← Фикх шафии

Фикх шафии · id 16934

بحر المذهب للروياني

عَبْد الواحِد الرُّوْياني

Полный текст (7 151 стр.). Показаны 6966–7005 · переход к 6971.

стр. 6966

يرجعون، أرضوا بالإقامة فأقاموا، أم تركوا هنالك فناموا. إن في السماء لخبراً وأن في السماء لخبراً وإن في الأرض لعبراً سقف مرفوع وسهال موضوع. وبحار بحور، وتخوم تخور ثم تغور، أقسم قس بالله قسماً: إن لله لدينا هو أرض من دين نحن عليه، ثم تكلم بأبيات شعر ما أدري ما هي أبو بكر ﵁: قد كنت شاهداً ذاك والأبيات عندي: فقال: أنشدني ها، فأنشدوه أبو بكر ﵁: في الذاهبين الأولين ... من القرون لنا بصائر لما رأيت مواردا ... للموت ليس لها مصادر ورأيت قومي نحوها ... تمضي الأكابر والأصاغر لا يرجع الماضي إلى ... ولا من الباقين عابر أيقنت أني لامحا ... له حيث صار القوم صائرا وقد أنشد ﷺ شعر طرفة: ستبدي لك لأيام ما كنت جاهلا ويأتيك من لم تزوده الأخبار فقال أبو بكر أنه قال: ويأتيك بالأخبار من لم تزود فقال ﷺ : " مالي وللشعر ولي" يريد ما قاله فيه : ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنبَغِي لَهُ﴾. وقال ﷺ : تفاءل بما ترجوه فلقلم فقال علي ﵇: بما ترجوه ألا تكونا فصار بما تممه علي شعراً منتظماً واستوقفته قتيلة بنت النضر بن الحارث عام الفتح بعد قتل أبيها صبراً فأنشدته: أمحمد ها أنت خير نجيبة من قومها والفحل فحل معرق النضر أقرب من قتلت قرابة وأحقهم إن كان عتقاً يعتق ما كان ضرك لو مننت وربما من الفتى وهو المغيظ المحنك فقال النبي ﷺ : " لو سمعت شعرها ما قتلته". وقد كان كثير من الصحابة يقولون الشعر ويتمثلون بأشعار العرب فلم ينكره رسول الله ﷺ . وقد استشهد عبد الله بن عباس فيما سأله نافع بن الأزرق في معاني القرآن بأشعار العرب، ودل به على معانيه وقال: الشعر ديوان العرب فما أنكره أحد منهم من الصحابة والتابعين.

стр. 6967

وسئل ابن عباس عن أول الناس إسلاماً فقال: أبو بكر أنا سمعت قول حسان بن ثابت. إذا تذكرت شجواً من أخي ثقة فاذكر أخاك أبا بكر بما فعلا خير البرية أتقاها وأعدلها ... إلا النبي وأوفاها بما حملا الثاني اثنان والمحمود مشهده ... وأول الناس منهم صدق الرسل وحبس عمر ﵁ الخطيئة الشاعر فأرسل إليه من الحبس شعراً يقول فيه ماذا تقول لأفراخ بذي مزح ... حمر الحواصل لا ماء ولا شجر ألقيت كاسبهم في قعر مظلمة ... فأغفر عليك سلام الله يا عمر أنت الإمام الذي من بعد صاحبه ألقت عليك مقاليد النهي البشر ما يؤثروك بها إذ قدموك لها ... لكن لأنفسهم كانت بك الأثر فلما وصل إليه هذا الشعر أطلقه وقال: إن الشعر ليستنزل الكريم. فإذا كان الشعر في الصحابة بهذه المثابة وكان الشعراء منهم بهذه المنزلة لم يجز أن يكون جرحاً في قائله ولا منشده لأنهم لا يأتون منكراً ولا يقرون عليه. وقد مر الزبير بن العوام في مسجد رسول الله ﷺ بحسان بن ثابت وهو ينشد شعره أحداثاً من الأنصار وهم معرضون عنه، فقال: أتعرضون عنه وقد كان رسول الله ﷺ يقبل عليه إذا أنشده فنهض حسان وقبل يد الزبير. وقيل لسعيد بن المسيب: إن قوماً يكرهون إنشاد الشعر في المسجد فقال: هؤلاء ينسكون نسكاً أعجمياً. وروى أبو بكر بن سيف في مختصر المزني عنه، وقال: سألته أيجوز للرجل أن يتزوج المرأة ويصدقها شعرا؟ فقال: إن كان كقول الشاعر: يود المرء أن يعطي مناه ويأبى الله إلا ما أرادا يقول المرء فائدتي ومالي ... وتقوى الله أفضل ما أفادا جاز فدل ما وصفنا وإن مع الإطالة بيسير إن يشاء الشعر وإنشاده مباح وإنشاد الشعر ما كان من قوله وإنشاده ما كان من قول غيره. فأما قوله تعالى: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾ فقد قال أهل التأويل: يريد بالشعراء إذا قالوا كذبوا وإذا غضبوا سبوا. وفي قوله تعالى: ﴿يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾ أربعة تأويلات: أحدها: الشياطين قاله مجاهدا والثاني: المشركون، قاله عبد الرحمن بن زيد والثالث: السفهاء قاله الضحاك.

стр. 6968

والرابع: الرواة قاله ابن عباس. وفي قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ﴾ ثلاث تأويلات: وفي قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ﴾ ثلاث تأويلات: أحدها: في كل فن من الكلام يأخذون. قال ابن عباس. والثاني: في كل لغو يخوضون قاله فطرب. والثالث: أن يمدح قوماً بباطل ويذم قوماً بباطل. قال قتادة: ﴿وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لا يَفْعَلُونَ﴾ يعني من كذب في مدح أو هجاء. فلما نزل هذه الآية حضر عبد الله بن رواحه وكعب بن مالك وحسان بن ثابت عند رسول الله ﷺ فبكوا وقالوا: هلكنا يا رسول الله فأنزل الله تعالى: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ فقرأها عليهم وقال: هم أنتم ﴿وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيراً﴾ فيها وجهان: أحدهما: في شعرهم والثاني: في كلامهم. ﴿وَانتَصَرُوا مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُوا﴾ أي ردوا على المشركين ما هجوا به المسلمين فدلت الآية على أن المذموم من الشعر ما فيه من هجوا: والهجوا في الكلام مذموم فكيف في الشعر، ولأن الشعر يحفظه فينشر ويبقى على الإعصار والدهور. وأما قوله صلى الله عليه سلم: " لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحاً حتى يريه خير من أن يمتلئ شعراً" ففيه وجهان: أحدهما: ما كان من الشعر كذبا وفحشاً وهجاء والثاني: أن ينقطع إليه ويتشاغل عن القرآن وعلوم الدين. فصل فإذا تقرر أن الشعر في حكم الكلام لا يخرجه نظمه عن إباحته وحظره فهو على ثلاثة أضرب مستحي ومباح ومحظور. فأما المستحب فنوعان: أحدهما: ما حذر من الآخرة أنشده فيه بعض أهل العلم لعلي بن أبي طالب كرم الله وجهه: فلو كنا إذا متنا تركنا لكان الموت راحة كل حي ولكنا إذا متنا بعثنا ونسأل بعده عن كل شي وأنشد للحسين بن علي ﵄: الموت خير من ركوب العار والعار خير من دخول النار

стр. 6969

والله ما هذا وهذا جاري والثاني: ما حث على مكارم الأخلاق كالمحكي عن مالك بن أنس أنه مر بباب قوم فسمع رجلا ينشد: أنت أختي وحرمة جاري وحقيق علي حفظ الجوار إن للجار إن نصيب لنا ... حافظاً للنصيب في الإسرار ما أبالي أن كان بالباب سترة مسبل، أو يبقى بغير ستار فدق الباب وقال: علموا فتيانكم مثل هذا الشعر. فهذان النوعان مستحبان وهما أحفظ للعدالة وأبعث على قبول الشهادة. وأما المباح: فما سلم من فحش أو كذب وهو نوعان: أحدهما: ما جلب نفعا والثاني: ما لم يعد بضرر. فلا تقدح في الشهادة ولا يمنع من قبول الشهادة. وأما المحظور فنوعان: كذب وفحش. وهما جرح في قائله، فأما في منشده فإن حكاه إنكاراً لم يكن جرحاً وإن حكاه اختيارً كان جرحاً. فإن تشيب في شعره ووصف امرأة فإن لم يعينها لم يقدح في عدالته وإن عينها قدح في عدالته. فأما المكتسب بالشعر، فإن كان يقتضي إذا مدح ويذم إذا منع، فهو قدح في عدالته فترد شهادته وإن كان لا يقتضي إذا مدح ولا يذم إذا منع وتقبل ما وصله إليه عفواً فهو على عدالته وقبول شهادته. مسألة قال الشافعي ﵁: " ويجوز شهادة ولد الزنا في الزنا" قال في الحاوي: وهذا صحيح لأن الأنساب ليست من شروط العدالة فتقبل شهادة ولد الزنا إذا كان عدلاً في الزنا وغير الزنا. وقال مالك ﵁: لا أقبل شهادته في الزنا وأقبلها في غير الزنا وقال غيره من فقهاء المدينة: لا أقبل شهادته بحال. استدلالاً بما روي عن النبي ﷺ أنه قال: "ولد الزنا شر الثلاثة" وبما روي عن

стр. 6970

النبي ﷺ أنه قال: " لا يدخل الجنة ولد زانية" وإذا كان ن شراً من الزنا ومدفوعا من الجنة كان من أهل الكبائر فلم تقبل شهادته وهذا قول فاسد، لأن الله تعالى لا يؤاخذ أحداً بذ ١ نب غيره وهو تعالى يقول: ﴿وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ فلم يجز أن يؤاخذ ولد الزنا بذنب أبويه، لأنه ظلم والله تعالى منزه عن الظلم، وهو تعالى يقول: ﴿وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً﴾ ولأن عار النسب ربما منعه من ارتكاب العار، لئلا يصير جامعا بين عاري فصار مزجوراً بمعرة نسبه عن معرة كذبه فلم يمنع من قبول الشهادة مع ظهور عدالته. وأما الخبر الأول وهو " ولد الزنا شر الثلاثة" فهو من مناقير الأخبار وما رواه إلا مضعف غير مقبول الحديث، نص القرآن يمنع منه ولو سلمت الرواية لكان لاستعماله وجوهاً: أحدها: أنه شرا الثلاثة نسباً والثاني: شر الثلاثة إذا كان زانياً والثالث: إنه كان واحداً من ثلاثة فأشير إليه أنه شرهم فكان ذلك للزنا تعريفاً لا تعليلاً والرابع: ما ذكر أن أبا عزة العجمي كان يهجوا رسوا الله ﷺ ويقدح فيه بالعظائم فذكر عند النبي ﷺ ما يقوله وقيل له: إنه ولد زنيه. فقال ﵇: " ولد الزنا شر الثلاثة" يعني به أبا عزة. وأما الخبر الثاني: فهو أوهي من الأول وأضعف وأبعد أن يكون له في الاحتمال وجه، لأنه لا يجوز أن يحبط طاعته معصية غيره. والكفر أعظم من الزنا ولا يحبط عمل المؤمن بكفر أبويه، فكان أولى أن لا يحبط عمله بزنا والديه والله أعلم. مسألة قال الشافعي رضيا الله عنه: " والمحدود فيما حد فيه" قال في الحاوي: وهذا أراد به مالكاً فإنه يقول: من حد في معصية لم تقبل شهادته فيما حد فيه وقبلت في غيره، فلا تقبل شهادة المحدود في الزنا إذا شهد بالزنا ولا المحدود في الخمر إذا شهد في الخمر ولا المقطوع في السرقة إذا شهد بالسرقة. استدلالاً بأنها استرابة يقتضي الدفع عن الشهادة لقوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ وَأَقْومُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلاَّ تَرْتَابُوا﴾. وبقول عمر ﵁ في عهده لأبي موسى الأشعري: المسلمون عدول بعضهم

стр. 6971

على بعض إلا مجلودا في حد أو مجرماً عليه شهادة زور أو ظنيناً في ولاء أو نسب وتعلقاً بما روي عن عثمان بن عفان ﵁ أنه قال: ود السارق أن يكون الناس سارقا وود الزاني أن يكون الناس زناة، وإنما كان كذلك لينفي المعرة عن نفسه بمشاركة غيره. وهذا قول فاسد. وشهادته إذا تاب مقبولة بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَاتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤) إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا مِن بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾. وقد وافق مالك على أن شهادة القاذف إذا تاب بعد حده، أن شهادته مقبولة في القذف وغيره وكذلك حكم من حد في غيره. وتحرير هذا الاستدلال قياساً أن من قبلت شهادته في غير ما حد فيه، قبلت فيما حد فيه كالقاذف. وليس للتعليل بالارتياب وجه، لأنه لو صح لهم ولم يخض. ولا دليل فيما روي عن عمر وعثمان، لتوجهه إلى ما قبل التوبة، فلم يحمل على ما بعدها والله أعلم. مسألة قال الشافعي رضيا الله عنه: " والقروي على البدوي والبدوي على القروي إذا كانوا عدولاً" قال في الحاوي: إذا كان البدوي عدلا قبلت شهادته على القروي كما تقبل شهادة القروي على البدوي. وقال مالك: أقبل شهادة القروي على البدوي ولا أقبل شهادة البدوي على القروي إلا في الجراح. استدلالاً برواية عطاء بن يسار عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: " لا أقبل شهادة البدوي على صاحب قرية" ولأن ما خرج عن العرف ريبة في الشهادة بقوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ وَأَقْومُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلاَّ تَرْتَابُوا﴾. والعرف جار بأن البدوي يشهد للقروي ولم يجر العرف بإشهاد القروي للبدوي فصار بخروجه عن العرف متهما. ودليلنا أن رسول الله ﷺ قبل شهادة الأعرابي في هلال رمضان وصام، وأمر الناس بالصيام. ولأن اختلاف الأوطان لا تؤثر في قبول الشهادة كأهل الأمصار والقرى.

