← Сира

Сира · id 1693

سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد

الصالحي الشامي

Полный текст (5 757 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.

стр. 1156

بصور أجسادها في علم الله تعالى، ويحتمل الأرواح بالأجساد ويؤيده حديث عبد الرحمن بن هاشم عن أنس ﵁ عند البيهقي. وبعث الله له آدم فمن دونه من الأنبياء. وعند البزار والطبراني: «فنشر لي الأنبياء، من سمّى الله تعالى ومن لم يسمّ، فصلّيت بهم» . التنبيه العشرون: قول سيدنا إبراهيم ﷺ : «وأعطاني ملكا عظيما» : قال ابن دحية: لا يعهد لإبراهيم ملك عرفي، فإما أن يراد بالملك الإضافة إليه نفسه وذلك لقهره لعظماء الملوك، وناهيك بالنمرود، وقد قهره الله تعالى لخليله وأعجزه عنه، وغاية الملك العظيم قهر الملك العظيم، فالقاهر أعظم من المقهور قطعا. ويحتمل أن يراد الإضافة إلى نبيّه وذريّته وذلك نحو ملك يوسف الصّدّيق ﷺ وهلم جرّا كملك داود وسليمان والكل من ولد إبراهيم ﵊، وفي التنزيل: فَقَدْ آتَيْنا آلَ إِبْراهِيمَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْناهُمْ مُلْكاً عَظِيماً [النساء: ٥٤] والإشارة هنا إلى ذرّيته. وإما أن يراد ملك النفس في مظنّة الاضطراب مثل ملكه لنفسه. وقد سأله جبريل فقال: ألك حاجة؟ فقال: أما إليك فلا. التنبيه الحادي والعشرون: اختلف في تقديم الآنية هل هو قبل العروج أو بعده؟ واختلف في عددها فأكثر الروايات أنه كان قبله. روى أحمد والشيخان والنسائي والترمذي من حديث أنس عن مالك بن صعصعة رضي الله تعالى عنه: «ثم رفع إلى البيت المعمور» ، إلى أن قال: «ثم أتيت بإناءين: أحدهما خمر والآخر لبن» ، وعند البخاري في الأشربة من طريق شعبة عن قتادة عن أنس مرفوعا: «رفعت إلى سدرة المنتهى فإذا فيها أربعة أنهار» قال: «وأتيت بثلاثة أقداح» [ (١) ] . لم يذكر شعبة في الإسناد مالك بن صعصعة. وعند ابن عائذ من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه في حديث المعراج بعد ذكر رؤيته إبراهيم في السماء السابعة: «ثم انطلقنا فإذا نحن بثلاثة آنية مغطّاة» . قال السهيلي وابن دحية وابن المنير وابن كثير والحافظ: «لعلّه قدّم مرّتين جمعا بين الروايات» . قال ابن كثير والحافظ: «وأما الاختلاف في عدد الآنية وما فيها فيحمل على أن بعض الرواة ذكر ما لم يذكر الآخر، ومجموعها أربعة آنية فيها تعرض الآنية مرّتين وأربعة أشياء من الأنهار الأربعة التي تخرج من أصل سدرة المنتهى» . التنبيه الثاني والعشرون: إذا قلنا بعرض الآنية مرتين ففائدة عرض الخمر [مع] إعراضه عنها في المرة الأولى وتصويب جبريل له، تكثير التصويب والتحذير. وهل كانت

стр. 1157

الخمر من خمر الجنّة أو من جنس خمر الدنيا؟ فإن كان الأول فسبب تجنّبها صورتها ومضاهاتها للخمر المحرّمة، ويكون ذلك أبلغ في الورع. وإن كان الثاني فاجتنابها واضح. وعلى التقدير الأول يستفاد منه فائدة: وهو أن من وضع من الماء ونحوه من الأشربة ما يضاهي الخمر في الصورة وهيّأه بالهيئة التي يتعاطاها [بها] أهل الشهوات من الاجتماعات والآلات فقد أتى منكرا وإن كان لا يحدّ. وذكر أصحابنا أن إدارة كأس الماء على شاربه تشبّها بشارب الخمر حرام، ويعزّر فاعله. التنبيه الثالث والعشرون: قال ابن دحية: اعلم أن التّخيير قد يكون بين واجبين كخصال الكفّارة وقد يكون بين مباحين، وأما التّخيير بين واجب وممنوع أو مباح وممنوع فمستحيل، فانظر في إحضار اللبن والخمر، هل أريد به الإباحة لهما والإذن فيهما؟ كما لو أحضرت طعامين لضيف وأبحتهما له، فما معنى إختياره لأحدهما؟ وما معنى قول جبريل: «اخترت الفطرة» أو «أصبت، أصاب الله بك» ؟ وإن كان المراد الإذن في أحدهما لا بعينه، بحيث يكون الآخر ممنوعا لزم التّحيير بين ممنوع ومباح، وذلك لا يتصوّر، والذي يرفع الإشكال إن شاء الله تعالى أن يكون المراد تفويض الأمر في تحريم ما يحرّم منها وتحليل ما يحلّ إلى اجتهاد النبي ﷺ وسداد نظره المعصوم. فلما نظر فيها أدّاه اجتهاده إلى تحريم الخمر وتحليل اللبن، فوافق الصواب في علم الله تعالى، فقال له جبريل: «أصبت» ، وعلى تقدير ألا تكون الخمر محرّمة لأنها إنما حرّمت بالمدينة فيكون توقّيها ورعا وتعريضا بأنها ستحرّم. التنبيه الرابع والعشرون: قال أبو الخطاب الكلبي: «الفطرة تطلق على الإسلام وتطلق على أصل الخلقة، فمن الأول قوله ﷺ : «كل مولود يولد على الفطرة» [ (١) ] . ومن الثاني قوله تعالى: فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها [الروم: ٣٠] ، وقال تعالى: فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [فاطر: ١] ، أي مبدئ خلقهما، وقول جبريل: «اخترت الفطرة» أي اخترت اللبن الذي عليه بنيت الخلقة وبه ينبت اللحم، أو اخترته لأنه الحلال الدائم في دين الإسلام، وأما الخمر فحرام فيما يستقر عليه الأمر، وقد تكون الإشارة بتقديم اللبن إلى أن شعار العلم في التعبير، كما ورد أنه ﵊ قال: «رأيت كأني أتيت بقدح من لبن فشربت حتى أرى الرّيّ يخرج من أظفاري ثم ناولت فضلي عمر بن الخطاب» ، قالوا: يا رسول الله ما أوّلته؟ قال: «العلم» [ (١) ] . والإسراء وإن كان يقظة إلا ربما وقعت في اليقظة إشارة إلى حكم الفأل يعبّر كما يعبر في المنام. ولهذا كان النبي ﷺ يحب الفأل الحسن، فكأنه لما ملئ قلبه إيمانا وحكمة أردف

стр. 1158

ذلك بالعلم مطلقا، ويجعل الله تعالى ذلك اللبن سببا في ترادف العلم وأشجان القلب النبوي بأنوارها. وقال القرطبي: يحتمل أن يكون تسمية اللبن فطرة لكونه أوّل شيء يدخل بطن المولود ويشقّ أمعاءه، والسّرّ في ميل النبي ﷺ إليه دون غيره لكونه مألوفا له، ولأنه لا ينشأ عن جنسه مفسدة، وافهم قول جبريل «أصبت» ، فإن اختيار الخمر خطأ عصم منه النبي ﷺ ، وكانت المسألة حينئذ اجتهادية لأن الخمر لم تكن حرّمت بعد، فقد وقع تخييره في ملك الله الأعظم. التنبيه الخامس والعشرون: ظاهر قوله: «ثم أتي بالمعراج» أن العروج كان لا على البراق وفي ذلك خلاف، فظاهر حديث مالك بن صعصعة أنه استمر على البراق حتى عرج به إلى السماء، وهو مقتضى كلام ابن أبي جمرة وابن دحية. قال الحافظ: «لكن في غير هذه الرواية من الأخبار أن العروج لم يكن على البراق بل رقي في المعراج وهو السّلّم، ويؤيده قوله في حديث ثابت عن أنس كما في صحيح مسلم: «ثم أتيت بالمعراج» . وقال الحافظ ابن كثير: «إنه لمّا فرغ ﷺ من أمر بيت المقدس نصب له المعراج وهو السّلّم، فصعد فيه إلى السماء، ولم يكن الصعود على البراق كما قد توهّمه بعض الناس، بل كان البراق مربوطا على باب مسجد بيت المقدس ليرجع عليه إلى مكة» . وقال الشيخ رحمه الله تعالى: «إنه الصحيح الذي تقرّر من الأحاديث الصحيحة» . التنبيه السادس والعشرون: نوّع ابن دحية المعراج إلى عشرة أنواع على عدد سني الهجرة، منها سبعة معاريج إلى السموات السبع، والمعراج الثامن إلى سدرة المنتهى والمعراج التاسع الذي سمع فيه صريف الأقلام في تصريف الأقدار، والمعراج العاشر إلى العرش والرّفرف والرؤية وسيأتي ما أبداه من الحكم في ذلك. التنبيه السابع والعشرون: ورد أن بين الدرجة والدرجة في الجنّة خمسمائة عام وأن الدرجة تهبط كالإبل ليصعد عليها ولي الله تعالى ثم ترفع به إلى مكانها والظاهر أن درج المعراج كذلك. التنبيه الثامن والعشرون: لا يتوهّم بما تسمعه في قصة المعراج من الصعود والهبوط أن بين العبد وربّه مسافة، فإن ذلك كفر، نعوذ بالله من ذلك، وإنما هذا الصعود والهبوط بالنسبة إلى العبد لا إلى الرّبّ، والنبي ﷺ مع انتهائه ليلتئذ إلى أن كان قاب قوسين أو أدنى، لم يجاوز مقام العبودية، وكان هو ونبيّ الله يونس بن متّى ﷺ إذا التقمه الحوت وذهب به إلى البحار يشقها حتى انتهى به إلى قرار البحر، في مباينة الله تعالى خلقه وعدم الجهة والتحيز والحدّ والإحاطة سواء. وقد ذهب به مسيرة ستة آلاف سنة ذكره الإمام البغوي وغيره. وإذا علمت ذلك فالمارد بترقّيه ﷺ وقطع هذه المسافات إظهار مكانته عند أهل

