Полный текст (7 151 стр.). Показаны 7141–7151 · переход к 7146.
стр. 7141
كافر، ولذلك جاز أن يلحق نسبه بكافر ويجري على كل واحد منهما حكم دينه، ووجب حفظ نسبه في حقه، وإن لم يجب في حق الأب.
مسألة:
قال الشافعي ﵁: "وإن كانا مسبيين عليهم رقٌ أو اعتقوا فثبت عليهم ولءٌ لم يقبل إلا ببينةٍ على ولادةٍ معروفةٍ قبل السبي وهكذا أهل حصنٍ ومن يُحمل إلينا منهم".
قال في الحاوي: وصورة هذه المسألة في مسبي من بلاد الشرك استرقه مسلم وأعتقه فصار له عليه الولاء، ثم قدم من بلاد الشرك من ادعى نسبه، فإن اقترن بدعواه بينة عادلة من المسلمين تشهد له بما ادعاه من النسب على الوجه الجائز في الإسلام، حكم بها وثبت النسب بينهما سواء كان مدعيه يدعي نسبًا، أعلى كالأبوة، والأخوة، أو نسبًا أسفل كالبنوة.
وإن عدم مدعيه البينة لم يخل حال المدعي ومن عليه رق، أو ولاء من أربعة أحوال:
أحدها: من أن يصدقاه على النسب فيثبت بينهما في الأعلى من الأبوة، والأسفل من البنوة.
والثانية: أن ينكراه، أو يكذباه، فلا نسب وليس له إحلاف واحد منهما، أما العتق، فلأن إقراره لا ينفذ مع إنكار عتقه، وأما معتقه فيلزم الدعوى على غيره.
والثالثة: أن ينكره المعتق، ويصدقه معتقه، فلا نسب له، وله إحلاف المعتق بعد تصديق معتقه، لأنه لو أقوله بالنسب ثبت.
والرابعة: أن يصدقه المعتق، ويكذبه معتقه، فلا يخلو مدعي النسب من أحد أمرين: إما أن يدعي نسبًا أعلى، أو نسبًا أسفل، فإن ادعى نسبًا أعلى كالأبوة والإخوة لم يثبت النسب بينهما مع التصديق، الأثر وتعليل.
أما الأثر: فأثر أن أحدهما ما وري الشعبي أن عمر بن الخطاب ﵁ كتب إلى شريح أن لا تورث حميلًا إلا ببينة.
والثاني: ما رواه حبيب بن أبي ثابت أن عثمان بن عفان ﵁ جمع أصحاب رسول الله ﷺ واستشارهم في ميراث الحميل، فأجمعوا أن لا يورث حميل إلا ببينة.
فصار هذا الأثر الثاني إجماعًا.
стр. 7142
وأما التعليل: فلأن معتقه لما استحق بولائه عليه أن يرثه، وكان لحوق النسب يرفعه من الميراث، لتقدم الميراث بالنسب على الميراث بالولاء، لم يكن لهما بطل حق بصفة من ميراث الميتين، بإقرار مظنون محتمل.
فإن قيل: أفليس لو كان له أخ يرثه؟ فأقر بابن يحجب أخاه عن الميراث، ثبت نسبه بإقراره، فما الفرق؟ قيل: الفرق بينهما من وجهين:
أحدهما: أن الميراث بالولاء نتيجة ملك تفرد به بصفة لا يشاركه فيه فلم يقبل في دفعه إقرار عن مشارك فيه والميراث بالنسب مشترك فجاز أن يثبت بإقرار الشركين فيه فهذا حكم النسب الأعلى.
فأما دعوى النسب الأسفل، وهو أن يدعي الحميل أن هذا المعتق ابنه، فيصدقه على البنوة ويكذبه معتقه، ففي ثبوت نسبه وجهان: وقال ابن أبي هريرة قولين:
أحدهما: لا يثبت نسبه مع تكذيب معتقه، كالنسب الأعلى.
والثاني: يثبت نسبه، وإن كذبه معتقه، لانتفاء الضرر عنه لإدخال ولده في ولاء معتقه، الذي لا يدخل يه أهل النسب الأعلى، فلذلك لا يثبت الإقرار بالنسب الأسفل، وإن لم يثبت بالنسب الأعلى، وسمي حميلًا، لأنه يحمل بنسب مجهول.
