← Фикх шафии

Фикх шафии · id 16934

بحر المذهب للروياني

عَبْد الواحِد الرُّوْياني

Полный текст (7 151 стр.). Показаны 6931–6970 · переход к 6936.

стр. 6931

وبه قال عمر بن الخطاب وعمر بن عبد العزيز احتجاجًا بقوله تعالى: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ ولَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الوَالِدَيْنِ والأَقْرَبِينَ﴾ [النساء: ١٣٥] ولا يؤمر بالقسط في هذه الشهادة إلا وهي مقبولة ولأن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه حاكم يهوديًا إلى شريح في درع ادعاه في يده فأنكرها. فشهد له ابنه الحسن ﵇ فرد شهادته. وقال: يا أمير المؤمنين، كيف أقبل شهادة ابنك لك؟ فقال علي ﵇ في أي كتاب وجدت هذا؟ أو في أي سنة. وعزله ونفاه إلى قرية يقال لها بالصفا، نيفًا وعشرين يومًا، ثم أعاده إلى القضاء، ولأن الدين والعدالة يحجزان عن الشهادة بالزور والكذب. ودليلنا قوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ وأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وأَدْنَى أَلاَّ تَرْتَابُوا﴾ [البقرة: ٢٨٢] والريبة متوجهة إلى شهادة بعضهم بعضًا لما جبلوا عليه من الميل والمحبة. ولذلك قال النبي صلي الله عليه وسلم: "الولد محزنة مجبنة مبخلة مجهلة". وروي عنه صلي الله عليه وسلم أنه قال لعائشة ﵂: "يا عائشة فاطمة بضعة مني يريبني ما يريبها" فدل على أن الولد بعض أبيه. وقد قيل في تأويل قوله تعالى: ﴿وجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا﴾ [الزخرف: ١٥] أي ولدًا فصارت الشهادة له كالشهادة لنفسه. وروي عن النبي صلي الله عليه وسلم أنه قال لأبي معشر الدرامي: "أنت ومالك لأبيك" فصارت الشهادة بمال أبيه كالشهادة بمال نفسه. وذكر الشافعي حديثًا رواه عن الزهري عن عروة عن عائشة ﵂ أن النبي صلي الله عليه وسلم قال: "لا تقبل شهادة خائن ولا خائنة ولا محدود حدًا ولا ذي غمر على أخيه ولا مجرب في شهادة زور ولا ظنين في قرابة ولا ولاء ولا شهادة القانع لأهل البيت" ووصل بذلك "ولا شهادة الولد لوالده ولا الوالد لولده" ثم قال وهذا لا يثبته أهل النقل، فإن ثبت هذا فهو نص، وإن لم يثبت ففي قوله: "ولا ظنين في قرابة" دليل على الوالد والولد. وروي عن النبي صلي الله عليه وسلم أنه قال: "إن أطيب ما أكل الرجل من كسبه وإن ولده من كسبه" وهو لا يجوز أن يشهد لكسبه. ولأن ورود النص بالمنع من شهادة الظنين وهو المتهم يوجب المنع من شهادة الوالد للولد لأنه متهم. فأما الجواب عن الآية فمن وجهين:

стр. 6932

أحدهما: أنها دالة على الشهادة عليهم لا لهم. والثاني: أنه لما قرنها لنفسه في قوله: ﴿شُهَدَاءَ لِلَّهِ ولَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الوَالِدَيْنِ﴾ [النساء: ١٣٥] دل على خروجها مخرج الزجر، أن يخبر على نفسه، أو ولده بغير الحق. ولا يمنع الدين والعدالة من رد الشهادة، كشهادة السيد لعبده ومكاتبه. وأما إنكار علي ﵇ على شريح، فلأن شريحًا وهم في الدعوى؛ لأن عليًا ﵇ ادعى الدرع للمسلمين في بيت المال، ولذلك استشهد بابنه الحسن، ولم يدعها لنفسه، وإنما كان في الدعوى نائبًا عن كافة المسلمين كالوكيل، فوهم شريح وظن أن الدعوى لنفسه. ولذلك أنكر علي ﵇ وعزله، لأنه لم يثبت في الفحص عن حقيقة الحال، فيعلم بها جواز الشهادة، فصارت دليلًا على المنع من شهادة الولد لوالده. فصل: وأما شهادة الوالد على ولده فمقبولة على العموم في جميع الحقوق، لأنه ولايتهم في الشهادة عليه. وإن كان متهمًا في الشهادة له. وأما شهادة الولد على والده فتقبل في كل ما يجوز أن يستحقه الولد على والده من جميع الحقوق وفي قبولها فيما لا يجوز أن يستحقه الولد على والده من حد قذف أو قصاص فيه قولان: أحدهما: لا تقبل، لأنه لما لم يقتل بقتله لم يقتل بقوله: كالعبد في الشهادة على الحر. والثاني: وهو الأصح تقبل شهادته عليه كما تقبل في غيره كالحر تقبل شهادته على العبد وإن لم يقتل بالعبد. وأما الولد من الرضاع والوالد من الرضاع فشهادة بعضهم لبعض عليه فمقبولة له بخلاف النسب، لاختصاص الرضاع بتحريم النكاح، وبفارق النسب فيما عداه من أحكامه من التوارث ووجوب النفقة والعتق بالملك، وليس تحريم النكاح بمانع من قبول الشهادة. وأما ما عدا عموم الآباء والأبناء من المناسبين كالإخوة والأخوات وبنيهما، والأعمام والعمات وبنيهما والأخوال والخالات وبنيهما، فتقبل شهادة بعضهم البعض، وهو قول أبي حنيفة وجمهور الفقهاء. وقال الأوزاعي: لا أقبلها من ذي محرم كالوالد والولد. وقال مالك: أقبلها في كل حق إلا في النسب لأنه منهم باجتذابه والتكثر. وكلا المذهبين فاسد، لأن عمر وابن الزبير أجازاه وليس لهما مخالف فصار إجماعًا، لأنه نسب لا يوجب العتق والنفقة فلا يمنع من قبول الشهادة كغير المحرم من ذوي الأنساب. وأما شهادة المعتق لمعتقه من أعلى وأسفل فمقبولة في قول الجمهور.

стр. 6933

ومنع شريح من قبولها كالولادة، وهذا خطا، وقد أنكره علي ﵇ عليه لأن الولاء لا يمنع من وجوب النفقة، وهذا أبعد من ذوي الأنساب البعيدة لتعديهم عليه في الميراث، والله أعلم. مسألة: قال الشافعي ﵁: "ولا من يعرف بكثرة الغلط أو الغفلة". قال في الحاوي: أما الضبط والتيقظ، فهما شرطان في قبول الشهادة، ليقع السكون إلى صحتها، فإن حدث من الشاهد سهو أو غلط، فإن كان فيما يشهد به، ردت شهادته وإن كان سهوه وغلطه في غير تلك الشهادة نظر: فإن كان الأغلب عليه السهو والغلط ردت شهادته، وإن لم يكن ذلك جرحًا في عدالته، لأن النفس غير ساكنة إليه إلى شهادته لحملها في الأغلب على السهو والغلط. وإن كان الغالب عليه التيقظ والضبط، قبلت شهادته وإن غلط في بعض أخباره وسها، لأن ما من أحد يخلو من سهو أو غلط. وهذا رسول الله صلي الله عليه وسلم قد سها وقال: "إنما أسهو لأسن" وإذا كان لا يخلو ضابط من غلط ولا غافل من ضبط وجب أن يكون المعتبر الأغلب، كما يعتبر في الطاعات والمعاصي أغلبها فيكون العدل والفسق معتبرًا بما يغلب من طاعة أو معصية، وكذلك الضبط والغفلة. مسألة: قال الشافعي ﵁: "ولو كنت لا أجيز شهادة الرجل لامرأته لأنه يرثها ما أجزت لأخيه إذا كان يرثه". قال في الحاوي: اختلف الفقهاء في شهادة كل واحد من الزوجين لصاحبه. فذهب الشافعي ﵀ إلى جوازها وقبول شهادة الزوج لزوجته. وقبول الزوجة لزوجها. وقال النخعي وابن أبي ليلى لا تقبل شهادة الزوجة لزوجها، لأنه إذا أيسر وجب لها عليه نفقة الموسرين، وتقبل شهادة الزوج لزوجته، لأنه لا يجز بها نفعًا. وقال أبو حنيفة: لا تقبل شهادة كل واحد منهما لصاحبه ويشبه أن يكون قول مالك، على قياس قوله في الصديق الملاطف، احتجاجًا بقوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الروم: ٢١ [. وذلك من موجبات الارتياب والتهمة.

стр. 6934

وقالوا: ولأنه سبب لا يحجب من الإرث، فوجب أن يمنع من الشهادة كالأبوة والبنوة. قالوا: ولأن الميراث يستحق بنسب وسبب فلما كان في الأنساب ما يمنع من قبول الشهادة، وجب أن يكون في الأنساب ما يمنع من قبول الشهادة. وتحريره: أنه أحد نوعي ما يورث به فوجب أن يكون منه ما ترد به الشهادة كالنسب. قالوا: ولأن اجتماعهما في المقام والظعن وامتزاجهما في الضيق والسعة، واختصاصهما بالميل والمحبة، وقد جمع من أسباب الارتياب المانعة من قبول الشهادة، فوجب أن ترد به الشهادة. ودليلنا عموم قوله تعالى: ﴿واسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِن رِّجَالِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢] فوجب أن يكون على عمومه. وروى مجالد عن الشعبي عن سويد بن غفلة أن يهوديًا كان يسوق امرأة على حمار فنسخها فرمى بها، فوقع عليها، فشهد عليه زوجها وأخوها عند عمر بن الخطاب ﵁ وقبل شهادتهما، وقتله وصلبه. وقال سويد بن غفلة: إنه لأول مصلوب صلب بالشام. وليس لعمر مخالف في الصحابة مع انتشار القصة فثبت أنه إجماع لا مخالف له ولأن بينهما صلة لا توجب العتق فلم يمنع من قبول الشهادة، فآباء الزوجين وأبنائهما ولأنه عقد على منفعة فلم يوجب رد الشهادة كالإجارة، ولأنه عقد معاوضة فلم يمنع من قبول الشهادة كالبيع. فأما الجواب عن قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الروم: ٢١] فهو أن المودة لا توجب رد الشهادة كالآخرين وعلى أنه قد يحدث بينما تباغض وعداوة تزيد على الأجانب، فلو جاز أن يكون هذا المعنى علة أن المنع لفرق بين المتحابين والمتباغضين، ولا فرق بينهما فبطل التعليل. فأما الجواب عن تعليلهم بعدم الحجب عن الميراث، قياسًا على الآباء والأبناء فليس عدم الحجب عن الميراث علة في رد الشهادة، لأننا نرد شهادة من لا يرث من الأجداد والجدات، وغنما العلة، البعضية الموجبة للعتق التي تجري على العموم فيمن ترد شهادته بالنسب، فصار هو علة الحكم وهو معدوم في الزوجية فزال عنها حكمه. وأما الجواب عن قياسهم على النسب، بأنه أحد نوعي الميراث، فهو فاسد بالولاء. ثم ليس الميراث علة لما ذكرنا من أن في الوالدين من لا يرث وشهادته مردودة، والإخوة والأخوات والعصبات يرثن وشهادتهم مقبولة. وأما الجواب عن استدلالهم باجتماع أسباب التهمة في رد الشهادة فهو أن انفراد كل واحد من هذه الأسباب لما لم توجب التهمة في رد الشهادة، لم يضر اجتماعهما

стр. 6935

موجبًا للتهمة في رد الشهادة، لأن الاجتماع في المقام والظعن لا يوجب رد الشهادة كالأصحاب؛ لأن الاجتماع في المودة والرحمة لا توجبها كالأصدقاء، والامتزاج في الضيق والسعة لا توجبها كالخلع. وأما ابن أبي ليلى فيقال له: ينتفع الزوج بيسار زوجته في وجوب نفقة ابنه عليها إذا أعسر بها ولا يوجب بذلك رد شهادته لها، كذلك انتفاعها بيساره فيما يجب لها من نفقة الموسرين لا يوجب رد شهادتها له والله أعلم مسألة: قال الشافعي ﵁: "ولا أرد شهادة الرجل من أهل الأهواء إذا كان لا يرى أن يشهد لموافقه بتصديقه، وقبول يمينه، وشهادة من يرى كذبه شركًا بالله ومعصية تجب بها النار أولى أن تطيب النفس بقبولها من شهادة من يخفف المأثم فيها، وكل من تأول حراما عندنا فيه حد أو لا حد فيه، لم نرد بذلك شهادته، ألا ترى أن ممن حمل عنه الدين وجعل علما في البلدان منهم من يستحل المتعة والدينار بالدينارين نقدا، وهذا عندنا وغيرنا حرام، وأن منهم من استحل سفك الدماء، ولا شيء أعظم منه بعد الشرك، ومنهم من تأول، فاستحل كل مسكر غير الخمر، وعاب على من حرمه، ولا نعلم أحدا من سلف هذه الأمة يقتدى به، ولا من التابعين بعدهم رد شهادة أحد بتأويل وإن خطأه وضلله. قال في الحاوي: وهذا فصل قد اختلط كلام أصحابنا فيه ممن تفرد بالفقه دون أصوله، فوجب أن تقرر قاعدته ليعلم بها قول المختلفين، وما يوجبه اختلافهم فيه من تعديل وتفسيق وتكفير. فنقول: من تدين بمعتقد من جميع الناس - صنفان: صنف ينطلق عليهم اسم الإسلام. وصنف لا ينطلق عليهم اسمه. فأما من لا ينطلق عليهم اسم الإسلام، فهو من كذب الرسول ﴿ ﷺ ﴾ ولم يتبعه. فخرج بالتكذيب وبترك الإتباع من ملته، فهؤلاء كلهم ينطلق عليهم اسم الكفر، وسواء من رجع منهم إلى ملة كاليهود، والنصارى أو لم يرجع إلى ملة كعبدة الأوثان وما عظم من شمس ونار، وجميعهم في التكفير في رد الشهادة سواء. وإن فرق أبو حنيفة بين أهل الملل وغيرهم، فأجاز شهادة أهل الملل بعضهم لبعض ورد شهادة غيرهم. وأما من ينطلق عليهم اسم الإسلام، فهو من صدق الرسول ﴿ ﷺ ﴾ واتبعه، فصار بتصديقه على النبوة من جملة أمته وبصلاته إلى القبلة داخلًا في ملته، فخرجوا بانطلاق