стр. 1159

السموات وأنه أفضل المخلوقات. ويقوّي هذا المراد بكونه أركبه البراق ونصب له المعراج وجعله إماما للنبيين والملائكة، مع أنه تعالى قادر على أن يرفعه بدون البراق والمعراج. ويقال لأصحاب الجهة: إنما منعكم من اعتقاد الحق استبعادكم موجودا إلا في جهة، فأحلتم ذلك. فأخبرونا عن العرش والفوق هل ذلك قديم؟ أو محدث؟ فإن قالوا قديما جاهروا بقدم العالم وأدّى ذلك إلى محالين: أحدهما أن يكون مع الباري تعالى في الأزل غيره، والقديمان ليس أحدهما بأن يكون مكانا للثاني بأولى من الآخر. ثانيهما أن الجهة والمكان إما أن يكونا جسمين، وهذا يؤدّي إلى جواز وجود الأجساد كلها، وهو قول من قال بقدم العالم، نعوذ بالله من ذلك. وإن قالوا: محدث، قل فقد صدقتم بأن الرّبّ تعالى كان موجودا أولا ولا جهة، والمستحيل [لا] ينقلب جائزا أو واجبا لأن الحادث لا يحتاج إليه القديم، فإنه قبل كونه كان مستغنيا عنه، وهو على استغنائه عنه لم يزل وكذلك لا يزال، ومحال أن يكون خالق الكل مفتقرا إلى بعض مخلوقاته. وما ورد من الاستواء والنزول وغير ذلك من الصفات التي يشكل إجراؤها على ظاهرها، نؤمن به ونكل علم معناه إلى الله تعالى، ولا نشبهه تعالى بخلقه ولا ننفي الصفات التي أثبتها لنفسه وأثبتها له رسول الله ﷺ [ (١) ] . التنبيه التاسع والعشرون: نقل ابن دحية عن ابن حبيب، والحافظ عن ابن المنير عن ابن حبيب وأقرّه: أن بين السماء والأرض بحرا يسمى المكفوف تكون بحار الدنيا بالنسبة إليه كالقطرة من المحيط، فعلى هذا يكون ذلك البحر انفلق لنبينا ﷺ فهو أعظم من انفلاق البحر لموسى ﵊. التنبيه الثلاثون: في قدر ما بين السماء والأرض: روى الإمام أحمد وأبو داود والترمذي وحسنه، وابن خزيمة في صحيحه عن ابن عباس ﵄ قال: كنا عند رسول الله ﷺ فقال: «أتدرون كم بين السماء والأرض» ؟ قلنا: الله ورسوله أعلم. قال: «بينهما مسيرة خمسمائة سنة، وبين كل سماء إلى سماء مسيرة خمسمائة سنة وكثف كل سماء خمسمائة سنة، وفوق السماء السابعة بحر من أعلاه وأسفله كما بين السماء والأرض ثم فوق ذلك ثمانية أو عال [ (٢) ] بين أظلافهن وركبهن مثل ما بين سماء إلى سماء وفوق ظهورهن العرش وبين أعلاه وأسفله كما بين السماء والأرض ثم الله تعالى فوق ذلك. وروى إسحق بن راهويه والبزار بسند صحيح عن أبي ذر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ما بين السماء والأرض خمسمائة عام وغلظ كل سماء خمسمائة عام

стр. 1160

كذلك إلى السماء السابعة، والأرضون مثل ذلك. وما بين السماء السابعة إلى العرش مثل جميع ذلك» [ (١) ] . وروى ابن جرير وابن المنير عن ابن مسعود وناس من الصحابة ﵃ قالوا: إن الله كان عرشه على الماء لم يخلق شيئا غير ما خلق، فلما أراد أن يخلق الخلق أخرج من الماء دخانا فارتفع فوق الماء فسما عليه فسمّاه سماء، ثم أيبس الماء فجعله أرضا واحدة، ثم فتقها فجعلها سبع أرضين في يومين: الأحد والاثنين، فخلق الأرض على الحوت، وهو الذي ذكره الله تعالى في قوله ن وَالْقَلَمِ وَما يَسْطُرُونَ، والحوت في الماء والماء على ظهر صفاة والصفاة على ظهر ملك والملك على صخرة والصخرة على الريح، وهي الصخرة التي ذكر لقمان ليست في السماء ولا في الأرض، فتحرّك الحوت فاضطرب فتزلزلت الأرض فأرسى عليها الجبال فقرّت وخلق الجبال فيها وأقوات أهلها وشجرها وما ينبغي لها في يومين: الثلاثاء والأربعاء، ثم استوى إلى السماء وهي دخان، والدّخان من تنفّس الماء حين تنفّس فجعلها سماء واحدة ثم فتقها فجعلها سبع سموات في يومين: الخميس والجمعة وإنما سمّي الجمعة لأنه جمع فيه خلق السموات والأرض وأوحى في كل سماء أمرها أي خلق خلقها من الملائكة والخلق الذي فيهما من البحار والجبال والبرد وما لا يعلم، ثم زيّن السماء الدنيا بالكواكب، فجعلها زينة وحفظا من الشياطين. وروى ابن أبي حاتم عن جبير بن مطعم ﵁ قال: «إن الله تعالى علي عرشه وعرشه على سمواته، وسمواته على أرضه هكذا» ، وقال بإصبعه: «مثل القبّة» وروى ابن حاتم عن القاسم بن أبي بزّة- بالزاي المعجمة- قال: «ليس السماء مربّعة ولكنها مقبوّة يراها الناس خضراء» وروى ابن راهويه والطبراني في الأوسط، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن الربيع بن أنس قال: «السماء الدنيا موج مكفوف والسماء الثانية زمرّدة بيضاء والثالثة حديد والرابعة نحاس والخامسة فضّة والسادسة ذهب والسابعة ياقوتة حمراء» ، زاد ابن أبي حاتم: «وما فوق ذلك صحاري من نور، ولا يعلم ما فوق ذلك إلا الله تعالى وملك هو موكّل بالحجب يقال له ميطاطروس» . وروى أبو الشيخ وابن أبي حاتم عن كعب قال: «السماء أشدّ بياضا من اللبن واخضرّت من خضرة جبل قاف» . شرح الغريب «الموج» - بميم فواو فجيم- ما ارتفع من فوران الماء. «المكفوف» - بميم

стр. 1161

فكاف بفاءين بينهما واو- المحبوس. التنبيه الحادي والثلاثون: استفتاح جبريل باب السماء يحتمل أن يكون بقرع أو صوت. قال الحافظ: «والأشبه الأول لأنه صوت معروف» . قلت: في حديث ثابت البناني عن أنس ﵁: «فقرع الباب» . قال ابن دحية: وفي استفتاح جبريل لأبواب السماء دليل على أنه صادف أبوابها مغلقة، وإنما لم تهيّأ للنبي ﷺ بالفتح قبل مجيئه، وإن كان أبلغ في الإكرام، لأنه لو رآها مفتّحة لظنّ أنها لا تزال كذلك، ففعل ذلك ليعلم أن ذلك فعل من أجله، وأن الله تعالى أراد أن يطلعه على كونه معروفا عند أهل السموات، وقول أمين الوحي لما قبل له: من هذا؟ «جبريل» : سمّى نفسه لئلا يلتبس بغيره ولا يحتاج إلى موقف للمراجعة في المرّة، فإنه معهود عندهم نزوله وصعوده ولذلك قدّم اسمه لأنه الرسول بإحضار النبي ﷺ . واستنبط ابن دحية وتبعه ابن المنير من قول الملك: «مرحبا» إلى آخره، جواز ردّ السلام بغير لفظه. وتعقّبا بأن قول الملك: مرحبا، ليس ردّ السلام، فإنه كان قبل أن يفتح الباب، والسياق يرشد إليه. وقد نبه على ذلك ابن أبي جمرة. ووقع في رواية إن جبريل قال له عند كل نبيّ: «سلّم عليه» ، فردّ ﵇. التنبيه الثاني والثلاثون: ينبغي للمستأذن إذا قيل له هذا أن يسمّي نفسه فيقول: محمد الشامي مثلا، ولا يقتصر على قوله: محمد، مثلا، لأن المسمّى بمحمد كثير، فيشتبه عليه، ولا يقول: «أنا» فإن جبريل ههنا لم يقل: «أنا» ، بل سمّى نفسه، ولم يرد أن أحدا من الملائكة سمّى جبريل غير أمين الله تعالى على وحيه. وأنكر النبي ﷺ على الذي استأذن عليه فقال: «من هذا؟» فجعل يقول: «أنا» فقال النبي ﷺ : أنا أنا إنكارا لذلك [ (١) ] . وكرهت هذه اللفظة لوجهين: أحدهما أن فيها إشعارا بالعظمة. وفي الكلام السائر أول من قال: أنا إبليس فشقي حيث قال: أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ، [الأعراف: ١٢] ، وتعس فرعون حيث قال أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى [النزعات: ٢٤] والثاني أنها مبهمة لافتقار الضمير إلى العود، فهي غير كافية في البيان، والضمير إذا عاد وتعيّن مضمرة كان أعرف المعارف، والمستأذن محجوب عن المستأذن عليه غير متعيّن عنده فكأنه أحاله على جهالة. التنبيه الثالث والثلاثون: قول الخازن: «وقد بعث إليه؟» أراد الاستفهام فحذف الهمزة للعلم بها أي: «أو قد بعث إليه؟» قال العلماء: ليس هذا الاستفهام عن البعث الذي هو الرسالة لأنه كان مشهورا في الملكوت الأعلى، بل البعث للمعراج، وقيل: بل سألوا تعجبا من