فأما قول الشافعي: "فكذا أهل حصن ومن يحمل إلينا منهم".
فإنما أراد به الرد على طائفة، قالوا: إن الحميل إذا كان من بلد كبير لم تقبل دعواه، لتمكنه من إقامة البينة، وإن كان من أهل حصن أو دير فثبت وهما عند الشافعي سواء، لإطلاق الأثر وعموم التعليل.
مسألة:
قال الشافعي ﵁: "وإذا أسلم أحد أبوي الطفل أو لمعتوه كان مسلمًا لأن الله أعلى الإسلام على الأديان والأعلى أولى أن يكون الحكم له مع أنه روي عن عمر بن الخطاب ﵁ معنى قولنا ويروي عن الحسن وغيره".
قال في الحاوي: وهذا صحيح، فإن اجتمع إسلام الأبوين، كان إسلامًا لصغار أولادهما معهما يكون للبالغين العقلاء وهذا إجماع فأما إذا أسلم أحد الأبوين، فذهب الشافعي وأبو حنيفة ﵄ وأكثر الفقهاء إلى أن إسلام كل واحد منهما يكون إسلامًا لهم سواء كان المسلم منهما أبًا، أو أمًا.
وقال عطاء: يكونون مسلمين بإسلام الأم دون الأب، لأنه من الأم قطعًا ومن الأب ظنًا.
стр. 7143
وقال مالك: يكون مسلمًا بإسلام الأب دون الأم، لرجوعه في النسب إلى أبيه احتجاجًا بقوله تعالى: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٣]. والمراد بالآية الملة، فدل على إلحاقه بملة الأب دون الأم.
ولقوله تعالى: ﴿لِتُنذِرَ قَوْماً مَّا أُنذِرَ آبَاؤُهُمْ﴾ [يس: ٦] فدل على إضافة الأولاد إلى الآباء، دون الأمهات.
ودليلنا قول الله ﵎: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [الطور: ٢١] وهم ذرية لكل واحد من الأبوين، فوجب أن يتبعوا لكل واحد من الأبوين. وروي عن النبي ﷺ أنه قال: "أولاد المسلمين معهم في الجنة، وهم مع كل واجدٍ منهم". فدل على إسلامهم ولأن الإسلام حق، والكفر باطل، وإتباع الحق أولى من إتباع الباطل، لأن تعارض البينتين يوجب تغليب أقواهما وأعلاهما، والإسلام أقوى، وأعلى من الكفر، فوجب أن يغلب الإسلام على حكم الكفر لقوله ﵎: ﴿وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا﴾ [التوبة: ٤٠] ولقول النبي ﷺ "الإسلام يعلو، ولا يعلي".
وروي عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: أي ابن أمة أسلم فديته دية المسلمين وليس يعرف له مخالف.
ويدل عليه أن مسلمًا لو تزوج كافرة كان الولد مسلمًا، كذلك إذا أسلم بعد أن تزوجها وفيه انفصال عن دليله.
فأما الجواب عن قوله تعالى: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾ [الزخرف: ٢٢] فإنه قال على وجه الذم لهم، فدل على أن الحق لهم في عدو لهم عنه.
وأما لجواب عن قوله تعالى: ﴿لِتُنذِرَ قَوْماً مَّا أُنذِرَ آبَاؤُهُمْ﴾ [يس: ٦] فهم أن الإنذار متوجه إلى الآباء والأمهات وإن عبر عنه تغليبًا لحكم التذكير.
فصل:
وأما إذا أسلم الجد، أو الجدة فعنه ثلاثة أجوبة:
أحدهما: أنه يكون إسلامًا لهم مع بقاء الأبوين، وعدمهما، لأنهما محجوبان، بمن دونهما للعصبية التي بينهما كالأبوين.
والثاني: لا يكون إسلامًا لهم مع بقاء الأبوين، وعدمهما لأنهما محجوبان بمن دونهما.
стр. 7144
والثالث: أن يكون إسلامًا لهم مع عدم الأبوين، ولا يكون إسلامًا لهم مع وجود الأبوين، لأنهم بحكم الأقرب أخص منهم بحكم الأبعد، إذا كان باقيًا والموجودين دون المفقود إذا كان ميتًا.
