← Фикх шафии

Фикх шафии · id 16934

بحر المذهب للروياني

عَبْد الواحِد الرُّوْياني

Полный текст (7 151 стр.). Показаны 6826–6865 · переход к 6831.

стр. 6826

اليمين على طالب الحق "رواه الدارقطني بإسناده وأما ما رواه فلا حجة فيه لأنه أراد به ابتداء، وأما ما قال مالك رحمه الله تعالى فلا يصح لأن ما يثبت بإقرار المدعى عليه يثبت باليمين مع النكول كدعوى المال ولأن نكول المدعى عليه أقوى من الشاهد لأنه حجة من جهة المدعى عليه فهو في معنى إقراره، وقد ذكرنا أن لأيمان تدخل في الأنساب والطلاق والعتاق والقسامة والنكاح والرجعة والولاء خلافًا لأبي حنيفة ﵀ وخالف أبو يوسف ومحمد وقال مالك وأحمد رحمهم الله تعالى: لا تعرض اليمين فيما لا يثبت إلا بشاهدين ذكرين، وروي عن أحمد أنه يستحلف في دعوى القصاص والقذف والطلاق والعتاق. ثم اشتغل الشافعي ﵁ بالمناظرة في هذه المسألة فقال: فإن قيل كيف اختلفت في الحدود والطلاق والنسب وجعلت الأيمان كلها تجب على المدعى عليه ثم كلها مردودة على المدعي؟ قلنا: إنما قلنا به استدلالاً بالكتاب والسنة ثم الخبر [١٢/ ١٧٣ ب] عن عمر ﵁ وأما الكتاب فهو أن الله تعالى حكم على القاذف غير الزوج بالحد ولم يجعل له مخرجًا إلا بأربعة شهداء، وأخرج الزوج من الحد بأن استحلف أربع ويلتعن فخامسة فيسقط عنه الحد ويلزمها أن تخرد بأربع أيمان والتعانها من الحد أفضل هذا ما ادعى الشافعي من الكتاب فإن قال: قابل هذا الاحتجاج كيف يستقيم وقد علم أن الخصم لا يسمى اللعان يمينًا وأن الحد عند لا يجب عن المرأة بنكولها عن اللعان ويقولون أيضًا: لا يجب الحد على الزوج إذا أنكل والمحتج بما لا يستقيم إلا على أصله خاطئ، والجواب من وجهين: أحدهما: أن ذلك مستقيم على وجه البقاء فإذا لم يسلم الخصم صار الكلام منقولاً إلى هذه الأصول وللمسئول البناء والشافعي نصب نفسه مسئولاً ألا ترى قال: فإن قيل: كيف أجريت الإيمان في هذه المواضع؟ والجواب الثاني أن هذا الاستدلال منه، وإن كان على خلاف مذهب الخصم فلا يضر إثبات مسائل يدل مسألة واحدة وهذه طريقة قوية في المناظرة وبيانها أنا إذا سئلنا عن الأيمان ثم أجريناها في الحدود فاحتججنا باللعان كما احتج الشافعي فقال: اللعان بشهادة أمكننا أن نثبت بهذه الآية كونه يمينًا لاشتراط لفظ [١٢/ ١٧٤ أ] يمين وأن الرجل لا يشهد بنفسه ويحلف لنفسه، وإذا قال الخصم: أنا لا أوجب الحد عليها أمكننا بهذه الآية وجوب الحد عليها لأن الله تعالى قال: ويدرأ عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات بالله وكان المتقدمون على مثل هذه المناضرة أحرص وإليها أسرع لأنها أكثر فائدة وأجمع علمًا وكأن مناظرة المزني هذا الوجه، وقد قال الشافعي ﵁: في المزني حين أقبل يومًا من أحب أن ينظر إلى رجل يقطع الشيطان في النظر فلينظر إلى هذا. وأما السنة التي أدعاها في أول الباب ما روي "أن النبي صل الله عليه وسلم قال للأنصار: من أن تحلفون وتستحقون دم صاحبكم فلما لم يحلفوا رد الأيمان على يهود ليبرؤوا بها فلما لم يقبلها الأنصار تركوا حقهم فلما خاف رسول الله صل الله عليه وسلم ثائرة الفتنة ودي الأنصاري من عنده بمائة من الإبل ". فقد حول النبي صل الله عليه وسلم اليمين من حيث وضعها في الابتداء. وإنما خبر عمر ﵁ الذي ادعاه فهو ما روي أن عمر ﵁ جعل الأيمان

стр. 6827

على المدعى عليهم فلما لم يحلفوا ردها على المدعين، وكل هذا تحويل يمين من موضع قد بدأت فيه إلى الموضع الذي يخالفه. ثم احتج الشافعي بحديث آخر على الابتداء بعد ما خرج عن هذه دعواه المسابقة فقال: [١٢/ ١٧٤ ب] قال رسول الله صل الله عليه وسلم: وعلى المدعى عليه اليمين فلا يجوز أن يكون على مدعى عليه دون غيره وهو على عمومه في النكاح والطلاق والحدود ولا تخصيص إلا بخبر لازم، وقد روى زيد بن ثابت ﵁ أن النبي صل الله عليه وسلم قال: "من طلب طلبة بغير شهود فالمطلوب أولى باليمين "، وروي أن حذيفة ﵁ عرض جمل له سرق فخاصم فيه إلى قاضي المسلمين فصارت على حذيفة يمين في القضاء فأراد أن يشتري يمينه فقال: لك عشره فأبى، قال: لك عشرون فأبى، قال: لك ثلاثون فأبى، قال: لك أربعون فأبى، قال حذيفة: أتراني أترك جملي فحلف بالله أنه جمله ما باعه ولا وهبه، وهذا دليل على رد اليمين. وقال الشافعي ﵁: ولا بأس أن يفتدي الرجل يمينه وبه قال مالك رحمه الله تعالى، وعن جبير بن مطعم ﵁ أنه فدى يمينه بعشرة آلاف درهم. واحتج بحجة أخرى من الخبر الذي ذكر قال: قال النبي صل الله عليه وسلم: البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه وهما لفظتان من رسول الله صل الله عليه وسلك ومخرجهما سواء فكيف يجوز أن يقال: إن جاء المدعي بالبينة أخذ حقه، وإن لم يبطل حقه لعجزه ولكن يحدث له حكم آخر وهو استحلاف المدعى عليه وفي جانب المدعى عليه يقال: اليمين حقه، فإن لم يات بها [١٢/ ١٧٥ أ] هل يجب أن يقال: إن لم يأت باليمين حدث له حكم غيرها وهو رد اليمين كما حدث لمدعي إن لم يأت بها عليه حكم غيره وهو اليمين، وإذا ترك النبي صل الله عليه وسلم اليمين من حيث وصفها فكيف لم تحول [.......]. فرع آخر قال ابن أبي أحمد: لا يقوم النكول مقام الإقرار إلا في خمس مسائل إحداها: إذا جاء الساعي إلى رب الماشية فطالبه بزكاة الماشية فقال: أديتها إلى بياع آخر ولم يحل عليها الحول قال الشافعي: صدقه فإن اتهمه أحلفه فإن نكل عن اليمين سمعت ابن جريج يقول أخذت صدقته. والثانية: قال الشافعي ﵁: لو أن رجلاً من اهل الذمة غاب في بعض السنة ثم رجع مسلمًا بعد تمام السنة وقال: كنت أسلمت وسقطت عني الجزية فالقول قوله فإن حلف سقطت الجزية وإن أبى أن يحلف حكم عليه بالجزية. والثالثة: قال الشافعي ﵁: لو أنا كشفنا عن ذراري أهل الحرب فوجدنا منهم من قد أنبت فقال: مسحت به دواء حتى نبت فالقول قوله مع يمينه، فإن أبى أن يحلف قتل. والرابعة: قال رب النخل: قد أحصيت مكيلة ما أخذت وهو كذا وقد أخطأ الخارص أو أصابته جائحة صدق، فإن اتهمه أحلفه، فإن نكل حكم عليه

стр. 6828

بالنكول تخريجًا. والخامسة: لو طلب أن يعطي سهم المقاتلة [١٢/ ١٧٥ ب] وذكر أنه محتلم وحلف أعطي، وإن أبى أن يحلف حكم عليه بالنكول ولم يعط السهم قلته تخريجًا. قال أصحابنا: قصد ابن أبي أحمد بهذا أن يحكم في هذه المسائل عند النكول من غير رد اليمين وهذا قصد صحيح ولم يرد أنه يحكم بالنكول لأن الحكم هنا بالسبب الظاهر غير النكول كما إذا قذف امرأته فطالبناه باللعان فنكل عنه حددناه بالقذف لا بالنكول فكذلك هنا، وقال بعض أصحابنا في مسألة الزكاة: إن كانت دعواه لا تخالف الظاهر فاليمين مستحبة قولاً واحدًا فإن لم يحلف لا يلزمه شيء وإن كانت دعواه تخالف الظاهر فهل اليمين مستحبة أو واجبة فيه قولان: فإن قلنا: مستحبة لا يلزمه شيء عند النكول فلا سؤال وعند التسليم القدر ما ذكرنا وكذلك مسألة الجزية هل نستحب اليمين أم تجب وجهان وفي مسألة الإنبات اليمين واجب وجهًا واحدًا وعند النكول حكم ببلوغه بالظاهر لا بالنكول. فرع آخر ذكر الإصطخري في أدب القضاء مسائل لا يمكن رد اليمين فيها مثل أن يموت رجل ولا وارث له فتكون تركته للمسلمين يأخذها الإمام فإذا وجد الإمام في دفتر حسابه دينًا له على رجل يعرف فإنه يستحضره ويعرفه ما عليه في دفتر حسابه، فإن أقر به لزمه، وإن أنكره كان القول قوله مع يمينه فإن حلف برئ، وإن نكل لا يمكن فيها رد اليمين لأن الإمام نائب [١٢/ ١٧٦ أ] عن المسلمين فلا تصح يمينه والمسلمون غير محصورين فلا يمكن إحلافهم وكيفية العمل فيه قال الإصطخري: فيه وجهان: أحدهما: أنه يحكم عليه بنكوله لتعذر اليمين فكان موضع الضرورة، والثاني: أن يحبس حتى يحلف أو يقر لأن الحكم بالنكول لا يجوز ورد اليمين لا يمكن فوجب حبسه حتى يقر أو يحلف وهذا هو المذهب. والثانية أن يموت رجل وقد أوصى إلى رجل فادعى الوصي أن الميت كان قد أوصى لقوم بشيء فإن شهد به لا تقبل شهادته لأنه يثبت بشهادته التصرف فيه لنفسه ويكون القول قول الورثة مع اليمين فإن حلفوا على العلم سقط الدعوى، وإن نكلوا فإن كان الموصى له معينًا ردت اليمين عليه وإن كان غير معين وإنما كانوا بأوصاف مثل الفقراء والمساكين فلا يمكن رد اليمين عليهم وفيه وجهان على ما ذكرنا. والثالثة أن يدعي أبو الطفل أو وصيه مالاً للطفل على رجل فأنكر المدعى عليه ولم يكن هناك بنية فالقول قول المدعى عليه مع يمينه، فإن حلف برئ، وإن نكل فالحاكم يقف اليمين إلى أن يبلغ الصبي ويذكر في السجل أنه ادعى للطفل مالاً وأنكر المدعى عليه فنكل عن اليمين فوقف اليمين إلى أن يبلغ على ما جري الرسم في مثله، وكذلك إذا أقام شاهدًا واحدًا وقف حتى يبلغ فيحلف مع شاهده ويستحق هذا كله في حقوق الآدميين، فأما حقوق الله تعالى مثل حد الزنا [١٢/ ١٧٦ ب] والشرب لا تسمع الدعوى على ما ذكرنا، ولا يجب على المدعى عليه أن يجيب عن دعواه إلا أن يتعلق بحق آدمي وهو في المسألة التي سبقت إذا قال للمقذوف

стр. 6829

أحلف أنك ما زنيت فيحلف لتعلقه بحق القاذف خلافًا لأبي حنيفة ﵀، فإن حلف أقيم الحد على القاذف، وإن نكل رد اليمين على القاذف، فإن حلف سقط عنه حد القذف، ولم يجب على المقذوف حد الزنا بيمينه وكذلك إذا ادعى عليه أنه سرق ماله فإن أبرأه من المال أو وهبه وأقبضه منه ثم ادعى القطع لم تسمع دعواه، وإن أدعى المال سمعت دعواه ويعرض اليمين عليه فإن حلف سقطت دعواه وإن نكل عن اليمين ردت اليمين على المدعي، فإن حلف استحق المال ولا يقطع لأن حق الله تعالى لا يثبت بالنكول ورد اليمين وقال ابن أبي أحمد لا يمين في حد الزنا ولا شرب الخمر إلا في خصلة واحدة وهي أن يقر بما يوجب الحد ويدعي الشبهة، فإن الشافعي قال في كتاب اختلاف العراقيين، فإذا أصاب الرجل أمة وقال ظننتها تحل لي أحلف ما وطئتها إلا وهو يراها حلالاً ثم درئ عنه ويلزم المهر ولا أقبل هذا منه إلا أن يكون ممن يمكن أن يجهل، فإما من أهل الفقه فلا. قال الشافعي ﵁: في كل شتم وضرب التعزير يحلف على ذلك إذا أنكر فيحلف [١٢/ ١٧٧ أ] ما شتمه هذا الشتم ولا ضره هذا الضرب الذي يدعيه. فرع آخر قال ابن أبي احمد إذا ادعى على الشاهد ما يجرحه، فإن أقر به الشاهد لم تنكر شهادته، وإن نكر لم يحلف عليه لأنا إن حلفناه صار خصمًا فيؤدي ذلك إلى أن يصير جميع الشهود خصومًا. فرع آخر لو ادعى على الوكيل أن الموكل عزله فإن أقر به لم يلزمه خصومته، وإن أنكر لم يستحلف لأني لو حلفته لأدعى عزله بعد اليمين ورام استحلافه ثانيًا فلا يتوصل إلى حكم الحاكم بالوكيل أبدًا قلته تخريجًا. فرع آخر لو أقر الأب أن ابنه الصغير الذي في حجره صار بالغًا رشيدًا خرج من خصومة من رافعه إلى القاضي عن ابنه، وإن رام المدعى عليه استحلاف الأب على ذلك والأب منكر لم يحلف، وكذلك من ادعى عليه أنه بالغ فأقر والحال مشتبه قبل، وإن أنكر قال الشافعي ﵁: القول قوله يعني لا يمين عليه لأنه لو حلف حكم بصغره وإبطال يمينه. فرع آخر إذا أقر الوكيل للمدعى عليه بما وكله في خصومته فيه قال ابن سريج: خرج من الخصومة بإقراره؛ قال ابن أبي أحمد تخريجًا عن ذلك فإن لم يقر الوكيل بذلك فقال المدعى عليه: إنه يعلم أنه لي فحلفه على ذلك لم يحلف لأن الشافعي ﵁ قال: ليس على الوصي يمين إذا لم يكن وارثًا [١٢/ ١٧٧ ب] فيجب أن يكون الوكيل مثله.