стр. 1162

نعمة الله تعالى بذلك أو استبشارا به، وقد علموا أن بشرا لا يترقّى هذا الترقي إلا بإذن الله تعالى وأن جبريل لا يصعد بمن لا يرسل إليه. وقول الخازن: «من معك؟» يشعر أنّهم أحسّوا معه برفيق وإلا لكان السؤال: «أمعك أحد؟» وذلك الإحساس إما بمشاهدة لكون السماء شفّافة، وإما لأمر معنوي بزيادة أنوار، ولزم من البعث إليه ﷺ الإذن في إزالة الموانع وفتح أبواب السماء. ولم يتوقّف الخازن على أن يوحى إليه بالفتح، لأنه لزم عنده من البعث الإذن، وفي قول الخازن: «مرحبا به» إلى آخره ما يدل على أن الحاشية إذا فهموا من سيدهم عزما لإكرام وافد أن يبشّروه بذلك وإن لم يأذن لهم فيه، ولا يكون في ذلك إفشاء للّسّر، لأن الخازن أعلم النبي ﷺ حال استدعائه أنه استدعاء إكرام وإعظام، فعجّل بالبشرى والفراسة الصادقة عند أهلها وفي محلها يحصل [بها] العلم كما يحصله الوحي، ولم يخاطبه الخازن بصيغة الخطاب فيقول: «مرحبا بك» وإنما أراد التحية بصيغة الغيبة، والسر في ذلك أنه حيّاه قبل أن يفتح الباب وقبل أن يصدر من النبي ﷺ خطاب، ولهذا قال الملك لجبريل: «ومن معك؟» فخاطبه بصيغة الخطاب، لأن جبريل خاطب الملك، فارتفع حكم الغيبة بالتخاطب من الجانبين، ويجوز أن يكون حيّاه بغير صيغة الخطاب تعظيما له لأن هاء الغيبة ربما كانت أفخم من كاف الخطاب. التنبيه الرابع والثلاثون: قول جبريل حين سئل: «من معه» فقال: «محمد» ، دليل على أن الاسم أرفع من الكنية لأنه أخبر باسمه ولم يخبر بكنيته، وهو ﵊ مشهور في العالمين العلوي والسفلي، فلو كانت الكنية أشرف من الاسم لأخبر بها. التنبيه الخامس والثلاثون: قال ابن أبي جمرة: «استفهام الملائكة» : «وقد أرسل إليه؟» دليل على أن أهل العالم العلوي يعرفون رسالته ومكانته لأنهم سألوا عن وقتها: هل جاء؟ لا عنها، ولذلك أجابوا بقولهم: «مرحبا ونعم المجيء جاء» وكلامهم بهذه الصيغة أدلّ دليل على ما ذكرناه من معرفتهم بجلالة مكانته وتحقيق رسالته لأن هذا أجلّ ما يكون من حسن الخطاب، والترفيع على المعروف من عادة العرب. وقد قال العلماء في معنى قوله تعالى: لَقَدْ رَأى مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى [النجم: ١٨] إنه رأى صورة ذاته المباركة في الملكوت فإذا هو عروس المملكة» . التنبيه السادس والثلاثون: وقع في رواية أنس ومن رواية أبي ذر ﵄: «قلت لجبريل: من هذا؟ قال: أبوك آدم» . وظاهره أنه سأل عنه بعد أن قال له آدم: «مرحبا» . ورواية مالك بن صعصعة بعكس ذلك، وهي المعتمدة، فتحمل هذه عليها، وليس في رواية أبي ذرّ ترتيب. وفي قول آدم: «مرحبا بالابن الصالح» ، إشارة إلى افتخاره بأبوّته للنبي ﷺ .

стр. 1163

وظاهر قوله في رواية آدم: «تعرض عليه أرواح ذرّيته» إلى آخره أن أرواح بني آدم من أهل الجنة والنار في السماء. قال القاضي: «وهو مشكل، فقد جاء أن أرواح المؤمنين منعّمة في الجنة وأن أرواح الكفّار في سجّين، فكيف تكون مجتمعة في السماء؟ وأجاب بأنه يحتمل أنها تعرض أوقاتا فصادف وقت عرضها مرور النبي ﷺ ، ويدل على أن كونهم في النار في أوقات دون أوقات قوله تعالى: النَّارُ، يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وَعَشِيًّا، [غافر: ٤٦] واعترض بأن أرواح الكفار لا تفتح لهم أبواب السماء كما هو نص القرآن» ، والجواب ما أبداه القاضي احتمالا أن الجنة كانت في جهة يمين آدم والنار كانت في جهة شماله وكان يكشف له عنهما. وقال الحافظ: «ويحتمل أن النّسم المرئية هي التي لم تدخل الأجساد بعد وهي مخلوقة قبل الأجساد ومستقرها عن يمين آدم وشماله، وقد أعلم بما سيصيرون إليه فلذلك كان يستبشر إذا نظر إلى من على يمينه ويحزن إذا نظر إلى من على يساره، بخلاف التي في الأجساد فليست مرادة قطعا وبخلاف التي نقلت من الأجساد إلى مستقرها من الجنة أو النار فليست مرادة أيضا فيما يظهر، وبهذا يندفع الإيراد، ويعرف أن قوله: «نسم بنيه» عام مخصوص أو أريد به الخصوص» . انتهى. وقال في الفتح في باب المعراج: «وظهر لي الآن احتمال آخر وهو أن يكون المراد من «خرجت من الأجساد لا أنها مستقرة ولا يلزم من رؤية آدم لها وهو في السماء الدنيا أن تفتح لها أبواب السماء ولا أن تلجها، ويؤيد هذا ما رواه ابن إسحاق: فإذا أنا بآدم تعرض عليه أرواح ذريته المؤمنين فيقول: روح طيّبة ونفس طيّبة اجعلوها في عليّين، ثم تعرض عليه أرواح ذريته الفجّار فيقول: روح خبيثة ونفس خبيثة اجعلوها في سجّين. وفي حديث أبي هريرة: فإذا عن يمينه باب بخرج منه ريح طيبة وعن شماله باب يخرج منه ريح خبيثة، فهذا لو صحّ لكان المصير إليه أولى من جميع ما تقدم ولكن سنده ضعيف وظاهرها عدم اللزوم المتقدم» انتهى. وقال السهيلي: «فإن قيل كيف رأى عن يمينه أصحاب اليمين؟ ولم يكن إذا ذاك منهم إلا نفر قليل، ولعله لم يكن مات تلك الليلة منهم أحد، وظاهر الحديث يقتضي أنهم كانوا جماعة، والجواب أن يقال: إن كان الإسراء رؤيا بقلبه فتأويلها أن ذلك سيكون وإن كانت رؤيا عين فمعناها أن أرواح المؤمنين رآها هنالك لأن الله يتوفّى الخلق في منامهم كما قال في التنزيل اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرى إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى [الزمر: ٤٢] «فصعد بالأرواح إلى هنالك ثم أعيدت إلى أجسادها» . وقال ابن دحية: «فإن قيل: كيف تكون نسم السّعداء كلهم في السماء، وقد كان حين الإسراء جماعة من الصحابة ﵃ في الأرض وهم من السعداء؟ فالجواب: أن آدم

