب وأن لا يمنعوا المارة من المسلمين وأبناء السبيل، وأن لا يجدوا ما خرب منها - ذكره أبو الوليد في المخرج على كتاب المزني، ولأن إحداثها معصية، لاجتماعهم فيها على إظهار الكفر، ولذلك أبطلنا الوقوف على البيع والكنائس، وعلى كتب التوراة والإنجيل، ولأنهم يقتطعون ما بنوه من غير إظهار الإسلام فيها، ويجب أن يكون الإسلام في دار الإسلام ظاهرًا، فلهذه الأمور الثلاثة منعوا. فإذا تقرر أن حكم بلاد الإسلام موضوعة على هذا لم يخل حالهم من ثلاثة أقسام: أحدها: ما أحياه المسلمون. والثاني: ما فتحوه عنوة. والثالث: ما فتحوه صلحًا. فأما القسم الأول: وهو ما ابتدأ المسلمون إنشاءه في بلاد الإسلام من موات لم يجر عليه ملك كالبصرة والكوفة، فلا يجوز أن يصالح لأهل الذمة في نزولها على إحداث بيعة ولا كنيسة فيها، لأنه لا يجوز أن يصالحوا على ما يمنع من الشرع، ويكون خارجًا

стр. 6573

من جملة صلحهم، وإن تمسكوا فيه بعقد الصلح قيل لهم: إن رضيتم بإبطال هذا منه، وإلا نقضنا عهدكم، وبلغناكم مأمنكم، ولا يبطل آمانهم نقضًا بعهدهم لأنن نحن نقضناه بما منع الشرع منه. فإن قيل: فقد نرى في هذه الأمصار بيعًا وكنائس كالبصرة والكوفة وبغداد، وهو مصر إسلامي بناه المنصور. قلنا: إن عملنا أنها أحدثت وجب هدمها، وإن علمنا أنها كانت قديمة في المصر قبل إنشائه لأن النصارى قد كانوا يبنون صوامع وديارات، وبيعًا في الصحاري ينقطعون إليها، فتقر عليهم، ولا تهدم، وإن أشكل أمرها، أقرت استصحابًا، لظاهر حالها. وأما القسم الثاني: وهو ما فتحه المسلمون عنوة من بلاد الشرك، فلا يجوزن أن يصالحوا على استئناف بيع وكنائس فيها، فأما ما تقدم من بيعهم وكنائسهم، فما كان منها خرابًا عند فتحها لم يجز أن يعمروه، لدروسها قبل الفتح، فصارت كالموات. فأما العامر من البيع والكنائس عند فتحها، ففي جواز إقرارها عليهم إذا صولحوا وجهان: أحدهما: يجوز إقرارها عليهم لخروجها عن أملاكهم المغنومة، وهو الصحيح، ولذلك أقرت البيع والكنائس في بلاد العنوة. والثاني: يملكها المسلمون عليهم، ويزول عنها حكم البيع والكنائس وتصير ملكًا لهم مغنومًا لا حق فيها لأهل الذمة، لأنه ليس لما ابتنوه منها حرمة، فدخلت في عموم المغانم، فعلى هذا إن يبعث عليهم، لتكون على حالها بيعًا وكنائس لهم، ففي جواز وجهان: أحدهما: يجوز استصحابًا لحالها. والثاني: لا تجوز لزوالها عنهم بملك المسلمين لها، فصارت كالبناء المبتدأ. وأما القسم الثالث: وهو ما فتحه المسلمون صلحًا، فضربان: أحدهما: أن نصالحهم على أن يكون ملك الدار لنا دونهم، ويسكنون معنا فيها بالجزية فينظر في بيعهم وكنائسهم، فإن استثنوها في صلحهم أقرت عليهم، لأن الصلح يجوز أن يقع عامًا في جميع أرضهم، وخاصًا في بعضهم، فيقروا عليهم بالصلح، يمنعوا من استحداث غيرها، وإن لم يستثنوها في صلح صارت كأرض العنوة هل يملك المسلمون بيعهم وكنائسهم إذا فتحوها؟ على ما تقدم من الوجهين. ويكون حكم هذا البلد في منع أهل الذمة في الأقسام الخمسة على ما قدمنا من أحكامنا. والثاني: أن يصالحهم على أن يكون ملك الدار له دوننا على جزية يؤدونها إلينا،