стр. 6830

فرع آخر لو ادعى على رجل شيئًا بعينه فأقر أنه لابنه الصغير لم يحلف وكان خصمًا عن ابنه الصغير ذكره أصحابنا. فرع آخر لو ادعى على رجل شفعة في عقار في يده فقال: هو لابني الصغير في حجري وما اشتريته لم يحلف، ولو قال اشتريته لولدي الصغير كان إقرارًا الشفعة ويحكم بها لك. والله أعلم.

стр. 6831

كتاب القسامة مسألة: قال الشافعي ﵁: "أخبرنا مالك عن أبي ليلى بن عبد الله بن عبد الرحمن عن سهل بن أبي حثمة أنه أخبره رجال من كبراء قومه أن عبد الله ومحيصة خرجا إلى خيبر فتفرقا في حوائجهما فأخبر محيصة أن عبد الله قتل وطرح في قفير أو عين فأتى يهود فقال: أنتم قتلتموه قالوا: ما قتلناه فقدم على قومه فأخبرهم فأقبل هو وأخوه حويصة وعبد الرحمن بن سهل أخو المقتول إلى رسول الله صل الله عليه وسلم فذهب محيصة يتكلم فقال ﵇: "كبر كبر "يريد السن فتكلم حويصة ثم محيصة فقال ﵇: "إما أن يروا صاحبكم وإما أن يؤذنوا بحرب، فكتب ﵇ إليهم في ذلك فكتبوا إنا والله ما قتلناه فقال لحويصة ومحيصة وعبد الرحمن: "أتحلفون وتستحقون دم صاحبكم "قالوا: لا، قال: فتحلف يهود قالوا: ليسوا بمسلمين فوداه رسول الله صل الله عليه وسلم من عنده فبعث إليهم مائة ناقة قال سهل: لقد ركضتني منها ناقة حمراء. قال الشافعي ﵀: فإن قيل فقد قال للولي وغيره تحلفون وتستحقون وأنت لا تحلف إلا الأولياء قيل يكون قد قال ذلك لأخي المقتول الوارث ويجوز أن يقول تحلفون لواحد والدليل على ذلك حكم الله وحكم رسوله ﵊ أن اليمين لا تكون إلا فيما يدفع بها المرء عن نفسه أو يأخذ بها مع شاهده ولا يجوز لحالف يمين يأخذ بها غيره ". قال في الحاوي: أما القسامة فهي مشتقة من القسم وهو اليمين سميت قسامة لتكرار الأيمان فيها، واختلف فيها هل هي اسم للأيمان أو للحالفين بها؟ فقال: بعضهم هي اسم للأيمان، لأنها مصدر من أقسم يقسم قسامة. وقال آخرون: هي اسم للحالفين بها لتعلقها بهم وتعديها إليهم، والقسامة مختصة بدعوى الدم ما عداها من سائر الدعاوى وأول من قضى بالقسامة على ما حكاه ابن قتيبة في المعارف الوليد بن المغيره في الجاهلية فأقرها رسول الله صل الله عليه وسلم في الإسلام فإن تجردت دعوى الدم عن لوث. كان القول فيها قول المدعى عليه، على ما سيأتي، وإن اقترن بالدعوى لوث واللوث، أن يقترن بالدعوى ما يدل على صدق المدعي، على ما

стр. 6832

سنصفه فيكون القول قول المدعي إذا كانت في نفس فيحلف خمسين يمينًا ويحكم له بعد أيمانه بما أدعى من القتل فإن نكل المدعي ردت الأيمان على المدعى عليه، فيحلف خمسين يمينًا ويبرأ. وبه قال مالك وأحمد بن حنبل. وقال أبو حنيفة: لا اعتبار باللوث ولا يحكم بقول المدعي ويكون القول قول المدعى عليه فإن كان واحدًا حلف خمسين يمينًا وإن كانوا أهل قرية أحلف من خيارها خمسون رجلاً خمسين يمينًا فإذا حلفوا وجبت الدية بعد أيمانهم قال أبو حنيفة: فإن كان القتيل موجودًا غرم الدية بأني القرية في الموجود والمفقود وإن كان قتيلهم مفقودًا يغرمها سكان القرية. وقال: أبو يوسف يغرمها سكان القرية في الموجود والمفقود وهكذا لو وجد القتيل في مسجد أو جامع حلف خمسون رجلاً من خيار أهله ووجبت الدية بعد أيمانهم على باقي المسجد إن كان القتيل موجودًا وعلى المصلين فيه إن كان مفقودًا في قول أبي حنيفة. وعلى قول أبي يوسف تكون على أهل المسجد في الموجود والمفقود فإن نكلوا عن الأيمان حبسوا حتى يحلفوا واستدلوا على إحلاف المدعى عليه دون المدعي برواية ابن عباس أن النبي صل الله عليه وسلم قال: "لو أعطي الناس بدعاويهم لأدعى قوم دماء قوم وأموالهم لكن البينة على المدعي واليمين على من أنكر ". وهذا نص. وروى زياد بن أبي مريم أن رجلاً جاء إلى النبي صل الله عليه وسلم فقال: إن أخي قتل بين قريتين فقال: يحلف منهم خمسون رجلاً قال: ما لي من أخي غير هذا قال: بلى ولك مائة من الإبل. وهذا نص. وروى محمد بن إسحاق عن محمد بن إبراهيم، عن عبد الرحمن بن عبد الله القرظي أن اليهود قتلوا عبد الله فأتت الأنصار إلى النبي صل الله عليه وسلم فأخبروه بذلك فكتب إلى اليهود أن احلفوا خمسين يمينًا ثم اعتقلوه فإنه وجد قتيلاً بين أظهركم فألزمهم اليمين والدية معًا. وروي أن رجلاً وجد قتيلاً بين حيين فاعتبره عمر بن الخطاب ﵁ بأقرب الحيين واحلفهم خمسين يمينًا وقضى عليهم بالدية فقالوا: ما وقت أموالنا أيماننا ولا أيماننا أموالنا فقال عمر: حصنتم بأموالكم دمائكم وهذه قضية منتشرة لم يظهر لعمر فيها مخالف فكانت إجماعًا. ومن القياس أن يمين المدعي قوله فلم يوجب الحكم له كالدعوى ولأنها دعوى فلم يحكم فيها بيمين المدعي كسائر الدعاوى، ولأن كل دعوى لم يحكم فيها بيمين المدعي عند عدم اللوث، لم يحكم فيها بيمين المدعي مع وجوب اللوث كالأطراف.

стр. 6833

ودليلنا: الحديث الذي رواه الشافعي في صدر الباب أن النبي صل الله عليه وسلم قال للأنصار حين أدعوا قتل صاحبهم على اليهود تحلفون وتستحقون دم صاحبكم قالوا: لا، قال: فتبرئكم يهود بخمسين يمينًا قالوا: ليسوا بمسلمين فوداه من عنده وقد رواه عباد عن حجاج عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: خرج حويصة ومحيصة ابنا مسعود وعبد الرحمن وعبد الله ابنا سهل إلى خيبر يمتارون فتفرقوا لحاجتهم فمروا بعبد الله بن سهل قتيلاً فرجعوا إلى النبي صل الله عليه وسلم فأخبروه. فقال لهم النبي صل الله عليه وسلم: تحلفون خمسين يمينًا قسامة تستحقون به قتيلكم قالوا: نحلف على أمر غبنا عنه قال: فيحلف اليهود خمسين يمينًا فيبرؤون، فقالوا: نقبل أيمان قوم كفار فأتى رسول الله صل الله عليه وسلم بمال من مال الصدقة فوداه من عنده فكان في هذا الحديث دليل من وجهين: أحدهما: أن النبي صل الله عليه وسلم قال: "تحلفون وتستحقون دم صاحبكم ". فبدأ بهم، وجعل الدم مستحقًا بأيمانهم وأبو حنيفة يبدأ بغيرهم ويجعل الدم مستحقًا بأيمان غيرهم. الثاني: قوله فتبرئكم يهود بخمسين يمينًا فنقل الأيمان عنهم إلى غيرهم وجعلها مبرئة لهم وأبو حنيفة لا ينقل الأيمان ولا يبرئ بها من الدم، فاعترضوا على حديث سهل بن أبي حثمة من ثلاثة أوجه: أحدها: أن سهل بن ابي حثمة كان طفلاً لا يضبط ما يرويه. والجواب عنه: أنه قد كان ضابطًا لحاله، وقد روى أبو بكر النيسابوري في زياداته عن إبراهيم الحبري أنه كان لسهل حين مات رسول الله صل الله عليه وسلم ثمان سنين وقد عمل التابعون بما رواه. والثاني: أن سفيان بن عيينة روى عن سهل بن أبي حثمة أن النبي صل الله عليه وسلم بدأ في القسامة بأيمان اليهود والجواب عنه: أنها رواية تفرد بها سفيان وشك فيها هل بدأ بأيمان الأنصار أو اليهود. وقد قال أبو داود وهم سفيان في هذا الحديث. والثالث: أن بشير بن يسار روى عن سهل بن أبي حثمة أن النبي صل الله عليه وسلم قال للأنصار: أتحلفون وتستحقون دم صاحبكم؟ قال: محمد بن الحسن قال: تلك لهم على وجه الإنكار عليهم ما قال تعالى: ﴿أَفَحُكْمَ الجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ [المائدة: ٥٠]. والجواب عنه: أنه لو كان على وجه الإنكار لما قال: وتستحقون دم صاحبكم فيصير بالاستحقاق وبما قال بعده فتبرئكم يهود بخمسين يمينًا خارجًا عن الإنكار وإنما أدخل الألف ليخرج عن صيغة الأمر لأن قوله: تحلفون شبيه بالأمر المحتوم فأدخل عليه الألف للاستفهام ليصير تفريقًا للحكم واستخبارًا عن الحال. ومن الدليل عليه ما رواه مسلم بن خالد عن ابن جريج عن عطاء عن أبي هريرة أن رسول الله صل الله عليه وسلم قال: "البينة على من ادعى واليمين على من أنكر إلا في القسامة ". ورواه مسلم عن ابن جريج عن عمرو بن

стр. 6834

شعيب عن أبيه عن جده عن رسول الله صل الله عليه وسلم وهذا نص لأنه لما جعل اليمين على المنكر واستثنى منها القسامة دل على أنها على دون المنكر. فاعترضوا على هذا الاستدلال من وجهين: أحدهما: أن قوله: "واليمين على من أنكر "يريد به اختصاصها بالمنكر دون غيره وقوله: "إلا في القسامة "يريد به وجوبها على المنكر وعلى غيره. والجواب عنه: أن هذا التأويل لا يصح لأن الاستثناء من الإثبات نفي ومن النفي إثبات فلما كان قوله: واليمين على من أنكر إثباتًا ليمينه وجب أن يكون قوله إلا في القسامة نفيًا ليمينه. والثاني: أن قوله: "واليمين على من أنكر "يريد به أنه يبرأ بيمينه إلا في القسامة أنه لا يبرا بيمينه فيكون الاستثناء نفيًا من الإثبات. والجواب عنه: أن هذا التأويل أبعد من الأول، لأن الاستثناء إلى ما تضمنه اللفظ من اليمين المذكورة دون البراءة التي لم تذكر فلم يجز أن يعدل به عن المذكور إلى غير مذكور. والدليل على القياس أن إيمان المدعى عليهم لا يحكم لهم بموجبها، لأنهم لا يرمون عند المستحلف إذا حلفوا واليمين تستحق إما فيما يأخذ بها الحالف لنفسه ما ادعى وإما ليدفع بها عن نفسه ما أنكر فتقول كل يمين لا يحكم للحالف بموجبها لم يجز الاستحلاف بها قياسًا على يمين المدعي في غير الدماء وعلى يمين المدعى عليه بعد اعترافه بالحق فإن قيل: هذا منتقض بإيمان المتبايعين إذا تحالفا في الثمن يستحلفان بها وإن لم يحكم بموجبها قيل قد يحكم بموجبها إذا حلف أحداهما ولا يحكم بموجبها إذا حلفا لتعارضهما كما يحكم بالبينة إذا انفردت ولا يحكم بها إذا تعارضت، فإن قيل: فأنتم لا تحكمون بموجب الأيمان في القسامة لأن موجبها القوم وانتم لا توجبونه قيل: موجبها ثبوت القتل وقد أثبتناه ولنا في القود قول نذكره، ومن الدليل أنها أيمان تكررت في الدعوى شرعًا فوجب أن يبدأ فيها بالمدعي كاللعان فإن أنكروا أن يكون اللعان يمينًا دللنا بقول النبي صل الله عليه وسلم: "لولا الأيمان لكان لي ولها شأن ". فأما الجواب عن قوله صل الله عليه وسلم: "واليمين على من أنكر "من وجهين: أحدهما: قوله: "إلا في القسامة ". والثاني: أن حديث القسامة أخص منه فوجب أن يقضي بالخاص على العام. وأما الجواب عن حديث زياد بن أبي مريم فمن وجهين: أحدهما: انه مجهول الإسناد ولا يعرفه أصحاب الحديث. والثاني: حمله على دعوى إن لم تقترن بلوث. وأما الجواب عن حديث القرظي فمن وجهين:

стр. 6835

أحدهما: ضعف إسناده وصحة إسنادنا وانفراده وكثرة رواتنا. والثاني: أن أخبارنا أزيد نقلًا وأشرح حالًا والزيادة من النقصان والشرح أصح من الإجمال. وأما الجواب عن قضية عمر فمن وجهين. أحدهما أن عبد الله بن الزبير حالفه فيها فقتل في القسامة ولم يقتل فيها عمر فتنافت قضاياهما فسقط الإجماع. والثاني: أنها قضية في عين يمكن حملها على أن المدعي ادعى قتل العمد ليستحق القود، فاعترفوا له بقتل الخطأ فأحلفهم على العمد، وأوجب عليهم بدية الخطأ بالاعتراف. وأما الجواب: عن قياسهم على مجرد الدعوى فهو أنه لا يجوز أن يعتبر يمين المدعى بدعواه- كما لا يجوز أن يعتبر يمين المنكر بإنكاره للفرق فيما بين اليمين ومجرد القول. أما الجواب عم قياسهم على سائر الدعاوي فهو إجماعنا على اختصاص القسامة بالدماء دون سائر الدعاوي. وأما قياسهم على الأطراف فلأن القسامة عندهم ى تدخلها وإن دخلت في النفس وكذلك عندنا لأن حرمة النفس أغلظ ولذلك تغلغلت بالنفس دون الأطراف، والله أعلم بالصواب. مسألة: قال الشافعي ﵁" "فإذا كان مثل السبب الذي قضي فيه ﵊ بالقسامة حكمت بها وجعلت الدية فيها على المدعى عليهم فإن قيل وما السبب الذي حكم فيه النبي ﷺ ؟ قيل: كانت خبير دار يهود محضة لا يخالطهم غيرهم وكانت العداوة بين الأنصار وبينهم ظاهرة وخرج عبد الله بعد العصر فوجد قتيلصا قبل الليل فيكاد يغلب على من سمع هذا أنه لم يقتله إلا بعض اليهود فإذا كان دار قوم محضة أو قبيلة وكانوا أعداء للمقتول فيهم وفي كتاب الربيع أعداء للمقتول أو قبيلته ووجد القتيل فيهم فأدعى أولياؤه قتله فلهم القسامة". قال الحاوي: قد ذكرنا أن الحكم بالقسامة في إحلاف المدعى يكون مع اللوث وينتفي من عدمه- واللوث- ما شهد بصدق المدعي ودل صحة الدعوى من الأسباب المقترنة بها ولا يتخالج نفس شك فيها. وذلك يكون من جهات شتى قد ذكر الشافعي ﵁ بعضها لتكون دليلًا على نظائرها فمنها: مثل ما حكم به رسول الله ﷺ في قتيل الأنصار بين اليهود لأن خيبر كانت

стр. 6836

دار يهود محضة وكانت العداوة بين الأنصار بينهم ظاهرة بالذب عن الإسلام ونصرة الرسول ﷺ وفارق أصحابه فيها بعد العصر، ووجد قتيلًا قبل الليل، فتغلب في النفس أما ما قتله غير اليهود فيكون لوثًا يحكم فيه بقول المدعي. وقال" مالك لا يكون اللوث المحكوم فيه بالقسامة إلا من أحد الوجهين: أحدهما: أن يشهد به من لا تكمل به الشهادة. وهذا موافق عليه. والثاني: وهو الذي تفرد به أن يقول المقتول قبل فراقه للدنيا. دمي عند فلان فيكون هذا لوثًا دون ما عداهما. احتجاجًا لهذا بأن الله تعالى حكم في قصة القتيل من بني إسرائيل بمثله في البقرة من وقوله تعالى: (فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى) (البقرة: ٧٣) فضرب بها فحيا. وقال: قتلني فلان فقتله موسى ﵇ بهـ قال: ولأن المقتول مع فراق الدنيا أصدق ما يكون قولًا وأكثر ما يكون تحرجًا فلا تتوجه إليه تهمة، وهكذا لا يكون لوثًا عندنا؛ لأن اللوث ما اقترن بالدعوى من غير جهة المدعي كالذي قضى به رسول الله ﷺ في قتيل الأنصار، ولأنه لو قبل قوله إذا مات لقبل إذا اندمل جرحه وعاش ولو قبل في الدم للقبل في المال، ولأنه ربما قاله لعداوة في نفسه بحيث أن لا يعيش عدوه بغد موته أو لفقر قريته فأحب أن يستغنوا بالدية من بعده فأنا قصة البقرة في بني إسرائيل فتلك قصة أحيا الله بها القتيل معجزة لموسى، ولو كان مثلها لجعل لوثًا ولكنه مستحيل وأما انتفاء التهمة عنه فباطل بدعوى الحال ولأن مالكًا يورث المبتوتة في مرض الموت لتهمة الزوج فيلحق به التهمة في حال وينفيها عنه في حال، فتعارضا قولاه فبطلا. فصل: فإذا ثبت أن قول القتيل بلوث وأن ما كان في مثل قصة الأنصار لوث فالمعتبر في مثلها شرطان: أحدهما: أن تكون القرية التي وجد القتيل فيها مختصة بأهلها لا يشكركم فيها غيرهم. كاختصاص اليهود بخبير، وفي حكم القرية محلة من بلد في جانب منه لا يشترك أهلها فيها غيرهم. أو حي من أحياء العرب لا يشكرهم في الحي غيرهم فأن اختلط بأهل القرية أو المحلة أو الحي غيرهم من مسافر أو مقيم لم يكن لوثًا مع أهلها. والثاني: أن يكون بين أهل القرية وبين القتيل عداوة ظاهرة، أما في دين أو نسب أو تره تبعث على الانتقام بالقتل. فإذا لم يكن بينهم عداوة لم يكن لوثًا فإذا استكمل هذان الشرطان للانفراد عن غيرهم، وظهور العداوة بينهم صار هذا لوثًا وهو نص السنة وما عداه قياسًا عليه، والله أعلم.

стр. 6837

مسألة: قال الشافعي ﵁: "وكذلك يدخل نفر بيتًا" قال في الحاوي: لما ذكر الشافعي اللوث الذي جاءت به السنة ذكر بعده ما في معناه قياسًا عليه فمن ذلك أن تدخل جماعة بيتًا أو دارًا أو بستانًا محظوراً يتفردون فيه. إما في منافرة أو في موانسة ثم يفترون عن قتل فيهم فيكون ذلك لوثًا سواء كان بينه وبينهم عداوة. أو لم يكن بخلاف القرية لأن ما انفردوا فيه من الدار أو البستان ممنوع من غيرهم. إلا بإذنهم وليست القرية ممنوعة من مار وطارق فاعتبر في القرية ظهور العداوة لانتفاء الاحتمال ولم يعتبر في الدار ظهور العداوة لعدم الاحتمال. مسألة: قال الشافعي ﵁: "أو صحراء وحدهم". قال في الحاوي: وهذا نوع ثالث من اللوث، وهو أن يوجد قتيل في صحراء الشافعي: وليس إلى جنبه عين ولا أثر إلا رجل واحد مغتصب بدمه في مقامه ومعنى قوله: وليس إلى جنبه عين يريد عين إنسان أو عين حيوان بقتل الإنسان ومعنى قوله: "ولا أثر في الصحراء لهارب" يعني من إنسان أو حيوان قاتل ويكون هذا الحاضر إما وافقًا عليه وإما موليًا لم يبعد عنه وعليه أثار قتله من اختصابه بدمه أو اختصاب سيفه قيصير به لوثًا فيه إن استكملت أربعة شروط. أحدهما: أن تكون الصحراء خالية من عين إنسان أو سبع. والثاني: أن لا يكون في الصحراء أثر لهارب. الثالث: أن يكون القتيل طريًا. والرابع: أن يكون على الحاضر آثارًا قتله فيصير باجتماعها لوثًا، فإن أخل شرط منها فكان هناك أثر لهارب لم يكن لوثًا لجواز أن يكون القتل من الهارب. وإن لم يكن القتيل طريًا لم يكن لوثًا لبعده عن شواهد الحال وجواز تغيرها وإن لم يكن على الحاضر آثار قتله لم يكن لوثًا لظهور الاحتمال. مسألة: قال الشافعي ﵁: "لو صفين في حرب". قال الحاوي: وهذا نوع رابع من اللوث، أن يوجد القتيل بين صفى جرب بهذا على ضربين:

стр. 6838

أحدهما: أن يكون قتله قبل التحام الحرب واختلاط الصفوف فينظر في مصرعه فله ثلاثة أحوال: أحدها: أن يناله سلاح أصحابه ولا ينال سلاح أضداده فيكون اللوث مع أصحابه به دون أضداده. والثانية: أن يناله سلاح أضداده ولا يناله سلاح أصحابه فيكون اللوث مع أضداد. والثالثة: أم يناله سلاح أصحابه وسلاح أضداده ففيه لأصحابنا وجهان: أحدهما: وهو قول البغداديين، أن يكون لوثًا مع أضداده لاختصاصهم بعدواته دون أصحابه المختصين بنصرته. الثاني: وهو قول البصريين أن يكون لوثًا مع الفريقين من أصحابه وأضداده، لأن عداوة أضداده عامة وقد يكون في أصحابه من عداوة خاصة كالمحكي من قتل مروان بن الحكم لطلحة بن عبيد الله في وقعة الجمل. قيل: إنه رماه بسهم فقتله وكان من أصحابه، ولأنه ربما أراد قتل غيره فأخطأ إليه فصار قتله من الفريقين محتملًا. والثاني: أن يكون قتله بعد التحام الحرب واختلاط الصفوف فهذا على ثلاثة أقسام: أحدهما: أن يكون أصحابه منهزمين وأضداده طالبين لوثًا مع أضداده دون أصحابه لأن المنهزم يخالف والطالب منتقم. والثاني: أن يكون أصحابه طالبين وأضداده منهزمين فيكون لوثًا مع أصحابه دون أضداد لما ذكرناه. والثالث: أن يتماثلوا في الطلب ولا يخلو أحدهما إلى الهرب فيكون على الوجهين المذكورين. أحدهما: وهو قول البغداديين يكون لوثًا مع أضداده دون أصحابه لاختصاصهم بالعداوة العامة. والثاني: وهو قول البصريين إنه يكون لوثًا في الفريقين جميعًا من أصحابه وأضداده لاحتمال الخطأ أو عداوة خاصة. مسألة: قال الشافعي ﵁: "أو ازدحام جماعة فلا يفترقون إلا وقتيل من بينهم أو في ناحية ليس إلى جنبه عين ولا أثر إلا رجل واحد مخضب بدمه في مقامه ذلك".

стр. 6839

قال [في] الحاوي: وهذا نوع خامس من اللوث في ازدحام جماعة على بئر ماء. أو في دخول باب، أو لالتقاط فيتفرقون عن قتيل منهم، فيكون لوثًا في الجماعة. لإحاطة العلم بأن قتله لم يخرج عنهم، سواء اتفقوا في القوة والضعف، أو اختلفوا. وهكذا ضغطهم الخوف إلى حائط ثم فارقوه عن قتيل منهم كان لوثًا معهم، فأما إذا هربوا من نار أو سبع فوجد أحدهم صريعًا نظر فإن كان طريق هربهم واسعًا فظاهر صرعته أنها من عثرته فلا يكون ذلك لوثًا. وإن كان الطريق ضيقًا، فظاهر الصرعة أنها من صدمتهم فيكون ذلك لوثًا. مسالة: قال الشافعي ﵁: "أو أتى ببينة متفرقة من المسلمين من نواح لم يجتمعوا فيها يثبت كل واحد منهم على الانفراد على رجل أنه قتله فتتواطأ شهادتهم ولم يسمع بعضهم شهادة بعض فإن لم يكونوا ممن لم يعدلوا". قال في الحاوي: وهذا نوع سادس من اللوث وهو لوث بالقول، وما تقدم لوث بالفعل، وذلك: أن تأتي جماعة متفرقون من نواحي مختلفة. يزيدون عدد التواطؤ ولا يبلغون حد الاستفاضة وتقتصر أوصافهم من شروط العدالة، فيشهدون أو يخيرون ولا يسمع بعضهم بعضًا: أن فلانًا قتل فلانًا ولا يختلفون في موضع القتل ولا في صفته، فلا يخلو من أحد أمرين: أحدهما: إما أن يكونوا ممن تقبل أخبارهم في الدين كالنساء والعبيد. فهذا يكون لوثًا صدقهم في النفس والعمل على قولهم في الشرع. والثاني: أن يكونوا ممن لا تقبل أخبارهم في الدين كالصبيان، والكفار، والفساق. ففي كونه لوث وجهان: أحدهما: أن يكون لوثًا لوقوع صدقهم في النفس. والثاني: لا يكون لوثًا لأنه لا يجهل على قولهم في الشرع. مسألة: قال الشافعي ﵁: "أو يشهد عدل على رجل أنه قتله لأن كل سبب من هذا يغلب على عقل الحاكم أنه كما أدعى وليه". قال الحاوي: وهذا نوع سابع من اللوث. وهو وجود العدالة ونقصان العدد كما كان ما تقدمه، وجود العدد الزائد مع نقصان العدالة، وهو أن يشهد بالقتل عدل واحد فيحكم بيمين المدعي مع شهادته فإن كانت الدعوى في خطأ محض، أو عمد خطأ، فذلك موجب للمال، والمال يحكم فيه بشاهد ويمين فيحلف فيه المدعي يمينًا واحدة،

стр. 6840

ويكون الشاهد مع اليمين بنية عادلة، ولا يكون لوثًا. إذا كانت الدعوى في قتل عمد فالشاهد الواحد لوث، فيحلف معه المدعي خمسين يمينًا، ويحكم له بأيمانه لا بالشهادة، ولو شهد بالقتل ولم يشهد بعمد، ولا خطأ ففي جواز القسامة وجهان: أحدهما: لا قسامة معه: للجهل بموجبها في قتل عمد وخطأ. والثاني: يحكم فيه بالقسامة، لأنه لا ينفك القتل من عمد أو خطأ، ولا تمتنع القسامة في واحد منهما ويحكم له بعد القسامة بأخفها حكمًا، وهو الخطأ لكن تكون الدية في ماله لا على عاقلته لجواز أن تكون عمدًا يستحق في ماله. فصل: ولو شهد بالقتل من عدول النساء امرأة واحدة، لم تكن بنية إن حلف ولا لوثًا لنقضها عن رتبة الشاهد الواحد. لو شهد به من عدولهم امرأتان لم تكونا بنية إن حلف معها في الخطأ فتكون لوثًا كالرجل الواحد، لكن يحلف في العمد، والخطأ خمسين يمينًا ليحكم له بأيمانه لكونهما لوثًا. فصل: ولو شهد شاهدان: أن أحد هذين الرجلين قتل هذا القتيل، لم تكن هذه بنية بالقتل، لعدم التعين فيها على القاتل، وكانت لوثًا يوجب القسامة، للولي أن يقسم على أيهما شاء، وليس له أن يقسم عليهما، لأن الشهادة في شهاداتهما بينة ولا لوثًا ولا قسامة فيه. والفرق بينهما: أن لوث القسامة ما تعين فيه المقتول وجهل فيه القاتل، لأن مستحق القسامة معين، ولا يكون لوث القسامة ما تعين فيه القاتل وجهل فيه المقتول لأن مستحق القسامة فيه غير معين، فصحت القسامة في المسألة الأولى لتعيين مستحقها، وبطلت في الثانية للجهل بمستحقيها، وهكذا الحكم لو شهد فيها شاهد واحد كان لوثًا في الأولى دون الثانية، لأن الشاهد الواحد لوث في القسامة كالشاهدين، ويحتمل وجهًا آخر أنه لا يكون لوثًا مع الشاهد الواحد، وإن كان لوثًا مع الشاهدين، لأن الشاهد الواحد، قد جمع بين ضعيفين، نقصان العدو وعدم التعيين، وانفراد الشاهدان بأحد الضعيفين فقوى اللوث معهما وضعف مع الواحد فجازت القسامة مع قوة اللوث، ولم تجز مع ضعفه، والله أعلم. مسألة: قال الشافعي ﵁: "وللولي أن يقسم على الواحد والجماعة من أمكن

