← Фикх шафии

Фикх шафии · id 16934

بحر المذهب للروياني

عَبْد الواحِد الرُّوْياني

Полный текст (7 151 стр.). Показаны 7106–7145 · переход к 7111.

стр. 7106

مثبتة فلذلك لم يقض بها فإن شهدوا أنها أمته ولدتها في ملكه، وفي الثمرة أنها ثمرة نخلته أثمرتها في ملكه وفي الصوف أنه من غنمه، جز في ملكه قضى له بملك الجارية والثمرة والصوف لأن من ملك أصلا ً ملك ما حدث عنه من النماء. ألا ترى أن المنصوب منه يستحق نماء ملكه مع استرجاع أصله، صارت الشهادة بهذا الشهادة بالملك، وسببه فكان أوكد من الشهادة بمجرد الملك. فإذا قيل: فهذه شهادة بملك متقدم، وليست شهادة بملك في الحال، فصار كشهادتهم أن هذه الجارية كان مالكاً لها في السنة الماضية، فلا يوجب ذلك أن يحكم له بملكها فكذلك في الولادة. قيل: قد نص الشافعي أن الشهادة تقديم الملك لا توجب الملك في الحال والشهادة تقديم الولادة والنتاج يوجب الملك في الحال فاختلف أصحابه في اختلاف النصين مع تشابه الأمرين فكان البويطي، وابن سريج، يحملانه على اختلاف قولين: أحدهما: يحكم بالملك في الشهادة بقديم الملك والشهادة بالولد والنتاج على ما نص عليه في النتاج، استصحاباً لثبوته. والثاني: أنه لا يحكم له بالملك في الشهادة بقديم الملك والشهادة بالولد، والنتاج على ما نص عليه في الشهادة بقديم الملك لأن الملك المتقدم قد يزول بأسباب فلم يوجب ثبوت المالك في الحال. وكان أبو إسحاق المروري وأبو علي بن أبي هريرة وأكثر المتأخرين يمنعون من تخريج ذلك على قولين، ويحملون جواب الشافعي على ظاهرة في الموضوعين فيحكمون له بملك الولد والنتاج إذا شهدوا له بحدوث الولادة والنتاج في ملكه ولا يحكمون له بملكها، إذا شهدوا له بقديم ملكه وفرقوا بينهما من وجهين: أحدهما: أنهم شهدوا في الولادة والنتاج بأنه نماء ملكه، ونماء ملكه لا يجوز أن يكون لغيره كما لو شهدوا له بغضب ماشية نتجت ونخل أثمرت ملك به النتاج، والثمرة وليس كذلك شهادتهم بقديم الملك لتنقل أحواله من مالك إلى مالك. والثاني: أن النتاج لما لم يتقدمه فيه مالك صار في تملكه أصلاً وقديم الملك، لما تقدمه فيه مالك صار في تملكه فرعاً وحكم الأصل أقوى من حكم الفرع فإذا قيل: فليس يمتنع أن يحدث الولد لغير مالك الأم كالموصي إذا وصى بأمته لزيد وتحملها لعمرو، فإنه تلده في ملكه، وليس يملكه. قيل: هذا نادر أخرجته الوصية عن حكم أصله فصار كالاستثناء الذي لا يمنع جوازه من استعمال أصله على العموم قبل وروده. فصل وإذا شهدوا أن هذه الجارية بنت أمته، ولدتها بعد ملكه، ولم يقولوا (ولدتها) في

стр. 7107

ملكه، لم يحكم به بملك الجارية، لأنه قد يجوز أن يكون باعها فولدت بعد ثم عاد فابتاعها، أو يكون قد باعها فولدت عند مشتريها، ثم أفلس بها فارتجاعها البائع دون ولدها، فلذلك لم تقم البينة بملكها، ولو شهدوا أنها بنت أمته، أخذها هذا من يده كانت شهادة له باليد، دون الملك فيحكم له برد الجارية عليه يداً لا ملكاً. ولو شهدوا أنها بنت أمته، وكانت أمس في يده فمذهب الشافعي المشهور من قوله: أنه لا يحكم له باليد إذا شهدوا له بيد متقدمة، وإن حكم له بالملك إذا شهدوا له بملك متقدم على أحد القولين وكان البويطي وابن سريج، يجمعان بين الشهادة بقديم اليد، وقديم الملك وفي الحكم بهما على أحد القولين وقد ذكرنا من فرق أصحابنا بين قديم اليد وقديم الملك ما يمنع من الجمع بينهما. وفرع ابن سريج على الجمع بين قديم اليد، وقديم الملك في الحكم بهما على أحد القولين، أن يتنازعا الجارية فيقر صاحب اليد أنها كانت في يد مدعيها أمس. قال ابن سريج: إن قيل بأن قيام البينة بأنها كانت بيده أمس يوجب الحكم له باليد فإقرار صاحب اليد أولى بالحكم. وإن قيل: إن قيام البينة لا يوجب الحكم له باليد ففي لإقرار صاحب اليد به وجهان: أحدهما: أن إقراره لا يوجب الحكم به كما ملا يجب بالبينة لاستوائهما في ثبوت الحكم بهما. والثاني: أننا نحكم على صاحب اليد بإقراره وإن لم يحكم عليه بالبينة وتنقل اليد إلى المدعي بالإقرار وإن لم تنقل إليه بالبينة، لتقدم الإقرار على البينة المكذبة له فأما إن أقر صاحب اليد أن المدعي كان مالكاً لها بالأمس حكم له بالملك قولاً واحداً وإن كان الحكم بالبينة على قولين لقوة الإقرار على البينة ويكون الإقرار بالملك أقوى من الإقرار باليد. فصل وإذا تنازع رجلان في يد كل واحد منهما جارية فادعى كل واحد منهما الجارية، التي في يد صاحبه، أنها بنت الجارية التي في يده ولدت على ملكه ويقيم على كل واحد منهما البينة على ما يدعيه وهذا يكون مع اشتباه الأسنان، وأن كل واحدة منهما يحتمل أن تكون أماً ويحتمل أن تكون بنتاً فتصير الشهادتان متعارضتان في الولادة دون الملك، لأنه يستحيل أن تكون كل واحدة منهما بنت الأخرى فصارتا في الولادة متعارضتين ولم يتعارضا في الملك، لأن بينة زيد شهدت له بملك الجارية التي في يد عمرو وبينة عمرو شهدت له بملك الجارية التي في يد زيد فلم يكن فيها تعارض في الملك وإن تعارضتا في الولادة فيحكم لكل واحد منهما ببينته وتسلم الجارية التي في يد زيد إلى عمرو والجارية التي في يد عمرو إلى زيد ولا يكون تعارضهما في الولادة

стр. 7108

موجباً لتعارضهما في الملك وكان التعارض في الولادة أقوى، ولا يحمل على رد البينة في الكل، إذا ردت في البعض، لأن الولادة هاهنا لم يؤثر في الحكم فكان وجودها كعدمها ولو كانت المسألة بحالها فادعى كل واحد منهما على صاحبه، فقال: أما مالك الجارية التي في يدي والجارية التي في يدك وهي بنت الجارية التي هي في يدي، وأقام على ذلك بينة صارت الشهادتان متعارضتين في الولادة والملك جميعاً لأنه يستحيل أن تكون كل واحدة منهما بنت الأخرى، فتعارضت في الولادة ويستحيل أن تكون الجاريتان معاً ملكاً لكل واحد منهما، فتعارضت في الملك فتكون على الأقاويل الثلاثة في تعارض البينتين، فإن زال الاشتباه في سن الجارتين بان من يحق أن تكون بنت الأخرى لصغر سنها، وكب ر الأخرى، تعين بها كذب إحدى البينتين في الولادة، فردت شهادتهما في الملك وحكم بشهادة الأخرى في الولادة والملك، وزال به حكم التعارض. فصل وإذا تنازعا شاه مذبوحة وكان في يد أحدهما رأسها وجلدها وسقطها، وفي يد الآخر مسلوخ ها وادعى كل واحد منهما أن جميعها له، وأقام على ذلك بينة حكم لكل واحد منهما بملك ما في يده لأن له لما في يده بينة داخل، وفيما بيد صاحبه بينة خارج، فقضى ببينة الداخل على بينة الخارج. وحكم أبو حنيفة لكل واحد منهما بما في يد صاحبه، لأنه يقضي ببينة الخارج على بينة الداخل، ولو كان كل واحد منهما يدعي تلك الشاه وأنها نتجت في ملكه، وأقام بها بينة وأمضى أبو حنيفة على أنه يحكم لكل واحد منهما بملك ما في يده لأنه موافق على القضاء ببينة الداخل في النتاج في غيره فيقضي ببينة الخارج في غير النتاج. مسألة قال الشافعي ﵁: " ولو شهدوا أن هذا الغزل من قطن فلان جهلته لفلان" قال في الحاوي: وهذا صحيح إذا شهدوا أن هذا الغزل من قطن زيد، كانت شهادة بملك زيد للغزل لأن عين القطن وإن غيرته الصنعة بخلاف شهادتهم أن هذه الجارية بنت أمته لأنها غير أمته. وهكذا لو شهدوا أن هذا الثوب من غزل زيد كانت شهادة له بملك الثوب لأنه القطن بعينه وإن تغير الغزل والنساجة. وجعلها أبو حنيفة شهادة القطن دون الثوب والغزل وبني ذلك على أصله أن

стр. 7109

الغاصب إذا عمل في المغصوب بما يغير عن حاله كان أحق به من مالكه وغرم له بدل أصله وقد مضى الكلام معه في الغصب وأن مالكه أحق به من غاصبه. فعلى هذا إذا كانت قيمة الثوب منسوجاً أكثر من قيمته غزلاً وقطناً وهو الأغلب لم يرجع صاحب اليد بزيادته على المالك. وإن كان أقل وهو نادر، رجع المالك بنقصانه على صاحب اليد من أكثر قيمته قطناً أو غزلاً وهكذا القول في نظائر هذا إذا شهدوا هذا الدقيق من حنطة زيد، وهذه الدنانير من ذهبه وهذه الدراهم من فضته وهذه النخلة من نواته، وهذا الزرع من بذره، وكانت له شهادة بملك ذلك، سواء كان بعمل صاحب اليد، أو بغير عمله وعند أبي حنيفة: إن تغير بعمل صاحب اليد ملكه. فعلى هذا يقول: إن نبتت النواة نخلة بنفسها ونبت البذر في الأرض بنفسه كان لمالكه وإن كان بعمل صاحب اليد كان له ويقول في رجل غصب دجاجة فباضت بيضتين حضنت الدجاجة إحداهما حتى صارت فرخاً وحضن الغاصب الأخرى، إما تحت الدجاجة أو تحت غيرها حتى صارت فروجاً كان الفروج الأول لمالك الدجاجة، والفروج الثاني للغاصب. وجميع ذلك كله عندنا لمالك أصله على ما بيناه. ولكن لو شهدوا أن هذا الزرع من ضيعته لم يكن ذلك شهادة له بملك الزرع، لأنه قد يجوز أن يكون زرع أرضه لغيره وهذا مما اتفقنا نحن وأبو حنيفة عليه. فإن قيل: أفتكون هذه شهادة له باليد على الزرع نظر، فإن لم يقولوا زرع فيها وهي على ملكه لم تكن شهادة له باليد لجواز زرعه فيها وحصاده قبل ملكه، ويده وإن قالوا: زرع وحصد في ملكه، كانت شهادة له بيد متقدمة فيكون عند البويطي وابن سريج، على قولين كالشهادة بالملك القديم يوجب ثبوت يده في الحال، وأحلافه على الزرع أنه ملكه. والثاني: لا يوجب ثبوت يده ولا يحلف على ملكه. والذي عليه أصحابنا أنه لا يحكم له باليد قولاً واحدا لما بيناه ولا يحلف عليه ويكون القول فيه قول صاحب اليد في الحال مع يمينه فإن أقام صاحب الأرض بأداء خراجه أو بدفع عشرة إلى المستحق لقبض خراجه وعشرة لم يملكه لأنه قد ينوب في أدائه عن مالكه. مسألة قال الشافعي ﵁: "وإذا كان في يديه صبي صغير يقول: هو عبدي فهو

стр. 7110

كالثوب إذا كان لا يتكلم" قال في الحاوي: وجملته أنه لا يخلو حال هذا الموجود إذا دعاه الواجد عبداً من ثلاثة أحوال: أحدها: أن يكون بالغاً عاقلاً فتعتبر حالة فإن أنكر الرق، وقال: أنا حر فالقول قوله مع يمينه ولا تقبل دعوى واجدة في ادعائه، لأن الأصل الحرية والرق طارئ فكان الظاهر معه فلو عاد بعد إنكاره للرق، فأقر لواجده بالرق لم يقبل إقراره كان على الحرية حتى يقيم مدعيه بينه برقه، لأن من أقر بالحرية لم يقبل إقراره بالرق وإن كان هذا أقر بالرق حين أخذه الواجد، وأنكر أن يكون مملوكاً لهذا الواجد المدعي لرقه، فلا اعتبار بإنكاره لأن العبد لا يد له على نفسه، ويقر على يد مدعيه لأنه ليس له منازع فيه ويجبر العبد على المقام معه، فإن حضر من ادعاه، ونازعه فيه كان للأول يد، وليس للثاني يد، فيكون القول فيه قول الأول. مع يمينه لثبوت يده قبل منازعته إلا أن يقيم الثاني بينة، فيحكم أنه عبد للثاني، لأن البينة أولى من اليد فإن أقام الأول بينه كان أحق به من الثاني، لأن الأول بينة داخل وللثاني بينة خارج. ولو تنازعه في الحال رجلان ولم يكن لأحدهما عليه يد، وأقام كل واحد منهما بينة بأنه عبده فصدق العبد أحدهما لم تترجح بينته بتصديقه، وتعارضت فيه البينتان فيكون على الأقاويل الثلاثة. ولو تنازعه رجلان، ولا بينة لأحدهما فصدق أحدهما في رقه وكذب الآخر، وأنه مملوك له دون الآخر كان عبداً للمصدق منهما دون المكذب. وقال أبو حنيفة: يكون عبداً لهما يشترك فيه المصدق، والمكذب، لأنه قد صار باعترافه لأحدهما مملوكاً ولا اعتبار باعتراف المملوك وإنكاره وهذا ليس بصحيح لأنه حر في الظاهر، وإنما صار مملوكاً باعترافه، فاقتضى أن يكون مملوكاً لمن اعترف به. ولو كان معترفاً بالرق قبل اعترافه لأحدهما، ثم صدق أحدهما وكذب الآخر كان بينهما. والثانية: أن يكون المدعي رقه صغيراً غير مميز، فيحكم برقه لمدعيه يدا، لأنه لا منازع له فيه، وليس ببالغ فيعرب عن نفيه فإن بلغ هذا الهبد، وأنكر الرق وادعى الحرية لم تقبل دعواه إلا ببينة تشهد له بالحرية، فإن طلب أحلاف سيده أحلف له ولو كان هذا صغيراً فاستخدمه الواجد، ولم يدع في الحال رقه حتى بلغ ثم ادعى رقه بعد بلوغه ففيه وجهان: أحدهما: وهو قول أبي حامد الإسفراييني، يحكم له برقه بغير بينة لأن يده عليه، فقبل قوله فيما بيده. والثاني: أن دعواه إذا تأخرت عن الصغير، صارت مستأنفة عليه بعد الكبر، ودعواه بعد الكبر لا تقبل، إلا ببينة وهذا أظهر الوجهين عندي.