стр. 6936

اسم الإسلام عليهم أن يجري عليهم أحكام من لم يجر عليه اسم الإسلام من الكفار، فهذا أصل. ثم ينقسم من ينطلق اسم الإسلام عليه ثلاثة أقسام: موافق، ومتبع، ومخالف. وأما الموافق: فهو من اعتقد الحق وعمل به، فكان باعتقاد الحق متدينا وبالعمل به مؤديا، فهذا مجمع على عدالته في معتقده وقوله، مقبول القول في خبره وشهادته. فصل: فأما المتبع: فهو من عمل بالحق ولم يخالف في المعتقد، كالمقلد من العامة للعلماء، فإن كان التقليد في الفروع، فهو فرضه، وهو عدل في معتقده وعمله. وإن كان تقليده في أصول التوحيد، فمن جوز تقليده فيها جعله عدلا في معتقده وعمله، ومن منع التقليد فيها، جعله مقصرا في معتقده ومؤديا في عمله، وعدالته معتبرةً بسكون نفسه ونفورها، فإن كان ساكن النفس إلى صحة التقليد لم يخرج عن العدالة، وإن كان نافر النفس منه، خرج من العدالة. فصل: وأما المخالف، فعلى ضربين: أحدهما: أن يخالف في العمل. والثاني: في المعتقد. فأما المخالف في العمل حكم شهادته، فهو أن يعتقد ما لا يعمل به، فإن كان في مباح، فهو على عدالته، وإن كان في واجب، فسق به وخرج عن عدالته، لأنه تعمد المعصية بترك ما اعتقد وجوبه، ويكون كالعمل بما اعتقد تحريمه. وأما المخالف في المعتقد حكم شهادته، فمختلف الحكم بخلافه فيما انعقد عليه الدين، والدين منعقد على فروع وأصول. فالأصول، ما اختص بالتوحيد والنبوة، والفروع ما اختص بالتكليف والتعبد، وللأصول فروع، وللفروع أصول. فأما أصول الأصول، فما اختص بإثبات التوحيد وإثبات النبوةً. وفروعه ما اختص بالصفات وأعلام النبوة. وأصول الفروع ما علم قطعا من دين الرسول ﴿ ﷺ ﴾، وفروعه ما عرف بغير مقطوع، فأما المخالف في أصول التوحيد والنبوة لا تقبل شهادته، فمقطوع بكفره، ويخرج من انطلاق اسم الإسلام عليه، وإن تظاهر به، فلا تثبت له عدالة، ولا تصح له ولاية، ولا تقبل له شهادة. وأما المخالف في فروع الأصول من الصفات وأعلام النبوة فهل تقبل شهادته، فإن رده خبر مقطوع بصدقه من قرآن أو سنة وأثر، كان مخالفه كافرا، لا تثبت له عدالة، ولا تصح له ولايةً، ولا تقبل له شهادةً، كذلك ما ردته العقول واستحال جوازه فيها وما لم يرده خبر مقطوع

стр. 6937

بصدقه، ولا عقل يستحيل به - نظر، فإن اتفق أهل الحق على تكفيره به، سقطت عدالته، ولم تصح ولايته، ولم تقبل شهادته، وإن اختلف أهل الحق في تكفيره به، فهو على العدالة وصحة الولايةً وقبول الشهادة فهذا أصل مقرر في الأصول يغني عن ضرب مثل وتعيين مذهب. فصل: وأما الفروع: فأصولها كالأصول، فما علم قطعًا من دين الرسول ﴿ ﷺ ﴾ بإجماع الخاصةً والعامةً عليه، كوجوب الصلاة وأعدادها، واستقبال الكعبة بها. ووجوب الزكاة بعد حولها، وفرض الصيام والحج وزمانهما، وتحريم الزنى والربا والقتل والسرقة. فإن جحد وجوب أحدها، أو اعتقد في الصلاة نقصانا منها، أو زيادة عليها، أو غير الصيام والحج عن زمانهما من تقديم أو تأخير، أو زاد في القرآن أو نقص منه بعد انعقاد الإجماع عليه، فهو كافر. لأنه جحد بهذا الخلاف ما هو مقطوع به من دين الرسول ﴿ ﷺ ﴾، فصار كالجاحد لصدق الرسول ﴿ ﷺ ﴾، فلا تثبت له عدالة ولا تصح له ولايةً، ولا تقبل له شهادةً. فصل: وأما الفروع التي ليست بأصول فالخلاف فيها على ضربين: أحدهما: في الأداء. والثاني: في الأحكام. فأما الخلاف في الأداء المنتحلة، فهو على ثلاثة أضرب: أحدها: ما اعتقد به تكفير مخالفه واستباحة ماله ودمه، كمن يرى من الخوارج بموالاتهم لأبي بكر وعمر ﵄ تكفير جميع الأمة، وكالغلاة يرون بمعتقدهم في علي بن أبي طالب ﵇، تكفير جميع الأمة. يرى الفريقان بهذا المعتقد أن دار الإسلام دار إباحة في قتل رجالها وسبي ذراريها، وغنيمة أموالها، فيحكم بكفر من هذا اعتقاده من الفريقين لأمرين: أحدهما: لتكفيرهم السواد الأعظم المفضي إلى تعطيل الإسلام ودروسه، وقد قال ﴿ ﷺ ﴾: "تفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة، منها واحدة ناجية، قيل: وما هي؟ قال: السواد الأعظم". والثاني: استباحتهم لدار حرم الشرع نفوس أهلها وأموالهم، وقد قال ﴿ ﷺ ﴾: "منعت دار الإسلام وما فيها وأباحت دار الشرك وما فيها". وقال يوم النحر كلامًا شهده الجم الغفير: "ألا إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم

стр. 6938

حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في سفركم هذا في بلدكم هذا". فكانوا أبعد الناس من العدالة وأولاهم برد الشهادة. الثاني: من يعتقد تكفير مخالفه ولا يرى استباحة دمه، فينظر فإن تعرض بعرض برأيه لتكفير الصدر الأول من الصحابة والتابعين لهم بإحسان، حكم بكفره، لرده على الله تعالى في قوله: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح:]. ورده على رسوله في قوله: "أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم"وقوله ﴿ ﷺ ﴾: "خير الناس قرني ثم الذين يلونهم"، فتسقط عدالتهم وترد شهادتهم بكفرهم. وإن لم يتعرضوا لتكفير الصدر الأول، واعتقدوا فيهم الإيمان، وتفردوا بتكفير أهل عصرهم، فهم أهل ضلال يحكم بفسقهم دون كفرهم، فتسقط عدالتهم وترد شهادتهم بالفسق دون الكفر. الثالث: أن يبتدع رأيًا ولا يعتقد به تكفير مخالفه، فهو على ضربين: أحدهما: أن يرتكب فيه الهوى ولا يتمسك فيه بتأويل: فهو ضال يحكم بفسقه ورد شهادته، قال الله تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (٤٠) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَاوَى﴾ [النازعات: ٤٠ - ٤١]. وسنة عمر ﵁ في صبيغ، وكان من أهل المدينة يطوف بها، ويسأل عن الشبهات، ويميل إلى المخالفة، فأمر به وضرب بالجريد، وشهر بالمدينة، ونفي عنها. وقال الشافعي ﵀ في بعض أهل الأهواء: سنتي فيه سنة عمر في صبيغ، ولأن من ارتكب الهوى ولم يتبع الدليل، فقد ضل وأضل، إذ لا يفرق بين حق وباطل، ولا بين صحيح وفاسد، ولأن الهوى أسرع إلى الباطل من الحق، لخفة الباطل وثقل الحق. الثاني: أن يتمسك فيما ابتدعه بتأويل حكم شهادته فهو على ضربين: أحدهما: أن يخالف به الإجماع من أحد الوجهين: إما أن يدفع ما اعتقده الإجماع، وإما أن يدفع بمعتقده الإجماع. فإن دفع بمعتقده الإجماع، فلا يخلو أن يكون إجماع الصحابة أو إجماع غيرهم. فإن خالف به إجماع الصحابة فهل تقبل شهادته، ضل به، وحكم بفسقه ورد شهادته لقول النبي ﴿ ﷺ ﴾: "لا تجتمع أمتي على ضلالة". وقال ﴿ ﷺ ﴾: "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي، عضوًا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار".

стр. 6939

وإن خالف به إجماع غير الصحابة حكم شهادته، فإن كان ممن يقول إن الإجماع هو إجماع الصحابة دون غيرهم، ويعتقد استحالة إجماع غيرهم لتباعد أعصارهم كان على عدالته وقبول شهادته. وإن كان ممن يقول بإجماع كل عصر فسق بمخالفة الإجماع، وردت شهادته الثاني: وأن لا يخالف بمعتقده الإجماع فيمن تقبل شهادته، فهو على ضربين: أحدهما: أن تفضي به المخالفة إلى القدح في بعض الصحابة، فهو على ضربين: سب وجرح. فإن كان القدح سبًا، فسق به، وعزر من أجله. وروي عن النبي ﴿ ﷺ ﴾ أنه قال: "من سب نبيًا، فقد كفر، ومن سب صحابيا فقد فسق". وليس من عاصر الرسول ﴿ ﷺ ﴾ وشاهده كان من الصحابةً، وإنما يشتمل اسم الصحابةً على من اجتمع فيه شرطان: أحدهما: أن يتخصص بالرسول ﴿ ﷺ ﴾. والثاني: أن يتخصص به الرسول ﴿ ﷺ ﴾. فأما اختصاصه بالرسول، فيكون من أمرين: أحدهما: مكاثرته في حضره وسفره. والثاني: متابعته في الدين والدنيا. وليس من قدم عليه من الوفود، ولا من غزا معه من الأعراب من الصحابة لعدم هذين الشرطين فيهم. وأما اختصاص الرسول به، فيكون به بأمرين: أحدهما: أن يثق بسرائرهم. والثاني: أن يقضي بأوامره ونواهيه إليهم. ولذلك لم يكن المنافقون من الصحابة لعدم هذين الأمرين فيهم، فصار الصحابي من تكامل فيه ما ذكرناه، ومن أخل بها خرج منهم. وإن كان القدح في الصحابة جرحا ينسب بعضهم إلى فسق وضلال نظر: فإن كان من أحد العشرة الذين شهد لهم رسول الله ﴿ ﷺ ﴾ بالجنة، صار باعتقاده لفسقه فاسقًا مردود الشهادةً. وإن لم يكن من العشرة نظر: فإن كان من أهل بيعة الرضوان، صار بتفسيق أحدهم فاسقًا؛ لأن الله تعالى أخبر بالرضا عنهم. وإن لم يكن من أهل بيعة الرضوان نظر؛ فإن كان قبل تنازع الصحابة ﵃ في قتال الجمل وصفين، صار بتفسيقه للصحابة فاسقًا، مردود الشهادة. وإن كان قد دخل في تنازع أهل الجمل وصفين، فقد اختلف أهل العلم من أصحابنا وغيرهم في تنازعهم