стр. 6841

أن يكون في جملتهم". قال الحاوي: إذا كان اللوث في جماعة لم تخل دعوى القتل من أن يعم بها جميعهم أو يخص بها أحدهم. فإن خص الولي أحدهم بالقتل، جاز له أن يقسم عليه، لأنه لما جاز له أن يقسم عليه مع الجماعة لدخوله في جملة اللوث، جاز أن يقسم عليه وحده دون الجماعة لأنهم أحدهم. وإن عم الولي في الدعوى وأدعى القتل على جميعهم فلهم حالتان: إحداهما: أن يكون عددًا يجوز أن يشتركوا في قتل، فيجوز للولي أن يقسم على جميعهم. والثانية: أن زيدوا على عدد الاشتراك ويبلغوا عددًا لا يصح منهم الاشتراك في قتل النفس كمن زاد على عدد المائة وبلغ ألفًا فما زاد كأهل البصرة وبغداد فلا يجوز أن يقسم على جميعهم، لاستحالة اشتراكهم في القتل. وقيل: للولي عين الدعوى عند عموم اللوث على عدد منهم يصح اشتراكهم في القتل فحينئذ يقسم عليهم. فصل فإذا تقرر ما وصفناه وأقسم الولي مع اللوث على واحد، أو جماعة لم يخل حال الولي من أن يكون واحدًا، أو جماعة، فإن كان واحدًا حلف خمسين يمينًا في العمد والخطأ، رجلًا كان أو امرأة، وإن كانوا جماعة ففيما يقسمون به قولان: أحدهما: يقسم كل واحد منهم خمسين يمينًا لأن كل واحد منهم حكم نفسه. والثاني: أنه يحلف جميعهم خمسين يمينًا تقسط بينهم على قدر مواريثهم بجبر الكسر، فإن كان ابنين حلف كل ابن خمسة وعشرين يمينًا وإن كان ابنًا وبنتًا حلف الابن أربعة وثلاثين وحلفت البنت سبعة عشر يمينًا، لأن اليمين لما تتبعض جبر كسره. فصل: فإذا حلفوا لم يخل القتل من أن يكون موجب للقود أو غير موجب له فإذا كان غير موجب للقود فهم على ثلاثة أقسام: أحدها: أن يكون خطأ محضًا فتكون الدية بعد أيمان الأولياء مخففة على عواقل القتلة، فإن كان واحدًا انفردت عاقلته بالعقل، وإن كانوا جماعة، قسمت على أعداد رؤوسهم وتحملت عاقلة كل واحد منهم سهمه من الدية. والثاني: أن يكون القتل عمد الخطأ، فتكون الدية بعد أيمان الأولياء مغلظة على عواقل القتلاء على ما بيننا. والثالث: أن يكون عمدًا محضًا سقط القود فيه لكمال القاتل ونقص المقتول، كالمسلم مع الكافر، والحر مع العبد والوالد مع الولد، وتكن الدية بعد أيمان الأولياء

стр. 6842

مغلظة في مال القاتل حالة، لأن سقوط القود فيه لا يخرجه من حكم العبد في الدية. فصل وإن كان القتل موجبًا للقود فهل يستحق القود بالقسامة، ويشاط بها الدم أم لا؟ على قولين: أحدهما: وبه قال في القديم: وهو مذهب مالك، وأحمد بن حنبل، وبه قال عبد الله الزبير وحكم به في أيامه، أن القود بها ثابت ودليلة حديث يحي بن سعد عن بشير بن يسار، عن سهل بن أبي حثمة أن النبي ﷺ قال للأنصار: يحلف خمسون منكم على رجل منهم فيدفع برمته يعني للقود. وروى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: أن النبي ﷺ قتل بالقسامة رجلًا بمن بني نضر بن مالك، ولأن ما ثبت به القتال تعلقت عليه أحكام كالبينة. والثاني: وهو قوله في الجديد: وبه قال عمرو بن الخطاب ﵁ وهو مذهب أبي حنيفة أن لا قود في القسامة وتجب بها الدية ودليله ما روى عن النبي ﷺ كتب إلى يهود خبير في قصة الأنصار، إما أن تدوا صاحبكم أو تؤذوا بحرب"، فدل على وجوب الدية، دون القود فإن قيل: فقد كنب إليهم قبل القسامة وقبل وجوب القود إنما كتب بذلك بيانًا للحكم المستحق بالقسامة وإلا فمعلوم أن الدية لا تجب قبل القسامة كما لم يجب القود، ولأن أيمان المدعي هي غلبة ظن فصار شبهة في القود، والقود يسقط بالشبهة ولأن الحكم بالقسامة للاحتياط في حق الدماء فكان مقتضى هذا المعنى وجوب الدية وسقط القود. فإذا تقرر توجيه القولين فإن قيل بالأول في إشاطة الدم ووجوب القود فإن كانت القسامة في الدعوى على واحد قتل قودًا، وإن كانت على جماعة فقد اختلف القائلون بهذا القول في عدد من يقتل، فالظاهر من مذهب الشافعي على هذا القول أنه تقتل الجماعة وإن كثروا إذا أمكن أن يشتركوا لأن القسامة في استحقاق القود تجري مجرى البنية. وقال مالك: لا أقتل به أكثر من اثنين وحكى أبو ثور عن الشافعي في القديم. وحكي الربيع بن سليمان قولًا لنفسه: أنه لا يقتل به أكثر من واحد، وبه قال أبو العباس بن سريج حقنًا للدماء، ولضعف القسامة عن البينة. وقال أبو العباس: وأجعل للولي بعد أيمانه الخيار في قتل أي الجماعات شاء فإذا قتل أحدهم أخذ من الباقي أقساطهم من الدية. وإن قيل بالقول الثاني: وهو الجديد أن القود ساقط في الواحد والجماعة فالدية المستحقة بالقسامة تكون مغلظة، حالة في مال المدعى عليه، إن تفرد بها واحد غرم جميعا وإن كانوا جماعة تسقطت على أعدادهم بالسوية، والله أعلم.

стр. 6843

مسألة: قال الشافعي ﵁: "وسواء كان به جرح أو غيره لأنه قد يقتل بما لا أثر له" قال في الحاوي: وهو كما قال للولي إنه يقسم في القتل سواء كان به أثر جرح أو لم يكن وقال أبو حنيفة لا يقسم أن يكون به أثر جرح. فإن لم يكن به أثر جرح وخرج الدم من أذنه أقسم، وأن خرج من أنفه لم يقسم لأن عدم الأثر يحتمل أن يكون من موت ومن قتل وخروج الدم من الأنف يحتمل أن يكون من رعاف أو خنق فضعفت الدعوى وسقطت القسامة وهذا فاسد لأمرين: أحدهما: أن الأغلب من الموت أن يكون بأسباب حادثة من مرض أو حادث، وموت الفجاءة فإذا لم يعرف مرض صار الأغلب منه أنه بحادث القتل فلم يحمل على نادرة الفجاءة. والثاني: أن القتل قد يكون تارة بالجرح والأثر، ويكون تارة بالخنق والإمساك للنفس وبعصر الاثنين من غير أثر وإذا كان بهما وجب أن تستوي القسامة فيهما، والله أعلم. مسألة (٢): قال الشافعي ﵁: "فإن أنكر المدعى عليه أن يكون فيهم لم يسمع الولي إلا بنية أو إقرار أنه كان فيهم" قال في الحاوي: وهذا صحيح إذا وجد لوث القتل في جماعة فادعى أولياؤه القتل على رجل وذكروا أنه من جملة الجماعة وأنكر المدعى عليه أن يكون في الجماعة، فالقول قوله مع يمينه أنه لم يكن فيهم ولا قسامة للأولياء إذا حلف إلا أن تقوم بينة عادلة تشهد بأنه كان فيهم أو يشهد على إقراره أنه كان فيهم فيجوز حينئذ للأولياء أن يقسموا، لأن ظهور اللوث فيهم لا يدل على أنه كان فيهم. مسألة: قال الشافعي ﵁: "ولا أنظر إلى دعوى الميت". قال الحاوي: وهذا ردًا على مالك حيث جعل قول القتيل دية عند فلان لوثًا وليس بلوث الشافعي لما قدمناه من الدليل. فأثبت مالك اللوث فيما نفياه ونفى اللوث عما أثبتناه، وحكم بالقسامة ولم يحكم باللوث الذي قضى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم

стр. 6844

بالقسامة فلم ينفذ من مخالفة قضائه مع اعترافه بصحة نقله، وهذا وهم لا يجوز. مسألة: قال الشافعي ﵁: "ولورثه القتيل أن يقسموا وإن كانوا غيبًا عن موضع القتيل لأنه يمكن أن يعلموا ذلك باعتراف القاتل أو ببينة لا يعلمهم الحاكم من أهل الصدق عندهم وغير ذلك من وجوه ما يعلم له الغائب". قال الحاوي: يجوز لأولياء المقتول أن يقسموا وإن لم يشهدوا القتل إذا علموه من جهة عرفوها بالصدق. وقال أبو حنيفة: لا يقسموا إذا غابوا عنه لأنهم على غير يقين منه. ودليلنا: أن النبي ﷺ عرض الإيمان في قصة الأنصاري على عبد الرحمن بن سهل وكان بالمدينة وقتل أخوه عبد الله بن سهيل بخبير، ولأن الإنسان قد يقسم الأموال على ما علمه يقينًا وعلى ما عرفه بغلبة الظن أن يجد في حساب نفسه بخطه أو في حساب أبيه أن على فلان كذا فيجوز أن يحلف على استحقاقه، وإن كان بغلبة ظن لا بيقين وكذلك في الدماء ولأن حكم الشهادة أغلظ، ثم كان للشهود أن يشهدوا تارة بما علموا قطعًا مما شهدوه من العقود وسمعوه من الإقرار. وكان لهم تارة أن يشهدوا بغلبة الظن في الأنساب والموت والأملاك المطلقة بخبر الاستفاضة فلما كانت الشهادة تنقسم إلى يقين وغالب ظن كذلك الأيمان تنقسم وغالب ظن، والله أعلم. مسألة: قال الشافعي ﵁: "وينبغي أن يقول اتقوا الله ولا تحلفوا إلا بعد الاستثبات". قال الحاوي: إنما أجرنا للحاكم أن يعظ الأولياء عند أيمانهم ويحذرهم مأثم اليمين الكاذبة، ويتلو عليهم قول الله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا ...) آل عمران: ٧٧) الآية. ويأمرهم بالاستثبات والأناة قبل الإقدام عليها، لأمرين: أحدهما: اعتبارًا بسنة رسول الله ﷺ في اللعان حين وعظ الزوجين في الخامسة فكانت الأيمان في الدماء بمثابتها وأغلظ. والثاني: انه قد يستحق بأيمانهم ما لا يمكن استدراكه من القود فقدم الاستظهار بالوعظ والتحذير لأنه يوجب قود يدرأ بالشبهة، وإن كان في قتل خطأ وعظوا وحذروا مآثم أيمانهم الكاذبة.

стр. 6845

فأما الأيمان في الأموال المحضة: ففي الوعظ عند الإيمان فيها وجهان: أحدهما: يعظ الحالف فيها كالدماء. والثاني: لا يعظ فيها لتغليظ الدماء على غيرها. مسألة: قال الشافعي ﵁: "وتقبل أيمانكم متى حلفوا مسلمين كانوا على مشركين أو مشركين على مسلمين لأن كل ولي دمه وارث ديته". قال في الحاوي: تقبل أيمان المسلمين على المشركين، وأيمان المشركين على المسلمين في القسامة وغيرها من الحقوق، وقال مالك: أقبلها في سائر الحقوق، ولا أقبلها في القسامة من المشركين على المسلمين، وأقبلها من المسلمين على المشركين. وبناه على أصله في أن القسامة توجب القود، فلما لم يستحق المشترك قبلت أيمانهم في القسامة كالمسلمين، ولأن سقوط القود في حق المشرك لا يوجب سقوط الدية فصار فيها كالمسلم. مسألة: قال الشافعي: ﵁: "ولسيد العبد القسامة في عبده على الأحرار والعبيد". قال الحاوي: قد قضي الكلام في قتل العبد هل تحمله العاقلة؟ أم لا؟ على قولين: فأما إذا اقترن بقتله لوث فقد أجاز الشافعي هاهنا للسيد القسامة فيه فاختلف أصحابنا فيه فحمله كثير منهم على قولين كالعقل فإن تحمله العاقلة أقسم سيده، وإن قيل: لا تحمله العاقلة لم يقسم لأنه يجري على هذا القول مجرى الأموال التي لا قسامة فيها وذهب أبو العباس بن سريج والمحققون من أصحابنا أن لسيدة أن يقسم على القولين معًا لأن القسامة في النفوس لحفظ حرمتها كما حفظت حرمتها بالقصاص وغلظت بالكفارة وهما معتبران في العبد كاعتبارهما في الحر كذلك في القسامة يجوز أن يكون فيهما كالحر وخالف العقل لأنه موضوع للنصرة والمحاباة التي يقصر العبد عنها ويختص الحر بها فافترق معنى القسامة والعقل فلذلك أقسم في العبد وإن لم يعقل عنه. وهكذا لو قتل المدبر والمكاتب وأم الولد يجوز للسيد القسامة فيهم لأنهم قتلوا عبيدًا. فصل: فأما القسامة على العبد إذا كان قاتلًا فجائزة لأنه قاتل كالحر وإن كان مقتولًا

стр. 6846

بخلاف الحر. فلو ظهر منه اللوث في قتل سيده جاز لورثته أن يقسموا وإن انتقل إلى ملكهم بالميراث ليستفيدوا بالقسامة أن يقتلوه على قوله في القديم وأن يخرج بها من الرهن إن كان مرهونًا وأن تبطل فيها الوصية إن كان موصى به. مسألة: قال الشافعي ﵁: "ويقسم المكاتب في عبده لأنه ماله فإن لم يقسم حتى عجز كان للسيد أن يقسم". قال الحاوي: وهذا صحيح، لأن المكاتب يملك التصرف فيما بيده، فإن قيل إن العبد يملك علة قوله في القديم كان تصرفه تصرف مالك وإن قيل لا يملك على قوله في الجديد كان تصرفه تصرف مستحق فجاز له على القولين معًا أن يقسم في قتل عبده لأنه أحق به على سيده. لاستحقاق المكاتب له دون سيده فصار كسائر الأموال التي بيده، فإن أقسم المكاتب ملك قيمة عبده ليستعين بها في كتابته، وإن لم يقسم حتى مات أو عجز صار عبده وجميع أمواله لسيده فيقسم سيده بعد عجزه في كتابه، لأنه قد صار أحمق به من مكاتبه، والله أعلم. مسألة: قال الشافعي ﵁" "ولو قتل عبد لأم ولد فلم يقسم سيدها حتى مات وأوصى لها بثمن العبد لم يقسم وأقسم ورثته وكان لها ثمن العبد وإن لم يقسم الورثة لم يكن لهم ولا لها شيء إلا أيمان المدعى عليهم". قال في الحاوي: وصورتها: أن يدفع السيد إلى أم ولده عبدًا فيقتل في يدها قتل لوث فللسيد إليها حالتان: أحدهما: أن يدفعه إليها للخدمة. والثاني: أن يدفعه إليها للتمليك، فإن أخذها إياه. ولم يملكها، فالسيد هو الذي يقسم دونها، كما يقسم في سائر عبيده فلو وصى لها بثمنه قبل قسامته فلها قيمته، وإن كان قبل أن يستقر ملكه عليها صحت هذه الوصية قبل استقرار الملك كما تصح وصية بثمن نخله ونتاج ماشيته ولا تمتنع وصيته لأن ولده، وإن لم تصح وصيته لعبده، لأن الوصية تملك بعد موته وأم الولد بعد موته حرة وعبده مملوك فإن مات السيد قبل القسامة أقسم الورثة دونها فإن أقسموا ملكت أم الولد قيمة الوصية إذا خرجت من الثلث فإن عجز الثلث عنها كانت الزيادة موقوفة على إجازة الورثة. وإن امتنع الورثة من القسامة وأجابت أم الولد إليها ففي استحقاقها للقسامة قولان: أحدهما: تستحقها ولها القسامة لأن لها بالوصية فصارت مستحقة في حقها.