باب متاع البيت يختلف فيه الزوجان
مسألة:
قال الشافعي ﵁: "وإذا اختلف الزوجان في متاع البيت يسكنانه قبل أن يتفرقا أو بعد ما تفرقا كان البيت لهما أو لأحدهما أو يموتان أو أحدهما فيختلف في ذلك ورثتهما فمن بينةً على شيءٍ فهو له وإن لم يقم بينةٍ فالقياس الذي لا يُعزر أحدٌ عندي بالغفلة عنه على الإجماع أن هذا المتاع بأيدهما جميعًا فهو بينهما نصفين وقد يملك الرجل متاع المرأة وتملك المرأة متاع الرجل ولو استعملت الظنون عليهما لحكمت في عطارٍ ودباغٍ يتنازعان عطرًا ودباغًا في أيديهما بأن أجعل للعطار العطر وللدباغ الدباغ لحكمت فيها بتنازع فيه معسرٌ وموسرٌ من لؤلوٍ بأن أجعله وللموسر ولا يجوز الحكم بالظنون".
قال في الحاوي: إذا كان الزوجان في دار يسكناها، إما ملكًا لهما، أو لأحدهما، أو لغيرهما، فاختلف في متاعها الذي يفها من آلة، وبسط وفرش، ودراهم، ودنانير، وادعاه كل واحد منهما لنفسه، أو ماتا فاختلف فيه ورثتها، أو مات أحدهما، فاختلف فيه الباقي وورثة الميت، أو كان ذلك من في أخ، أو أخت، وكانا يسكنان دارًا، اختلفا في متاعها، فكل ذلك سواء.
فإن كان لأحدهما بينة بملك ما ادعاه، حكم بها، وإن عدما البينة مع اختلافهما فيه، فهما مشتركان في اليد حكمًا، ويد كل واحد منهما على نصفه، فيتحالفان عليه ويجعل بينهما بعد أيمانهما نصفين، ويشتركان فيما يختص بالدجال، كالعمائم والطيالسة، والأقبية والسلاح.
وفيما يختص بالنساء كالحلي، والمقانع، ومصبغات الثياب، وقمص النساء.
وفيا يصلح للرجال، والنساء، من البسط، والفرش، والآلة، ولا يختص الرجال بآلة الرجال، ولا النساء بآلة النساء، ويستوي فيها يد المشاهدة ويد الحكم.
ويد المشاهدة أن يكون مقبوضًا في أيديهما، ويد الحكم أن يكون ملكهما.
وقال سفيان الثوري: يجعل ما يختص بالرجال للرجال، وما يختص بالنساء للنساء، في يد المشاهدة ويد الحكم.
стр. 7145
وقال أبو حنيفة: إن كانت أيديهما يد مشاهدة كانت بينهما، وإن كان يد الحكم، كان ما يختص بالرجال للزوج، وما يختص بالنساء للزوجة، وما يصح لكل واحد منهما يكون للزوج دون الزوجة، فإن ماتا قام ورثتهما مقامهما. وإن مات أحدهما، وبقي الآخر كان القول في جميعه قول الباقي منهما، فصار مخالفًا لنا في خمسة أشياء:
أحدهما: في يد المشاهدة، ويد الحكم، وفرق بينهما وهما عندنا سواء.
والثاني: فيما يختص بالرجال جعله للزوج، وهو عندنا بينهما.
والثالث: ما يختص بالنساء جعله للزوجة، وهو عندنا بينهما.
والرابع: فيما يصلح لهما جعله للزوج، وهو عندنا بينهما.
والخامس: في موت أحدهما جعله للباقي منهما، وهو عندنا بينهما.
وقال أبو يوسف: القول قول المرأة، فيما جرت العادة، أو يكون جهازًا لمثلها، وقول الزوج فيما جرت العادة أن يكون له. وقال زفر بما ذهبنا إليه، وهو في الصحابة قول ابن مسعود ﵁، واستدل أبو حنيفة ومن وافقه في تفصيل المتاع وتمييزه على الفرق في المشاهدة بين يد المشاهدة ويد الحكم، أن يد كل واحد منهما في المشاهدة على نصفه، وفي الحكم على جميعه، بدليل أن مدعيًا لو ادعاه في يد المشاهدة لم يكن له أن يدعي جميعه إلا عليها ولم يجز أن يختص أحدهما بالدعوى دون الآخر، ولو ادعاه في يد الحكم جاز له أن يدعي جميعه على كل واحد منهما، فدل على أن يد المشاهدة، يد على نصفه، ويد الحكم يدل على جميعه، فافترقا فلذلك ما افترقا فيه، إذا تنازعا، واستداما على التفصيل في يد الحكم، فإن منع منه في يد المشاهدة، فإن يد الحكم أقوى من يد المشاهدة، وفي استيلائهما في الحكم، على جميعه واختصاصه في المشاهدة على نصفه، فلما وقع الترجيح في يد المشاهدة بين ركاب الدابة، وقائدها في جعل الدابة لراكبها دون قائدها، اعتبارًا بالعرف، كان الترجيح في يد الحكم، باعتبار العرف أولى.