стр. 6574

عن رؤوسهم أو عن أرضهم أو عنهما جميعًا فيجوز أن يقروا على بيعهم وكنائسهم، ويجوز أن يستأنفوا فيها إحداث بيع وكنائس، إنه لم يجز عليها للمسلمين ملك. فأما الأقسام الخمسة التي يؤخذ أهل الذمة في بلاد الإسلام، فيؤخذ هؤلاء في بلدهم بقسمين منها، وهو الأول والثاني، لأن الأول هو المقصود بعقد الجزية وهي الأحكام الثلاثة، لأنهم قد صاروا بهذا الصلح من أهل الجزية. وبالقسم الثاني: وهي الشروط الستة، لأنها محرمات منع الشرع منها. فأما الأقسام الثلاثة الباقية من منكراتهم واستغلائهم، فلا يؤخذوا بها، ولا يمنعوا منها، لأنها دارهم، وهي دار منكر في معتقد وفعل، فكان أقل أحوالهم فيها أن يكونوا مقرين على ما يقرون عليه في بيعهم وكنائسهم في بلاد الإسلام. فصل: فإذا تقرر ما ذكرنا من حكم البيع والكنائس التي لا يجوز أن تستحدث، فهي ما كانت مجمعًا لصلواتهم، وما اختص بعباداتهم، وتلاوة كتبهم، ودراسة كفرهم، فهي المخصوصة بالخطر والمنع، فأما بناء ما سواها فضربان: أحدهما: أن تكون أملاكًا خاصة، يسكنها أربابها، فلا يمنعوا بنائها، ولا أن يبيعها المسلمون عليهم، ويشترونها منهم، لأنها منازل سكني، وليست بيوت صلاة. والثاني: أن يبنوا ما يسكنه بنو السبيل منهم لكل مار ومجتاز، ولا يختص أحد منهم بملكه، فينظر. فإن شاركهم المسلمون في سكناه، فجعلوه لكل مار من مسلم وذمي جاز، ولم يمنعوا من بقائه، وإن جعلوه مقصورًا على أهل دينهم دون المسلمين، ففي جواز تمليكهم من بنائه وجهان: أحدهما: يجوز، لأنه منزل سكن، فصار كالمنزل الخاص. والثاني: لا يجوز أن يمكنوا منه كالبيع والكنائس، لأنه صد صار مقصورًا عليهم عمومًا، ليتعبد فيه سابلتهم، فلم يكن بينه وبين البيع والكنائس فرق، وقد يؤول بهم إلى أن يصير بيعة أو كنيسة لهم. فصل: فأما ما استهدم من بيعهم وكنائسهم التي يجوز إقرارهم عليها مع عمارتها، ففي جواز إعادتهم لبنائها وجهان: أحدهما: وهو قول أبي سعيد الإصطخري: يمنعون من إعادة بنائها، ويكون إقرارهم عليها ما كانت باقية على عمارتها، لأن عمر ﵁ شرط على نصارى

стр. 6575

الشام أن لا يجددوا ما خرب منها. والثاني: يجوز لهم إعادة بنائها استصحابا لحكمها، وأن الأبنية لا تبقي علي الأبد، فلو منعوا من بنائها بطلت عليهم. والصحيح عندي من إطلاق هذين الوجهين أن ينظر في خرابها، فإن صارت دراسة متسطرفة كالموات منعوا من بنائها، لأنه استئناف إنشاء، وإن كانت شعثة باقية الآثار والجدران جاز لهم بناؤهم، ولو هدموها لاستئنافها لم يمنعوا، لأن عمارة المستهدم استصلاح وإنشاء الدارس استئناف. مسألة: قال الشافعي: "ولا يحدثون بناء يتطولون به بناء المسلمين" قال الحاوي: اعلم أنه لا تخلو مساكنهم في بلاد الإسلام من ثلاثة أقسام: أحدهما: أن يستأنفوا بناءها. والثاني: أن يستديموا سكناها. والثالث: أن يعيدوا بناءها. فأما القسم الأول: وهو أن يستأنفوا بناءها بعد العهد، فلا يخلو مجاورهم في موضعهم من مصر في ثلاثة أحوال: أحدهما: أن يكونوا مسلمين. والثاني: أن يكونوا من أهل دينهم. والثالث: أن يكونوا أهل ذمة من غير دينهم. فإن كان مجاورهم مسلمين، لم يكن لهم أن يعلوا بأبنيتهم علي أبنية المسلمين، فيطولوا علي أبنيتهم لقول النبي صلي الله عليه وسلم "الإسلام يعلو ولا يعلي" فإن علوا بأبنيتهم هدمت عليهم، وهل يمكنون من مساواتهم في الأبنية أم لا؟ علي وجهين: أحدهما: يمكنون من المساواة، لأنه قد أمن الاستعلاء والاستشراف. والثاني: يمنعون من المساواة حتى تنقص أبنيتهم عن أبنية المسلمين كما يمنعون من المساواة في اللباس والركوب، لقوله صلي الله عليه وسلم "الإسلام لا يعلو ولا يعلي". وهل يراعي المنع من الاستعلاء في موضعهم من المصر أو في جميعه علي وجهين: أحدهما: في موضعهم الذي هم فيه جيرة، لأن ما بعد عنهم، فقد أمن إشرافهم عليه.