стр. 6972

ولأن الشهادة في الجراح أغلظ منها في الأموال فلما قبلت شهادة البدوي على القروي في الجراح كان أولى أن تقبل في غير الجراح. وتحريره قياساً أن من قبلت شهادته في الجراح قبلت في غير الجراح كالقروي. ولأن أهل البادية أسلم فطرة وأقل حياء، فكان الصدق فيهم أغلب فاقتضى أن يكونوا بقبول الشهادة أجدر. وأما الجواب عن الخبر فرواية علي بن مسهر، وهو ضعيف وإن صح فهو محمول على أحد وجهين: وإما على الجهل بعدالته إخفاء أحوال أهل البادية، وإما علي بدوي بعينه علم جرحه. وأما الجواب عن اعتبار العرف في الإشهاد فهو فاسد بأهل الأمصار والقرى فإن العرف جار بأن أهل القرى يشهدون أهل الأمصار ولا يشهد أهل الأمصار أهل القرى وهذا العرف غير معتبر وكذلك في البادية والحاضرة والله أعلم. مسألة قال الشافعي ﵁: " وإذا شهد صبي أو عبد أو نصراني بشهادة فلا يسمعها واستماعه لها تكلف وإن بلغ الصبي وأعتق العبد وأسلم النصراني ثم شهدوا بها بعينها قبلتها فأما البالغ المسلم أرد شهادته في الشيء ثم يحسن حاله فيشهد بها فلا أقبلها لأنا حكمنا بإبطالنا وجرحه فيه لأنه من الشرط أن لا يختبر عمله" قال في الحاوي: وهذا المسألة تشتمل على فصلين: مشتبهين في الصورة مختلفين في الحكم. فأحدهما: أن يشهد صبي قبل بلوغه، أو عبد قبل عتقه أو نصراني قبل إسلامه بشهادة فيردهم الحاكم فيها ثم يبلغ الصبي ويعتق العبد ويسلم النصراني، فيشهدوا بتلك الشهادة التي ردوا عند ذلك الحاكم أو عند غيره قبلت بعد تقدم الرد. وقال مالك: لا أقبلها بعد ردها. والفصل الثاني: ترد شهادة الفاسق ويشهد بها بعد زوال الفسق. أن يشهد بالغ حر مسلم بشهادة فيردها الحاكم بالفسق، ثم تحسن حاله ويصير عدلاً فيشهد بتلك عند ذلك الحاكم أو عند غيره ردت ولم تقبل: وقال أبو ثور وأبو إبراهيم المزني: تقبل ولا ترد. فسوى مالك بين الفصلين في الرد وسوى أبو ثور والمزني بينهما في القبول. ومذهب الشافعي أنها تقبل إذا ردت بالصغر والرق والكفر ولا تقبل إذا ردت بالفسق

стр. 6973

لوقوع الفرق بينهما من وجهين: أحدهما: أن حدوث البلوغ والعتق والإسلام يقين وحدوث العدالة مظنون، والثاني: أن الصغر والرق والكفر ظاهر يمنع من سماع الشهادة فصارت مردودة بغير حكم. والفسق باطنا فصار ردها فيه بحكم ولو فرق على هذا الفرق بين ردها بالفسق الظاهر فتقبل، وبين ردها بالفسق الباطن، فلا تقبل لكان وجهاً لأن الفسق الظاهر لا يحتاج إلى اجتهاد فصارا مردوداً بغير حكم كالكفر والرق والصغر والفسق الباطن يفتقر إلى اجتهاد مردوداً بالحكم وما نفذ فيه الحكم باجتهاد لم يجز أن ينقض باجتهاد. فصل ولو دعي العبد أو الكافر إلى تحمل الشهادة لم يلزمها تحملها، ولو دعيا إلى أداء شهادة قد تحملاها، لم يلزمهما أداؤها، لأن التحمل يراد به الأداء والأداء غير مقبول فلم يلزما. ولو دعي الفاسق إلى تحمل الشهادة فإن كان فسقه ظاهراً لم يلزمه تحملها. وإن كان فسقه باطناً لزمه تحملها وهكذا، لو دعي إلى أداء ما قد تحمله من الشهادة ولم يلزمه أداؤه إن كان ظاهر الفسق. ولزمه أداؤها أن كان باطن الفسق لأن رد شهادته بالفسق الظاهر متفق عليه. وبالفسق الباطن مختلف فيه. وإذا رد الحاكم شهادة رجل بفسق، ثم دعي ليشهد بها عند غيره لم يلزمه الإجابة لأن ردها بالحكم قد أبطلها، ولو توقف الحاكم عن قبولها للكشف عن عدالته حتى مات أو عزل ثم دعي ليشهد بها عند غيره، ولزمته الإجابة لأنها لم ترد فلم تبطل. فصل وإذا دعي المتحمل للشهادة، إلى أدائها عند الحاكم وهو ممن يصح منه الأداء فامتنع وقال: إني أخاف أن لا يقبل الحاكم شهادتي. لم يكن ذلك عذراً في امتناعه ولزمه الأداء وللحاكم اجتهاده في القبول أو الرد. ولو امتنع عن الأداء وقال: ليس للحاكم عندي مستحقاً للحكم، إما لفسق أو جهل، لزمه الأداء وليس للشاهد اجتهاد في صحة التقليد وفساده. وقال أحمد بن حنبل: لا يلزمه أداء الشهادة إذا اعتقد فساد تقليده بفسق أو جهل، وإنما تلزمه الشهادة عند من يرتضي من الحكام كما يلزم الحاكم قبول شهادة من يرتضي من الشهود. وحكي أن أحمد لزمته الشهادة فدعي إلى أدائها عند بعض الحكام فامتنع. وقال: إن القاضي ليس برضي فقال الداعي: يتلف على مالي. فقال أحمد: ما أتلف عليك مالك، الذي ولى هذا القاضي أتلف عليك مالك.

стр. 6974

وليس لهذا القول وجه، لأن المقصود بالشهادة وصول ذي الحق إلى حقه فلم يفترق في وصوله إليه حقه بين صحة التقليد وفساده فإن دعي الشاهد إلى أداء شهادة عند أمير أو ذي يد، فإن كان ممن يجوز له إلزام الحقوق والإجبار عليها، لزم أداء الشهادة عنده، وإن كان ممن لا يجوز له ذلك ولا يصح منه، لم يلزمه أداؤها عنده والله اعلم. مسألة قال الشافعي ﵁: " ولو ترك الميت ابنين فشهد أحدهما على أبيه بدين فإن كان عدلاً حلف المدعي وأخذ الذين من الاثنين وإن لم يكن عدلاً أخذ من يدي الشاهد بقدر ما كان يأخذه منه لو جازت شهادته لأن موجوداً في شهادته أن له في يديه حقا وفي يدي الجاحد حقا فأعطيته من المقر ولم أعطه من المنكر" قال في الحاوي: وصورتها في رجل ادعى ديناً على ميت وورثه ابنان له فصدقه أحدهما وكذبه الآخر، فالمصدق مقر والمكذب منكر وللمقر حالتان: إحداهما: أن يكون عدلا، فيجوز أن يشهد للمدعي بدينه في حق أخيه المنكر مع شاهد آخر أو مع يمين المدعي، ولا يكون الإقرار شهادة حتى يستأنفها بلفظ الشهادة، لأن لفظ الإقرار لا يكون شهادة، وشهادته تكون على أبيه دون أخيه لوجوب الدين على الأب ومنع الحسن بن زياد اللؤلؤي من قبول شهادته لما يتوجه إليه من التهمة في استدراك إقراره. ومذهب الشافعي وأبي حنيفة وجمهور الفقهاء: أن شهادته مقبولة، لأنها موافقة لإقراره فانتفت التهمة عنه، فلم تمنع من الشهادة على أبيه وإن منع من الشهادة له. فإذا صحت الشهادة استحق صاحب الدين جمع دينه من أصل التركة نصفه يستحقه بالإقرار في حق المصدق ونصفه يستحقه بالشهادة في حق المنكر. والثانية: أن يكون المقر غير عدل أو يكون عدلاً لم تكمل به الشهادة لعدم غيره، أو لأن الحاكم لا يرى الحكم باليمين والشاهد أو يراه فلا يحلف معه المدعي فالحكم في هذه الأحوال الثلاثة على سواء ومذهب الشافعي المنصوص عليه في جميع كتبه، وهو قول أهل الحجاز أنه يأخذ من المقر من الدين بقدر حقه، وهو النصف ويحلف المنكر على النصف الآخر ويبرأ، ويمينه على العلم دون البت ويقول: والله لا أعلم أن له على أبي ما ادعاه أو شيئاً منه وقال أبو حنيفة وأكثر أهل العراق: يلزم المقر جميع الدين وكان أبو عبيد بن حرث وأبوة جعفر الاستراباذي وهما من (متأخري) أصحاب

стр. 6975

الشافعي: يخرجان هذا قولاً ثانياً للشافعي. فخالفهما من أصحاب الشافعي أكثرهم ووافقهما أقلهم، وجعلوه تخريجاً من مقتضى نص وليس بتخريج من نص وهو أن الشافعي يقول: إذا حلف أحد الابنين في القسامة فاستحق بأيمانه نصف الدية وكان على المقتول دين، قضى جميعه من حصة الابن الحالف، كذلك في هذه المسألة، فخرجوها لأجل ذلك على قولين: واختلف من أنكر تخريج هذا القول في ما قاله في القسامة على وجهين: أحدهما: أنه محمول على أن الذي استحقه أحد الابنين بأيمانه، كان جميع التركة، فأخذ جميع الدين منه، ولو ترك الميت غيره ما لزمه من الدين إلا نصفه. والثاني: أنه محمول على أن أخاه معترف بالدين، فاستحق باعترافهما جميع الدين، وعجل قضاؤه من الذمة لتأخير غيره ليرجع على أخيه بقدر حقه، ولو كان الأخ منكراً لم يؤخذ من المقر إلا قدر حقه. واستدل أبو حنيفة ومن وافقه على وجوب الدين كله على المقر بقوله تعالى: ﴿مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَآ أَوْ دَيْنٍ﴾ فجعل للوارث ما فضل عن الدين والوصية، فوجب أن لا يرث إلا بعد قضاء جمعيه؛ لأن صاحب الدين مقدم وليس بمشارك. ولأن ما يأخذه المنكر من التركة كالمغصوب في حق الدين، وغصب بعض التركة موجب لقضاء الدين من باقيها، فلزم أخذ جميعه منه. والدليل على أن على المقر منهما نصف الدين دون جميعه، هو أن الدين مستحق في جميع التركة غير معين في بعضها، وليس مع المقر إلا نصفها، فلم يلزمه من الدين إلا نصفه كالمقرين. ولو أنه لو لزم المقر جميع الدين، لم تقبل شهادته على أخيه، لأنه يدفع بها عن نفسه تحمل جميع الدين وفي موافقة أبي حنيفة على قبول شهادته، وإن خالفه الحسن بن زياد اللؤلؤي في قبولها، دليل على أن لا يلزمه في الدين إلا قدر حقه لتسلم شهادته عن جر نفع ودفع ضرر. ولأن أحد الابنين لو ادعى ديناً لأبيه على منكر، فرد اليمين عليه وحلف، لم يستحق من الدين إلا نصفه، وكذلك إذا أقر بدين على أبيه لم يلزمه إلا نصفه، لأن ما للأب من الدين في مقابلة ما عليه من الدين. والأصح من إطلاقها عندي، أن ينظر في التركة. فإن لم يقتسم لها الابنان حتى أقر أحدهما بالدين، قضى جميعه منها، فكان محسوباً من حق المقر دون المنكر. وإن اقتسم الابنان التركة. ثم أقر أحدهما بالدين، لم يلزمه منه إلا نصفه؛ لأن المقر معترف باستحقاق جميع الدين في جميع التركة. فصار قبل القسمة مقراً بجمعه وبعد أخذ النصف بالقسمة مقراً بنصفه والله أعلم.