стр. 7111

والثالثة: أن يكون هذا المدعي رقه مراهقاً مميزاً، وليس ببالغ ففي ثبوت رقه بمجرد الدعوى وجهان: أحداهما: يحكم له برقه عبداً له، ولا يؤثر فيه إنكاره قبل بلوغه، ولا بعد بلوغه إلا بينة تشهد بحريته لأن حكم ما قبل البلوغ في ارتفاع العلم سواء. والثاني: أن الحكم برقه موقوف على إقراره، وإنكاره فإذا اعترف له بالرق حكم له بعبوديته، وإن أنكر الرق حكم له بالحرية، ولا يحلف على إنكاره إلا بهد بلوغه، ولا يمتنع أن يكن لقوله قبل البلوغ حكم، وإن لم يجر عليه قلم، كما يخبر قبل البلوغ بين أبويه، ويصح منه فعل الصلاة وإن لم تلزمه، ويسمع خبره في المراسلات والمعاملات، ويشبه أن يكون هذان الوجهان من اختلافهم في صحة إسلامه بعد مراهقته، وقبل بلوغه وكرم الشافعي هاهنا في قوله: " إذا كان لا يتكلم" دليل على أنه إذا كان يتكلم بالمراهقة والتمييز أن يعتبر إقراره وإنكاره، وقد تأوله من قال بالوجه الأول أن معناه إذا كان ممن لا حكم لكلامه. مسألة قال الشافعي ﵁: " فإن أقام رجل بينة أنه ابنه جعلته ابنه وهو في يدي الذي هو في يديه" قال في الحاوي: يعني الصغير إذا دعاه رجل عبداً وحكم له برقه بمجرد دعواه، ثم ادعاه رجل آخر ولداً وأقام بينة بأنه ولده صار ابنا له ولم يزل عنه رق الأول، لأنه لا يمتنع أن يكون زيد عبدا لعمرو، لأنه يجوز أن يكون وقد ولد له من أمه تزوجها، فيكون له ابناً وهو مملوك لسيد الأم فلم يتنافى لحوق نسبه، وثبوت رقه، إلا أن يشهد بينة المدعي لنسبه، وأنه ولد له من حرة تزوجها، أو من أمة ملكها فيكون الولد حراً لأنه لا يجوز أن يولد الحر من الحرة إلا حراً ومن أمته إلا حراً لو كان مدعي أبوته لم يقم البينة يا فصدقه الولد عليها فالصحيح من المذهب أنه يثبت نسبه بتصديقه وإن كان على رقه لمدعي عبوديته لأنه حق للسيد في نسب العبد فنفذ فيه إقرار العبد. وفيه وجه آخر: أنه لا يثبت النسب بتصديقه لما فيه من الضرر العائد على سيده، بأن يصير بعد عتقه موروثاً بالنسب دون الولاء وفيه ضرر على السيد في أبطال ميراثه بالولاء. مسألة قال الشافعي ﵁: " وإذا كانت الدار في يدي رجل لا يدعيها فأقام رجل البينة أن نصفها له وآخر البينة أن جميعها له فلصاحب الجميع النصف وأبطل

стр. 7112

دعواهما في النصف وأقرع بينهما قال المزني: فإذا أبطل دعواهما فلا حق لهما ولا قرعة وقد مضى ما هو أولى به في هذا المعنى" قال في الحاوي: وجملته أن مقيم البينة بجميعها إذا تورع فيها بإقامة البينة في نصفها، فقد سلم له نصفها لأنه لا تنازع فيه ولا تعارض، وإنما تتعارض بينتاهما في النصف الآخر، فيكون تعارضهما فيه على الأقاويل الثلاثة. أحدها: إسقاطها فيه، ويخلص لصاحب الكل النصف ولا يحمل على القولين إذا ردت الشهادة في البعض، أن ترد في الكل، لأن مقيم البينة بالنصف قد سلم لصاحب الكل النصف، فخرج من النزاع ولم يفتقر إلى البينة فعلى هذا لا يخلو صاحب اليد من أحد أمرين: أما أن يدعيها ملكاً أو لا يدعيها. فإن ادعاها ملكا زال ملكه عن نصفها المحكوم به لمدعي الكل وفي رفه يده عن النصف الآخر الذي تعارضت فيه البينة حتى سقطت وجهان: أحدهما: تقر في يده، ولا تنتزع لسقوط البينتين بالتعارض، ويصير فيه خصماً للمتنازعين. والثاني: أن تنتزع من يده، لاتفاق البينتين على عدم ملكه، وليس تعارضهما من حقه وإنما تعارضهما في حق المتنازعين وهي غير متعارضة في حق صاحب اليد، وإن لم يدعها ملكاً رفعت يده، لتنازع غيره في ملكها لتوقف على المتنازعين فيه، فيتحالفان على النصف الذي وقع فيه التعارض عند إسقاط البينتين فيه، فإن حلفا جعل بينهما وصار المدعي الكل ثلاثة أرباعها ولمدعي النصف ربعها. وإن نكلا حكم لصاحب الكل بالنصف وكان النصف الباقي موقوفاً وإن حلف أحدهما، ونكل الآخر، قضى به للحالف منهما دون الناكل فإن كان الحالف صاحب الكل، قضى له بجميع الدار، وإن كان صاحب النصف كانت الدار بينهما. والقول الثاني: يقرع بينهما مع التعارض، فإن قرعت بينة صاحب الكل سلم إليه جميع الدار، وفي أحلافه قولان، وإن قرعت بينة صاحب النصف جعلت الدار بينهما نصفين، وفي أحلافه وقولان ويدفع عنها صاحب اليد، سواء ادعاها ملكاً أو لم يدعها. والقول الثالث: استعمال البينتين وقسم النصف بينهما نصفين، فيصير لصاحب الكل ثلاثة أرباعها ولصاحب النصف ربعها وصاحب اليد مدفوع بها. فصل وأما المزني فأنه لما قال الشافعي: "أبطل دعواهما في النصف، وأقرع بينهما" اعترض عليه فقال: كيف يقرع بينهما فيما قد أبطل فيه دعواهما وهذا الاعتراض فاسد، ولأصحابنا عنه جوابان:

стр. 7113

أحدهما: أنه أبطل دعواهما في النصف الحاصل لمدعي الكل لأنه قد خلص له من غير تنازع فيه، وأقرع بينهما في النصف الآخر ولم تبطل دعواهما فيه. والثاني: أنه أبطل دعواهما إذا سقط بينتهما، ويقرع بينهما إن لم يسقطها، ويكون معنى الكلام، أبطل دعواهما وأقرع بينهما، لاختلاف قوله في تعارضهما. فصل وإذا كانت الدار في يدي رجل فادعاها طالب، وأقام البينة على أنها ملك أجرها من صاحب اليد، أو أودعها، وأقام صاحب ليد بينة أنها ملكه حكمنا ببينة الخارج المدعي على بينة الداخل صاحب اليد، لأن بينة الخارج لما شهدت له، بأنه أجره إياها أو أودعها صارت اليد له، فصار الداخل خارجاً، والخارج داخلاً، ولو تداعباها رجلان، وهي في يد ثالث، فأقام أحدهما البينة أنها له أجره إياها، وأقام الآخر أنها له أودعه إياها صارت اليد لهما بما شهد لأحدهما أنه مؤجر وللآخر أنه مودع، فصار لكل واحد منهما بينة داخل في النصف المضاف إلى يده، وبينة خارج في النصف المضاف، إلى يد صاحبه وقد تعارضت فيه البينتان فإذا أسقطتا صارت الدار بينهما يداً إن حلفا ونكلا وإن أقرع بينهما، جعلت لمن قرع منهما، وإن استعملنا في القسمة قسمت بينهما ملكاً. فصل فإذا كانت الدار في يد يدعيها ملكاً فنازعه فيها رجلان وأقام أحدهما البينة أنها ملكه منذ سنة وأقام الآخر البينة على هذا الأول أنه ابتاعها منه منذ خمس سنين فلا تمنع بينة الأول أنها له منذ سنة أن تكون له ملكاً قبل ذلك بخمس سنين، فلذلك سمعت بينة الثاني على الأول ووجب بها انتزاعها من صاحب اليد، ثم ينظر في بينة المدعي الثاني أنه ابتاعها، من المدعي الأول فإن شهدت بأنه باعها وكان مالكاً لها، حكم بها للثاني ملكاً، فإن شهدت أنه باعها وكانت في يده، حكم بها للثاني ابتياعها فجرى عليه حكم الملك لأن الظاهر من اليد أنها لمالك، فتسلم الدار في هاتين الحالتين إلى المدعي الثاني وترفع يد المدعي الأول. ووافق أبو حنيفة عليهما، وإن شهدت بينة الثاني، أنه ابتاعها من الأول ولم يشهدوا أنها كانت ملكاً للأول ولا في يده، قال أبو حنيفة: لا تنتزع من الأول، ولا تسلم إلى الثاني لأن البيع متردد، بين أن يكون قد باع ما في ملكه، أو ما في يده فيصح وبين أن يبيع ما ليس في ملكه ولا يده فيبطل. فلم يجز أن يحكم بصحة البيع، ورفع يد الأول بمجرد متردد بين الصحة والفساد، وعند الشافعي أنه يد الأول وترفع وتسلم الدار إلى الثاني ابتياعاً من الأول لآن البيع في حقه صحيح أنه ملك، ولا يقضي بها ملكه الثاني، وإن قضى به بابتياعها من الأول فكان له فيها يد إن نوزع فيها، ترجح بيد لا بدفع بينة المنازع.

стр. 7114

فصل وإذا تنازعا داراً في يد غيرهما، وأقام أحدهما البينة أن الدار كانت له منذ سنة، وأقام الآخر البينة أن الدار كانت في يده منذ سنة، فإن لم تجعل الشهادة بقديم الملك موجبة لملك وتقديم اليد موجبة لليد لم يحكم لواحد منهما ورجع إلى صاحب اليد في تصديقها أو تكذيبها، وإن جعلت الشهادة بهما موجبة للملك واليد في الحال حكم بالدار لمن أقام الشهادة بقديم الملك، دون من أقامها بقديم اليد، وكذا لو أقامها بيد في الحال، لأن الملك أقوى من اليد فلذلك حكم به على صاحب اليد. مسألة قال الشافعي رضيا الله عنه: " وإذا كانت الدار في يدي ثلاثة فادعى أحدهم النصف والآخر الثلث وآخر السدس وجحد بعضهم بعضا فهي لهم على ما في أيديهم ثلثا ثلثاً" قال في الحاوي: وصورتها في دار في أيدي ثلاثة تداعوا فادعى أحدهم نصفها ملكاً وباقيها يد بإجارة من مالك غائب أو عارية أو وديعة، وأنه لا ملك فيها لهذين ولا يد حق، وادعى الثاني ثلثها ملكاً وباقيها يداً بإجارة أو عارية أو وديعة لغائب،، وأنه لا لملك فيها لهذين ولا يد لحق. وادعى الثالث سدسها ملكاً وباقيها يداً بإجارة أو عارية أو وديعة لغائب وأنه لا حق فيها لهذين، ولا يد بحق وأنها كانت متأولة على هذه الصورة بما أشار إليه الشافعي من قوله: " وجحد بعضهم بعضا" لأن كل واحد منهم لو لم يدع الباقي يداً لما كان بينهم تجاحد ولكانوا متفقين على ما ادعوه ملكاً ولكان لصاحب النصف النصف، وإن كان أكثر مما بيده لأنه ليس في هذين الحاضرين من يدعيه ملكاً ولصاحب السدس السدس، وإن كان أقل مما في يده لأنه ليس يدعي ما زاد عليه ملكاً ولكان لصاحب الثلث الثلث وهو قدر ما في يده وليس يدعي ما زاد عليه ملكاً. وإذا كان في المسألة بعدما ذكروه من أملاكهم فيما تجاحد، ولم يتصور إلا على ما ذكرناه وأن كل واحد منهم ادعى ما ادعاه ملكاً وادعى باقيها يداً وهم في أملاكهم متفقون، وفي أيديهم متجاحدون، وقد تساوت أيديهم وإن اختلف أملاكهم فيها فتفرقت أيديهم أثلاثاً على ما أوجبه تساويهم، فينقض صاحب النصف عما زاد على الثلث، لأنه يدعيه ملكاً وهو في يد غيره فلم تقبل دعواه، ويزاد صاحب السدس باستكمال الثلث، لأن له فيه لا يداً يدعيه مالكاً لغائب، فأقرت يده عليه للغائب لأنه منازع فيه بغير بينة ولا يد، وصاحي الثلث لم يزد على ما ادعاه ملكاً ولم ينقض، لأن له في الثلث يداً، فلم

стр. 7115

ينقص وليس له فيما زاد عليه يد فلم يزد، فإن أراد كل واحد من الثلاثة إحلاف صاحبيه، فيما ادعاه من استحقاق اليد في الجميع، نظرت دعوى يده فإن لم يتعلق له بها حق بحصة لأنه ادعاها إجارة، كان له إحلافها عليها، وإن ادعاها بعضهم وديعة وادعاها بعضهم إجارة، كان لمدعي الإجارة إحلافهما على العالم دون البت، لأنها يمين على نفي فعل الغير، ولم يكن لمدعي الوديعة إحلافهما. فصل: وإذا تنازعا دارًا في أيديهما، وادعى كل واحد منهما ملك جميعها، وعدما البينة، وتحالفا عليها، وحلف كل واحد منهما أنه مالك لنصفها، ولا يحلف أنه مالك لجميعهما، وإن كان مدعيًا، لجميعها، لأننا نحكم عليه بيمينه على ما في يده، ولا نحكم عليه بيمينه على ما في يد منازعه، فكانت يمينه مقصورة على النصف، وإن كان مدعيًا للكل، لأنه لا يجوز أن تتضمن يمينه ما لا يحكم له به، وذكر في كتاب الصلح وجهًا آخر أنه يحلف على الجميع اعتبارًا بالدعوى. مسألة: قال الشافعي ﵀: "فإذا كانت في يدي اثنين فأقام أحدهما بينة على الثلث والآخر على الكل جعلت للأول الثلث لأنه أقل مما في يديه وما بقي للآخر". قال في الحاوي: وهذا صحيح، لأن اليد تترجح بها بينة صاحبها، وترفع بينة منازعها، فإذا كانت الدار في يدي رجلين تنازعاها، فأقام أحدهما البينة على أن له ثلثها، وأقام الآخر البينة على أن له جميعها، قضى لصاحب الثلث بثلثها، لأن له في اليد بينة ويدًا، وله في السدس الزائد على الثلث يد، قابلتها بينة فرفعت بها وقضى لصاحب الكل بالباقي، وهو الثلث، لأن له بنصفها بينة ويدًا، وله بالسدس الزائد على النصف بينة بلا يد، قابلتها يد بلا بينة، فقضى له ببينة على يد منازعة، فصار له ثلثاها، وللأول ثلثها وسقط تعارض البينتين في الثلث باليد. فصل: وإذا كانت دار في يد أربعة تقارعوها، فادعى أحدهم جميعها، وادعى الثاني ثلثيها، وادعى الثالث نصفها، وادعى الرابع ثلثها، فإن لم يكن لهم بينة، جعلت الدار بينهم أرباعًا باليد والتحالف، وإن كانت لهم بينة بما ادعوه، جعلت بينهم أرباعًا بالبينة واليد من غير تحالف، لأن كل واحد منهم قد أقام بينة داخل فيما بيده وبينة خارج فيما بيد غيره، فحكم له ببينة الداخل دون الخارج، فصار الحكم فيها مع وجود البينة وعدمها