стр. 6576

والثاني: يمنعون في جميع المصر أن يتطاولوا بالاستعلاء علي أهل المصر. وإن كان مجاورهم في موضعهم من أهل دينهم جاز لهم أن يتطاولوا فيه بأبنيتهم، فيعلو بعضهم علي بعض كما يعلو بعض المسلمين علي بعض، وهل يمنع جميعهم أن يعلو بأبنيتهم علي أبنية من لا يجاورهم من المسلمين في المصر أو لا؟ علي الوجهين المتقدمين. وإن كان مجاورهم في موضعهم أهل ذمة علي غير دينهم كاليهود مع النصارى، ففيه وجهان: أحدهما: أنه يجوز أن يتعالي بعضهم علي بعض في الأبنية، لأن جمعيهم أهل ذمة. والثاني: يمنع بعضهم على بعض إذا استعدونا، ولا يمنعون من المساواة، لأن علينا أن نمنع كل صنف منهم مما نمنع به أنفسنا. وأما القسم الثاني: من مساكنهم أن تكون قديمة الأبنية، إما لأنهم سكنوها قبل صلحهم، أو لأنهم اشتروها من مسلم بعد الصلح، فيجوز إقرارهم عليها، وإن استعلوا بها علي المسلمين، كما نقرهم علي ما تقدم من البيع والكنائس، وإن منعوا من استحداثها، لكنهم يمنعون من الإشراف على المسلمين، وأن لا يعلوا على سطوحها إلا بعد تحجيرها، وإن لم يؤمر المسلم بتحجير سطحه من جاره، ويمنع من صبيانهم م الإسراف، وإن لن يمنع صبيان المسلمين من الإشراف، فيصيروا مأخوذين من المنع من إشرافهم علي المسلمين كما يؤخذ المسلم بالمنع من إشرافه علي جاره المسلم، ويؤمر بالتحجير، وإن لم يؤمر به المسلم، لأن المسلم مأمون وهم غير مأمونين. وأما القسم الثالث: وهو أن يعيدوا أبنية مساكنهم بعد استهدامها، ففيها وجهان: أحدهما: أنهم يصيرون كالمستأنفين لبنائها، فيمنعوا من الاستعلاء بها علي المسلمين، وإن كانت عالية قبل هدمها وهذا علي الوجه الذي يمنعون من إعادة بيعهم وكنائسهم إذا استهدمت. والثاني: أنهم لا يمنعون من إعادتها بعد الهدم إلي ما كانت عليه قبل الهدم من العلو الطائل، وهذا علي الوجه الذي تقول فيه أنهم لا يمنعون من إعادة بيعهم وكنائسهم إذا استهدمت. فأما إذا أرادوا أن يرتفقوا في أبنيتهم بإخراج الرواشين والأجنحة إلي طرق السابلة ففيها وجهان: أحدهما لا يمنعون ارتفاقهم بها كالمسلمين، لاشتراكهم في استطراقها. والثاني: يمنعون منها، وإن لم يمنع منها المسلمون، لأنها طرق المسلمين دونهم كما يمنعون من إحياء الموات الذي لا يمنع منه المسلم، وهكذا القول في آثار حشوشهم

стр. 6577

إذا أرادوا حفرها في أفنية دورهم كان علي هذين الوجهين. مسألة: قال الشافعي: "وأن يقروا بين هيئتهم في الملبس والمركب وبين هيئات المسلمين وأن يعقدوا الزنانير علي أوساطهم". قال في الحاوي: أما الفرق بين أهل الذمة والمسلمين في هيئات الملبس والمركب، فيؤخذون به في عقد ذمتهم مشروطا عليهم، ليتميزوا به، فيعرفوا، ولا يتشبهوا بالمسلمين، فيخفوا، لما بينهم وبين المسلمين، من افتراق الأحكام. والفرق بينهم وبين المسلمين في الهيئات معتبر من ثلاثة أوجه: أحدهما: في ملابسهم. والثاني: في أبدانهم. والثالث: في مواكبهم. فأما المعتبر في ملابسهم فالاختيار أن يجمع فيه بين أمرين: أحدهما: لبس الغيار. والثاني: شد الزنار. فأما الغيار: فهو أن يغيروا لون ثوب واحد من ملابسهم ولا يلبس المسلمون مثل لونه، إما في عمائهم، وإما في قمصهم، ويكونوا فيما سواه مثل ملابس المسلمين، ويفرق بين غيار اليهود والنصارى، ليتميزوا، وعادة اليهود أن يكون غيارهم العسلي، وهو المائل إلي الصفرة كالعسل، وربما غيروا بنوع من الأزرق يخالف معهود الأزرق، وغيار النصارى أن يكون غيارهم الأدكن، وهو نوع من الفاختي، وربما غيروا بنوع من الصوف وليست هذه الألوان شرطا لا يتجاوز إنما الاعتبار بلون متميز فإذا صار مألوفا منعوا من العدول عنه وإلي غيره، لئلا يقع الاشتباه والإشكال، فإن تشابه اليهود والنصارى في لون الغيار جاز، وإن كان تميزهم فيه أولي. وأما الزنار فهو كالخيط المستغلظ يشدونه في أوساطهم فوق ثيابهم، وأرديتهم، ويمنعوا أن يستبدلوا بشد المناطق والمنديل، لأن المنطقة من لبس المتخصصين بالرتب من المسلمين، والمناديل في الأوساط من لبس ذوى الصنائع من المسلمين، فلم يتميز بها أهل الذمة، وجميع الألوان من الزنانير سواء بخلاف الغيار، لأن أصل الزنار كالغيار. فإن شرط علي أهل الذمة أحد الأمرين في غيار أو زنار جاز، لأنهم يتميزون به، وإن شرط عليهم الجمع بين الغيار والزنار أخذوا بهما معا، لأنه أبلغ في التميز من أحدهما.

