← Фикх шафии

Фикх шафии · id 16934

بحر المذهب للروياني

عَبْد الواحِد الرُّوْياني

Полный текст (7 151 стр.). Показаны 6861–6900 · переход к 6866.

стр. 6861

كانت في خطأ، لم تكن له القسامة لأنه جاهل بقدر ما يستحقه منها، لأنه إن شارك واحدًا استحق عليه نصف الدية، وإن كانوا عشرة استحق عليه عشرها، وإن كان عمدًا يوجب القود فإن قلنا: إنه لا قود في القسامة على قوله في الجديد، فلا قسامة لأن موجبها الدية وقدر استحقاقه منها مجهول كالخطأ. وإن قلنا بوجوب القود في القسامة على قوله في القديم ففي جواز القسامة وجهان: أحدهما: تجوز ويقسم بها المدعي لأن القود استحق على الواحد إذا انفرد كاستحقاقه عليه في مشاركة العدد. والثاني: وهو قول أبي إسحاق المروزي وأبي علي بن أبي هريرة لا يجوز أن يقسم لأنه قد يعفو عن القود إلى الدية فلا يعلم قدر استحقاقه منها والحكم يجب أن يكون قاضيًا بما يفضل به التنازع. فصل: وإذ قد مضت الدعوى في قتل العمد فالحالة الثانية في الدعوى في قتل الخطأ، فينبغي للحاكم أن يسأل المدعي عن الخطأ هل كان محضًا أو شبه العمد لاختلافهما في التغليظ والتخفيف، فإن قال شبه العمد، سأله عن صفته كما يسأله عن صفة العمد المحض، لأنه قد يشتبه عليه محض الخطأ بالعمد وشبه العمد، ثم يعمل على صفته دون دعواه. فإن كان ما وصفه شبه العمد، غلظت فيه الدية بعد القسامة، وإن كان ما وصفه خطأ محضًا خففت فيه الدية بعد القسامة، فلم يمنع مخالفة صفته لدعواه من جواز القسامة ولا يختلف قول الشافعي وأصحابه فيه لأن الوجوب في الدية في الحالين على العاقلة وإنما اختلفوا في زيادتها في دعواه بالتغليظ ونقصانها في صفتها بالتخفيف فصار في الصفة كالمبدئ في بعض الدعوى. ولا يمنع ذلك من جواز القسامة، وإن كان قد ادعى قتل خطأ محض فقد اختلف أصحابنا هل يلزم الحاكم أن يسأل عن صفة الخطأ أم لا؟ على وجهين: أحدهما: لا يلزمه السؤال عن صفة الخطأ لأن الخطأ أقل أحوال القتل وإنما يلزم أن يسل عن العمد وعن شبه العمد لجواز أن يكون خطأ محضًا ولم يلزم ذلك في الخطأ المحض. والثاني: وهو أصح يلزم الحاكم أن يسأله عن صفة الخطأ لأنه قد يجوز أن يشتبه عليه القتل المضمون بما ليس بمضمون. ولأنه قد يسقط في بئر حفرها المدعي عليه في ملكه فلا يكون ضامنًا لقتله، فإذا سأله عن صفته لم يخل ما وصفه من أربعة أحوال: أحدها: أن يكون خطأ مضمونًا، فتوافق صفته دعواه، فيحكم له بالقسامة. والثاني: أن يصفه بما لا يكون قتلًا مضمونًا، فلا قسامة له، والمدعي عليه برئ

стр. 6862

من الدعوى. والثالث: أن يصفه بما يكون عمد الخطأ فيقسم على دعواه في الخطأ المحض دون عمد الخطأ لأن الدعوى أقل من الصفة فصار كالمبتدئ بها من زيادة الصفة. والرابع: أن يصفه بما يكون عمدًا محضًا. فالصفة من الدعوى في أربعة أحكام: أحدها: استحقاق القود في العمد وسقوطه في الخطأ. والثاني: تغليظ الدية في العمد وتخفيفها في الخطأ. والثالث: تعجيلها في العمد وتأجيلها في الخطأ. والرابع: استحقاقها على الجاني في العمد وعلى العاقلة في الخطأ فإن لم تكن له عاقلة تتحمل عنه دية الخطأ نظر فإن كان الجاني هو المحتمل لدية الخطأ أقسم على الدعوى دون الصفة ويحكم له بدية الخطأ دون العمد. فإن كانت له عاقلة تتحمل عنه دية الخطأ. نظر فإن رجع عن الدعوى إلى الصفة، لم يكن له أن يقسم على الدعوى ولا على الصفة، لأن المطالبة في الدعوى متوجهة إلى العاقلة وفي الصفة متوجهة إلى الجاني فصار في الدعوى أبرأ للجاني وفي صفة أبرأ للعاقلة فلم يكن له أن يقسم على واحد منهما وإن لم يرجع عن الدعوى إلى الصفة أقسم على الدعوى دون الصفة وحكم له بدية الخطأ دون العمد. فصل: وإذ قد مضى صفة العمد بما يكون عمدًا فالحالة الثانية أن يصفه بما لا يكون عمدًا، وله في صفة العمد بما ليس يعمد ثلاثة أحوال: أحدها: أن يصفه بما لا يكون عمدًا ولا خطأ من القتل الذي لا يضمن بقود ولا دية: كمن دخل دار رجل فتعثر بحجر، أو سقط في بئر أو سقط عليه جدار فالصفة قد برأت من الدعوى وسقطت القسامة فيها وبرأ المدعي عليه منها. والثانية: أن يصفه بعمد الخطأ كرجل ضرب رجلًا بعصا يجوز أن تقتل ويجوز أن لا تقتل فهو عمد الخطأ لأنه عامد في الفعل خاطئ في النفس. فله أن يقسم على الصفة دون الدعوى، ويحكم له بعمد الخطأ دون العمد المحض ولا يكون ما في الصفة من مخالفة الدعوى مانعًا من القسامة، لأن الاختلاف بين الدعوى والصفة لاشتباه الحكم دون الفعل. والثالثة: أن يصفه بالخطأ المحض فقد بطل حكم الدعوى بالصفة وسقطت القسامة في العمد، واختلف في سقوطها في الخطأ فنقل المزني أنه لا يقسم ونقل الربيع أن يقسم، فاختلف أصحابنا في اختلاف هذين النقلين على وجهين: أحدهما: وهو طريقة البغداديين أن اختلافهما محمول على اختلاف قولين:

стр. 6863

أحدهما: وهو ما نقله الربيع أنه يقسم وهو اختيار أبي إسحاق المروزي، لأن صفته أقل من دعواه فجاز أن يقسم على الأخف بضد دعوى الأغلظ. والثاني: وهو ما نقله المزني أنه لا يقسم وهو اختيار أبي علي بن أبي هريرة، لأن دية العمد في ماله ودية الخطأ على عاقلته، فكان في الدعوى أبرأ للعاقلة وفي الصفة أبرأ للجاني فسقطت القسامة عليهما. والثاني: وهو طريقة البصريين أنه ليس اختلاف النقل على اختلاف قولين وإنما هو على اختلاف حالين فنقل المزني أنه لا يقسم محمول على أنه أقسام على الدعوى، ولم يرجع عنها إلى الصفة فلا يقسم على الدعوى لإبطالها بالصفة ونقل الربيع أنه يقسم محمول على أنه رجع عن الدعوى إلى الصفة فيقسم على الصفة لرجوعه بها عن الدعوى التي هي أغلظ من الصفة، والله أعلم. مسألة: قال الشافعي ﵁: "ولو أحلفه قبل أن يسأله عن هذا ولم يقل له عمدًا ولا خطأ أعاد عليه الأيمان". قال في الحاوي: وهذا كما قال: إذا عجل الحاكم فأحلف المدعي عليه قبل سؤال المدعي عن شرط الدعوى في قتل العمد والخطأ في الجماعة والانفراد فقد أخطأ في استحلافه، لأمرين: أحدهما: أن الدعوى لم تكمل. والثاني: أنه لا يقدر على الحكم بما أحلف عليه للجهالة به، فتكون اليمين فيها ملغاة لا يحكم بها، سواء كانت اليمين من جهة المدعي في القسامة أو من جهة المدعي عليه في غير القسامة. لأن اليمين قبل استقرار الدعوى جارية مجرى اليمين قبل الدعوى، وهي قبل الدعوى غير معتد بها، لأن ركانة بن عبد العزيز قال لرسول الله ﷺ : طلقت امرأتي البتة، والله ما أردت بها إلا واحدة فقال له النبي ﷺ والله ما أردت بها إلا واحدة؟ فقال ركانة: والله ما أردت بها إلا واحدة فأعاد عليه اليمين ولم يعتد بيمينه قبل الاستحلاف فكذلك في جميع الدعاوي، وإذا كان كذلك فعلى الحاكم أن يعود إلى سؤال المدعي عن صفة القتل وما قدمناه من شروط الدعوى فإذا استكمل شروطها أعاد الاستحلاف عليها معلق ما يحكم باليمين الثانية دون الأولى وبالله التوفيق. باب عدد الأيمان مسألة: قال الشافعي ﵁: "يحلف وارث القتيل على قدر مواريثهم ذكرًا كان أو

стр. 6864

أنثى زوجًا أو زوجةً". قال في الحاوي: أما تغليظ الأيمان في القسامة بالعدد لضعف السبب الموجب لها وهو اللوث فقويت الدعوى لضعف سببها بتغليظ الأيمان فيها. وأما تقدير الأيمان فيها بخمسين يمينًا فلسنة رسول الله ﷺ الواردة بها، وقوله للأنصار: "تحلفون خمسين يمينًا وتستحقون دم صاحبكم! قالوا: لا. قال: فيبرئكم يهود بخمسين يمينًا". وإذا تغلظت بهذا العدد لم يقسم بها من أهل المقتول إلا الورثة منهم، لأن اليمين موضوعة لاستحقاق الدية فلم يحلف بها إلا مستحقها، وهم الورثة، وورثة الدية، هم ورثة الأموال من العصبات وذوي الفروض من الرجال، والنساء، والأزواج، والزوجات، وقد خلف بعض الفقهاء في ورثة الدية خلافًا ذكرناه في كتاب الفرائض. ولا فرق عند الشافعي وأكثر الفقهاء، بين ميراث الدية وميراث المال وإن كل من ورث المال ورثة الدية والقود وإذا كان كذلك لم يخل حال الوارث من أن يكون واحدًا، أو عددًا، فإن كان واحدًا، حلف خمسين يمينًا وإن كانوا عددًا ففيما يقسم به كل واحد منهم قولان ذكرناهما من قبل. أحدهما: يقسم كل واحد خمسين يمينًا، لأن العدد في القسامة كاليمين الواحدة في غير القسامة فلما تساووا في غير القسامة وجب أن يتساووا في القسامة، فعلى هذا يحلف كل واحد من ذكورهم وإناثهم، ومن قل سهمه وكثر خمسين يمينًا. والثاني: وهو الأصح - إن الأيمان تقسط بينهم على قدر مواريثم بجبر كسرها ليحلف جميعهم خمسين يمينًا، لأن أيمانهم في القسامة حجة لهم، كالبينة فجاز أن يشتركوا فيها، كاشتراكهم في البينة، فعلى هذا إن لم تكن فرائض الورثة عائلة قسمت على فرائضهم، فإن كانوا بنين وبنتًا، حلف كل واحد من الابنين عشرين يمينًا، وحلفت البنت عشرة أيمان، وعلى قياس هذا فيما اختلف فرائضهم فيه فإن كانت فريضة مواريثهم عائلة كزوج، وأم، وأختين لأب وأم، وأختين لأم - فللزوج النصف، وللأم السدس - والأختين من الأب والأم الثلثان، ولأختين من الأم الثلث، أصلها من ستة وتعول بثلثيها إلى عشرة. فقد اختلف أصحابنا في قسمة أيمان القسامة بينهم على أصل الفريضة أو على عولها على وجهين: أحدهما: أن تقسم بينهم على أصل الفريضة من ستة أسهم فيحلف الزوج نصف الخمسين - وهو خمسة وعشرون يمينًا لأن فرضه النصف، وتحلف الأم سدس الخمسين وهو تسعة أيمان بعد جبر الكسر، لأن فرضها السدس، وتحلف كل واحدة من الأختين للأب والأم ثلث الخمسين، وهو سبعة عشر يمينًا بعد جبر الكسر لأن فرضها الثلث وتحلف كل واحدة من الأختين لأم، سدس الخمسين وهو تسعة أيمان بعد جبر الكسر

стр. 6865

لأن فرضها السدس. والثاني: وهو الأصح أنها تقسم على أصل الفريضة وعولها من عشرة أسهم، فيحلف الزوج وسهمه ثلاثة أسهم من عشرة ثلاثة أعشار والخمسين وهو خمسة عشر يمينًا. وتحلف الأم ولها سهم من عشرة عشر الخمسين وهو خمسة أيمان، وتحلف كل واحدة من الأختين للأب والأم ولها سهمان من عشرة عشري الخمسين وهو عشرة أيمان، وتحلف كل واحدة من الأختين للأم ولها سهم من عشرة عشر الخمسين وهو خمسة أيمان، ثم على هذا القياس. مسألة: قال الشافعي ﵁: "فإن ترك ابنين كبيرًا وصغيرًا أو غائبًا وحاضرًا أكذب وأراد الآخر اليمين قيل له لا تستوجب شيئًا من الدية إلا بخمسين يمينًا فإن شئت فاحلف خمسين يمينًا وخذ من الدية مورتك وإن امتنعت فدع حتى يحضر معك وارث تقبل يمينه فيحلفان خمسين يمينًا فإن ترك ثلاثة بنين حلف كل واحد منهم سبع عشرة يمينًا يجبر عليهم كسر اليمين فإن ترك أكثر من خمسين ابنًا حلف كل واحدٍ منهم يمينًا يجبر الكسر من الأيمان". قال في الحاوي: وهذه مسألة وما يليها تتفرع على القول الذي يقسم فيه أيمان القسامة على قدر المواريث، فإذا خلف المقتول ابنين، أحدهما صغير والآخر كبير، أو أحدهما حاضر والآخر غائب، أو أحدهما مدع قتل أبيه والآخر مكذب له، فإن للكبير أن يقسم قبل بلوغ الصغير، وللحاضر أن يقسم قبل قدوم الغائب - فأما المكذب فهل تقسط قسامته بتكذيب أخيه أم لا؟ على قولين: نذكرهما في الباب الآتي فإن أراد البالغ الحاضر أن يقسم، أو المكذب في أحد القولين، قيل له: لا يحكم لك بحقك من الدية إلا أن تستوفي في أيمان القسامة كلها. وإن كان يلزمك في الاجتماع بعضها، لأن عدد الأيمان حجة لك في قبول دعواك، كالبينة فلم يجز أن يحكم بها إلا بعد استيفائها كما لا يحكم بالبينة، إلا بعد كمالها، فإذا حلف خمسين يمينًا حكم له بحقه من الدية، فإذا بلغ الصغير، أو قدم الغائب لم يحكم له بحقه من الدية حتى يحلف على دمه، فإن قيل: فالأيمان في القسامة حجة كالبينة فهلا كان وجودها من بعضهم حجة لجميعهم كالبينة؟ قيل: الفرق بينهما من وجهين: أحدهما: أن النيابة في إقامة البينة تصح وفي الأيمان لا تصح. الثاني: أن البينة حجة عامة والأيمان حجة خاصة، فلهذين الفرقين لم يثبت حقه