стр. 1164

إنما رآهم في مواضعهم ومقارّهم في الأرض، ولكنه يراهم من الجانب الأيمن فالتقييد للنظر لا للمنظور» . وفي قول جبريل للنبي ﷺ : «هذا أبوك آدم فسلّم عليه» ما يقتضي أن القادم يبدأ بالسلام على المقيم. التنبيه السابع والثلاثون: وقع في رواية شريك: «فإذا هو في السماء الدنيا بنهرين يطّردان- أي يجريان- النيل والفرات، ويجمع منصرفهما» - أي أصلهما. وظاهر هذا يخالف حديث مالك بن صعصعة فإن فيه بعد ذكر سدرة المنتهى: «فإذا أصلها أربعة» ، فذكر منها النيل والفرات، ويجمع بينهما بأن أصل منبعهما من تحت سدرة المنتهى ومقرهما في السماء الدنيا ومنها ينزلان إلى الأرض. التنبيه الثامن والثلاثون: وقع في رواية شريك أيضا: «ثم مضى النبي ﷺ في السماء الدنيا فإذا هو بنهر آخر عليه قصور من لؤلؤ وزبرجد، فضرب يده فيه فإذا طينه مسك أذفر فقال: يا جبريل ما هذا؟ قال: هذا الكوثر الذي خبّأ لك ربّك، وهذا مما استشكل في رواية شريك، فإن الكوثر في الجنة وإن الجنة في السماء السابعة. وقد روى الإمام أحمد عن طريق حميد الطويل عن أنس، رفعه: «دخلت الجنة فإذا بنهر حافتاه خيام اللؤلؤ، فضربت بيدي في مجرى مائه فإذا هو مشك أذفر» . فقال جبريل: «هذا الكوثر الذي أعطاك الله تعالى» . وأصل هذا الحديث عند البخاري بنحوه، وأخرجه في التفسير عن قتادة عن أنس ﵁، ولكن ليس فيه ذكر الجنة. ورواه أبو داود من طريق سليمان التيمي عن قتادة ولفظه: «لما عرج بنبي ﷺ عرض له في الجنة نهر» ، قال الحافظ: ويمكن أن يكون في هذا الموضوع شيء تقديره: ثم مضى به في السماء الدنيا إلى السماء [السابعة] فإذا هو بنهر، قال تلميذه الحافظ قطب الدين الخيضري في الخصائص: «وهذا بعيد إذ بينه وبين السماء السابعة خمس سماوات أخرى وكل منها له صفة خلاف صفة الأخرى ولها أبواب وخدّام غير الأخرى، فإطلاق المسير إليها وذكرها بعد السادسة مما يبعده أيضا، ولكن يقال من غير استبعاد: إن أصل النهر- الذي هو الكوثر- في الجنة، وجعل الله تعالى منه فرعا في السماء الدنيا عجّل لنبيه ﷺ رؤيته استبشارا لأنها أول المراتب العلوية، ويؤيد هذا قول جبريل: «خبّأ لك ربّك» . انتهى. التنبيه التاسع والثلاثون: في قول آدم: «مرحبا بالابن الصالح والنبي الصالح» ، ثناء جميل جليل للنبي ﷺ ، ووصفه بالصلاح مكررا مع النبوة، أي صالح مع النبيين جميعا، وفيه تنويه بفضيلة الصلاح وعلو درجته، ولهذا وصف النبي ﷺ . قال بعضهم: وصلاح الأنبياء صلاح خاصّ لا يتناول عموم الصالحين. واحتج على ذلك بأنه قد تمنّى كثير من الأنبياء أن يلحق بالصالحين، ولا يتمنّى الأعلى أن يلحق بالأدنى، ولا خلاف في أن النبوة أعلى من

стр. 1165

صلاح الصالحين من الأمم. وبهذا تحقق أن الصلاح المضاف إلى الأنبياء غير الصلاح المضاف إلى الأمم، فصلاح الأنبياء صلاح كامل لأنه يزول بهم كل فساد، فلهم كل صلاح ومن دونهم الأمثل فالأمثل، فكل واحد يستحق اسم الصلاح على قدر ما زال به أو منه من الفساد، واقتصر الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم على وصفه ﷺ بالصلاح وتواردوا على ذلك لأن الصلاح يشمل خصال الخير، ولذلك كررها كل منهم عند وصفه. والصالح هو الذي يقوم بما يلزمه من حقوق الله تعالى وحقوق العباد، فمن ثمّ كانت كلمة جامعة مانعة شاملة لسائر الخصال المحمودة، ولم يقل له أحد: مرحبا بالنبي الصادق ولا بالنبي الأمين لما ذكرنا من أن الصلاح شامل لسائر أنواع الخير. التنبيه الأربعون: إنما رأى أكلة الربا منتفخة بطونهم لأن العقوبة مشاكلة للذنب، فآكل الربا يربو بطنه كما أراد أن يربو ماله بأكل ما حرّم عليه فمحقت البركة من ماله وجعلت نفخا في بطنه حتى يقوم كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِّ. وإنما جعلوا بطريق آل فرعون يمرّون عليهم غدوّا وعشيّا، لأن آل فرعون هم أشدّ الناس عذابا فضلا عن غيرهم من الكفّار، وهم لا يستطيعون القيام. ومعنى كونهم في طريق جهنّم بحيث يمرّ بالكفار عليهم أن الله قد أوقف أمرهم بين أن ينتهوا فيكون خيرا لهم وبين أن يعودوا ويصرّوا فيدخلهم النار، وهذه صفة من هو في طريق النار، قال الله تعالى: فَمَنْ جاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهى فَلَهُ ما سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ، وَمَنْ عادَ فَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ [البقرة: ٢٧٥] وفي بعض الأحاديث أنه رأى بطونهم كالبيوت يعني أكلة الربا، وفيها حيّات ترى من خارج البطون. التنبيه الحادي والأربعون: فإن قيل: هذه الأحوال التي ذكرها عن أكلة الربا، إن كانت عبارة عن حالهم في الآخرة، فآل فرعون قد أدخلوا أشدّ العذاب وإنما يعرضون على النار غدوّا وعشيّا في البرزخ، وإن كانت الحال التي رآهم عليها فأيّ بطون لهم وقد صاروا عظاما ورفاتا ومزّقوا كل ممزّق؟ فالجواب أنه إنما رآهم في البرزخ، وهذه الحال هي حال أرواحهم بعد الموت. وفيها تصحيح لمن قال: الأرواح أجساد لطيفة قابلة للنعيم والعذاب، فخلق الله تعالى في تلك الأرواح من الآلام ما يجده من انتفخ بطنه حتى وطئ بالأقدام ولا يستطيع معه قياما. وليس في هذا دليل على أنهم أشدّ عذاباً من آل فرعون، ولكن فيه دليل على أنه يطؤهم ال فرعون وغيرهم من الكفار الذين لم يأكلوا الربا، ما داموا في البرزخ إلى أن يقوموا يوم القيامة كما يقوم الذي يتخبّطه الشيطان من المسّ، ثم ينادي منادي الله تعالى أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذابِ [غافر: ٤٦] . وكذلك ما رأى من النساء المعلّقات

стр. 1166

بثديّهن يجوز أن يكون رأى أرواحهنّ وقد خلق من الآلام ما يجده من هذه حاله، ويحتمل أيضا أن يكون مثلت له حالهنّ في الآخرة. التنبيه الثاني والأربعون: ذكره لإدريس في السماء الرابعة مع قوله تعالى: وَرَفَعْناهُ مَكاناً عَلِيًّا [مريم: ٥٧] ، مع أنه قد رأى موسى وإبراهيم صلوات الله وسلامه عليهما في مكان أعلى من مكان إدريس، فذلك- والله تعالى أعلم- لما ذكر عن كعب الأحبار أن إدريس خصّ من بين جميع الأنبياء بأنه رفع قبل وفاته إلى السماء الرابعة، رفعه ملك كان صديقا له وهو الملك الموكّل بالشمس. وكان إدريس سأله أن يريه الجنة فأذن له الله في ذلك، فلما كان في السماء الرابعة رآه هنالك ملك الموت فعجب وقال: أمرت أن أقبض روح إدريس الساعة في السماء الرابعة فقبضه هنالك، فرفعه حيّا إلى ذلك المكان العليّ الذي خص به دون سائر الأنبياء، قاله السهيلي. وتقدم الكلام في النسب النبوي على قوله: «مرحبا بالأخ الصالح» . التنبيه الثالث والأربعون: قال العلماء: «لم يكن بكاء موسى حسدا، معاذ الله، فإن الحسد في ذلك العالم منزوع عن آحاد المؤمنين، فكيف بمن اصطفاهم الله تعالى، بل كان أسفا على ما فاته من الأجر الذي يترتّب عليه رفع الدرجة بسبب ما وقع من أمته من كثرة المخالفة المقتضية لتنقيص أجورهم والمستلزمة لتنقيص أجره، لأن لكل نبيّ أجر من تبعه، ولهذا كان من اتّبعه في العدد دون من اتّبع نبيا ﷺ مع طول مدتهم بالنسبة لمدة هذه الأمة. وقال ابن أبي جمرة: «قد جعل الله تعالى في قلوب أنبيائه عليهم الصلاة والسلام الرحمة والرأفة لأمتهم، وقد بكى النبي ﷺ ، فسئل عن بكائه فقال: «هذه رحمة وإنما يرحم الله من عباده الرحماء» [ (١) ] . والأنبياء عليهم الصلاة والسلام قد أخذوا من رحمة الله تعالى أوفر نصيب، فكانت الرحمة في قلوبهم لعباد الله أكثر من غيرهم. فلأجل ما كان لموسى ﵊ من الرحمة واللطف بكى إذ ذاك رحمة منه لأمته لأن هذا وقت إفضال وجود وكرم. فرجا لعله يكون وقت القبول والإفضال فيرحم الله تعالى أمته ببركة هذه الساعة. فإن قيل: كيف يكون هذا وأمته لا تخلو من قسمين: قسم مات على الإيمان، وقسم مات على الكفر فالذي مات على الإيمان لا بد له من دخول الجنة والذي مات على الكفر لا يدخل الجنة أبدا، فبكاؤه لأجل ما ذكرتم لا يسوغ إذ أن الحكم فيه قد مرّ ونفذ. قيل في الجواب: وكذلك قدّر الله قدره على قسمين، كما شاءت حكمته، فقدّر قدرا وقدّر أن ينفذ على كل الأحوال وقدّر قدرا وقدّر ألا ينفذ، ويكون وقوعه بسب دعاء أو صدقة أو غير ذلك» .