стр. 6578

فأما نساء أهل الذمة، فيؤخذون بلبس الغيار في الخمار الظاهر الذي يشاهد، ويلبسوا خفين من لونين أحدهما: أسود، والآخر: أحمر أو أبيض، ليتميز نسائهم عن نساء المسلمين، ويؤخذوا بشد الزنار دون الخمار، لئلا تصفها بثيابها بعد أن يكون ظاهرا، فإن اقتصر النساء علي التميز بأحدهما جاز، وإن كان الجمع بين الثلاثة أولي، فإن لبس أهل الذمة العمائم والطيالسة، لم يمنعوا. وقال أبو حنيفة وأحمد بن حنبل: يمنعون من لبس العمائم والطيالسة، لأنها من أجمل ملابس المسلمين، وهذا ليس بصحيح، لأن المقصود تميزهم عن المسلمين، فإذا تميزوا بالغيار والزنار جاز أن يساووهم في صفات ملابسهم كما يساووهم في أنواع مأكلهم. وأما لبس فاخر الديباج والحرير، فلا يمنعون منه في منازلهم، وفي منعهم منه ظاهرا وجهان: أحدهما: يمنعون منه لما فيه من التطاول به علي المسلمين. والثاني: لا يمنعون منه كما لا يمنعون من فاخر الثياب القطن والكتان، لأنهم يصيرون متميزين بلبسه من المسلمين، لتحريم لبسه عليهم. فصل: وأما الفرق المعتبر في أبدانهم، فمن وجهين: أحدهما: في شعورهم. والثاني: في أجسادهم. فأما الشعور فيميزون فيها من وجهين: أحدهما: أن ينحذفوا في مقدم رؤوسهم عراضا تخالف شوابير الأشراف. والثاني: لا يفرقوا شعورهم في رؤوسهم، ويرسلونها ذوائب، لأن هذا من المباهاة بين المسلمين. وأما في أجسادهم، فهو أن تطبع خواتيم الرصاص مشدودة، في أيديهم أو رقابهم، وهو أولي، لأنه أزل، وإنما أخذوا بالتميز في أبدانهم في هذين الوجهين، لأمرين: أحدهما: عند دخول الحمامات، فإذا تجردوا فيها من ثيابهم، وقد اختير أن يدخلوها وفي أيديهم جلجل. والثاني: لأنهم ربما وجدوا موتي، ليعرفوا، فيدفعوا إلي أهل دينهم، فيدفنوهم في مقابرهم ولا يتشبهوا بالمسلمين، فيصلوا عليهم، ويدفنوهم في مقابرهم، ولا يجوز أن يميزوا بميسم ولا وسم، لأنه مؤلم وغير مأثور، فإن اقتصروا علي أحد الأمرين في أبدانهم إما بالشعور أو بخواتيم الرصاص المطبوعة جاز، لوقوع التمييز به، إن كان