стр. 6866

فيها بأيمان أخيه، وإن ثبت حقه ببينته. فإن أراد أن يحلف حلف خمسة وعشرين يمينًا، لأنه واحد من اثنين فصارا بعد أيمان الأخ كالمجتمعين، فلو كان معهما ثالث غائب، حلف إذا حضر سبعة عشر يمينًا، لأنه واحد من ثلاثة، فإن كان معهم رابع، حلف إذا حضر ثلاثة عشر يمينًا، لأنه واحد من أربعة مثال هذا الشفعة إذا استحقها أربعة وحضر أحدهم كان له أخذ جميعها ولم ينفرد بحقه منها، لأنه قد يجوز أن يعفو عنها شركاؤها فصار فيها كالمنفرد بها، فإذا قدم الثاني أخذ النصف لأنه واحد من اثنين - فإذا قدم الثاني أخذ الثلث، لأنه واحد من ثلاثة، فإذا قدم الرابع، أخذ الربع لأنه واحد من أربعة. قال الشافعي: "فإن ترك أكثر من خمسين ابنًا حلف كل واحد منهم يمينًا يجبر عليه كسر اليمين"، وهذا صحيح، لأن اليمين لا تتبعض، فلذلك جبرنا كسرها، كما يجبر كسر الطلاق، والإقرار، الله أعلم. مسألة: قال الشافعي ﵁: "ومن مات من الورثة قبل أن يقسم قام ورثته مقامه بقدر مواريثهم". قال في الحاوي: وهذا صحيح، إذا مات واحد من مستحقي القسامة مثل أن يموت واحد من اثنين، ويخلف بعد موته ابنين فله قبل موته ثلاثة أحوال: أحدها: أن يموت بعد قسامته فقد ملك حقه من الدية بأيمانه، فينقل ذلك إلى ورثته من غير قسامة فإن قيل: إذا لم تجعلوا لبعض الورثة أن يملك حقه من الدية بيمين غيره فلم جعلتم لأولاد هذا الميت أن يملكوا ذلك بأيمان أبيهم؟ قيل لأنهم ملكوه عن أبيهم فجاز أن ينتقل إليهم بأيمانه، وليس يملك الأخ عن أخيه، فلم يجز أن يملك بأيمان أخيه. والثانية: أن يموت بعد نكوله عن الأيمان، فليس لورثته أن يقسموا لأن حقه في الأيمان قد سقط بنكوله عنها، فصار مستهلكًا لها في حقوق ورثته. وإذا سقط حقهم من القسامة كان لهم إحلاف المدعي عليه بأيمان القسامة، لأن نكول المدعي عن أيمان القسامة يوجب نقلها إلى المدعي عليه في حق المدعي، فوجب أن تنتقل عنه بموته إلى ورثته وإن سقطت حقوقهم من أيمان قسامته. والثالثة: أن يموت قبل الأيمان من غير نكول عنها، فينقل الحق فيها إلى ورثته، لقيامهم مقامه في حقه بعد موته، فعلى هذا إذا مات وحصته من أيمان القسامة خمسة وعشرون يمينًا لأنه واحد من اثنين وقد مات عن ابنين، وجب أن يقسم أيمانه بينهما، فيقسم كل واحد منهما نصفها ثلاثة عشر يمينًا، بعد جبر كسرها ثم على هذا القياس، إن

стр. 6867

مات وارث المقتول وترك وارثًا. مسألة: قال الشافعي ﵁: "ولو لم يتم القسامة حتى مات ابتدأ وارثه القسامة". قال في الحاوي: وهذا صحيح، إذا حلف الوارث بعض أيمان قسامته فلم يكملها حتى مات؟ لم يجز لوارثه أن يبني عليها، واستأنف أيمان القسامة بعد موته، ولم يكن لما تقدم من الأيمان تأثير، لأن الباقي منها وإن قل يمنع من استحقاق الدية حتى يستوفي فلو بني الوارث عليها، لصار الموروث نائبًا فيها، وذك ذكرنا أنه لها نيابة في الأيمان، ولكن لو أقام الوارث قبل موته من البينة شاهدًا واحدًا جاز لوارثه أن يبني على بينته، فيقم شاهدًا آخر، وتكمل البينة، لما ذكرنا من الفرق بين الأيمان والبينة. مسألة: قال الشافعي ﵁: "ولو غلب على عقله ثم أفاق بني لأنه حلف لجميعها". قال في الحاوي: الأولى في أيمان القسامة أن توالي ولا تفرق، لأنها موضوعة للزجر والتغليظ، وهي في الموالاة أغلظ وأزجر، فإن فرقت كده تفريقها، وأجزأت سواء طال التفريق أو قصر، وسواء قل التفريق أو كثر لأنه قد صار حالفًا بجميعها، فعلى هذا لو جن أو أغمي عليه في تضاعيف أيمانه أمسك عن الأيمان في زمان جنونه وإغمائه، لأنه لا حكم لقوله، فلم يتعلق بيمينه حكم، فإذا أفاق من جنونه أو إغمائه بني على ما تقدم من أيمانه قبل الجنون والإغماء، لما ذكرنا من أن تفرقة الأيمان لها تمنع من إجزائها ولا يبطل ما تقدم منها لحدوف الجنون وإن بطلت به العقود الجائزة من الشرك والوكلات لأن الأيمان لا يتوجه إليها فسخ وإن توجه إلى العقود فسخ، والله أعلم. باب ما يسقط القسامة من الاختلاف أو لا يسقطها مسألة: قال الشافعي ﵁: "ولو ادعى أحد الابنين على رجلٍ من أهل هذه المحلة أنه قتل أباه وحده وقال الآخر وهو عدل ما قتله بأنه كان في الوقت الذي قتل فيه ببلدٍ لا يمكن أن يصل إليه في ذلك الوقت ففيها قولان: أحدهما أن للمدعي أن يقسم خمسين يمينًا ويستحق نصف الدية، والثاني: أن ليس له أن يقسم على رجلٍ يبرئه وارثه قال المزني: قياس قوله أن من أثبت السبب الذي به القسامة حلف ولم يمنعه من

стр. 6868

ذلك إنكار الآخر كما لو أقام أحدهما شاهدًا لأبيهما بدينٍ وأنكر الآخر ما ادعاه أخوه وأكذبه أن للمدعي مع الشاهد اليمين ويستحق كذلك للمدعي مع السبب القسامة ويستحق فالسبب والشاهد بمعنى واحدٍ في قوله لأنه يوجب مع كل واحدٍ اليمين والاستحقاق إلا أن في الدم خمسين يمينًا في غيره يمينٌ". قال في الحاوي: وصورتها: في قتيل وجد في قبيلة عن لوث ظهر في قتله فادعى أحد بينة قتله على رجل من أهل القبيلة فله ذلك، لأن وجود اللوث فيها يجوز دعوى قتله على جميعهم، إذا أمكن اشتراكهم فيه وعلى أحدهم فإذا خص بالدعوى أحدهم سمعت، وكان اللوث متوجهًا إليه، إذا خص بالدعوى وحده ثم إن أخاه المشارك له في دم أبيه أكذبه في دعواه، وقال ما قتل هذا أبانا، ولا حضر قتله، وكان غائبًا وقت قتله في بلد آخر، فيكون هذا تكذيبًا، سواء كان المكذب عدلًا أو غير عدل. وإنما شرط الشافعي ﵀ فيه العدالة ليصح أن يشهد مع غيره يمينه المدعي عليه فيبرأ من الدعوى ولم يجعل عدالته شرطًا في صحة التكذيب، فأما إن لم يقل وكان في بلد آخر فقد اختلف أصحابنا هل يكون ذلك تكذيبًا صحيحًا أم لا؟ على وجهين: أحدهما: وهو ظاهر قول أبي إسحاق المروزي يكون تكذيبًا صحيحًا، وإنما ذكره الشافعي تأكيدًا في التكذيب ولم يجعله شرطًا فيه. والثاني: وهو قول أبي علي بن أبي هريرة أنه شرط في التكذيب لا يصح إلا به، فإن لم يقل وكان غائبًا، ولم يكن تكذيبًا صحيحًا، لأنه نفى ما أثبته أخوه، والنفي لا يعارض الإثبات. فإذا أصبح التكذيب على ما ذكرنا، فهل يكون التكذيب مبطلًا للوث ومانعًا من القسامة أم لا؟ على قولين: أحدهما: اختيار المزني أنه لا يبطل اللوث من القسامة، لأن ما استحقه أحدهما بيمينه لا يبطل بتكذيب الآخر كالحكم بيمينه مع الشاهد. والثاني: وهو اختيار أبي إسحاق المروزي أنه يبطل اللوث ويمنع القسامة، لأن اللوث سبب ضعيف يقتضي غلبة الظن، فإذا تعارض فيه التكذيب أوهاه، وإذا أوها بطل وخالف اليمين مع الشاهد، لأنها نص، واللوث استدلال، يجوز أن يبطل بالتكذيب ولا يبطل به النص. فصل: فإذا تقرر توجيه القولين: فإن قيل بالأول إن اللوث لا يبطل، جاز للمدعي أن يقسم خمسين يمينًا قولًا واحدًا، ويأخذ الدية، لأنه لا يستحق غيره ولم يكن للأخ المكذب أن يقسم، فإن ادعى قتله على آخر، أقسم عليه ويأخذ منه نصف الدية، لأن التكذيب إذا لم يبطل اللوث في حق أحدهما لم يبطله في حقهما. وإن قيل: بالقول الثاني

стр. 6869

إن اللوث قد بطل، سقطت القسامة وانتقلت الأيمان إلى المدعي عليه وفي قدر ما يحلف به قولان كالدعوى في غير لوث، فإذا حلف برئ وإن نكل ردت اليمين على المدعي، فإذا حلف فلا قود له، وإن كان القتل عمدًا فله نصف الدية، في تكذيب أخيه أبرأ منه، ولو ادعى المكذب قتله على آخر، منع من القسامة لأن التكذيب إذا أبطل اللوث في حق أحدهما أبطله في حقهما. فصل: ويتفرق على ما قدمناه من حكم التكذيب: أن يدعي أحد الابنين مع اللوث قتله على واحد بعينه، ويدعي الآخر قتله عليه وعلي آخر معه فيكون الأخ الثاني مكذبًا للأخ الأول في نصف دعواه على القاتل الثاني ويصير الأخ الأول مكذبًا للأخ الثاني في جميع دعواه على القاتل الأول وعلى القاتل الثاني فإن قيل: إن اللوث لا يبطل بالتكذيب أقسم الأخ الأول على القاتل الأول دون الثاني واستحق عليه نصف الدية، وأقسم الأخ الثاني على القاتل الأول وعلى القاتل الثاني واستحق على كل واحد منهما ربع الدية. وإن قيل: إن اللوث يبطل بالتكاذب، أقسم الأخ الأول على القاتل الأول، وأخذ منه ربع الدية؛ لأنه مكذب في نصف الدعوى ومصدق في نصفها وأقسم الأخ الثاني على القاتل الأول وأخذ منه ربع الدية، ولم يكن لهذا الأخ الثاني أن يقسم على القاتل الثاني؛ لأنه مكذب في جميع الدعوى عليه، وما بطلت فيه القسامة ردت فيه اليمين على المدعي عليه، والله أعلم. مسألة: قال الشافعي ﵁: "ولكن لو قال أحدهما قتل أبي عبد الله بن خالد ورجل لا أعرفه وقال الآخر قتل أبي زيد بن عامرٍ ورجلٌ لا أعرفه فهذا خلافٌ لما مضى لأنه قد يجوز أن يكون الذي جهله أحدهما هو الذي عرفه الآخر فلا يسقط حق واحدٍ منهما في القسامة". قال في الحاوي: وهذا كما قال: إذا اتفق الأخوان في دعوى القتل على اثنين، فقال: أحدهما قتله عبد الله بن خالد ورجل آخر لا أعرفه، وقال الآخر قتله زيد بن عامر ورجل آخر لا أعرفه، فليس في هذه الدعوى تكاذب، ولا يبطل اللوث بهذا الاختلاف ولا يمنع من القسامة، لأن من عرف عبد الله بن خالد، قد يجوز أن لا يعرف زيد بن عامر ولا من عرف زيد بن عامر قد يجوز أن لا يعرف عبد الله بن خالد فلم يكن في جهل كل واحد منهما بمن عرفه الآخر تكذيب للآخر، فيجوز أن يقسم كل واحد منهما على من عرفه، ويأخذ منه ربع الدية، لأن ما على كل واحد من القاتلين مستحق للأخوين، فكان

стр. 6870

ما نكل واحد من الأخوين على كل واحد من القاتلين ربع الدية، ويحلف كل واحد من الأخوين خمسين يمينًا قولًا واحدًا، لأنهما قد افترقا في الدعوى، فلم يجتمعا على الأيمان والله أعلم. مسألة: قال الشافعي ﵁: "ولو قال الأول قد عرفت زيدًا وليس بالذي قتل مع عبد الله وقال الآخر قد عرفت عبد الله وليس بالذي قتل مع زيدٍ ففيها قولان أحدهما أن يكون لكل واحدٍ القسامة على الذي ادعى عليه ويأخذ حصته مع الدية، والقول الثاني أنه ليس لواحدٍ منهما أن يقسم حتى تجتمع دعواهما على واحدٍ. قال المزني: قد قطع بالقول الأول في الباب الذي قبل هذا وهو أقيس على أصله لأن الشريكين عنده في الدم يحلفان مع السبب كالشريكين عنده في المال يحلفان مع الشاهد فإذا أكذب أحد الشريكين صاحبه في الحق حلف صاحبه مع الشاهد واستحق وكذلك إذا أكذب أحد الشريكين صاحبه في الدم حلف صاحبه مع السبب واستحق". قال في الحاوي: وهذا القول منهما تكاذب، لأن كل واحد منهما قد نفى ما أثبته الآخر وإذا كان كذلك لم يخل حال هذا التكاذب من أن يكون قبل القسامة أو بعدها، فإن كان قبل القسامة، ففي إبطال اللوث به قولان: على ما مضى، وإن كان بعد القسامة والحكم بالدية لم يقدح في اللوث ولم ينقض به ما تقدم الحكم، ويعكس هذا، لو قال كل واحد منهما قد عرفت الآخر وهو الذي قد عرفه أخي لجهلي به من قبل ومعرفتي له من بعد صار ذلك اتفاقًا منهما على القاتلين، لأنه قد تعرف من جهل فجاز لهما أن يشتركا في القسامة عليها ويأخذا من كل واحد منهما نص الدية بينهما. مسالة: قال الشافعي ﵀: "ومتى قامت البينة بما يمنع إمكان السبب أو بإقرارٍ وقد أخذت الدية بالقسامة ردت الدية". قال في الحاوي: وهذا صحيح إذا أقسم الولي مع ظهور اللوث على رجل بعينه وقضى عليه بالدية بعد القسامة ثم ظهر بعدها ما يمنع من الحكم بها فهو على ثلاثة أقسام: أحدها: أن يكون من شهود عدول فيشهد شاهدان أن هذا المدعي عليه القتل كان في وقت القتل غائبًا في بلد آخر، أو كان محبوسًا لا يصل إلى قتله، أو صريعًا من مرض لا ينهض مع إلى حركة أو يشهدان أن القتيل الموجود في محلته نقل إليها بعد القتل من محلة إلى محلة أخرى، فهذا كله مبطل للوث وموجب لنقض الحكم بالقسامة.