وربما حرروا قياسًا، وقالوا: كل يد ثبت بها الاستحقاق، جاز أن يقع فيها الترجيح قياسًا على يد المشاهدة، واستدلوا على الأثاث، وآلته، مختص بالزوج دونها فإن السابق إلى اقتنائه، والمنفرد بابتياعه، فصار فيه أرجح، فاختص به دونها واستدلوا على أن الحي بأن الحادثة إذا حاذاها أصلان ألحقت بأقواهما شبهًا بها، كالأحكام الشرعية.
ودليلنا عليهم في الجميع حديث عبد الله بن عباس أن النبي ﷺ قال: "البينة على المدعي واليمين على من أنكر" وكل واحد منهما مع اشتراكهما في اليد مدعٍ ومدعى عليه.
стр. 7146
ولأن أثر مروي عن ابن مسعود ولم يظهر له في الصحابة مخالف، فصار كالإجماع.
ولأن الاشتراك في اليد يمنع من الترجيح بالعرف، قياسًا على يد المشاهدة.
ولأن ما لم يترجح به يد المشاهدة لم يترجح به يد الحكم، كتنازع الدباغ، والعطار في عطره، ودباغته.
ولأن ما يسقط فيه اعتبارًا العرف في اليد المفردة، سقط فيه اعتباره في اليد المشتركة، كالغني، والفقير، في اللؤلؤ، والجوهر، ولو كان العرف مع اشتراك اليد معتبرً، لأوجب تنازع الغني، والفقير، في اللؤلؤ والجوهر أن تجعل للغني دون الفقير، وفي أمثال ذلك من آلات الصناع، وهم لا يقولونه فكذلك في أثاث البيت، وهذا إلزام لا يتحقق عنه انفصال، ويد المشاهدة، تدفع جميع ما استدلوا به.
فأما الجواب عما قالوه أن يد الحاكم توجب استيلاء كل واحد منهما على جميعه، استشهادًا بما ذكروه، فهي أنها دعوى نخالفهم فيها، وليس لكل واحد منهما في يد الحكم، أن يدعيه إلا عليها، ولا يدعيه على أحدهما، وإنما يختص كل واحد منهما بدعوى نصفه، كاليد المشاهدة فبطل احتجاجهم به، ثم لما صارت يد كل واحد منهما على جميعه أن يكون موجبًا لتفرد أحدهما ببعضه، وعكسه في يد المشاهدة أشبه، لتفرده باليد على البعض.
وأما الجواب على إما استدلوا به من راكب الدابة، وقائدها، فهو أن أصحابنا قد اختلفوا فيه على وجهين:
أحدهما: أنهما فيه سواء، فسقط الاستدلال.
والثاني: أن الراكب أحق بها من القائد، لأن للراكب مع اليد تصرفًا، ليس للقائد كلابس الثوب، وممسكه يكون اللابس أحق به من الممسك.
وأما الجواب عما استدلوا به من الأثاث، من سبوق يد الرجل عليه فهو أنها دعوى مدفوعة لجواز أن تسبق يد المرأة عليه بصنعة أو ابتياع من صانع، ولأن المرأة قد ترث متاع الرجل، والرجل قد يرث متاع النساء، وإن كان في ميراث متاع الرجال، ومتاع النساء، فلا يكون لأحدهما عليه يد سابقة، ولا ينفرد أحدهما بمتاع جهة دون صاحبه.