стр. 6579

الجمع بينهما أولي، لأنه أظهر. فأما النساء فلا يعرض لتحذيف شعورهن، ويمنعوا من الفرق والذوائب في الحمامات دون منازلهم، وهن في طابع خواتيم الرصاص إذا خرجن كالرجال. فصل: فأما الفرق المعتبر في مراكبهم فمن وجهين: أحدهما: في جنس المركوب. والثاني: في صفة المركوب. فأما جنس المركوب، فيركبون البغال والحمير، ويمنعون من ركوب الخيل. عتاقا، وهجانا، لقول الله تعالي: ﴿وأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ ومِن رِّبَاطِ الخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال: ٦٠]. فأخبر بإعدادها لأوليائه في جهاد أعدائه. وروى عن النبي صلي الله عليه وسلم أنه قال: "الخيل معقود بنواصيها الخير إلي يوم القيامة" يعني بالخير الغنيمة، وهم المغنومون، فلم يجز أن يصيروا بها غانمين. وروى أنه قال: "الخيل ظهورها عز وبطونها كنز". وأما صفة المركوب، فيختار أن يركبوا علي الأكف، عرضا لرواية عبد الله بن دينار عن ابن عمر أن عمر بن الخطاب كتب إلي أمراء الأجناد يأمرهم أن يختتموا في رقاب أهل الذمة بالرصاص، وأن يظهروا مناطقهم، ويجزوا ونواصيهم، ويركبوا الأكف عرضا، ولا يتشبهوا بالمسلمين في لبوسهم. فأما الختم بالرصاص في رقابهم، فقد ذكرنا،، أما إظهار مناطقهم، فهو شد الزنار في أوساطهم فوق ثيابهم،، أما جز نواصيهم فهو ما ذكرنا من تحذيفهم في مقدم رؤوسهم. وأما ركوب الأكف عرضا فهو أن تكون رجلا الراكب إلي جانب، وظهره إلي جانب، فإن تجاوز الأكف إلي ضده بحمل الأثقال إلي السروج بما تميز من سروج المسلمين، وكانت ركبهم فيها خشبا، ولم تكن حديدا، ويمنعون من تختم الفضة والذهب لما فيها من التطاول والمباهاة، ولو وسمت بغالهم من تختم الفضة والذهب لما فيها من التطاول والمباهاة، ولو سمت بغالهم بما يتميز به عما للمسلمين كان أولي. مسألة: قال الشافعي: "ولا يدخلوا مسجدا". قال في الحاوي: وهذا معتبر بعقد الذمة معهم، فإن شرط فيه أن لا يدخلوا مسجد المسلمين منعوا من دخوله بحكم الشرط، وإن أغفل شرطه عليهم منعوا من دخوله لأكل

стр. 6580

ومنام، لما فيه من استبدالهم له، وإن لم يمنع منه المسلم، لأن المسلم يعتقد تعظيمه دينا، والمشرك يري استبداله دينا. وأما دخولها لغير ذلك من سماع القرآن، وما يعرض فيه من حاجة إلي مسلم، فيجوز بإذن ويمنعون منه بغير إذن. قال الله تعالي: ﴿وإنْ أَحَدٌ مِّنَ المُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦] فدلت هذه الآية علي إباحة الدخول بعد الإذن. فإن قدمت وفود المشركين، فالأولي أن ينزلهم الإمام في غير المساجد، فإن أراد إنزالهم في المساجد اعتبرت حالهم. فإن خيف منهم تنجيس المسجد منعوا من نزوله، وإن أمن منهم تنجيسه نظر فيه، إن لم يرج إسلامهم منعوا من نزوله صيانة له من الاستبدال، وإن رجي إسلامهم عند سماع القرآن جاز إنزالهم فيه. قد أنزل رسول الله صلي الله عليه وسلم وفد ثقيف في المسجد، فكان سببا لإسلامهم، وإسلام قومهم. ولو دعت الضرورة فيمن لم يرج إسلامهم إلي إنزالهم في المسجد لتعذر ما ينزلون فيه، مستكنين فيه من حر أو برد جاز لأجل الضرورة أن ينزلوا، لأن رسول الله صلي الله عليه وسلم أنزل سبي بني قريظة وبني النضير من ضرورة حتى أمر بهم، فبيعوا وربط ثمامة بن أثال الحنفي إلي سارية في مسجده. فأما من يصح منه الإذن ن فلا يخلو أن يكون لمقام أو اجتياز، فإن كان لمقام أكثر من ثلاثة أيام تزيد علي مقام السفر لم يصح الإذن فيه إلا من سلطان ينفذ أمره في الدين أو يجمع عليه أهل تلك الناحية من المسلمين، ويكون الإذن مشروطا أن لا يستضر به أحد من المصلين. وإن كان دخوله لاجتياز أو لبث يسير نظر في المسجد. فإن كان في الجوامع التي لا يترتب الأئمة فيها إلا بإذن السلطان لم يصح الإذن في دخوله إلا من سلطان لأنه لما اعتبر إذنه في إمامة الصلاة المفروضة، كان أولي أن يعتبر فيما أبيح من دخول أهل الذمة. وإن كان المسجد من مساجد القبائل والعشائر التي يترتب فيها أئمتها بغير إذن السلطان لم يعتبر إذن السلطان في دخوله. وفيمن يصح إذنه وجهان: أحدهما: كل من صح أمانه لمشرك من رجل وامرأة، وحر وعبد، صح إذنه في المسجد، لأن حكم الأمان أغلظ. والثاني: أنه لا يصح إلا إذن من كان من أهل الجهاد من الرجال الأحرار، لما