стр. 6871

وهكذا: لو شهدا أن المنفرد بالقتل كان رجلًا آخرًا، بطلت القسامة ولم يحكم بالقتل على الثاني لشهادتهما قبل الدعوى عليه، فإن أعادا الشهادة بعد الدعوى لم تسمع لأن المدعي مكذب لهما بدعواه على الأول، وإذ بطلت القسامة بهذه الشهادة انقسمت في إبطال الدعوى ثلاثة أقسام: أحدها: ما يبطل به الدعوى كما بطلت به القسامة وهو الشهادة بأنه كان غائبًا، أو محبوسًا، لاستحالتها مع صحة الشهادة. والثاني: ما لا يبطل به الدعوى، وإن بطلت به القسامة، وهو الشهادة بأنه نقل من محلة إلى أخرى، لاحتمال أن يقتله في غير محلته. والثالث: ما يبطل به نصف الدعوى وإن بطل به جميع القسامة، وهو الشهادة بأن المنفرد بقتله رجل آخر، لأن إثبات القتل على الثاني بالشهادة مانع من أن يكون الأول منفردًا بقتله، ولا يمنع من أن يكون شريكًا فيه لأنه يجوز أن يكون جرحه من قبل الثاني، فلم يره الشهود، فلم يمتنع أن يكون شريكًا، وإن امتنع أن يكون منفردًا لذلك بطل نصف الدعوى، ولم يبطل نصفها، فهذا حكم الشهادة في إبطال اللوث وإبطال الدعوى والله أعلم. فصل: والثاني: أن يخبر بإبطال اللوث بالأسباب المتقدمة من لا يقبل شهادته، فهذا على ضربين: أحدهما: أن يكون أخبار آخاد يحتمل التواطئ، فلا تبطل بها القسامة والحكم فيها على نفوذه لأنه لما لم يثبت بهذا الخبر ابتداء اللوث، لم يبطل ما ثبت من اللوث. والثاني: أن تكون أخبارًا منتشرة ينتفي عنها حد التواطئ ولا تبلغ حد الاستفاضة، فيبطل بها اللوث، وينقضي الحكم بالقسامة، لأنه لما ثبت بها ابتداء اللوث جاز أن يبطل بها ما تقدم من اللوث، ولم تبطل بها الدعوى في جميع الأسباب بخلاف الشهادة، لأن الشهادة توجب الحكم في الابتداء فجاز أن يبطل بها الدعوى، وهذا الخبر لا يوجب الحكم في الابتداء فلم تبطل به الدعوى، وصارت الدعوى متجردة عن لوث فكان القول فيهما قول المدعي عليه مع يمينه، وفي أيمانه قولان: على ما مضى: أحدهما: خمسين يمينًا. والثاني: يمينًا واحدة، فإن حلف برئ وإن نكل ردت على المدعي، ولا يجزئه ما تقدم من أيمانه في القسامة لتقدمها على استحقاقها، فإما إن أقر رجل أنه هو القاتل دون هذا المدعي عليه لم تبطل به القسامة، لأنه ليس بشاهد، ولا يحكم عليه بالقتل لأنه أقر لغير مطالب، وفي سماع الدعوى عليه قولان: أحدهما: لا تسمع الدعوى عليه لإكذابهما بالدعوى على الأول، لكن يصير تجديد

стр. 6872

الدعوى عليه مبطلًا للقسامة مع الأول. والثاني: تسمع الدعوى على الثاني، لأن الدعوى في القسامة على الأول كانت بغلبة الظن، وإقرار الثاني يقين، فلم يسقط حكم اليقين بغلبة الظن، ولو أقر بالقتل وقامت البينة أنه كان وقت القتل غائبًا لم تسمع البينة، لأنه أكذبها بإقراره والله أعلم. فصل: والثالث: أن يقر المدعي بعد قسامته بما يمنع منها وهو على ثلاثة أقسام: أحدها: ما يبطل به قسامته ودعواه وهو أن يقر بأنه كذب في دعواه، أو يقول قتل أبي غيره، أو يقر أنه كان غائبًا عند القتل في بلد آخر، كان محبوسًا، فيكون هذا وما أشبهه مبطلًا لقسامته ودعواه، فإن عاد فادعى قتل أبيه على غيره لم تسمع دعواه لتكذيبها بالدعوى الأولى. والثاني: ما يبطل قسامته ولا يبطل دعواه - وهو أن يقر بأن المقتول نقل إلى محلته بعد القتل، فتبطل به قسامته لاعترافه ببطلان اللوث، ولا تبطل به الدعوى لاحتمال أن يكون قد قتله في غير محلته، فتصير الدعوى متجردة عن لوث، فيكون القول فيها قول المدعى عليه مع يمينه، فإن حلف برئ، وإن نكل ردت اليمين على المدعي واستأنف اليمين ولم يجزه بما تقدم من أيمان القسامة. والثالث: ما يرجع فيه إلى إرادته، لاحتماله ويعمل فيه على بيانه، وهو أن يقر بأن ما أخذه بالقسامة ظلم أو حرام وهذا محتمل أن يريد به أن الحكم بالقسامة على رأي أهل العراق، ويحتمل أن يريد به أن الحكم بالدية القود ظلم على مذهب مالك حين أوجب القود بالقسامة ويحتمل أن يريد به أن دعوى اللوث كاذبة، ويحتمل أن يريد به أن دعوى القتل دعوى كاذبة، فلهذه الاحتمالات المتعارضة ما وجب أن يرجع إلى إرادته ويعمل فيه على بيانه وينقسم بيانه ثلاثة أقسام: أحدهما: ما لا تبطل به القسامة ولا الدعوى، وهو أن يريد أن الحكم بها ظلم على رأي أبي حنيفة، أو يقصد على مذهب مالك، فلا تبطل قسامته، ولا يسترد ما أخذه، لأن نفوذ الحكم يكون باجتهاد الحاكم لا باجتهاد المدعي لكن فيما بينه وبين الله تعالى أنه لا تحل له الدية، إذا اعتقد أنه لا يستحقها وإن لم تسترجع منه. والثاني: ما تبطل به القسامة وتبطل به الدعوى، وهو أن يقر بالكذب فيها أو أن المدعي عليه كان غائبًا عن بلد القتيل، أو يدعي أن المنفرد بقتل أبيه غيره فتبطل قسامته ودعواه في هذا كله، ويصير المدعي عليه بريئًًا من الدعوى، وعليه رد ما أخذ منه بالقسامة، ولا تسمع دعواه على غيره لإكذابها بالدعوى الأولى، فتصير باطلة في عموم الناس كلهم ولا تسمع بينة فيه ويصير دم أبيه هدرًا. والثالث: ما تبطل به القسامة ولا تبطل به الدعوى، وهو أن يقر أن قتيله قتل في

стр. 6873

غير (محلة) هذا المدعي عليه فتبطل القسامة لبطلان اللوث فيها بإقراره ولا تبطل الدعوى لاحتمال أن يكون قد قتله في غير محلته، والقول فيما بينه بإرادته مما لا تبطل به القسامة، أو لا تبطل به الدعوى قوله مع يمينه وهي يمين واحدة، لأنها ليست في دم وإنما هي في شأن كلام محتمل والله أعلم. باب كيف يمين مدعي الدم والمدعي عليه مسألة: قال الشافعي ﵁: "وإذا وجبت لرجلٍ قسامةٌ حلف بالله الذي لا إله إلا هو عالم خائنة الأعين وما تُخفي الصدور لقد قتل فلانٌ فلانًا منفردًا بقتله ما شاركه في قتله غيره وإن ادعى على آخر معه حلف لقتل فلانٍ وآخر معه فلانًا منفردًا بقتله ما شاركهما فيه غيرهما". قال في الحاوي: وهذا صحيح، وإذا كان من شرط الدعوى أن تكون مفسرة، ينتفي عنها الاحتمال وجب أن يكون اليمين عليها مطابقة لها في استيفاء شروطها ونفي الاحتمال. وذلك بخمسة أشياء وهي شروط في كمال يمينه ووجوب الحكم بها، ذكر المزني منها أربعة وأغفل الخامس، وقد ذكره الشافعي، في كتاب الأم. أحدها: صفة اليمين. والثاني: تعيين القاتل. والثالث: تعيين المقتول. والرابع: ذكر الانفراد بقتل، أو الاشتراك فيه. والخامس: وهو الذي أغفله المزني صفة القتل من عمد وخطأ. فأما اليمين فلا تصح إلا بأحد ثلاثة أشياء: إما بالله تعالى أو باسم من أسمائه وإما بصفة من صفات ذاته، ولا تصح بصفات أفعاله لأنها مخلوقة، وصفات ذاته قديمة، واليمين بالمخلوقات لا تصح، وإن كانت معظمة فيمينه بالله تعالى أن يقول والله أو بالله، أو تالله فيضم إليه حرف القسم به وهو أحد ثلاثة حروف الواو - والباء - والتاء - ودخول حرف القسم عليه يقتضي أن يكون إعرابه مجرورًا فيقول: والله بالكسر فإن جعله مرفوعًا فقال: والله بالضم، أو جعله منصوبًا فقال: والله بالفتح. قال الشافعي في كتاب "الأم": أجزأه لأنه لحن لا يزيل المعنى ولم يفرق، وفرق بعض أصحابه بين من كان من أهل العربية والإعراب في كلامه وبين من لم يكن منهم فجعلها ممن ليس من أهل العربية يمينًا، لأنهم لا يفرقون بين اللحن والإعراب،

стр. 6874

ويتكلمون بهما على السواء. ولم يجعلها فيمن كان من أهل العربية يمينًا لأنهم يفرقون بين اللحن والإعراب، ولا يتلفظون بالكلمة إلا على موضعها في اللغة، فلا يجعلون ما خرج عن إعراب القسم قسمًا. فأما إن حذف حرف القسم من ذكر الله لم يكن على الظاهر من مذهب الشافعي يمينًا في عموم الناس كلهم سواء ذكر الاسم مرفوعًا أو مجرورًا أو منصوبًا وعلى قول من فرق بين أهل العربية وغيرهم من أصحابه فجعلها بالنصب في أهل العربية يمينًا لأنهم إذا حذفوا حرف الجر نصبوا فصار النصب عوضًا من حرف القسم فصارت فيهم يمينًا دون غيرهم فأما غير ذلك من أسماء الله تعالى فينقسم قسمين: أحدهما: ما كان على اختصاصه بأسماء الله التي لا يشاركه المخلوقون فيها كالرحمن فيمينه به كيمينه بالله. والثاني: ما كان مشتركًا بين الله تعالى وعباده كالرحيم: فلا يصح يمينه بانفراده حتى يضاف إلى صفة لا يشاركه المخلوقون فيها. وأما يمينه بصفات ذاته فكقوله وقدرة الله وعظمة الله وعزة الله فيكون يمينًا لأنها قديمة مع قدمه فأما صفات أفعاله فكقوله: وخلق الله، ورزق الله فلا يكون يمينًا لحدوثها فصار كيمينه بالمخلوقات التي لا يلزم القسم بها فإذا صح ما يقسم به من ذكر الله وأسمائه المختصة به وصفات ذاته دون صفات أفعاله، فالأولى بالحاكم أن يضم إلى اسمه في اليمين من صفاته ما يكون أغلظ لليمين وأرهب للحالف. وقد ذكره الشافعي رحمه الله تعالى فقال: يحلف بالله الذي لا إله إلا هو، وهو أولى من قول لا إله غيره لأن في الأول إثبات لإلهيته ونفيًا لإلهية غيره. والثاني: مقصور على نفي إلهية غيره ثم أكد بعد ذلك بقوله، الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور وهذه صفة تختص بالله تعالى دون غيره، فإن ذكر الحالف ذلك في اليمين التي أحلف بها كان تأكيدًا لها وإن اقتصر في اليمين على اسمه فأحلفه: والله ولم يذكر من صفات التأكيد شيئًا، أجزأت اليمين، لأن النبي ﷺ اقتصر في إحلاف ركانة بن عبد يزيد على اسم الله ولم يغلظها بالصفات، والله أعلم. فصل: وأما الشرط الثاني: وهو تعيين القاتل، فلأن الحق متعلق به والحكم متوجه عليه، فإن كان حاضرًا، بالاسم والإشارة فقال: بالله لقد قتل فلان ابن فلان هذا الحاضر ويشير إليه بيده فلانًا، فإن اقتصر على الإشارة دون الاسم مع الإشارة تأكيد وإن اقتصر على الاسم دون الإشارة أجزأ ذلك في الغائب إذا رفع نسبه بما يتميز به عن جميع الناس كلهم، لأنه لا يقدر على تعيين الغائب إلا بالاسم، وفي إجزائه في الحاضر وجهان محتملان:

стр. 6875

أحدهما: يجوز أن يقتصر فيه على الاسم دون الإشارة. والثاني: لا يجزئه الاقتصار على الاسم حتى يضم إليه الإشارة لأن الإشارة أنفى للاحتمال وأبلغ من الأسماء التي تنتقل ويقع فيها الاشتراك، وإن جاز الاقتصار عليها مع الغيبة وترك الإشارة مع إمكانها يحدث من الشبهة المحتملة ما لا تحدث مع الغيبة. فصل: وأما الشرط الثالث: وهو تعيين المقتول، فلأن الدعوى فيه واستحقاق المطالبة عنه فإن كان باقيًا حاضرًا عين بالاسم والإشارة، فيقول: والله لقد قتل فلان هذا الحاضر، فلان ابن فلان هذا المقتول فإن اقتصر على تعيين المقتول بالإشارة دون الاسم أجزأ وإن اقتصر على تعيينه بالاسم دون الإشارة كان على ما قدمناه من الوجهين المحتملين. وإن كان المقتول غير موجود، جاز أن يقتصر على تعيينه بالاسم وحده لكن عليه مع هذا أن يرفع في نسبه ما لا يرفع فيه مع الإشارة حتى يستوفي نسبه وصفته وصناعته ما يتميز به ويمنع من مشاركة غيره. فصل: وأما الشرط الرابع: وهو ذكر انفراده بقتله أو مشاركة غيره فلأن قتل المنفرد مخالف لقتل المشارك في الدية، وإن كان مساويًا له في القود وإن قال: قتله وحده حلف بالله لقد قتله وحده منفردًا بقتله ما شاركه في قتله غيره واختلف أصحابنا في قول ما شاركه فيه غيره بعد قوله منفردًا بقتله هل هو تأكيد أو شرط واجب؟ على وجهين: أحدهما: أنه تأكيد فإن تركه في اليمين أجزأ، لأن انفراده به يمنع من مشاركة غيره فيه. والثاني: أنه شرط واجب لأنه قد ينفرد بقتله ويكون من غيره إكراه يلزمه به حكم القتل. فيصير منفردًا في الفعل ومشاركًا في الحكم، فلم يكف منه أن يقول منفردًا بقتله حتى يقول: ما شاركه فيه غيره لينفي بذلك أن يتعلق حكم القتل على مكره غير قاتل، وإن ادعى أنه شاركه غيره في القتل ذكر عدد الشركاء، فإن قال قتله هذا آخر فإن حضر الآخر أقسم عليهما وقال: والله لقد قتله فلان هذان منفردين بقتله وشركهما في قتله غيرهما وإن غاب الآخر عين الحاضر وجاز أن يسمى الغائب ولا يسميه، وأقسم عليه، فقال: لقد قتله هذا آخر معه منفردين بقتله. فصل: وأما الشرط الخامس: وهو صفة القتل من عمد أو خطأ، فلما بين العمد والخطأ من اختلاف الديتين وحكم القود، فإن كان عمد قال: لقد قتله عمدًا، وإن كان خطأ،

стр. 6876

قال: لقد قتله خطأ فيذكر الخطأ كما يذكر العمد إن كان أضعفهما حكمًا لأن دية العمد في ماله ودية الخطأ على عاقلته، فوجب أن يذكر كل واحد منهما، لاختلاف محلهما ولا يلزمه أن يصف في يمينه العمد ولا الخطأ، إذا كان وصفهما في الدعوى لأن يمين الحالف على مذهب الشافعي محمول على نية المستحلف دون الحالف فصارت متوجهة إلى الصفة التي أحلفه الحاكم عليها. فإن قيل: فإذا كان محمولًا في صفة القتل على ما تضمنته الدعوى اعتبارًا بينة الحاكم المستحلف، فهلًا كان فيما عداها من الشروط المذكورة في هذه، اليمين لا يلزم ذكرها ويحمل على نية المستحلف قيل: لأن صفة القتل مراد لزوال الاشتباه وما عداها مراد الاستحقاق بها والله أعلم. مسألة: قال الشافعي ﵁: "وإن ادعى الجاني أنه برأ من الجراح زاد وما برأ من جراحة فلانٍ حتى مات منها". قال في الحاوي: وصورتها في مجروح مات مع لوث في جراحته، فأراد الولي أن يقسم، فذكر المدعي عليه أن المجروح مات من غير الجراحة التي كانت به فينظر، فإن مات عقيب الجراحة، فالظاهر أنه مات منها فلا يؤثر ما ذكره المدعي عليه، فإن لم يبرأ حتى زمان موته بعد الجراحة فهذا على ثلاثة أضرب: أحدها: أن تكون الجراحة قد اندملت فيسقط حكم القسامة فيها لاستقرار حكمها بالاندمال وبطلت سرايتها إلى النفس وليس فيما دون النفس قسامة. والثاني: أن يكون دمها جاريًا لم تندمل فهذا محتمل أن يكون الموت ومحتمل أن يكون من غيرها فيزيد الحالف من أيمان قسامته أنه مات من جراحته فإن أقسم على اثنين قال: في يمينه، وأنه ما مات من غير جراحتها ولم يقل: أنه مات من جرحهما لأنه قد يجوز أن يموت من جرح أحدهما وإن أجرى الشرع حكم القتل عليهما. والثالث: أن يختلفا في الاندمال فيدعيه الجاني وينكره المدعي فلو كان في غير القسامة لكان القول في قول الجاني فأما في القسامة، ففيه وجهان: أحدهما: وهو الظاهر من قول أبي إسحاق المروزي أن القول قول الجاني مع يمينه، كما يكون القول قوله في غير القسامة حتي يقيم المدعي البينة ببقاء الجرح سائل الدم غير مندمل ثم يقسم. والثاني: وهو الظاهر من قول أبي علي بن أبي هريرة أن القول فيه قول المدعي بخلافه في غير القسامة، لأنه لما خالفت القسامة غيرها في قبول قول المدعي في القتل

стр. 6877

خالفته في قبول قوله به في سراية الجراح فيقسم على ذلك ويزيد في يمينه أنه مات من جراحته، والله أعلم. مسألة: قال الشافعي ﵁: "وإذا حلف المُدعي عليه حلف كذلك ما قتل فُلانًا ولا أعان على قتله ولا ناله من فعله ولا بسبب فعله شيءٌ جرحه ولا وصل إلى شيءٍ من بدنه لأنه قد يرمي فيُصيب شيئًا فيطير الذي أصابه فيقتله ولا أحدث شيئًا مات منه فلانٌ لأنه قد يحفر البئر ويضع الحجر فيموت منه". قال في الحاوي: ذكر الشافعي ﵁ بعد يمين المدعي في القسامة يمين المدعي في القسامة يمين المدعي عليه في القسامة وغير فذكر في يمينه ستة شروط: أحدها: ما قتل فلان لأنه أصل الدعوى ويشتمل قوله ما قتل على التوجيه بالذبح وعلى سراية الجرح فلم يحتج إلى الجمع بينهما ولو جمع كان أحوط. والثاني: أن يقول ولا أعان على قتله يريد بذلك الشركة في القتل والإكراه عليه - وقال ابن أبي هريرة إنما أرادبه الممسك في القتل هو قاتل على مذهب مالك، وإن لم يكن قاتلًا على مذهب الشافعي فذكره في يمينه احتياطًا فيكون هذا الشرط على قول ابن أبي هريرة مستحب وعلى قوله غيره واجبًا. والثالث: أن يقول: ولا ناله من فعله واختلف أصحابنا في مراده لهذا على وجهين: أحدهما: وهو قول البصريين - أن المراد به سراية الجرح. والثاني: وهو قول البغداديين أن المراد به وصول السهم عن القوس وهو على كلا الوجهين شرط واجب وتكون في قتل العمد. والرابع: أن يقول ولا ناله بسبب فعله شيء- اختلف أصحابنا في مراده بهذا على وجهين: أحدهما: وهو قول البصريين - أن المراد به سقي السم، فعلى هذا يكون شرطًا رابعًا في قتل العمد. والثاني: وهو قول البغداديين - أن المراد به أن يرمي حائطًا بسهم أو حجر فيعود السهم أو الحجر على رجل فيقتله، فعلى هذا يكون شرطًا في قتل الخطأ دون العمد. والخامس: أن يقول ولا وصل إليه شيء من بدنه وقد فسر الشافعي ما معناه: أن يرمي حجرًا فيصيب حجرًا فينقطع الثاني فيقع على ذلك فيقتله وهذا شرط في الخطأ دون العمد.

стр. 6878

السادس: أن يقول ولا أحدث شيئًا مات منه وقد فسره الشافعي بحفر البئر ووضع الحجر في غيره ملكه فيلزمه ضمان من مات منه وهذا شرط في قتل الخطأ دون العمد، فتكون هذه الشروط الستة، يلزم منها في قتل العمد ما اختص به وفي قتل الخطأ ما اختص به وهي غاية الشروط التي يحتاط بها في الأيمان، فإن قيل يجب أن تكون يمين المدعي عليه إذا أنكر موافقة لدعوى المدعي إذا فسر فلم يحتج في يمين إنكاره إلى زيادة على ما ذكره المدعي في تفسيره وإنما يحتاج إلى ذلك في الدعوى المطلقة دون المفسرة وهو لا يرى سماعها إلا مفسرة فاختلف أصحابنا في الجواب عن هذا على ثلاثة أوجه: أحدها: أن هذا من قوله دليل على جواز السماع للدعوى مطلقة غير مفسرة وجعلوا ذلك قولًا ثانيًا للشافعي فخرجوا سماع الدعوى مطلقة في الدم على قولين بعد اتفاقهم أنها لا تسمع في القسامة إلا مفسرة لاحتياج المدعي إلى الحلف عليها وإنما أخرجوه فيما عدا القسامة ولو فسرت الدعوى لما تجاوز المدعي بيمينه ما تضمنته الدعوى. والثاني: أن الشافعي شرط ذلك في الدعوى المفسرة في الدماء خاصة، لأن دعوى الدم حق المقتول فإن انتقل إلى دليل استظهر الزائد على ما ادعاه وليه. وهو لا يرى سماعها مطلقة وشرط في اليمين الزيادة على ما تضمنته الدعوى على ما ادعاه وليه. والثالث: أنه شرط ذلك في حق طفل أو غائب إذا ادعى له القتل ولي أو وكيل فيلزم الحاكم أن يستظهر في اليمين له على ما ادعاه وليه أو وكيله، ولو كانت الدعوى لحاضر جائز الأمر لم يستظهر له الحاكم بذلك بالبينة إذا قامت بدين على طفل أو غائب. واستظهر الحاكم بإحلاف صاحب الدين أنه ما قبضه ولا شيئًا منه، ولو قامت على حاصر جائز الأمر لم يحلف صاحب الدين على ذلك إلى أن يدعيه الحاضر. مسألة: قال الشافعي ﵁: "ولو لم يزده السلطان على حلفه بالله أجزأه لأن الله تعالى جعل بين المتلاعنين الأيمان بالله". قال في الحاوي: قد ذكرنا أن تغليظ اليمين بما يضاف إلي اسم الله تعالى من صفاته التي ينفرد بها وتعظم في النفوس التلفظ بها مأمور به، ومندوب إليه لأمرين: أحدهما: لتباين ما قد ألفه الإنسان من أيمانه بالله في أثناء كلامه فيكون أزجر وأردع. والثاني: لينتقي بها تأويل ذوي الشبهات، فإن حذفها الحاكم واقتصر على إحلافه بالله أجزأه وحذفها في أهل الديانة أيسر من حذفها في ذوي الشبهات وإن كان جواز حذفها في الفريقين على سواء لقول الله تعالى: ﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ﴾ [المائدة: ١٠٦]، وقوله:

стр. 6879

﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ﴾ [النور:٦] وأحلف رسول الله ﷺ عبد الله بن مسعود في قتله لأبي جهل بالله أنك قتلته وأحلف ركانة في طلاق امرأته وبالله التوفيق. باب دعوى الدم في الموضع الذي فيه قسامة مسألة: قال الشافعي ﵁: "وإذا وجد قتيلٌ في محلة قومٍ يُخالطهم غيرهم أو في صحراء أو مسجدٍ أو سوقٍ فلا قسامة". قال في الحاوي: قد ذكرنا أن وجود القتيل في محلة لا يوجب القسامة على أهلها أو بعضهم إلا بشرطين: أحدهما: أن تكن مختصة بأهلها مثل خيبر لا يختلط بهم غيرهم ولا يشركهم فيها سواهم، فيجوز أن يقسم على من ادعى عليه قتله منهم سواء قلوا أو كثروا إذا أمكن أن يشتركوا في قتل الواحد، فإن لم يكن أن يشتركوا فيه منع من القسامة على جميعهم. وقيل له: خص بالدعوى من شئت منهم، ثم أقسم، فأما إن كانت المحلة مشتركة بين أهلها وغيرهم تطرقها المارة وتدخلها السابلة فلا قسامة فيها على أحد من أهلها ولا من غير أهلها. فلو كانت قرية يدخلها غير أهلها عند ورود القوافل ولا يدخلها غيرهم إذا انقطعت القوافل عنهم جازت القسامة عليهم عند انقطاع القوافل، ولم تجب القسامة مع ورود القوافل فهذا شرط. والثاني: ظهور العداوة بين القتيل وأهل المحلة أو القرية أو ظهور العداوة بين أهل القتيل وأهل القرية، فتجوز القسامة مع ظهور العداوة، ولا تجوز مع ارتفاع العداوة فإن اصطلحوا بعد العداوة ثم وجد القتيل فيهم نظر حال الصلح فإن تظاهروا بالحسنى بعد الصلح فلا قسامة وإن لم يتظاهروا بالصلح أقسمن كالشاهد إذا صالح عدوه ثم شهد عليه قبلت شهادته بعد الصلح إذا رأى ما بينهما حسنًا ولا تقبل إن لم ير ما بينهما حسنًا. مسألة: قال الشافعي ﵁: "وإن ادعى وليه على أهل المحلة لم يحلف إلا من أثبتوه وإن كانوا ألفًا فيحلفون يمينًا يمينًا لأنهم يزيدون على خمسين فإن لم يبق منهم إلا واحدٌ حلف خمسين يمينًا وبرئ فإن نكلوا حلف ولاة الدم خمسين يمينًا واستحقوا الدية في أموالهم إن كان عمدًا وعلى عواقلهم في ثلاث سنين إن كان خطأً قال فوي ديات العمد على قدر حصصهم".

стр. 6880

قال في الحاوي: قد مضى الكلام في شروط القسامة: فأما دعوى الدماء في غير القسامة فمعتبرة بشرطين: أحدهما: أن تكون على معين، فإن لم يعين القاتل وادعى قتله على قوم من أهل المحلة لم يسمع. والثاني: أن تعين على عدد يمكن اشتراكهم في القتل فإن عين على عدد لا يمكن اشتراكهم لم يسمع فإذا عينها على من يمكن اشتراكهم فيه حلفوا وبرئوا. وقال أبو حنيفة لا اعتبار بهذه الشروط، ويجوز أن يدعي قتله على غير معينين وعلى من لا يمكن اشتراكهم فيه فإذا ادعى قتله على قوم من أهل محلة أو قرية اختار منهم خمسين رجلًا وأحلفهم، فإذا حلفوا أوجب الدية على عواقلهم، فخالف أصول الشرع في خمسة أحكام: أحدها: سماع الدعوى على غير معين. والثاني: سماعها على من لا يصح منهم الاشتراك فيه. والثالث: أن جعل للمدعي اختيار خمسين ممن شاء منهم، وإن علم أنهم غير قتلة. والرابع: إحلافهم وإن علم صدقهم. والخامس: إلزامهم الدية بعد أيمانهم وكفى بمخالفة الأصول فيها دفعًا لقوله. وقد ذكرنا من الدليل على فساد كل أصل منها ما أقنع. فصل: فإذا ثبت ما ذكرنا وسمعت الدعوى على ما وصفنا، وكانت على جماعة ففي قدر ما يلزمهم من الأيمان ثلاثة أقاويل ذكرناها: أحدها: يحلف كل واحد منهم خمسين يمينًا ولو كانوا ألفًا. والثاني: يحلف جميعهم خمسين يمينًا تقسط على أعدادهم. والثالث: يحلف كل واحد منهم يمينًا واحدة ولو كان واحدًا وقد مضى توجيه هذه الأقاويل فإن قيل: فإذا جعل الشافعي إمكان اشتراكهم في القتل شرط سماع الدعوى عليهم، فكيف قال: يحلفون ولو كانوا ألفًا لا يصح اشتراك الألف في قتل الواحدة، قيل: لأن العدد الذي يمكن اشتراكه في القتل يختلف حسب اختلاف القتل، فإن كان ذبحًا أو قطعًا أو بضرب العتق لم يمكن أن يشترط فيه ألف ولا مائة ولا خمسون. وإن كان بجراح أمكن أن يشترك فيه مائة ومائتان وإن كان بالعصا أمكن أن يشترك فيه ألف فيضربه كل واحد منهم عصا، وكذلك لو رموه بالبذق أمكن أن يشترك فيه ألف فيرميه كل واحد منهم ببذقة فإن حمل كلام الشافعي على هذا كان ممكنًا وإن حمل على غيره كان مبالغة.