стр. 6940

هل نقلهم عن الحكم المتقدم فيهم أم لا؟ على وجهين: أحدهما: وهو قول أكثرهم، أنهم على استدامة حكم الرسول فيهم من القطع بعدالتهم في الظاهر والباطن. ولا يكشف عن سرائرهم في رواية خبر ولا في ثبوت شهادة، استدامة لحكم الصحبة فيهم، ومن فسق أحدهم كان بتفسيقه فاسقًا، لأنهم في التنازع متأولون. والثاني: أنهم صاروا بعد التنازع كغيرهم من أهل الأعصار عدولًا في الظاهر دون الباطن، وزال عنهم القطع بعدالتهم في الظاهر والباطن، فلا تقبل شهادة أحدهم إلا بعد الكشف عن عدالة باطنه. ومن فسق أحدهم لم يفسق بتفسيقه، وكان على عدالته في قبول شهادته، لأنهم انتقلوا بالتنازع عن الألفة إلى التقاطع، وقد قال ﴿ ﷺ ﴾: "لا تقاطعوا ولا تدابروا ولا تباغضوا وكونوا عباد الله إخوانًا". وقد أحدث التنازع فيهم ما نهاهم عنه. الثاني: أن لا تفضي به المخالفة إلى القدح في الصحابة في قبول الشهادة، فهو على ضربين: أحدهما: أن تفضي به المخالفة إلى البغي على إمامه بمشاقته وخلع طاعته بشبهة تأول بها فساد إمامته، فله حالتان: إحداهما: أن يكف عن القتال، فيكون على عدالته وقبول شهادته. والثانية: أن يقاتل أهل العدل، فله في قتاله حالتان: إحداهما: أن يبتدئ بقتال أهل العدل، فيفسق بما ابتدأه من قتالهم، فترد شهادته لتعديه بالقتال مع خطئه في الاعتقاد. والثانية: أن يبدأ أهل العدل بالقتال، فيدفع عن نفسه قتالهم، فله في قتاله حالتان: إحداهما: أن يدعى إلى الطاعة ليكف عنه، فيمتنع منها، فيفسق بقتاله، لأنه قد كان يجد منه بدا بإظهار الطاعة. الثانية: أن يبدأ بالقتال من غير استدعاء إلى الطاعة، فلا يفسق بقتاله لأنه دافع بها عن نفسه، فتقبل شهادته، وقد أمضى علي بن أبي طالب، ﵇ عنه أحكام من بغى عليه في قتال الجمل وصفين. والثاني: أن لا تفضي به المخالفة إلى البغي في مشاقة أهل العدل في قبول الشهادة فهو على ضربين: أحدهما: أن تفضي به المخالفة إلى منابذة مخالفيه بالتحزب والتعصب في قبول الشهادة، فله حالتان: إحداهما: أن يبدأ بها ليستطيل على مخالفيه، فيكون ذلك فسقًا ترد به شهادته، لأنه قد جمع بين اعتقاد الخطأ وأفعال السفهاء، فيفسق بفسقه لا بمعتقده. والثانية: أن يستدفع بها منابذة خصومه، فإن وجد إلى دفعهم بغير المنابذة سبيلًا، صار بالمنابذةً سفيها مردود الشهادة، وإن لم يجد إلى دفعهم بغيرها سبيلًا، فله حالتان:

стр. 6941

إحداهما: أن لا يستضر باحتمالها والصبر عليها، فيكون بفعلها سفيها ترد شبهاته. والثانية: أن يستضر بها، فيكون في دفعها بالمقابلة على عدالته وقبول شهادته، ولأن دفع الضرر عذر مستباح لقوله النبي ﴿ ﷺ ﴾: "لا ضرر ولا ضرار". الثاني: أن لا تفضي به المخالفة إلى المنابذة فهل تقبل شهادته، فهو على ضربين: أحدهما: أن يعتقد بتصديق موافقيه في دعاويهم، ويشهد لهم بها على خصومهم كالخطابية. يعتقدون أن من كان على رأيهم لم يكذب، فيصدقوه على ما ادعاه، وشهدوا له على خصمه إن أنكر، فمنهم من يستظهر بإحلافه قبل الشهادة له، ومنهم من لا يستظهر، ويشهد له بمجرد قوله، وهي في الحالتين شهادة زور، تسقط بها عدالته، وترد بها شهادته، لأنه شهد بما لم يعلم، والله تعالى يقول: ﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف: ٨٦] الثاني: أن لا يعتقد بتصديق موافقيه على مخالفيه، ويتحفظ في الشهادةً لهم وعليهم شهادة المخالف، حتى يعلمها من الوجه الذي يجوز أن يشهد بها، فهم أسلم أهل الأهواء طريقا، وهم صنفان: صنف يرون تغليظ المعاصي، فيجعلها بعضهم شركًا، ويجعلها أهل الوعيد خلودًا. وصنف يرون تخفيف المعاصي في إرجائها وتفويضها. وكلا الصنفين في العدالة وقبول الشهادة سواء. وقال الشافعي ﵁: وشهادة من يرى كذبه شركًا بالله، ومعصية تجب بها النار - أولى أن تطيب النفس بقبولها من شهادة من يخفف المأثم، ولم يرد أنها أولى من شهادة أهل الحق فيها، يعني أن شهادة من يغلظ المعاصي من هذين الصنفين - أولى أن تطيب النفس بها من شهادة من يخففها. فصار هذا التفصيل مفضيًا إلى قبول شهادة أهل الأهواء والبدع لستة شروط: أحدها: أن يكون ما انتحلوه بتأويل سائغ. والثاني: أن لا يدفعه إجماع منعقد. والثالث: أن لا يفضي إلى القدح في الصحابة. والرابع: أن لا يقاتل عليه ولا ينابذ فيه. والخامس: أن لا يرى تصديق موافقة على مخالفه. والسادس: أن تكون أفعالهم مرضيةً، وتحفظهم في الشهادة ظاهر، فهذا حكم ما تعلق بالآراء والنحل فصل: وأما الاختلاف في أحكام الفروع من الشاهد فعلى ثلاثة أضرب: أحدها: ما ضل به.

стр. 6942

والثاني: ما أخطأ فيه. والثالث: ما ساغ له. وأما الأول: وهو ما ضل به، فهو أن يخالف فيه إجماع الخاصة دون العامة كالإجماع على أن لا ميراث لقاتل، ولا وصية لوارث، وأن لا تنكح المرأةً على عمتها ولا على خالتها، فالمخالف فيه ضال يحكم بفسقه ورد شهادته. وأما الثاني: وهو ما أخطأ فيه: فهو ما شذ الخلاف فيه وعدل المتأخرون عنه، كاستباحة المتعة، وبيع الدينار بالدينارين نقدًا، ومسح الرجلين في الوضوء، وقطع يد السارق من المنكب، فهذا خلاف شذ قائله، وظهر فيه خطئه، ولأنه يتردد بين منسوخ كالمتعة، وبين ما توالى فيه النقل الصحيح كالربا في النقد والنساء. وبين ما ضعف فيه التأويل وظهر عليه الدليل كمسح الرجلين وقطع السارق من المنكب، فحكم بخطئه لظهور الدليل على فساده، ولم يبلغ به حد الضلال للشبهة المعترضة في احتماله، فيكون المخالف فيه على عدالته وقبوله شهادته. وأما الثالث: وهو ما ساغ الخلاف فيه على عدالته وقبول شهادته، فهو مسائل الاجتهاد في العبادات، والمعاملات، والمناكح الذي لم يرد فيه حد، وكان للاختلاف فيه وجه محتمل، فلا يتباين فيه المختلفون، ولا يتنابذ فيه المتنازعون، ولكل واحد من أقاويلهم وجه، فمن قال: إن كل مجتهد مصيب جعل جميع أقاويلهم حقًا، ولم يجعل قول واحد منهم خطأ. ومن قال: إن الحق في واحد منهم، فكل واحد منهم جاز أن يكون محقًا، وإن لم يكن في جميع أقاويلهم محقًا. وهو أسهل الاختلاف في الدين وجميعهم على العدالة وقبول الشهادة. فهذا تفصيل مذهب الشافعي ﵁ في عدالة المختلفين في الأصول والفروع، أنه لم يقبل شهادة جميعهم، ولا رد شهادة جميعهم، حتى فصلناه على ما اقتضاه مذهبه، وأوجبته أصوله. فأوضحنا بها من كان مقبول الشهادة ومردودها، وخالفه فيها أبو حنيفة ومالك. فأما أبو حنيفة، فخفف الأمر فيها، وأجاز شهادة كل من أطلق اسم الإسلام عليه، واعتبر العدالةً بالأفعال دون الاعتقاد. وأما مالك فشدد الأمر فيها فرد شهادة جميعهم واقتصر بالعدالة على أهل الحق، وكل واحد من قوليهما مدفوع بما أوضحنا من دلائل القبول والرد. والله أعلم. مسألة: قال الشافعي ﵁: "واللاعب بالشطرنج والحمام بغير قمار، وإن كرهنا

стр. 6943

ذلك أخف حالًا. قال المزني: ﵀ فكيف يحد من شرب قليلًا من نبيذ شديد ويجيز شهادته". قال في الحاوي: وهذه المسألة تشتمل على فصلين: أحدهما: في لعب الشطرنج. والثاني: في اللعب بالحمام. فأما اللعب بالشطرنج فالكلام فيه يشتمل على فصلين: أحدهما: في إباحتها وحظرها. والثاني: في عدالة اللاعب بها وجرحه. فأما إباحتها وحظرها فقد اختلف الفقهاء على ثلاثة مذاهب: أحدهما: وهو مذهب مالك، أنها حرام. والثاني: وهو مذهب أبي حنيفة، أنها مكروهة كراهة تغليظ يوجب المنع، وإن لم يبلغ مبلغ التحريم والثالث: وهو مذهب الشافعي ﵁: أنها ليست محرمةً كما قال مالك ﵁، ولا بمغلظةً الكراهة، كما قال أبو حنيفة، ثم قال: وإن كرهنا ذلك، وأراد به كراهة تنزيه. واختلف أصحابه فيما تعود كراهته إليه على وجهين: أحدهما: تعود كراهته إليها لأنه ضرب من اللعب. والثاني: تعود كراهته إلى ما يحدث عنها من الخلاعة. واستدل من حظرها وحرمها بما رواه الحسن البصري: "أن النبي ﴿ ﷺ ﴾ نهى عن اللعب بالشطرنج حكمه". وبما روي عن النبي ﴿ ﷺ ﴾ أنه قال: "كل اللعب حرام إلا لعب الرجل بقوسه، ولعبه بفرسه، ولعبه مع زوجته"فعم تحريم اللعب إلا ما استثناه". فكان الشطرنج داخلًا في عموم التحريم وخارجًا من استثناء الإباحة. وبما روي عن علي، ﵇ مر بقوم يلعبون بالشطرنج فقال: ﴿مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ﴾ [الأنبياء: ٥٢] وألقى فيها كفا من تراب فدل تشبيهه لها بالأصنام على تحريمها كالأصنام. وسئل مالك عنها، فقال: أحق هي؟ قيل: لا، قال: فما بعد الحق إلا الضلالة فأنى تصرفون.

стр. 6944

واستدل من أباحها وحللها: بانتشارها بين الصحابة والتابعين إقرارًا عليها، وعملًا بها، فروى الخطيب مولى سليمان بن يسار قال: كان عمر بن الخطاب ﵁ يمر بنا ونحن نلعب بالشطرنج، فيسلم علينا ولا ينهانا. وروى الضحاك بن مزاحم قال: رأيت الحسن بن علي، ﵇ مر بقوم يلعبون بالشطرنج فقال: ادفع ذا ودع ذا. وروى أبو راشد قال: رأيت أبا هريرة يدعو غلامًا، فيلاعبه بالشطرنج. وروى عبد الله بن عباس: أنه كان يجيز الشطرنج ويلعب بها. وروى عبد الله بن الزبير أنه كان يلعب بالشطرنج. فهؤلاء خمسةً من الصحابة أقروا عليها ولعبوا بها. وأما التابعون: فروي عن سعيد بن المسيب أنه كان يلعب بها. وروى الشافعي عن سعيد بن جبير أنه كان يلعب بها استدبارًا. قال المزني: فقلت للشافعي: فكيف كان يلعب بها استدبارا؟ فقال: كان يوليها ظهره ويقول للغلام: بماذا دفع؟ فيقول: بكذا. فيقول: ائت بكذا. وروى الزهري عن علي بن الحسين أنه كان يلاعب أهله بالشطرنج. وروى أبو لؤلؤة قال: رأيت الشعبي يلعب بالشطرنج مع الغرماء. وروى راشد بن كريب قال: رأيت عكرمة مولى ابن عباس أقيم قائما في لعب الشطرنج. وروي أن محمد بن سيرين كان يلعب بالشطرنج وقال: هي لب الرجال. وإذا اشتهر هذا عمن ذكرنا من الصحابة والتابعين وقد عمل به معهم من لا يحصى عددهم من علماء الأمصار وفضلائهم، من حذفنا ذكرهم إيجازًا، خرج من حكم الحظر، وكان بالإجماع أشبه. وليس إنكار علي، ﵇ لها لأجل حظرها. وقيل: لأنهم سمعوا الأذان وهم متشاغلون عنها. وقيل: لأنهم كانوا يستخفون في الكلام عليها. وما رواه الحسن مرسل وليس بصحيح، ولا يمنع أن يكون قياسًا على ما استثناه الرسول من اللعب: لأن فيها تنبيهًا على مكائد الحرب ووجوه الحزم وتدبير الجيوش. وما بعث على هذا، إن لم يكن ندبًا مستحبًا فأحرى أن لا يكون حظرًا محرمًا. فصل: وأما عن عدالة اللاعب بها الشطرنج، فعند مالك وأبي حنيفة أن عدالته ساقطة وشهادته مردودة على أي وجه لعب بها. وإن اختلفا في موجب ردها، فردها مالك لحظرها، وردها أبو حنيفة لتغليظ كراهتها وعند الشافعي أن عدالته وجرحه معتبر بصفة لعبه بها، فإن خرج بها إلى خلاعة أهلها أو قامر عليها أو تشاغل عن الصلاة بها خرج عن العدالة بما فعله من أحد هذه الثلاثةً، فردت