стр. 6581

تعلق بهم حق الله تعالي، والأول أظهر. فصل: فأما تعليمهم القرآن، فيجوز به إذا رجي به إسلامهم، ولا يجوز إذا خيف به الاستهزاء به. قد سمع عمر بن الخطاب أخته تقرأ سورة "طه" فأسلم. وقال جبير بن مطعم: إذا سمعت القرآن كاد أن ينقطع قلبي. وهكذا القول في تعلم الفقه والكلام، وإخبار الرسول إن رجي به إسلامهم لم يمنعوا منه، وإن خيف اعتراضهم وجرحهم فيه منعوا منه، ولا يمنعون من تعليم الشعر والنحو، ومنعهم بعض الفقهاء من تعلمه، لأنه في استقامة ألسنتهم به تطاولا علي من قصر فيه من المسلمين، وأنهم ربما استعانوا به في الاعتراض علي القرآن. وهذا فاسد، لأنه ليس من حلوم الدين وأشبه علم الطب والحساب، ولأن الله تعالي قد صان كتابه عن قدم بدليل، واعتراض بحجة. مسألة: قال الشافعي: "ولا يسقوا مسلمًا خمرًا ولا يطعموه خنزيراً". قال في الحاوي: وهذا صحيح، ولهم في ذلك ثلاثة أحوال: أحدهما: أن يكرهوا المسلمين علي شرب الخمر، وأكل الخنزير، فإن التبعة فيه عليهم لا علي المسلم، فيعزروا سواء شرط عليهم في عهدهم أو لم يشرط، ولا ينتقض به العهد إن لم يشترط، وفي انتقاضه به إن شرط وجهان. والحال الثانية: أن يغلبهم المسلم عليه كرها، فيشرب خمرهم، ويأكل خنزيرهم، فيقام علي المسلم حد الخمر، ويعزر لأكل الخنزير، ويعزر في حق أهل الذمة، لتعديه عليهم، ولا قيمة عليه، فيما شربه من الخمر وأكله من الخنزير. والحالة الثالثة: أن يعرضوه علي المسلم من غير إكراه ويقبله المسلم منهم من غير تغليب، فيقام علي المسلم حد الخمر في حق الله تعالي، ولا يعزر في حقهم، ويعزر الذمي، إن كان ذلك مشروطا في عهدهم، ولا يعزر إن لم يشترط، وهكذا لو ابتدأ المسلم بطلبه، فأجابوه إلا أن تعزيزهم في الابتداء بعرضه أغلظ من تعزيزهم في إجابتهم، وإن استوت الحالات في حد المسلم وتعزيزه.

стр. 6582

مسألة: قال الشافعي: "فإن كانوا في قرية يملكونها منفردين لم نتعرض لهم في خمرهم وخنازيرهم ورفع بنيانهم وإن كان لهم بمصر المسلمين كنيسة أو بناء طائل لبناء المسلمين لم يكن للمسلمين هدم ذلك وتركوا علي ما وجدوا ومنعوا إحداث مثله وهذا إن كان المصر للمسلمين أحيوه أو فتحوه عنوة وشرط هذا علي أهل الذمة وإن كانوا فتحوا بلادهم علي صلح منهم علي تركهم ذلك خلوا وإياه ولا يجوز أن يصالحوا علي أن ينزلوا بلاد الإسلام يحدثوا فيه ذلك". قال في الحاوي: وهذا صحيح، وقد ذكرناه من قبل أن تفردوا بملكه وسكناه من القرى والبلاد لم يتعرض عليهم في إظهار خمورهم وخنازيرهم فيه، وضرب نواقيسهم، وابتناء بيعهم وكنائسهم، وتعلية منازلهم، وترك الغيار والزنار ولأنها زادهم، فأشبهت دواخل منازلهم. فأما ركوبهم الخيل فيها فيحتمل وجهين: أحدهما: لا يمنعون من ركوبها كما لم يمنعوا مما سواها. والثاني: يمنعون من ركوبها، لأنها ربما صارت قوة لهم تدعوهم إلي نقض العهد، فخالفت بذلك ما سواها، ثم ذكر الشافعي بعد هذا من حكمهم في بلاد الإسلام التي فتحت عنوة وصلحا ما قد مضي شرحه. مسألة: قال الشافعي "ويكتب الإمام أسماءهم وحلاهم في ديوان ويعرف عليهم عرفاء لا يبلغ مولود، ولا يدخل فيهم أحد من غيرهم إلا رفعه إليه". قال في الحاوي: وهو كما قال، لأن عقد الذمة موضوع للتأبيد، فاحتاج إلي ديوان يفرد له، وقد ديوان الجوالي، لأنهم أجلوا عن الحجاز، فسموا جوالي، وهذا الديوان موضوع فيهم لثلاثة أشياء: أحدهما: أن يذكر فيه عقد ذمتهم، ومبلغ ما صولحوا عليه من قدر جزيتهم، وما شرط عليهم من الأحكام، ليحملوا عليها فيما عليهم، ولهم ممن تولاه من الأئمة، وذكر الإمام احتياط، وليس بواجب. والثاني: أن يكتب فيه اسم كل واحد منهم، ويرفع في نسبه وفبيلته، وصناعته حتى يتميز عن غيره، ويذكر حلية بدنه التي لا تتغير بالكبر كالطول والقصر، والبياض والسمرة، والسواد، وحليه الوجه، والأعضاء، ليتميز إن وافق اسم اسما، ويذكر فيه الذكور من أولادهم دون الإناث، لاعتبار الجزية ببلوغ الذكور دون الإناث، وإن لأحدهم مولود