стр. 6881

مسألة: قال الشافعي ﵁: "والمحجور عليه وغيره سواءٌ لأن إقراره بالجناية يلزمه في ماله والجناية خلاف الشراء والبيع". قال في الحاوي: يريد المحجور عليه بالسفه وقد تقدم الكلام فيه والحكم فيه يشتمل على أربعة فصول: أحدهما: في الدعوى تسمع منه الدعوى في القتل كما تسمع من الرشيد لأن الحجر عليه موضوع لحفظ ماله ودعواه لما له سواء ادعى قتل عمد أو خطأ في قسامة وغير قسامة. والثاني: سماع الدعوى عليه فيسمعها في العمد وفي سماعها في الخطأ قولان: والثالث: إقراره بالقتل فإن كان بعمد صح إقراره فيه ووجبت الدية في ماله إن عفا عن القود فيه كان بخطأ محض ففي صحة إقراره به قولان على ما مضى. والرابع: إحلافه فتصبح أيمانه سواء حلف مدعيًا في القسامة، أو حلف منكر في غير القسامة، لما يتعلق بقوله من الأحكام بخلاف الصبي والمجنون. مسألة: قال الشافعي ﵁: "وكذلك العبد إلا في إقراره بجنايةٍ لا قصاص فيها فإنه لا يُباع فيها لأن ذلك في مال غيره فمتى عتق لزمه. قال المزني: فكما لم يضر سيده إقراره بما يُوجب المال فكذلك لا يضر عاقلة الحر قوله بما يُوجب عليهم المال". قال في الحاوي: إذا كانت دعوى القتل على عبد، فهو على ضربين: أحدهما: أن تكون في عمد يوجب القود. والثاني: أن تكون في خطأ يوجب المال، فإن كانت في عمد يوجب القود، فهي مسموعة على العمد دون سيده، لأن إقرار العبد بها على نفسه مقبول، لارتفاع التهمة عنه وإقرار السيد على عبده غير مقبول. فإن اعترف العبد بها اقتص منه، فإن عفي عن القصاص بيع في جنايته، إلا أن يفديه سيده. وإن كانت دعوى القتل في خطأ يوجب المال، فيجوز سماعها على العبد وعلى سيده، أما العبد فلتعلقها إن أقر بذمته وأدائه لها بعد عتقه، وأما السيد فلأنها إن أقر مستحقه في رقبة عبده، وإذا كان كذلك، فإن سمعت على العبد، فأنكرها حلف وبرئ، وجاز أن يستأنف الدعوى على سيده بعد إنكار عبده ويمينه، فإن اعترف بها تعلقت برقبة عبده وإن أنكرها حلف برئ. وإن أقر بعدها تعلقت بذمته دون رقبته إلا أن يصدقه السيد عليها فتتعلق برقبته، إلا أن يفديه السيد منها ولو قدمت الدعوى على السيد. فإن اعترف

стр. 6882

تعلقت برقبة عبده، إلا أن يفديه السيد منها. وسواء كان العبد فيها مقرًا أو منكرًا، وإن أنكرها السيد حلف وبرئ وجاز أن يستأنف الدعوى على العبد فإن أنكرها حلف وبرئ وإن اعترف بها تعلقت بذمته، يؤديها بعد عتقه ويساره فلو أنكرها العبد ونكل عن اليمين فيها فردت على المدعي وحلف ثبتت له الجناية بيمينه بعد النكول. وهل تتعلق برقبته أو بذمته؟ على قولين مبنين على اختلاف قوليه في يمين المدعي بعد نكول المدعي عليه هل تقوم مقام البينة أو مقام الإقرار؟ فإن قيل أنها تقوم مقام البينة تعلقت برقبته وإن قيل إنها تقوم مقام الإقرار تعلقت بذمته. فأما المزني فإنه قال: كما لا يضر سيده إقراره بما يوجب المال فكذلك لا يضر عاقلة الحر قوله هذا صحيح لأن العاقلة لا تتحمل الجاني كما لا يلزم السيد إقرار عبده، والله أعلم. مسألة: قال الشافعي ﵁: "ومن كان منهم سكران لم يحلف حتى يصحو. قال المزني: هذا يدل على إبطال السكران الذي لا يعقل ولا يُميز". قال في الحاوي: وهذا صحيح، إذا توجهت اليمين على سكران لم يحلف في حال سكره حتى يصحو، لأمرين: أحدهما: أنه ربما اشتبه عليه بالسكر ما لا يستحقه. والثاني: أن اليمين موضوعة للزجر، والسكران يقدم في سكره على ما يمتنع منه عند إفاقته. واختلف أصحابنا في هذا الامتناع من استحلافه هل هو مستحب أو واجب؟ على وجهين: أحدهما: أنه مستحب فإن أحلف في حال سكره أجزأ، لأننا نجري عليه في السكر أحكام المفيق. والثاني: أنه واجب وأن الاستحلاف في حال سكره لم يجزه، لما قدمناه من وضع اليمين للزجر وسكره يصد عن الانزجار. وأما المزني فإنه جعل منع الشافعي من استحلافه في السكر دليلًا على أن طلاق السكران لا يقع، فلم يلزمه حكم الشافعي بوقوع الطلاق وصحة ظهاره وثبوت ردته، ومنع من إحلافه واستتابته من ردته حتى يفيق، فاختلف أصحابنا في ذلك على وجهين: أحدهما: أنه يجري عليه في جميعها أحكام الصاحي فيما له وفيما عليه مما ضره أو نفعه، وهو الظاهر قول أبي إسحاق المروزي، ويحمل منعه من إحلافه واستتابته على

стр. 6883

الاستحباب دون الوجوب، وأنه إن حلف وتاب صحت أيمانه وتوبته كالمفيق فعلى هذا لا دليل للمزني فيه. والثاني: وهو قول أبي علي بن أبي هريرة أنه يجري عليه أحكام الصاحي فيما عليه مما يضره ولا يجري عليه أحكام الصاحي فيما له مما ينفعه، لأن السكر معصية توجب التغليظ فاختص بلزوم أغلظ الحكمين وسقوط أخفهما فعلى هذا لا دليل للمزني فيه لأن وقوع الطلاق تغليظ وصحة الأيمان تخفيف، والله أعلم. مسألة: قال الشافعي ﵁: "وقد قيل لا يبرأ المدعي عليهم إلا بخمسين يمينًا كل واحدٍ منهم ولا يُحتسب لهم يمينٌ غيره وهكذا الدعوى فيما دون النفس وقيل يلزمه من الأيمان على قدر الدية في اليد خمسٌ وعشرون وفي الموضحة ثلاثة أيمانٍ. قال المزني ﵀: وقد قال في أول بابٍ من القسامة: ولا تجب القسامة في دون النفس وهذا عندي أولى بقول العلماء". قال في الحاوي: قد مضى تغليظ الأيمان في القسامة فأما تغليظها في غير القسامة من الدماء، فيه ثلاثة أقاويل: أحدهما: تغليظ في النفس وفيما دون النفس وإن لم يحكم فيها بالقسامة تغليظًا لحكم الدماء وفي كيفية تغليظها ما قدمناه من الأقاويل. والثاني: لا تغليظ في النفس ولا فيما دون النفس إذا سقطت القسامة اعتبارًا بسائر الدعاوي، والمستحق فيما يمين واحدة. والثالث: أنها مغلظة في النفس ولا تغلظ فيما دون النفس لاختصاص النفس بتغليظ الكفارة وسقوطها فيما دون النفس. فأما المزني فإنه لما رأى الشافعي قال في أول الكتاب: لا قسامة فيما دون النفس وقال هاهنا: تغليظ الأيمان فيما دون النفس وهم وظن أن قوله اختلف في القسامة فيما دون النفس، وهذا ذلل ذميم فيه، لأن قوله لم يختلف أنه لا قسامة فيما دون النفس وإنما اختلف قوله في تغليظ الأيمان فيما دون النفس وهما مسألتان لم يختلف قوله في إحداهما واختلف في الأخرى، والله أعلم. باب كفارة القتل مسألة: قال الشافعي ﵀: قال الله تعالى: ﴿وَمَن قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأًً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ [النساء:٩٢].

стр. 6884

قال في الحاوي: هذه الآية هي الأصل في وجوب الدية في قتل الخطأ للمقتول ووجوب الكفارة فيه على القاتل، وجملة القتل تنقسم أربعة أقسام: واجب، مباح، ومحظور يأثم به، ومحظور لا يأثم به. فأما الواجب: فالقتل بالردة والزنى والحرابة ولا يتعلق به وجوب دية ولا كفارة. وأما المباح فالقصاص، ودفع الطالب لنفس أو مال وهو في حكم الواجب في سقوط الدين والكفارة. وأما المحظور الذي يأثم به، فهو قتل العمد بغير حق ويتعلق به أربعة أحكام القصاص مع التكافؤ والدية عند العفو، والكفارة عن القتل، والوعيد في المأثم. وأما المحظور الذي لا يأثم به: فهو قتل الخطأ ويتعلق به حكمان الدية والكفارة وقد تضمنتهما الآية ويسقط عنه القصاص والمأثم فيصير موافقًا للعمد في حكمين، ومخالفًا له في حكمين وإذا كانت أقسام القتل على ما ذكرنا فالكفارة فيه واجبة عن كل قتل لمضمون في كل قتيل مضمون على كل قاتل ضامن. فصل: فأما القتل المضمون فعمد وخطأ - فالعمد يأتي في خلاف نذكره والخطأ متفق على وجوب الكفارة فيه بنص الكتاب وإجماع الأمة وسواء كان قتل الخطأ بمباشرة أو بسبب، والمباشرة: أن يرمي هدفًا فيصيب إنسانًا فيقتله، والسبب: أن يحفر بئرًا في أرض لا يملكها فيقع فيها إنسان فيموت أو يضع حجرًا في طريق سائر فيعثر به إنسان فيموت أو يرش ماء في الطريق فيزلق به فيموت إلى امتثال ذلك مما قدمنا ذكره في ضمان النفس التالفة فيجب فيه الدية والكفارة. وقال أبو حنيفة: تجب في قتل المباشرة الدية مع الكفارة وتجب في قتل السبب الدية دون الكفارة استدلالًا بأن كل من ضمن نفسًا من غير مباشرة لم تجب عليه الكفارة كالعاقلة، ولأن كل ما لم يجب في جنسه قود لم يجب في جنيه كفارة كالإمساك. ودليلنا: هو أنه قتل يضمن بالدية فوجب أن يضمن بالكفارة، كالمباشرة. فإن منعوا أن يكون مقتولًا، احتج عليهم بوجوب الدية، لأنه لا يجوز أن يلزم دية النفس ولا يكون متلفًا للنفس إذا لا يلزم دية إلا في قتل عن مقتول ولأنها كفارة تلزم بمباشرة القتل فوجب أن تلزم بسبب القتل كجزاء الصيد ولأن الكفارة أوكد من الدية فلما وجبت الدية كان أولى أن تجب الكفارة، وأما قياسهم على العاقلة فالجواب عنه أن العاقلة تلتزم الدية تحملًا ونيابة والكفارة لا يدخلها التحمل ولا النيابة ولذلك تحملت العاقلة دية الخطأ ولم تتحمل كفارته - وإن لزمته وأما قياسهم على الإمساك فالمعنى فيه أن الإمساك لما لم يوجب ضمان الدية لم يوجب ضمان الكفارة ولما أوجب السبب ضمان الدية أوجب ضمان الكفارة.

стр. 6885

فصل: فأما المقتول المضمون: فكل ما ضمنت نفسه بالقصاص من صغير وكبير، وذكر وأنثي، ومسلم وكافر، وحر وعبد، وجبت الكفارة بقتله وقال مالك: لا تجب الكفارة إلا بقتل الحر المسلم ولا تجب بقتل عبد ولا كافر، وقال أبو حنيفة: تجب بقتل العبد ولا تجب بقتل الكافر احتجاجا بقول الله تعالي: ﴿ومَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَئًا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ ودِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إلَى أَهْلِهِ﴾ [النساء: ٩٢] فجعل الإيمان شرطا في وجوب الكفارة، فلم تجب مع الشرط، ولأن الكفارة مختصة بأغلظ الحرمات ولذلك وجبت في النفس دون الأطراف المسلم أغلظ من نفس الكافر فكانت أولي بسقوط الكفارة. ودليلنا: قوله تعالي: ﴿وإن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إلَى أَهْلِهِ وتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢ فأوجب الله تعالي الدية مع الكفارة في قتل المعاهد كما أوجبها في قتل المؤمن فكان أول الآية في المسلم وآخرها في الكافر، ولأنها نفس مضمونة بالدية فوجب أن تضمن بالكفارة كالمسلم وما ادعاه من ضعف حرمته فراجع عليه في التسوية بينه وبين المسلم في وجوب القصاص ثم يقال: قد اثبت الذمة له حرمة فلا يسوى بينه وبين من عدمها في سقوط الكفارة كما لم يسو بينهما في سقوط الدية. فصل: وأما القاتل الضامن: فكل قاتل ضمن نفس مقتول فعليه الكفارة سواء كان صغيرا أو كبيرا عاقلا أو مجنونا مسلما أو كافرا حرا أو عبدا، وقال أبو حنيفة: لا كفارة علي الصبي والمجنون احتجاجا بقول النبي صلي الله عليه وسلم: ((رفع القلم عن ثلاث: عن الصبي حتي يحتلم، وعن المجنون حتي يفيق، وعن النائم حتي ينتبه)) ولأنها عبادة شرعية لا يدخلها التحمل قلم تجب علي الصبي والمجنون كالصلاة والصيام، ولأنها كفارة فلم تجب علي الصبي والمجنون قياسا علي كفارة الظهار والإيمان. ولأنه حكم يتعلق بالقاتل لا يتحمله غير القاتل، فلم يجب علي الصبي والمجنون كالقصاص. ودليلنا قوله تعالي: ﴿ومَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَئًا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢] فكان علي عمومه والصبي والمجنون وإن لم يتوجه إليهما الخطاب مواجهة كقوله تعالي: ﴿وأَقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [المزمل: ٢٠] توجه إليهم خطاب الالتزام والكفارة خطاب التزام فتوجه إلي الصبي والمجنون كالدية ولأنه قاتل ضامن فوجب أن تلزمه الكفارة كالبالغ العاقل ولأنه حق مال يجب بالقتل فوجب أن يستوى فيه الصغير والكبير والعاقل والمجنون كالدية، ولأن الكفارة أوكد من الدية، لأنها تجب علي قاتل نفسه وعلي السيد في قتل عبده، وإن لم تجب عليهما الدية فلما وجبت الدية علي الصبي والمجنون كان أولي أن تجب عليهما الكفارة: فأما الجواب عن قوله ((رفع القلم عن ثلاث)) فهو أن رفع