стр. 7116

سواء في القدر وإنما يختلفان في التحالف، ولو كانت بحالها في الدعوى، والدار في يد خامس، ليس لواحد منهم عليها يد، وأقام كل واحد منهم البينة على ما ادعاه، خالص لمدعي الكل الثلث الزائد على الثلثين، لأنه قد أقام عليه بينة لم تعارضها بينة غيره وتعارضت البينات في الثلثين الباقيين، فكان على الأقاويل الثلاثة في تعارض البينتين: أحدها: إسقاطهما بالتعارض، والرجوع إلى صاحب اليد، فإن ادعاها لنفسه حكم بها له بعد يمينه، وفي قدر ما يحكم له فيها قولان: أحدهما: يحكم له أو بثلثيهما، إذ قيل: إن البينة إذا ردت في بعض الشهادة لم ترد في باقيها، لأن البينة بالكل قد ردت في الثلثين فلم ترد في الثلث الباقي. والثاني: يحكم له بجميع الدار، إذا قيل: إن البينة إذا ردت في بعض الشهادة، ردت في جميعها، لأن البينة بالكل لما ردت في الثلثين ردت في الكل، وإن لم يدعها صاحب اليد وأقر بها لبعضهم، أو لجميعهم حملوا فيه على إقراره وفي إحلافه لهم قولان: والقول الثاني: أن تعارض البينات يوجب القرعة دون الإسقاط، قيل هذا لا يعارض في الثلث الخالص لصاحب الكل، وترتيب القرعة في الثلثين ثلاث مراتب: فالرتبة الأولى: أن تقرع في السدس الذي بين الثلث، والنصف بين ثلثه مدعي الكل، ومدعي الثلثين، ومدعي النصف، لأن بينة صاحب الثلث لم تعارضهم فيه، وتعارضت فيه بينة الثلاثة فمن قرع منهم حكم به له. والرتبة الثالثة: الإقراع في الثلث الباقي بين الأربعة، لأن بينات جميعهم قد تعارضت ويحكم به لمن قرع منهم. والقول الثالث: أن تعارض البينات، يوجب استعمالها بالقسمة دون القرعة، فعلى هذا يقسم الثلثين بعد الثلث الخالص لصاحب الكل بين الأربعة الذين تعارضت فيهم البينة على ستة وثلاثين سهمًا، هي مضروب ثلاثة في ستة في اثنين، وترتبت القسمة فيه ثلاث مراتب، كما ترتبت القرعة فيه ثلاث مراتب: فالرتبة الأولى: قسمة السدس الذي بين النصف والثلثين وهو ستة من ستة وثلاثين، تقسم بين صاحب الكل، وصاحب الثلثين، لأنه قد تعاوضت فيه بينتاهما، ولم تتعارض فيه بينة غيرهما، فيكون لكل واحد منهما نصفه ثلاث أسهم، وقد صار إلى صاحب الكل بالثلث اثنا عشر سهمًا، فإذا انضم إليها هذه الثلاثة، صار له في الحالتين خمسة عشر سهمًا، ولصاحب الثلاثين ثلاثة أسهم، ثم يقسم السدس الذي بين الثلث والنصف أثلاثًا بين صاحب الكل، وصاحب الثلثين، وصاحب النصف، لأنه قد تعارضت فيه بيناتهم،

стр. 7117

ولم يتعارض فيه بينة صاحب الثلث، فيكون لكل واحد من الثلاثة سهمان من الستة فإذا ضمها صاحب الكل إلى ما حصل له في الحالتين، وهو خمسة عشر سهمًا، صار له سبعة عشر سهمًا، وإذا ضمها صاحب الثلثين إلى ما حصل له في الحالة الواحدة، وهو ثلاثة أسهم صار له خمسة أسهم، ولم يحصل لصاحب النصف إلا هذين السهمين. والرتبة الثانية: قسم الثلث الباقي، وهو اثنا عشر سهمًا بين الأربعة كلهم، لأنه قد اجتمع فيه تعارض بيناتهم كلهم، فيكون لكل واحد منهم ثلاثة أسهم، فإذا ضمها صاحب الكل إلى ما صار له، وهو سبعة عشر سهمًا، صار له عشرون سهمًا، وإذا ضمها صاحب الثلثين إلى ما صار له، وهو خمسة أسهم صار له ثمانية أسهم. وإذا ضمها صاحب النصف إلى ما صار له، وهو سهمان صار له خمسة أسهم، وينفرد صاحب الثلث بثلاثة أسهم ليس له غيرها، فإذا جمعت سهامهم، وهي عشرون سهمًا لصاحب الكل، وثمانية أسهم لصاحب الثلثين، وخمسة أسهم لصاحب النصف وثلاثة أسهم لصاحب الثلث استوعبت ستة وثلاثين، وقسمت عليها الدار بينهم. فصل: وإذا تنازع وعمرو دارًا في يد زيد فأقام عمرو البينة، أن الدار له انتزعت منه الدار، وسلمت إلى عمرو، فإن عاد زيد بعد انتزاع الدار من يده، فأقام البينة أن الدار ملكه، حكم له بالدار، وأعيدت إليه وإن لم يكن له في الحال يد، لأن زوال يده بينة خارج عرف سبب زوالها، وصارت له بينة مع يده، وهي بينة داخل فقضى بها على بينة الخارج. ولو كانت المسألة بحالها، فأقام زيد البينة والدار في يده، بأنه مالكها، وأقام عمرو البنية أنه ابتاعها من زيد، حكم بها لعمرو، لأن بينته قد أثبتت لزيد ملكًا، زال عنه إلى عمرو بابتياعها، فكانت أزيد بيانًا، وأثبت حكمًا، فلو أقام زيد البينة والدار في يده، أنه مالكها، وأقام عمرو البينة أن حاكمًا حكم له على زيد بملكها، كشف عن حكم الحاكم بملكها لعمرو، فإن بان أنه حكم بها له، لأن زيدًا لم يكن له في تلك الحال بينة نزعها من يده بالبينة، وجب أن ينقض حكم الحاكم بها لعمرو، لأن زيدًا قد أقام بها بينة مع يده، وإن بان أنه حكم بها لعمرو على زيد العدالة بينة عمرو وجرح بينة زيد نظر، فإن أعاد زيد تلك البينة بعد أن ظهر عدالتها حكم بها عمرو دون زيد، لأن البينة إذا ردت بالجرح في شهادة لم تسمع منها تلك الشهادة بعد التعديل، وكان حكم الحاكم بها لعمرو ماضيًا، وإن قام زيد بينة غير تلك المردودة، حكم بالدار لزيد، ونقض حكم الحاكم بها لعمرو، وإن بان أن الحاكم حكم بها لعمرو على زيد مع بينة كل واحد منهما لأنه كان ممن يرى أن يحكم بينة الخارج على بينة الداخل، كرأي أهل العراق ففي نقض حكم الحاكم بها لعمرو وجهان: أحدهما: لا ينقض، لنفوذ باجتهاده فلم ينقض، وتقر الدار في يد عمرو.

стр. 7118

والثاني: ينقض حكم بينة الخارج على بينة الداخل، ويحكم بها لزيد، لأن هذا الاختلاف وإن لم يكن فيه نص فالقياس فيه جلي، والاجتهاد فيه قوي، فنقض بأقوى الاجتهادين أضعفهما، وإنما لا ينقض الاجتهاد مع التكافؤ، واحتمال الترجيح، وإن بان أن الحاكم حكم بها لعمرو على زيد ببينته، ولم تسمع بينة زيد، نظر في الحاكم، فإن كان يرى أن لا يحكم ببينة الداخل مع بينة الخارج، ففي نقض حكمه ما قدمناه من الوجهين كما لو سمعها ولم يحكم بها. وإن كان يرى أن بينة الداخل أولى بالحكم، فلم يسمعها، بعد سماع بينة الخارج، نقض حكمه لعمرو كم بها لزيد، وإن لم يبن بعد الكشف السبب الذي أوجب الحكم بها لعمرو، دون زيد مع ثبوت يد زيد وبينته، ففي نفوذ الحكم بها لعمرو وجهان: أحدهما: أن الحكم بها نافذ ممضي ولا ينقض إلا أن يعلم ما يوجب نقضه على ما شرحناه في أحد الأسباب الموجبة لنقضه، لأن الظاهر من حكم الحاكم نفوذه على الصحة، حتى يعلم فساده. والثاني: ينقض حكم الحاكم بها لعمرو تغليبًا ليد زيد، وبينته، حتى يعلم أن حكم الحاكم نفذ على وجه الصحة دون الفساد لاحتمال تردده بين الأمرين وهذا قول محمد بن الحسن، ولأن كان له وجه فهو ضعيف، والله أعلم. باب في القافة ودعوى الولد مسألة: قال الشافعي ﵁: "أخبرنا سفيان عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت: دخل على رسول الله ﷺ أعرف السرور في وجهه فقال: "ألم ترى أن مجزرًا المدلجي نظر إلى أسامة وزيدٍ عليهما قطيفةٌ قد غطيا رؤوسهما وبدت أقدامهما قال: إن هذه الأقدام بعضها من بعض" قال الشافعي فلو لم يكن في القافة إلا هذا انبغى أن يكون فيه دلالةٌ أنه علمٌ ولم لم يكن علمًا لقال له لا تقل هذا لأنك إن أصبت في شيءٍ لم آمن عليك أن تخطئ في غريه وفي خطئك قذف محصنةٍ أو نفي نسبٍ وما أقره إلا أنه رضيه ورآه علمًا ولا يسر إلا بالحق ﷺ ودعا عمرو ﵀ قائفًا في رجلين ادعيا ولدًا فقال: لقد اشتركا فيه فقال عمر للغلام وال أيهما شئت وشك أنس في ابنٍ له فدعا له القافة قال الشافعي ﵀ وأخبرني عددٌ من أهل العلم من المدينة ومكة أنهم أدركوا الحكام يفتون بقول القافة. قال الشافعي ﵀ ولم يجز الله جل ثناؤه نسب أحدٍ قط إلا إلى أبٍ واحدٍ ولا رسوله ﵇". قال في الحاوي: وهذا صحيح القيافة يحكم بها في إلحاق الأنساب، إذا اشتبهت

стр. 7119

بالاشتراك في الوطء الموجب للحوق النسب، فإذا اشترك الرجلان في وطء امرأة يظنا كل واحد منهما زوجته، أو أمته، أو يتزوجها كل واحد منهما تزويجًا فاسدًا يطؤها فيه، أو كان نكاح أحدهما صحيحًا يطؤها فيه ووطئها الآخر بشبهة، أو يكونان شريكين في أمة فيشتركان في وطئها، ثم يأتي بولد بعد وطئها لمدة لا تنقص عن أقل الحمل، وهي ستة أشهر، ولا تزيد على أكثره، وهي أربع سنين فيمكن أن يكون من كل واحد منهما، فلا يجوز أن يلحق بهما ولا يجوز أن يخلق من مائهما، فيحكم بالقافة في إلحاقه بأحدهما: وكذلك لو اشترك عدد كثير في وطئها، حكم بالقافة في إلحاقه بأحدهم، وسواء اجتمعوا على ادعائه، والتنازع فيه أو تفرد به بعضهم في استوائه في إلحاقه بأحدهم، وهو في الصحابة قول علي بن أبي طالب ﵇ في القافة، إذا وجدوا، ويقرع بينهم، إذا فقدوا حكم عمر ﵁ بالقافة في إحدى الروايتين عنه، وبه قال أنس بن مالك، وبه قال من التابعين عطاء، ومن الفقهاء مالك، والأوزاعي، وأحمد بن حنبل. وقال أبو حنيفة: وأصحابه لا يحكم بالقافة، ويجوز أن يخلق الولد من ماء رجلين وأكثر، وألحقه بجميعهم، ولو كانوا مائة. وإذا تنازع امرأتان ولدًا ألحقته بهما كالرجلين. وقال أبو يوسف: ألحقته بالواحد إجماعًا، وبالاثنين أثرًا وبالثلاثة قياسًا ولا ألحقه بالرابع، فتحرر الخلاف مع أبي حنيفة في ثلاثة أشياء: أحدهما: في إلحاقه بالقافة منع منها أبو حنيفة وجوزناه. والثاني: في إلحاقه بأبوين جوزه أبو حنيفة وأبطلناه. والثالث: في خلقه من ماءين فأكثر، صححه أبو حنيفة، وافسدناه، واستدل أصحاب أبي حنيفة على إبطال قول القافة، وأن لا يكون للشبه تأثير في لحوق الأنساب بقول الله تعالى: ﴿وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: ٣٦] وهذه صفة القائف، وبقوله تعالى: ﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾ [الانفطار: ٨] ولو تركبت عن الاشتباه زالت عن مشتبه، وبقول تعالى: ﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾ [المائدة: ٥٠]. والقيافة من أحكام الجاهلية، وقد أنكرت بعد الإسلام، وعدت من الباطل، حتى قال جرير في شعره: وطال خياري غربة البين والنوى وأحدوثه من كاشح يتقوف أي يقول: الباطل. وما روي أن رجلًا جاء إلى رسول الله ﷺ فقال: إن امرأتي ولدت غلامًا أسود وأنا أنكره. فقال: هل لك من إبل؟ فقال: نعم. قال: ما ألوانها؟ قال: حمر. قال: فهل فيها من أورق؟ قال: نعم. قال: فيمن أين هذا؟ قال: لعل عرقًا نزعه. قال: وهذا لعل عرقًا

стр. 7120

نزعه"، فأبطل الاعتبار بالشبه الذي يعتبره القائف، وبما روي أن العجلاني لما قذف من شريك ابن السحماء بزوجته وهي حامل، فقال النبي ﷺ "إن جاءت به على نعت كذا، فلا أره إلا وقد صدق عليها، وإن جاءت به على نعت كذا، فلا أراه إلا وقد كذب عليه"، فجاءت به على النعت المكروه، فقال النبي ﷺ : "إن أمره لبين لولا ما حكم الله لولا الأيمان، لكان لي ولها شأن". فدل على أن حكم الله يمنع من اعتبار الشبه. د قالوا: ولو كانت القيافة علمًا لهم في الناس، ولم يختص بقوم ولأمكن أن يتعاطاه كل من أراد كسائر العلوم فلما لم يعلم ولم يمكن أن يتعلم بطل أن يكون علمًا يتعلق به حكم، ولأنه لما لم يعمل بالقيافة في إلحاق البهائم كان أولى أن لا يعمل بها في إلحاق الأنساب، واستدلوا على جواز إلحاق الولد بآبائه لعموم قول النبي ﷺ : "الولد للفراش وللعاهر الحجر". فلما لم يمتنع الاشتراك في الفراش لم يمتنع الاشتراك في الإلحاق، وبما روي عن قضية عمر بن الخطاب ﵁: (اختصما في رجلين إليه وقد وطئا امرأة في طهر واحد، فأتت بولد فدعا بالقائف وسأله فقال: قد أخذ الشبه منهما يا أمير المؤمنين، فضربه عمر بالدرة، حتى أضجعه ثم حكم بأنه ابنهما يرثهما، ويرثانه، وهو للباقي منهما، فلم يظهر له في الحكم بهما فخالف مع اشتهار القضية، فصار كالإجماع. قالوا: ولأنهما قد اشتركا في السبب الموجب لثبوت النسب، فوجب أن يكون لاحقًا بهما كأبوين. قالوا: لأن أسباب التوارث لا يمتنع الاشتراك فيها كالولاء، واستدلوا على جواز خلقه من ماء رجل بأنه لما خلق الولد من ماء الرجل الواحد، إذا امتزج بماء المرأة في الرحم كان أولى أن يخلق من ماء الجماعة، إذا امتزج ماؤهم بمائها، لأنه بالاجتماع أقوى وبالانفراد أضعف، والقوة أشبه بعلوق الولد من الضعف. قالوا: ولأنه إذا حاز أن يخلق من اجتماع ماء الرجل الواحد من إنزال بعد إنزال، جاز أن يخلق من اجتماع ماء الجماعة من وطئ بعد وطئ، لأن اجتماع المياه من الجماعة كاجتماعهما من الواحد. فصل: والدليل على اعتبار الشبه في الأنساب، إذا اشتبهت، والعمل فيها بالقيافة، ما روي الشافعي في صدر الباب عن سفيان، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة رضوان الله عليها، قالت: "دخل علي رسول الله ﷺ أعرف السرور في وجهه". وروى ابن جريج عن الزهري: تبرق سرائر وجهه، فقال ألم ترى أن مجززًا المدلجي نظر إلى أسامة وزيد، عليهما قطيفة، فقد غطيا رؤوسهما وبدت أقدامهما،