وأما الجواب عند استدلالهم بترجيح الأحكام الشرعية، فهو أن تعارض الأصول في الأحكام يوجب تغليب الأشبه، لاعتبار الشبه فيه إذا انفرد، ولما كانت الأملاك لا يعتبر فيها شبه العرف في اليد المنفردة لم يعتبر في اليد المشتركة، كما لا يعتبر في يد المشاهدة.
стр. 7147
فصل:
إذا ثبت ما ذكرناه في تساوي الزوجين في متاع البيت، تحالفًا عليه عند عدم البينة، وحلف كل واحد منهما على نصفه، لأنه يحلف على ما في يده، ولا يحلف على ما في يد صاحبه.
وقال أبو حنيفة: يخلف كل واحد منهما على جميعه، لأن عنده أن يد كل واحد منهما على جمعه، وهذا فاسد، لأن اليد ما اختصت بالشيء، ومن الممتنع أن يختص لكل واحد منهما بكل المتاع.
فإن قيل: ليس يمتنع هذا كما لم يمتنع في الرهن، إذا أوجبت أن يكون لكل واحد من المرتهن، والمستأجر يد على جميعه.
قيل: يدهما في الرهن مختلفة، لأن المرتهن مستوثق بالرقبة، والمستأجر مستوثق بالمنفعة، ويدهما في متاع البيت متفقة، فامتنع في متاع البيت وإن لم يمتنع في الرهن.
وإذا وجب بما ذكرناه أن يحلف كل واحد منهما على نصفه، لا على جميعه فلها ثلاثة أحوال:
أحدهما: أن يحلفا، فيجعل بينهما ملكًا.
والثانية: أن ينكلا فيجعل بينهما يدًا.
والثالثة: أن يحلف أحدهما وينكل الآخر، فيحكم للحالف بالنصف، ويكون النصف الذي في يد الناكر ترد اليمين في على الحالف فإن حلف اليمين الثانية في الرد، حكم له بالجميع، نصفه بيمينه على ما في يده، ونصف بيمين الرد بعد نكول صاحبه، وإن امتنع في يمين الرد لم يحكم له، إلا في النصف الذي حلف بيمين اليد وكان النصف الذي في يد الناكل مقرًا عليه، والله أعلم بالصواب.
باب أخذ الرجل حقه ممن يمنعه أباه
مسألة:
قال الشافعي ﵁: "وكانت هندٌ زوجةً لأبي سفيان وكانت القيم على ولدها لصغيرهم بأمر زوجها فأذن لها رسول الله ﷺ لما شكت إليه أن تأخذ من ماله ما يكفيها وولدها بالمعروف فمثلها الرجل يكون له الحق على الرجل فيمنعه إياه فله أن يأخذ من ماله حيث وجده بوزنه أو كيله فإن لم يكن له مثلٌ كانت قيمته دنانير أو دراهم فإن لم يجد له مالًا باع عرضه واستوفى من ثمنه حقه فإن قيل فقد روي عن
стр. 7148
رسول الله ﷺ "أد إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك" قيل إنه ليس بثابتٍ ولو كان ثابتًا لم تكن الخيانة ما أذن بأخذه ﷺ وإنما الخيانة أن آخذ له درهمًا بعد استيفائه درهمي فأخونه بدرهمٍ كما خانتي في درهمي فليس لي أن أخونه بأخذ ما ليس لي وإن خانني".
قال في الحاوي: أن يكون على مقر ومليء يقدر على أخذه منه حتى طالبه به، فلا يجوز لصاحب الدين أن يأخذه من مال الغريم بغير إذنه، وإن أخذه كان آثمًا، وعليه رده، وإن كان جنس دينه، لأن لمن عليه الدين أن يقضيه من أي أمواله شاء، ولا يتعين في بعضه، ويجري على ما أخذه حكم الغاصب، على أن يرد ما أخذه، وله أن يطالب بما وجب له، ولا يكون قصاصًا، لأن القصاص يختص بما في الذمم، دون الأعيان.
والثاني: أن لا يقدر صاحب الدين على قبض دينه، فهو ضربان:
أحدهما: أن يقدر على أخذه منه بالمحاكمة.
والثاني: أن يعجز عنه.