стр. 6976

فصل فإذا تقررت هذه الجملة، وقيل: إنه لا يلزم المقر من الدين إلا بقدر حصته وهو النصف، فلا خصومة بين الأخوين في الدين. ويكون صاحب الدين مخاصماً للمنكر في بقية دينه. فإن قيل: إنه يلزم المقر جميع الدين، لم يؤخذ بدفع جميعه إلا بعد إحلاف أخيه لصاحب الدين، فإذا حلف أخذ من المقر حينئذ جميع الدين، وصار المقر خصماً لأخيه المنكر ليستأنف الدعوى عليه، ويحلف عليها إن استدام اإنكار، ولا تسقط عنه اليمين في حق أخيه باليمين التي حلفها لصاحب الدين، لاختلاف مستحقيها، كما لو أدى أحد الأخوين ديناً على منكر وأحلفه عليه لم يسقط حق الأخ الآخر من إحلافه. مسألة: قال الشافعي ﵁: " وكذلك لو شهد أن أباه أوصى له بثلث ماله". قال في الحاوي: وهذا صحيح، إذا كانت الدعوى في وصية اعترف بها أحد الابنين، وأنكرها الآخر. فهي على ضربين: أحدهما: أن تكون غير معينة كالوصية بالثلث، فلا يلزم المقر بها إلا قدر حصته وهو نصف الثلث، بوفاق أبي حنيفة وجميع أصحابنا بخلاف الدين المختلف فيه، لوقوع الفرق بينهما، فإن جميع الدين مستحق فيما يوجد من قليلا لتركة وكثيرها. والوصية بثلث التركة لا يستحق إلا من جميعها. والثاني: أن تكون الوصية معينة في ثلثي شيء من التركة، كالوصية بدار اعترف بها أحدهما، وأنكرها الآخر: فلا تخلو الدار من ثلاثة أحوال: أحدهما: أن تكون باقية في التركة لم يقتسماها، فلا يلزم المقر إلا نصفها على المذهبين، لأنه لا يملك منها إلا النصف، وعلى المنكر اليمين، فإذا حلف، حسب على المقر قيمة النصف من حصته. فلو أقر أحدهما أن أباه وصى بجميع هذه الدار لزيد، وأقر الآخر أنه وصى بجميعها لعمرو، كان نصف الدار لزيد فمن حصته من صدقة ولا يمين عليه لعمرو. ونصف الدار لعمرو، وهو حصة من صدقة، ولا يمين عليه لزيد؛ لأنه لو تصادق الأخوان على الوصيتين لكانت الدار بين زيد وعمرو نصفين، وقد صارت بينهما كذلك فلم يكن التكذيب مضراً، وانتقلت المنازعة بين زيد وعمرو، لأن كل واحد منهما يدعي أنه أحق بجميعها من صاحبه، فيتحالفان عليها وتقر بعد أيمانهما بينهما، فإن حلف أحدهما ونكل الآخر، فضي بجميعها للحالف دون الناكل.

стр. 6977

والثانية: أن تكون الدار قد حصلت في سهم المقر بعد القسمة، فيلزمه تسليم جميعها، لأنه معترف بهما للموصى له، ويصير خصماً لأخيه في نصفها، وليس بين الموصى له، والمنكر مخاصمة، لوصوله إلى حقه من المقر. والثالثة: أن تكون الدار قد حصلت في سهم المنكر، فلا شيء على المقر بها لأنه لا يملكها، ولا مطالبة عليه بها ولا بقيمتها، فإذا حلف المنكر برئ من المطالبة وحصلت له الدار وبطلت الوصية بها. فإذا كان المقر عدلاً فشهد على أخيه بالوصية بالدار سمعت شهادته وحك بها على أخيه مع شاهد آخر أو معين الموصى له، وانتزعت الدار من يده بالوصية، ولم يرجع على أخيه ببدلها من تركة أبيه وإن اعترف له بذلك، لأنه بالإنكار جاحد لاستحقاق غيره والله أعلم بالصواب. باب الشهادة على الشهادة مسألة: قال الشافعي ﵁: "وتجوز الشهادة على الشهادة بكتاب القاضي في كل حق للآدميين مالاً أو حدا أو قصاصاً وفي كل حد لله قولان أحدهما أنه تجوز، والآخر لا تجوز من قبل درء الحدود بالشبهات ". قال في الحاوي: أما الشهادة على الشهادة فجائزة مع الاتفاق على جوازها لأمرين: أحدهما: أن الشهادة وثيقة مستدامة وقد يطرأ على الشاهد من احتدام المنية، والعجز عن الشهادة لغيبة أو مرض ما تدعو الضرورة فيه إلى الإرشاد على شهادته ليستديم بها الوثيقة ولا يقوى به الحق. والثاني: أن الشهادة خبر وإن لم يكن كل خبر شهادة، فلما جاز نقل الخبر لاستدامة العلم به، جاز نقل الشهادة لاستدامة التوثيق بها. فإذا ثبت جوازها، فالكلام فيها يشتمل على أربعة فصول: أحدهما: في وجوب الشهادة على الشهادة. وهو معتبر بحال شاهد الأصل إذا دعاه صاحب الحق أن يشهد على شهادته، وله حالتان: أحدهما: أن يجيب إليها، فيكون بالإجابة محسناً، سواء قدر على الأداء أو عجز عنه. والثانية: أن يمتنع عنها، فله حالتان:

стр. 6978

إحداهما: أن يكون قادراً على أدائها عند الحاكم، فلا تلزمه الشهادة على شهادته، لأن تحمل الشهادة موجب لأدائها عند الحاكم، وليس بموجب الإشهاد عليها، فلم تلزمه غير المقصود بتحملها. والثالثة: أن يعجز عن أدائها عند الحاكم إما لمرض، أو زمانة، أو لسفر ونقلة. فقد اختلف في وجوب الإشهاد على شهادته. فذهب بعض فقهاء العراق إلى وجوب إشهاده على شهادته كما يجب عليه أداؤها عند الحكام، لما فيه من حفظ الحق على صاحبه في الحالين. ومذهب الشافعي، يجب عليه أداء شهادته ولا يجب عليه الإشهاد على شهادته لثلاث معان: أحدها: أن المقصود بتحمل الشهادة أداؤها دون الإشهاد عليها، فلم يلزمه في التحمل غير المقصود به. والثاني: الإشهاد عليها لا يسقط فرض أدائها فلم يلزمه بالتحمل فرضان. والثالث: أن المقر، لما لم يلزمه الإشهاد على إقراره لم يلزم الشاهد الإشهاد على شهادته. والذي رواه أولى المذهبين عندي أن يعتبر الحق المشهود فيه، فإن كان مما ينتقل إلى الأعيان كالوقف المؤبد الذي ينتقل إلى بطن بعد بطن، لزمه الإشهاد على شهادته لأن البطن الموجود يصل إلى حقه بالأداء، فلم يلزمه غيره. والبطن المفقود قد لا يصل إلى حقه إلا بالإشهاد على شهادته، فلزمه الإشهاد عليها في حقه. وكذلك الإجارة المعقودة إلى مدة قد لا يعيش الشهود إلى انقضائها في الأغلب، فهي بمثابة المنتقل في وجوب الإشهاد على شهادته. وكذلك الديون المؤجلة بالأجل البعيد. فأما في الحقوق المعجلة، أو في البياعات المقبوضة الناجزة، فلا يلزمه فيها الأداء عند التنازع، لأن التوثيق بها غير مستدام وأما إذا ابتدأ الشاهد بالإشهاد على شهادته من غير طلب جاز، وكان بها متطوعاً؛ لأنها استظهار في التوقيق لصاحب الحق كالمحتمل للخبر إذا ابتدأ بروايته من غير طلب جاز وكان بها متطوعاً. ولا يسقط عن الشاهد فرض الأداء بهذا الإشهاد إذا حدث التنازع من إمكان الشهادة، فإن انقطع التنازع، سقط عنه فرض الأداء والإشهاد معاً. والفصل الثاني: ما تجوز فيه الشهادة على الشهادة. وهو معتبر بالحق الشهود فيه وهو ضربان: أحدهما: ما كان من حقوق الآدميين. والثاني: ما كان من حقوق الله تعالى.

стр. 6979

فأما حقوق الآدميين فتجوز فيها الإشهاد على الشهادة، سواء كان مما لا يثبت بشاهدين كالنكاح، والطلاق، والعتق، والنسب، والقصاص، والقذف، أو كان يثبت بشاهدين كالنكاح، والطلاق، والعتق، والنسب، والقصاص، والقذف، أو كان يثبت بشاهد وامرأتين كالأموال، أو كان يثبت بالنساء منفردات كالولادة وعيوب النساء. وقال أبو حنيفة: لا تجوز الشهادة على الشهادة فيما يسقط بالشبهة كحد القذف والقصاص، ويجوز فيما عداه من حقوق الآدميين المحضة. وبه قال بعض أصحاب الشافعي استدلالاً بأن ما سقط بالشبهة كان محمولاً على التخفيف، والشهادة على الشهادة تغليظ فتنافيا. وهذا فساد، لأن حقوق الآدميين موضوعة على التغليظ وفيما عدا الأموال التي يجوز أن يستباح بالإباحة، فلما صحت الشهادة على الشهادة في الأموال التي هي أخف، كان جوازها في المغلظ أحق. وأما حقوق الله تعالى المحضة، كحد الزنى وشرب الخمر والقطع في السرقة، ففي جواز الشهادة فيها على الشهادة قولان منصوصان: أحدهما: تجوز الشهادة فيها على الشهادة، وتثبت بشهود الفرع كثبوتها بشهود الأصل، اعتباراً بحقوق الآدميين؛ لأن حقوق الله تعالى التي لا تسقط بالعفو أحق بالاستيفاء مما يجوز أن يسقط بالعفو. والثاني: وبه قال أبو حنيفة أنه لا تجوز فيها الشهادة، ولا تثبت إلا بشهود الأصل دون شهود الفرع، لأنها موضوعة على سترها وكتمانها ودرئها بالشبهات لقول النبي ﷺ : "ادرؤوا الحدود بالشبهات ما استطعتم". وقوله ﵇: "من أتى من هذه القاذورات شيئاً فليستتر بستر الله" فكانت لأجل ذلك منافية لتأكيدها بالشهادة على الشهادة. وكذلك القول في كتاب القاضي إلى القاضي، كالقول في الشهادة على الشهادة. تجوز في حقوق الآدميين، وفي جوازها في حقوق الله تعالى قولان. والفصل الثالث: في صفة الإشهاد على الشهادة. وهو معتبر بما تحمله شاهد الأصل. وله في صحة تحمله حالتان: إحداهما: أن يشاهد السبب الموجب للحق من حضوره عقد بيع أو إجازة أو نكاح يسمع فيه البذل والقبول، أو مشاهدته لقتل أو إتلاف مال، أو سماعه للفظ القذف، فيصح تحمله من غير إقرار ولا استرعاء. ويجوز أن يشهد به، ويشهد على نفسه بمثل ما تحمله. والثانية: أن يشهد على الإقرار بالحق، فهو على ضريين: أحدهما: أن يسمع إقرار المقر عند الحاكم وهو يقول: "الفلان علي كذا درهم". فيصح تحمل الشاهد لهذا الإقرار من غير أن يسترعيه المقر للشهادة، ويقول: "أشهد علي بهذا"؛ لأن العرف في الإقرار عند الحكام أن لا يكون إلا بالحقوق الواجبة فاستغنى بالعرف عن الاسترعاء.

стр. 6980

والثاني: أن لا يسمع إقراره عند غير الحاكم. إما عند الشاهد أو عند غير الشاهد، فقد اختلف أصحابنا في صفة التحمل للشهادة، بهذا الإقرار، هل يفتقر إلى استرعاء المقر؟ والاسترعاء أن يقول: أشهد على أن لفلان علي كذا فيه وجهان: أحدهما: وهو قول أبي إسحاق المروزي وطائفة، أن التحمل للشهادة لا يصح إلا بالاسترعاء بها، فإن سمع الشاهد الإقرار من غير استرعاء لم يصح تحمله، ولم يجز أن يشهد به، لاحتمال أن يرد بذلك: علي ألف درهم أقرضك إياها، أو أهبها لك، فلا يلزمه ما أقر به، فلذلك لم يصح التحمل. والثاني: وهو الظاهر من مذهب الشافعي أن تحمل الإقرار صحيح وإن تجرد عن الاسترعاء، والشهادة به جائزة لتعلق الحكم بالظاهر دون السرائر. ويجوز على هذا الوجه إذا اختبأ الشاهد حتى سمع إقرار المقر: أن لزيد علي ألفاً والمقر غير عالم بحضور الشاهد وسماعه، أن يحتمل هذه الشهادة ويشهد بها على المقر، إلا أن يكون في المقر غفلة تتم بها الحيلة عليه والخداع، فلا يصح تحمل الشهادة من المختبئ حتى يراه المقر أو يعلم به. وسوى أبو حنيفة بين ذي الغفلة وغيره في صحة تحمل المختبئ. والفرق بينهما أولى لتمام الحيلة على الغافل وانتفائها عن الضابط فهذان الوجهان في وجوب الاسترعاء. والأصح عندي من إطلاق هذين الوجهين أن يعتبر حال الإقرار، إن اقتران به قول أو أمارة تدل على الوجوب استغنى تحمله على الاسترعاء، والقول مثل أن يقول: " له علي ألف درهم بحق واجب". والأمارة أن يحضر المقر عند الشاهد ليشهد على نفسه فيعلم شاهد الحال أنه إقرار بواجب. وإن تجرد الإقرار عما يدل على الوجوب من قول أو أمارة، افتقر إلى الاسترعاء ولم يصح تحمل الشهادة على إطلاقه. فإن أراد الشاهد أن يشهد بهذا الإقرار عند الحاكم، لزمه أن يذكر في شهادته صفة الإقرار، فإن كان بالاسترعاء قال في شهادته: أشهد أنه أقر عندي وأشهدني على نفسه، فإن لم يقل: أشهد، وقال: أقر عندي، وأشهدني على نفسه كان إخباراً ولم تكن شهادة. فلم يجز للحاكم أن يحكم بها حتى يقول: أشهد أنه أقر عندي وأشهدني على نفسه؛ لأن الحكم يكون بالشهادة دون الخبر. وإن كان الشاهد قد حضر المقر وأقر عنده من غير استرعاء قال في شهادته: "أشهد إنه أقر عندي بكذا"، ولا يقول: "وأشهدني على نفسه"، ليجتهد الحاكم رأيه في صحة هذا التحمل وفساده. وإن كان الشاهد قد سمع إقرار المقر من غير حضور عنده قال في شهادته: "أشهد