стр. 7121

فقال: إن هذه الأقدام بعضها من بعض. ففيه دليلان: أحدهما: أن المشركين كانوا يطعنون في نسب أسامة بن زيد حارثة، لأن زيدًا كان قصيرًا عريض الأكتاف أخنس أبيض اللون، وكان أسامة مديد القامة أقنى أسود اللون، وكان زيد حب رسول الله ﷺ يكره القدح فيه وفي أسامة، فلما جمع مجززًا المدلجي بينهما في النسب، بقوله: "هذه أقدام بعضها من بعض" سر رسول الله ﷺ لزوال القدح فيهما، ممن كان يطعن في نسبهما فلو لم تكن القيافة حقًا، لما سر بها؛ لأنه لا يسر ببطال ولرد ذلك عليه، وإن أصاب، لأن لا يأمن من الخطأ في غيره. والثاني: أن الشرع مأخوذ عن الرسول ﷺ من قوله وفعله، وإقراره، فكان إقراره لمجزز على حكمه شرعًا من الرسول ﷺ في جواز العمل به. يدل عليه ما روي: أن النبي ﷺ خرج ذات يوم إلى الأبطح فرأى بعض قافة الأعراب، فقال: ما أشبه القدم بقدم إبراهيم التي في الحجر، فألحقه بالجد الأبعد، وأقره على اقتفاء الأثر ولم ينكر، فثبت اعتبار الشبه بالقافة شرعًا، ويدل على اشتهاره في الإسلام، أنه لما خرج رسول الله ﷺ مع أبي بكر ﵁ إلى غار ثور مختفيًا فيه من قريش، أخذت قريش قائفًا يتبع به أقدام بني إبراهيم فيتبعها حتى انتهى إلى الغار ثم انقطع الأثر فقال: إلى هاهنا انقطع أثر بني إبراهيم، فلم يكن من الرسول ﷺ فيه إنكار فثبت أنه شرع ويدل عليه أن النبي ﷺ قد اعتبر الشبه في ولد العجلاني، فقال: "إن جاءت به على نعت كذا فلا أراه إلا وقد صدق عليها، وإن جاءت به على نعت كذا فلا أراه إلا وقد كذب عليها" فجاءت به على النعت المكروه. فقال النبي ﷺ : "لولا الأيمان" وروي: "القرآن لكان لي ولها شأن" يعني في إلحاق الولد بالفراش، ونفيه عن العاهر، ولولا أن الشبه مع جواز الاشتراك حكم، لأمسك عنه كيلا يقول باطلًا فيتبع فيه وقد نزه الله تعالى رسوله ﷺ عن قول الباطل كما نزهه عن فعله. ويدل عليه ما روي عن النبي ﷺ أنه قال: "إذا غلب ماء الرجل كان الشبه للأعمام، وإذا غلب ماء المرأة كان الشبه للأخوال". فدل على أن للشبه تأثيرًا فيما أشبه. فقد كان بعض أصحابنا يستدل عليه بقول النبي ﷺ : "اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله". فجعل للفراسة حكمًا، ويدل عليه من طريق الإجماع اشتهاره في الصحابة، ﵃ أنهم فعلوه، وأقروا عليه، ولم ينكروه، حتى روي أن أنس بن مالك شك في ابن له، فأراه القافة، ولو كان هذا منكرًا لما جاز منهم إقرارهم على منكر، فصار كالإجماع، وقد جرى في أشعارهم ما يدل على اعتبار القيافة عندهم، واشتهار صحتها بينهم، حتى قال شاعرهم:

стр. 7122

قد زعموا أن لا أحب مطرقا كلا ورب البيت حبًا مسرفا يعرفه من قاف أو تقوفا بالقدمين، واليدين، والقفا وطرف عينيه إذا تشوفا ويدل عليه من طريق المعنى، هو أن الحادثة في الشرع، إذا تجاذبها أصلان حاظر ومبيح، لم ترد إليها، وردت إلى أقواهما شبهًا بها، كذلك في اشتباه الأنساب. والدليل على إبطال إلحاق الولد يأتي في قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى﴾ [الحجرات: ١٣]، وهذا خطاب لجميعهم فدل على انتفاء خلق أحدهما من ذكرين وأنثى، وقال تعالى:؟ ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ﴾ [الإنسان: ٢] فمنع أن يكون مخلوقًا من نطفتين، ويدل عليه أن ليس في سالف الأمم، وحديثها، ولا جاهلية ولا إسلام، أن نسبوا أحدًا في أعصارهم، إلى أبوين، وفي إلحاقه باثنين خرق العادات، وفي خرقها إبطال المعجزات، وما أفضى إلى إبطالها، بطل في نفسه، ولم يبطلها. والقياس، هو أنهما شخصان، لا يصح اجتماعهما على وطء واحد فلم يجز أن يلحق الولد بهما كالحر مع العبد، والمسلم مع الكافر فإن أبا حنيفة يمتنع من إلحاقه بهما، وإن اشتركا في الوطء فيلحقه بالحر دون العبد، والمسلم دون الكافر، والدليل على إبطال خلقه من ماءين مع ما قدمناه من نص الكتاب شيئان: أحدهما: ما أجمع عليه أمم الطب في خلق الإنسان، أن علوق الولد يكون حين يمتزج ماء الرجل بماء المرأة، ثم تنطق الرحم عليهما بعد ذلك الامتزاج فينعقد علوقه لوقته، ولا يصل إليه ماء آخر، من ذلك الواطئ ولا من غيره، وقد نبه الله تعالى على قوله تعالى: ﴿فَلْيَنظُرِ الإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ (٥) خُلِقَ مِن مَّاءٍ دَافِقٍ (٦) يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ (٧)﴾ [الطارق: ٥ - ٧] يعني أصلاب الرجال، وترائب النساء، والترائب الصدور فاستحال، بهذا خلق الولد من ماءين من ذكر أومن ذكرين. والثاني: أنه لما استحال في شاهد العرف أن تنبت السنبلة من حبتين، وتنبت النخلة من نواتين، دل على استحالة خلق الولد من ماءين. فإن قيل: لما لم يستحل خلق الولد من ماء ذكر، وأنثى، لم يستحل أن يخلق من ماء ذكرين وأنثى. قيل: قد جوزتم ما يستحيل إمكانه في العقول، والعيان من إلحاق الولد، بأمين فكيف اعتبرتم إنكار إلحاقه بأبوين؟ وتعليلكم بالإمكان في الأبوين يبطل إلحاقكم له بأمين، وكلا الأمرين عندنا مستحيل في الأبوين، والأمين، ثم نقول ما استحال عقلًا وشرعًا في لحوق الأنساب. لم يثبت به نسب كابن عشرين إذا ادعى أبوه ابن عشرين سنة لم يلحق لاستحالته، كذلك ادعاء امرأتين ولدًا لم يلحق بهما لاستحالته. فصل: فأما الجواب عن قوله تعالى: ﴿وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: ٣٦] فهو

стр. 7123

عائد عليهم في إلحاقه بالجماعة، فلم يكن لهم دليل. وأما الجواب عن قوله تعالى: ﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾ [الانفطار: ٨] فهو: أنه يراد به فيما شاء من شبه أعمامه، وأخواله، وأما الجواب عن قوله تعالى: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ [المائدة: ٥٠]، فهو: أنه ما ورد به الشرع، لا ينسب إلى حكم الجاهلية، وإن وافقه. وأما الجواب عن قوله ﷺ : "لعل عرقًا نزعه" فهو أنه دال على اعتبار الشبه، لأنه علل بنزوع العرق الأول. وأما الجواب عن حديث العجلاني، فهو ما جعلناه دليلًا منه. وأما الجواب عن اختصاص قوم به، وتعذر معاطاته، وتعلمه: فهو أنه ليس يمتنع، أن يكون في العلوم، ما يستفاد بالطبع دون التعلم كقول الشاعر: إن لم يستفده الإنسان طبعًا تعذر أن يقول بتعلم واكتساب ولا يمتنع أن تكون صناعة الشعر علمًا، كذلك القيافة. وأما الجواب عن قوله: "الولد للفراش": فهو أن الفراش عند أبي حنيفة الزوجة، وعندنا من يجوز أن يلحق ولدها، ولا يجوز أن تكون المرأة ذات زوجين، فلم يجز عندهم أن تكون لاثنين، وعندنا لا يجوز أن يلحق ولدها إلا بواحد فلم يكن فراشًا إلا لواحد. وأما الجواب عن استدلالهم بامتناع القيافة في البهائم. فهو أن المقصود بإلحاق البهائم الملك، واليد أقوى فاستغنى به عن القيافة، والمقصود في الآدميين النسب، واليد لا تأثير لا فاحتيج فيه إلى القيافة. وأما الجواب عن قصة عمر ﵁ في إلحاق الولد باثنين، فهو: أن الرواية اختلفت في هذه القصة فروى الشافعي في كتاب "الأم" عن ابن عياض عن هشام عن أبيه عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب أن رجلين تداعيا ولدًا فدعا عمر ﵁ القافة فقالوا: قد اشتركا فيه. فقال عمر: وإلى أيهما يثبت؟ ويروي أنه دعا عجائز من قريش، فقلن: إن الأول وطئها، فعلقت منه، ثم حاضت فاستجشف الولد ثم وطئها الثاني، فانتعش بمائه، فأخذ شبهًا منهما، فقال عمر: الله أكبر" وألحق الولد بالأقرب، وإذا تعارضت فيها الروايات المختلفة، سقط تعلقهم بها وكانت دليلًا لنا لاجتماعهم فيها على استعمال القافة، واستخبارهم عن إلحاق الولد. وأما الجواب عن قياسهم على إلحاقه بأبويه مع انتفاضه بدعوى المسلم والكافر فهو أن الأب والأم هما مشتركان في وطء واحد، فلحق الولد بهما والرجلان لا يشتركان في وطء واحد، فلم يلحق الولد بهما. وأما الجواب عن استدلالهم بالولاء تعليلًا بالتوارث بها، فليست الأنساب معتبرة بالتوارث لثبوت الأنساب مع عدم التوارث بالرق، واختلاف الدين، ثم المعنى في الولاء حدوثه عن مالك، لا يمتنع يفه الاشتراك، وحدوث النسب عن وطء واحد، يمتنع فيه الاشتراك.

стр. 7124

وأما الجواب عن استدلالهم، بأنه لما لحق بذكر وأنثى، لحق بذكرين وأنثى، فقد تقدم بما ذكرناه من امتناعه أن يخلق من ماءٍ بعد ماء، من واحد، أو اثنين. فصل: وإذا كان أحد الواطئين زوجًا وطئها في نكاح صحيح، والآخر أجنبيًا، وطئها بشبهة كانا في استلحاق الولد سواء، ويلحقه القافة بأشبههما به، وقال مالك يلحق بالزوج من غير قافة لقوته بالنكاح، وتميزه بالاستباحة. ودليلنا: هو أن كل واحد منهما ولو انفرد، لكان الولد لاحقًا به فوجب إذا اجتمعا أن يستويا في استلحاقه لاستوائهما في السبب الموجب للحوقه. وليس اختصاص بالاستباحة موجبًا، لاختصاصه بلحوق الولد كمن باع أمه بعد وطئها، ووطئها المشتري قبل استبرائه، وجاءت بولد يمكن لحوقه، بهما استويا في استلحاقه القافة بمشبهه. وإن كان وطء البائع مباحًا ووطء المشتري محظورًا. فصل: فإذا تقرر وجوب الحكم بالقيافة في الأنساب، إذا اشتبهت بعد الاشتراك في أسباب لحوقهما، فالكلام فيهما يشتمل على أربعة فصول: أحدها: صفة القائف. والثاني: صفة القيافة. والثالث: الموجب لها. والرابع: نفوذ الحكم بها. فأما الفصل الأول: في صفة القائف، فيشمل على أربعة شروط، يصح أن يكون بها قائفًا. وهو: أن يكون رجلًا حرًا، عدلًا، عالمًا، لأنه متردد الحال بين حكم، وشهادة، فاعتبرت فيه هذه الشروط الأربعة، فإن كان امرأة أو عبدًا أو فاسقًا أو غير عالم لم يجز أن يكون قائفًا، وعلمه ضربان: أحدهما: علمه بالقيافة. والثاني: علمه بالفقه. فأما علمه بالقيافة، فهو المقصود منه، فلابد أن يكون معتبرًا فيه ومختبرًا عليه، واختياره فيه أن يجرب في غير المتنازعين، بأن يضم ولده معروف النسب، إلى جماعة ليس له فيهم أب، ويقال له: من أبوه منهم؟ ولا يقال ألحقه بأبيه منهم، لأنه أب، وقيل له: ألحقه بأبيه منهم، لأن له فيهم أبًا، فإن ألحقه بأبيه منهم، عرف أنه عالم بالقيافة.