стр. 6945

شهادته بها لا بنفس اللعب، وأما الخلاعة فهو أن يستخف عليها بلغو الكلام، وأن يلعب بها على الطريق، وأن ينقطع إليها ليله ونهاره حتى يلهو بها عما سواها. وأما القمار حكم لاعبه من حيث قبول شهادته فهو ما يأخذه من العوض عليها إن غلب، أو يدفعه من العوض عنها إن غلب لتحريم الله تعالى القمار نصا بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾ [المائدة:]. والميسر هو القمار، والقمار ما لم يحل أن يكون كل واحد منهما آخذًا أو معطيًا، فيأخذ إن كان غالبا، ويعطي إن كان مغلوبًا. فأما إن عدلا عنه إلى حكم السبق والرمي الخروج من القمار، بأن ينفرد أحد المتلاعبين بإخراج العوض دون صاحبه ليؤخذ منهإن كان مغلوبًا وليسترجعه إن كان غالبًا، ويكون الآخر آخذًا إن كان غالبًا وغير معط إن كان مغلوبا، فقد اختلف أصحابنا في جوازه في الشطرنج مع اتفاقهم على جوازه في السبق والرمي بناء على اختلاف قولهم في قوله: ﴿ ﷺ ﴾ "لا سبق إلا في خف أو حافر أو نصل". هل هو أصل بذاته أو استثناء من جملة محظور على وجهين: أحدهما: أنه أصل في نفسه يجوز القياس عليه، فعلى هذا يجوز مثله في الشطرنج قياسًا على السبق والرمي، لجواز القياس على أصل النص، ولا يكون إخراج هذا العوض في الشطرنج محظورًا، فلا يكون به مجروحا. والثاني: أن السبق والرمي مستثنى من جملة محظورةً، فعلى هذا لا يجوز مثله في الشطرنج، لأن القياس يكون على الأصل دون الاستثناء، ويكون إخراج هذا العوض في الشطرنج محظورًا ويصير بإخراجه مجروحا. وأما تشاغله بها عن الصلاةً، فهو أن يدخل عليه وقتها، فينقطع بها عن الصلاة حتى يفوت، فإن ذكرها وعلم بفوات الوقت. فقد فسق، ولو كان في دفعة واحدةً، وإن نسي الصلاة ولم يعلم بدخول الوقت حتى فات، فإن كان في دفعة واحدةً، لم يفسق به. وإن تكرر منه ذلك وكثر فسق به ولو تكرر منه لكثرة الفكر حتى تكرر منه نسيان الصلاة في وقتها حتى فات، لم يفسق. والفرق بينهما: أنه لا يقدر على دفع الفكر عن نفسه إذا طرأ، فلم يفسق إذا كثر به نسيان الصلاةً، ولعب الشطرنج من فعله واختياره، فيفسق إذا كثر به نسيان الصلاة. وأما إذا تجرد لعب الشطرنج عما يفسق به من هذه الأحوال الثلاثة، واستروح به في أوقات خلواته، مستخفيًا به عن المحتشمين، فكان لعبه به على أحد وجهين: إما (ليشفى)

стр. 6946

به هما ويستحدث به راحةً، وإما ليرتاض به في تدبيره وجزالة رأيه وصحة حزمه، فهو على عدالته وقبول شهادته. وهل يكون عفوًا أو مباحًا. على ما قدمنا من الوجهين في معنى كراهة الشافعي ﵁ لها. هل كان عائدًا إليها أو إلى ما يحدث فيها؟ فإن قيل: إنه عائد إليها كان اللعب بها معفوًا عنه. وإن قيل: إنه عائد إلى ما يحدث عنها، كان اللعب بها مباحًا. وهو على الوجهين غير مانع من قبول الشهادة. وأما الثاني في اللعب بالحمام: فمذهب مالك ترد به الشهادة من غير تفصيل وعلى مذهب الشافعي ينقسم على ثلاثة أضرب: أحدها: ما ترد به شهادته، وهو ما يخرج به إلى السفاهة، إما بالبذلة في أفعاله، وإما بالخنا في كلامه، والسفاهة خروج عن العدالة، ترد بها الشهادة، وقد روي أن النبي ﴿ ﷺ ﴾ رأى رجلًا يسعى بحمامة، فقال: " شيطان يتبع شيطانة ". والثاني: ما لا ترد به الشهادة، وهو ما كان به محفوظ المروءة لاتخاذها إما للاستفراخ، وإما لحمل الكتب إلى البلاد، وإما للأنسة بأصواتها، فيكون على عدالته وقبول شهادته. وروى عبادة بن الصامت أن رجلًا شكا إلى رسول الله ﴿ ﷺ ﴾ الوحدة، فقال: " اتخذ زوجا من حمام ". ولأنها تسمد كما تسمد المواشي. والثالث: ما اختلف في رد الشهادة به. وهو أن يتخذه للمسابقة به، وفيه وجهان، بناء على ما قدمناه من اختلاف الوجهين في قوله: "لا سبق إلا في خف أو حافر أو نصل". فإن جعل في أحد الوجهين أصلًا، قيس عليه إباحة السبق بالحمام، فلم يخرج به من العدالة ولم ترد به الشهادة. وإن جعل في الوجه الثاني استثناء من جملةً محظور لم يقس عليه السبق بالحمام، فخرج به من العدالة وردت به الشهادة.

стр. 6947

فإن اقترن به بعوض كان حرامًا، وإن تجرد عن العوض كان سفهًا. وأما قول الشافعي: واللاعب بالشطرنج والحمام أخف حالًا. ولم يذكر ما صار به أخف حالًا منه. فقد ذكره الشافعي في الأم، وحذفه المزني اختصارًا. فقال: أخف حالًا من الاختلاف في فروع الدين. مسألة: قال الشافعي ﵀: "ومن شرب عصير العنب الذي عتق حتى سكر، وهو يعرفها خمرًا، ردت شهادته، لأن تحريمها نص ". قال في الحاوي: وأما الخمر مما يتخذ، فهو عصير العنب إذا أسكر ولم تمسه نار، ولم يخالطه ماء، ولا يكون خمرًا إن مسته نار أو خالطه ماء. وشربه محرم بنص القرآن، وهو قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾ [المائدة:]. فدلت الآية على تحريمه من وجهين: أحدهما: قوله رجس من عمل الشيطان والرجس المضاف إلى الشيطان يكون رجسًا بإضافته إلى الشيطان تغليظًا. وفي "الرجس" معناه أربعة تأويلات: أحدها: سخط. والثاني: شر. والثالث: إثم. والرابع: حرام. وقوله من ﴿مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ أي: مما يدعو إليه الشيطان ويأمر به. والثاني: قوله ﴿فَاجْتَنِبُوهُ﴾، وما ورد الأمر باجتنابه حرم الإقدام عليه وفيما أراد بقوله "فاجتنبوه " تأويلان محتملان: أحدهما: الرجس أن تفعلوه. والثاني: الشيطان أن تطيعوه. وقال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [الأعراف:]. فيه تأويلان أحدهما: أنها الزنى خاصةً، وما ظهر منها المناكح الفاسدةً، وما بطن السفاح الصريح. والثاني: أن "الفواحش" جميع المعاصي، ما ظهر منها "أفعال الجوارح وما بطن" اعتقاد القلوب. وفي الإثم والبغي معناهما تأويلان: أحدهما: أن " الإثم " الخيانة في الأمور، والبغي التعدي على النفوس.

стр. 6948

والثاني: وهو أشهر: أن الإثم الخمر، والبغي السكر، وشاهده قول الشاعر: شربت الإثم حتى ضل عقلي كذاك الإثم يذهب بالعقول واختلف بأي هاتين الآيتين حرمت الخمر. فالذي عليه الجمهور أنها حرمت بالآية الأولى للتصريح باسم الخمر. وقال قوم: بل حرمت بالآية الثانية، لأنها آخر آية نزلت فيه. وروي عن النبي ﴿ ﷺ ﴾ قال: "شارب الخمر كعابد وثن" فجعله مقرونا بالشرك لتغليظ تحريمه. فإن شرب الخمر مستحلًا كفر به. وإن قيل: فقد استباح قدامة بن مظعون شرب الخمر بقوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوا وَّآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوا وَّآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوا﴾ [المائدة: ٩٣]. وقد قال: قد أيقنا وآمنًا، فلا جناح علينا فيما شربنا، فلم ينكره أحد من الصحابة قيل: قد أنكروا عليه ما تأوله وأبطلوه، فرجع عنه، وانعقد الإجماع على فساد شبهته، وصار من المحرمات بالنصوص المقطوع بها. وإن شرب الخمر غير مستحل لها حكم شهادته، كان فاسقًا مردود الشهادة قليلًا شرب منها أو كثيرًا، سكر منها أو لم يسكر، لقول النبي ﴿ ﷺ ﴾: "حرمت الخمرة لعينها والسكر من كل شراب" في رواية العراقيين والمسكر من كل شراب: في رواية الحجازيين. ولا فرق بين أن يشربها صرفاً أو ممزوجةً. وشذ قوم بأن قالوا: إذا مزجها بما غلب عليها، لم تحرم، لقوله ﴿ ﷺ ﴾: " حرمت الخمرة لعينها ". وهذا تأويل فاسد، لأن العين موجودةً في الممزوج بها، لكن لو مزجت بالماء قبل أن تشتد ثم صارت بعد المزج مسكرًا، كانت في حكم النبيذ دون الخمر، وكذلك لو غليت بالنار بعد إسكارها كانت خمرًا، لو غليت بالنار قبل إسكارها ثم أسكرت بعد غليها، كانت نبيذا ولم تكن خمرًا فصل: وأما بيع الخمر فحرام، وبائعها فاسق، والعقد عليها باطل، وثمنها محرم. روى ابن عمر أن النبي ﴿ ﷺ ﴾ قال: "لعن الله الخمر ولعن بائعها"، ولأن بيعها من أكل المال بالباطل.

стр. 6949

والله تعالى يقول: ﴿وَلاَ تَاكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة: ١٨٨]. وأما اتخاذ الخمر وإمساكها فمعتبر بمقصوده، فإن قصد به أن ينقلب ويصير خلا جاز. ولم يفسق به لأنها تحل بالانقلاب. وإن قصد ادخارها على حالها، كان محظورًا، يفسق به، لأن إمساكها داع إلى شربها. وما دعا إلى الحرام محظور والله أعلم. مسألة: قال الشافعي ﵁: " ومن شرب سواها من المنصف أو الخليطين، فهو آثم ولا ترد شهادته إلا أن يسكر لأنه عند جميعهم حرام ". قال في الحاوي: قد ذكرنا أن كل شراب أسكر فهو حرام، كالخمر عندنا في تحريم ما أسكر منه وما لم يسكر، وجعل مخالفنا تحريمه مقصورًا على السكر، فأحل قليله إذا لم يسكر، وحرم فيه الكثير إذا أسكر، وقد تقدم الكلام عليه. فجميع الأنبذة المسكرة عندنا محرمةً من أي الأنواع كانت، من زبيب، أو تمر، أو رطب، أو بسر، أو عسل مطبوخة ونية. وحرم أبو حنيفة نيها وأباح مطبوخها. فإذا شرب نبيذا مسكرًا حكم شهادته، فإن شرب منه ما أسكر، فقد شرب حرامًا في الجميع، وصار به فاسقًا مردود الشهادة، وإن شرب منه ما لم يسكره فإن عاقر عليه أو تكلم بالخنا والهجر ردت شهادته. وقال محمد بن الحسن: لو عاقر على الماء كان حرامًا. وإن لم يعاقر وشرب منه ما لم يسكر، فله ثلاثة أحوال: أحدها: أن يعتقد تحريمه إما باجتهاد أو تقليد فيفسق بشربه ويحد ولا تقبل شهادته، لإقدامه على ما يعتقده معصية، فصار بإقدامه عاصيًا والثانية: أن يعتقد إباحته، إما باجتهاد أو تقليد، فمذهب الشافعي يكون على عدالته، ويحد ولا ترد شهادته. وقال مالك: قد فسق، فيحد وترد شهادته. وقال المزني: لا ترد شهادته ولا يحد. ومنها جميعًا من اجتماع الحد وقبول الشهادة، فجعل مالك وجوب الحد مسقطا للشهادة، وجعل المزني قبول الشهادة مسقطًا للحد، وفرق الشافعي بينهما، فأوجب الحد ولم يرد الشهادةً، لأن الحد من حكم الشرب للردع عنه، ورد الشهادة بالفسق، بالتفسيق في حكم المعصية، والمعصيةً في تأويل ما اختلف أهل العلم فيه مرتفعةً، فلم يمتنع اجتماع