стр. 6981

إني سمعته يقر بكذا " ولا يقول: أقر "عندي" ليكون الحاكم هو المجتهد دون الشاهد. فإن أراد الشاهد أن يجتهد رأيه في صحة هذا التحمل وفساده نظر: فإن أراد الشاهد أن يجتهد رأيه في صحة الإقرار وفساده لم يجز، وكان الحاكم أحق بهذا الاجتهاد. وإن أراد أن يجتهد رأيه في لزوم الأداء وسقوطه عنه ففيه وجهان: أحدهما: يجوز لاختصاصه بوجوب الأداء. والثاني: لا يجوز، لأن في الإقرار حقاً لغيره. فصل فإذا تقرر ما وصفنا من شاهد الأصل في صحة تحمله الشهادة، انتقل الكلام إلى شاهد الفرع في صحة تحمله وصحة أدائه. فأما تحمله فمعتبر في شاهد الأصل وله فيتحمل شاهد الفرع عنه ثلاثة أحوال: إحداها: أن يذكر شاهد الأصل السبب الموجب للحق بلفظ الشهادة، فيقول: أشهد أن لفلان على فلان ألفاً من ثمن أو غصب أو صداق، فإذا سمعه شاهد الفرع صح تحمله للشهادة عنه وإن لم يسترعه إياها، وفيه لبعض أصحابنا البصريين وجه آخر أنه لا يصح تحمله إلا بالاسترعاء لما فيه من الاحتمال بالوعد، وليس بصحيح؛ لأن ذكر السبب تعيين من الاحتمال. والثانية: أن يشهد شاهد الأصل بالشهادة عند الحاكم، فإن سمعه شاهد الفرع صح تحمله لها وإن لم يسترعه إياها، لأن الحاكم ملزم، فلم تكن الشهادة عنده إلا بما لزم والثالثة: أن يقول شاهد الأصل: أشهد أن لفلان على فلان ألفاً: فإذا سمعه شاهد الفرع لم يصح تحمله إلا بالاسترعاء وجهاً واحداً، وإن كان في المقر على وجهين: والفرق بين المقر والشاهد من وجهين: أحدهما: أن الحق في الشاهد لازم لغير الشاهد، فوجب أن يغلظ حكمه بالاسترعاء ليتحقق صحة الإلزام بنفس الاحتمال. والحق في الإقرار لازم للمقر لا يتعداه فيتحقق حكمه في صحة الإلزام، لأنه لو كان فيه احتمال لما استظهر به لنفسه. والثاني: أن الإقرار خبر وشروط الشهادة أغلط من شروط الخبر لصحة إخبار من لا يصح شهادته من العبيد والنساء، ولذلك اعتبر الاسترعاء في الشهادة وإن لم يعتبر في الإقرار، ولذلك قبل ورجوع الشاهد ولم يقبل رجوع المقر. وإذا كان الاسترعاء معتبراً في الشهادة معتبراً في الشهادة، فالاسترعاء أن يقول شاهد الأصل لشاهد الفرع: "أشهد أن لفلان على فلان ألفاً فأشهد على شهادتي وعن شهادتي".

стр. 6982

فأما قوله: " فأشهد على شهادتي" استرعاء لا يصح التحمل إلا به. "فلو قال فأشهد أنت بها" لم يكن استرعاء حتى يقول: " فأشهد على شهادتي نص عليه الشافعي. وأما قوله: " وعن شهادتي" فهو إذن له في النيابة عنه في الأداء واختلف أصحابنا هل هو شرط في صحة التحمل ومعتبر في جواز الأداء أم لا؟ على وجهين: أحدهما: أنه شرط معتبر في صحة التحمل والأداء لأن شاهد الفرع نائب عن شاهد الأصل في الأداء فاعتبر فيه الإذن بالنيابة كالوكيل والوصي، وهذا قول البصريين. والثاني: يصح التحمل والأداء مع تركه لأن الشهادة على شهادته ليست من حقوقه فلم يعتبر إذنه، وهذا قول البغداديين. فصل وأما صحة الأداء فمعتبرة بشاهد الأصل وصحة أدائه معتبرة بخمسة شروط: أحدها: أن يصح تحمله على الشروط المعتبرة فيه فإذا أخل بشرط منها لم يصح أداؤه والثاني: أن يكون مقيماً على شهادته غير راجع عنها، فإن رجع عنها قبل الأداء لم يصح أداؤه، ولو رجع بعد الأداء وقبل الحكم بطل الأداء ولو رجع بعد الحكم بالأداء لم يبطل الحكم برجوعه. والثالث: أن يكون شاهد الأصل غير قادر على أداء الشهادة إما لغيبة أزمانه أو موت، فإن كان قادرا على أداء الشهادة لم يكن لشاهد الفرع أن يؤديها عنه، لأن الأصل أقوى من الفرع وإذا وجدت القوة في الشهادة لم يجز إسقاطها وخالفت الوكالة في جوازها عن الحاضر لأن الحاضر قد يضعف عن استيفاء حجته كالغائب وخالفت الخبر في جواز قبولها من المخبر مع وجود المخبر عنه لأن الخبر يلزم المخبر والمستخبر والشهادة تلزم المشهود عليه دون الشاهد. فلو شهد شاهد الفرع لغيبة شاهد الأصل أو مرضه ثم قدم شاهد الأصل من سفره أو صح مت مرضه نظر: فإن كان بعد نفوذ الحكم بشهادة الفرع لم تسمع شهادة الأصل. وإن كان بعد نفوذ الحكم بها سمعت شهادة الأصل ولم ينفذ الحكم بشهادة الفرع فإما الغيبة التي تجوز معها شهادة الفرع، فقد اعتبرها أبو حنيفة بمدة القصر وهي مسافة ثلاثة أيام عنده وأعتبرها أبو يوسف بأن يكون أذا رجع إليها في أول النهار لم يقدر على العود منها قبل الليل إلى وطنه.

стр. 6983

وعلى الظاهر من مذهب الشافعي ﵁ أنها معتبرة بلحاق المشقة في عوده، لأن دخول المشقة على الشاهد يسقط عنه فرض الأداء. الرابع: أن يسمى شاهد الأصل في أدائه بما يعرف به فإن أغفل ذكره لم يصح أداؤه لأنه فرعه وقد يكون الأصل غير مرضي فتكون الشهادة مردودة وإن كان الفرع مرضياً فقبولها معتبر بعدالة الأصل والفرع، وإن قال شاهد الفرع: " أشهدني شاهد على رضي" لم تقبل شهادته حتى يسميه لأن تزكية الشهود إلى الحاكم دون غيره. والخامس: أن يؤدي الشهادة على الصفة التي تحملها، فإن كان قد تحمل عن شاهد الأصل لذكره لسبب وجوب الحق من بيع أو قرض، ذكره في أدائه عنه. فقال: " أشهد أن فلان ابن فلان الشاهد أشهدن على شهادته وعن شهادته أن فلان ابن فلان أقر عنده وأشهد على نفسه أن عله لفلان ابن فلان ألف درهم" فتصح الشهادة بهذا الأداء فإن قال: " أشهدني على شهادته" ولم يقل: " وعن شهادته" ففي صحة أدائه وجهان تعليلاً بما قدمناه. وهذا أصح ما قيل في أداء الشهادة على الشهادة. فإن قال شاهد الفرع: أشهد عن فلان ابن فلان الشاهد جاز. ولو قال: " أشهد عليه" لم يجز لأن الحق على المقر لا على الشاهد. والفصل الرابع: من يصح أن يكون مؤديا للشهادة على الشهادة. مذهب الشافعي أنهم الرجال دون النشاء سواء كانت شهادة الأصل مما تقبل فيها النساء أو لا تقبل وقال أبو حنيفة ﵁: تقبل شهادة النساء في الفروع إذا قبلت شهادتهن في الأصل، لأن حكم الفرع يعتبر بالأصل. وهذا فاسد، لأن المقصود بشهادة الفرع إثبات شهادة الأصل والمقصود بشهادة الأصل إثبات الحق، فصارت صفة الحق معتبرة في شهادة الأصل وصفته غير معتبرة في شهادة الفرع، وإذا سقط اعتبار الحق سقطت شهادة النساء. فإن كانت شهادة الأصل مما يحكم فيه بالشاهد واليمين، فيحملها في الفرع شاهد واحد وأراد صاحب الحق أن يحلف مع الشاهد الواحد، كما كان له أن يحلف مع الشاهد الواحد في الأصل لم يجز، لأن شهادة الأصل لا تثبت بشاهد ويمين وإن جاز أن يقنت الحق بشاهد ويمين. فإن شهد شاهدان في الفرع عن شاهد واحد في الأصل، وأراد صاحب الحق أن يحلف معها جاز، لأنه قد ثبت بهما شهادة الواحد فجاز أن يحلف معه، لأنه له أن يحلف مع الشاهد الواحد، لأن يمينه لإثبات وليست لإثبات الشهادة، والله أعلم.

стр. 6984

مسألة قال الشافعي ﵁: " وإذا سمع الرجلان الرجل يقول أشهد أن لفلان على فلان ألف درهم ولم يقل لهما أشهدا على شهادتي فليس لهما أن يشهدا بها ولا للحاكم أن يقبلها لأنه يسترعيها إياها وقد يمكن أن يقول له على فلان ألف درهم وعده بها وإذا استرعاها إياها لم يفعل إلا وهي عنده واجبة" قال في الحاوي: هذا مما قد مضى فيه الفصول الأربعة لأن الشهادة على الشهادة تكون من أحد ثلاثة أوجه أحدها: أن يذكر شاهد الأصل في شهادته السبب الموجب للحق أن لفلان على فلان ألف درهم من ثمن بيع أو أجرة أرض أو قرض فيصبح أن يتحمله شاهد الأصل من غير استرعاء، وفيه لبعض البصريين وجه آخر أنه لا يصح التحمل إلا بالاسترعاء. والثاني: أن يشهد الأصل عند الحاكم بالحق فإذا سمعه شاهد الفرع صح تحمله وإن لم يسترعه. والثالث: أن يشهد شاهد الأصل عند شاهدي الفرع، أو سماعهما من غير قصد الشهادة يقولان: " نشهد أن لفلان على فلان ألف درهم" ولم يذكرا سبب وجوبها لم يصح تحمل شاهدي الفرع إلا بالاسترعاء، لأنه يحتمل أن تكون عليه ألف درهم وعده بها، فإذا استرعاهما إياها لم يفعل إلا وهي واجبة. وهذا صحيح، لأن الاسترعاء وثيقة، والوثائق تستهل في الواجبات، فصار الاحتمال بالاسترعاء منتفياً. فأما تحمل الإقرار ففي اعتبار الاسترعاء ما قدمناه من الوجهين: أحدهما: يعتبر فيه كما يعتبر في تحمل الشهادة على الشهادة لما فيها من الاحتمال. والثاني: لا يعتبر الاسترعاء في الإقرار وإن كان معتبرا في الشهادة لأن الإقرار أوكد من الشهادة ولذلك لو رجع المقر لم يقبل رجوعه ولو رجع الشاهد قبل رجوعه فصل فإذا كان الاسترعاء في الإقرار معتبرا فقال الشاهد للمقر: " أشهد عليك بذلك"؟ فقال: نعم كان هذا استرعاء صحيحاً ولو قال: أشهد فقد اختلف أصحابنا في صحة الاسترعاء بذلك على ثلاثة أوجه: أحدهما: أن قوله" أشهد" استرعاء صحيح كقوله: "نعم" بل هو أكد لما فيه من لفظ الأمر. والثاني: أن لا يكون قوله " أشهد" استرعاء لما فيه من الاحتمال أن يشهد بها على

стр. 6985

غيره، أو يشهد على بعضها. والثالث: أن قال له " أشهد" لم يكن استرعاء ولو قال: أشهد على كان استرعاء لنفي الاحتمال بقوله"علي" ولو قال له أشهد علي بذلك كان استرعاء صحيحاً على الوجوه الثلاثة لانتفاء وجوه الاحتمال. وهذا أبلغ في التأكيد من قوله نعم. وإن قيل: إن الاسترعاء في الإقرار ليس بمعتبر، فقال الشاهد للمقر أشهد عليك بذلك؟ فقال: لا، ففي بطلان الشهادة به وجهان: أحدهما: قد بطلت بقوله: لا والثاني: لا تبطل، لأن الرجوع عن الإقرار غير مقبول مسألة: قال الشافعي ﵁: " وأحب للقاضي أن لا يقبل هذا منه وإن كان على الصحة حتى يسأله من أين هي؟ فإن قال بإقرار منه أو بيع حضرته أو سلف أجازه ولو لم يس؟ أله رأيته جائزاً" قال في الحاوي: وهذا صحيح، ينبغي للشاهد إذا شهد عند الحاكم بحق على رجل أن يستوفي والشهادة بذكر السبب الموجب للحق، وحتى لا يحوج الحاكم أن يسأل عن سبب وجوبه فيقول: " أشهد أنه أقر عندي أو حضرت عقد بيع وجب به، فإن أغفل الشاهد ذكر السبب فقال: أشهد إن له عليه ألف درهم ينبغي للحاكم أن يقول له: " من أين شهد عليه؟ ولا يقول: كيف شهدت عليه، لأن قوله: كيف شهدت عليه؟ قدح، وقوله: من أين شهدت عليه؟ استخبار وللحاكم أن يستخبر الشاهد ولي له أن يبتدئ بالقدح فيه. فإذا سأله الحاكم: من أين شهدت عليه؟ فينبغي للشاهد أن يبين له، وهل شهد على إقراره بالحق، أو عن حضور السبب الموجب للحق ليزول به الاحتمال عن شهادته. فإن سأله الحاكم وأجابه الشاهد، فقد قام كل واحد منهما بما عليه ولزم الحكم بالشهادة إذا صحت. وإن سأله فلم يحبه الشاهد فقد قام الحاكم بما عليه من السؤال وقصر الشاهد فيما إليه من الجواب، فينظر الحاكم في حال الشاهد، فإن كانت فيه غفلة لم يحكم بشهادته لاحتمالها مع الغفلة وإن كان ضابطاً متيقظاً حكم بشهادته لانتفاء الاحتمال بالضبط والتيقظ. وإن لم يسأله الحاكم، فالحاكم هو المقصر وحكمه إن حكم بالشهادة نافذ لأن سؤاله استظهار وتحمل الشهادة على ظاهر الصحة إلى أن يثبت ما ينافيها، والله أعلم