стр. 6583

أثبته، وإن مات منهم ميت أسقطه. والثالث: أن يثبت فيه ما أدوه الجزية، ليعلم به ما بقي وما استوفي، ويكتب لهم بالأداء براءة يكتب اسم المؤدي، ونسبه، وحليته، ليكون حجة له تمنع من مطالبته، ويختار أن يكون حول الجزية معتبرا بالمحرم، لأنه أول السنة العربية، وتعبر فيه السنة الهلالية كما تعتبر في الزكاة. فصل: وإذا تقرر ما وصفنا من حكم ديوانهم عرف الإمام عليهم العرفاء وضم إلي كل عريف قوما معينين أثبت معهم اسم عريفهم في الديوان ويكونوا عددا يضبطهم العريف الواحد فيما ندب له. والعريف مندوب لثلاثة أشياء: أحدهما: أن يعرف حال من ولد فيهم، فيثبته، وحال من مات منهم، فيسقطه، ومن قدم عليهم من غريب، ومن مسافر عنهم، ومقيم، ويثبت جميع ذلك في ديوانهم. ولا يجوز أن يكون من قام بهذا من الوفاء إلا مسلما يقبل خبره. وجوز أبو حنيفة أن يكون ذميا بناء علي أصله في قبول شهادة بعضهم لبعض. والثاني: أن يعرف حال من دخل في جزيتهم، ومن خرج منها فيثبته، والداخل فيها: الصبي إذا بلغ، والمجنون إذا أفاق، والعبد إذا عتق والخارج منها: من مات أو جن بعد إفاقته، أو افتقر بعد غناه علي أحد القولين، وكذلك من عمى او زمن، ويعرف حال من نقض عهده، ولا يجوز أن يكون من قام بهذا من العرفاء إلا مسلم. والثالث: أن يحضرهم إذا أريدوا لأداء الجزيرة، ولاستيفاء حق عليهم، وليشكوا إليه، ما ينهيه عنهم إلي الإمام من حق لهم يستوفونه، أو من تعدي مسلم عليهم يكف عنهم، ويجوز أن يكون من قام بهذا من العرفاء ذميا منهم، لأنها نيابة عنهم، لا يعمل فيها علي خبره. مسألة: قال الشافعي: "وإذا أشكل عليه صلحهم بعث في كل بلاد فجمع البالغون منهم ثم يسألون عن صلحهم فمن أقر بأقل الجزية قبل منه ومن أقر بزيادة لم يلزمه غيرها". قال في الحاوي: وهذا صحيح، إذا عقد الإمام معهم الذمة علي جزية وشروط يجوز مثلها، وجب علي من بعده من الأئمة إمضاء عهده، وأجري أهل الذمة فيه علي شرطه، لأن عقد الذمة مؤبد. فإن كان في عقده ما يمنع من الشرع، وهو أن يصالحهم علي أقل من دينار، أو