стр. 6847

والثاني: وهو الأصح المنصوص عليه هاهنا لا قسامة لها لأمرين: أحدهما: أن الأيمان على غيرها فصارت فيها نائبة عنهم النيابة في الأيمان لا تصح لأن المقصود بها البينة التي لا تدخلها النيابة. والثاني: أنها تملك بالوصية ما استقر ملك الموصى عليها والموصي لا يملك إلا ما هو المقسم عليه أو من قام مقامه من قرابته وأصل هذين القولين اختلاف قوليه في المفلس إذا نكحل عن اليمين في دين له وأجاب غرماؤه إلى اليمين. فإن كان السيد قد ملك أم ولده العبد حين دفعه إليها كان حكمها فيه حكم العبيد إذا ملكوا، هل يملكوه بالتمليك أم لا؟ على قولين: أحدهما: وهو قوله في القديم تملك أم الولد وغيرها من العبيد إذا ملكوا. والثاني: وبه قال في الجديد: إنها لا تملك ولا غيرها من العبيد فإن ملكوا: فإن قلنا بهذا القول إنها لا تملكه وإن ملكت كان حكم العبد إذا قتل كحكمه فيما مضى يكون السيد هو المقسم في قتله دونها، وإن قلنا بالأول إنها تملك إذا ملكت فهل تستحق للقسامة أم لا؟ على وجهين: أحدهما: إنها هي المقسمة دون السيد لاختصاصها بملكه فعلى هذا تصير مالكه للقيمة بالتمليك الأول. والثاني: إن السيد هو المقسم دونها ولأن ملكها غير مستقر، لما يستحقه السيد من استرجاعه إذا شاء. فعلى هذا إذا أقسم السيد لم تملك أم الولد القيمة إلا بتمليك مستجد، لأنه ملك قد استفادة السيد بأيمانه وهكذا حكم سائر العبيد إذا ملكوا وإنما تفارقهم أم الولد في شيء واحد وهو أن السيد إذا مات عن عبده وقد ملكه مالًا كان لوارثه انتزاعه من يده لبقائه على رقه وإذا مات عن أم ولده وقد ملكها مالًا لم يكن لوارثه انتزاعه منها بعتقها وفي حكمها لو أعتق العبد بعد التمليك لم يسترجعه منه وإن كان له استرجاعه ولو باعه لبقائه على الرق إذا بيع واستقرار ملكه بالحرية إذا أعتق، وهذا كله على قوله في القديم إنهم يملكون إذا ملكوا، فأما على الجديد فلا يملكون بحال مع بقاء الرق. فرع: إذا ادعى رجل قتلًا على رجل فإنه يؤخذ بصفة القتل فلا يخلو من أربعة أحوال: أحدها: أن يدعي العمد المحض. والثاني: أن يدعي شبه العمد. والثالث: أن يدعي الخطأ. والرابع: أن يدعي القتل ولا يذكر عمدًا ولا خطأ لأنه لا يعرف حاله فإن قال هو عمد يؤخذ بصفته فلا يخلو من أربعة أحوال:

стр. 6848

أحدها: أن يصفه بما لا يضمن فلا يقسم. والثاني: أن يصفه العمد المحض فيقسم عليها المنكر. والثالث: أن يصفه بشبه العمد فله أن يقسم على الصفة بأن يقول ضربه بعصا فمات، قال: يقسم وعندي أنه يحتمل. والرابع: أن يصفه بالخطأ المحض ففيه طريقان ومنهم من قال على قولين ومنهم من قال على اختلاف حالين وإذا ادعى شبه العمد فإنه يصفه، فلا يخلو من أربعة أحوال: أحدها: أن يصفه بما لا يضمن فلا يقسم. والثاني: أنه يصفه بشبه العمد فيقسم. والثالث: أن يصفه بالخطأ المحض فيقسم على الدعوى وعندي أنه لا يقسم. والرابع: يصفه بالخطأ المحض فيقسم على الصفة وإذا ادعى محضًا فهل يؤخذ بالصفة أم لا؟ على وجهين: فإذا قلنا: يؤخذ بالصفة فإن وصفة بما لا يضمن، سقط. وإن وصف بالخطأ المحض يقسم، وإن وصفه بشبه العمد يقسم على الدعوى دون الصفة وإن وصفه بالعمد المحض، فإن لم يرجع عن الدعوى أقسم على الدعوى وإن رجع عن الدعوى إلى الصفقة فلا يقسم وإن جعل صفة القتل ففيه وجهان: أحدهما: لا يحلف للجهل بموجبها. والثاني: هو قول يذكر عن أبي إسحاق المروزي أنه يقسم لأن الجهل بصفة القتل ليس جهلًا بموجبه فإذا أقسم بحبس المجني عليه حتى يبين فإن تطاول زمانه أحلف أنه ما قتله عمدًا ولزم الدية من الخطأ من ماله مؤجله وفي تغليظها بالعمد وجهان. مسألة: قال الشافعي ﵁: "ولو جرح فمات أبطلت القسامة لان ماله فيء ولو كان رجع إلى الإسلام كانت فيه القسامة للوارث". قال الحاوي: ولو كان رجع إلى الإسلام كانت فيه القسامة للوارث، إذا ارتد المجروح ومعه لوث ثم مات على ردته فلا قسامة لوارثه لأمرين: أحدهما: أن ماله قد صار فيئًا لا يورث عنه فلم يجز أن يقسم من لا يرث. والثاني: أن سراية الحرج في الردة لا توجب ضمان النفس وما دون النفس لا قسامة فيه: فأما إذا عاد الإسلام بعد ردته فالحكم في الدية والقود قد ذكرناه وهو أنه لم يكن للجرح سراية في الردة فالدية كاملة وفي سقوط القود قولان وإن كان له سراية في الردة القود وفي كمال الدية قولان: أحدهما: تجب فيه الدية كاملة.

стр. 6849

والثاني: نصفها. وماله موروث لأنه مسلم عند الموت ولهم أن يقسموا إن لم يكن في الردة سراية وفي مقاسمتهم إذا سرت في الردة وجهان" أحدهما: لهم القسامة وإن ملكوا بها بعض الدية لأنها دية نفس وإن لم تكتمل. والثاني: أنه لا قسامة لهم لذهاب الملوث بالسراية في الردة والله أعلم. مسألة: قال الشافعي ﵁: "ولو جرح وهو عبد فعتق ثم مات حرًا وحيت فيه القسامة لورثته الأحرار ولسيده المعتق بقدر ما يملك في جراحه". قال في الحاوي: وهذا صحيح إذا قطعت يد العبد مع لوث ثم اعتق ومات من الجنابة حرًا ففيه دية حر وللسيد أقل الأمرين من نصف قيمته عبدًا لأن في اليد نصف القيمة أو جميع ديته حرًا لأنها قد سرت إلى نفسه بعد حريته. فإن كانت الدية أقل من الأمرين استحقها السيد وحده وكان هو المقسم دون الورثة، وإن كانت نصف القيمة أقل الأمرين استحقها السيد وكان باقي الدية لورثة العبد فيشترك السيد والورثة في القسامة، لاشتراكهم في الدية ولا تجزئ قسامة أحدهما دون الآخر، لأن أحد لا يملك بيمين غيره شيئًا فإن كان السيد هو المقسم، لم يحكم له بحقه من الدية، إلا بعد خمسين يمينًا. فإن قيل: فكيف يقسم وهو يأخذ دية طرف ولا قسامة في الأطراف، قيل قد صار الطرف بالسراية نفسًا فصار مشاركًا في دية النفس، وإن تقدر حقه بأرش الطرف فذلك جاز أن يقسم فإن أجاب الوارث إلى القسامة ففي قدر ما يقسم به من الأيمان قولان: أحدهما: خمسون يمينًا. والثاني: يقسم بقدر حقه من الدية فإن كان له نصفها خلف خمسة وعشرين يمينًا وإن كان لها ثلثها حلف سبعة عشرة يمينًا. مسألة: قال الشافعي ﵁: "ولا تجب القسامة في دون النفس". قال في الحاوي: وهذا صحيح وإنما لم تعجب فيما دون النفس قسامة كان فيما دون النفس دية كاملة كاللسان والذكر أو كان دونها لأمرين" أحدهما: لتغليظ حرمة النفس علة ما دونها ولذلك تغلظت بالكفارة فتغلظت بالقسامة. والثاني: أن القسامة وجبت للورثة لقصورهم عن معرفة القاتل وتعذر البينة عليهم

стр. 6850

فحكم (لهم) بالقسامة مع اللوث احتياطًا للدماء وفيما من دون النفس يعرف المجني عليه من جنى عليه ويقدر على إقامة البينة عليه فلم يحكم له بالقسامة لاستغنائه في الغالب عنها. مسألة: قال الشافعي ﵁: "ولو لم يقسم حتى ارتد فأقسم وقفت الدية فإن رجع أخذها وإن قتل كانت فيئًا". قال في الحاوي: وهذا صحيح. وإذا ارتد الولي في القسامة لم تخل ردته من ثلاثة أقسام: أحدهما: أن تكون ردته قبل موت القتيل فليس له أن يقسم ولا له إن أسلم بعد موته أن يقسم، لأن ردته بعد موته تمنعه من الميراث ولا يصير وارثًا بإسلامه بعد الموت، ولا تصح القسامة إلا من وارث فإن لم يكن للمقتول وارثًا فلا قسامة ويصير دمه هدرًا. وإن كان له وارث غيره قام مقامه وأقسم. والثاني: أن يرتد بعد موته القتل وبعد قسامته فقد وجبت الدية بقسامته وتكون موقوفة على ما يكون من حال ردته فإن عاد إلى الإسلام دفعت إليه وإن مات على ردته كانت الدية مع جميع ماله فيئًا في بيت المال. والثالث: أن تكون ردته بعد موت القتيل وقبل قسامته فيمنعه الحاكم من القسامة في زمانه ردته لأن أيمان القسامة موضعه للزجر، وهو مع ظهور الردة غير منزجر ويكون الأمر موقوفًا على عقبي ردته فإن أسلم منها أقسم وقضى له بدية. وإن مات مرتدًا سقطت القسامة وصار الدم هدرًا إن لم يكن للقتيل وراث؛ لأن ماله يصير لبيت المال إرثًا لكافة المسلمين وليس فيهم من يتعين في القسامة، ولا يمكن أن يقسم جميعهم ولا يجوز للإمام أن يقسم عنهم فلذلك صار الدم هدرًا. فلو أقسم في زمان واستوفى الحاكم عليه أيمان قسامته صحت القسامة إذا قيل إن ملك المرتد باق عليه، وإن قيل إن ملكه قد زال عنه بالردة ففي صحة قسامته وجهان: أحدهما: لا تصح منه القسامة لأنه لا يملك بها الدية. والثاني: تصح منه القسامة، لأن المرتد لا يمنع من اكتساب المال وهذا من اكتسابه وإن زال ملكه عن أملاكه، فعلى هذا إن قيل بصحة قسامته كانت الدية موقوفة إلى ما ينتهي إليه الحال، فإن أسلم ملكها وإن قتل بالردة كانت فيئًا وإن قيل ببطلان قسامته وقف أمره: فإن أسلم استأنف القسم، وإن قتل بالردة صار الدم هدرًا، والله أعلم. مسألة: قال الشافعي ﵁: "والإيمان في الدماء مخالفة لها في الحقوق وهي