стр. 7125

وإن أخطأ في الأول فألحقه بواحد منهم، أو أخطأ في الثاني فألحقه بغير أبيه منهم، علم عالم بالقيافة، ولا يقنع، إذا أصاب مرة أن يجرب في ثانية، وثالثة، لأنه قد يجوز أن يصيب في الأولة، اتفاقًا وفي الثانية، ظنًا وفي الثالثة يقينًا، فإذا وثق بعلمه عمل على قوله، ولا يلزم أن يختبر ثانية بعد المعرفة بعلمه. وأما علم الفقه فإن نزل به منزلة المخير لم يفتقر إلى علم الفقه وإن نزل منزلة الحاكم على ما سنذكرهن من الفرق بين حالتيه، اعتبر فيه من علم الفقه، ما اختص بلحوق الأنساب ولم يعتبر فيه العلم يجمع الفقه، لأن اعتباره في القافة متعذرًا. ولا يلزم أن يكون أصحابنا، فقال: لا يصح أن يكون إلا من بني مدلج، لاختصاصهم بعلم القيافة، طبعًا في خلقهم، وهذا لا وجه له لأن مقصود القيافة قد يجوز أن يعدم في بني مدلج، ويوجد في غير بني مدلج، وإن كان الأغلب وجوده في بني مدلج. وأما الفصل الثاني في صفة القيافة، فالمعتبر فيها التشابه من أربعة أوجه: أحدها: تخطيط الأعضاء وأشكال الصورة. والثاني: في الألوان والشعور. والثالث: في الحركات والأفعال. والرابع: في الكلام، والصوت، والحدة، والأناة، ولئن جاز أن تختلف هذه الأربعة في الآباء والأبناء في الظاهر الجلي، فلابد أن يكون يبنهما، في الباطن تشابه خفي، ولئن لم يكن في جميعها لغلبه التشابه بالأمهات، فلابد أن يكون في بعضها لأن المولود من أبيض، وأسود، لا يكون أبيض محضًا، ولا أسود محضًا، فيكون فيه من البياض، ما يقارب الأبيض، ومن السواد ما يقارب بالسواد. وإذا كان كذلك لم يخل حال الولد مع المتنازعين فيه من ثلاثة أقسام: أحدهما: أن يكون فيه شبه من أحدهما، وليس فيه شبه من الآخر، فيلحق بمن فيه شبهه، وينفي عمن ليس فيه شبهة، وسواء كان الشبه بينهما من جميع الوجوه، أو من بعضها ظاهرًا كان أو خفيًا. والثاني: أن لا يكون فيه شبه من كل واحد، منهما فلا يكون في القيافة بيان، ولا يجوز ان ينفي عنها، لأن نسبه موقوف عليهما، فيعدل إلى الوقف على الانتساب، على ما سنذكره. والثالث: أن يكون فيه شبه من كل واحد منهما، فهذا على خمسة أضرب: أحدهما: أن يتماثل الشبهان، ولا يترجح أحدهما على الآخر بشيء، فلا يكون في القيافة بيان، ويعدل إلى غيرها. والثاني: أن يتماثل الشبه بينما في العدد، ويختلفا في الظهور، والخفاء، يكون فيه

стр. 7126

من كل واحد منهما شبهان، وهو في أحدهما ظاهر، وفي الآخر خفي، فيلحق بمن ظهر منه الشبه دون من خفي فيه. والثالث: أن يتماثلا في الظهور، والخفاء، ويختلفان في العدد، فيكون الشبه في أحدهما من ثلاثة أوجه، وفي الآخر من وجهين، فيلحق بمن زاد عدد الشبه فيه دون من قل. والرابع: أن يكون الشبه في أحدهما أكثر عددًا، أو أظهر شبهًا، وهو في الآخر أقل، وأخفى، فيلحق بمن كثر فيه عدد الشبه، وظهر دون من قل، فيه وخفي، وهو أقوى من الضربين المتقدمين. والخامس: أن يكون أحدهما في الشبه أكثر عددًا، وأخفى شبهًا، والآخر أقل عددًا وأظهر شبهًا، فيكون الشبه في أحدهما من ثلاثة أوجه خفية، وفي الآخر وجهين ظاهرين، ففي وجهان: أحدهما: يرجع كثرة العدد على ظهور الشبه، فيلحق بمن فيه الشبه من ثلاثة أوجه، تغليبًا لزيادة التشابه. والثاني: يرجح ظهور الشبه على كثرة العدد، فيلحق بمن فيه الشبه من وجهين ظاهرين، تغليبًا لقوة التشابه، فهذا أصل في اعتبار التشابه في القيافة، وقد يختلف فطن القافة فمنهم من تكون فطنته من أعداد التشابه أقوى، ومنهم من تكون فطنته في قوة التشابه أقوى، فيعتمد كل واحد منهم على ما في قوة فطنته، تغليبًا لقوة حسه، فإن كان القائف عازمًا بأحكام هذه الأقسام، جاز أن يكون فيها مخبرًا، وحاكمًا، وإن لم يكن عارفًا بأحكامها كان فيها مخيرًا، ولم يكن فيها حاكمًا، ليحكم بها من الحكام من يعلمها، ويجتهد رأيه فيها. وأما الفصل الثالث: في الموجب لاستعمال القافة، فالتنازع في الولد على ضربين: أحدهما: أن يكون من لقيط لا يعرف للمتنازعين فيه فراش، فلا يخلو حال الولد من أن يكون صغيرًا، أو كبيرًا، فإن كان كبيرًا بالغًا عاقلًا توجهت الدعوى عليه، وكان الجواب مأخوذًا منه، فإن صدق أحدهما، وكذب الآخر، لحق بالمصدق، ولا يمين عليه للمكذب، لأنه لو رجع عن إقراره لم يقبل، ولم يغرم، وإن كذبهما حلف لهما، ولم يلحق بواحد منهما، لأنه لو أقر قبل التكذيب قبل إقراره، وإن قال: أنا ابن واحد منكما ولست أعرفه بعينه، رجع إلى القافة في إلحاقة، بأحدهما فإن عدموا أخذ الولد جدًا بالانتساب إلى أحدهما غيبًا، فإن سلمه أحد المتنازعين إلى الآخر، فإن كان قبل القافة والانتساب، جاز وصار ولدًا لمن أسلم إليه، وإن كان بعد الحكم بنسبه، إما بعد القافة أو بعد الانتساب لم يجز. وإن كان الولد صغيرًا غير مميز، أو كان بالغًا مجنونًا، استعمل فيه القافة، ولم

стр. 7127

يعتبر فيه إقرار ولا فراشن فإن ألحقه القافة بأحدهما لحق به وإن عدموا أو شكل عليهم، وقف إلى زمان الانتساب فإنه سلمه أحدهما إلى الآخر، كان على ما قدمناه من جوازه قبل إلحاقه، وبطلانه بعد إلحاقه. والثاني: أن يكون الولد عن فراش وقع فيه التنازع، فاستعمال القيافة فيه معتبر بثلاثة شروط: أحدهما: أن يكون الفراش مشتركًا بين المتنازعين فيه، فإن تفرد به أحدهما، كان ولدًا لصاحب الفراش من غير قيافة، وإن كان شبهه بغير صاحب الفراش أقوى. فلو أن زوجًا شك في ولده من زوجته، فإن أراد أن يستعمل فيه القافة لم يجز لأن القافة لا تنفي ما لحق بالفراش. والثاني: أن يكون اشتراكهما في الفراش موجبًا للحوق الولد بكل واحد منهما، لو انفرد، فإن كان لا يلحق بكل واحد منهما لو انفرد، لأنهما زانيان بطلت دعواهما فيه، ولم يلحق واحد منها وإن كان يلحق بأحدهما دون الآخر، لأن أحدهما زان، والآخر ليس بزان، بطل تنازعهما، ولم تستعمل القافة فيه، وكان لاحقًا بصاحب الفراش، دون الزاني لقول النبي ﷺ : "الولد للفراش وللعاهر الحجر". والثالث: أن يثبت فراش كل واحد منهما وثبوته، معتبر بحال المتنازعين، فإن كان أحدهما زوجًا، والآخر ذا شبهة، ثبت فراش ذي الشبهة بتصديق الزوج، ولم يعتبر فيه تصديق الموطوءة، لأن الفراش للزوج، وإن لم يكن فيهما زوج اعتبر فيه تصديق الموطوءة، لكل واحد منهما، إن كانت خالية من زوج، وإن كانت ذات زوج، اعتبر فيه تصديق، دونها، لأنه أملك بالفراش فيها، وصار الزوج داخلًا معها في التنازع، لأن له فراشًا ثالثًا، ولا يعتبر تصديق كل واحد منهما لصاحبه، لأن ثبوت النسب حق له وعليه. فلو أنكرتها الموطوءة أو زوجها لم يثبته لواحد منهما الفراش، وعلى منكرها اليمين. ولو ادعت الموطوءة أو زوجها عليها الفراش، وأنكراه فالقول قولهما مع إيمانهما، ولا فراش على واحد منهما. فإذا ثبت فراشهما، بما ذكرنا من التصادق فيه أو قامت به بينة مع التجاحد على الوجه الذي تقوم به البينة في مثله، تكاملت شروط الاشتراك في لحوقه النسب وصار الفراش حقًا لهما، وحقًا عليهما، فلا يقف على مطالبتهما ولا يجوز لواحد منهما أن يسلم لصاحبه، لما فيه من الخف عليه، ويستوي فيه حكم الوالد صغيرًا وكبيرًا ويستعمل

стр. 7128

القافة في إلحاقه بأحدهما، إذا طولب بها. والذي يستحق المطالبة بها من كان قوله في الفراش معتبرًا، والولد إذا كان بالغًا فإن لم يطلب الحاكم بها جاز له في حق الصغير أن يستعمل القيافة إذا علم بالحال من غير طلب نيابة عن الصغير، ولم يكن له أن يستعملها في حق الكبير، لأنه أخص بطلب حقوقه. وأما الفصل الرابع: في ثبوت الحكم بلحوق النسب بقول القافة فهو معتبر باستلحاق النسب، واستلحاقه على ضربين: أحدهما: أن يكون لاشتراكهما في فراش. والثاني: إذا تداعيا لقيطًا. فإن كان لاشتراكهما في فراش، لم يصح إلحاقه بالقافة، لا يحكم الحاكم، لأن الفراش قد أوجب لهما حقًا، وأوجب عليهما حقًا في إلحاقه بأحدهما، ونفيه عن الآخر، وألحق لهما على الولد، وألحق عليهما للولد ولذلك وجب إلحاقه بأحدهما، وإن يتنازعا فيه، ولم يجز أن يسلمه أحدهما إلى الآخر فكان أغلظ من اللعان الذي لا يصح إلا بحكم حاكم فكان هذا أولى أن يصح إلا بحكم حاكم، لأن اللعان يختص بالنفي دون الإثبات، والقيافة بين النفي والإثبات. وإذا كان استحقاق الولد في ادعاء لقيط لم يعرف لهما فيه فراش مشترك، فهو حق لهما وليس بحق عليهما في الظاهر، لأنهما لو لم يتنازعا فيه، لم يعترض لهما، ولو سلمه أحدهما إلى الآخر صح وانتفى عمن سلمه، ولحق من سلم إليه فلم يفتقر استلحاقه إلى حكم، وجاز أن ينفرد باستعمال القافة فيه إن اختارا، وجاز أن يتحاكما فيه إلى حاكم، إن اختلفا فإن تنازعا فيه إلى حاكم وفق اختيار القائف على الحاكم، دونهما وإن لم يتنازعا فيه إلى الحاكم، وفق اختيار القائف عليهما فإذا اتفقا على اختبار قائف كان فيه بالخيار في تحكيمه، أو استخباره، على ما سنذكره في شرح التحكيم، والاستخبار. فإن استخبره، فأخبر كان موقوفًا على إمضائهما والتزامهما. وإن حكماه فحكم كان في لزوم حكمه لهما قولان، وإن اختلفا في اختيار القائف، إذا حلفا بعد الاتفاق عليه في تحكيمه، أو استخباره لم يعمل على اختيار واحد منهما، وتنازعا فيه إلى الحاكم لم يحكم بينهما، وإذا كان الحاكم هو الناظر بينهما في لحوق النسب، إما في الفراش المشترك حتمًا واجبًا، وإما في اللقيط المدعي، إما بالتراضي والاختيار، وإما أن يطلبه أحدهما دون الآخر، فيؤخذ الممتنع جيدًا بالحكم، وإنما يجوز للمتنازعين في اللقيط أن يتفردا بالقيافة إذا اتفقا على التراضي في تفردهما به، دون الحاكم.

стр. 7129

فإذا أراد الحاكم الحكم بينهما، اختار من القافة أوثقهم وأغلبهم، واجتهد رأيه في تحكيم القائف، أو استخباره فإن اجتهاده إلى تحكيمه، كان ذلك استخلافا له في الحكم بينهما فيراعي في استنابته شروط التقليد، واختبر في العلم بشروط الإلحاق، فإن قضى بها، أعلمه بها. فأما المختص منها بفطنته فقوة حسه، فهو مركوز في طبعه، ويجوز أن يقتصر على قائف واحد، لأنه حكم، فجاز من القائف الواحد، فإن جمع فيه بين قائفين احتياطًا كان أوجد، كما جمع في شقاق الزوجين بين الحكمين. ولا ينفذ الحكم في لحوقه بواحد منهما، حتى يجتمعان عليه، فإذا ألحقه القائف الواحد إذا أفرد أو القائفان إذا جمع بينهما بأحد المتنازعين فيه، ونفاه عن الآخر لحقه، وانتفى عن الآخر، ولو ألحقه بأحدهما، ولم ينفه عن الآخر، لم يلحق به، لجواز أن يرى اشتراكهما فيه، ولو نفاه عن أحدهما ولم يلحقه بالآخر، انتفى ممن نفاه عنه، وصار الآخر منفردًا بالدعوى، فلحق به، لانفراد بالفراش، لا بالقائف. ولو تنازع في دعواه ثلاثة فألحقه بأحدهم، ونفاه عن الآخرين، أمضى حكمه في إلحاقه ونفيه، ولو نفاه عن أحدهم، خرج من الدعوى، وصارت بين الآخرين، ولو نفاه من اثنين، خرجا من الدعوى، وصار لاحقًا بالباقي، لانفراده بالدعوى، لا بقول القائف، فإن لحق بأحدهم لألحاق القائف به، ونفيه عن غيره استقر حكمه في ثبوت نسبه، ولزم الحاكم تنفيذ حكمه، وإن نفاه القائف عن أحدهما استقر حكمه بالنفي، ولم يستقر حكمه باللحوق، حتى يحكم له بالحاكم باللحوق، بحكم الانفراد بالدعوى، فإن رجع القائف بعد حكمه بذكر الغلط فيه، لم يقبل رجوعه، لأن نفوذ الحكم بالاجتهاد يمنع من نقضه باجتهاد. وإن رأي الحكم اجتهاده إلى استخبار القائف دون تحكيمه، أنكر القائف مخبرًا، والحاكم هو المتفرد بالحكم، وجاز لزومه أن يجمع بين قائفين، ولم يجزن أن يقتصر على واحد منهما، وإن كان خبر الواحد مقبولًا، لأن الحاكم لا يجوز أن بخير الواحد، وإنما يجوز أن يحكم بشهادة اثنين، كما لا يحكم في التقويم إلا بقبل مقومين، فإذا أراد القائفان بعد اجتهادهما، أن يذكر للحاكم، ما صح عندهما من لحوق الولد بأحدهما ففيه وجهان: أحدهما: يكون خبرًا يؤدى بلفظ الإخبار، ولا تكون شهادة تؤدى بلفظ الشهادة لأن الشهادة تختص بفعل مشاهد وقول مسموع وليس في القافة، واحد منهما فكان خبرًا، ولم يكن شهادة فعلى هذا يجب على الحاكم، أن يسألهما عن سبب علمهما، لا يجتهد رأيه فيهما إن ذكرا اشتراكهما في الشبه، ولا يجب عليه سؤالهما إن كان مختصًا بأحدهما، دون الآخر، لأن عليه في الاشتراك أن يجتهد رأيه في الترجيح، فلزمه السؤال، وليس