стр. 6950

الحد وقبول الشهادة كالقاذف إذا تاب قبل الحد تقبل شهادته. والثالثة: إن شرب غير معتقد الإباحةً ولا حظر، مع علمه باختلاف أهل العلم في إباحتها وحظرها، ففي فسقه ورد شهادته بعد وجوب الحد عليه وجهان لأصحابنا: أحدهما: وهو مذهب البصريين أنه فاسق مردود الشهادة، لأن ترك الاسترشاد في الشبهات تهاون في الدين فصار فسقًا. والثاني: وهو مذهب البغداديين أنه على عدالته وقبول شهادته، لأن اعتقاد الإباحة أغلظ من الشرب، لأن من اعتقد إباحة الخمر كفر، ومنشربها ولم يعتقد إباحتها لم يكفر، فلما لم يفسق من اعتقد إباحة النبيذ وشربه، فأولى أن لا يفسق من شربه ولا يعتقد إباحته. فصل: وأما ما لا يسكر من الأنبذة والأشربة كالفقاع والقارص، فمباح لا ترد به الشهادة. وحكي عن جعفر بن محمد وطائفة من الشيعة وربما عزي إلى أبي حنيفة أن شرب الفقاع والقارص حرام. لما روي عن النبي ﴿ ﷺ ﴾ أنه قال: "كل مخمر خمر". وروي أن عليًا ﵇ مر على بائع فقاع، فقال: من خمار ما أوقحك. وهذا تأويل انعقد الإجماع على خلافه ووردت السنة برده. وروي عن عائشة ﵂ أنها قالت: "كنا ننبذ لرسول الله ﴿ ﷺ ﴾ على غذائه، فيشربه على عشائه، ونبذ له على عشائه، فيشربه على غذائه". وقال عمر ﵁: إنا لنأكل من هذه الأطعمة الغليظةً، ونشرب عليها من هذه الأنبذة الشديدةً، فنقطعها في أجوافنا. يعني قبل أن يسكر. ولأن علة التحريم السكر، فما لم يسكر لم يحرم كسائر الأشربة. والاستدلال بالخبر محمول عليه. ولو كان الفقاع حرامًا عند علي ﵇ لأظهر من الإنكار والمنع، ما يجب بإظهار المنكر، ولما اقتصر على هذا القول مع الإقرار عليه. وأما ما ذكره من المنصف والخليطان، فقد اختلف في صفتها على قولين: أحدهما: أن المنصف ما طبخ حتى ذهب نصفه، والخليطان خليط البسر بالرطب. والثاني: أن المنصف ما ينصف من تمر وزبيب، والخليطان خليط البسر بالرطب، وإن كان هذا مسكرًا فهو حرام، وإن لم يسكر، ففي كراهته وجهان:

стр. 6951

أحدهما: لا يكره كما لا تكره سائر الأشربة التي لا تسكر. والثاني: أنه يكره وإن لم يكره غيرها. لورود الشرع بالنهي عنها. والفرق بينهما وبين غيرها من وجهين: أحدهما: إسراع الإدراك إليها قبل غيرها. والثاني: إسكارها مع بقاء حلاوتها، وإسكار غيرها مع حدوث مرارتها. ولا ترد شهادة شاربها كرهت أم لم تكره. مسألة: قال الشافعي ﵁: " وأكره اللعب بالنرد للخبر". قال في الحاوي: اختلف أهل العلم في النرد، فحرمها مالك، وفسق اللاعب بها حكم شهادته، وأحلها الحسن البصري، ولم يفسق اللاعب بها إذا حافظ على عبادته ومروءته. ولا يختلف مذهب الشافعي أن النرد أغلظ في المنع من الشطرنج، وصرح فيها بالكراهةً، واختلف أصحابه، هل هي كراهة تحريم أم كراهة تنزيه؟ فذهب بعضهم إلى أنها كراهة تنزيه وتغليظ، ترد به الشهادة وإن لم تحرم. وذهب أكثرهم وهو الصحيح إلى أنها كراهة تحريم توجب فسق اللاعب بها ورد شهادته. وروى مالك بن أنس، عن موسى بن ميسرة، عن سعيد بن أبي هند، عن أبي موسى، أن رسول الله ﴿ ﷺ ﴾ قال: " من لعب بالنرد فقد عصى الله ورسوله ". وروي عن علقمة بن مرثد، عن سليمان بن بريدة، عن أبيه، أن رسول الله ﴿ ﷺ ﴾ قال: "من لعب بالنردشير، فكأنما يغمس يده في لحم الخنزير ودمه". وروي عن النبي ﴿ ﷺ ﴾ أنه قال: " لا يقلب كعابها أحد ينتظر ما يأتي به إلا عصى الله ورسوله ". فصار فرق ما بين النرد والشطرنج في الحكم، أن الشطرنج لا يحرم، وفي كراهته وجهان والنرد مكروهةً وفي تحريمها وجهان، والشطرنج لا ترد به الشهادة إذا خلصت وترد بالنرد وإن خلص. والفرق بينهما في المعنى: أن الشطرنج فائدته موضوعةً لصحة الفكر وصواب التدبير ونظام السياسة، فهي صادرة إن ظهر فيها عن حذقة.

стр. 6952

والنرد موضوعةً إلى ما يأتي به من كعابها وفصوصها، فهو كالأزلام. وقيل: إنها موضوعة على البروج الاثني عشر. والكواكب السبعة، لأن بيوتها اثنا عشر كالبروج ويقطعها من جانبي الفص سبعةً، كالكواكب السبعة. فعدل بها عن حكم الشرع إلى تدبير الكواكب والبروج. وهكذا اللعب بالأربعة عشر، المفوضة إلى الكعاب، وما ضاهاها، في حكم النرد في التحريم. وأما اللعب بالخاتم حكمه وهل تقبل شهادة لاعبه فهو حدسي لا ترد به الشهادة. مسألة: قال الشافعي ﵁: "وإن كان يديم الغناء ويغشاه المغنون معلنا، فهذا سفه ترد به شهادته، وإن كان ذلك يقل لم ترد". قال الماوردي: والكلام في هذه المسألة يشتمل على فصلين: أحدهما: في الغناء. والثاني: في أصوات الملاهي. وأما الغناء: فمن الصوت ممدود، ومن المال مقصور، كالهواء وهو من الجو ممدود، ومن هوى النفس مقصور. كتب إلي أخي من البصرة وقد اشتد شوقه للقائي ببغداد شعرًا قال فيه: طيب الهواء ببغداد يشوقني قدمًا إليها وإن عاقت مقادير فكيف صبري عنها الآن إذ جمعت طيب الهواءين ممدود ومقصور اختلف أهل العلم في إباحة الغناء وحظره، فأباحه أكثر أهل الحجاز وحظره أكثر أهل العراق. وكرهه الشافعي وأبو حنيفة ومالك في أصح ما نقل عنهم، فلم يبيحوه على الإطلاق ولم يحظروه على الإطلاق، فتوسطوا فيه بالكراهة بين الحظر والإباحة. واستدل من أباحه، بما روي عن النبي ﴿ ﷺ ﴾، أنه مر بجارية لحسان بن ثابت تغني وهي تقول: هل علي ويحكما إن لهوت من حرج فقال رسول الله ﴿ ﷺ ﴾: "لا حرج إن شاء الله" وروى الزهري عن عروة عن عائشة ﵂ قالت: كانت عندي جاريتان

стр. 6953

تغنيان فدخل أبو بكر، فقال: أمزمور الشيطان في بيت رسول الله ﴿ ﷺ ﴾ فقال رسول الله ﴿ ﷺ ﴾: "دعهما فإنها أيام عيد". وقال عمر ﵁: "الغناء زاد المسافر". وكان لعثمان جاريتان تغنيان في الليل فإذا جاء وقت السحر قال: أمسكا فهذا وقت الاستغفار وقام إلى صلاته. ولأنه لم يزل أهل الحجاز يترخصون فيه ويكثرون منه، وهم في عصر الصحابة وجلة الفقهاء، فلا ينكرونه عليهم ولا يمنعونهم منه إلا في إحدى حالتين: إما في الانقطاع إليه، أو الإكثار منه، كالذي حكي أن عبد الله بن جعفر كان منقطعًا إليه، ومكثرًا منه، حتى بدد فيه أمواله، فبلغ ذلك معاوية، فقال لعمرو بن العاص: قم بنا إليه، فقد غلب هواه على شرفه ومروءته، فلما استأذنا عليه وعنده جواريه، يغنين فأمرهن بالسكوت، وأذن لهما في الدخول، فلما استقر بهما الجلوس، قال معاوية: يا عبد الله، مرهن يرجعن إلى ما كن عليه، فرجعن يغنين، فطرب معاوية حتى حرك رجليه على السرير، فقال عمرو: إن من جئت تلحاه أحسن حالًا منك، فقال معاوية: إليك عني يا عمرو، فإن الكريم طروب. وأما أن يكون في الغناء ما يكره كالذي روي عن سفيان بن عيينة، وقد عاد ابن جامع إلى مكة بأموال جمة حملها من العراق، فقال لأصحابه: علام لعطاء ابن جامع هذه الأموال؟ فقالوا: على الغناء، قال: "ابن جامع ماذا يقول فيه"؟ قالوا: يقول: أطوف بالبيت في من يطوف وأرفع من مئزري المسبل قال: هي السنة، ثم ماذا يقول؟ قالوا: وأسجد بالليل حتى الصباح وأتلو من المحكم المنزل قال: أحسن وأصلح، ثم ماذا؟ قالوا: عسى فارج الهم عن يوسف يسخر لي ربة المحمل قال: أفسد الخبيث ما أصلح لا سخر الله له. واستدل من حظره بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ [الفرقان: ٧٢]. وفيه أربعة تأويلات: أحدها: الغناء، قاله مجاهد. والثاني: أعياد أهل الذمة، قاله ابن سيرين. والثالث: الكذب، قاله ابن جريج. والرابع: الشرك، قاله الضحاك ﵀.

стр. 6954

وقال تعالى: ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ [الفرقان: ٧٢]. وفيه ثلاث تأويلات: أحدها: إذا ذكروا الفروج والنكاح كنوا عنها. والثاني: إذا مروا بالمعاصي أنكروها، قاله الحسن. والثالث: إذا مروا بأهل المشركين أنكروه، قاله عبد الرحمن بن زيد. وقال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ [لقمان: ٦] الآية، وفي لهو الكلام أربعة تأويلات: أحدها: أنه الغناء، قاله ابن مسعود، وابن عباس، وعكرمة، وسعيد بن جبير، وقتادة. والثاني: أنه شراء المغنيات. وروى القاسم بن عبد الرحمن، عن أبي أمامة، عن النبي ﴿ ﷺ ﴾، قال: "لا يحل بيع المغنيات، ولا شراؤهن ولا التجارات فيهن وأثمانهن حرام وفيهن أنزل الله تعالى ومن الناس من يشتري لهو الحديث". والثالث: أنه شراء الطبل والمزمار، قاله عبد الكريم. والرابع: أنه ما ألهى عن الله تعالى، قاله الحسن. وفي قوله تعالى: ﴿لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [لقمان: ٦]. تأويلان: أحدهما: ليمنع من قراءة القرآن، قاله ابن عباس. والثاني: ليصد عن سبيل الله. حكاه الطبري. وفي قوله ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾: تأويلان. أحدهما: بغير حجة. والثاني: بغير رواية. وفي قوله تعالى: ﴿وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا﴾ تأويلان: أحدهما: تكذيبًا. : استهزاء بها. ومن السنة ما رواه ابن مسعود، عن النبي ﴿ ﷺ ﴾ أنه قال: "الغناء ينبت النفاق في القلب كما ينبت الماء البقل". وروي عن رسول الله ﴿ ﷺ ﴾ أنه قال: "الغناء نهيق الشيطان". وقال ﴿ ﷺ ﴾: "أنهاكم عن صوتين فاجرين الغناء والنياحة. وقال بعض السلف: الغناء رقيةً الزنا.

стр. 6955

وإذا تقابل بما ذكرنا، دلائل الحظر والإباحةً، يخرج منها حكم الكراهة. فلم يحكم بإباحته، لما قابله من دلائل الحظر والإباحة، ولم نحكم بحظره لما قابله من دلائل الإباحة فصار يتردده بينهما مكروها غير مباح ولا محظور. وروي أن رجلًا سأل ابن عباس عن الغناء: أحلال هو؟ قال: لا، قال: أحرام هو؟ قال: لا، يريد أنه مكروه لتوسطه بين الحلال والحرام. والله أعلم. فصل: وأما الملاهي فعلى ثلاثة أضرب: حرام، ومكروه، وحلال. فأما الحرام من الملاهي: فالعود، والطنبور، والمعزفة، والطبل، والمزمار، وما ألهى بصوت مطرب إذا انفرد. وروى عبد الله بن عمر، أن النبي ﴿ ﷺ ﴾، قال: "إن الله حرم على أمتي الخمر، والميسر، والمزر، والكوبة، والمزامير، والقنين". فالميسر: القمار، والمزر: نبيذ الذرة، والكوبةً: الطبل، والقنين: البربط، ولأنها تلهي عن ذكر الله تعالى وعن الصلاة كالشراب. وكان بعض أصحابنا يخص العود من بينها ولا يحرمه، لأنه موضوع على حركات نفسانية تنفي الهم، وتقوي الهمة وتزيد في النشاط. وهذا لا وجه له، لأنه أكثر الملاهي طربًا، وأشغلها عن ذكر الله تعالى وعن الصلاةً، وإن تميز به الأماثل عن الأراذل. وأما المكروه من الملاهي: فما زاد به الغناء طربًا، ولم يكن بانفراده مطربًا، كالفسح، والقضيب، فيكره مع الغناء لزيادة إطرابه، ولا يكره إذا انفرد لعدم إطرابه. وأما المباح من الملاهي: فما خرج عن آلة الإطراب، إما إلى إنذار كالبوق، وطبل الحرب. أو لمجمع وإعلان كالدف في النكاح، كما قال صلوات الله عليه وسلامه: " أعلنوا هذا النكاح واضربوا عليه بالدف". واختلف أصحابنا هل ضرب الدف على النكاح عام في كل البلدان والأزمان؟ فعم بعضهم لإطلاقه، وخص بعضهم في البلدان التي لا يتناكر أهلها في المناكح، كالقرى والبوادي، ويكره في غيرها، في مثل زماننا، لأنه قد عدل به إلى السخف والسفاهة. فأما الشبابة: فهي في الأمصار مكروهةً، لأنها مستعملةً فيها للسخف والسفاهة، وهي في الأسفار والرعاة مباحةً، لأنها تحث على السير وتجمع البهائم إذا سرحت. فصل: فإذا تقرر أحكام الأغاني والملاهي، فإن قيل بتحريمها فهي من الصغائر دون