стр. 6584

يشترط لهم شروطا يمنع الشرع منها أبطل الإمام بعده ذلك، واستأنف الصلح معهم علي ما يجوز في الشرع، فإن أجابوا إليه غير في الديوان ما تقدم من الصلح الفاسد، وأثبت فيه ما استأنفه من الصلح الجائز. إن امتنعوا من إجابتهم إليه نقص عهدهم، وبلغهم منهم، وعادوا حرما. فصل: فإذا تقرر هذا، وتطاول الزمان، وأشكل علي إمام الوقت قدر جزيتهم، فإن استفاضت بها الأخبار، وانتشر ذكرها في الأمصار، عمل فيها علي الخبر المستفيض. وإن لم يعرف استفاضتها رجع إلي شهادة العدول من المسلمين، فإذا شهد منهم عدلان بمقدار من الجزية يجوز أن يصالحوا علي مثله حكم بشهادتهم، وإن لم يشهد به عدلان، وكان في ديوانهم الموضوع بجزيتهم قدر جزيتهم، وشروطهم صلحهم، فإن ارتاب به ولم يقع في النفس صحته، لخطوط مشتبهة، لم يجز أن يعمل عليه. وإن انتفت عنه الريبة، وكان تحت ختم أمناء الكتاب، ففي جواز العمل عليه وجهان: أحدهما: لا يجوز العمل عليه في حقوق بيت المال، كما لا يجوز أن يعمل عليه القضاة والحكام، وعلي هذا لو ادعي ذمي دفع جزيته ببراءة أحضرها لم يبرأ بها. والثاني: يجوز أن يعمل عليه في حقوق بيت المال اعتبارا بعرف الأئمة فيه، لأن الديوان موضوع له، وكما يجوز في رواية الحديث أن يعمل الراوي علي خطه إذا تحققه، وخالف ما عليه القضاة والحكام من العمل بما دواوينهم من وجهين: أحدهما: أن حقوق بيت المال عامة، فكان حكمها أوسع، وأحكام القضاة خاصة، فكان حكمها أضيق. والثاني: أن حقوق بيت المال لا يتعين مستحقها، وبتعذر من يتولي الإشهاد فيها، وحقوق الخصوم عند القضاة، يتعين مستحقها، ولا يتعذر عليه أن يتولي الإشهاد فيها. وعلي هذا لو ادعي ذمي جزيته ببراءة أحضرها تقع في النفس صحتها برئ منها. فصل: فإن لم يجد الإمام ما يعمل عليه من جزيتهم من خبر مستفيض، ولا شهادة خاصة، ولا ديوان موثوق، بصحته أو وجده، وقلنا: إنه لا يجوز أن يعمل به، فعليه أن يجمع أهل الذمة من جميع الأمصار، ويسألهم عن قدر جزيتهم، والأولي أن يسألهم أفرادا غير مجتمعين، فإذا اعترفوا بقدر يجوز أن تكون جزية لم يقبل منهم، وكان معهم (على) ما

стр. 6585

مضى، لو صولحوا على ما لا يجوز. وإن اعترفوا بقدر يجوز أن يكون جزية قبله منهمـ ولهم فيه حالتان: إحداهما: أن يتفقوا جميعًا على القدر، فيعمل عليه مع جميعه بعد إحلافهم عليه، واليمين واحدة. والثانية: أن يختلفوا فيها، فيقر بعضهم بدينار، ويقر بعضهم بأكثر، فيلزم كل واحد منهم ما أقر به، ولا تقبل شهادة بعضهم على بعض، وإن جوزه أبو حنيفة. ويكتب الإمام في ديوان الجزية أنه رجع إلى قولهم حين أشكل عليهم صلحهم، فاعترفوا بكذا وكذا. وإن اختلفوا أثبت أسماء المختلفين، وما لزم كل واحد بإقراره، وأنه أمضاه بعد إحلافه؛ لجواز أن تتجدد بينة عادلة، يخالفها، فيحكم بها، وإن قامت بينة بأكثرها أقروا به عمل عليها، واستوفى ما لم يأخذه من الزيادة، وعاد إلى ديوانه، فأثبت ما قامت به البينة، بعدما أخذ من الإقرار، وصار ذلك حكمًا مؤبدًا، والله أعلم. مسألة: قال الشافعي: "وليس للإمام أن يصالح أحدا منهم على أن يسكن الحجاز بحال ولا يبين أن يحرم أن يمر بالحجاز مارا لا يقيم بها أكثر من ثلاث ليال وذلك مقام مسافر، لاحتمال أمر النبي ﷺ بإجلائهم عنها أن لا يسكنوها ولا بأس أن يدخلها الرسل لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ﴾] التوبة: ٦] الآية ولولا أن عمر ﵁ أجل من قدم المدينة منهم تاجرا ثلاثة أيام لا يقيم فيها بعد ثلاث لرأيت أن لا يصالحوا على أن لا يدخلوها بحال ولا يتركوا يدخلونها إلا بصلح كما كان عمر ﵁ يأخذ من أموالهم إذا دخلوا المدينة". قال في الحاوي: اعلم أن بلاد الإسلام ثلاثة أقسام: حرم، وحجاز، وما عداهما فأما الحرم، فهو أشرفها، لما خصه الله تعالى من بيته الحرام الذي علق عليه الصلاة والحج، وشرفه بهاتين العبادتين ما ميزه من سائر البلاد بحكمين: أحدهما: أن لا يدخله قادم إلا محرم بحج أو عمرة. والثاني: تحريم صيده أن يصاد، وشجره أن يعضد. ولما كانت له هذه الحرمة، فلا يجوز أن يدخله مشرك من كتابي، ولا وثني لمقام، ولا اجتياز. وقال أبو حنيفة: يجوز دخولهم إليه للتجارة وحمل الميرة من غير استيطان ويمنعون
следующие страницы →