стр. 1167

ومثاله دعاء النبي ﷺ بالدعوات الثلاث لأمته وهي: ألّا يظهر عليهم عدوّ من غيرهم، وألّا يهلكهم بالسنين، فأعطيهما ودعا بألّا يجعل بأسهم بينهم، فاستجيب في الاثنتين ولم يستجب له في الثالثة، وقيل له: هذا أمر قدّرته أي أنفذته [ (١) ] ، فكانت الاثنتان من القدر الذي قدرّه الله تعالى وقدّر ألا ينفذه بسبب الدعاء وكانت دعوته الثالثة من القدر الذي قدرّه الله تعالى وقدرّ إنفاذه على كل الأحوال لا يردّه رادّ. وسيأتي لهذا مزيد إيضاح. فلأجل ما ركّب في موسى ﵊ من اللطف والرحمة بالأمة طمع لعل أن يكون ما اتفق لأمته من القدر الذي قدّره الله تعالى وقدّر ارتفاعه بسبب الدعاء والتّضرّع. وهذا وقت يرجى فيه التعطف والإحسان من الله تعالى لأنه وقت أسري فيه بالحبيب ليخلع عليه خلع القرب والفضل العميم، فطمع الكليم لعل أن يلحق لأمته نصيبا» . وبوجه آخر وهو البشارة للنبي ﷺ وإدخال السرور عليه يشهد لذلك بكاؤه حين ولّى النبي ﷺ وقبل أن يبعد عنه لكي يسمعه، لأنه لو كان البكاء خاصا بموسى لم يكن ليبكي حتى يبعد عنه النبي ﷺ فلا يسمعه لأن البكاء والنبي ﷺ يسمع، فيه شيء من التهوين عليه. فلما إن كان المراد بذلك ما يصدر عن البشارة له ﷺ بسبب البكاء بكى والنبي ﷺ يسمعه، والبشارة التي يتضمّنها البكاء هي قول موسى ﵊ للّذي هو أكثر الأنبياء اتباعا: «إن الذي يدخل الجنة من أمة محمد أكثر ممن يدخلها من أمّتي» . «وقد وقع من موسى ﵇ من العناية بهذه الأمة في أمر الصلاة ما لم يقع لغيره ووقعت الإشارة لذلك في حديث أبي هريرة ﵁، مرفوعا: «كان موسى أشدّهم عليّ حين مررت به وخيرهم حين رجعت إليه» . وفي حديث أبي سعيد: فأقبلت راجعا فمررت بموسى ونعم الصاحب كان لكم» . التنبيه الرابع والأربعون: قول موسى ﵊: «لأن غلاما..» ليس على سبيل النّقص بل على سبيل التنويه بقدرة الله وعظيم كرمه، إذ أعطي نبينا ﷺ في ذلك السّنّ ما لم يعطه أحدا قبله ممّن هو أسنّ منه. وقال الخطّابي: العرب تسمي الرجل المستجمع السّنّ: غلاما ما دامت فيه بقيّة من القوة [في الكهولة] وقال ابن أبي جمرة: العرب إنما يطلقون على المرء غلاما إذا كان سيّدا فيهم. فلأجل ما في هذا اللفظ من الاختصاص على غيره من ألفاظ الأفضلية ذكره موسى دون غيره تعظيما للنبي ﷺ . قال الحافظ: ويظهر أن موسى ﵇ أشار إلى ما أنعم الله

стр. 1168

به على نبينا ﵇ من استمرار القوة في الكهولة إلى أن دخل في سنّ الشيخوخة ولم يدخل على بدنه هرم ولا عرا قوّته نقص، حتى أن الناس لما رأوه مردفا أبا بكر عند قدومه المدينة أطلقوا عليه اسم الشاب وعلى أبي بكر اسم الشيخ مع كونه ﵇ في العمر أسن من أبي بكر. التنبيه الخامس والأربعون: قول موسى: «رب لم أظنّ أن ترفع عليّ أحدا- بفتح المثناة الفوقية و «أحدا» بالنّصب، ورواته في الصحيح بضم المثناة التحتية و «أحد» بالرفع. قال ابن بطال: «فهم موسى ﵊ من اختصاصه بكلام الله تعالى في الدنيا دون غيره من البشر لقوله تعالى: إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسالاتِي وَبِكَلامِي [الأعراف: ١٤٤] أن المراد بالناس هنا البشر كلهم، وأنه استحق بذلك ألا يرفع عليه أحد، فلما فضل الله تعالى محمدا ﵊ من المقام المحمود وغيره ارتفع على موسى وغيره بذلك. التنبيه السادس والأربعون: قال ابن أبي جمرة: الظاهر أن القائل لموسى: «ما أبكاك» ؟ هو الباري ﵎، يدل على ذلك قوله في الجواب: «ربّ [هذا غلام بعثته من بعدي، يدخل من أمته الجنة أكثر مما يدخل من أمتي» ] . التنبيه السابع والأربعون: أكثر الروايات على أن موسى ﵊ في السماء السابعة بتفضيل الله تعالى، وهذا مطابق لقوله تعالى: إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسالاتِي وَبِكَلامِي وهذا يدل على أن شريكا ضبط كون موسى في السابعة، وحديث أبي ذر يوافقه فإن فيه [فيما رواه ابن شهاب الزهري عن أنس بن مالك قال: «فذكر أنه وجد في السموات آدم وإدريس وموسى وعيسى وإبراهيم صلوات الله عليهم] ولم يثبت منازلهم، غير أنه ذكر أنه وجد آدم في السماء الدنيا وإبراهيم في السماء السادسة» . فإن قلنا بالتعدد فلا إشكال ومع عدمه فقد يجمع بأن موسى كان حالة العروج في السماء السادسة وإبراهيم في السماء السابعة على ظاهر حديث مالك بن صعصعة وعند الهبوط كان موسى في السابعة، لأنه لم يذكر في القصة أن إبراهيم ﵊ كلّمه في شيء مما يتعلّق بما فرض على أمته من الصلاة كما كلّمه موسى ﵇ والسماء السابعة هي أول شيء انتهى إليه حالة الهبوط، فناسب أن يكون موسى بها لأنه هو الذي خاطبه في ذلك كما ثبت في جميع الروايات ويحتمل أن يكون لقي موسى في السادسة فأصعد معه إلى السماء السابعة تفضيلا له على غيره من أجل كلام الله تعالى وظهرت فائدة ذلك في كلامه مع نبينا فيما يتعلق بأمر أمته في الصلاة. التنبيه الثامن والأربعون: وقع في رواية شريك عن أنس ﵁ أن كل سماء فيها أنبياء قد سمّاهم «فوعيت منهم إدريس في السماء الثانية وهارون في السماء الرابعة وآخر

стр. 1169

في الخامسة لم أحفظ اسمه، وإبراهيم في السادسة وموسى في السابعة» . وفي رواية أنس عن أبي ذر ﵄ قال: «فذكر أنه وجد في السموات آدم وإدريس وموسى وعيسى وابراهيم» ، ولم يثبت منازلهم، غير أنه وجد آدم في السماء الدنيا وإبراهيم في السماء السادسة» . انتهى. وهذا موافق لرواية شريك في إبراهيم، وهما مخالفان لرواية قتادة عن أنس عن مالك بن صعصعة، والأكثر وافقوه، وسياقه يدلّ على رجحان روايته، فإنه ضبط اسم كل نبي والسماء التي هو فيها، ووافقه ثابت البناني عن أنس، كما هو عند مسلم فقال في روايته: «ثم صعد بي حتى أتى السماء الثانية وفيها فإذا بيحيى وعيسى وهما ابنا خالة» ، وذكر في الثالثة يوسف وفي الرابعة إدريس وفي الخامسة هارون وفي السادسة موسى وفي السابعة إبراهيم، وفي سياق الزّهري في روايته ن أنس عن أبي ذر أنه لم يثبت أسماءهم، وسياق شريك فيه أنه لم يضبط منازلهم. ولا شك أن رواية من ضبط أولى، ولا سيما مع اتفاق قتادة وثابت وقد وافقهما يزيد بن أبي مالك عن أنس إلا أنه خالف في إدريس وهارون، فقال: هارون في الرابعة وإدريس في الخامسة، ووافقهم أبو سعيد الخدري ﵁، في رواية إلا أنه قال: «رأى يوسف في الثانية وعيسى ويحيى في الثالثة» . قلت: والأول أثبت، وأما إبراهيم فالأرجح من الروايات أنه في السماء السابعة لقوله فيها: إنه رآه مسندا ظهره إلى البيت المعمور، وهو في السابعة بلا خلاف. وأما «ما جاء عن علي ﵁ أن البيت المعمور في السماء السادسة عند شجرة طوبى فإن ثبت حمل على البيت الذي في السادسة بجانب شجرة طوبى لأنه جاء عنه إن في كل سماء بيتا يحاذي الكعبة وكل منها معمور بالملائكة، وكذا القول فيما جاء عن الربيع بن أنس وغيره أن البيت المعمور في السماء. التنبيه التاسع والأربعون: اختلفت طرق المتكلمين على حديث الإسراء في ذكر من ذكر من الأنبياء وترتيبهم في السموات، فمن العلماء من لم ير الكلام على سرّ ذلك أصلا، ومنهم من تكلم فيه، ثم اختلف هؤلاء، فمنهم من قال: اختص من ذكر من الأنبياء بلقاء رسول الله ﷺ على عرف الناس إذا تلقّوا الغائب مبتدرين للقائه، فلا بدّ غالبا أن يسبق بعضهم بعضا، ويصادف بعضهم اللقاء ولا يصادفه بعضهم وإلى هذا جنح ابن بطّال وهذا زيّفه السهيلي فأصاب. وذهب غير ابن بطّال إلى أن ذلك تنبيه على الحالات الخاصة بهؤلاء الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين وتمثيل لما سيقع للنبي ﷺ مما اتفق لهم مما قصّه الله تعالى عنهم في كتابه. والنبي ﷺ كان يحب الفأل الحسن ويستدل على حسن