стр. 6886

القلم عنهم لا يمنع من وجوب حكم القتل في أموالهم كما لم يمنع من وجوب الدية، وكما لا يمنع النائم إذا انقلب علي إنسان فقتله من وجوب الدية مع الكفارة. وأما قياسهم علي الصلاة والصيام فمنتقض بوجوب الغرم وجزاء الصيد ثم المعني في الصلاة والصيام أنهما عبادتان علي البدن والكفارة حق في المال فافترقا كما افترق القصاص والدية وأما قياسهم علي كفارة الأيمان مع انتفاضه بجزاء الصيد فالمعني فيه أنه لما لم تصح مهما الأيمان لم يلزمهما كفارتهما ولما صح منهم القتل لزمتهما كفارته. وأما قياسهم علي القصاص، فالمعني في القصاص أنه حق علي بدن فسقط عنهما كالحدود والكفارة، حق في مال فلم تسقط عنهما كذكاة الفطر وجزاء الصيد، والله أعلم. مسألة: قال الشافعي ﵁: ((وقال تعالي: ﴿فَإن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَّكُمْ وهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢] يعني في قوم في دار حرب خاصة ولم يجعل له قودا ولا دية إذا قتله وهو لا يعرفه مسلما وذلك أن يغير أو يقتله في سرية أو يلقاه منفردا بهيئة المشركين وفي دارهم أو نحو ذلك)). قال في الحاوى: وهذا صحيح، ذكر الله تعالي في هذه الآية أحكام القتل في ثلاثة أوجب فيهم ديتين وثلاث كفارات: أحدهما: وهو المقدم فيها قتل المؤمن في دار الإسلام فأوجب فيه الدية والكفارة بقوله تعالي: ﴿ومَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَئًا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ ودِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إلَى أَهْلِهِ إلاَّ أَن يَصَّدَّقُوا﴾ [النساء: ٩٢] وقد استوفيناه. والثاني: قتل المؤمن في دار فأوجب فيه الكفارة ولم يوجب فيه الدية بقوله تعالي: ﴿فَإن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَّكُمْ وهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢] ومعناه فإن كان من قوم من أعدائكم مؤمن قتلتموه بينهم فتحرير رقبة تلزمكم في قتله. ولا يخلو حال قتله فيهم من أربعة أقسام: أحدهما: أن يعلم قاتله أنه مسلم وتعمد قتله فعليه القود. وقال أبو حنيفة: لا قود عليه لقوم النبي صلي الله عليه وسلم: ((منعت دار الإسلام ما فيها وأباحت دار الشرك ما فيها)) ولأنه مقتول في دار الحرب فلم يستحق فيه قود كأهل الحرب. ودليلنا قول النبي صلي الله عليه وسلم: ((إن الله حرم من المسلم ماله ودمه وأن لا يظن به إلا خيرا)) ولأنه عامد لقتل مسلم محقون الدم فوجب أن يلزمه القود كما لو قتله في دار الإسلام.

стр. 6887

والجواب عن الخبر والقياس أن دار الشرك لم تبح دمه وأباحت دم المشرك. فصل: والقسم الثاني: أن لا يعلم قاتله أنه مسلم، ولا يعمد قتله ولكن يرمي إلي دار الحرب سهما مرسلا فيقع عليه فيقتله فهو المراد بالآية، وفي قتله الكفارة. واختلفوا في وجوب الدية: فذهب الشافعي إلي أنه لا تجب فيه الدية، فقال مالك: تجب فيه الدية. وقال أبو حنيفة: إن كان في دار الإسلام أو هاجر إليها وجبت فيه الدية وإن لم يسلم فيها ولا هاجر إليها، لم تجب فيه الدية، لثبوت حرمة الدار علي المهاجر وعدمها في غير المهاجر واستدلا في الجملة بقوله تعالي: ﴿ودِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إلَى أَهْلِهِ﴾ [النساء: ٩٢] فكان علي عمومه ولأنه مقتول مسلم فوجب أن يكون مضمونا بالدية كالمقتول في دار الأسلام. ودليلنا: قوله تعالي: ﴿وإن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إلَى أَهْلِهِ وتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢] فكان الدليل فيها من وجهين: أحدهما: اقتصاره علي الكفارة ولو وجبت فيه الدية لذكرها. والثاني: أنه غاير بين قتله في دار الإسلام ودار الشرك، ولو تساويا لأطلق ولم يغاير بينهما، ولأنها دار إباحة لم يعمد فيها قتل مسلم، فوجب أن لا يضمن بالقتل دية كما لو قتل غير مسلم، ولأن من لم يضمن ديته إذا لم يهاجر لم يضمن، وإن هاجر، كالمشرك وعموم الآية مخصص بما تعقبها وقياسه معارض لقياسنا، ولأن دار الإسلام حاظرة ودار المشرك مبيحة. فصل: والقسم الثالث: أن يعمد قتله ولا يعلم أنه مسلم فلا قود فيه وفيه الدية وقال أبو حنيفة: لا دية فيه، إن لم يهاجر. ودليلنا: أن اليمان أبا حذيفة بن اليمان قتله المسلمون ولم يعلموا بإسلامه فقضي رسول الله صلي الله عليه وسلم بديته فقال حذيفة يغفر الله لهم. فإنهم لم يعملوا، ولأن جهل القاتل بأحوال المقتول لا يوجب سقوط ضمانه عن القاتل كالصبي والمجنون. فصل: والقسم الرابع أنه يعلم أنه مسلم ولا يعمد قتله ويرمي أهل الدار بسهم فاعترض المسلم السهم حتى أصابه فقتله، فلا قود وفيه الكفارة وفي وجوب الدية قولان: أحدهما: لا دية فيه استدلالا، واعتبارا بالقسم الثاني. والثاني: فيه الدية استدلالا بحيث اليمان. واعتبارا بالقسم الثالث. والله أعلم.

стр. 6888

مسألة: قال الشافعي ﵁: ﴿وإن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إلَى أَهْلِهِ وتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢]. قال في الحاوي: وهذا هو الثالث مما بينه الله تعالي في هذه الآية وجمع في قتله بين الدية والكفارة وهو الكافر ذو الميثاق بذمة أو عهد او قتل في دار الإسلام ففيه الدية والكفارة بقوله تعالي: ﴿وإن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إلَى أَهْلِهِ وتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢] فجمع في قتله بين الدية والكفارة كما جمع في قتل المسلم في دار الإسلام بين الدية والكفارة. وقدم في قتل المسلم الكفارة علي الدية وفي قتل الكافر الدية علي الكفارة لأن المسلم يري تقديم حق الله علي حق نفسه والكافر يري تقديم حق نفسه علي حق الله تعالي، وقال ابن أبي هريرة: بل خالف بينهما، ولم يجعلها علي نسق واحد، لأن لم لا يلحق بهما، ما بينهم من قتل المؤمن في دار الحرب في قوله ﴿وإن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إلَى أَهْلِهِ وتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢] فيضم إليه الدية إلحاقا بأحد الطرفين فأزال هذا الاحتمال بأحد اللفظين. وسواء كان صاحب هذا الميثاق من الكفار من أهل الذمة، أو من أصحاب العهد، وسواء كان من أهل الكتاب، أو من غير أهل الكتاب في وجوب الدية والكفارة إذا قتل في دار الإسلام. فأما إذا قتل في دار الحرب، فحكمه حكم المسلم إذا قتل فيها في ضمانه بالكفارة والدية إلا أن يعمد قتله غالطا بميثاقه الذي هو مقيم علي التزامه فتجب فيه الدية مع الكفارة، والكفارة الواجبة في قتل الكافر، كالكفارة الواجبة في قتل المسلم في أيمان الرقبة وسلامتها من العيوب المضرة، والله أعلم. مسألة: قال الشافعي ﵁: ((وإذا وجبت عليه كفارة القتل في الخطأ وفي قتل المؤمن في دار الحرب كانت الكفارة في العمد أولي. قال المزني ﵀: واحتج بأن الكفارة في قتل الصيد فهي الإحرام والحرم عمدا أو خطأ إلا في المأثم فكذلك كفارة القتل أو خطأ سواء إلا في المأثم)). قال في الحاوي: وهذا كما قال، الكفارة تجب في قتل العمد والخطأ. وأوجبها أبو حنيفة ومالك في قتل الخطأ وأسقطاها في قتل العمد سواء وجب في القود أو لم يجب استدلالا بقوله تعالي: ﴿ومَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَئًا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢] فجعل الخطأ شرطا في وجوب الكفارة، فوجبت أن ينتقي عن العمد لعدم

стр. 6889

الشرط، وبما (روي) عن النبي صلي الله عليه وسلم أنه قال: ((العمد قود)) فجعل موجب العمد استحقاق القود، فدل علي أنه لا يجب في غير القود، ولأنه سبب يوجب القتل فلم يوجب الكفارة كالزني والردة، ولأنه قتل عمد فلم تجب فيه الكفارة، كالقصاص ولأن القصاص عقوبة علي بدن، والكفارة حق في مال فلم يجتمعا في القتل الواحد كالقصاص مع الدية. ودليلنا ما رواه واثلة بن الأسقع قال: أتينا رسول الله صلي الله عيله وسلم في صاحب لنا استوجب النار بقتل، فقال: ((اعتقوا عنه رقبة يعتق الله بكل عضو منها عضوا منه من النار)) وهو لا يستوجب النار إلا في العمد. فإن قيل: فقد أمر بها غير القاتل فدل علي أنها غير واجبة علي القاتل قلنا الخطاب وإن توجه إلي السائل فالمراد به القاتل لأنه أوجبها بالقتل، وروى عن عمر بن الخطاب أنه قال: يا رسول الله إني وأدت في الجاهلية. فقال أعتق عن كل موؤودة رقبة وذلك أن العرب في الجاهلية كانت تحفر تحت الحامل إذا ضربها الطلق حفيرة يسقط فيها ولدها إذا وضعته، فإذا كان ذكرا أخرجوه منها وإن كان أنثي تركت في حفرتها وطمر التراب حتى تموت، وهذا قتل عمد، وقد أوجبت به الكفارة. ومن القياس: أنه قتل آدمي مضمون فوجب أن تستحق فيه الكفارة كالخطأ ولأن كل كفارة وجبت بقتل الخطأ وجبت بقتل العمد كجزاء الصيد، ولأن الكفارة إذا وجبت علي الخاطئ مع عدم المأثم كان وجوبها علي العامد مع المأثم حق كما قال تعالي: ﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤] فلم أوجب القضاء علي المفطر معذورا بمرض أو سفر كان وجبه علي من فطر عمدا بغير عذر أحق ولقول النبي صلي الله عيله وسلم: ((من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها)). وقد روي عن النبي صلي الله عيله وسلم أنه قال: القتل كفارة. والثاني: وهو الصحيح أن الكفارة علي وجوبها لا تسقط بالقود لأنها حق الله تعالي فلم تسقط بتأدية حق الآدمي كما لم تسقط بأداء الدية. فصل: فأما إذا اشتركت الجماعة في قتل عمدا أو خطأ فإنهم يشتركون في الدية، فلا يلزمهم إلا دية واحدة، ولا يشتركون في الكفارة ويلزم كل واحد منهم كفارة كاملة فإن قيل فهلا اشتركوا في الكفارة كما اشتركوا في الدية كما ذهب إليه عثمان البتي وحكاه بعض أصحابكم عن الشافعي. قيل: الحاكي له عن الشافعي غالطا، ولم يعرف في شيء من كتبه ولا نقله عنه أحد

стр. 6890

من أصحابه ونصوصه في جميع كتبه بخلافه. والفرق بين الدية والكفارة من وجهين: أحدهما: أن الدية تتبعض فجاز أن يشتركوا فيها، والكفارة لا تتبعض، فلم يصح اشتراكهم فيها. والثاني: أن الدية بدل من النفس، وهي واحدة فلم يلزم فيها إلا دية واحدة، والكفارة لتكفير القتل وكل واحد منهم قاتل فلزم كل واحد منهم كفارة وهذان الوجهان دليل علي عثمان. فصل: فإذا ثبت وجود الكفارة علي كل قاتل بغير حق من عمد أو خطأ في كل مقتول من مسلم أو كافر، أو عبد فقد رضي الله تعالي فيها علي العتق والصيام. فقال: ﴿وتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ [النساء: ٩٢] فقدم عتق الرقبة، وشرط فيها الإيمان فلا يجزئ إلا عتق رقبة مؤمنة سواء كان المقتول مؤمنا أو كافرا، لأنه شرط إيمانها في عتقها عن قتل الكفار فكان إيمانها في عتقها عن قتل المؤمن أولي. فإن لم يجد الرقبة فاضلة عن كفايته علي الأبد سقط عنه التكفير بالعتق، وكفر بصيام شهرين متتابعين وهو نص القرآن فإن عجز عن الصيام ففيه قولان: أحدهما: يعدل إلي الإطعام فيطعم ستين مسكينا، لأن الله تعالي نص عليه من كفارة الظهار وأطلق ذكره في كفارة القتل، فوجب أن يحمل إطلاقه في كفارة القتل علي تقيده في كفارة الظهار، لأن المطلق محمول علي المقيد من جنسه. والثاني: أنه لا إطعام فيها وتكون الكفارة بأحد الأمرين باقية في ذمته إلي أن يقدر عليها، لأن الإبدال في الكفارات موقوفة علي النص دون القياس، ولا يجوز حمل مطلقها علي المقيد إلا في الوصف دون الأصل، كما حمل إطلاق اليد في التيمم علي تقيدها بالمرافق في الوضوء لأنه حمل مطلق علي مقيد في وصف، ولم يحمل إغفال ذكر الرأس والرجلين في التيمم علي ما قيد من ذكرهما في الوضوء، لأنه حمل مطلق علي مقيد في أصل. كذلك في الكفارة حملنا إطلاق العتق في كفارة الظهار علي تقيده بالإيمان من كفارة القتل، لأنه حمل مطلق علي مقيد في وصف، ولم يحمل إغفال الإطعام في كفارة القتل علي ذكره الظهار لأنه حمل مطلق علي مقيد في أصل، والله أعلم بالصواب. باب لا يرث القاتل مسألة: قال الشافعي ﵀: ((قال أبو حنيفة لا يرث قاتل خطأ ولا عمدا إلا أن