стр. 6851

في جميع الحقوق يمين يمين وفي الدماء خمسون يمينًا. وقال في كتاب العمد ولو ادعى أنه قتل خطأ فالدية عليه في ثلاث سنين بعد أن يحلف ما قتله إلا خطأ فإن نكل حلف المدعى لقتله عمدًا وكان له القود. قال المزني: هذا القياس على أقاويله في الطلاق، والعتاق وغيرهما في النكول ورد اليمين". قال في الحاوي: الدعاوي ضربان في دم وغير دم، فأما الدعاوي في غير الدماء فلا تغلظ بغير الزمان والمكان فلا يبدأ فيها بيمين المدعى ولا تكرر فيها الأيمان ولا يستحق فيها إلا يمين واحدة سواء كان مع الدعوى لوث أو لم يكن، لقصور ما سوى الدماء عن تغليظ الدماء. وأما الدعاوي في الدماء، فضربان: في نفس، وطرف، فأما في النفوس فضربان: أحدهما: أن يقترن بالدعوى لوث فتغلظ غي حكمين: أحدهما: تبدئة المدعي وتقديمه على المدعى عليه وهذا يستوفي فيه حكم كل ممن كلمت له دينه أو نقصت. والثاني: تغليظ الأيمان بخمسين يمينًا وهذا معتبر بحال المقتول فإن كملت فيه الدية بان يكون رجلًا حرًا مسلمًا كمل فيه تغيظ الإيمان بخمسين يمينًا، وإن لم تكمل الدية، بأن كان امرأة وجبت فيها نصف الدية، وكان ذميًا وجب فيه ثلث الدية، ففيه وجهان: أحدهما: تسقط الأيمان على كمال الدية فتغلظ في قتل المرأة بخمسة وعشرين يمينًا، وفي قتل الذمي بسبعة عشر يمينًا ليقع الفرق في التغليظ بين حكم القليل والكثير اعتبارًا بالدية. والثاني: وهو أصح أنها تغلظ في كل قتيل بخمسين يمينًا من قلت ديته وكثرت حتى في دية الجنين، لأنه لما استوي التغليظ بالكفارة في قتل جميعهم كذلك في الغليظ بأيمان القسامة فإذا تقرر أن المدعى يحلف خمسين يمينًا لم يخل أن يكون واحدًا أو جماعة فإن كان واحد حلف جميعها ووالي بينهما ولم يفرقها، لأنها في الموالاة أغلظ وأزجر فإن حلف أكثرها ونكل عن أقلها ولو بيمين واجدة ولم يستحق بما تقدم من أيمانه شيئًا من الدية لتعلق الحكم بجميعها، وإن كانوا جماعة ففي أيمانهم قولان: أحدهما: يحلف كل واحد منهم خمسين يمينًا يستوي فيها من قل سهمه الدية وكثر، لأن تكرار الأيمان موضوع للتغليظ والزجر، وليس يزجر الواحد منهم إلا بأيمان نفسه، فوجب أن يستوفي حقه، فعلى هذا إن أقسموا جميعًا، قضى لهم بجميع الدية واقتسموا على قدر مواريثهم، فإن حلف بعضهم ونكل البعض قضى للحالف بحقه من الدية دون الناكل. والثاني: وهو الأصح أن الأيمان مقسومة بينهم على قدر مواريثهم بجبر الكسر، فإن كانوا زوجه وابنًا وبنتًا وحلفت الزوجة سبعة أيمان والابن ثلاثين يمينًا والبنت خمس عشرة يمينًا ثم على قياسه لأن التغليظ بعدد الأيمان يختص بالدعوى وهم فيها مشتركون فوجب

стр. 6852

أن يكونوا في تغليظ أيمانها مشتركين. فعلى هذا إن حلفوا قضى لهم بجميع الدية، وإن حلف بعضهم ونكل بعضهم لم يحكم للحالف بحقه من الدية إلا بعد استكمال خمسين يمينًا، فإن طلب طالب الناكل لم يستحق شيئًا بيمين غيره وإن استوفى الحاكم جميع الأيمان، حتى يحلف عدد أيمانه التي تلزمه بقدر حقه. فإن نكل جميعًا عن الأيمان، ردت على المدعى عليه، فإن كان واحدًا حلف خمسين يمينًا، لأن الأيمان لما غلظت في جنبة المدعى عليه، فأن كان واحدًا حلف خمسين يمينًا، لأن الأيمان لما غلظت في جنبة المدعي، وجب أن تغلظ في نقلها إلى المدعى عليه، لتتكافأ الجنبتان في الغليظ، فإن المدعى عليهم جماعة ففي إيمانهم قولان: أحدهما: وهو الناصح هاهنا أن كل واحد منهم يحلف خمسين يمينًا والأصح المدعين أن تسقط بينهم، لأن كل واحد من المدعى عليهم كالمنفرد في وجوب القود والتزام الكفارة، فكان كالتفرد في عدد الأيمان، وخالف المدعين لأن الواحد من الجماعة لا يساوي المنفرد فيها فافترق. والثاني: أن الأيمان مقسطة بينهم على أعدادهم يجبر الكسر يستوي فيه الرجل والمرأة بخلاف أيمان المدعين، لأن المدعين يتفاضلون في ميراث الدية فيفاضلوا في الأيمان والمدعى عليهم يستوون في التزام الدية فيساووا في الأيمان، والله أعلم. فصل: فإن حلفوا برئوا من القتل فلم يلزمهم قود ولا دية. وقال أبو حنيفة: إذا حلفوا غرموا الديةـ احتجاجًا برواية زياد بن أبي مريم أن جده أتى رسول الله ﷺ فقال: أخي قتل بين قريتين فقال رسول الله ﷺ : يحلف خمسون رجلًا، فقال: ما لي من أخي غير هذا قال: نعم ولم مائة من الإبل فجمع له بين الأيمان والدية. ولما روى أن عمر بن الخطاب ﵁ أحلفهم خمسين يمينًا ما قتلناه، ولا عرفناه قاتله وأغرمهم الدية. قال: ولأن حكم القسامة مخالف لأثر الدعوى، فصارت الأيمان في القسامة موضوعه للإيجاب وغيرها من الدعاوي موضوعه للإبراء والإسقاط. ودليلنا قول النبي ﷺ للأنصار فيبرئكم يهود بخمسين يمينًا فاقتضى أن يبرؤوا بأيمانهم، ولأن اليمين توجب تحقيق ما حلف عليه وإثبات حكمه، فلما كانت يمينه موضوعه لنفي القتل، وجب أن ينتفي عنه حكم القتل كما كانت يمينه في سائر الدعوى موضوعه لنفي الدعوى فسقط عنه حكمها وفي هذا انفصال عن الاستدلال وقد تقدم الجواب عن الخبر والأثر. فصل: وإن نكل المدعى عن الإيمان أغرموا الدية ولم يحسبوا. وقال أبو حنيفة:

стр. 6853

(يحبسون) حتى يخلفوا ثم يغرمون استدلالًا بأن الأيمان في القسامة هي نفس الحق فوجب أن يحسبوا عليه كما يحسبون على سائر الحقوق وهذا خطأ من وجهين: أحدهما: أن الأيمان في الشرح موضوعه للتغليظ والزجر، حتى لا يقدم على كذب في دعوى ولا إنكار، فإذا امتنع منها فقد انزجر بها فلم يجز أن يحبس عليها ليكره على أيمان ربما اعتقد كذبه فيها، فيصير محمولًا على الكذب والحنث. والثاني: أن نكوله في غير القسامة لما لم يوجب حبسه لنفس الأحبار عن الأيمان، فنكوله في القسامة أولى لأن الأيمان أكثر والتغليظ فيها أشد وقوله: "إن الأيمان هي نفس الحق" فليس صحيح لأن الأيمان لقطع الخصومة وإسقاط الدعاوي ولو كانت نفس الحق لما جاز أن يقبل منهم الدية إذا اعترفوا وحكمهم في الاعتراف أغلظ من الجحود. فصل: والثاني: أن لا يكون مع الدعوى لوث فتسقط لعدم اللوث البداية بيمين المدعي لضعف سببه القول المدعى عليه مع يمينه، وفي تغليظها بالعدد قولان: أحدهما: وهو قول أبي حنيفة واختار المزني أنها لا تغلظ بالعدد ويستحق فيها بيمين واحد يخلف بها المدعى على إنكاره؛ لأنه لما سقط لعدم اللوث تغليظ القسامة في الابتداء بيمين المدعى سقط تغليظها بعدد الأيمان جمعًا بينها وبين سائر الدعاوي في الأمرين. والثاني: أنها تغلظ بالعدد فيحلف خمسين يمينًا، تغليظًا لحرمة النفس، كما تغلظ بالكفارة وإن لم يحكم فيها بالقسامة، فعلى هذا إن كان المدعى عليه واحدًا حلف خمسين يمينًا، وإن كانوا جماعة فعلى ما قدمناه من القولين: أحدهما: أن يحلف كل واحد منهم خمسين يمينًا. والثاني: أن الخمسين مسقطة بينهم على عدد الرؤوس. فإن كانوا خمسة حلف كل واحد منهم عشرة أيمان، وإن كانوا عشرة حلف كل واحد منهم خمسة أيمان، فإن حلفوا برئوا وإن نكلوا ردت الأيمان على المدعى وهل تغلظ بالعدد إذا ردت عليه؟ على قولين: كالمدعى عليه: أحدهما: لا تغلظ ويحلف يمينًا واحدة. ويستحق دم صاحبه في العهد والخطأ. والثاني: تغلظ بالعدد فيحلف خمسين يمينًا فإن كان واحدًا حلف جميعها وإن كانوا جماعة فعلى قولين: أحدهما: يحلف كل واحد منهم خمسين ميتًا. والثاني: أنها تسقط بينهم على قدر مواريثهم يجبر الكسر. فإذا حلفوا لهم بدم صاحبهم، واستحقوا القود في العمد قولًا واحدًا لأن أيمانهم بعد نكول المدعى عليه تجري مجري إقراره، في أحد القولين ومجرى البينة في القول الثاني.

стр. 6854

والقود مستحق بالإقرار ومستحق فإن عن الأيمان عند ردها عليه برئ المدعى عليه بإنكاره المتقدم. فصل: وإن كانت دعوى الدم فيما دون النفس لم يعتبر فيها اللوث لما قدمناه، من تغليظ النفس على ما دونها، فسقط الابتداء فيها بيمين المدعى فيكون القول فيها قول المدعى عليه مع يمينه وتغليظها بالعدد مبني على تغليظها في دعوى النفس عند عدم اللوث فإن قيل: لا تغلظ بالعدد في النفس إذا عدم اللوث فأولى ألا تغلظ بالعدد فيما دون النفس؛ لأنه حرمة النفس أغلظ وإن قيل بتغليظها في النفس عند عدم اللوث ففي تغليظها بالعدد فيما دون النفس قولان: أحدهما: لا تغلظ بالعدد وإن غلظت به في النفس لاختصاص النفس بعظم الحرمة ووجوب الكفارة. فعلى هذا يحلف المدعى عليه يمينًا واحدة سواء كانت الدعوى فيما تكمل فيه الدية كاليدين أو فيما يجب فيه بعضها كالموضحة. والثاني: أنه تغلظ فيما دون النفس بالعدد، كما تغلظ في النفس، لأنه لما استوي حكم النفس وما دونها في وجوب القود وتحمل العقل تغليظًا لحكم الدماء استويا في التغليظ بعدد الأيمان- فعلى هذا لا يخلو حال الدعوى فيما دون النفس من ثلاثة أقسام: أحدهما: أن تكمل فيها الدية من غير زيادة ولا نقصان كقطع اليدين أو الرجلين أوجب الذكر أو قطع اللسان فتغلظ الأيمان فيه بخمسين يمينًا لأنه لما ساوى النفس في الدية ساواها في عدد الأيمان فعلى هذا إن كان المدعى عليه واحدًا حلف خمسين يمينًا وإن كانوا جماعة فعلى قولين: أحدهما: يحلف كل واحد منهم خمسين يمينًا. والثاني: إنها مقسطة بينهم على أعدادهم. فإن كانوا خمسة خلف كل واحد منهم عشرة أيمان، فيصير فيما يحلف به كل واحد منهم ثلاثة أقاويل: أحدها: خمسون يمينًا. والثاني: عشرة أيمان. والثالث: يمين واحدة فصل والقسم الثاني: أن يستحق بالعدوى بعض الدية كإحدى اليدين أو كالموضحة ففيما تغلظ من العدد قولان: أحدهما: تغلظ بخمسين يمينًا فيما قل من الدية وكثر اعتبارًا بحرمة الدم. والثاني: تقسط الأيمان على الدية وتغلظ فيما دونها بقسطها من كمال الدية، فإن

стр. 6855

(أوجبت) نصف الدية، كإحدى اليدين غلظت بخمسة وعشرين يمينًا، وإن أوجبت ثلث الدية كالجائفة غلظت بسبعة عشرة يمينًا. وإن أوجبت عشر الدية كالإصبع غلظت بخمسة أيمان. وإن أوجبت نصف عشرها كالموضحة غلظت بثلاثة أيمان: فعلى هذا إن كان المدعى عليه واحد حلف هذه الأيمان على اختلاف الأقاويل فيها وإن كانوا جماعة فعلى قولين: أحدهما: يحلف كل واحد منهم جميع هذه الأيمان المختلف في عددها. والثاني: يقسط عدد الأيمان بينهم على أعداد رؤوسهم فيجيء فيما يحلف به كل واحد منهم إذا كانوا خمسة وكانت الدعوى في قطع أحد اليدين خمسة أقاويل: أحدها: يحلف خمسين يمينًا. والثاني: يحفل خمسة وعشرين يمينًا. والثالث: عشرة أيمان. والرابع: خمسة أيمان. والخامس: يمينًا واحدة، فإن نكلوا عن الأيمان ردت على المدعي وكان حكمه في تغليظ الأيمان بالعدد مثل حكمهم على ما رتبناه من الأقاويل وشرحناه من التفصيل، والله أعلم. فصل: والثالث: أن يستحق بالدعوى أكثر من الدية مثل قطع اليدين مع الرجلين، أو جدع الأنف مع اللسان، فتشتمل الدعوى على ديتين فإن قيل: إن الأيمان لا تغلظ بالعدد في الدية وما دونها لم تغلظ بالعدد فيما زاد عليها، واقتصر فيها على يمين واحدة وإن اشتملت على ديتين. وإن قيل إن الأيمان تغلظ بالعدد في الدية وما دونها. فأولى أن تغلظ بالعدد فيما زاد عليها، وهل تكون الزيادة على الدية موجبة لزيادة العدد في الأيمان أم لا؟ على وجهين: أحدهما: لا توجبها لأن الخمسين غاية العدد في التغليظ فلم يحتج التغليظ إلى تغليظ. والثاني: أن الخمسين تغليظ مقدر في دية النفس فصار غاية فيها فلم يصير غاية فيما زاد عليها. فعلى هذا أوجبت الدعوى ديتين تغلظت الأيمان بمائة يمين، وإن أوجبت دية ونصف تغلظت بخمسة وسبعين يمينًا، وإن أوجبت دية وثلث تغلظت بسبعة وستين يمينًا. وعلى هذا القياس، ثم إن كانت على واحد حلف بجميعها، وإن كانت على جماعة فعلى ما قدمناه من القولين: أحدهما: يحلف كل واحد منهم جميعها.