فإن عجز عن أخذه منه بالمحاكمة، وذلك من أحد وجهين:
إما لامتناع الغريم بالقوة، وإما لجحوده مع عدم البينة، فيجوز لصاحب الدين أن يأخذ من مال غريمه قدر دينه سرًا، بغير علمه، فإن قدر عليه من جنس حقه، لم يتجاوز إلى غيره. وإن لم يقدر عليه من جنسه، جاز أن يعدل إلى غير جنسه، سواء كان من جنس الأثمان ومن غير جنسها، وإن قدر صاحب الدين على أخذه بالمحاكمة، وعجز عنه بغير المحاكمة، وذلك لأحد وجهين إما لمطله مع الإقرار، أو الإنكار مع وجود البينة فهو على ضربين:
أحدهما: أن يقدر على أخذ دينه سرًا من جنسه، فيجوز أخذه منه بغير علمه لأنه إحواجه إلى المحاكمة عدوان من الغريم.
والثاني: أن لا يقدر على أخذه، إلا من غير جنسه ففي جوز أخذه سرًا بغير علمه وجهان:
أحدهما: يجوز تعليلًا بما ذكرناه من عدوان الغريم، وهو قول من زعم أن لصاحب الدين، أن ينفرد ببيعه من غير حاكم.
والثاني: ليس له أخذه إلا بالمحاكمة لقدرته عليه بما يزول عنه الهم، وهو قول من زعم أن صاحب الدين لا يجوز له بيعه، إلا بالحاكم فهذا شرح مذهبنا.
وقال أبو حنيفة: إن قدر على أخذ دينه إذا لم يصل إليه من غريمه، أن يأخذ من جنسه، جاز له أن يأخذ شيئًا من ماله، وكذلك لو كان دينه دراهم فوجد دنانير، أو دنانير فوجد دراهم، لأنها من جنس الأثمان، وإن تنوعت، وإن لم يقدر عليه إلا من غير جنسه في الأمتعة والعروض لم يكن له أخذه، احتجاجًا بما روي عن النبي ﷺ أنه قال: "أد
стр. 7149
الأمانة لمن ائتمنك ولا تخن من خانك". وبقوله ﷺ : "لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفسه منه" ولأنه مال لا يجوز لأحد أن يتملكه، فلم يجز أن يأخذه قياسًا على ما في يد الغريم من رهون، وودائع.
ولأنه إذا أخذه من غير جنس حقه لم يحل أن يأخذه لأنه إما أن يملكه أن يبيعه، فلم يجز أن يتملكه لأنه من غير جنس حقه، ولم يجز أن يبيعه، لأنه لا ولاية له على بيعه.
فبطل أن يكون له حق في أخذه.
ودليلنا ما روي عن النبي ﷺ أنه قال: "لصاحب الحق يد ومقال" فكانت اليد على العموم.
وروي الشافعي عن عياض عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ﵂ أن هند امرأة أبي سفيان قالت: إن أبا سفيان رجل شحيح، وأنه لا يعطيني ما يكفيني، وولدي إلا ما أخذت منه سرًا، فقال النبي ﷺ : "خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف".
ولأن من الحقوق المختلفة ما يتعذر وجود جنسها في ماله، فدل على جواز أخذه من غير جنسه ومن جنسه، ولأن من جاز له أخذ دينه من جنسه جاز له أخذه مع تعذر الجنس أن يأخذ من غير جنسه قياسًا على أخذ الدراهم بالدنانير، بالدراهم، ولأن من جاز أن يقضي منه دينه، جاز أن يتوصل مستحقه إلى أخذه، إذا امتنع بحسب الممكن قياسًا على المحاكمة.
فإن قيل: فالحاكم يجبر على البيع ولا يبيع عليه.
قيل: عندنا يبيع عليه في دينه، إذا امتنع من بيعه سواء، كان ماله عروضًا أو عقارًا. وحكي عن أبي حنيفة: أنه منع من بيع العقار من الديون، وهو عندنا مبيع عليه، في الحالين جبرًا، لأن جميع الديون تقضي من جميع الأموال كدين الميت.
وأما الجواب عن قولهم: "لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه" فهو أن حمله على أن لا يدفع صاحب الدين من دينه، وهو مظلوم، أولى من حمله على من عليه الدين، وهو ظالم.
стр. 7150
وأما الجواب عن قوله: "أد الأمانة لمن ائتمنك ولا تخن من خانك". وهو أن الأمانة هي الوديعة، تؤدي إلى مالكها، وليس مال الغريم وديعة، يكون أمانة وقوله: "ولا تخن من خانك" فليس مستوفي حقه خائنًا، فلو يتوجه إليه الخطاب.