стр. 6956

الكبائر، يفتقر إلى الاستغفار، ولا ترد بها الشهادةً إلا مع الإصرار. وإن قيل بكراهتها، فهي من الخلاعة لا يفتقر إلى الاستغفار ولا ترد بها الشهادةً إلا مع الإصرار، وإن كان كذلك فالكلام فيها يشتمل على ثلاثة فصول: أحدها: فيمن باشرها بنفسه. والثاني: فيمن يستعملها للهوه. والثالث: فيمن يغشى أهلها. فأما المباشر لها بنفسه فله ثلاثة أحوال: أحدها: أن يصير منسوبا إليها ومسمى بها، يقال إنه مغني يأخذ على غنائه أجرًا، يدعوه الناس إلى دورهم أو يغشونه لذلك في داره، فهذا سفيه مردود الشهادة المغني، لأنه قد تعرض لأخبث المكاسب ونسب إلى أقبح الأسماء. والثانية: أن يغني لنفسه إذا خلا في داره باليسير استرواحًا فهذا مقبول الشهادةً، وقد كان عمر بن الخطاب ﵁ إذا خلا في داره يترنم بالبيت والبيتين: واستؤذن عليه ذات يوم لعبد الرحمن بن عوف وهو يترنم فقال: أسمعتني يا عبد الرحمن؟ فقال: نعم. قال: إنا إذا خلونا في منازلنا نقول كما يقول الناس. وروي عن أبي الدرداء، وكان من زهاد الصحابةً، أنه قال: إني لأجم قلبي بشيء من الباطل لأستعين به على الحق. فإن قرن يسير غنائه بشيء من الملاهي مما حظرناه، نظر. فإن خرج صوته عن داره حتى يسمع منها، كان سفها ترد به الشهادةً. وإن خافت به ولم يسمع، كان عفوًا إذا قل ولا ترد به الشهادةً. والثالثة: أن يغني إذا اجتمع مع إخوته ليستروحوا بصوته وليس بمنقطع عليه. ولا يأخذ عليه أجرًا، نظر: فإن كان مشهورًا به، يدعوه الناس لأجله، كان سفها ترد به الشهادة، وإن لم يشتهر به، ولا دعا الناس لأجله، نظر. فإن كان متظاهرًا به معلنا له، ردت شهادته، وإن كان مستترًا به، لم ترد شهادته والله أعلم. فصل: وأما مستمع الغناء. فله ثلاثة أحوال: أحدها: أن يصير منقطعًا إليه، يدفع عليه حذرًا ويتبع فيه أهل الخدور، فهذا سفيه مردود الشهادة. والثانية: أن يقل استماعه، ويسمعه أحيانا في خلوته استرواحا به، فهو على عدالته وقبول شهادته، إذا لم يقصد الاستماع غناء امرأةً غير ذات محرم.

стр. 6957

وروي عن النبي ﴿ ﷺ ﴾ أنه قال: " روحوا القلوب تعي الذكر ". والثالثة: أن يتوسط بين المكثر والمقل نظر. فإن اشتهر به وانقطع به عن أشغاله، صار سفيها مردود الشهادة، وإن لم يشتهر به ولا قطعه عن أشغاله، فهو على عدالته وقبول شهادته. فصل: وأما مقتني المغنيين والمغنيات، من الغلمان والجواري حكم شهادته، فله ثلاثة أحوال: أحدها: أن يكون جليسا لهم، ومقصودًا لأجلهم، فهذا سفيه مردود الشهادة وحاله في الجواري أغلظ من حاله في الغلمان. قال الشافعي: "لأنه قد جمع سفها ودناءة". والثانية: أن يقتني ذلك لنفسه ليستمع غناءهم إذا خلا، مقبلصا مستترًا، غير مكاثر ولا مجاهر. فهو على عدالته وقبول شهادته. والثالثة: أن يدعو من يشاركه في سماعهم فينظر: فإن كان يدعوهم من أجل السماع، ردت شهادته. وإن دعاهم لغير الغناء، نظر. فإن كثر حتى اشتهر، ردت شهادته، وإن قل ولم يشتهر، فإن كان الغناء من غلام، لم ترد شهادته، وإن كان الغناء من جاريةً نظر، فإن كانت حرةً ردت شهادته وشهادة مستمعها إذا اعتمد المستمع سماعها، وإن لم يعتمد لم ترد شهادته وإن كانت أمة، فسماعها أخف من سماع الحرةً، لنقصها في العورة، وأغلظ من سماع الغلام لزيادتها في العورةً، فيحتمل أن يغلب نقصها عن الحرة وإجرائها مجرى الغلام، فلا ترد بها الشهادة، ويحتمل أن يغلب زيادتها على الغلام وإجرائها مجرى الحرةً، فترد بها الشهادة والله أعلم. مسألة: قال الشافعي ﵁: "فأما الاستماع للحداء ونشيد الأعراب فلا بأس به قال رسول الله ﴿ ﷺ ﴾ للشريد: "أمعك من شعر أمية شيء؟ " قال: نعم، قال: "هيه" فأنشده بيتًا فقال "هيه" حتى بلغت مائة بيت وسمع رسول الله ﴿ ﷺ ﴾ الحداء والرجز وقال لابن رواحة "حرك بالقوم"، فاندفع يرجز قال المزني ﵀: سمعت الشافعي يقول: كان سعيد بن جبير يلعب بالشطرنج استدبارًا، فقلت له: كيف يلعب بها استدبارًا، قال: يوليها ظهره ثم يقول: "بأي شيء وقع"، فيقول: بكذا فيقول: أوقع عليه بكذا ". قال في الحاوي: وهذا صحيح. لا بأس بالحداء ونشيد الأعراب، والشعر، والرجز، وهو مباح لا كراهةً فيه.

стр. 6958

وروى ابن مسعود قال: كان مع رسول الله ﴿ ﷺ ﴾ ليلة نام بالوادي حاديان. وروى أنس بن مالك، عن عائشة ﵂ قالت: كنا في سفر رسول الله ﴿ ﷺ ﴾، وكان عبد الله بن رواحة جيد الحداء، فكان مع الرجال، وكان أنجشة مع النساء، فقال النبي ﴿ ﷺ ﴾ لعبد الله بن رواحة: " حرك بالقوم "، فاندفع يرتجز، وتبعه أنجشة، فأعنقت الإبل في السير، فقال النبي ﴿ ﷺ ﴾ "رويدك يا أنجشة رفقًا بالقوارير" يعني النساء. وروى الشافعي عن سفيان بن عيينة عن إبراهيم بن ميسرة عن عمرو بن الشريد عن أبيه قال: أردفني رسول الله ﴿ ﷺ ﴾ ثم قال: "أمعك من شعر أمية بن أبي الصلت شيء؟ قلت: نعم. قال: فأنشدته بيتا فقال: هيه. فأنشدته بيتا آخر. فقال: هيه. فأنشدته إلى أن بلغ مائة بيت". وهيه: موضوعةً في الكلام للحث والاستزادة، وإنما استحسن شعر أمية لأن أكثره عبر وأمثال، وأذكار بالبعث والنشور، ووعد ووعيد بالجنة والنار النبي ﷺ . وروي أنه ﴿ ﷺ ﴾ قال فيه: "إن كاد ليسلم". وروي عن النبي ﴿ ﷺ ﴾ أنه لقي في سفر ركبا من بني تميم معهم حاد، فأمرهم أن يحدوا، فقالوا: إن حادينا حدا ونام من آخر الليل، ثم قالوا: يا رسول الله، إنا أول العرب حداء بالإبل، قال: وكيف ذلك؟ قال: إن العرب كانت تغير بعضها على بعض، فأغار رجل منا على إبل فاستاقها فتبددت، فضرب غلامه على يده، فكان الغلام كلما ضربه صاح وايداه! وايداه! والإبل تجتمع لحسن صوته، وهو يقول: هكذا أفعل. والنبي ﴿ ﷺ ﴾ يضحك، فقال: وممن أنتم؟ قالوا: من مضر، فقال: "ونحن من مضر وكيف كنتم أول العرب حداء؟ ". فدل هذا الخبر على إنشاد الرجز وإباحة الحداء، وجواز الضحك عند التعجب ولأن الحداء غير مقصود به اللهو كالغناء، وإنما يقصد به حث المطي وإعناق السير، فلم تتوجه إليه كراهيةً. ولأن الحداء الحسن الرجز، فيباح بالصوت الشجي، فيخفف كلال السفر، ويحدث نشاط النفس، فلم يكن له في الكراهةً وجه، وسواء فيه الحادي والمستمع، وهكذا التغني بالركانية مباح، لأنه ضرب من الحداء، يعدل فيه عن ألحان الغناء. وروي أن رسول الله ﴿ ﷺ ﴾ لما هاجر إلى المدينةً، استقبله الأنصار وخرج إليه الفتيان بالدفوف وهم ينشدون: طلع البدر علينا ... من ثنيات الوداع

стр. 6959

وجب الشكر علينا ما دعا لله داعٍ ومر رسول الله ﴿ ﷺ ﴾ ببعض أزقة المدينة، فسمع جواري لبني النجار ينشدون: نحن جوار لبني النجار يا حبذا محمد من جار فقال: "يا حبذا أنتن". مسألة: قال الشافعي ﵁: " وإذا كان هكذا كان تحسين الصوت بذكر الله والقرآن أولى محبوبًا قال الشافعي ﵀: وقد روي عن رسول الله ﴿ ﷺ ﴾ أنه قال: " ما أذن الله لشيء كإذنه لنبي حسن الترنم بالقرآن، وسمع النبي ﴿ ﷺ ﴾ عبد الله بن قيس يقرأ، فقال " لقد أوتي هذا من مزامير آل داود " قال الشافعي ﵀: لا بأس بالقراءةً بالألحان، وتحسين الصوت بأي وجه ما كان، وأحب ما يقرأ إلي حدرًا وتحزينًا. قال المزني ﵀: سمعت الشافعي يقول: لو كان معنى "يتغنى بالقرآن" على الاستغناء، لكان يتغانى وتحسين الصوت هو يتغنى، ولكنه يراد به تحسين الصوت. قال في الحاوي: أما تحسين الصوت بالقرآن حدرًا وتحزينًا فمستحب، لما رواه الشافعي ﵁ عن النبي ﴿ ﷺ ﴾ قال: "ما أذن الله لشيء كإذنه لنبي حسن الترنم بالقرآن" وروي: حسن الصوت بالقرآن زينة القرآن". ومعنى قوله "أذن الله" أي: ما استمع الله. ومنه قوله تعالى: ﴿وأذنت لربها وحقت﴾ [الانشقاق: ٢]. أي: سمعت له وحق لها أن تسمع. وروى البراء بن عازب عن النبي ﴿ ﷺ ﴾، أنه قال: "حسنوا القرآن بأصواتكم". وروى الزهري عن عمرة عن عائشةً، أن النبي ﴿ ﷺ ﴾ سمع قراءة أبي موسى فقال: " لقد أوتي هذا من مزامير آل داود ". وروي عن أبي موسى قال: قال رسول الله ﴿ ﷺ ﴾: "لو رأيتني وأنا أسمع قراءتك، فقلت: يا رسول الله لو علمت أنك تسمعني لحبرته تحبيرًا". وروي عن النبي ﴿ ﷺ ﴾ أنه قال: "من أراد أن يقرأ القرآن غضًا كما أنزل، فليقرأ بقراءةً