стр. 6856

والثاني: تقسط بينهم على أعدادهم، فيجيء فيما يحلف كل واحد منهم إذا كانوا خمسة والدعوى فيما يوجب ديتين خمسة أقاويل: أحدها: مائة يمين. والثاني: خمسون يمينًا. والثالث: عشرون يمينًا. والرابع: عشرة أيمان. والخامس: يمينًا واحدًا. فإن نكلوا عن الأيمان وردت على المدعي كان حكمه في تغليظ الأيمان بالعدد مثل حكمهم، والله أعلم. مسألة: قال الشافعي ﵁: "وسواءٌ في النكول المحجور عليه وغير المحجور عليه ويلزمه منها في ماله ما يلزم غير المحجور والجناية خلاف البيع والشراء فإن قال قائلٌ: كيف يحلفون على ما لا يعلمون قيل فأنتم تقولون لو أن ابن عشرين سنة رئي بالمشرق اشترى عبدًا ابن مائة سنةٍ رئي بالمغرب فباعه من ساعته فأصاب به المشتري عيبًا أن البائع يحلف على البت لقد باعه إياه وما به هذا العيب ولا علم له به الذي قلنا قد يصح علمه بما وصفنا". قال في الحاوي: أما الحجر فضربان: أحدهما: يكون لارتفاع القلم كالجنون والصغر فيمتنع من سماع الدعوى منه وعليه لأنه لا حكم لقوله مال ولا بدن. والثاني: أن يكون مع ثبوت القلم عليه بالبلوغ والعقل وقد ثبت الحجر فيه بأحد خمسة أسباب: السفه والفلس والمرض والرق والردة. وهذه المسألة مقصورة على الحجر بالسفه لأن ما عداه له مواضع قد مضى بعضها ويأتي باقيها وإذا كان كذلك لم يخل حال المحجور عليه بالسفه من أن يكون مدعيًا، أو مدعي عليه فإن كان مدعيًا، سمعت دعواه، وكان فيها الرشيد، وإن توجهت عليه يمين إما ابتداء في القسامة أو انتهاء في الرد بعد النكول حلف فيها، وحكم له بموجبها كالرشيد، لأن في ذلك حفظ لماله والحجز يمنعه من إتلافه، وإن كان مدعي عليه سمعت الدعوى عليه لأنه قد ينكرها فيستحلف عليها أو تشهد بها بينة فيكون لها حكم وإذا كان كذلك لم تخل الدعوى عليه من أن تكون في دم أو مال. فإن كانت في دم لم تخل من أن تكون موجبة للقسامة، أو غير موجبة لها، فإن أوجبت القسامة لوجود اللوث في قتل نفس، فللمدعي أن يقسم على المحجور عليه، كما يقسم على الرشيد ويقضي عليه بموجب

стр. 6857

أيمانه إذا حلف، فإن نكل عن الأيمان ردت على المحجور عليه، فإن حلف برئ، وإن نكل قضي عليه بالدعوى وكان فيما يجب عليه بنكوله كالرشيد، وإن كانت دعوى الدم غير موجبة للقسامة فهي على ضربين: أحدهما: أن تكون في عمد يوجب القود فتسمع الدعوى عليه، فإن أقر بها صح إقراره كما يصح إقرار العبد بها لانتفاء التهمة عنه فإن عفا عن القود وجبت الدية في ماله وأخذت منه مع بقاء حجره، وإن نكل عن اليمين ردت على المدعي وحكم له بدعواه إذا حلف وخير بين القود والدية. والثاني: أن تكون خطأ يوجب المال دون القود فتسمع الدعوى عليه فإن أقر بها ففي صحة إقراره قولان: أحدهما: وهو الأصح أنه لا يصح كالمال. والثاني: أنه يصح لتغليظ حرمة الدماء والنفوس، كالعمد فإن أبطل إقراره بها لم يلزمه ولا عاقلته وإن صح إقراره بها لزمته الدية في ماله دون عاقلته إلا أن يصدقوه عليها فيتحملونها عنه. وإن أنكر الدعوى، أحلف عليها فإن حلف برئ وإن نكل عن اليمين فإن قلنا إن إقراره يصح ردت اليمين على المدعي وحكم له إذا نكل، وهل تجب الدية على عاقلته أم لا؟ على قولين: بناء على اختلاف قوليه في يمين المدعي بعد نكول المدعي عليه هل تقوم مقام البينة أو مقام الإقرار فإن قيل إنها تقوم مقام البينة أو مقام الإقرار فإن قيل إنها تقوم مقام البينة تحملت العاقلة الدية كما نتحملها بالبينة وإن قيل إنها تقوم مقام الإقرار لم تتحملها العاقلة كما لا تتحملها بإقراره وإن قلنا إن إقرار السفيه بها باطل ففي رد اليمين على المدعي بعد نكول السفيه عنها قولان: أحدهما: ترد عليه إذا قيل إن يمينه كالبينة. والثاني: لا ترد إذا قيل إن يمينه كالإقرار. فصل: وإن كانت الدعوى في مال محض سمعت عليه فإن أنكرها حلف وبرئ وإن نكل عنها كان في رد اليمين على المدعي ما قدمناه من القولين فإن أقر بها لم يلزمه إقراره قولًا واحدًا، لما تضمنه من استهلاك ماله الذي هو متهوم فيه فلا يلزمه في ظاهر الحكم. وهل يلزمه فيما بينه وبين الله تعالى أم لا؟ معتبرًا بالمال فإن كان عن إتلاف، واستهلاك، إما لنفسٍ أو مال، لزمه فيما بينه وبين الله تعالى وإن لم يلزمه في ظاهر الحكم ما كان حجره باقيًا فإذا فك حجره غرمه، وإن كان عن معاملة ومراضاة لم يلزمه فيما بينه وبين الله تعالى. كما يلزمه في ظاهر الحكم ولا يلزمه غرمه بعد فك حجره وهو معنى قول الشافعي والجناية خلاف البيع والشراء.

стр. 6858

كما يلزمه في ظاهر الحكم ولا يلزمه غرمه بعد فك حجره وهو معنى قول الشافعي والجناية خلاف البيع والشراء. والفرق بينهما: أن ديون المراضاة كانت باختيار صاحبها فصار هو المستهلك لها بإعطائه إياها وديون الجنايات والاستهلاك عن المراضاة فلم يكن من صاحبها ما يوجب سقوط غرمها فافترقا من هذين الوجهين فيما بينه وبين الله تعالى وفي الرجوع به بعد فك الحجر، فعلى هذا إن استحق الغرم في استهلاك مال عمل غرمه عند فك حجره لأن غرم الأموال المستهلكة معجل وإن استحق في دية خطأ تأجيلها ففي ابتداء الأجل وجهان: أحدهما: من وقت الإقرار لوجوبها به. والثاني: من وقت فك حجره لأنه بفك الحجر صار من أهل غرمها والله تعالى أعلم. باب ما ينبغي للحاكم أن يعلمه من الذي له القسامة وكيف يقسم مسألة: قال الشافعي ﵁: "وينبغي أن يقول له من قتل صاحبك؟ فإن قال فلان قال وحده فإن قال نعم قال عمدًا أو خطأ فإن قال عمدًا سأله وما العمد؟ فإن وصف ما في مثله القصاص أحلف على ذلك وإن وصف من العمد ما لا يجب فيه القصاص لم يحلفه عليه والعمد في ماله والخطأ على عاقلته في ثلاث سنين فإن قال قتله فلان ونفر معه لم يحلفه حتى يُسمى النفر أو عددهم إن لم يعرفهم". قال في الحاوي: وهذا كما قال إنما يسمع الحاكم الدعوى للحكم بها وليس يسمعها ليعلم قول المدعي فيها والحكم لا يجوز إلا بمعلوم مقدر لمعين على معين فكذلك لا تسمع الدعوى إلا هكذا ليصح له الحكم فيها، فإذا ادعى رجل عند الحاكم قتل أب له أو أخ سأله الحاكم عن قتله لتتوجه الدعوى على معين سؤاله عنها فإذا قال قتله وحده أو مع غيره، لأن حكم الانفراد في القتل مخالف لحكم الاشتراك فيه. وله الحالتان: أحداهما: أن يفرده بالقتل. والثانية: أن يجعله فيه شريكًا لغيره، فإن أفرده بالقتل فقال: قتله وحده سأله عن القتل هل كان عمدًا أو خطأ؟ لأن حكم العمد مخالف لحكم الخطأ. وله حالتان: أحداهما: أن يدعي العمد. والثانية: أن يدعي الخطأ، فإن قال قتله عمدًا سأله عن العمد، لأنه قد يتصور قتل

стр. 6859

العمد فيما ليس بعمد لاختلاف الفقهاء فيما يوجب القود من العمد وله حالتان: إحداهما: أن يصفه بما يكون عمدًا. والثانية: أن يصفه بما لا يكون عمدًا فإن وصفه بما يكون عمدًا فقد كملت حينئذٍ الدعوى وجاز للحاكم سؤال المدعي عليه عنها وكمالها بهذه الشروط الأربعة تعين المدعي عليه، ثم ذكر الانفراد والاشتراك، ثم ذكر العمد أو الخطأ، ثم صفته بما يكون عمدًا أو خطأ. فإذا سأل المدعي عليه وهو منفرد في قتل عمد فله حالتان: إحداهما: أن يقر بالقتل. والثانية: أن ينكر، فإن أقر بالقتل وجب عليه القود سواء كان مع الدعوى لوث أو لم يكن. فإن عفا الولي عن القود وجبت له الدية المغلظة حالة في مال القائل. وإن أنكر القتل فللدعوي حالتان. إحداهما: أن يقترن بها لوث فيحكم للمدعي فيها بالقسامة في التبدية بالمدعي وإحلافه خمسين يمينًا، فإذا أقسم بها فهل يشاط بها الدم ويقتص بها من المدعي عليه أم لا؟ على قولين مضيا القديم منها يشاط بها الدم فورًا والجديد منهما: أنه لا قود وتجب الدية المغلظة حالة في مال المدعي عليه. والثانية: أن لا يكون مع الدعوى لوث فلا قسامة فيها ويكون القول قول المدعي عليه مع يمنيه وهل تغلظ بالعدد؟ على ما قدمناه من القولين. فإن حلف برئ من القود والدية، وإن نكل ردت اليمين على المدعي، وهل تغلظ بالعدد؟ على ما مضى من القولين. فإن حلف حكم له بالقود إن شاء وإن عفا فالدية وإن نكل فلا شيء له من قود ولا دية وبرئ المدعي عليه من الدعوى إلا أن تكون بينة. فصل: وإذ قد مضت الدعوى على المنفرد فالحالة الثانية أن تكون الدعوى عليه مع جماعة شاركوه فيه فيقول: قتله هذا مع جماعة فيسأل عن عددهم لاختلاف الحكم بقلة الشركاء وكثرتهم ولا يلزم التعين عليهم بأسمائهم، وإن كان تعينهم مع ذكر عددهم أوكد وأحوط. وله حالتان: إحداهما: أن يذكر عددهم. والثانية: أن لا يذكر العدد: فإن ذكر عددهم، فقال هذا واثنان معه سأل هل شاركاه عمدًا أو خطأ لأن شركة الخاطئ تسقط القود عن العامد. ولفه في الجواب ثلاثة أحوال: أحدها: أن يقول: شاركاه عمدًا. والثاني: أن يقول: شاركاه خطأ. والثالث: أن لا يعلم صفة شوكتهما له هل كانت عمدًا أو خطأ. فإن وصف الشركة

стр. 6860

بالعمد، سئل لحاضر المدعي عليه، فإن أقر وجب عليه القود. وإن أنكر ولا لوث حلف وبرئ وإن كان لوثي أحلف المدعي خمسين يمينًا، وإن كان على واحد من ثلاثة لأن الحق في القسامة لا يثبت إلا بها، وهل يحكم له بالقود أم لا؟ على قولين وإن وصف الشركة بالخطأ، لم يحكم له بالقود إذا أقسم قولًا واحدًا، وكذلك إذا لم يعلم صفة الشركة هل كانت عمدًا أو خطأ؟ لجواز أن تكون خطأ فلا يحكم بالقود مع الشك، وحكم له بثلث الدية المغلظة حالة في مال الجاني لأنها مستحقة عن عمد على كل واحد من ثلاثة وإن حضر ثانٍ بعد القسامة على الأول لم يكن الحكم بها على الأول حكمًا على الثاني وسأل الثاني عنها فإن أقر فكان عامدًا اقتص منه وإن كان خاطئ وجب ثلث الدية عليه دون عاقلته، لأن العاقلة لا تتحمل اعتراف الجاني. وإن أنكر الثاني: نظر فيه هل كان مشاركًا في اللوث أو غير مشارك فيه، فإن كان غير مشارك في اللوث لأن الأول كان في دار المقتول والثاني لم يكن فيها لم يحكم بالقسامة في الثاني وإن حكم بها في الأول لكل واحد منهما حكم نفسه فيبدأ بيمين المدعي في الأول ويمين المدعي عليه في الثاني وإن كان مشاركًا في اللوث لوجوده مع الأول في دار المقتول أقسم المدعي على الثاني وفي عدد ما يقسم به على الثاني وجهان: أحدهما: خمسون يمينًا كالأول. والثاني: خمسة وعشرون يمينًا واختاره أبو إسحاق المروزي لأن حصته من الخمسين لو حضر مع الأول خمسة وعشرون يمينًا فإن وصف قتله بالعمد ففي وجوب القود عليه بعد القسامة قولان: وإن وصفه بالخطأ فقسطه من الدية على عاقلته لوجوبها بالقسامة. وإن جهل المدعي صفة قتله، ففي جواز القسامة عليه وجهان: أحدهما: لا تجوز القسامة عليه للجهل بموجبها، لأن دية العمد عليه ودية الخطأ على عاقلته. والثاني: وهو محكي عن أبي إسحاق المروزي تجوز القسامة عليه لأن الجهل بصفة القتل لا يكون جهلًا بأصل القتل. فإذا أقسم الولي المدعي حبس الثاني حتى يبين صفة القتل هل كانت عمدًا أو خطأ فإن تطاول حبسه ولم يبين أحلف ما قتله عمدًا ولزم دية الخطأ في ماله مؤجلة وفي تغليظ هذه اليمين عليه بالعدد وجهان فإن حضر الثالث بعد الثاني كان كحضور الثاني بعد الأول فيكون حكمه على ما ذكرنا في الثاني إلا في شيء واحد وهو أنه إذا أقسم الولي المدعي وقلنا: تقسم الأيمان بالحصة حلف الثالث سبعة عشر يمينًا هي ثلثها بعد جبر كسرها لأنه أحد ثلاثة لو اجتمعوا لكانت حصته من الخمسين ثلثها هذا حكمه إذا ذكر المدعي عدد الشركاء في القتل. فأما إذا لم يذكر عددهم، لم تخل دعواه من أن تكون في قتل عمد أو خطأ فإن