стр. 1170

العاقبة وبالضدّ من ذلك. والفأل في اليقظة نظير الرؤيا في المنام. وأهل التعبير يقولون من رأى نبيا من الأنبياء بعينه في المنام فإن رؤياه تؤذن بما يشبه من حال ذلك النبي من شدّة أو رخاء أو غير ذلك من الأمور التي أخبر بها عن الأنبياء في القرآن والحديث. قال ابن أبي جمرة: «الحكمة في كون آدم في السماء الدنيا لأنه أول الأنبياء وأول الآباء فهو أصل فكان الأوّل في الأولى، ولأجل تأنيس النبوّة بالأبوة» وقال السهيلي ﵀: «فآدم وقع التنبيه بما وقع له من الخروج من الجنة إلى الأرض بما سيقع للنبي ﷺ من الهجرة إلى المدينة، والجامع بينهما ما حصل لكل منهما من المشقّة وكراهة فراق ما لقيه في الوطن، ثم كان لكل منهما أن يرجع إلى وطنه الذي خرج منه» . وقال ابن دحية: «إن في ذلك تنبيهاً على أنه يقوم مقامه في مبدأ الهجرة لأن مقام آدم التهيئة والنشأة وعمارة الدنيا بأولاده، وكذا كان مقام المصطفى أول سنة من الهجرة مقام تنشئة الإسلام وتربية أهله واتخاذ الأنصار لعمارة الأرض كلها بهذا الدين الذي أظهره الله على الدين كله، وزوى الأرض لنبيّه حتى أراه مشارقها ومغاربها، فقال ﷺ : «وليبلغنّ ملك أمّتي ما زوى لي منها» . واتفق ذلك في زمن هشام بن عبد الملك حتى جيء إليه خراج الأرض شرقاً وغرباً، وكان إذا نشأت سحابه يقول: «أمطري حيث شئت فسيصل إليّ خراجك» . ثم رأى في السماء الثانية عيسى ويحيى وهما الممتحنان باليهود. أما عيسى فكذّبته اليهود وآذته وهمّوا بقتله فرفعه الله تعالى، وأما يحيى فقتلوه، ورسول الله ﷺ بعد انتقاله إلى المدينة صار إلى حالة ثانية من الامتحان. وكانت محنته فيها باليهود [آذوه] وظاهروا عليه وهمّوا بإلقاء الصخرة عليه ليقتلوه فنجّاه الله تعالى كما نجّى عيسى منهم ثم سمّوه في الشاة، فلم تزل تلك الأكلة تعاده حتى قطعت أبهره [كما قال عند الموت] . وقال ابن أبي جمرة: لأنهما أقرب الأنبياء عهدا بسيدنا رسول الله ﷺ . وقال ابن دحية: كانت حالة عيسى ومقامه معالجة بني إسرائيل والصبر على معاداة اليهود وحيلهم ومكرهم، وطلب عيسى الانتصار عليهم بقوله: مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّهِ أي مع الله؟ قالَ الْحَوارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصارُ اللَّهِ [آل عمران: ٥٢] فهذه كانت حالة نبينا ﷺ في السنة الثانية من الهجرة، ففيها طلب الأنصار للخروج إلى بدر العظمى فأجابوا ونصروا، فلقاؤه لعيسى في السماء الثانية تنبيه على أنه سيلقى مثل حاله ومقامه في السنة الثانية من الهجرة. وأما لقاؤه ليوسف ﵇ في السماء الثالثة فإنه يؤذن بحالة ثالثة تشبه حال يوسف بما جرى له مع إخوته الذين أخرجوه من بين أظهرهم ثم ظفر بهم فصفح عنهم وقال: لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ [يوسف: ٩٢] وكذلك نبيّنا عليه

стр. 1171

الصلاة والسلام أخرجه قومه ثم ظفر بهم في غزوة الفتح فعفا عنهم وقال: «أقول كما قال أخي يوسف: (لا تثريب عليكم) » . قال ابن أبي جمرة: لأن أمة محمد ﷺ يدخلون الجنة على صورته، زاد ابن أقرص وإشارة إلى جعله على خزائن الأرض. وقال ابن دحية: مناسبة لقائه ليوسف في السماء الثالثة أن السنة الثالثة من سني الهجرة اتفقت فيها غزوة أحد وكانت على المسلمين لم يصابوا بنازلة قبلها ولا بعدها مثلها، فإنها كانت وقعة أسف وحزن. وأهل التعبير يقولون: من رأى أحدا اسمه يوسف آذن ذلك من حيث الاشتقاق ومن حيث قصة يوسف ﵇ بأسف يناله. قال ابن دحية: فإن كان يوسف النبي فالعاقبة حميدة والآخرة خير من الأولى. ومما اتفق في غزوة أحد من المناسبة شيوع قتل المصطفى فناسب ما حصل للمسلمين من الأسف على فقد نبيهم ما حصل ليعقوب من الأسف على يوسف لاعتقاده أنه فقد إلى أن وجد ريحه بعد تطاول الأمد. ومن المناسبة أيضا بين القصتين أن يوسف كيد وألقي في غيابة الجبّ حتى أنقذه الله تعالى علي يد من شاء. قال ابن إسحاق: وكبّت الحجارة على جبهة رسول الله ﷺ من قريش حتى سقط لجنبه في حفرة كان أبو عامر الفاسق قد حفرها مكيدة للمسلمين، فأخذ علي كرم الله وجهه بيد رسول الله ﷺ واحتضنه طلحة حتى قام. قال السهيلي: «ثم لقاؤه لإدريس ﵇ في السماء الرابعة وهو المكان الذي سمّاه الله مَكاناً عَلِيًّا [مريم: ٥٧] وإدريس أول من آتاه الله الخط بالقلم فكان ذلك مؤذنا بحال رابعة وهي علوّ شأنه ﵇ حتى خافه الملوك وكتب إليهم يدعوهم إلى طاعته حتى قال أبو سفيان وهو عند ملك الروم حين جاءه كتاب النبي ﷺ ورأى ما رأى من خوف هرقل: لقد أمر أمر ابن أبي كبشة حتى أصبح يخافه ملك بني الأصفر، [وكتب عنه بالقلم إلى جميع ملوك الأرض فمنهم من اتبعه على دينه كالنجاشي وملك عمان، ومنهم من هادنه وأهدى إليه وأتحفه كهرقل والمقوقس، ومنهم من تعصّى عليه فأظهره الله عليه، فهذا مقام عليّ وخط بالقلم كنحو ما أوتى إدريس ﵇] . «ولقاؤه في السماء الخامسة لهارون المحبّب في قومه يؤذن بحبّ قريش وجميع العرب له بعد بغضهم فيه» . وقال ابن أبي جمرة: إنما كان هارون في الخامسة لقربه من أخيه موسى، وكان موسى أرفع منه بفضل كلام الله تعالى. وقال ابن دحية ما نال هارون من بني إسرائيل من الأذى ثم الانتصار عليهم والإيقاع بهم وقصر التوبة فيهم على القتل دون غيره من العقوبات المنحطّة عنه، وذلك أن هارون عند ما تركه موسى في بني إسرائيل وذهب لموعد

стр. 1172

المناجاة تفرّقوا على هارون وتحزّبوا عليه وداروا حول قتله ونقضوا العهد وأخلفوا الموعد واستضعفوا جانبه كما حكى الله تعالى ذلك عنهم وكانت الجناية العظمى التي صدرت منهم عبادة العجل فلم يقبل الله تعالى منهم التوبة إلا بالقتل فقتل في ساعة واحدة سبعون ألفا كان نظير ذلك في حقه ﷺ ما لقيه في السنة الخامسة من الهجرة من يهود قريظة والنّضير وقينقاع، فإنهم نقضوا العهد وحزّبوا الأحزاب وجمعوها وحشدوا وحشروا وأظهروا عداوة النبي ﷺ وأرادوا قتله. وذهب إليهم قبل الوقعة بزمن يسير يستعينهم في دية قتيلين فأظهروا إكرامه وأجلسوه تحت جدار ثم تواعدوا أن يلقوا عليه رحى، فنزل جبريل فأخبره بمكرهم الذي همّوا به. فمن حينئذ عزم على حربهم وقتلهم، وفعل الله تعالى ذلك، وقتل قريظة بتحكيمهم سعد بن معاذ، فقتلوا شرّ قتلة وحاق المكر السّيء بأهله. ونظير استضعاف اليهود لهارون استضعافهم المسلمين في غزوة الخندق كما سيأتي بسط ذلك. ولقاؤه في السماء السادسة لموسى يؤذن بحالة تشبه حالة موسى حين أمر بغزو الشام، فظهر على الجبابرة الذين كانوا فيها وأدخل بني إسرائيل البلد الذي خرجوا منه بعد إهلاك عدوهم، وكذلك غزا رسول الله ﷺ تبوك من أرض الشام وظهر على صاحب دومة حتى صالحه على الجزية بعد أن أتي به أسيرا، وافتتح مكة ودخل أصحابه البلد الذي خرجوا منه. وقال ابن دحية: «يؤذن لقاؤه في السادسة بمعالجة قومه فإن موسى ابتلي بمعالجة بني إسرائيل والصبر على أذاهم، وما عالجه المصطفى في السنة السادسة لم يعالج قبله ولا وبعده مثله، ففي هذه السنة افتتح خيبر وفدك وجميع حصون اليهود وكتب الله عليهم الجلاء وضربهم بسوط البلاء وعالج النبي ﷺ في هذه السنة كما عالج موسى من قومه، أراد أن يقيم الشريعة في الأرض المقدسة وحمل قومه على ذلك فتقاعدوا عنه وقالوا: إن فيها قوما جبّارين وإنا لن ندخلها أبدا حتى يخرجوا منها. وفي الآخر سجّلوا بالقنوط فقالوا: إنا لن ندخلها أبدا ما داموا فيها، فغضب الله عليهم وحال بينهم وبينها، وأوقعهم في التيه. وكذلك أراد النبي ﷺ في السنة السادسة أن يدخل بمن معه مكة يقيم بها شريعة الله وسنّة إبراهيم، فصدّوه فلم يدخلها في هذا العام، فكان لقاؤه لموسى تنبيها على التّأسي به وجميل الأثر في السنة القابلة. ثم لقاؤه في السماء السابعة لإبراهيم ﵇ لحكمتين: إحداهما أنه رآه عند البيت المعمور مسندا ظهره إليه. والبيت المعمور حيال الكعبة وإليه تحج الملائكة، كما أن إبراهيم هو الذي بنى الكعبة وأذن في الناس بالحجّ إليها والحكمة الثانية أن آخر أحوال النبي ﷺ حجة إلى البيت الحرام وحج معه في ذلك العام نحو من سبعين ألفا [من المسلمين] . ورؤية إبراهيم عند أهل التأويل تؤذن بالحج لأنه الداعي إليه والرافع لقواعد [الكعبة المحجوجة] .