стр. 6891

يكون مجنونا أو صبيا فلا يحرم الميراث لأن القلم عنهما مرفوع وقال أهل المدينة لا يرث قاتل عمد ولا يرث قاتل خطأ من الدية ويرث من سائر ماله, قال محمد بن الحسن هل رأيتم وارثا يرث بعض مال رجل دون بعض إما أن يرث الكل أو لا يرث شيئا قال الشافعي ﵀ يدخل علي محمد بن الحسن أنه يسوي بين المجنون والصبي وبين البالغ الخاطئ في قتل الخطأ ويجعل علي عواقلهم الدية ويرفع عنهم المأثم فكيف ورث بعضهم دون بعض وهم سواء في المعني قال: ويدخل علي أصحابنا ما دخل علي محمد بن الحسن وليس في الفرق بين قاتل خطأ لا يرث وقاتل عمد خبر يلزم ولو كان ثابتا كانت فيه أشبه. قال المزني ﵀: المعني تأويله إذا لم يثبت فرق أنهما سواء في أنهما لا يرثان وقد قطع بهذا المعني في كتاب قتال أهل البغي فقال: إذا قتل العادل الباغي أو الباغي العادل لا يتوارثان لأنهما قاتلان قال وهذا أشبه بمعني الحديث)). قال في الحاوي: وهذا قد مضي قد كتاب الفرائض وذكرنا اختلاف الفقهاء في ميراث القاتل فذهب الشافعي ﵁ أنه لا يرث قاتل عمد ولا خطأ سواء جري عليه القلم بالبلوغ والعقل أو رفع عنه القلم بالصغر والجنون. وقال أبو حنيفة: لا يرث قاتل عمد ولا خطأ إن جري عليه القلم ويرث إن رفع عنه القلم وقال مالك: لا يرث قاتل العمد وإن رفع عنه القلم ويرث الخطأ من المال دون الدية وإن جري عليه القلم, فرد محمد بن الحسن علي مالك هذا القول وقال: هل رأيتم وارثا يرث بعض مال رجل دون بعض؟ إما أن يرث الكل أو لا يرث شيئا, هذا رد صحيح من محمد بن الحسن علي مالك حيث ورث الخاطئ من المال دون الدية, وكلاهما مال للمقتول يقضي منهما ديونه وتنفذ منهما وصاياه فإن انتفت التهمة عن الخاطئ ورث الكل وإن تحققت التهمة منع الكل, ولم يجز تبعيض المال في ميراث فيرث بعض ويمنع بعض كما أن المبتوتة بالطلاق في المرض لما لحق الزوج التهمة في منعها من ثلث ماله لأنه الثلث غير متهوم في منها منه, لأن له أن يمنع منه كل وارث فلم يلحق الزوج تهمة في منعها وقد كان يقتضي علي قياس قوله أن يورثها ثلث ماله ولا يورثها من الثلث لاختصاص التهمة بالثلثين دون الثلث وقد اجتمعت الأمة علي إبطال هذا التبيض, وكانوا في توريثها علي قولين: فمن ورثها منهم ورثها جميع المال, وإن كان غير متهوم في بعضه ومن لم يورثها منعها جميع المال وإن الشافعي رد علي محمد بن الحسن فيما ذهب إليه أبو حنيفة من توريث مع دفع عنه القلم دون من جري عليه القلم لأن الصبي والمجنون قد شاركا الخاطئ في وجوب الدية, وشاركهما الخاطئ, في ارتفاع المأثم فصاروا جميعا سواء في الحكم والعلة, فهلا صاروا سواء في الميراث في أن يرثوا أو لا يرثوا؟ وكيف فرق بينهم في الميراث وقد تساووا في سببه وهذا التكافؤ في الاعتراض

стр. 6892

دليل (على) فساد المذهبين ويصح ما ذهب إليه الشافعي من منع كل قاتل من الميراث لأن النبي صلي الله عليه وسلم قال: القاتل لا يرث, وقال ليس لقاتل شيء. فصل: فإذا تقرر أن لا ميراث لكل قاتل تعليق عليه حكم القتل في ضمان دية أو كفارة لأنه قاتل بحق, فهو علي ضربين: أحدهما: أن يكون مخيرا فيه, وإن كان محقا كالمقتضي منه قودا فلا ميراث له لتوجه التهمه إليه في عدوله عن العفو إلي القصاص رغبة في الميراث فوجب أن يمتنع منه. والثاني: أن يجب عليه قتله ولا يكون مخيرا كالحاكم إذا قتل في زنا أو في قصاص استوفاه لخصم فهذا علي ضربين: أحدهما: أن يقتلهم بالبينة فلا يرث لأنه متهوم في تزكية الشهود فمنعته التهمة في الميراث. والثاني: أن يقتلهم بإقرارهم ففي ميراثه لهم وجهان لأصحابنا: أحدهما: وهو قول أبي العباس بن سريج يرثهم لانتقاد التهمة عنه في إقرارهم. والثاني: وهو قول أبي علي بن أبي هريرة والأكثرين والظاهر من مذهب الشافعي أنه لا يرث لإطلاق اسم القتل عليه وإن انتفت التهمة عنه كالصبي والمجنون, والله أعلم بالصواب. باب الشهادة علي الجناية مسألة: قال الشافعي ﵀: ((ولا يقبل في القتل وجراح العمد والحدود سوي الزني إلا عدلان)). قال في الحاوي: أما الشهادة فتنقسم علي أقسام: موضوع استيفائها كتاب الشهادات ونحن نذكر في هذا الموضع ما اختص به من الشهادة في الجنايات. والجنايات ضربان: عمد يوجب القصاص, وخطأ يوجب المال, فأما العمد الموجب للقصاص فلا تثبت البينة فيه إلا بشاهدين ولا يثبت بشاهد وامرأتان, كالحدود وسواء كان في نفس وفيما دون النفس. وقال الحسن البصري: لا يقبل في النفس إلا أربعة شهود: كالزني لأنها إماتة نفس, ويقبل فيما دونها شاهدان كالحدود وقال مالك: يقبل فيما قل من الجراح شاهد

стр. 6893

وامرأتان ولا يقبل فيما كثر إلا شاهدان لخفة القليل وتغليظ الكثير وكلا القولين خطأ, والدليل عليهما أن الله تعالي نص في كتابه علي ثلاث شهادات خالف بين أحكامها وجعلها أصولا لما أغفله ليكون المغفل فرعا ملحقا بأصله فيها فنص علي أربعة شهود في الزني ونص علي شاهدين في الطلاق والرجعة ونص علي شاهد وامرأتين في الأموال وأغفل الشهادة في الجنايات فصارت فرعا لأحدها فلم يجز أن تحمل علي الزني لأنه لما لم تحمل عليه فيما دون النفس, لم تحمل عليه في النفس, لوجوب تساويهما كما استوي حكم الزني في ما أوجب الرحم وما أوجب الجلد فبطل به قول الحسن ولم يجز أن يحمل علي الأموال لأنه لما لم يحمل عليها فيما كثر لم تحمل عليها فيما قل, لاستواء حكم الأموال فيما قل وكثر فبطل هذا قول مالك فلم يبق إلا الأصل الثالث وهو الشاهد في الطلاق والرجعة فيما كثر وقل, والله أعلم. مسألة قال الشافعي ﵁: ((ويقبل شاهد وامرأتان ويبين وشاهد فيما لا قصاص فيه مثل الجائفة وجناية من لا قود عليه من معتوه وصبي ومسلم علي كافر وحر علي عبد وأب علي ابن لأن ذلك مال)). قال في الحاوي: وهذا صحيح كل جناية سقط القصاص فيها وأوجبت الدية قبل فيها شاهد وامرأتان, وشاهد ويمين, كالأموال لأن كل ذلك مال والذي لا قصاص فيه من الجنايات علي ثلاثة أضرب: أحدها: الخطأ المحض ممن كان وعلي من كان. والثاني: عمد الخطأ, لأنه في حكم الخطأ إلا في تقسيط الدية فيه وتخفيفها. والثالث: العمد الذي يسقط فيه القصاص وهو ثلاثة أضرب: أحدهما: ما سقط لمعني في الجاني, كجناية الصبي والمجنون, وجناية الأب علي الابن. والثاني: ما سقط لمعني في المجني عليه كجناية المسلم علي كافر, وجناية الحر علي عبد. والثالث: ما سقط لمعني في الجناية كالجائفة فيقبل في جميع هذا كله شاهد وامرأتان وشاهد يمين وسواء كانت في نفس أو طرف أو جرح, فإن صارت الجائفة نفسا لم يقبل فيها شاهدان, لأنها صارت موجبة للقصاص في النفس. فصل: فإذا كانت الجناية عمدا فقال ولي القصاص: لست أقتص فاسمعوا مني شاهدا

стр. 6894

وامرأتين, ولم يقبل, لأن قوله: لسن أقتص موعد بالعفو وليس بعفو وإن قال: قد عفوت عن القصاص فاسمعوا شاهدا وامرأتين, فالصحيح أنه يقبل منه شاهد وامرأتان وشاهد ويمين, لأنه لو قام شاهدين بعد عفوة, قبل الشهادة لم يحكم له بالقصاص. وقال: بعض أصحابنا وهو مذهب أبي علي بن أبي هريرة لا أقبل منه وإن صرح بالعفو إلا شاهدين لأمرين: أحدهما: أن ما أوجب القصاص نوع لا يقبل فيه أقل من شاهدين. والثاني: أنه عفو منه قبل استحقاقه للقصاص وكلا التعليلين خطأ, لأن العفو يخرجه من نوعه القصاص, فبطل التعليل الأول, والعفو قبل البينة عفو بعد استحقاق القصاص, لأنه يستحق بالجناية لا بالبينة فبطل التعليل الثاني. مسألة: قال الشافعي ﵁: ((فإن كان الجرح هاشمة أو مأمومة لم أقبل أقل من شاهدين لأن الذي شج إن أراد أن آخذ له القصاص من موضحة فعلت لأنها موضحة وزيادة)). قال في الحاوي: أما دون الموضحة من شجاج الرأس فيقبل فيه عمدا كان أو خطأ شاهد وامرأتان, وشاهد ويمين, لأنه لا قصاص في عمده وأما الموضحة فلا يقبل فيها إذا كانت عمدا إلا شاهدان, لأنها موجبة للقصاص فإن قيل: إذا أقام في عمدها شاهدا وامرأتين, أو شاهدا ويمينا, هلا حكمتم له بالدية وأسقطتم القود؟ كالسرقة إذا شهد بها شاهدان حكم فيها بالقطع والغرم وإن شهد بها شاهد وامرأتان أسقط القطع وحكم الغرم, [قيل لا] لفرق منع من الجمع بينهما وهو أن الغرم والقطع في السرقة حقان يجمع بينهما الاختلاف مستحقها وليس أحدهما بدلا من الآخر, فجاز أن يفرد كل واحد منهما بحكمه والقصاص والأرش في الموضحة حق وجب بسبب واحد لمستحق واحد أحدهما بدلا من الآخر فشاركه في حكمه, فلم يجز أن يثبت أحدهما مع انتفاء الآخر فافترقا. وأما ما فوق الموضحة في الهامشة والمنقلة والمأمومة فقد جمعت هذه الشجاج بين فيه قصاص وهو الإيضاح وبين ما ليس فيه قصاص, وهو الهشم والتنقيل ففيها للشافعي قولان: أحدهما: وهو المنصوص عليه في هذا الموضع, لأنه لا يقبل فيها إذا كانت عمدا إلا شاهدان, لأن فيها إيضاحا يستحق فيه القصاص لمن طلب. والثاني: قاله في كتاب الشاهد واليمين أنه يقبل فيها شاهد وامرأتان وشاهد ويمين, لأنه لما قبل ذلك فيه إذا انفرد عن الإيضاح لم يمتنع قوله فيه إذا اقترن بالإيضاح وصار

стр. 6895

الإيضاح ملحقًا به في سقوط القصاص لمشاركته له. مسألة: قال الشافعي ﵁:"ولو شهد أنه ضربه بسيٍف وقفتهما فإن قالا فأنهر دمه ومات مكانه قلبتهما وجعلته قاتلًا وإن قالا لا ندري أنهر دمه أم لا بل رأيناه سائلًا لم أجعله جارحًا حتى يقولا أوضحه هذه الموضحة بعينها". قال في الحاوي: فقد مضى الكلام في الشهود, فأما صفة الشهادة: فيجب أن تكون مفسرة لا احتمال فيها, لقول الله تعالى: ﴿إلاَّ مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ وهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف ٨٦] فإذا قال الشاهدان: رأيناه قد طلبه بسيبف وغابا عنا ثم رأيناه قتيلًا, أو جريًحا, لم تقبل هذه الشهادة لجواز أن تكون قد قتله أو جرحه غيره وهكذا لو قالا: قد رأيناه وقد ضربه بسيف ثم غابا ووجدناه قتيلًا أو جريحًا لم تقبل لجواز ما ذكرنا من قتل غيره أو جراحة غيره فإن قالا رأيناه وقد ضربه بسيف فأنهر دمه ومات مكانه قبلت هذه الشهادة, لأن ظاهر موته أنه من إنهار دمه فإن ادعى الجارح أنه مات من غير جراحته لم تقبل منه مع الشهادة عليه بموته نظر في موته فإن بعد زمان لا يجوز أن يندمل فيه الجراحة حكم على الجارح بالقتل لأن ظاهر موته قبل اندمال الجراحة أنه منها فإن ادعى الجارح أنه مات من غيرها فهو محتمل وإن كان بخلاف الظاهر فيحلف الولي أنه مات من الجراحة, وإن كان موته بعدها بزمان يجوز أن تندمل فيه الجراحة حكم عليه بالجراحة, ولم يحكم بالقتل حتى يقيم وليه البينة أنه لم يزل ضمنًا مريضًا حتى مات فيحكم عليه حينئٍذ بالقتل. فإن ادعى موته من غيره أحلف وليه لقد مات من جراحته ولكن لو شهد الشاهدان أنه ضربه بسيفه ولم يشهد أنه أنهر دمه لم يكن جارحًا, لأنه ليس كل مضروب بسيف ينجرح به وهكذا لو قالا: ضربني بسيفه فسال دمه لم تقبل شهادتهما لجواز أن يسيل من فتح عرق أو رعاف ولا قالا: ضربني بسيفه فسال دمه لم تقبل شهادتهما لجواز أن يسيل من فتح عرق أو رعاف ولا قالا: ضربه بسيفه فأسال دمه, قبلت شهادتهما, لأنها أضافا سيلان الدم إليه بخلاف ما تقدم فإن شهدا أنه أوضحه في رأسه, فإن عينا الموضحة حكم فيها بالقصاص أو الدية, وإن لم يعيناها نظر فإن لم يكن في رأسه غير موضحة واحدة, كانت هي المشهودة بها, وإن لم يعين حكم فيها بالقصاص, لأن الدية تجب في كل موضحة على كل موضع من الرأس فلم يفتقر إلي التعيين والقصاص لا يجب إلا بعد تعيين الموضع من الرأس وقدرها في الطول والعرض. وهكذا لو شهد أنه قطع إحدى يديه, ولم يعيناها فإن كانت إحدى يديه باقية وجب القصاص في الدامية أو الدية وإن لم يعين, لأنها صارت ببقاء الأخرى معينة في الدامية وإن كان مقطع اليدين لم يحكم له