стр. 6861

كانت في خطأ، لم تكن له القسامة لأنه جاهل بقدر ما يستحقه منها، لأنه إن شارك واحدًا استحق عليه نصف الدية، وإن كانوا عشرة استحق عليه عشرها، وإن كان عمدًا يوجب القود فإن قلنا: إنه لا قود في القسامة على قوله في الجديد، فلا قسامة لأن موجبها الدية وقدر استحقاقه منها مجهول كالخطأ. وإن قلنا بوجوب القود في القسامة على قوله في القديم ففي جواز القسامة وجهان: أحدهما: تجوز ويقسم بها المدعي لأن القود استحق على الواحد إذا انفرد كاستحقاقه عليه في مشاركة العدد. والثاني: وهو قول أبي إسحاق المروزي وأبي علي بن أبي هريرة لا يجوز أن يقسم لأنه قد يعفو عن القود إلى الدية فلا يعلم قدر استحقاقه منها والحكم يجب أن يكون قاضيًا بما يفضل به التنازع. فصل: وإذ قد مضت الدعوى في قتل العمد فالحالة الثانية في الدعوى في قتل الخطأ، فينبغي للحاكم أن يسأل المدعي عن الخطأ هل كان محضًا أو شبه العمد لاختلافهما في التغليظ والتخفيف، فإن قال شبه العمد، سأله عن صفته كما يسأله عن صفة العمد المحض، لأنه قد يشتبه عليه محض الخطأ بالعمد وشبه العمد، ثم يعمل على صفته دون دعواه. فإن كان ما وصفه شبه العمد، غلظت فيه الدية بعد القسامة، وإن كان ما وصفه خطأ محضًا خففت فيه الدية بعد القسامة، فلم يمنع مخالفة صفته لدعواه من جواز القسامة ولا يختلف قول الشافعي وأصحابه فيه لأن الوجوب في الدية في الحالين على العاقلة وإنما اختلفوا في زيادتها في دعواه بالتغليظ ونقصانها في صفتها بالتخفيف فصار في الصفة كالمبدئ في بعض الدعوى. ولا يمنع ذلك من جواز القسامة، وإن كان قد ادعى قتل خطأ محض فقد اختلف أصحابنا هل يلزم الحاكم أن يسأل عن صفة الخطأ أم لا؟ على وجهين: أحدهما: لا يلزمه السؤال عن صفة الخطأ لأن الخطأ أقل أحوال القتل وإنما يلزم أن يسل عن العمد وعن شبه العمد لجواز أن يكون خطأ محضًا ولم يلزم ذلك في الخطأ المحض. والثاني: وهو أصح يلزم الحاكم أن يسأله عن صفة الخطأ لأنه قد يجوز أن يشتبه عليه القتل المضمون بما ليس بمضمون. ولأنه قد يسقط في بئر حفرها المدعي عليه في ملكه فلا يكون ضامنًا لقتله، فإذا سأله عن صفته لم يخل ما وصفه من أربعة أحوال: أحدها: أن يكون خطأ مضمونًا، فتوافق صفته دعواه، فيحكم له بالقسامة. والثاني: أن يصفه بما لا يكون قتلًا مضمونًا، فلا قسامة له، والمدعي عليه برئ

стр. 6862

من الدعوى. والثالث: أن يصفه بما يكون عمد الخطأ فيقسم على دعواه في الخطأ المحض دون عمد الخطأ لأن الدعوى أقل من الصفة فصار كالمبتدئ بها من زيادة الصفة. والرابع: أن يصفه بما يكون عمدًا محضًا. فالصفة من الدعوى في أربعة أحكام: أحدها: استحقاق القود في العمد وسقوطه في الخطأ. والثاني: تغليظ الدية في العمد وتخفيفها في الخطأ. والثالث: تعجيلها في العمد وتأجيلها في الخطأ. والرابع: استحقاقها على الجاني في العمد وعلى العاقلة في الخطأ فإن لم تكن له عاقلة تتحمل عنه دية الخطأ نظر فإن كان الجاني هو المحتمل لدية الخطأ أقسم على الدعوى دون الصفة ويحكم له بدية الخطأ دون العمد. فإن كانت له عاقلة تتحمل عنه دية الخطأ. نظر فإن رجع عن الدعوى إلى الصفة، لم يكن له أن يقسم على الدعوى ولا على الصفة، لأن المطالبة في الدعوى متوجهة إلى العاقلة وفي الصفة متوجهة إلى الجاني فصار في الدعوى أبرأ للجاني وفي صفة أبرأ للعاقلة فلم يكن له أن يقسم على واحد منهما وإن لم يرجع عن الدعوى إلى الصفة أقسم على الدعوى دون الصفة وحكم له بدية الخطأ دون العمد. فصل: وإذ قد مضى صفة العمد بما يكون عمدًا فالحالة الثانية أن يصفه بما لا يكون عمدًا، وله في صفة العمد بما ليس يعمد ثلاثة أحوال: أحدها: أن يصفه بما لا يكون عمدًا ولا خطأ من القتل الذي لا يضمن بقود ولا دية: كمن دخل دار رجل فتعثر بحجر، أو سقط في بئر أو سقط عليه جدار فالصفة قد برأت من الدعوى وسقطت القسامة فيها وبرأ المدعي عليه منها. والثانية: أن يصفه بعمد الخطأ كرجل ضرب رجلًا بعصا يجوز أن تقتل ويجوز أن لا تقتل فهو عمد الخطأ لأنه عامد في الفعل خاطئ في النفس. فله أن يقسم على الصفة دون الدعوى، ويحكم له بعمد الخطأ دون العمد المحض ولا يكون ما في الصفة من مخالفة الدعوى مانعًا من القسامة، لأن الاختلاف بين الدعوى والصفة لاشتباه الحكم دون الفعل. والثالثة: أن يصفه بالخطأ المحض فقد بطل حكم الدعوى بالصفة وسقطت القسامة في العمد، واختلف في سقوطها في الخطأ فنقل المزني أنه لا يقسم ونقل الربيع أن يقسم، فاختلف أصحابنا في اختلاف هذين النقلين على وجهين: أحدهما: وهو طريقة البغداديين أن اختلافهما محمول على اختلاف قولين:

стр. 6863

أحدهما: وهو ما نقله الربيع أنه يقسم وهو اختيار أبي إسحاق المروزي، لأن صفته أقل من دعواه فجاز أن يقسم على الأخف بضد دعوى الأغلظ. والثاني: وهو ما نقله المزني أنه لا يقسم وهو اختيار أبي علي بن أبي هريرة، لأن دية العمد في ماله ودية الخطأ على عاقلته، فكان في الدعوى أبرأ للعاقلة وفي الصفة أبرأ للجاني فسقطت القسامة عليهما. والثاني: وهو طريقة البصريين أنه ليس اختلاف النقل على اختلاف قولين وإنما هو على اختلاف حالين فنقل المزني أنه لا يقسم محمول على أنه أقسام على الدعوى، ولم يرجع عنها إلى الصفة فلا يقسم على الدعوى لإبطالها بالصفة ونقل الربيع أنه يقسم محمول على أنه رجع عن الدعوى إلى الصفة فيقسم على الصفة لرجوعه بها عن الدعوى التي هي أغلظ من الصفة، والله أعلم. مسألة: قال الشافعي ﵁: "ولو أحلفه قبل أن يسأله عن هذا ولم يقل له عمدًا ولا خطأ أعاد عليه الأيمان". قال في الحاوي: وهذا كما قال: إذا عجل الحاكم فأحلف المدعي عليه قبل سؤال المدعي عن شرط الدعوى في قتل العمد والخطأ في الجماعة والانفراد فقد أخطأ في استحلافه، لأمرين: أحدهما: أن الدعوى لم تكمل. والثاني: أنه لا يقدر على الحكم بما أحلف عليه للجهالة به، فتكون اليمين فيها ملغاة لا يحكم بها، سواء كانت اليمين من جهة المدعي في القسامة أو من جهة المدعي عليه في غير القسامة. لأن اليمين قبل استقرار الدعوى جارية مجرى اليمين قبل الدعوى، وهي قبل الدعوى غير معتد بها، لأن ركانة بن عبد العزيز قال لرسول الله ﷺ : طلقت امرأتي البتة، والله ما أردت بها إلا واحدة فقال له النبي ﷺ والله ما أردت بها إلا واحدة؟ فقال ركانة: والله ما أردت بها إلا واحدة فأعاد عليه اليمين ولم يعتد بيمينه قبل الاستحلاف فكذلك في جميع الدعاوي، وإذا كان كذلك فعلى الحاكم أن يعود إلى سؤال المدعي عن صفة القتل وما قدمناه من شروط الدعوى فإذا استكمل شروطها أعاد الاستحلاف عليها معلق ما يحكم باليمين الثانية دون الأولى وبالله التوفيق. باب عدد الأيمان مسألة: قال الشافعي ﵁: "يحلف وارث القتيل على قدر مواريثهم ذكرًا كان أو

стр. 6864

أنثى زوجًا أو زوجةً". قال في الحاوي: أما تغليظ الأيمان في القسامة بالعدد لضعف السبب الموجب لها وهو اللوث فقويت الدعوى لضعف سببها بتغليظ الأيمان فيها. وأما تقدير الأيمان فيها بخمسين يمينًا فلسنة رسول الله ﷺ الواردة بها، وقوله للأنصار: "تحلفون خمسين يمينًا وتستحقون دم صاحبكم! قالوا: لا. قال: فيبرئكم يهود بخمسين يمينًا". وإذا تغلظت بهذا العدد لم يقسم بها من أهل المقتول إلا الورثة منهم، لأن اليمين موضوعة لاستحقاق الدية فلم يحلف بها إلا مستحقها، وهم الورثة، وورثة الدية، هم ورثة الأموال من العصبات وذوي الفروض من الرجال، والنساء، والأزواج، والزوجات، وقد خلف بعض الفقهاء في ورثة الدية خلافًا ذكرناه في كتاب الفرائض. ولا فرق عند الشافعي وأكثر الفقهاء، بين ميراث الدية وميراث المال وإن كل من ورث المال ورثة الدية والقود وإذا كان كذلك لم يخل حال الوارث من أن يكون واحدًا، أو عددًا، فإن كان واحدًا، حلف خمسين يمينًا وإن كانوا عددًا ففيما يقسم به كل واحد منهم قولان ذكرناهما من قبل. أحدهما: يقسم كل واحد خمسين يمينًا، لأن العدد في القسامة كاليمين الواحدة في غير القسامة فلما تساووا في غير القسامة وجب أن يتساووا في القسامة، فعلى هذا يحلف كل واحد من ذكورهم وإناثهم، ومن قل سهمه وكثر خمسين يمينًا. والثاني: وهو الأصح - إن الأيمان تقسط بينهم على قدر مواريثم بجبر كسرها ليحلف جميعهم خمسين يمينًا، لأن أيمانهم في القسامة حجة لهم، كالبينة فجاز أن يشتركوا فيها، كاشتراكهم في البينة، فعلى هذا إن لم تكن فرائض الورثة عائلة قسمت على فرائضهم، فإن كانوا بنين وبنتًا، حلف كل واحد من الابنين عشرين يمينًا، وحلفت البنت عشرة أيمان، وعلى قياس هذا فيما اختلف فرائضهم فيه فإن كانت فريضة مواريثهم عائلة كزوج، وأم، وأختين لأب وأم، وأختين لأم - فللزوج النصف، وللأم السدس - والأختين من الأب والأم الثلثان، ولأختين من الأم الثلث، أصلها من ستة وتعول بثلثيها إلى عشرة. فقد اختلف أصحابنا في قسمة أيمان القسامة بينهم على أصل الفريضة أو على عولها على وجهين: أحدهما: أن تقسم بينهم على أصل الفريضة من ستة أسهم فيحلف الزوج نصف الخمسين - وهو خمسة وعشرون يمينًا لأن فرضه النصف، وتحلف الأم سدس الخمسين وهو تسعة أيمان بعد جبر الكسر، لأن فرضها السدس، وتحلف كل واحدة من الأختين للأب والأم ثلث الخمسين، وهو سبعة عشر يمينًا بعد جبر الكسر لأن فرضها الثلث وتحلف كل واحدة من الأختين لأم، سدس الخمسين وهو تسعة أيمان بعد جبر الكسر

стр. 6865

لأن فرضها السدس. والثاني: وهو الأصح أنها تقسم على أصل الفريضة وعولها من عشرة أسهم، فيحلف الزوج وسهمه ثلاثة أسهم من عشرة ثلاثة أعشار والخمسين وهو خمسة عشر يمينًا. وتحلف الأم ولها سهم من عشرة عشر الخمسين وهو خمسة أيمان، وتحلف كل واحدة من الأختين للأب والأم ولها سهمان من عشرة عشري الخمسين وهو عشرة أيمان، وتحلف كل واحدة من الأختين للأم ولها سهم من عشرة عشر الخمسين وهو خمسة أيمان، ثم على هذا القياس. مسألة: قال الشافعي ﵁: "فإن ترك ابنين كبيرًا وصغيرًا أو غائبًا وحاضرًا أكذب وأراد الآخر اليمين قيل له لا تستوجب شيئًا من الدية إلا بخمسين يمينًا فإن شئت فاحلف خمسين يمينًا وخذ من الدية مورتك وإن امتنعت فدع حتى يحضر معك وارث تقبل يمينه فيحلفان خمسين يمينًا فإن ترك ثلاثة بنين حلف كل واحد منهم سبع عشرة يمينًا يجبر عليهم كسر اليمين فإن ترك أكثر من خمسين ابنًا حلف كل واحدٍ منهم يمينًا يجبر الكسر من الأيمان". قال في الحاوي: وهذه مسألة وما يليها تتفرع على القول الذي يقسم فيه أيمان القسامة على قدر المواريث، فإذا خلف المقتول ابنين، أحدهما صغير والآخر كبير، أو أحدهما حاضر والآخر غائب، أو أحدهما مدع قتل أبيه والآخر مكذب له، فإن للكبير أن يقسم قبل بلوغ الصغير، وللحاضر أن يقسم قبل قدوم الغائب - فأما المكذب فهل تقسط قسامته بتكذيب أخيه أم لا؟ على قولين: نذكرهما في الباب الآتي فإن أراد البالغ الحاضر أن يقسم، أو المكذب في أحد القولين، قيل له: لا يحكم لك بحقك من الدية إلا أن تستوفي في أيمان القسامة كلها. وإن كان يلزمك في الاجتماع بعضها، لأن عدد الأيمان حجة لك في قبول دعواك، كالبينة فلم يجز أن يحكم بها إلا بعد استيفائها كما لا يحكم بالبينة، إلا بعد كمالها، فإذا حلف خمسين يمينًا حكم له بحقه من الدية، فإذا بلغ الصغير، أو قدم الغائب لم يحكم له بحقه من الدية حتى يحلف على دمه، فإن قيل: فالأيمان في القسامة حجة كالبينة فهلا كان وجودها من بعضهم حجة لجميعهم كالبينة؟ قيل: الفرق بينهما من وجهين: أحدهما: أن النيابة في إقامة البينة تصح وفي الأيمان لا تصح. الثاني: أن البينة حجة عامة والأيمان حجة خاصة، فلهذين الفرقين لم يثبت حقه
следующие страницы →