стр. 1173

قال ابن أبي جمرة: «وإنما كان إبراهيم في السماء السابعة لأنه الأب الأخير، فناسب أن يتجدد للنبي ﷺ بلقائه أنس لتوجهه بعده إلى عالم آخر، وأيضا فمنزلة الخليل تقتضي أرفع المنازل، ومنزلة الحبيب أرفع من منزلته فلذلك ارتفع النبي ﷺ عن منزلة إبراهيم إلى قاب قوسين أو أدنى» . وقال ابن دحية: «مناسبة لقائه لإبراهيم ﵇ في السماء السابعة إن النبي ﷺ اعتمر عمرة القضاء في السنة السابعة من الهجرة، ودخل مكة وأصحابه ملبّين معتمرين محييا لسنّة إبراهيم ومقيما لرسمه الذي كانت الجاهلية أماتت ذكره وبدّلت أمره. وفي بعض الطرق أنه رأى إبراهيم مسندا ظهره إلى البيت المعمور في السماء السابعة، وذلك- والله أعلم- إشارة إلى أنه يطوف بالكعبة في السنة السابعة وهي أول دخلة دخل فيها مكة بعد الهجرة. والكعبة في الأرض قبالة البيت المعمور. وفي قوله ﷺ في وصف البيت المعمور: «فإذا هو يدخله كل يوم سبعون/ ألفا لا يرجعون إليه إلى آخر الدهر إشارة إلى أنه إذا دخل البيت الحرام لا يرجع إليه لأنه لم يدخله بعد الهجرة إلا عام الفتح ولم يعاوده في حجة الوداع. التنبيه الخمسون: فإن قيل كيف أمّ الأنبياء في بيت المقدس وسلّم عليهم وعرفهم ثم سأل عنهم ثم يراهم تلك الليلة في السموات ويسأل عنهم جبريل؟ فإنه لو رآهم وعرفهم لما احتاج إلى سؤال جبريل عنهم. والجواب أنه لما اجتمع بهم ببيت المقدس وأمّهم على الهيئة البشرية تحقق وجودهم في الأرض، ثم لما وصل إلى الملكوت العلوي لم يجدهم على تلك الحالة التي شاهدهم عليها، وإنما هم على صفات روحانية يشكّل الله تعالى لهم أشكالا لائقة بالملكوت العلوي تأنيسا لهم بأصلهم البشري وتكريما لهم وتعظيما للقدرة الإلهية حيث شاهدهم تلك الساعة في الأرض ثم رآهم في منازلهم في السماء، فلذلك سأل عنهم استثباتا لا تعجبا، فإنه عالم أن الله تعالى الذي أصعده إلى هذا المكان في لحظة قادر على نقلهم إلى السموات في أسرع من طرفة عين . التنبيه الحادي والخمسون: استشكل رؤية الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم في السموات مع أن أجسادهم مستقرة في قبورهم في الأرض. وأجيب بأن أرواحهم تشكلت بصور أجسادهم، أو أحضرت أجسادهم لملاقاة النبي ﷺ تلك الليلة تشريفا وتكريما ويؤيده حديث عبد الرحمن بن هاشم عند البيهقي وغيره: «وبعث له آدم فمن دونه من الأنبياء» . وقال ابن أبي جمرة: «رؤيته لهؤلاء الأنبياء تحتمل وجوها: الأول: أن يكون ﵇ عاين كل واحد منهم في قبره في الأرض على الصورة التي أخبر بها عن الموضع الذي عاينه فيه فيكون الله قد أعطاه من القوة في البصر والبصيرة ما أدرك به ذلك. ويشهد لهذا الوجه قوله ﷺ : «رأيت الجنة والنار في عرض الحائط» . وهو محتمل لوجهين أحدهما: أن

стр. 1174

يكون ﷺ رآهما من ذلك الموضع كما يقال رأيت الهلال من منزلي من الطاق والمراد من موضع الطاق، الوجه الثاني: أن يكون مثّل له صورتهما في عرض الحائط، والقدرة صالحة لكليهما. الثاني: أن يكون ﷺ عاين أرواحهم هناك في صورهم. الثالث: أن يكون الله لما أراد الإسراء بنبينا رفعهم من قبورهم لتلك المواضع إكراما لنبيه ﵇ وتعظيما له حتى يحصل له من قبلهم ما أشرنا إليه من الأنس والبشارة وغير ذلك مما لم نشر إليه ولا نعلمه نحن، وإظهارا له ﵊ القدرة التي لا يغلبها شيء ولا تعجز عن شيء وكل هذه الأوجه محتملة ولا ترجيح لأحدها على الآخر لأن القدرة صالحة لكلها. وقال ابن القيم في كتاب الروح «الأرواح قسمان: أرواح معذّبة وأرواح منعّمة، فالمعذّبة في شغل بما هي فيه من العذاب عن التزاور والتلاقي. والأرواح المنعّمة المرسلة غير المحبوسة تتلاقى وتتزاور وتتذاكر ما كان منها في الدنيا وما يكون من أهل الدنيا، فتكون كل روح معها رفيقها الذي هو على مثل عملها. وروح نبينا ﷺ في الرفيق الأعلى. قال تعالى: وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً [النساء: ٦٩] وهذه المعيّة ثابتة في الدنيا وفي دار البرزخ وفي دار الجزاء والمرء مع من أحب. ثم ذكر حديث أبي هريرة: «لما أسري برسول الله ﷺ لقي إبراهيم وموسى وعيسى فتذاكروا أمر الساعة» . الحديث. قال: فهذا نص في تذاكر الأرواح العلم، وقد أخبر الله تعالى عن الشهداء أنهم أحياء عند ربهم يرزقون وأنهم يستبشرون بنعمة من الله وفضل هذا يدل على تلاقيهم من ثلاثة أوجه: أحدها أنهم أحياء عند الله وإذا كانوا أحياء عند الله فهم يتلاقون. الثاني: أنهم إنما يستبشرون بإخوانهم لقدومهم عليهم ولقائهم لهم. الثالث: أن لفظ يستبشرون يفيد في اللغة أنهم يبشّر بعضهم بعضا مثل يتباشرون وقد تواترت المرائي بذلك فذكر عدة منامات. ثم قال: وقد جاءت سنّة صريحة بتلاقي الأرواح وتعارفها. قال ابن أبي الدنيا: حدثني محمد بن عبد الله بن بزيغ أنبأنا الفضيل بن سليمان النميري حدثنا يحيى بن عبد الرحمن بن أبي أنيسة عن جده قال: لما مات بشر بن البراء بن معرور- بمهملات- وجدت أم بشر عليه وجدا شديدا، فقالت: يا رسول الله أنه لا يزال الهالك يهلك من بني سلمة، فهل يتعارف الموتى فأرسل إلى بشر بالسلام؟ فقال رسول الله ﷺ : «نعم والذي نفسي بيده يا أم بشر، إنهم ليتعارفون كما يتعارف الطير في رؤوس الشجر» . وذكر الحديث وآثارا تؤيد ذلك، ثم قال: «والروح ذات قائمة بنفسها تصعد وتنزل وتتصل وتنفصل وتخرج وتذهب وتجيء، وتتحرك وتسكن، وعلى هذا أكثر من مائة دليل قد ذكرناها في كتابنا: معرفة الروح والنفس، وبيّنّا بطلان ما خالف هذا القول من وجوه كثيرة، وأن من قال