стр. 6896

بالقصاص, لأنه لا يدري مستحقة في يمنى أو يسرى وحكم له بالدية لاستوائها في اليمنى واليسرى ثم على هذا القياس فيما سواه والله أعلم. مسألة: قال الشافعي ﵁:"ولو شهدا على رجلين أنهما قتلاه وشهدا لآخران على الشاهدين الأولين أنهما قتلاه وكانت شهادتهما في مقاٍم واحٍد فإن صدقهما ولي الدم معًا أبطلت الشهادة وإن صدق اللذين شهدا أولا قبلت شهادتهما وجعلت الآخرين دافعين بشهادتهما وإن صدق اللذين شهدا أخرا أبطلت شهادتهما لأنهما يدفعان بشهادتهما ما شهد به عليهما". قال في الحاوي: وهذه المسألة مصورة في سماع الشهادة على القتل قبل دعوى الولي, وقد اختلف أصحابنا في كيفية سماعها قبل الدعوى على ثلاثة أوجه: أحدها: أنها تسمع قبل الدعوى, إذا كان الولي طفلًا, أو غائبًا, ولا يجوز سماعها إذا كان بالغًا, حاضرًا. والثاني: أنها تسمع قبل الدعوى, إذا لم يعرف الولي شهوده ولا تسمع إذا عرفهم بعد الدعوى. والثالث: وهو قول أبي إسحاق المروزي وأبي علي بن أبي هريرة والجمهور أنها تسمع قبل الدعوى في الدماء خاصة, ولا تسمع في غير الدماء, إلا بعد الدعوى والفرق بينهما من وجهين: أحدهما: لتغليظ الدماء على غيرها من الحقوق. والثاني: أنها من حقوق المقتول يقضي منها ديونه, وتنفذ منها وصاياه فجاز للحاكم أن ينوب عنه في سماع الشهادة قبل دعوى أوليائه ويجيء على هذا التعليل أن يسمعها في ديون الميت, ولا يسمعها في ديون الحي, وعلى التعليل الأول لا يسمعها في ديون حي, ولا ميت وعلى هذا الترتيب يتأول, اختلاف الرواية عن النبي ﷺ أنه قال:"خير الشهداء من شهد قبل أن يستشهد",إنها محمولة على ما يشهد فيه قبل سماع الدعوى. وما روي عنه ﷺ أنه قال:"شر الشهداء من شهد قبل أن يستشهد" محمول على ما لا يشهد فيه إلا بعد سماع الدعوى. فصل: فإذا تقرر ما ذكرنا فصورة مسألتنا في شاهدين شهدا على رجلين أنهما قتلا زيدًا, وشهد الرجلان المشهود عليهما أن الشاهدين الأولين هما اللذان قتلا زيدًا, فللولي حالتان:

стр. 6897

أحدهما: أن تصح منه الدعوى. والثاني: أن لا تصح منه, فإن صحت منه الدعوى لبلوغه وعقله, سأله الحاكم عما يدعيعه من القتل على من يعينه من الأربعة وهو في ذلك على ثلاثة أقسام: أحدهما: أن يدعيه على الآخرين الذين شهد عليهما الأولان فتكون شهادة الأولين عليهما ماضية ويحكم للولي على الآخرين بالقتل لسلامة الأولين عند شهادتهما وتهمة الآخرين في الشهادة بالرفع عن أنفسهما وهل يلزم الحاكم أن يستعيد الشهادة بعد الدعوى أم لا؟ على وجهين: أحدهما: لا يستعيدها, ويحكم بما تقدم من شهادتهما, لأنه لا يستعيد بها زيادة علم. والثاني: يلزمه استعادتهما, ولا يجوز له أن يحكم بما تقدم منها لأنه لا يجوز أن يكون الحكم سابقًا للدعوى. والقسم الثاني: أن يدعو الولي قتله على الأولين دون الآخرين, فشهادتهما على الأولين باطلة, لأنهما قد صارا عدوين لهما, ومتهمين في شهادتهما. والقسم الثالث: أن يدعه قتله على جماعتهم فتبطل الشهادتان لإكذابه لهما, وإقراره بفسقهما, وإن كان الولي ممن لا تصح منه الدعوى لصغره, أو جنونه, فقد اختلف أصحابنا هل يقضي الحاكم بموجب الشهادة أو يوقفها على بلوغ الولي وعقله؟ على وجهين: أحدهما: وهو قول أبي إسحاق المروزي يقضي بموجب الشهادة ويقضي على الآخرين بالقتل بشهادة الأولين. والثاني: أنه يقف الشهادة, ولا يبت الحكم فيها حتى يبلغ, ويفيق المجنون, ثم يرجع إليه ويعمل على ما بينه وادعاه من الأقسام الثلاثة, لتردد الشهادة بين إيجاب وإسقاطه فلم يحكم بأحدهما مع احتمالهما فأما إذا اتفقت شهادة بعض ولم يتقدم إحداهما على الأخرى فكلتا الشهادتين باطلة لا يحكم بواحدة منهما ولا يرجع فيهما إلي دعوى الولي, لتعارض الشهادتين في التدافع بهما, والله أعلم. مسألة: قال الشافعي ﵁:"ولو شهدا أحدهما على إقراره أنه قتله عمدًا والآخر على إقراره ولم يقل خطأ ولا عمدًا جعلته قاتلًا والقول قوله فإن قال عمدًا فعليه القصاص وإن قال خطأ أحلف ما قتله عمدًا وكانت الدية في ماله في مضى ثلاث سنين".

стр. 6898

قال في الحاوي: وصورتها في شاهدين شهدا على إقرار رجل بالقتل, فقال أحدهما: أقر عندي أنه قتل عمدًا, وشهد الآخر: أقر عندي أنه قتله ولم يقل عمدًا, وشهد الآخر: أقر عندي ولم يقل عمدًا ولا خطأ فقد تمت الشهادة على إقراره بالقتل ولم تتم الشهادة على إقراره بصفة القتل, فيسأل المقر عن صفة القتل, فإنه لا يخلو فيها من ثلاثة أحوال: أحدها: أن يقول قتله عمدًا فيقتص منه بإقراره الآنف لا بالشهادة المتقدمة فإن عفا عنه إلي الدية, كانت حالة مغلظة في ماله. والثانية: أن يقول: قتلته خطأ فلا يحكم عليه بالقود لأنه لم يتم الشهادة بالعمد, ولكن يكون هذا لوثًا في قتل العمد لأنه إذا ثبت اللوث بشهادة واحد فأولى أن يثبت بشاهدين فإن أقسم حكم له بالقود على قوله في القديم, وبالدية المغلظة حالة على قوله في الجديد, وإن لم يقسم, أحلف المقر بالله أنه ما قتله عمدًا ولزمته دية والخطأ مخففة يؤديها من ماله, في ثلاث سنين, ولا تحملها عنه العاقلة, لأنها دية اعتراف. والثالثة: أن يمسك عن البيان, فيصير كالناكل فترد اليمين على الولي فإن حلف حكم له بالقود بيمينه لا بالشهادة، وإن نكل حكم له بدية الخطأ دون العمد بالشهادة. فصل: ولو كانت الشهادة على فعل القتل، فشهد أحدهما أنه قتله عمدًا وشهد الآخر أنه قتله خطأ، سئل كل واحد منهما عن صفة القتل الذي شاهده، فإن اتفقا عليها واختلفا في الحكم عندهما لم تكن في هذه الشهادة تعارض ووجب على الحاكم أن يعتبر بما شهدا به من صفة القتل، فإن كان عمدًا حكم فيه القود، وإن كان خطأ حكم فيه بدية الخطأ على العاقلة وإن اختلفا في صفة القتل فهو تعارض لا يحكم فيه بعمد ولا خطأ على ما سنذكره من بعد، وبالله التوفيق. مسألة: قال الشافعي ﵁: "ولو قال أحدهما قتله غدوًة وقال الآخر عشيًة أو قال أحدهما بسيف والآخر بعصًا فكل واحٍد منهما مكذب لصاحبه فمثل هذا يوجب القسامة". قال في الحاوي: إذا تعارض الشاهدان فأثبت كل واحد منهما ما نفاه الآخر فلذلك ضربان: أحدهما: أن تكون شهادتهما على فعل القتل. والثاني: أن تكون على الإقرار بالقتل، فإن كانت على فعل القتل فقال أحدهما: قتله غدوة أو في يوم السبت وقال الآخر: قتله عشية أو في يوم الأحد، أو قال أحدهما:

стр. 6899

قتله بسيف، وقال الآخر: بعضا. أو قال أحدهما: قتله بالبصرة، وقال الآخر بالكوفة، فهما وإن اتفقا على الشهادة بالقتل فقد تعارضا في صفته فصارا متكاذبين، لأنه قتله غدوة، غير قتله عشية، وقتله بسيف غير قتله بعصا، فلم يحكم بشهادتهما ولا بشهادة واحد منهما مع يمين المدعي في عمد ولا خطأ. وقال ابن أبي ليلى أعذر الشاهدين وأحكم بفسقهما لاجتماعهما على كذب مستحيل. وعند الشافعي وأبي حنيفة: لا تعزير عليهما ولا تفسيق لأحد أمرين: أحدهما: لجواز الاشتباه عليهما، فيخرجان بالشبهة عن الفسق، والكذب. والثاني: أن كذب أحدهما لا يمنع صدق الآخر، وقد اشتبه الصادق من الكاذب فإذا ثبت أن شهادتهما مردودة، فقد نقب المزني هاهنا، "ومثل هذا يوجب القسامة"، ونقل الربيع في كتاب الأم فمثل هذا لا يوجب القسامة، فاختلف أصحابنا في اختلاف هذين النقلين على ثلاثة أوجه: أحدها: وهو قول أبي إسحاق المروزي أن الصحيح ما نقله المزني هاهنا، أنه يوجب القسامة ويكون الربيع ساهيًا في زيادة لا؛ لأنهما قد اتفقا على الشهادة بالقتل. والثاني: وهو قول أبي الطيب بن سلمة أن الصحيح، ما نقله الربيع أنه لا يوجب القسامة ويكون المزني ساهيًا في حذف لا لأن تكاذبهما يسقط شهادتهما. والثالث: أن كلا النقلين صحيح وأنه على قولين مثل تكاذب الوليين: أحدهما: يوجب القسامة. والثاني: لا يوجبها. فصل: وأما الضرب الثاني: وهو أن تكون شهادتهما على إقراره بالقتل فيقول: أحدهما: أقر عندي أنه قتله غدوة. ويقول الآخر: أنه قتله عشية أو يقول أحدهما: أقر عندي أنه قتله بسيف، ويقول الآخر: أقر عندي أنه قتله بعصا، أو يقول أحدهما: أقر عندي أنه قتله بالبصرة، ويقول الآخر: أقر عندي أنه قتله بالكوفة، فهذه شهادة صحيحة على إقراره بالقتل لا تعارض فيها وإنما التعارض من المقر بالقتل في صفة القتل فلم يؤثر ذلك في شهادة على إقراره بالقتل فإن كان كل واحد من الفعلين عمدًا يوجب القود أقدناه، وإن كان كل واحد منهما خطأ لا وجب القود سقط عنه القود، ولزمته دية الخطأ مؤجلة في ماله، وإن كان أحدهما عمدًا موجبًا للقود والآخر على إقراره بقتل الخطأ، فيكون على ما مضى في الرجوع إلي قوله، فإن أقر بالعمد أقدناه، وإن أقر بالخطأ أخلفناه، وإن امتنع من البيان جعلناه ناكلًا، وأحلفنا ولي الدم على ما ادعاه من العمد فإن نكل حكمنا له بدية الخطأ في ماله دون عاقلته.

стр. 6900

مسألة: قال الشافعي ﵁: "ولو شهد أحدهما أنه قتله والآخر أنه أقر بقتله لم تجز شهادتهما لأن الإقرار مخالٌف للفعل". قال في الحاوي: وهذا صحيح إذا أقام ولي الدم شاهدان، شهد أحدهما على فعل القتل، فقال: رأيته قتله، وشهد الآخر على الإقرار بالقتل، قال: أقر عندي أنه قتله لم تتعارض شهادتهما، لأنها غير متنافية ولم تتم الشهادة منهما، لأنها غير متماثلة، لأن فعل القتل، غير الإقرار بالقتل، ولم تكن تكمل الشهادة على الفعل ولا على الإقرار، فلم يجز أن يحكم عليه بواحد منها، لكن يكون هذا لوثًا يوجب القسامة قولًا واحدًا، لأن كل واحدة من الشهادتين مقوبة للأخرى غير منافية لها، وإذا كان كذلك لم يخل حال القتل من أن يكون عمدًا أو خطأ، فإن كان خطأ لم يحتج فيه إلي القسامة، لأنه قد تتم البينة فيه بشاهد ويمين فيقال لولي الدم أحلف مع أي الشاهدين شئت يمينًا واحدة تكمل بها ببينتك ويقضي لك فيها بدية الخطأ. وينظر فإن حلف مع الشاهد على فعل القتل كانت الدية على عاقلته وإن حلف مع الشاهد على إقراره بالقتل كانت الدية في ماله وإن كان عمدًا فعلى ضربين: أحدهما: أن يكون غير موجب للقود كقتل الأب لابنه والمسلم لكافر فهو مختص بوجوب الدية ويصير كالخطأ في أن لا يحكم فيه القسامة لوجود البينة مع يمين الولي مع أي الشاهدين يمينًا واحدة ويحكم له بدية العمد في ماله، سواء حلف مع شاهد الفعل أو مع شاهد الإقرار. والثاني: من العمد أن يكون موجبًا للقود فيجب الحكم فيه بالقسامة دون الشهادة لأن الشهادة تصير لوثًا فيحلف الولي أيمان القسامة خمسين يمينًا ويحكم له بالقود على قوله في القديم وبدية العمد حالة على قوله في الجديد والله تعالى أعلم. مسألة: قال الشافعي ﵁: "ولو شهد أنه ضربه ملففًا فقطعه باثنين ولم يبينا انه كان حيًأ لم أجعله قاتلًا وأحلفته ما ضربه حيًا". قال في الحاوي: أما شهادة الشاهدان بالقتل فغير مفتقرة إلي ثبات الحياة عند القتل، لأن القتل هو إماتة الحياة فدلت على وجود الحياة عند القتل فأما إذا شهد أنه قطع ملفوفًا في ثوب باثنين فهذه شهادة محتملة لأنه قد يجوز أن يكون عند القطع حيًا، ويجوز أن يكون ميتًا، فيسأل الشاهدان لأجل هذا الاحتمال عن حال الملفوف، ولهما فيه ثلاثة أحوال:
следующие страницы →