стр. 7130

عليه في اختصاص أحدهما بالترجيح بالشبه، اجتهاده في الترجيح، فلم يلزمه السؤال، ولكن عليه أن يسألهما في الشبه اشتراك، حتى يسألهما عن سببه ويجتهد رأيه فيه، أو ليس فيه اشتراك؟ حتى لا يسألهما عنه، ولا يجتهد رأيه فيه، ويقتنع منهما أن يقولا هذا ولد هذا دون هذا. والثاني: أن تكون شهادة تؤدي بلفظ الشهادة وإن لم تكن عن مشاهدة، لأن الحال يشهد، والحكم مختص بالشهادة دون الخبز. فعلى هذا لا يجب على الحاكم أن يسألهما عن سبب علمهما، لأن الشاهد لا يسأل عن سبب علمه بما شهد لكن إذا كان الشبه مختصًا بأحدهما، جاز للقائفين أن يشهد بأنه ولد هذا دون هذا، وإن كان الشبه مشتركًا يحتاجا إلى اجتهاد في ترجيح ففيهما يشهدان به وجهان: أحدهما: يشهدان بما أدى إليه اجتهادهما من لحوق نسبه بأحدهما. والثاني: يشهدان بالشبه الموجب للحوق النسب بأحدهما ليجتهد الحاكم رأيه دونها، وهذان الوجهان من اختلاف أصحابنا، هل يسوغ للشهود أن يجتهدوا فيما يؤدوه إذا كان الاجتهاد فيه سماع. فإذا أدى القائفان إلى الحاكم ما عندهما من لحوق النسب بأحدهما خبرًا على أحد الوجهين، أو شهادة على الوجه الآخر لزم الحكم بقولهما في إلحاق النسب بمن ألحق، ونفيه عمن نفوه، وهو قبل حكم الحاكم، غير لاحق بواحد منهما، فإن رجع القائفان في قولهما، وألحقوه بمن نفوه عن لخطأ اعترفا به روعي رجوعهما، فإن كان بعد الحاكم بقولهما، لم ينقص حكمه وأمضاه على ما حكم به، وإن كان قبل حكمه بقولهما لم يكن نسبه للأول، ولا للثاني. أما الأول: فلبطلان الشهادة، بالرجوع عنها. وأما الثاني: فلتعارض القولين فيه. فإن أشكل على القائفين ولحوق نسبه، وبان ذلك لغيرهما عمل عليه، وإن أشكل على غيرهما عدم النسب من جهة القافة، ووجب أن يوقف النسب للشك، حتى ينتسب الولد بطبعه إلى أحدهما لقول النبي ﷺ : "من شأن الرحم إذا تماست تعاطفت". وله في زمان انتسابه قولان: أحدهما: وهو القديم إلى استكمال سبع، وهي الحال التي يخير فيها بين أبويه. والثاني: وهو الجديد الصحيح إلى بلوغه، لأنه لا يمكن بقوله في لوازم الحقوق قبل البلوغ، وإن قيل في الاختيار لأحد أبويه، لأنه ليس من الحقوق، فإذا انتسب إلى أحدهما لحق به، ولا يعتبر فيه تصديق الأب، فلو رجع وانتسب إلى الآخر لم يقبل رجوعه بعد لحوقه بالأول.

стр. 7131

ولو وجدت القافة بعد انتسابه إلى أحدهما، لم يلحق به الاستقرار لحوقه بالانتساب إلى الأول. وما مات الولد قبل انتسابه إلى أحدهما، قامت ورثته، مقامه في الانتساب، إلى أحدهما، ولو مات المتنازعان والولد باق جمع بينه وبين عصبتهما، وكان له بعد الاجتماع معهم أن ينتسب إلى أحدهما، فإن مات أحدهما وبقي الآخر نظر، فإن كان التنازع في فراش مشترك انتسب إلى من اختار من الحي، أو الميت، وإن كان التنازع في لقيط ففيه وجهان: أحدهما: يكون كالفراش في انتسابه إلى أحدهما. والثاني: أنه يلحق بالباقي، لانقطاع دعوى الميت. وقد روي زيد بن أرقم أن علي بن أبي طالب ﵇ حين قلده رسول الله ﷺ قضاء اليمن اختصم فيه ثلاثة من ولد امرأةٍ، وقعوا عليها في طهر واحد، تنازعوا فيه، فأقرع بينهم، وألحقه بمن قرع منهم، وأخبر به رسول الله ﷺ "فضحك حتى بدت نواجذه، فقيل: إنه أقرع بينهم لإشكالهم على القافلة. وقيل: إنما ضحك رسول الله صلى الله عليه سولم من القرعة: لأنه لا مدخل لها في لحوق النسب، لوجود ما هو أقوى، وهو انتساب الولد. فصل: وإذا طلب القائف على قيافته أجرًا، ولم يجد بها متطوعًا جاز أن يعطي عليها رزقًا من بيت المال، لأن له عملًا يقطع به عن مكسبه، كما يعطي القاسم والحاسب ويستحقه سواء ألحقه بواحد منهما، أو أشكل عليه، فلم يلحقه، فإن تعذر رزقه من بيت المال، كانت أجرته على المتنازعين فيه، فإن ألحقه بأحدهما استحقها، وفيمن يجب عليه وجهان: أحدهما: أنها تجب على من ألحق به الولد دون نفي عنه، لأنه مستأجر للحوق دون النفي. والثاني: يجب عليهما، لأن العمل مشترك في حقهما، وهو في حق من نفي عنه كهو في حق من ألحق به. وإن لم يلحق بواحد منهما، فإن كان لإشكاله عليه، لم يستحق الأجرة، لأنه لم يوجد منه العمل، وإن كان لتكافؤ الاشتباه، ففي الأجرة وجهان: أحدهما: يستحقها إذا قيل: إنه لو أخذ منهما، كان تغليبًا بوجود العمل منه.

стр. 7132

والثاني: لا يستحقها إذا قيل: إنه لو ألحقه بأحدهما: اختص بالتزام الآخر، تعليلًا بالإلحاق. فصل: وإذا وجد وادعاه من يجوز أن يولد مثله لمثله لحقه به، فإن ادعاه بعده آخر ففيه وجهان: أحدهما: أن دعواه مردودة للحوق نسبه بالسابق، إلا أن يقيم بينة أنه ولد على فراشه. والثاني: وهو الظاهر في مذهب الشافعي أن دعوى الناس مسموعة ويرى القافة، فإن نفوه عن الثاني، كان على لحوقه بالأول، وإن ألحقوه بالثاني أري مع الأول، فإن نفوه عن لحق بالثالث، وإن ألحقوه به لم يأت بالقافة بيان، لأنهم قد ألحقوه بهما ووقف الولد إلى حدهم، فصاحب اليد كالسابق بالدعوى، فيكون على الوجهين: أحدهما: يلحق به إلا أن تلحقه القافة بغيره. والثاني: أن في الدعوى بغيره لا يلحق بواحد منهم إلا أن تلحقه القافة، أو يعترف له الباقي بنسبه، أو يبلغ حدّ الانتساب فينتسب إليه، فإن مات الولد مع بقاء الانتساب، فقبل الانتساب وقف من ماله ميراثًا حتى يصطلح المدعون عليه، وإن مات المدعون أو بعضهم ففيه وجهان: أحدهما: وهو الظاهر من مذهب الشافعي، أنه يوقف من قال كل واحد منهم ميراث أب، كما يوقف من ماله إذا مات ميراث أب، حتى ينتسب بعد بلوغه حد الانتساب، فيستحق ميراث من انتسب إليه ويرد ما وقف من الباقين على ورثتهم. والثاني: لا يوقف له من أموالهم شيء، ويدفع مال كل واحد إلى ورثته، والله أعلم. مسألة: قال الشافعي ﵁: "ولو ادعى حرٌ وعبدٌ مسلمان وذمي مولودًا وجد لقيطًا فلا فرق بين واحدٍ منهم كالتداعي فيما سواه فيراه القافة فإن ألحقوه بواحدٍ فهو ابنه وإن ألحقوه بأكثر لم يكن ابن واحدٍ منهم يبلغ فينتسب إلى أيهم شاء فيكون ابنه وينقطع عنه دعوى غيره". قال في الحاوي: وهذا صحيح يستوي إذا ادعى الولد، الحر والعبد المسلم،

стр. 7133

والكافر لقيطًا أو من فراش مشترك، وليس بمشترك. وقال أبو حنيفة الإمام ﵀: إذا تنازع حر وعبد ألحقته بالحر دون العبد. وإن تنازع مسلم وكافر، ألحقته بالمسلم دون الكافر، ولو تنازع حر كافر وعبد مسلم، ألحقته بالحر الكافر، دون العبد المسلم، ليكون الولد ملحقًا بأكملها حكمًا. استدلالًا بأن الغالب من دار الإسلام الحرية، والإسلام، فصارت كاليد لمن واقعها، فترجح بها. ولأنهما لو تنازعا حضانته كان الحر المسلم أحق بهما من العبد الكافر، كذلك حكم النسب ودليلنا هو أنهما قد اشتركا في سبب الدعوى، فوجب أن يشتركا في حكمها، كالمسلمين الحرين. ولأنه لو انفرد بالدعوى عبدًا أو كافرًا كان فيها كالمسلم، ولا يدفع عنها بحكم الدار، كذلك إذا اجتمع مع الحر، أو المسلم، كالمال، وفيه انفصال. فأما الحضانة ففيها ولاية، لو انفرد بها كفار وعبد لم يستحقها وليس كالنسب الذي يلحق بالعبد والكافر. فصل: فإذا ثبت استواؤهما في الدعوى، فإن ألحق بالمسلم، لحق به نسبًا، ودينًا، فإن ألحق بالكافر، لحق به نسبًا، وفي إلحاقه به دينًا وجهان: أحدهما: يلحق به في دينه اعتبارًا بالولادة. والثاني: لا يلحق بدينه تغليبًا لحكم الدار، فأجري عليه حكم الإسلام، حتى يبلغ فيعرب عن نفسه، فإن أقر بالإسلام استقر حكم الإسلام، وإن ادعى الكفر أرهب ثم أقر على الكفر، فإن قيل بالوجه الأول أنه يجري على الكفر أقر في يده، وإن قيل الثاني، أنه يجري على حكم الإسلام لم يقر في يده، لئلا يلفته الكفر، فيدعيه بعد بلوغه. فصل: وإذا تنازع والده، وولده في ولد ادعياه كل واحد منهما، عن التقاط أو اشتراك في الفراش فيهما فيه سواء، ولا يغلب دعوى الوالد على الولد. وقال أبو حنيفة ﵁: إن كان الولد من أمة، اشتركا في إصابتها، فإن كانت الأمة للأب، أو مشتركة بين الأبن والأب، فالولد يلحق بالأب، وإن كانت للابن فالولد يلحق بالأب والابن، وهذا حكم لا يوجبه دليل، ولا يقتضيه تعليل، لأن الأبوة والبنوة لا تختلف فيها أحكام الدعاوي، كالأموال. ولأنه لم يختلف في ادعاء الولد حكم الأم، والجد، فلم يختلف فيه حكم الأب والابن.

стр. 7134

فصل: وإذا تنازع في الولد امرأتان، وقيل: إن دعواهما مسموعة على اختلاف المذهب فيه، استعمل القافة فيها، إذا عدمت البينة على ولادته، وكانتا في منازعته، كالرجلين، وكذلك لو كانت إحداهما مسلمة، والأخرى كافرة، كانتا سواء، في ادعائه. أو كانت إحداهما حرة، والأخرى أمة، تساويا فيه، وجاز للأمة أن تختص بالدعوى، دون السيد لاختصاصها بحق النسب، وتفرد السيد بحق الملك فإن ألحقت القافة الولد بالأم، لم يثبت عليه لسيدها عتق تعليلًا بأمرين: أحدهما: يجوز أن يكون قد أولدها حر بشبهة. والثاني: لأن إلحاق القافة طريقة الاجتهاد، دون علم، ولو قامت البينة على ولادته له ففي دخوله في ملك السيد وجهان من اختلاف التعليلين: أحدهما: لا يدخل في ملكه، لجواز أن يكون من حر بشبهة. والثاني: يدخل في ملكه، لأنه لحق بها عن علم، لا عن اجتهاد، وحكم الولد حكم أمه، ويجيء على مذهب أبي حنيفة أن يكون الولد للحرة دون الأمة والمسلمة دون الكافرة. فصل: فإذا أشكل على القافة حكم الولد في تنازع، وقف على إثبات الولد إلى أحدهما، كما يوقف على إثباته إلى الآخر، أو إلى أحد الرجلين، لأن الطبع يحرك الإنسان، ويجذبه فلو أن ولدًا تنازع رجلان فيه، وادعى كل واحد، منها أنه أخوه من أبيه، فإن كان أبواه باقين لم تسمع دعواهما، وكان أبواهما أخف بالدعوى منها، وإن كانا ميتين، فإن ورثها معهما غيرهما لم تسمع دعواهما، باجتماع جميع الورثة، فإن أنكرها أحدهم بطلت الدعوى، وإن تفرد كل واحد منهما بميراث أمه، سمعت دعواهما، وجاز أن تستعمل القافة معهما عند عدم الشبه، فإن الشبه ينتقل من الآباء إلى الأبناء، حتى يشترك به الإخوة فإذا ألحقته القافة بإخوة أحدهما، حكم بينهما بالأخوة كما يحكم بالنبوة، لأن عبد بن زمعة ادعى أخًا من أمه، وأبيه، فسمع رسول الله ﷺ دعواه، وألحقه به أخًا بفراش أبيه، فقال: هو لك يا عبد بن زمعة أخًا، الولد للفراش، وللعاهر الحجر، حين نازعه فيه سعد بن أبي وقاص عن أخيه، لأنه عاهر بأمه في الجاهلية. وهكذا لو مات المتنازعان في الولد، أو أحدهما قبل حكم القافة جمع بين الولد وبين من ناسب المتنازعين، من الذكور والإناث كالبنين، والبنات، والإخوة والأخوات، والأعمام والعمات، ولا يختص بالذكور دون الإناث، لوجود الشبه في الذكور والإناث وألحقه القافة بمن كان أشبه أقاربه فيه، ونفوه عمن لم يكن شبه أقاربه فيه سواء كان الشبه

стр. 7135

في أقرب مناسبيه، أو أبعدهم، لأن عرق النسب ينزع إلى الأقارب والأباعد على إيجاد الشبه، ومن الآخر في الأبعدين، ألحق بمن كان شبه في الأقربين، دون من كان شبهه في الأبعدين، لأن الشبه في الأقرب أقوى من الشبه في الأبعد. باب جواب الشافعي محمد بن الحسن في الولد يدعيه عدة رجال مسألة: قال الشافعي ﵁: "قلت لمحمد بن الحسن زعمت أن أبا يوسف قال إن ادعاه اثنان فهو بينهما بالأثر فإن ادعاه ثلاثةٌ فهو ابنهم بالقياس وإن ادعاه أربعةٌ لم يكن ابن واحدٍ منهم قال هذا خطأٌ من قوله قلت فإذا زعمن أنهم يشتركون في نسبه ولو كانوا مائةً كما يشتركون في المال لو مات أحد الشركاء في المال أيملك الحي إلا ما كان يملكه قبل موت صاحبه؟ قال: لا قلت فقد زعمت إن مات واحدٌ منهم ورثه ميراث ابن تام وانقطعت أبوته فإن مات ورثه كل واحدٍ منهم سهمًا من مائة سهمٍ من ميراث أبٍ فهل رأيت أبًا قط إلى مدةٍ؟ قلت: أو رأيت إذا قطعت أبوته من الميت أيتزوج بناته وهن اليوم أجنبياتٌ وهن بالأمس له أخواتٌ؟ قال إنه لا يدخل هذا قلت وأكثر قال: كيف كان يلزمنا أن نورثه؟ قلت نورثه في قولك من أحدهم سهمًا من مائة سهمٍ من ميراث ابن كما نورث كل واحدٍ منهم سهمًا من مائة سهمٍ من ميراث أبٍ قال المزني ﵀: ليس هذا بلازمٍ لهم في قولهم لأن جميع كل أبٍ أبو بعض الابن وليس بعض الابن ابنًا لبعض الأب دون جميعه كما لو ملكوا عبدًا كان جميع كل سيدٍ منهم مالكًا لبعض العبد وليس بعض العبد ملكًا لبعض السيد دون جميعه فتفهم ذلك تجده إن شاء الله". قال في الحاوي: وهذه مناظرة جرت بين الشافعي ومحمد بن الحسن رحمهما الله لم يثبتها الربيع في كتابه إلى محمد بن الحسن وحكي عن الشافعي ﵀ أنه قال: قلت لبعض الناس وصرح بهما الشافعي في الإملاء، فقال: قلت لمحمد بن الحسن فنقلها المزني عليه في الإملاء ولم يختلف عليه أبو حنيفة ﵁ وأصحابه في المنع من استعمال القافة، واختلفوا ولم يختلف عليه أبو حنيفة ﵁ وأصحابه في المنع من استعمال القافة، واختلفوا بعد اتفاقهم على المنع من استعمال القافة فيمن يلحق به الولد من الآباء المتنازعين فيه، فألحقه محمد بن الحسن من استعمال القافة فيمن يلحق به الولد من الآباء المتنازعين فيه، فألحقه محمد بن الحسن ﵀ باثنين، ولم يلحقه بأكثر إتباعًا لما حكي من الأثر عن عمر ﵁ في إلحاقه باثنين. وألحقه أبو يوسف ﵀ بثلاثة، ولم يلحقه بأكثر منهم، فاللاحق بالثاني أثرًا، واللاحق بالثالث قياسًا، ومنع من إلحاقه أبو حنيفة ﵁ بكل من ادعاه وإن كانوا