فإن قيل: فما معنى الخبر: قيل يحمل معناه مع ضعفه، عند أصحاب الحديث، على أحد وجهين إما على الأعراض، إذا هتكت والحقوق إذا بطلت وإما على الودائع، إذا جحدت ثم أديت.
وأما قياسه على ما في يده من رهون وودائع، فتلك لا يملكها فلم يجز أن تؤخذ في دينه، وهذا ماله فجاز أن يؤخذ من دينه.
وأما الجواب عن استدلالهم بالتقسيم في أخذه ملكًا، أو مبيعًا فإنه ينقسم يؤخذ في أخذ الدراهم عن الدنانير والدنانير عن الدراهم، ولا يمنع جوازه، فكذلك في غيره على أن لنا في البيع ما سنذكره.
فصل:
فإذا ثبت أن له أخذه من جنسه، ومن غير جنسه.
قيل له: إن قدرت عليه من جنس حقك، لم يكن لك أن تعدل إلى غير جنسك.
وكنت في أخذه من غير جنسه متعديًا فإن كان حقك دراهم لم يكن لك أن تأخذه إلا دراهم، وإن كان حقك دنانير، لم يكن لك أن تأخذه إلا دنانير، وكذلك إن كان حقك برًا، أو شعيرًا أخذت جنس حقك من البر، والشعير.
وله أن يبيع بوزنه، وكيله ويصير بأخذه في ضمانه، وعلى ملكه وإن تعذر عليه جنس حقه وعدل إلى غير جنسه، فإذا أخذه ففي حكم يده وجهان أحدها أنها يد أمانة، لا توجب الضمان، حتى تباع فيستوفي حقه منه كالرهن، فعلى هذا لو تلق في يده قبل بيعه، كان حقه باقيًا، وجاز أن يعود إلى مال الغريم ثانية، فيأخذ منه بقدر دينه.
والثاني: أن يده ضامنة لما أخذه قبل بيعه، وبعده بخلاف الرهن، لأن الرهن عن مراضاة، وهذا عن إجبار.
فعلى هذا إن تلق في يده كانت قيمته قصاصًا عن دينه إذا تجانسا على الصحيح من المذهب.
وإذا كان ما أخذه باقيًا، لم يكن له أن يستبقيه في يده رهنًا، لأن الرهن عقد لا يتم إلا عن مراضاة تبذل، وقبول فإن استبقاه مع القدرة على بيعه، وأخذ حقه من ثمنه، ضمنه
стр. 7151
وجهًا واحدًا ولا يجوز أن يملكه من غير بدعة، فإذا أراد بيعه في حقه، فلأصحابنا فيه وجهان:
أحدهما: وهو يقول أكثرهم، يجوز أن يقول بيعه بنفسه، لتعذر بيع الحاكم له، إذا تعذرت البينة.
والثاني: وهو قول أبي علي بن أبي هريرة لا يجوز أن يتولى بيعه بنفسه، لامتناع أن ينفرد بيع ملك غيره في حق نفسه، كالرهن، ويتوصل إلى بيع الحاكم له، بأن يأتمن عليه رجلًا، ويحضره إلى الحاكم، ويدعي عليه أن له دينًا على غريم وقد أؤتمن هذا على ما في يده أن يبيعه في ديني، وأسأل إلزامه بيع ذلك، وإلزامه قضاء ديني من ثمنه ويعترف الحاضر بما ادعاه من الدين وائتمانه على ما في يده، ليباع في دينه، فيأمر الحاكم ببيعه ولا يلزمه أن يسأله الحاكم مع يده واعترافه عن جملة الدين، وله ملك العين، فيضع البيع بإذنه، ويصل صاحب الدين إلى حقه من ثمنه، وقد حكي عن أبي علي بن أبي هريرة غير هذا، وأنه يتوصل إليه بأن يدعي الدين على المدفوع ذلك إليه، ويوافقه على إقراره، وأن ما بيده ملكه، حتى يأمره الحاكم ببيعه، وهذا كذب صراح والأول محال محتمل، وذكر صريح الكذب حرام وكذا التحليل الموضوع يتنزه عنه أهل الورع والتحرج فدعت الضرورة إلى استعمال الوجه الأول.
تم الكتاب