стр. 6986

مسألة: قال الشافعي ﵁: " وإن شهدا على شهادة رجل ولم يعدلاه قبلهما وسأل عنه فإن عدل قضى به" قال في الحاوي: وهو كما قال: إذا شهد شاهد الفرع عند الحاكم على الشهادة شاهد الأصل لم يخل حالهما من أربعة أقسام: أحدهما: أن يسمياه ويعدلاه فيحكم بشهادتهما عليه بما تحملاه عنه وبتعديلهما له. وقال مالك: لا أحكم بشهادتهما في تعديله لأنهما متهمان فيه لما يتضمنهما من إمضاء الحكم بشهادتهما حتى يشهد غيرهما بعدالته، فإن لم يشهد غيرهما كان الحكم بشهادتهما مردوداً. وهذا فاسد من وجهين: أحدهما: أن عدالتهما تنفي عنها هذه التهمة. والثاني: أنه لو كانت هذه التهمة في إمضاء شهادتهما عنه يوجب رد شهادتهما بعدالته ولوجب لأجلها رد جميع شهادتهما. لأن الشاهد إنما يشهد لإمضاء الحكم بشهادته وهذا مدفوع بالإجماع فكان ذلك مدفوعاً بالحجاج. والقسم الثاني: أن لا يسمياه ولا يعدلاه. فلا يصح هذا الأداء ولا يحكم بهذه الشهادة لأن الحكم بها معتبر بعدالة شهود الفرع وشهود الأصل ولا يعرف عدالة من لم يسم. ويجوز على قياس قول أبي حنيفة في قبول الخبر المرسل أن تقبل هذه الشهادة فإن التزم جرى على القياس وإن خالف فيه ناقض. ونحن نجري على القياس في ردهما. والقسم الثالث: أن يسمياه ولا يعدلاه. فيسمع الحاكم شهادتهما ويكشف عن عدالة شاهد الأصل من غيرهما. وحكي عن عبيد الله بن عباس العنبري وسفيان الثوري وأبي يوسف أن الحاكم لا يسمع هذه الشهادة حتى يعدل شهود الفرع شاهد الأصل، فإن عدالة غيرهما لم يحكم بشهادتهما. وهو مذهب مالك: لأن ترك تزكية شاهدي الفرع لشاهد الأصل ريبة: والشهادة مع الاسترابة مردودة. وهذا فاسد من وجهين:

стр. 6987

أحدهما: أن التزكية لا يعين فيها المزكي وقد عينوها. والثاني: أن الشهادة كالخبر ولما كان ناقل الخبر عن رواية يجوز تزكيته من غير ناقله، كذلك الشهادة يجوز فيها تزكية شاهدي الأصل من غير شهود الفرع. والقسم الرابع: أن يعدلاه ولا يسمياه. فلا يحكم بشهادتهما حتى يسمياه. وحكي عن محمد بن جرير الطبري أنه قال: يجوز الحكم بها إذا زكى شاهد الأصل ولم يسميه لأن العدالة هي المعتبرة دون الاسم. وهذا فاسد من وجهين: أحدهما: أنه قد يجوز أن يكون عدلاً عندهما فاسقاً عند غيرهما، فصار مجهول الحال بإعفاء تسميته والثاني: أن للحاكم أن يطرد جرح الشهود، ولا يمكنه أطراد جرح من لم يسم والله اعلم. مسألة: قال الشافعي ﵁: " ولو شهد رجلان على شهادة رجلين فقد رأيت كثيراً من الحكام والمفتين يجيزونه، قال المزني: وخرجه على قولين وقطع في موضع آخر بأنه لا تجوز شهادتهما إلا على واحد ممن شهد عليه وأمره بطلب شاهدين على الشاهد الآخر قال المزني: ﵀ ومن قطع بشيء كان أولى به من حكايته له" قال في الحاوي: وأصل هذه المسألة أن العدد معتبر في شهود الفرع لاعتباره في شهود الأصل، لأن الشهادة لا تخلو من اعتبار العدد فيها، أصلاً كانت أو فرعاً فإذا كانت شهادة الأصل معتبرة بشاهدين فلشهادة الفرع ثلاثة أحوال: أحدها: أن يشهد في الفرع شاهدان على شهادة أحد شاهدي الأصل ويشهد آخران على الشاهد الآخر فيصير شهود الفرع أربعة يتحمل عن كل واحد من الاثنين اثنان فهذا متفق جوازه، وهو أولى ما استعمل فيه. والثانية: أن يشهد في الفرع واحد على شهادة أحدهما أو يشهد آخر على شهادة الآخر فهذا غير مجزئ لا يختلف فيه مذهبنا. وهو قول جمهور الفقهاء. وحكي عن عبيد الله بن الحسن العنبري وابن أبي ليلى، وابن شبرمة وأحمد وإسحاق جوازه استدلالا بأن أصل الحق لما ثبت بشاهدين جاز أن ينوب عن كل واحد واحد فتصير نيابتها بشاهدين وهذا فاسد من وجهين: أحدهما: أنه مفض إلى أن يصير العدد معتبراً في الأصل دون الفرع، وحكم الفرع

стр. 6988

أغلظ من حكم الأصل. والثاني: أن شهادة الفرع موجبة لثبوت شهادة الأصل ولا تثبت بالواحد شهادة الواحد. والثالثة: أن يشهد في الفرع شاهدان على أحد شاهدي الأصل ثم يشهدان معاً على الشاهد الآخر فيتحمل شاهد الفرع عن كل واحد من شاهدي الأصل ففيه قولان: أحدهما: يجوز، وهو قول مالك وأبي حنيفة وأكثر فقهاء الحجاز والعراق. والثاني: لا يجوز وهذا اختيار المزني وهذا القولان محمولان على أصل وهو أن ثبوت الحق، هل يكون بشهود الأصل أو بشهود الفرع؟ وفيه قولان: أحدهما: إنه يثبت بشهود الأصل، ويتحمله عنهم شهود الفرع، لأنه يعتبر شرط الشهادة إذا كان مما يعاين في شهود الأصل دون شهود الفرع ويتحمله عنهم شهود الفرع، فعلى هذا يصح أن يشهد شاهدا الفرع عن كل واحد من شهود الأصل. والثاني: أن الحق يثبت بشهود الفرع، وهم يتحملون الشهادة عن شهود الأصل لجواز شهادتهم بعد موت شهود الأصل فعلى هذا إذا تحمل الشاهد الفرع عن أحد شاهدي الأصل لم يكن لهما أن يتحملا عن الشاهد الآخر. ووهم أبو حامد الإسفراييني فعكسه، وجعل ثبوت الحق بشهود الأصل مانعاً من أن يشهد شاهد الفرع على كل واحد من شاهدي الأصل، وجعل ثبوته بشهود الأصل تجوز أن يشهد كل واحد من شاهدي الفرع على كل واحد من شاهدي الأصل. وهذا عكس الصواب، لأن الحق إذا ثبت بشهود الأصل فهو تحمل بحق كل واحد، ويجوز ثبوته بشاهدين فإذا بشهود الفرع فهو تحمل للشهادة بشاهدين فلم يجز أن يتحملاها عنهما، لأنهما يصيران فيها كأحد الشاهدين وهذا دليل على الوهم وفرق ما بينهما في الحكم. ثم الدليل على توجيه القولين في غير المسألة أنه إن قيل: يجوز لشاهدي الفرع أن يشهدا عن كل واحد من شاهدي الأصل فدليله من وجهين: أحدهما: أنها شهادة على شخصين فجاز أن يجتمعا عليها في حق واحد، كما جاز أن يجتمعا عليها في حقين. والثاني: أن اجتماعهما عليها في الحق الواحد أوكد من اجتماعها عليها في حقين، لأنه في الحق الواحد موافق وفي الحقين غير موافق. وإن قيل: إنه لا يجوز لشاهدي الفرع إذا شهدا على أحد الشاهدين أن يشهدا على الآخر حتى يشهد عليه غيرهما، فدليله من وجهين: أحدهما: أنهما قد قاما في التحمل عن أحدهما مقام شاهد واحد وذلك الحق فإذا شهد فيه على الشاهد الآخر صارا كالشاهد إذا شهد بذلك الحق مرتين ولا تتم

стр. 6989

الشهادة بهذا كذلك بالشاهدين. والثاني: أنه لما لم يقبل من شاهد الأصل حتى يشهد معه غيره ولم يقبل من شاهدي الفرع حتى يشهد معهما غيرهما. فصل فإذا تقرر توجيه القولين، انتقل الكلام إلى اعتبار العدد في شهود الفرع، وهو معتبر بالعدد في شهود الأصل، والعدد المعتبر في الشهادة غلى أربعة أضرب: أحدها: أن يكون مما لا يثبت إلا بشاهدين. كالنكاح والطلاق والقصاص والعتق والنسب. ففي العدد المعتبر في شهود الفرع قولان: أحدهما: شاهدان يتحملان على كل واحد من شاهدي الأصل، إذا جعل ثبوت الحق بشهادة الأصل والثاني: أربعة يشهد على كل واحد من شاهدي الأصل اثنان إذا جعل ثبوت الحق بشهود كالفرع والثاني: أن يكون مما يثبت بشاهد وامرأتين كالأموال. ففي العدد المعتبر في شهود الفرع قولان: أحدهما: شاهدان يتحملان عن كل واحد من الرجل والمرأتين إذا جعل ثبوت الحق بشهود الأصل. والثاني: ستة يتحملون كل اثنين منهم عن واحد من الثلاثة، إذا جعل ثبوت الحق بشهود الفرع. والثالث: أن يكون مما لا يثبت إلا بأربعة كالشهادة على الزنا فإن قيل: إن الشهادة على الشهادة في حقوق الله تعالى لا تجوز لم يجز تحمل الشهادة فيها. وإن قيل بجوازها في حقوق الله تعالى كجوازها في حقوق الآدميين كان عدد الشهود معتبراً بأصلين في كل واحد من الأصلين قولان: أحد الأصلين: في شاهدي الفرع إذا شهدا على كل واحد من شهود الأصل هل يجوز أن يشهدا على غير منهم؟ وفيه قولان: والثاني: أن الإقرار بالزنا هل يثبت بشاهدين أولا يثبت إلا بأربعة كالشهادة على فعل الزنا؟ وفيه قولان لأن تحمل الشهادة كالإقرار فصار باجتماع هذين الأصلين في عدد شهود الفرع أربعة أقاويل: أحدهما: اثنان يتحملان عن كل واحد من الأربعة: إذا جعل شاهدي الفرع أن يتحملا عن كل واحد من شهود الأصل، وجعل ثبوت الإقرار بالزنا بشاهدين. والثاني: أن شهود الفرع فيه أربعة أقاويل إذا قيل: إن الإقرار بالزنا لا يثبت إلا بأربعة وجعل لشهود الفرع أن يتحملوا عن كل واحد من شهود الأصل.

стр. 6990

والثالث: أن شهود الفرع فيه ثمانية، إذا قيل: إنه لا يحتمل شهود الفرع إلا عن واحد من شهود الأصل وقيل: إن الإقرار بالزنا يثبت بشاهدين والرابع: أن شهود الفرع فيه ستة عشرة إذا منع شهود الفرع من أن يشهدوا إلا عن واحد، وقيل: إن الإقرار بالزنا لا يثبت إلا بأربعة ليشهد كل أربعة عن كل واحد من الأربعة. والضرب الرابع: ما يكون ثبوته بأربع نسوة كالولادة والاستهلال والرضاع وعيوب النساء الباطنة ففي عدد الشهود في الفرع قولان: أحدهما: اثنان يتحملان عن كل واحد من النسوة أربع. والثاني: ثمانية يتحمل كل اثنين منهم عن واحدة من النساء الأربعة والله اعلم بالصواب. باب الشهادة على الحدود وجرح الشهود مسألة: قال الشافعي ﵀: " وإذا شهدوا على رجل بالزنا سألهم الإمام أزنى بامرأة؟ لأنهم قد يعدون الزنا وقوعاً على بهيمة ولعلهم يعدون الاستمناء زنا فلا يجد حتى يثبتوا رؤية الزنا وتغيب الفرج في الفرج. قال المزني ﵀ وقد أجاز في كتاب الحدود أن إتيان البهيمة كالزنا يحد فيه، قال: ولو شهد أربعة: اثنان منهم أنه زنى بها في بيت واثنان منهم في بيت غيره فلا حد عليهما ومن حد الشهود إذا لم يتمنوا أربعة حدهم قال المزني ﵀ في غير موضوع بحدهم" قال الحاوي: وهذا صحيح لأن حد الزنا مغلظ على سائر الحدود لثلاثة أمور: أحدهما: أنه يفضي إلى إتلاف النفوس. والثاني: أنه يدخل به تعدي المعرة الفاضحة. والثالث: أنه يفسد به النسب اللاحق. ولذلك وجب الحد على القاذف به صيانة للأعراض وحفظاً للأنساب وتغليظه من وجهين: أحدهما: في عدد الشهود وهم أربعة خص بهم الزنا من جميع الحدود لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَاتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾. ولا يوجب الحد بأقل من أربعة عدول لا امرأة فيهم. والثاني: تغليظه بالكشف عن حال الشهادة حتى تنتقي عنها الاحتمال من كل وجه