стр. 6960

ابن أم عبد " يعني عبد الله بن مسعود، لحسن أدائه، وصحة ترتيله، وتحقيق ألفاظه. وكان أبي بن كعب ذا صوت حسن، وأداء صحيح فقال له النبي ﴿ ﷺ ﴾: "لقد أمرت أن أقرأ عليك، فقرأ عليه". واختلف أهل العلم في قراءته عليه. فقال بعضهم: ليستن به الناس بعده، فلا يستنكف شريف أن يقرأ على مشروف، ولا كبير على صغير. وقال آخرون: ليسمع الناس قراءته وأداءه، فيأخذون عنه. وقال آخرون: أراد به تفضيل أبي بذلك، ولأن في تحسين الصوت بالقرآن تحريك القلوب بالحزن والخشوع، وإنذار النفوس بالحزن والخضوع، فيكون أبعث على الطاعةً وأمنع من المعصيةً. وروي أن النبي ﴿ ﷺ ﴾ قرأ ذات ليلة في تهجده سورة النساء حتى إذا بلغ إلى قوله تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاء شَهِيداً﴾ [النساء: ٤١]. فبكى حتى علا نحيبه، ولم يزل يرددها حتى تحزن صوته. ومر بعض أهل البطالةً، وقد هم بمعصية وقتل نفس بصالح المري وهو يقرأ ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَّنثُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣]. فانزجر بها وألقى السكين من يده وخر مغشيًا على وجهه، وتاب، وصار ناسكًا. فصل: فأما القراءةً بالألحان الموضوعة للأغاني، فقد اختلف الناس فيها، فرخصها قوم وأباحوها، لرواية أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي ﴿ ﷺ ﴾، قال: "ليس منا من لم يتغن بالقرآن". وشددها آخرون وحظروها، لخروجها عن الزجر والعظةً إلى اللهو والطرب. ولأنها خارجة عن عرف الرسول ﴿ ﷺ ﴾ وصحابته رضوان الله عليهم، إلى ما استحدث من بعده. وقد قال ﴿ ﷺ ﴾: "كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار". وأما الشافعي، فإنه عدل عن هذين الإطلاقين في الحظر والإباحة باعتبار الألحان، فإذا أخرجت ألفاظ القرآن عن صيغته، بإدخال حركات فيه وإخراج حركات منه، يقصد بها وزن الكلام وانتظام اللحن، أو مد مقصور، أو قصر ممدود، أو مطط حتى خفي اللفظ، والتبس المعنى، فهذا محظور، يفسق به القارئ، ويأثم به المستمع؛ لأنه قد عدل به

стр. 6961

عن نهجه إلى اعوجاجه، والله تعالى يقول: ﴿قُرآناً عَرَبِيّاً غَيْرَ ذِي عِوَجٍ﴾ [الزمر: ٢٨]. وإن لم يخرجه اللحن عن صيغة لفظه وقراءته على ترتيله كان مباحًا، لأنه قد زاد بألحانه في تحسينه وميل النفس إلى سماعه. أما قوله: ليس منا من لم يتغن بالقرآن " ففيه تأويلان: أحدهما: معناه من لم يستغن بالقرآن، وهذا قول الأصمعي، ومال إليه الشافعي. وحكي زهير بن أبي هند، عن إياس بن معاوية المزني، أنه نظر إلى رجل يتغنى بالقرآن، فقال: يا هذا إن كنت لا بد متغنيًا فبالشعر، فقال الرجل: أليس النبي ﴿ ﷺ ﴾ يقول: ليس منا من لم يتغن بالقرآن، فقال له إياس: إنما أراد النبي ﴿ ﷺ ﴾: "ليس منا من لم يستغن بالقرآن، ألم تسمع حديثه الآخر" من حفظ القرآن فظن أن أحدًا أغنى منه". أما سمعت قول الشاعر: غنينا بذكر الله عما نراه في يد المتمولينا والثاني: أنه محمول على غناء الصوت في تحسينه وتحزينه دون ألحانه. وهذا قول أبي عبيد، وأنكر على من حمله على الاستغناء، وقال: لو أراد هذا لقال: " من لم يتغانى بالقرآن ". مسألة: قال الشافعي ﵁: "وليس من العصبية أن يحب الرجل قومه والعصبية المحضة أن يبغض الرجل لأنه من بني فلان فإذا أظهرها ودعا إليها وتألف عليها فمردود وقد جمع الله ﵎ المسلمين بالإسلام وهو أشرف أنسابهم فقال جل ثناؤه: "إنما المؤمنون إخوة" وقال رسول الله ﴿ ﷺ ﴾: كونوا عباد الله إخوانًا فمن خالف أمر الله وأمر رسوله ﴿ ﷺ ﴾ ردت شهادته ". قال في الحاوي: وقد أمر الله تعالى المسلمين بالألفةً والتناصر، ونهاهم عن التقاطع والتدابر. وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: ١٠]. وقال تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [التوبة: ٧١]. وقال النبي ﴿ ﷺ ﴾ " أمتي كالبنيان يشد بعضه بعضًا " وقال فيما نهاهم عنه من التقاطع: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: ١٠٣]. وقال النبي ﴿ ﷺ ﴾: "لا تحاسدوا ولا تقاطعوا ولا تدابروا ولا تباغضوا وكونوا عباد الله إخوانًا، لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث، والسابق أسبقهما إلى الجنة"

стр. 6962

فكان هذا أصلًا في الدين، ليكونوا يدا على من خالفهم فيه، ولذلك قال النبي ﴿ ﷺ ﴾: "المسلمون تتكافأ دماؤهم، وهم يد على من سواهم، ويسعى بذمتهم أدناهم". ويشتمل الكلام في هذا الفصل على أربعة فصول: أحدها: في المحبة. والثاني: فيما يفضي إليه من المعصية. والثالث: في البغض. والرابع: فيما يفضي إليه من العداوة. فأما الفصل الأول: في المحبة. ونتحدث عن أسباب يكون بعضها مستحبًا وبعضها مباحًا وبعضها مكروها. فأما المستحب: فهو المحبةً في الدين، وظهور الخير، وما قرب من طاعة الله تعالى وباعد من معاصيه. قال الله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [آل عمران: ١١٠]. ولذلك آخى رسول الله ﴿ ﷺ ﴾ بين أصحابه من المهاجرين والأنصار. فأما المباح: فهو المحبةً على النسب وعلى التجانس في علم أو أدب، وعلى ما أبيح من صناعةً أو مكسب، فهذا مباح تقوى به العدالةً ولا تضعف به، ولهذا النوع أراد الشافعي بقوله: وليس من العصبيةً أن يحب الرجل قومه". هذا رسول الله ﴿ ﷺ ﴾ وهو أعد لخلق الله، وقد أحب قريشا لنسبه فيهم حتى خصهم بخلافته فقال: "الأئمة من قريش". وقال ﴿ ﷺ ﴾ "قدموا قريشًا ولا تتقدموها، وتعلموا من قريش ولا تعالموها". وحمى لهم لما عادوا إلى المدينة من بدر ومعه من الأنصار سلامةً بن وقش وقد سأله بعض أهل المدينة عمن لقيهم من المشركين ببدر، فقال سلامةً: وهل لقينا إلا عجائز صلعًا، فبلغ ذلك رسول الله ﴿ ﷺ ﴾ فقال: "أولئك الملأ من قريش" فنفى عنهم العار مع كفرهم ومحاربتهم له. وسمع شاعرًا من حمير ينشده: فإني امرؤ حميري حين تنسبني لا من ربيعةً آبائي ولا مضر فقال ﴿ ﷺ ﴾: "ذاك أهون لقدرك وأبعد لك من الله". وأما المكروه: فهو المحبةً على الموافقةً في المعاصي، فقال ﴿ ﷺ ﴾: "المرء مع من أحب" فصار محب العاصي كالعاصي. فأما المحبةً لاستحسان الصور، فإن كانت لهوى يفضي إلى ريبةً، كرهت وإن كانت

стр. 6963

لاستحسان صنع الله تعالى وبديع خلقه، لم تكره وكانت بالمستحبةً أشبه. وأما الثاني في العصبيةً: فهي شدة الممايلةً لقوم على قوم، وهو على ضربين: أحدهما: أن تكون عصبيته لهم عامة في كل حق وباطل، وعلى كل محق ومبطل، فهذا فسق ترد به الشهادة. وقال الله تعالى: ﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَامُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ﴾ [التوبة: ٦٧]. والثاني: أن تكون عصبيته لهم مقصورةً على أخذ الحق لهم، ودفع الظلم عنهم، فيكون بها على عدالته، وقبول شهادته، لقول الله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢]. وروي عن النبي ﴿ ﷺ ﴾ أنه قال لرجل: "أعن أخاك ظالمًا أو مظلومًا، فقال الرجل: يا رسول الله: أعينه مظلومًا فكيف أعينه ظالمًا، فقال: ترده عن ظلمه". ثم تعتبر هذه العصبيةً، فإن كانت لمحبة القوم فهي مباحةً وإن كانت لنصرة الحق فهي مستحبة. وأما الفصل الثالث: في البغض في الشهادة: فهو على ثلاثة أضرب: مستحب، ومباح ومكروه. فأما المستحب: فهو بغضه لأهل المعاصي، فيكون بغضه لهم طاعة يؤجر عليها لاختصاصه بحق الله تعالى. وأما المباح: فهو بغضه لمن لوى حقه وتظاهر بعداوته، فيكون السبب الباعث عليه من أمور الدنيا مباحا، ولا يؤجر عليه ولا يؤثم به، وهو فيه على عدالته وقبول شهادته، ما لم يتجاوز البغض إلى غيره. وأما المكروه: فهو بغضه لمن خالفه في نسب، أو علم، أو صناعة، فيكون البغض لهذا السبب مكروهًا لما فيه من التقاطع. فإن ألب عليه وتعصب فيه كان جرحًا ترد به الشهادةً، وإن لم يتجاوز البغض إلى ما سواه كان على عدالته وقبول شهادته؛ لأنه قد حمى نفسه من نتائج البغض. فأما إن كان بغضه لغير سبب، فإن كان خاصا في واحد بعينه، لم ترد به شهادته، لأنه لا يملك قلبه، وإن كان عامًا لكل أحد، فقد روي عن النبي ﴿ ﷺ ﴾ أنه قال "شر الناس من يبغض الناس ويبغضونه" فيكون ذلك جرحًا فيه، فترد به شهادته لخروجه عن المأمور به من الألفة، إلى المنهي عنه من التقاطع. وأما الفصل الرابع: في العداوة: والفرق بين البغض والعداوةً، أن البغض بالقلب، والعداوةً بالعمل، ومع كل عداوةً بغض وليس مع كل بغض عداوةً، فصارت العداوة أغلظ

стр. 6964

من البغض، فهي على ثلاثة أضرب: مستحبة، ومباحة، ومكروهة. فأما المستحبة: فهي في الدين، لمن خرج عن طاعة الله أو تعرض لمعاصيه. وهذا غضب لله تعالى في حقوق أوامره ونواهيه، فخرج عن حكم العداوة إلى نصرة الدين، فكان أبلغ في عدالته، وأولى بقبول شهادته، لأن من غضب لله في معصية غيره، كان بدفع المعصيةً عن نفسه أولى. وأما المباحة: فهي في حق نفسه، إذا بدء بالعداوة، فقابل عليها بما لم يتجاوز فيه حكم الشرع، فهو مستوف لحقه منه، غير قادح في عدالته، لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ﴾ [النحل: ١٢٦]. وشهادته مقبولةً على غيره، فأما قبولها على عدوه فمعتبرة بحاله بعد المقابلةً فإن سكن بعد نفوره، قبلت شهادته، وإن كان على نفوره، ردت. وأما المكروهةً: فهو أن يبتدئ بها من غير سبب بوجوبها، فيكون بها متجوزًا، فإن قرنها بفحش في قول أو فعل، صار بها مجروحًا في حق الكافة، لا تقبل شهادته لأحد ولا عليه، وإن تجردت عن فحش من قول أو فعل، فهو على عدالته مقبول الشهادةً، على غيره ومردود الشهادةً على عدوه، ومقبول الشهادة لعدوه. مسألة: قال الشافعي ﵁: "والشعر حكمه كلام، فحسنه كحسن الكلام، وقبيحه كقبيحه، وفضله على الكلام أنه سائر وإذا كان الشاعر لا يعرف بشتم وأذاهم ولا يمتدح فيكثر الكذب المحض ولا يتشبب بامرأة بعينها ولا يشهرها بما يشينها فجائز الشهادة وإن كان على خلاف ذلك لم تجز". قال في الحاوي: واختلف الناس في شهادة الشاعر إذا صار بالشعر مشهورًا وإليه منسوبًا، فمنع قوم من قبولها، وجعلوا توفره على الشعر جرحًا، تمسكا بقوله تعالى: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ (٢٢٤) أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ (٢٢٥) وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٤ - ٢٢٦] ولحديث أبي هريرة أن النبي ﴿ ﷺ ﴾ قال: "لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحًا حتى يريه خير من أن يمتلئ شعرًا ". والذي عليه جمهور أهل العلم أن قرض الشعر وإنشاده إذا كان سليمًا ليس بجرح، وشهادة من انتسب إليه مقبولةً، على ما سنوضحه من شرح وتفصيل لرواية عبد الرحمن بن زياد، عن عبد الرحمن بن رافع، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: قال رسول الله ﴿ ﷺ ﴾:

стр. 6965

"الشعر بمنزلة الكلام حسنه كحسن الكلام وقبيحة كقبيح الكلام". وروي عن عصمة بن عبد الله عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ﵂ أن النبي صلى اله عليه وسلم قال: " إن من الشعر حكمة وإن من البيان سحراً وإن أصدق بيت قالته العرب: ألا كل شيء ما خلا الله باطل ولأن النبي ﷺ قد وفد عليه الشعراء فأنشدوه ومدحوه وأثاب غلبيه ولم ينه عنه، فمنهم أعشى بني جرما وفد عليه وأنشده ما امتدحه به فقال: يا مالك الأرض وديان العرب إليك أشكو حقبة من الحقب إلى أن انتهى إلى شكوى امرأته: وهن شر غالب لمن غلب ومنهم كعب بن زهير وكان قد هدر رسول الله دمه، فورد إلى المدينة مستخفياً فقام إليه بعد صلاة الصبح ممتدحا فقال: بانت سعاد فقلبي اليوم متبول ... متيم إثرها لم يفد مكبول إلى أن انتهى إلى قوله: نبئت أن رسول الله أوعدني ... والعفو عند رسول الله مأمول فقام علي بن أبي طالب ﵁ فقال: يا رسول الله هذا كعب بن زهير فاضرب عنقه، فقال: " لا دعه فإنه قد أسلم" وأعطاه بردة كانت عليه فابتاعها منه معاوية بن أبي سفيان بعشرة آلاف درهم، وهي التي مع الخلفاء إلى اليوم. وقد كان للنبي ﷺ شعراء منهم حسان بن ثابت وكعب بن مالك وعبد الله بن رواحه، وكانوا ينشدون الشعر تارة ابتداء ويأمرهم به أخرى ليردوا على من هجاه، كما قال حسان بن ثابت: هجوت محمداً فأجبت عنه ... وعند الله في ذاك الجزاء أتهجوه ولست له بكفء ... فشركما لخيركما الفداء فإن أبي ووالده وعرضي ... لعرض محمد منكم بقاء واستنشد رسول الله ﷺ الشريد من شعر أمية بن أبي الصلت وأنشده منه مائة بيت. وأخبر ﷺ أنه شهد قس بن ساعده بعكاظ على جمل أشهب وهو يقول: أيها الناس من عاش، ومن مات فات، وكل ما هو آت آت مالي أري الناس يذهبون فلا

стр. 6966

يرجعون، أرضوا بالإقامة فأقاموا، أم تركوا هنالك فناموا. إن في السماء لخبراً وأن في السماء لخبراً وإن في الأرض لعبراً سقف مرفوع وسهال موضوع. وبحار بحور، وتخوم تخور ثم تغور، أقسم قس بالله قسماً: إن لله لدينا هو أرض من دين نحن عليه، ثم تكلم بأبيات شعر ما أدري ما هي أبو بكر ﵁: قد كنت شاهداً ذاك والأبيات عندي: فقال: أنشدني ها، فأنشدوه أبو بكر ﵁: في الذاهبين الأولين ... من القرون لنا بصائر لما رأيت مواردا ... للموت ليس لها مصادر ورأيت قومي نحوها ... تمضي الأكابر والأصاغر لا يرجع الماضي إلى ... ولا من الباقين عابر أيقنت أني لامحا ... له حيث صار القوم صائرا وقد أنشد ﷺ شعر طرفة: ستبدي لك لأيام ما كنت جاهلا ويأتيك من لم تزوده الأخبار فقال أبو بكر أنه قال: ويأتيك بالأخبار من لم تزود فقال ﷺ : " مالي وللشعر ولي" يريد ما قاله فيه : ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنبَغِي لَهُ﴾. وقال ﷺ : تفاءل بما ترجوه فلقلم فقال علي ﵇: بما ترجوه ألا تكونا فصار بما تممه علي شعراً منتظماً واستوقفته قتيلة بنت النضر بن الحارث عام الفتح بعد قتل أبيها صبراً فأنشدته: أمحمد ها أنت خير نجيبة من قومها والفحل فحل معرق النضر أقرب من قتلت قرابة وأحقهم إن كان عتقاً يعتق ما كان ضرك لو مننت وربما من الفتى وهو المغيظ المحنك فقال النبي ﷺ : " لو سمعت شعرها ما قتلته". وقد كان كثير من الصحابة يقولون الشعر ويتمثلون بأشعار العرب فلم ينكره رسول الله ﷺ . وقد استشهد عبد الله بن عباس فيما سأله نافع بن الأزرق في معاني القرآن بأشعار العرب، ودل به على معانيه وقال: الشعر ديوان العرب فما أنكره أحد منهم من الصحابة والتابعين.

стр. 6967

وسئل ابن عباس عن أول الناس إسلاماً فقال: أبو بكر أنا سمعت قول حسان بن ثابت. إذا تذكرت شجواً من أخي ثقة فاذكر أخاك أبا بكر بما فعلا خير البرية أتقاها وأعدلها ... إلا النبي وأوفاها بما حملا الثاني اثنان والمحمود مشهده ... وأول الناس منهم صدق الرسل وحبس عمر ﵁ الخطيئة الشاعر فأرسل إليه من الحبس شعراً يقول فيه ماذا تقول لأفراخ بذي مزح ... حمر الحواصل لا ماء ولا شجر ألقيت كاسبهم في قعر مظلمة ... فأغفر عليك سلام الله يا عمر أنت الإمام الذي من بعد صاحبه ألقت عليك مقاليد النهي البشر ما يؤثروك بها إذ قدموك لها ... لكن لأنفسهم كانت بك الأثر فلما وصل إليه هذا الشعر أطلقه وقال: إن الشعر ليستنزل الكريم. فإذا كان الشعر في الصحابة بهذه المثابة وكان الشعراء منهم بهذه المنزلة لم يجز أن يكون جرحاً في قائله ولا منشده لأنهم لا يأتون منكراً ولا يقرون عليه. وقد مر الزبير بن العوام في مسجد رسول الله ﷺ بحسان بن ثابت وهو ينشد شعره أحداثاً من الأنصار وهم معرضون عنه، فقال: أتعرضون عنه وقد كان رسول الله ﷺ يقبل عليه إذا أنشده فنهض حسان وقبل يد الزبير. وقيل لسعيد بن المسيب: إن قوماً يكرهون إنشاد الشعر في المسجد فقال: هؤلاء ينسكون نسكاً أعجمياً. وروى أبو بكر بن سيف في مختصر المزني عنه، وقال: سألته أيجوز للرجل أن يتزوج المرأة ويصدقها شعرا؟ فقال: إن كان كقول الشاعر: يود المرء أن يعطي مناه ويأبى الله إلا ما أرادا يقول المرء فائدتي ومالي ... وتقوى الله أفضل ما أفادا جاز فدل ما وصفنا وإن مع الإطالة بيسير إن يشاء الشعر وإنشاده مباح وإنشاد الشعر ما كان من قوله وإنشاده ما كان من قول غيره. فأما قوله تعالى: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾ فقد قال أهل التأويل: يريد بالشعراء إذا قالوا كذبوا وإذا غضبوا سبوا. وفي قوله تعالى: ﴿يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾ أربعة تأويلات: أحدها: الشياطين قاله مجاهدا والثاني: المشركون، قاله عبد الرحمن بن زيد والثالث: السفهاء قاله الضحاك.

стр. 6968

والرابع: الرواة قاله ابن عباس. وفي قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ﴾ ثلاث تأويلات: وفي قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ﴾ ثلاث تأويلات: أحدها: في كل فن من الكلام يأخذون. قال ابن عباس. والثاني: في كل لغو يخوضون قاله فطرب. والثالث: أن يمدح قوماً بباطل ويذم قوماً بباطل. قال قتادة: ﴿وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لا يَفْعَلُونَ﴾ يعني من كذب في مدح أو هجاء. فلما نزل هذه الآية حضر عبد الله بن رواحه وكعب بن مالك وحسان بن ثابت عند رسول الله ﷺ فبكوا وقالوا: هلكنا يا رسول الله فأنزل الله تعالى: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ فقرأها عليهم وقال: هم أنتم ﴿وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيراً﴾ فيها وجهان: أحدهما: في شعرهم والثاني: في كلامهم. ﴿وَانتَصَرُوا مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُوا﴾ أي ردوا على المشركين ما هجوا به المسلمين فدلت الآية على أن المذموم من الشعر ما فيه من هجوا: والهجوا في الكلام مذموم فكيف في الشعر، ولأن الشعر يحفظه فينشر ويبقى على الإعصار والدهور. وأما قوله صلى الله عليه سلم: " لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحاً حتى يريه خير من أن يمتلئ شعراً" ففيه وجهان: أحدهما: ما كان من الشعر كذبا وفحشاً وهجاء والثاني: أن ينقطع إليه ويتشاغل عن القرآن وعلوم الدين. فصل فإذا تقرر أن الشعر في حكم الكلام لا يخرجه نظمه عن إباحته وحظره فهو على ثلاثة أضرب مستحي ومباح ومحظور. فأما المستحب فنوعان: أحدهما: ما حذر من الآخرة أنشده فيه بعض أهل العلم لعلي بن أبي طالب كرم الله وجهه: فلو كنا إذا متنا تركنا لكان الموت راحة كل حي ولكنا إذا متنا بعثنا ونسأل بعده عن كل شي وأنشد للحسين بن علي ﵄: الموت خير من ركوب العار والعار خير من دخول النار

стр. 6969

والله ما هذا وهذا جاري والثاني: ما حث على مكارم الأخلاق كالمحكي عن مالك بن أنس أنه مر بباب قوم فسمع رجلا ينشد: أنت أختي وحرمة جاري وحقيق علي حفظ الجوار إن للجار إن نصيب لنا ... حافظاً للنصيب في الإسرار ما أبالي أن كان بالباب سترة مسبل، أو يبقى بغير ستار فدق الباب وقال: علموا فتيانكم مثل هذا الشعر. فهذان النوعان مستحبان وهما أحفظ للعدالة وأبعث على قبول الشهادة. وأما المباح: فما سلم من فحش أو كذب وهو نوعان: أحدهما: ما جلب نفعا والثاني: ما لم يعد بضرر. فلا تقدح في الشهادة ولا يمنع من قبول الشهادة. وأما المحظور فنوعان: كذب وفحش. وهما جرح في قائله، فأما في منشده فإن حكاه إنكاراً لم يكن جرحاً وإن حكاه اختيارً كان جرحاً. فإن تشيب في شعره ووصف امرأة فإن لم يعينها لم يقدح في عدالته وإن عينها قدح في عدالته. فأما المكتسب بالشعر، فإن كان يقتضي إذا مدح ويذم إذا منع، فهو قدح في عدالته فترد شهادته وإن كان لا يقتضي إذا مدح ولا يذم إذا منع وتقبل ما وصله إليه عفواً فهو على عدالته وقبول شهادته. مسألة قال الشافعي ﵁: " ويجوز شهادة ولد الزنا في الزنا" قال في الحاوي: وهذا صحيح لأن الأنساب ليست من شروط العدالة فتقبل شهادة ولد الزنا إذا كان عدلاً في الزنا وغير الزنا. وقال مالك ﵁: لا أقبل شهادته في الزنا وأقبلها في غير الزنا وقال غيره من فقهاء المدينة: لا أقبل شهادته بحال. استدلالاً بما روي عن النبي ﷺ أنه قال: "ولد الزنا شر الثلاثة" وبما روي عن

стр. 6970

النبي ﷺ أنه قال: " لا يدخل الجنة ولد زانية" وإذا كان ن شراً من الزنا ومدفوعا من الجنة كان من أهل الكبائر فلم تقبل شهادته وهذا قول فاسد، لأن الله تعالى لا يؤاخذ أحداً بذ ١ نب غيره وهو تعالى يقول: ﴿وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ فلم يجز أن يؤاخذ ولد الزنا بذنب أبويه، لأنه ظلم والله تعالى منزه عن الظلم، وهو تعالى يقول: ﴿وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً﴾ ولأن عار النسب ربما منعه من ارتكاب العار، لئلا يصير جامعا بين عاري فصار مزجوراً بمعرة نسبه عن معرة كذبه فلم يمنع من قبول الشهادة مع ظهور عدالته. وأما الخبر الأول وهو " ولد الزنا شر الثلاثة" فهو من مناقير الأخبار وما رواه إلا مضعف غير مقبول الحديث، نص القرآن يمنع منه ولو سلمت الرواية لكان لاستعماله وجوهاً: أحدها: أنه شرا الثلاثة نسباً والثاني: شر الثلاثة إذا كان زانياً والثالث: إنه كان واحداً من ثلاثة فأشير إليه أنه شرهم فكان ذلك للزنا تعريفاً لا تعليلاً والرابع: ما ذكر أن أبا عزة العجمي كان يهجوا رسوا الله ﷺ ويقدح فيه بالعظائم فذكر عند النبي ﷺ ما يقوله وقيل له: إنه ولد زنيه. فقال ﵇: " ولد الزنا شر الثلاثة" يعني به أبا عزة. وأما الخبر الثاني: فهو أوهي من الأول وأضعف وأبعد أن يكون له في الاحتمال وجه، لأنه لا يجوز أن يحبط طاعته معصية غيره. والكفر أعظم من الزنا ولا يحبط عمل المؤمن بكفر أبويه، فكان أولى أن لا يحبط عمله بزنا والديه والله أعلم. مسألة قال الشافعي رضيا الله عنه: " والمحدود فيما حد فيه" قال في الحاوي: وهذا أراد به مالكاً فإنه يقول: من حد في معصية لم تقبل شهادته فيما حد فيه وقبلت في غيره، فلا تقبل شهادة المحدود في الزنا إذا شهد بالزنا ولا المحدود في الخمر إذا شهد في الخمر ولا المقطوع في السرقة إذا شهد بالسرقة. استدلالاً بأنها استرابة يقتضي الدفع عن الشهادة لقوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ وَأَقْومُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلاَّ تَرْتَابُوا﴾. وبقول عمر ﵁ في عهده لأبي موسى الأشعري: المسلمون عدول بعضهم
следующие страницы →