стр. 7136

مائة قياسًا على الأثر في الثاني، فناظر الشافعي ﵀ محمد بن الحسن ﵀ على قول أبي يوسف ﵀ وعلى قول أبي حنيفة، وإن لم يكن قائلًا في العدد بقولهما فلأنه مرافق لهما في ترك القيافة، وإلحاقه بالاثنين، وإذا بطل قولهما في إلحاقه بأكثر من اثنين بطل قوله في إلحاقه بالاثنين. ولأن استعمال القافة بالشبه، والأثر، والعرف. فابتدأ الشافعي بمناظرته على القياس في الرابع، كالثلث فلم يجعل الثالث قياسًا ولم يجعل الرابع قياسًا. وإن امتنع في الرابع، وامتنع في الثالث فبطل فيه استعمال القياس، ولم يبق فيه إلا الأثر المروي عن عمر ﵁ في الثاني، فقد اختلفت الرواية فيه عن عمر فروى عنه عروة بن الزبير، وسليمان بن يسار، أنه قال للولد: انتسب إلى أيهما شئت. وروي عن الحسن البصري، أنه قضى لما يرثانه ويرثهما، وهو للباقي منهما فلم تكن لإحدى الروايتين بأولى من الأخرى، فتعارضا، وأوجب التعارض سقوطهما. فصل: ثم عدل الشافعي في مناظرته على قول أبي حنيفة ﵀ أنهم يشتركون في نسبه، ولو كانوا مائة كما يشتركون في المال، فأبطل الشافعي ﵀ هذا القول من أربعة أوجه: أحدهما: أنه قال لو مات أحد الشركاء في المال، لم يملك الحي إلا ما كان يملك قبل موت صاحبه. قال: لا. فقال الشافعي: "زعمت إن مات واحد منهم ورثه ميراث أبي تامر، وانقطعت أبوته" فأبطل الشافعي بهذا قياسهم على المال، لأن موت أحد الشركاء فيه لا يوجب انتقال حقه إليهم، وعندهم إن أمرت أحد الآباء يوجب انتقال أبوته إليهم، فبطل الجمع بينهما قياسًا. والثاني: إن قال زعمت أن لو مات بحل واحد ورثه ميراث أن تام وانقطعت أبوته، فإن مات ورثه كل واحد منهم سهمًا من مائة سهم من ميراث أب، فهل رأيت أبًا قط إلى مدة؟ فأبطل الشافعي ﵀ بهذا إلحاق نسبه بالجماعة، لأنهم يقولون إنه إذا مات أحدهم انقطع نسبه منه فصار أبًا في حياته وغير أب بعد موته، فجعلوا نسبه مقدرًا بمدة حياته، ولم تر أبًا قط إلى مدة. والثالث: أن قال رأيت إذا انقطعت أبوته عن الميت، أيتزوج بناته، وهن اليوم أجنبيات، وكن له بالأمس أخوات، فأبطل الشافعي عليهم بهذا ما قالوه من انقطاع أبوته بالموت، فقال بنات الميت منهم ما حكمهم مع الولد أيحلف له أم لا؟ فقد كن له بالأمس أخوات فإن قال: يحللن بطل أن يكن بالأمس أخوات محرمات ويصرن في اليوم

стр. 7137

أجنبيات محللات، وإن قال يحرمن، بطل أن لا يكون له، ولهن أب جامع بين نسبه، ونسبهن، ويصرن أجنبيات محرمات. والرابع: مما قالوه في التوارث بينهم، أنه إن مات جعلوا ميراث بين جميعهم، وأعطوا كل واحد منهم ميراث بعض أب، وإن مات أحدهم أعطوه جميع ميراث أب تام، فجعلوا كل واحد منهم بعض أب ولم يجعلوا كل واحد منهم بعض ابن. قال محمد ﵀ للشافعي: كيف يلزمنا أن نورثه، فقال الشافعي يلزمك أن تورثهم في قولك: أن نورثه من كل واحد منهم سهمًا من مائة سهم من ميراث ابن، كما نورث كل واحد منهم سهمًا من مائة سهم من ميراث أب، فاعترض المزني على الشافعي ﵀ في هذا الجواب فقال: "ليس هذا بلازم لهم في قوله؟ لأن جميع كل أب أبو بعض الابن وليس بعض الابن ابنًا لبعض الأب دون جميعه". ثم استشهد عليه فقال: "كما لو ملكوا عبدًا، كان جميع كل سيد منهم مالكًا لبعض العبد، وليس بعض العبد ملكًا لبعض السيد، دون جميعه فشذ بعض أصحابنا فساعد المزني على اعتراضه، ومنع فيما ألزمهم الشافعي على قولهم أن يكون لازمًا لهم، تعليلًا بما ذكره المزني، وذهب جمهور أصحابنا إلى صحة إلزام الشافعي لهم، وأبطل اعتراض المزني على الشافعي من وجهين: أحدهما: أن أبا حنيفة ﵀ يقول ما يبطل اعتراض المزني، لأن عنده أن كل واحد من الآباء أب لكل الولد، وكل الولد ابن لكل واحد من الآباء، فبطل ما استشهد به المزني من اشتراك السادة في العبد الواحد. والثاني: أنه إذا كان بعض الولد ابنًا لكل واحد من الآباء، وجب إذا مات أحد الآباء، أن لا يرثه من بعض البنين ما يكون مستحقًا بجميع البنوة، فصح ما قال الشافعي وفسد ما اعترض به المزني ﵀ وإذا بطل إلحاق الولد بآباء ثبت استعمال القافة، لأن الناس فيه على قولين: فوجب فساد أحدهما صحة الآخر، وقد استشهد من علم القافة في إلحاق الأنساب، ما يزيل الارتياب به، فقد حكي أن رجلًا شك في ابن له، فسار به إلى ديار بني مدلج ومع الأب أخ له، وهما على راحلتين، والولد ماشي، فأعيا، واقبل صبي منهم فقال له الأب: اردف هذا الغلام بنا، فنظر إليه وإليهما ثم قال: أردفه بأبيه، أو بعمه؟ فقال: بأبيه، فاردفه به، فعاد من فوره وزال ما كان في نفسه، وكالذي رواه عبد الله بن وهب عن أبي لهيعة عن يزيد بن أبي حنيفة عن محمد بن شهاب عن أنس بن مالك قال: "لما ولدت مارية القبطية إبراهيم لرسول الله ﷺ كان في نفسه منه شيء بعث إليه جبريل فقال: السلام عليك يا أبا إبراهيم، فسلم، وذهب ما كان في نفسه. وكان الشافعي فراسة، فحكي أبو ثور قال: كنت بحضرة الشافعي ﵀، إذ جاء رجل

стр. 7138

فجلس بين يديه، فنظر إليه مليًا، وقال له: ألك أخ؟ قال: نعم ولكنه غائب في البحر منذ سنين، فقال له: لعله هذا الجائي فقام إليه، فإذا هو أخوه قد قدم من ساعته. وحكي أبو ثور قال: كنت عند الشافعي، فجاء رجل فقال: ما صناعة هذا؟ فقال: لا أعرف. ولكن إما أن يكون خياطًا، أو نجارًا، فسألنا الرجل عن صناعته، فقال: كنت خياطًا فصرت نجارًا. وقال المصنف: كنت ذات يوم، وأنا جالس بجامع البصرة، ورجل يتكلم فجمعني أصحابي حضوره، فلما سمعت كلامه، قلت له ولدت بأذربيجان، ونشأت بالكوفة، قال: نعم. فعجب مني من حضر والقيافة، والفراسة، غريزة في الطباع يعاني فيها المجبول عليها، ويعجز فيها المصروف عنها، وبالله التوفيه. باب دعوى الأعاجم ولادة الشرك والطفل يسلم أحد أبويه مسألة: قال الشافعي ﵁: "وإذا ادعى الأعاجم ولادة بالشرك فإن جاؤونا مسلمين لا ولاء في واحدٍ منهم قبلنا دعواهم كما قبلنا من أهل الجاهلية". قال في الحاوي: وأصل هذا الباب أن حفظ الأنساب ينقسم إلى ثلاثة أقسام: قسم يجب حفظه وتعيينه، وقسم يجب حفظه ولا يجب تعيينه، وقسم لا يجب حفظه ولا تعيينه. فأما القسم الأول: الذي يجب حفظه وتعيينه فهي الانتساب التي يستحق بها التوارث، لقربهما وضبط عددها، فحفظها بين المتناسبين فيها واجب لهم، وعليهم على تفضيل النسب وتعيين الدرج، لأنها توجب من حقوق التوارث لهم عليهم وولاية النكاح بما لا يوصل إلى معرفة مستحقة، إلا منه فلزمهم حفظه وتعدده. وأما القسم الثاني: وهو الذي يجب حفظه، ولا يجب تعيينه فهي الأنساب المتباعدة عن التوارث، وتختص بأحكام تأبى من عددها، وهم ذوو رسول الله ﷺ من بني هاشم وبني عبد المطلب، لاختصاصهم ذي القربى، وتحريم الصدقات المفروضات عليهم، فعليهم أن يعرفوا أنهم من بني هاشم، ومن بني المطلب على اختلاف في البطون المتميزة، ليكونوا مشهورين في عشائرهم، وإن لم يتعين لهم اتصال أنسابهم، ليعرفهم ولاة الغني في حقهم. من سهم ذي القربى، ويعرفهم ولاة الصدقات في منعم منها. وأما القسم الثالث: الذي لا يجب حفظه، ولا تعيينه فهي الأنساب المتباعدة عن

стр. 7139

التوارث، ولا تختص بحكم يأبي به من عداها كسائر الأمم، وهل يلزمه إن كان عربيًا أن يعرف أنه من العرب؟ على قولين من اختلاف القولين في تمييز العرب من العجم في حكم الاسترقاق، فإن ميزوا فيه عن غيرهم لم يلزمه أن يعرف أنه منهم كما لا يلزم إذا كان من غير العرب أن يعرف أنه من أي الأمم، وأي أجناس العالم. فصل: فإذا تقررت هذه الجملة فمسألة الكتاب مقصورة على الأنساب التي يجب حفظها، وتعيينها، الاستحقاق التوارث، فإذا كانوا أحرارًا لا وراء عليهم، انقسموا ثلاثة أقسام: أحدها: أن يكونوا مسلمين من ولادة الإسلام. والثاني: أن يكونوا مسلمين من ولادة الشرك. والثالث: أن يكونوا مشركين. فإن كانوا مسلمين من ولادة الإسلام، وهو القسم الأول فعلينا في أنسابهم حقان: أحدهما: حفظ أنسابهم. والثاني: أن تعرف فرش ولادتهم، لوجوب حرمتهم نطفًا، ومولودين، فإذا ادعوا اتصال قواعد أنسابهم، ولم يختلفوا فيها، لزم اعتبارها بفرش ولادتهم، فإن خالفت ما تعارفوا عليه حملوا في أنسابهم على ما أوجبه على فرش ولادتهم، وأبطل تصادقهم على ما خالفهما، وإن لم يوجد في فرش ولادتهم ما يخالفها، فحملوا فيها على تصادقهم، وحفظت عليهم الأنساب التي تصادقوا عليها، ويستوي فيها المتلاصقة كالآباء مع الأبناء، والأنساب المنفصلة كالإخوة، والأعمام، إذا لم يكن بينهم من الفرش ما يخالفهم فإن رجعوا بعد التصادق فتكاذبوا، كان التكاذب مردودًا بالتصادق، لأن الإنكار يعلو الإقرار مردود، إلا أن يقدم بينة بخلاف ما تصادقوا عليه، فيحكم بها. وأما القسم الثاني: وهم المسلمون من ولادة الشرك، فعلينا حفظ أنسابهم، بعد الولادة لحرمتهم بالإسلام، وليس علينا أن نعتبرها بفرش ولادتهم، بسقوط نطفهم بالشرك، فحملوا في الأنساب على تصادقهم، وتحفظ عليهم بعد التصادق بوجوب حرمتهم موجودين وسقوطها نطفًا. وأما القسم الثالث: وهم المشركون، فلا يلزمنا حفظ أنسابه نطفًا، ولا مولودين، لسقوط حرمتهم في الحالين، فإذا تصادقوا في أنسابهم لم يعترض فيها عليهم، وكانوا فيها محمولين على تصادقهم وإن تكاذبوا فيها، بطل ما تقدم من تصادقهم، ولم يكن أحد الأمرين فيهم ألزم من الآخر، فإن تحاكموا فيها إلينا، حكمنا بينهم بما يكونون عليه بعد التحاكم من التصادق، أو التكاذب.