стр. 6991

ويشمل هذا الكشف عن ثلاثة فصول: أحدها: عن حال الزنا. والثاني: عن صفته. والثالث: عن مكانه. فأما الفصل الأول في السؤال عن حال الزنا. فيسأل الحاكم شهود الزنا: عن الزنا؟ لأن استدعاء الشهود بالإنزال المحظور قد يكون من أربعة أحوال: أحدهما: الزنا بامرأة وهو صريح الزنا اسماً وحكماً فإذا قالوا: " زنى بامرأة" لم يسمع الحاكم هذا منه، حتى يقولوا من المرأة لأنها ربما كانت زوجته أو أمته كان وطؤها حلالاً وإن كانت ذات شبهة كان وطؤها مشتبها يسقط فيه الحد ولزم بيانها ليعلم أن وطأها زنا. وبيانها يكون من أحد الوجهين. أحدهما: إما أن تعين بالتسمية لها، أو بالإشارة إليها، فيصيروا شاهدين عليها بالزنا وإما أن يطلقوا ويقولوا: زنا بأجنبية منه، غير مسماة ولا معينة فتصبح الشهادة عليه دونها، ولا يلزم في الشهادة أن يقولوا: وطئها بغير شبهة لأنها معتقدة غير مشاهدة، لاختصاصها بمعتقد الواطئ فإن أعادها قبلت إذا أمكنت ولا يكون الشهود معها قذفه. وهكذا لو شهدوا على أمرآة بالزنا لم تقبل شهادتهم حتى يذكروا الزاني بها من أحد الوجهين: إما التسمية أو بالإضارة فيصيروا شاهدين عليهما بالزنا وإما أن يطلقوا فيقولوا: زنى بها أجنبي منها، فيصيروا شاهدين عليها دونه والثانية: اللواط. فيقولوا: تلوط بغلام فعند أبي حنيفة لا حد فيه: وعندنا أن الحد فيه واجب وفيه قولان: أحدهما: أنه كحد الزنا، وهو جلد مائة إن يكون بكرين والرجم إن كانا ثيبين. والثاني: أن يقتل الفاعل والمفعول به سواء كانا بكرين أو ثيبين. والتلوط بالمرأة كالتلوط بالغلام، ويكون في أحد القولين موجباً لحد الزنا وفي القول الثاني موجباً للقتل. والثالثة: إتيان البهيمة وفيه ثلاثة أقوال: أحدهما: أنه موجب للقتل لما روي عن النبي ﷺ : " اقتلوا البهيمة ومن أتاها" والثاني: أنه موجب لحد الزنا وهو اختيار المزني.

стр. 6992

والثالث: أنه موجب للتعزيز وهو اختيار أبي العباس بن سريج وأبي سعيد الاصطخري. فإن قيل: إنه موجب للقتل أو لحد الزنا لم يثبت بأقل من أربعة. وإن قيل: إنه موجب للتعزيز ففيه وجهان: أحدهما: أنه يثبت بشاهدين لأنه لما خرج عن حكم الزنا نقص عن شهود الزنا. والثاني: لا يثبت بأقل من أربعة لأن اختلاف الحد في الجنس لا يوجب اختلاف العدد في الشهادة كما أن الزنا العبد موجب لنص الحد وزنا البكر موجب للجلد وزنا الثيب موجب للرجم ولا يختلف عدد الشهود لاختلاف الحدود. فإن قيل: إنه موجب للقتل، فتلت البهيمة التي أتاها لآمر النبي ﷺ بقتله وقتلهما وقتلها ليس حداً عليهما لسقوط التكليف عنها. واختلف في معنى الأمر بقتلها. وقيل: لئلا تأتي بخلق مشوه وقيل: لئلا تذكر بمشاهدتهما فعل من أتاها. فإذا قتلت البهيمة وكانت لغير من أتاها ففي وجوب غرم قيمتها لمالكها وجهان: أحدهما: لا غرم له لوجوب قتلها بالشرع. والثاني: له قيمتها لاستهلاكها عليه بعدوان. فعلى هذا في ملتزم قيمتها وجهان: أحدهما: على من أتاها. والثاني: في بيت المال. فلو كانت هذه البهيمة مأكولة فقد اختلف في إباحة أكلها على وجهين: أحدهما: أنها مستباحة الأكل، فعلى هذا تذبح وتؤكل ولا تغرم ويكون ذبحها واجباً والثاني: لا تؤكل وتقتل، وفي وجوب غرمها وجهان: وإن قيل: إن إتيان البهيمة موجب لحد الزنا، ولم تقتل البهيمة ووجب في القذف بها الحد. وإن قيل: إنه موجب للتعزير لم يجب القذف بها حد وعزر القاذف كما يعزر الفاعل. وقال أبو العباس بن سريج: يحد القاذف وإن عزر الفاعل. وهذا فاسد لأن حد القذف بالفعل أخف من حد الفعل فلما لم يجز الفعل حد، فأولى أن لا يجب في القذف به. والرابعة: الاستمناء بالكف، وهو حرام.

стр. 6993

وذهب بعض (فقهاء) البصرة إلى إباحته في السفر دون الحضر لأنه يمنع من الفجور، ويبعث على غض الطرف. وهذا فاسدا لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (٧)﴾. فصار المستمني منسوباً إلى العدوان ولأن النكاح مندوب إليه لأجل التناسل والتكاثر قال النبي ﷺ : " تناكحوا تكاثروا فإني أباهي بكم الأمم يوم القيامة حتى بالسقط". وقال عمر ﵁: لولا الاستيلاد لما تزوجت. والاستمناء بعيد عن النكاح ويمنع من التناسل فكان محظوراً لكنه من صغائر المعاصي، فينهي عنه الفاعل وإن عاد بعد النهي عزر، ولا يعتبر فيه شهود الزنا ويقبل فيه شاهدين وإن استحق فيه التعزير بعد النهي ولا يجب في القذف به حد ولا تعزير إن لم يعزر الفاعل. وأما الفصل الثاني: في صفة الزنا. فلا يقتنع من الشهود أن يشهدوا بالزنا حتى يصفوه لقول النبي ﷺ : " العينان تزينان وزناهما النظر واليدان تزينان وزناهما البطش والرجلان تزنيان وزناهما المشي ويصدق ذلك ويكذبه الفرج" ولأن النبي ﷺ استثبت ماعزاً إقراره بالزنا فقال: " لعلك قبلت لعلك لمست" قال: فعلت، بصريح اللفظ دون كنايته. فإذا لزم ذلك في المقر كان في الشاهد أحق. فإذا شهد أربعة على رجل بالزنا سألهم الحاكم: كيف زنى؟ ولم يحده قبل صفة الزنا. ولأن عمر ﵁ سأل من شهد على المغيرة بالزنا: كيف زنى؟ فقال أبو بكرة مع شبل بن معبد ونافع: رأينا ذكره يدخل في فرجها كدخول المردود في المكحلة. وعرض زياد، وهو الرابع فقال: رأيت بطنه على بطنها، ورأيت أرجلاً مختلفة ونفساً يعلو واستاً تنبو فقال عمرة رأيت ذكره في فرجها؟ فقال لا، فقال عمر: الحمد لله قم يا أخي أجلد هؤلاء الثلاثة. فجلدهم حد القذف فلم يجلد المغيرة، لأن الشهادة عليه لم تكمل ولم يجلد زياداً للقذف أنه عرض لم يصرح به.

стр. 6994

فإذا كان كذلك، اعتبر ما وصفه الشهود. فإن كان صرحوا بدخول ذكره في فرجها كملت بهم الشهادة وحد الشهود عليه حد الزنا، وسلم الشهود من حد القذف. وإن لم يصرحوا جميعا بدخول ذكره في فرجها فلا حد على المشهود عليه، فأما الشهود فإن قالوا في أول شهادة، أنه زنى ووصفوا ما ليس بزنا واحداً واحداً. لأنهم قد صرحوا بالقذف ولم يشهدوا بالزنا، وإن لم يقولوا في أول شهادة أنه زنى وشهدوا عليه بما ليس بزنا، لم يجدوا قولاً واحداً إن وصف ثلاثة منهم الزنا، ووصف الرابع ما ليس بزنا، لم يجد الشهود عليه لأن البينة بالزنا لم تكمل، في حد الثلاثة اللذين وصفوا الزنا قولان: أحدهما: يحدون لأن عمر ﵁ حدهم لأنهم صاروا قذفه. والثاني: لا يحدون، لأنهم قصدوا الشهادة بالزنا ولم يقصدوا المعرة بالقذف. فإن قيل بوجوب الحد عليهم لم تقبل شهادتهم حتى يتوبوا وقبل خبرهم قبل التوبة، لأن أبا بكر حين قال له عمر: تب أقبل شهادتك، فامتنع وقال: والله لقد زنى المغيرة فهم بجلده مرة ثانية، فقال له ﵇: إنك إن جلدته رجمت صاحبك، يعني أنك إن جعلت هذا غير الأول، فقد كملت به الشهادة فارجم المغيرة وإن كان هو الأول فقد جلدته. وكان أبو بكر بعد ذلك يقبل خبره ولا تقبل شهادته. وأما الرابع الذي وصف ما ليس بزنا فينظر في شهادته، فإن قال: إنه زنا، ثم وصف ما ليس بالزنا حد قولاً واحداً. وإن لم يقل زنا، ووصف ما ليس بالزنا فلا حد عليه قولاً واحداً وأما الفصل الثالث: في ذكر الشهود مكان الزنا. فهو شرط في الشهادة على الزنا على ما ذكره أصحابنا وإن لم يكن شرطاً في الإقرار بالزنا، فيجب على الحاكم أن يسألهم عنه، لأنهم قد يقذفون على زناة في مكان واحد فيجب عليه الحد وقد يختلفون في المكان فلا يجب عليه الحد، فلذلك وجب سؤالهم عن مكان الزنا فإذا اتفقوا عليه حد الشهود عليه وإن اختلفوا فاختلافهم على ضربين: أحدهما: أن يكون اختلافهم ب في بيتين فيقول بعضهم: زنى في هذا البيت ويقول آخرون: زنى في البيت الآخر فلا حد عل المشهود عليه وفي حد الشهود قولان والثاني: أن يختلفوا في زاوية البيت فيقول بعضهم: زنى بها في هذه الزاوية من هذا البيت ويقول آخرون: زنى بها في الزاوية الأخرى من هذا البيت. فعند أبي حنيفة يجب عليهما الحد استحساناً لا قياساً، لأنهما قد يتعاركان فينتقلان بالزحف من زاوية إلى أخرى.

стр. 6995

ولا حد عليه على مذهب الشافعي لعدم الاتفاق على المكان كالبيتين، ولا وجه لهذا، لأن الحدود تدرأ بالشبهات ولا يحد بها. وعلى قياس سؤالهم عن مكان الزنا، يجب سؤالهم عن زمان الزنا، لأن اختلاف الزمان كاختلاف المكان في وجوب الحد إن اتفق وسقوطه إن اختلف. وليس إطلاق هذا القول عندي صحيحًا، والواجب أن ينظر فإن صرح بعض الشهود بذكر المكان والزمان، وجب سؤال الباقين عنه، وإن لم يصرح بعضهم به لم يسألوا عنه، لأنه لو وجب سؤالهم عن المكان والزمان إذا لم يذكروه، لوجب سؤالهم عن ثيابه وثيابها، وعن لون المزني بها من سواد أو بياض، وعن سنها من صغيرة أو كبيرة وعن قدها من طول أو قصر، لأن اختلافهم فيه موجب لاختلاف الشهادة، قيتناها إلى ما لا يحصى، وهذا غير معتبر في السؤال، وكذلك في الزمان والمكان، إلا أن يبتدئ بعض الشهود بذكره، فيسأل الباقون عنه ليعلم ما هم عليه من موافقة واختلاف. مسألة: قال الشافعي ﵀: "ولو مات الشهود قبل أن يعدلوا ثم عدلوا أقيم الحد". قال في الحاوي: وهو كما قال: إذا مات الشهود قبل ثبوت عدالتهم ثم عدلوا بعد موتهم حكم بشهادتهم في الحد وغيره. وقال أبو حنيفة ﵀: أحكم بشهادتهم في غير الحد ولا أحكم بها في الحد. لأن من مذهبه أن أول من يبدأ بإقامة الحد الشهود. ومذهبنا أن شهود الحد كغيرهم، فإن الحد كغيره من الحقوق، ولا يكون موت الشهود قبل التعديل مانعًا من الحكم بشهادتهم بعد التعديل لأن العدالة توجب الأداء وليس موتهم مسقطًا لها فسقًا طرأ ولو وجب سقوط شهادتهم لوجب سقوطهما في غير الحد فأما حدوث الفسق بعد الشهادة وقبل الحكم فموجب لسقوط الشهادة في الحد وغيره، لن الناس يتظاهرون بفعل الطاعات وينسون فعل المعاصي، فإذا ظهرت دل ظهورها على تقدم كمونها. وأما حدوث الخرس والعمى بعد الشهادة وقبل الحكم بها فغير مانع من الحكم بها، لأن العلم بحدوثه وعدم تقدمه مقطوع به. ومنع أبو حنيفة من إمضاء الحكم بشهادة من حدث به العمى، ولم يمنع من إمضائه من حدث به الخرس، وقد تقدم الكلام معه فيه. مسألة: قال الشافعي ﵁: "ويطرد المشهود عليه وجرج من يشهد عليه".

стр. 6996

قال في الحاوي: وهذا صحيح إذا شهد الشهود وقد عرف الحاكم عد التهم على رجل بحق من حد أو غير حد، وقدح المشهود عليه في عدالتهم مكنه الحاكم من إقامة البينة بجرحهم، لأن المشهود عليه من الاهتمام بقصد الكشف عن جرحهم ما يقصر زمان الحاكم عن التشاغل به، فإن أقام البينة بجرحهم أسقط الحكم بشهادتهم، وإن عجز الحاكم عن التشاغل به، فإن أقام البينة بجرحهم أسقط الحكم بشهادتهم، وإن عجز عنها أمضى الحاكم بما عليه، ولا يضيق عليه الزمان في طلب الجرح فيتعذر عليه، ولا يوسع له الزمان فيؤخر الحكم، وتكون مدة إمهاله ثلاثة أيام، لأنها أكثر القليل وأقل الكثير. فأما قول الشافعي ﵁: ويطرد المشهود عليه جرحهم ففيه تأويلان: أحدهما: معناه يمكنه من جرحهم، ولا يمنعه منه. والثاني: معناه يوسع له الزمان ولا يضيقه عليه. فأما إن أمسك المشهود عليه في طلب يمكنه من جرحهم، فإن كان فيما لا يدرأ بالشبهة من حقوق الآدميين، أمسك الحاكم عن إطراد جرحهم، وإن كان في حد الله تعالى يسقط بالشبهة نظرة. فإن توجه الحد على من لا يعرف جواز إطراده، ولم يشعر به ولم يذكره له. وإن توجه إلى من لا يعرفه، أعلمه ما يستحقه من إطراد الجرح، فغن شرع فيه مكنه منه، وإن أمسك عنه أقام عليه الحد، لأنه حق له وليس بحق عليه. مسألة: قال الشافعي ﵁: "ولا أقبل الجرح من الجارح إلا بتفسير ما يجرح به للاختلاف في الأهواء وتكفير بعضهم بعضًا ويجرحون بالتأويل". قال في الحاوي: وهو كذلك في دعوى المشهود عليه جرح الشهود، لم تقبل دعواه على الإطلاق حتى يفسرها بما يكون جرحًا يفسق به، لاختلاف الناس في الجرح والتعديل، كما قال: هذا وارث. لم يقبل منه حتى يذكر ما صار به وارثًا لاختلاف الناس في المواريث. فإذا قال: هذا الشاهد فاسق أو غير مرضي، أو ليس بمقبول الشهادة. قيل له: فسر ما صار به فاسقًا غير مقبول الشهادة. فإن فسرها بما لا يكون فسقًا، ردت دعواه وحكم بالشهادة عليه، وإن فسرها بما يكون فسقًا، كلف بإقامة البينة بالفسق الذي ادعاه، ليكون الفسق مفسًرا في الدعوى والشهادة فإن فسرها المدعي بنوع من الفسق، وفسرها المشهود بنوع آخر، حكم بالفسق مع اختلاف في الدعوى والشهادة، لأن المقصود ثبوت الفسق، فلم يؤثر فيه اختلاف

стр. 6997

أنوعه إذا فسق بكل واحد منهما، وقد يعلم الشهود ما لا يعلمه المدعي. فأما الشهادة بالتعديل فلا تحتاج إلى تفسير، وإن كان التفسيق محتاجًا إلى تفسير، لما قدمناه على الصحيح من المذهب، للفرق بينهما من وجهين: أحدهما: أن العدالة موافقة أصل فاستغنى عن تفسير، والتفسيق مخالف للظاهر فاحتاج غلى تفسير. والثاني: أن العدالة أصل، والفسق حادث، والحادث يحتاج إلى تفسير. والمعدوم لا يحتاج إلى تفسير. كمن قال: هذا الماء طاهر، لم يستفسر عن طهارته، ولو قال: هو نجس، لتفسر عن نجاسته، والله أعلم. مسألة: قال الشافعي ﵁: "ولو ادعى على رجٍل من أهل الجهالة بحد لم أر بأسًا أن يعرض له بأن يقول لعله لم يسرق". قال في الحاوي: الحقوق ضربان: أحدهما: ما كان من حقوق الآدميين، فلا يجوز للحاكم أن يعرض للمقر بالإنكار، ولا يعرض للشهود بالتوقف، سواء كان الحق في مال أو حد، لأن حقوق الآدميين موضوعة على الحفظ والاحتياط، ولأن المقر بما لو أنكرها لم يقبل إنكاره. والثاني: ما كان من حقوق الله تعالى المحضة، كالحد في الزنا والقطع في السرقة. والجلد في الخمر، فلا يخلو حال المدعى عليه من أمرين: أحدهما: أن يكون عالمًا بوجوب الحد عليه إن أقر فيمسك الحاكم عن التعريض له بالإنكار، حتى يبتدئ فيقر أو ينكر، لأن التعريض لا يزيده إلا علمًا بوجوب الحد إن أقر وسقوطه إن أنكر. والثاني: أن يكون من أهل الجهالة بوجوب الحد، إما لأنه أسلم قريبًا، أو لأنه من أهل بادية نائية من جفاة الأعراب فيجوز للحاكم أن يعرض للمدعي عليه بالإنكار من غير تصريح، فإن كان في الزنا قال له: لعلك قبلت، أو لمست كما عرض النبي صلي الله عليه وسلم لماعز حين أقر بالزنا فقال: لعلك قبلت لعلك لمست". وغن كان في حد السرقة قال: لعلك سرقت من غير حرز. فإن عرض له بأن قال: لعلك لم تسرق، وكانت الدعوى من صاحب المال، لم يجز أن يعرض له بهذا، لأن في تعريضه به إسقاطًا لحقه، وإن كانت من غير صاحب المال، جاز أن يعرض له به. وروي أن النبي صلي الله عليه وسلم أتى بسارق فقال له: "أسرقت أم لا". وإن كان في شرب الخمر

стр. 6998

قال: لعلك لم تشرب، أو قال: لعلك لم تعلم أنه مسكر أو لعلك أكرهت على شرب المسكر. وإنما جاز التعريض للمقر بما يتنبه به على الإنكار، لأنه مندوب إلى الستر على نفسه فيما ارتكبه، وأنه يستغفر ربه لقوله صلي الله عليه وسلم: "من أتى من هذه القاذورات شيئًا فليستتر بستر الله فإنه من يبدلنا صفحته نقم عليه حد الله". ولا يجوز للحاكم أن يصرح له بالإنكار فيقول له: قل ما زنيت، ولا سرقت، ولا شربت، أو يقول له: أنكر ولا تقر، لحظر التصريح في إسقاط الحدود، لأنه قد يلقنه الكذب، ويأمره به. فأما تعريض الحاكم للشهود بالتوقف عن الشهادة فقد اختلف أصحابنا في جوازه على وجهين: أحدهما: لا يجوز لأنه يقدح في شهادتهم. والثاني: يجوز لأن النبي صلي الله عليه وسلم قال: "هلا سترته بثوبك يا هزال". وقال عمر لزياد حين حضر لشهادته على المغيرة بالزنا: أيهما يا سلع العقاب أرجو أن يفضح الله على يدك أحدًا من أصحاب رسول الله صلي الله عليه وسلم فنبه على تعريضه فلم يصرح في شهادته بدخول الذكر في الفرج، فلم تكمل به الشهادة في الزنا. وهذا التعريض بالإنكار جائز مباح، وليس بواجب، ولا استحباب، وهو حسب رأي الحاكم واجتهاده. وقد قال الشافعي ﵁: لم أر بأسًا به، لأن النبي صلي الله عليه وسلم عرض لماعز ولم يعرض للغامدية، وقال: "اغد يا أنيس غلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها" فعرض في الأقل ولم يعرض في الأكثر. فإن نبه بالتعريض على الإنكار فأنكر، فإن لم يتقدمه إقرار، قبل إنكاره في جميع الحدود ولم يستخلف على الإنكار، فإن تقدم منه الإقرار قبل الإنكار سقط حد الزنا، ولم يسقط عنه غرم المال المسروق، وفي سقوط قطع اليد وحد الخمر قولان، يسقط في أصحهما، ولا يسقط في الآخر. مسألة: قال الشافعي ﵁: "ولو شهدا بأنه سرق من هذا البيت كبشًا لفلاٍن فقال أحدهما غدوةً وقال الآخر عشيةً أو قال أحدهما الكبش أبيض وقال الآخر أسود لم يقطع حتى يجتمعا ويحلف مع شاهده أيهما شاء".

стр. 6999

قال في الحاوي: اختلفت الرواية في صورة الشهادة، فرواها بعض أصحابنا أنهما شهدا أنه سرق منه كيسًا، إشارة إلى كيس الدراهم والدنانير. ورواها أكثرهم أنهما شهدا أنه سرق منه كبشًا، إشارة إلى كبش الغنم. وهذه الرواية أصح لأمرين: أحدهما: أن كيس الدراهم والدنانير شهادة بمجهول، وكبش الغنم شهادة بمعلوم. والثاني: أن الشافعي قال في الأم: ولو قال أحدهما: إنه أقرن، وقال الآخر أنه أجم، وقال أحدهما إنه كبش، وقال الآخرة نعجة وهذا من أوصاف الغنم. فإذا شهد الشاهدان بسرقة الكبش، فقال أحدهما: سرقة غدوة، وقال الآخر: سرقه عشية، أو قال أحدهما: هو أبيض، وقال الآخر: هو أسود، لم تتفق شهادتهما على سرقة واحدة، لأن السرقة غدوة غير السرقة عشية، والمسروق الأبيض غير المسروق الأسود. وحكي عن أبي حنيفة: أن الشهادة بالبياض والسواد غير مختلفة، لأنه يجوز أن يكون أحد جانبي الكبش أبيض وجانبه الآخر أسود، فيرى كل واحد منهما ما إلى جانبه فيصفه به. وهذا ليس بصحيح لأمرين: أحدهما: أن كل واحد منهما يشهد بصفة جميعه، وهذا التأويل ينافيها. والثاني: أنه تأويل شهادة محتملة بما بعد تأويلها، والشهادة لا يحكم بها إلا مع انتفاء التأويل عنها. فثبت أن شهادتهما غير متفقة على سرقة واحدة، فلم تكمل بهما بينة توجب غرمًا ولا قطعًا. فصل: فإذا تقرر ما وصفنا من اختلاف هذه الشهادة، فاختلافهما على أربعة أقسام: أحدهما: أن تكمل كل واحدة من الشهادتين مع عدم التعارض فيهما، وهو على ضربين: أحدهما: أن تكمل كل واحدة من الشهادتين مع عدم التعارض فيهما، وهو على ضربين: أحدهما: أن يختلف المسروق مع الإطلاق. والثاني: أن يختلف الزمان مع الاتفاق. فأما اختلاف المسروق مع إطلاق، فهو أن يشهد شاهدان أنه سرق منه كبشًا أبيض، ويشهد شاهدان آخران أنه سرق منه كبشًا أسود، فيحكم له بالشهادتين أنه سرق منه كبشين أحدهما أبيض بالشهادة الأولى، والثاني أسود بشهادة الآخرين، وليس فيهما تعارض. وأما اختلاف الزمان مع الاتفاق، وهو أن يشهد شاهدان آخران أنه سرق منه في آخر النهار كبشًا أبيض، فيحكم له بالشهادتين أنه سرق منه كبشين أبيضين، لأن السرقة في

стр. 7000

أول النهار غير السرقة في آخر النهار فلم تكن فيهما تعارض. وأما القسم الثاني: أن تكمل كل واحدة من الشهادتين مع وجود التعارض فيهما وهو على ضربين: أحدهما: أن تكون السرقة واحدة في زمانين. والثاني: أن يكون الزمان واحدًا في السرقتين. وأما السرقة الواحدة في زمانين فهو أن يشهد شاهدان أنه سرق منه كبشًا أبيض في أول النهار، ويشهد شاهدان آخران أنه سرق منه ذلك الكبش الأبيض في النهار، فهما شهادتان متعارضتان، لأن المسروق في أول النهار غير المسروق في آخره، والمسروق في آخره غير المسروق في أوله، فأوجب هذا التعارض إسقاط الشهادتين ولم تثبت السرقة بواحدة منهما. وأما الزمان الواحد في سرقتين، فهو أن يشهد شاهدان أنه سرق منه مع طلوع الشمس كبشًا أبيض، ويشهد شاهدان آخران أنه سرق منه مع طلوع الشمس كبشًا أسود، فهما شهادتان متعارضتان، لأن الأبيض غير الأسود، فصارت الشهادتان مع اتفاق الزمان متعارضتين فسقطتا، ولم يحكم واحدة منهما. والقسم الثالث: أن تنقضي كل واحدة من الشهادتين مع عدم التعارض فيهما، وهو على ضربين: أحدهما: أن تكون السرقة مطلقة في زمانين. والثاني: أن يكون الزمان مطلقًا في سرقتين. وأما السرقة المطلقة في زمانين فهو أن يشهد شاهد واحد أنه سرق منه كبشًا في أول النهار، ويشهد شاهد آخر أنه سرق منه كبشًا في آخر النهار. فلم تكمل بهما الشهادة لاختلاف الزمانين، ولا تعارضت لإمكان السرقتين"، ويقال للمسروق منه لك أن تحلف مع كل واحدة من الشاهدين ويحكم لك بسرقة كبشين، إن كنت مدعيًا لهما، ولا قطع على السارق، لأن القطع حد لا يجب بالشاهد واليمين وإن وجب به الغرم. والقسم الرابع: أن تنقضي كل واحدة من الشهادتين مع وجود التعارض فيهما. وهو على ضربين: أحدهما: أن تكون السرقة معينة في زمانين. والثاني: أن يكون الزمان معينًا في سرقتين. فأما السرقة المعينة في زمانين، فهو أن يشهد شاهد واحد أنه سرق منه كبشًا أبيض في أول النهار، ويشهد شاهد آخر أنه سرق هذا الكبش الأبيض في آخر النهار. وأما الزمان المعين في سرقتين فهو أن يشهد شاهد واحد أنه سرق منه مع طلوع الشمس كبشًا أسود ويشهد شاهد آخر أنه سرق منه في ذلك الزمان بعينه مع طلوع الشمس كبشًا أبيض. فقد اختلفت شهادة الشاهدين في كلا الضربين، وقد اختلف أصحابنا في هذا الاختلاف