стр. 7140

فصل: وإذا ثبت ما قررناه من أصول الأقسام في هذين القسمين عمومًا وخصوصًا، وحضر منهم من لا رق عليه، ولا وراء، فادعى نسب لقيط لا رق عليه، ولا ولاء نظر في دعواه. فإن ادعاه ولدًا سمعت دعواه إذا مكنت، ولحق به ولدًا وناسب جميع من ناسبه مدعيه، من آبائه وأبنائه، وإخوانه، وأعمامه، سواء صدقوه عليه أو خالفوه، فإن كان مسلمًا أجري على اللقيط حكم الإسلام ووجب حفظ نسبه في حقه، وإن لم يجب في حق المدعي، وإن كان كافرًا فوجهان: أحدهما: يجري عليه حكم الإسلام، ويمنع منه قبل البلوغ، لئلا يلقنه الكفر. والثاني: يجري على حكم الكفر، ولم يجب حفظ نسبه، لا في حقه ولا في حق المدعي، ولم يمنع منه ما كان في دار الإسلام فإذا أراد أن يخرج به إلى دار الحرب، منع منه قبل بلوغه لجواز أن يصف الإسلام، إذا بلغ ولم يمنع من إخراجه بعد بلوغه إذا أجبر على الكفر. وإن ادعاه أخًا، ولم يدعيه ولدًا، ردت دعواه إن كان أبوه باقيًا، وكان الأب أحق بالدعوى منه، وسمعت إن كان ميتًا، ولم يكن لأبيه وارث سواه، ولا يسمع إن ورثه غيره، حتى يتفقوا عليه، ثم إذا سمعت على هذا التفصيل، وألحق به أخًا، صار مناسبًا لجميع من ناسبه ممن علا وسفل من عصبات، وذوي أرحام وأجري عليه في الإسلام، والكفر ما ذكرناه. ولو ادعى نسب بالغ مجهول النسب، لم يثبت عليه رق، ولا وراء كانت دعواه على تصديقه، فإن أنكر وعدم البينة لم يلحقه نسبه، وإن صدقه لحق به نسبه بالدعوى، والتصديق ولهما أربعة أحوال: أحدها: أن يكونوا مسلمين فحفظ نسبهما واجب في الجهتين. والثانية: أن يكونا كافرين، فحفظ نسبهما غير واجب في الجهتين إلا أن يكونا في الدعوى قد تنازعا إلى حاكم حكم بينهما بلحوق النسب، فيجب حفظه لتنفيذ الحكم، وإن لم يجب في حق النسب. والثالثة: أن يكون مدعيه مسلمًا، وهو يقر بالكفر، فإن كان مولودًا على الإسلام امتنع أن يكون ولده كافرًا، وقيل: الآن أنت بتصديقك يقل له على الأبوة مسلم، وادعاؤك الكفر يجري عليه حكم الردة، فإن أسلمت وإلا قتلت، وإن كان الأب من ولادة الشرك، وأسلم بعد البلوغ، فاحتمل أن يكون مولودًا له قبل إسلامه، أقر الولد على كفره، ووجب حفظ نسبه في حق أبيه، دون حقه والرابعة: أن يكون مدعيه كافرًا، وهو مسلم وليس يمتنع أن يكون للمسلم أب

стр. 7141

كافر، ولذلك جاز أن يلحق نسبه بكافر ويجري على كل واحد منهما حكم دينه، ووجب حفظ نسبه في حقه، وإن لم يجب في حق الأب. مسألة: قال الشافعي ﵁: "وإن كانا مسبيين عليهم رقٌ أو اعتقوا فثبت عليهم ولءٌ لم يقبل إلا ببينةٍ على ولادةٍ معروفةٍ قبل السبي وهكذا أهل حصنٍ ومن يُحمل إلينا منهم". قال في الحاوي: وصورة هذه المسألة في مسبي من بلاد الشرك استرقه مسلم وأعتقه فصار له عليه الولاء، ثم قدم من بلاد الشرك من ادعى نسبه، فإن اقترن بدعواه بينة عادلة من المسلمين تشهد له بما ادعاه من النسب على الوجه الجائز في الإسلام، حكم بها وثبت النسب بينهما سواء كان مدعيه يدعي نسبًا، أعلى كالأبوة، والأخوة، أو نسبًا أسفل كالبنوة. وإن عدم مدعيه البينة لم يخل حال المدعي ومن عليه رق، أو ولاء من أربعة أحوال: أحدها: من أن يصدقاه على النسب فيثبت بينهما في الأعلى من الأبوة، والأسفل من البنوة. والثانية: أن ينكراه، أو يكذباه، فلا نسب وليس له إحلاف واحد منهما، أما العتق، فلأن إقراره لا ينفذ مع إنكار عتقه، وأما معتقه فيلزم الدعوى على غيره. والثالثة: أن ينكره المعتق، ويصدقه معتقه، فلا نسب له، وله إحلاف المعتق بعد تصديق معتقه، لأنه لو أقوله بالنسب ثبت. والرابعة: أن يصدقه المعتق، ويكذبه معتقه، فلا يخلو مدعي النسب من أحد أمرين: إما أن يدعي نسبًا أعلى، أو نسبًا أسفل، فإن ادعى نسبًا أعلى كالأبوة والإخوة لم يثبت النسب بينهما مع التصديق، الأثر وتعليل. أما الأثر: فأثر أن أحدهما ما وري الشعبي أن عمر بن الخطاب ﵁ كتب إلى شريح أن لا تورث حميلًا إلا ببينة. والثاني: ما رواه حبيب بن أبي ثابت أن عثمان بن عفان ﵁ جمع أصحاب رسول الله ﷺ واستشارهم في ميراث الحميل، فأجمعوا أن لا يورث حميل إلا ببينة. فصار هذا الأثر الثاني إجماعًا.

стр. 7142

وأما التعليل: فلأن معتقه لما استحق بولائه عليه أن يرثه، وكان لحوق النسب يرفعه من الميراث، لتقدم الميراث بالنسب على الميراث بالولاء، لم يكن لهما بطل حق بصفة من ميراث الميتين، بإقرار مظنون محتمل. فإن قيل: أفليس لو كان له أخ يرثه؟ فأقر بابن يحجب أخاه عن الميراث، ثبت نسبه بإقراره، فما الفرق؟ قيل: الفرق بينهما من وجهين: أحدهما: أن الميراث بالولاء نتيجة ملك تفرد به بصفة لا يشاركه فيه فلم يقبل في دفعه إقرار عن مشارك فيه والميراث بالنسب مشترك فجاز أن يثبت بإقرار الشركين فيه فهذا حكم النسب الأعلى. فأما دعوى النسب الأسفل، وهو أن يدعي الحميل أن هذا المعتق ابنه، فيصدقه على البنوة ويكذبه معتقه، ففي ثبوت نسبه وجهان: وقال ابن أبي هريرة قولين: أحدهما: لا يثبت نسبه مع تكذيب معتقه، كالنسب الأعلى. والثاني: يثبت نسبه، وإن كذبه معتقه، لانتفاء الضرر عنه لإدخال ولده في ولاء معتقه، الذي لا يدخل يه أهل النسب الأعلى، فلذلك لا يثبت الإقرار بالنسب الأسفل، وإن لم يثبت بالنسب الأعلى، وسمي حميلًا، لأنه يحمل بنسب مجهول. فأما قول الشافعي: "فكذا أهل حصن ومن يحمل إلينا منهم". فإنما أراد به الرد على طائفة، قالوا: إن الحميل إذا كان من بلد كبير لم تقبل دعواه، لتمكنه من إقامة البينة، وإن كان من أهل حصن أو دير فثبت وهما عند الشافعي سواء، لإطلاق الأثر وعموم التعليل. مسألة: قال الشافعي ﵁: "وإذا أسلم أحد أبوي الطفل أو لمعتوه كان مسلمًا لأن الله أعلى الإسلام على الأديان والأعلى أولى أن يكون الحكم له مع أنه روي عن عمر بن الخطاب ﵁ معنى قولنا ويروي عن الحسن وغيره". قال في الحاوي: وهذا صحيح، فإن اجتمع إسلام الأبوين، كان إسلامًا لصغار أولادهما معهما يكون للبالغين العقلاء وهذا إجماع فأما إذا أسلم أحد الأبوين، فذهب الشافعي وأبو حنيفة ﵄ وأكثر الفقهاء إلى أن إسلام كل واحد منهما يكون إسلامًا لهم سواء كان المسلم منهما أبًا، أو أمًا. وقال عطاء: يكونون مسلمين بإسلام الأم دون الأب، لأنه من الأم قطعًا ومن الأب ظنًا.

стр. 7143

وقال مالك: يكون مسلمًا بإسلام الأب دون الأم، لرجوعه في النسب إلى أبيه احتجاجًا بقوله تعالى: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٣]. والمراد بالآية الملة، فدل على إلحاقه بملة الأب دون الأم. ولقوله تعالى: ﴿لِتُنذِرَ قَوْماً مَّا أُنذِرَ آبَاؤُهُمْ﴾ [يس: ٦] فدل على إضافة الأولاد إلى الآباء، دون الأمهات. ودليلنا قول الله ﵎: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [الطور: ٢١] وهم ذرية لكل واحد من الأبوين، فوجب أن يتبعوا لكل واحد من الأبوين. وروي عن النبي ﷺ أنه قال: "أولاد المسلمين معهم في الجنة، وهم مع كل واجدٍ منهم". فدل على إسلامهم ولأن الإسلام حق، والكفر باطل، وإتباع الحق أولى من إتباع الباطل، لأن تعارض البينتين يوجب تغليب أقواهما وأعلاهما، والإسلام أقوى، وأعلى من الكفر، فوجب أن يغلب الإسلام على حكم الكفر لقوله ﵎: ﴿وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا﴾ [التوبة: ٤٠] ولقول النبي ﷺ "الإسلام يعلو، ولا يعلي". وروي عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: أي ابن أمة أسلم فديته دية المسلمين وليس يعرف له مخالف. ويدل عليه أن مسلمًا لو تزوج كافرة كان الولد مسلمًا، كذلك إذا أسلم بعد أن تزوجها وفيه انفصال عن دليله. فأما الجواب عن قوله تعالى: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾ [الزخرف: ٢٢] فإنه قال على وجه الذم لهم، فدل على أن الحق لهم في عدو لهم عنه. وأما لجواب عن قوله تعالى: ﴿لِتُنذِرَ قَوْماً مَّا أُنذِرَ آبَاؤُهُمْ﴾ [يس: ٦] فهم أن الإنذار متوجه إلى الآباء والأمهات وإن عبر عنه تغليبًا لحكم التذكير. فصل: وأما إذا أسلم الجد، أو الجدة فعنه ثلاثة أجوبة: أحدهما: أنه يكون إسلامًا لهم مع بقاء الأبوين، وعدمهما، لأنهما محجوبان، بمن دونهما للعصبية التي بينهما كالأبوين. والثاني: لا يكون إسلامًا لهم مع بقاء الأبوين، وعدمهما لأنهما محجوبان بمن دونهما.

стр. 7144

والثالث: أن يكون إسلامًا لهم مع عدم الأبوين، ولا يكون إسلامًا لهم مع وجود الأبوين، لأنهم بحكم الأقرب أخص منهم بحكم الأبعد، إذا كان باقيًا والموجودين دون المفقود إذا كان ميتًا. باب متاع البيت يختلف فيه الزوجان مسألة: قال الشافعي ﵁: "وإذا اختلف الزوجان في متاع البيت يسكنانه قبل أن يتفرقا أو بعد ما تفرقا كان البيت لهما أو لأحدهما أو يموتان أو أحدهما فيختلف في ذلك ورثتهما فمن بينةً على شيءٍ فهو له وإن لم يقم بينةٍ فالقياس الذي لا يُعزر أحدٌ عندي بالغفلة عنه على الإجماع أن هذا المتاع بأيدهما جميعًا فهو بينهما نصفين وقد يملك الرجل متاع المرأة وتملك المرأة متاع الرجل ولو استعملت الظنون عليهما لحكمت في عطارٍ ودباغٍ يتنازعان عطرًا ودباغًا في أيديهما بأن أجعل للعطار العطر وللدباغ الدباغ لحكمت فيها بتنازع فيه معسرٌ وموسرٌ من لؤلوٍ بأن أجعله وللموسر ولا يجوز الحكم بالظنون". قال في الحاوي: إذا كان الزوجان في دار يسكناها، إما ملكًا لهما، أو لأحدهما، أو لغيرهما، فاختلف في متاعها الذي يفها من آلة، وبسط وفرش، ودراهم، ودنانير، وادعاه كل واحد منهما لنفسه، أو ماتا فاختلف فيه ورثتها، أو مات أحدهما، فاختلف فيه الباقي وورثة الميت، أو كان ذلك من في أخ، أو أخت، وكانا يسكنان دارًا، اختلفا في متاعها، فكل ذلك سواء. فإن كان لأحدهما بينة بملك ما ادعاه، حكم بها، وإن عدما البينة مع اختلافهما فيه، فهما مشتركان في اليد حكمًا، ويد كل واحد منهما على نصفه، فيتحالفان عليه ويجعل بينهما بعد أيمانهما نصفين، ويشتركان فيما يختص بالدجال، كالعمائم والطيالسة، والأقبية والسلاح. وفيما يختص بالنساء كالحلي، والمقانع، ومصبغات الثياب، وقمص النساء. وفيا يصلح للرجال، والنساء، من البسط، والفرش، والآلة، ولا يختص الرجال بآلة الرجال، ولا النساء بآلة النساء، ويستوي فيها يد المشاهدة ويد الحكم. ويد المشاهدة أن يكون مقبوضًا في أيديهما، ويد الحكم أن يكون ملكهما. وقال سفيان الثوري: يجعل ما يختص بالرجال للرجال، وما يختص بالنساء للنساء، في يد المشاهدة ويد الحكم.

стр. 7145

وقال أبو حنيفة: إن كانت أيديهما يد مشاهدة كانت بينهما، وإن كان يد الحكم، كان ما يختص بالرجال للزوج، وما يختص بالنساء للزوجة، وما يصح لكل واحد منهما يكون للزوج دون الزوجة، فإن ماتا قام ورثتهما مقامهما. وإن مات أحدهما، وبقي الآخر كان القول في جميعه قول الباقي منهما، فصار مخالفًا لنا في خمسة أشياء: أحدهما: في يد المشاهدة، ويد الحكم، وفرق بينهما وهما عندنا سواء. والثاني: فيما يختص بالرجال جعله للزوج، وهو عندنا بينهما. والثالث: ما يختص بالنساء جعله للزوجة، وهو عندنا بينهما. والرابع: فيما يصلح لهما جعله للزوج، وهو عندنا بينهما. والخامس: في موت أحدهما جعله للباقي منهما، وهو عندنا بينهما. وقال أبو يوسف: القول قول المرأة، فيما جرت العادة، أو يكون جهازًا لمثلها، وقول الزوج فيما جرت العادة أن يكون له. وقال زفر بما ذهبنا إليه، وهو في الصحابة قول ابن مسعود ﵁، واستدل أبو حنيفة ومن وافقه في تفصيل المتاع وتمييزه على الفرق في المشاهدة بين يد المشاهدة ويد الحكم، أن يد كل واحد منهما في المشاهدة على نصفه، وفي الحكم على جميعه، بدليل أن مدعيًا لو ادعاه في يد المشاهدة لم يكن له أن يدعي جميعه إلا عليها ولم يجز أن يختص أحدهما بالدعوى دون الآخر، ولو ادعاه في يد الحكم جاز له أن يدعي جميعه على كل واحد منهما، فدل على أن يد المشاهدة، يد على نصفه، ويد الحكم يدل على جميعه، فافترقا فلذلك ما افترقا فيه، إذا تنازعا، واستداما على التفصيل في يد الحكم، فإن منع منه في يد المشاهدة، فإن يد الحكم أقوى من يد المشاهدة، وفي استيلائهما في الحكم، على جميعه واختصاصه في المشاهدة على نصفه، فلما وقع الترجيح في يد المشاهدة بين ركاب الدابة، وقائدها في جعل الدابة لراكبها دون قائدها، اعتبارًا بالعرف، كان الترجيح في يد الحكم، باعتبار العرف أولى. وربما حرروا قياسًا، وقالوا: كل يد ثبت بها الاستحقاق، جاز أن يقع فيها الترجيح قياسًا على يد المشاهدة، واستدلوا على الأثاث، وآلته، مختص بالزوج دونها فإن السابق إلى اقتنائه، والمنفرد بابتياعه، فصار فيه أرجح، فاختص به دونها واستدلوا على أن الحي بأن الحادثة إذا حاذاها أصلان ألحقت بأقواهما شبهًا بها، كالأحكام الشرعية. ودليلنا عليهم في الجميع حديث عبد الله بن عباس أن النبي ﷺ قال: "البينة على المدعي واليمين على من أنكر" وكل واحد منهما مع اشتراكهما في اليد مدعٍ ومدعى عليه.
следующие страницы →