стр. 7001

هل يكون تعارضًا يوجب سقوط الشهادتين أم لا؟ على وجهين: أحدهما: وهو الأظهر عندي، أنه يكون تعارضًا فيما يوجب سقوطهما، كما يتعارض كمال الشهادتين، فعلى هذا ليس للمسروق منه أن يحلف مع كل واحد من الشاهدين لسقوط شهادتهما بالتعارض. والثاني: وهو قول أبي حامد الإسفراييني بأنه لا تعارض فيهما، لأن التعارض يكون في البينة الكاملة دون الناقصة، لأن الكاملة حجة بذاتها والناقصة حجة مع غيرها، فترجحت ذات اليمين. فعلى هذا إن كان الاختلاف في السرقة المعينة في زمانين، حلف مع أيهما شاؤوا استحق كبشًا واحدًا، وإن كان الاختلاف في الزمان المعين في سرقتين كان له أن يحلف مع كل واحد منهما ويستحق كبشين. فصل: وإذا شهد له شاهد أنه سرق منه كبشًا، وشهد له ثان أنه سرق منه كبشين، وشهد له ثالث أنه سرق منه ثلاث كباشي، كملت له البينة بسرقة كبشين أحدهما بشهادة الأول والثاني لاتفاقهما عليه، والثاني: بشهادة الثاني، والثلث لاتفاقهما عليه ويفرد الثالث بسرقة كبش ثالث، فإن حلف معه، استحق الكبش الثالث، ووجب قطع السارق لكمال البينة بسرقة الكبشين. فصل: ولو شهد له شاهدان بالقذف واختلفا في صفته، فقال أحدهما: قذفه عدوة، وقال الآخر قذفه عشية، أو قال أحدهما: قذفه بالبصرة، وقال الآخر: قذفه بالكوفة لم تكمل بهما شهادة القذد، لأنهما قذفان لم يشهد بواحد منهما شاهدان، وليس للمقذوف أن يحلف مع واحد منهما، لأن القذف حد لا يثبت بالشاهد واليمين. ولو قال أحدهما: قذفه بالعربية، وقال الآخر: قذفه بالفارسية، فإن كانت الشهادة على سماع القذف، فهي شهادة على قذفين لم تكمل البينة بواحدة منهما، وإن كانت الشهادة على إقرار القاذف، أنه أقر عند أحدهما أنه قذفه بالعربية، وأقر عند الآخر أنه قذفه بالفارسية، فتذكر أبو السعيد الإصطخري فيه وجهين: أحدهما: أنهما قذفان لا تتم الشهادة بواحد منهما كما قال أحدهما: اقر عندي أنه قذفهما بالبصرة، وقال الآخر: أنه أقر عندي أنه قذفهما بالكوفة. والثاني: أن الشهادة كاملة مع اختلاف اللفظين وإن لم تكمل مع اختلاف البلدين واختلاف الزمانين. ولا أجد لهذا الوجه في الفرق بينهما وجهًا. ولو كانت الشهادة في المثل، فشهد أحدهما أنه قتله بالبصرة، وشهد الآخر أنه قتله

стр. 7002

بالكوفة، فإن كان قتل عمدًا فالشهادة مطروحة، وإن كان قتل خطأ ففي تعارضهما وجهان. أحدهما: يتعارضان ويسقطان. والثاني: يخلف مع أيهما شاء. مسألة: قال الشافعي ﵁: "ولو شهد اثنان أنه سرق ثوب كذا وقيمته ربع دينار وشهد آخران أنه سرق ذلك الثوب بعينه وأن قيمته أقل من ربع دينار فلا قطع وهذا من أقوى ما تدرأ به الحدود وتأخذه بأقل القيمتين في الغرم". قال في الحاوي: وهاتان بينتان اتفقنا على سرقة ثوب بعينه واختلفتا في قيمته، فشهد اثنان أن قيمته ربع دينار تقطع فيه اليد، ويشهد اثنان أن قيمته سدس دينار لا تقطع فيه اليد، فلا تعارض في الشهادتين وإن اختلفت فيه البينتان، ولاختلافهما وجه محتمل لا يوجب ردهما به. فاختلف الفقهاء في اختلافهما، هل يوجب العمل بأكثرهما أو بأقلهما في الغرم والقطع؟ مذهب الشافعي أنه يؤخذ بأقلهما في الغرم وسقوط القطع، استعمالًا للبينة الشاهدة أن قيمته سدسي دينار، فيسقط عنه القطع ولا يغرم الزيادة على السدسي. وقال أبو حنيفة: آخذ بالبينة الزائدة في الغرم ووجوب القطع. وأحسب أن مالكًا يأخذ بالبينة الزائدة في الغرم، والناقصة في سقوط الحد. واستدل من عمل بالبينة الزائدة بأمرين: أحدهما: أنه لما عمل في الأخبار المختلفة بالزيادة دون النقصان وجب أن يكون مثله في البنيان، لأن الشهادة خبر. والثاني: أن النقصان داخل في الزيادة فلم ينافيها فوجب العمل بها كما لو شهد شاهدان على إقراره بألف وشهد شاهدان على إقراره بألفين دون الألف بألف لدخول الألف في الألفين، ودليلنا شيئان: أحدهما: أن النقصان متفق عليه، والزيادة مختلف فيها، لأن من قومه بالربع أثبتهما ومن قومه بالسدس نفاها، فكان العمل بالزيادة في الأخبار لأن من روى الناقص لم ينف الزيادة. لأن بلالًا لما روى أن النبي صلي الله عليه وسلم دخل البيت. وروى أسامة أنه دخل البيت وصلي عمل بالزيادة في صلاته وبعد دخوله لأن بلالًا لم يقل دخل البيت ولم يصل، فكذلك في الشهادة بالنقصان دون الزيادة، وعمل في الأخبار بالزيادة دون النقصان. والثاني: أن النقصان يقين، والزيادة شك: وقد أثبتت في إحدى الشهادتين وبقيت

стр. 7003

في الأخرى فوجب العمل باليقين دون الشك، لأن الأصل براءة الذمة، فخالف الشهادة بألف والشهادة بألفين، لأن من أثبت الألف لم ينف الألفين. فصل: إذا اختلف شاهدان في قيمة الثوب المسروق، فشهد أحدهما أن قيمته ربع دينار وشهد الآخر أن قيمته سدس دينار، فقد اتفقا على السدس وتمت الشهادة به. واختلفا في الزيادة عليه، فأثبتها أحدهما ونفاها الآخر، فاختلف أصحابنا فيها على وجهين: أحدهما: أنه يسقط فيها قول من أثبتها بقول من نفاها، ويمنع صاحب السرقة أن يحلف مع الشاهد بها ويستحقها، كما لو أثبتها شاهدان ونفاها شاهدان. والثاني: أنه لا يسقط قول من أثبتها بقول من نفاها بخلاف إثباتها بشاهدين ونفيها بشاهدين، ويجوز لصاحب السرقة أن يحلف مع الشاهد بها ويستحقها، ولا يقطع السارق بها خلاف الشاهدين، لأن الشاهدين حجة كاملة فتعارض فيها قول المثبت والنافي، والشاهد الواحد ليس حجة إلا مع اليمين، فإذا انضمت إلى أحدهما كملت الحجة ونقصت عنها الأخرى، فحكم بالحجة على ما ليس بحجة. فصل: وإذا كان هذا الاختلاف في ثمن مبيع، فشهد شاهدان أنه باعه هذا العبد بألف، وشهد شاهدان آخران أنه باعه ذلك العبد في ذلك الزمان بألفين تعارضت الشهادتان وردتا. ولو شهد أحد الشاهدين أنه باعه هذا العبد بألف وشهد الآخر أنه باعه إياه في ذلك الزمان بألفين، ففي تعارضهما وجهان على ما مضى: أحدهما: قد تعارضتا وسقطتا. والثاني: لا تعارض فيهما، وللمدعي أن يحلف مع الشاهد بالألفين. ولو شهد شاهدان أنه باعه عبدًا تركيًا بألف، وشهد آخران أنه باعه عبدًا روميًا بألفين، فلا تعارض في الشهادتين فيحكم له ببيع التركي بألف وبيع الرومي بألفين. ولو اختلف شاهدان، فشهد أحدهما أنه باعه عبدًا تركيًا بألف وشهد الآخر أنه باعه عبدًا روميًا بألفين، فلا تعارض فيهما وله أن يحلف مع كل واحد منهما ويحكم له بعد اليمين بيع التركي بألف والرومي بألفين. مسألة: قال الشافعي ﵁: "وإذا لم يحكم بشهادة من شهد عنده حتى يحدث

стр. 7004

منه ترد به شهادته ردها". قال في الحاوي: وهذا صحيح إذا شهد عدلان بحق ثم فسقا قبل الحكم بشهادتهما ردت الشهادة ولم يحكم بها، وهذا هو قول جمهور الفقهاء. وحكي عن أبي ثور والمزني أنهما قالا: يحكم بشهادتهما ولا ترد اعتبارًا بحال الأداء. وهذا خطأ لقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ﴾ [الحجرات: ٦ [. فاقتضى الظاهر أن تعتبر العدالة عند الأداء وعند الحاكم. ولأن عدالة الباطن مظنونة، فإذا ظهر الفسق دفع ما ظن بباطنه من العدالة، ودل على تقدمه وقت الشهادة، ولاسيما ويتحفظ الإنسان بعد شهادته أكثر من تحفظه قبلها. ولأن من لطف الله تعالى بعباده أن لا يهتكهم بأول الذنب، ولذلك قال عمر بن الخطاب ﵁، إن الله أكرم من أن يهتك عبده بأول خطيئة، فإذا أظهرها دلت على تقدمها عليه. ولأن ظهورها يوجب الاسترابة بما تقدمها وظهور الريبة في الشهادة يمنع من قبولها. مسألة: قال الشافعي ﵁: "وإن حكم بها وهو عدل ثم تغيرت حاله بعد الحكم لم نرده لأني إنما أنظر يوم يقطع الحاكم بشهادته". قال في الحاوي: وحدوث فسقهما بعد نفوذ الحكم بشهادتهما على ضربين: أحدهما: أن يحدث الفسق بعد استيفاء الحق، فلا يجوز نقض الحكم بشهادتهما سواء كان في حقوق الله تعالى أو الآدميين، وبخلاف حدوث الفسق قبل الحكم، لوقوع الفرق بينهما من وجهين: أحدهما: أن الشك والاحتمال موجود في الحالين، فلما لم يجز أن يثبت الحكم بالشك، لم يجز أن ينقض حكمه بالشك والاحتمال، فيكون المعنى الذي منع من الحكم بشهادتهما المانع من نقض الحكم النافذ بشهادتهما. والثاني: أن تخبر الحال قبل نفوذ الحكم مخالف لتغيرها بعد نفوذ الحكم، لأن الحاكم إذا اجتهد رأيه في الحكم فأداه اجتهاده إلى حكم ثم بان أن الحق في غيره، نقضه قبل نفوذ حكمه، فأوجب هذا الفرق في تغير الاجتهاد قبل نفوذ الحكم وبعده. وقوع الفرق في الفسق بحدوثه قبل نفوذ الحكم وبعده. فهذا حكم أحد الضربين في حدوث الفسق بعد استيفاء الحق أنه معمول على عموم

стр. 7005

إمضائه في جميع الحقوق. والثاني: أن يحدث الفسق بعد نفوذ الحكم وقبل استيفاء الحق، فهذا علي ثلاثة أضرب: أحدهما: أن يكون الحق مالا أو في معني المال، فيجب استيفاؤه بعد الفسق لنفوذ الحكم قبل الفسق تعليلا بالمعنيين المتقدمين. والثاني: أن يكون الحق حدا وجب لله خاصة، كحد الزنا وجلد الخمر وقطع السرقة، مما يدرأ بالشبهة، فيسقط بحدوث الفسق ولا يستوفي لأن حدوثه شبهة. والثالث: أن يكون حدا قد وجب لآدمي كالقصاص وجد القذف ففي سقوطه بحدوث الفسق قبل استيفائه وجهان: أحدهما: يسقط لكونه حدا يدرأ بالشبهة. والثاني: لا يسقط لأنه من حقوق الآدميين كالأموال. فصل: وإذا بان للحاكم بعد حكمه أن فسق الشاهدين حدث قبل شهادتهما، نقض حكمه كما لو بان له مخالفه النص، واسترجع ما استوفاه بحكم إن أمكن، وإن كان قصاصا لا يمكن استرجاعه ضمن الحاكم بالدية والكفارة، وفي محلة الدية قولان: أحدهما: علي عاقلته، فعلي هذا تكون الكفارة في ماله. والثاني: في بيت المال، فعلي هذا ففي الكفارة وجهان: أحدهما: في بيت المال. والثاني: في مال. وقد مضي هذا في تعزير الإمام إذا أفضي إلي التلف. باب الرجوع عن الشهادة مسألة: قال الشافعي ﵀: ((الرجوع عن الشهادة ضربان فإن كانت علي رجل بشيء يتلف من بدنه أو ينال بقطع أو قصاص فأخذ منه ذلك ثم رجعوا فقالوا عمدناه بذلك فهي كالجناية فيها القصاص واحتج في ذلك بعلي وما لم يكن من ذلك فيه القصاص أعدموه وعزروا دون الحد وإن قالوا لم نعلم أن هذا يجب عليه عذروا وأخذ منهم العقل ولو قالوا أخطأنا كان عليهم الأرش)). قال في الحاوي: وجملته أنه لا يخلو رجوع الشهود في الشهادة بعد أدائها من ثلاثة أحوال:
следующие страницы →