стр. 1175

غيره لم يعرف نفسه وقد وصفها الله تعالى بالدخول والخروج، والقبض والتّوفيّ والرجوع، وصعودها السماء وفتح أبوابها وغلقها عنها، وقد ذكرت آيات وأحاديث كثيرة تشهد بما قاله» . ثم قال: «وأما إخباره ﷺ عن رؤية الأنبياء ليلة الإسراء به، فقد زعم بعض أهل الحديث أن الذي رآه أشباحهم وأرواحهم. قال: فإنهم أحياء عند ربهم يرزقون. وقد رأى المصطفى إبراهيم مسندا ظهره إلى البيت المعمور ورأى موسى قائما في قبره يصلي، وقد نعت الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم لما رآهم بنعت الأشباح» . ونازعهم آخرون وقالوا: هذه الرواية إنما هي لأرواحهم دون أجسادهم، والأجساد في الأرض قطعا وإنما تبعث يوم تبعث الأجساد، ولا تبعث قبل ذلك، إذا لو بعثت قبل ذلك لكانت قد انشقّت عنهم الأرض قبل يوم القيامة، وكانت تذوق الموت عند نفخة الصور، وهذه موتة ثالثة وهذا باطل قطعا، ولو كانت قد بعثت الأجساد من القبور لم يعدهم الله تعالى إليها، بل كانت في الجنة وقد صحّ عن النبي ﷺ قوله إن الله تعالى حرّم الجنة على الأنبياء حتى يدخلها هو، فهو أول من يستفتح باب الجنة، وأول من تنشق عنه الأرض على الإطلاق، ولم تنشق عن أحد قبله، ومعلوم بالضرورة أن جسده ﷺ في الأرض طري. وقد سأله أصحابه: كيف تعرض عليك صلاتنا وقد بليت؟ فقال: «إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء» [ (١) ] ولو لم يكن جسده في ضريحه طريا لما أجاب بهذا الجواب. وقد صح عنه ﷺ إن الله تعالى وكلّ بقبره ملائكة يبلّغونه عن أمته السلام، وصحّ عنه ﷺ لما خرج بين أبي بكر وعمر قال: «هكذا نبعث» . هذا مع القطع بأن روحه الكريمة في الرفيق الأعلى في أعلى علّيّين مع أرواح الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم. وقد صح أنه رأى موسى ﵇ قائما يصلي في قبره ليلة الإسراء ورآه في السماء السادسة أو السابعة، فالروح كانت هناك ولها اتصال بالبدن في القبر وإشراق عليه وتعلّق به بحيث تصلي في قبره وتردّ سلام من سلم عليه وهو في الرفيق الأعلى. ولا تنافي بين الأمرين فإن شأن الأرواح غير شأن الأبدان، فأنت تجد الروحين المتلائمتين المتناسبتين في غاية التجاور والقرب وإن كان بين بدنيهما غاية البعد، وتجد الروحين المتنافرتين المتباغضتين في غاية البعد وإن كان جسداهما متجاورين متلاصقين، وليس نزول الروح وصعودها، وقربها وبعدها من جنس ما للبدن فهي تصعد إلى فوق سبع سموات ثم تهبط إلى الأرض ما بين قبضها ووضع الميت في قبره، وهو زمن يسير لا يصعد

стр. 1176

البدن وينزل في مثله، وكذلك صعودها وعودها إلى البدن في النوم واليقظة. وقد مثّلها بعضهم بالشمس في السماء وشعاعها في الأرض. قال شيخنا- يعني أبا العباس الحرّاني: وليس هذا مثالا مطابقا فإن نفس الشمس لا تزول من السماء والشعاع الذي على الأرض لا هو الشمس ولا صفتها بل عرض حصل بسبب الشمس والجزم المقابل لها، والروح نفسها تصعد وتنزل وبسط الكلام على ذلك ولهذا مزيد بيان في باب حياة النبي ﷺ في قبره. التنبيه الثاني والخمسون: في الكلام على البيت المعمور: قال أبو عبيدة: معنى المعمور الكثير الغاشية ويسمى الضُّراح [ (١) ]- بضم الضاد المعجمة- ويقال المهملة. قال الزمخشري في ربيع الأبرار وهو غلط صراح، وبالضّراح تسمّيه الملائكة، وسمي به لأنه ضرح عن الأرض أي بعد قال مجاهد: «البيت المعمور وهو الضريح» يعني بالمعجمة وهو في اللغة: البعيد، وأكثر الروايات على أنه في السماء السابعة. وروى ابن جرير وابن المنذر والحاكم وصححه عن أنس ﵁ عن النبي ﷺ ، قال: «البيت المعمور في السماء السابعة يدخله كل يوم سبعون ألف ملك لا يعودون إليه حتى تقوم الساعة» [ (٢) ] . ورواه الطبراني وابن مردويه عن ابن عباس ﵄ مرفوعا أيضا. وروى إسحاق بن راهويه عن علي ﵁ أنه سئل عن البيت المعمور، قال: «بيت الله في السماء السابعة بحيال البيت، وحرمته كحرمة هذا في الأرض، يدخله كل يوم سبعون ألف ملك لا يعودن إليه» . وفي حديث أبي هريرة عند ابن مردويه والعقيلي وابن أبي حاتم عن النبي ﷺ أنه قال: «وفي السماء السابعة بيت يقال له البيت المعمور وفي السماء الرابعة نهر يقال له الحيوان، يدخله جبريل كل يوم فينغمس فيه انغماسة ثم يخرج فينتفض انتفاضة فيخرج عنه سبعون ألف قطرة، يخلق الله من كل قطرة ملكا يؤمرون أن يأتوا البيت المعمور فيصلّون فيه فيفعلون ثم يخرجون فلا يعودون إليه أبداً، ويولّى عليه أحدهم ثم يؤمر أن يقف بهم في السماء موقفا يسبّحون الله في إلى أن تقوم الساعة [ (٣) ] » . وإسناده ضعيف. والصحيح أنه ليس بموضوع كما

стр. 1177

بيّنته في: «الفوائد المجموعة في بيان الأحاديث الموضوعة» . وروى أبو الشيخ من طريق الليث قال: حدثني خالد بن سعيد قال: «بلغني أن إسرافيل مؤذّن أهل السماء يسمع تأذينه من في السموات السبع ومن في الأرض، إلا الجنّ والإنس، ثم يتقدم عظيم الملائكة فيصلي بهم» ، قال: «وبلغنا أن ميكائيل يؤم الملائكة بالبيت المعمور» واستدلّ بهذه الأحاديث على أن الملائكة أكثر المخلوقات، لأنه لا يعرف من جميع العوالم من يتجدّد من جنسه في كل يوم سبعون ألفا غير ما ثبت في هذه الأحاديث. التنبيه الثالث والخمسون: قوله: «فرفع إلى البيت المعمور» معناه أنه أري له. وقد يحتمل أن يكون المراد الرفع والرؤية معا، لأنه قد يكون بينه وبين البيت عوالم حتى لا يقدر على إدراكه، فرفع إليه وأمدّ في بصره وبصيرته حتى رآه، ويحتمل أن تكون تلك العوالم التي كانت بينه وبين البيت المعمور أزيلت حتى أدركه بصره. وقد يحتمل أن يكون العالم بقي على حاله والبيت على حاله، وأمدّ في بصره وبصيرته حتى أدركه وعاينه، والقدرة صالحة للكلّ، يشهد لذلك قوله ﷺ : «رفع إلى بيت المقدس على ما سيأتي فيه» ، والتأويل فيه كالتأويل في البيت المعمور. وأكثر الروايات: «رفعت إلى سدرة المنتهى» ، بضم الراء وسكون العين وضم التاء من «رفعت» ، وبعده حرف الجرّ. ولبعضهم «ورفعت» بفتح العين وسكون التاء، أي «السدرة لي» باللام أي من أجلي، ويجمع بين الروايتين بأن المراد أنه رفع إليها أي ارتقي بها فظهرت له والرّفع إلى الشيء يطلق على التقريب منه. التنبيه الرابع والخمسون: وجه مناسبة المعراج الثامن إلى سدرة المنتهى لما اشتملت عليه السنة الثامنة من الهجرة. إن السنة الثامنة اشتملت على فتح مكة، ومكة، أمّ القرى وإليها المنتهى ومنها المبتدأ، على ما ورد أن الأرض كلها دحيت [ (١) ] من مكة، فلذلك سمّيت أم القرى، أو هي أمّ القرى لأن أهل القرى يرجعون إليها في الدين والدنيا حجّا واعتمارا وجوارا وكسبا واتجارا قال الله تعالى: جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرامَ قِياماً لِلنَّاسِ [المائدة: ٩٧] أي تقوم بأبدانهم وأديانهم. وقال تعالى لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُمْ [الحج ٢٨] قيل هي الأجر والتجارات في الموسم. فبين سدرة المنتهى وأم القرى من المناسبة ما لا يخفى، إذ سدرة المنتهى ينتهي إليها علم الخلائق، ومكة ينتهي إليها أهل الآفاق شرقا وغربا وفيها يكون الاجتماع. فكان بلوغه إلى سدرة المنتهى تنبيها على بلوغه إلى فتح مكة أم القرى في العام

стр. 1178

الثامن، وقد غشى السدرة الجراد والفراش والغربان الذي هو جند من جند الله كما غشى مكة في الفتح جند الله وحزبه وغشيها أيضا أجناس من الخلق وألوان من الأسود والأحمر. وجاء اللفظان معا في الحديث، كما غشى سدرة المنتهى ألوان لا يعلمها إلا الله تعالى: فلما غشيت الألوان السّدرة حسنت إلى أن لا يحسن أحد أن ينعتها لفرط الحسن. كما أن ألوان الخلق لما غشيت مكة يوم الفتح حسنت حينئذ بالإيمان وبأهل القرآن حتى لا يحسن أحد أن يصف حالها حينئذ من عظم الشأن. ثم كان ظهور الأنهار الأربعة حينئذ دليلا على أن تلك الأمة ستبلغها ويحقّقه أيضا قوله ﷺ : «زويت لي الأرض مشارقها ومغاربها وسيبلغ ملك أمتي ما زوى لي منها [ (١) ] » . التنبيه الخامس والخمسون: وقع في حديث ابن مسعود ﵁ عند مسلم أن السدرة في السماء السادسة وظاهر حديث أنس ﵁ أنها في السابعة، قال القرطبي: «وهذا تعارض لا شك فيه» . وحديث أنس قول الأكثرين وهو الذي يقتضيه وصفها بكونها التي ينتهي إليها علم كل نبيّ مرسل وكل ملك مقرّب، «ويترجح حديث أنس بأنه مرفوع وحديث ابن مسعود بأنه موقوف» . قال الحافظ: «كذا قال ولم يعرج على الجمع بل جزم بالتعارض ولا يعارض قوله إنها في السادسة ما دلت عليه بقية الأخبار أنه وصل إليها بعد أن دخل في السماء السابعة لأنه يحتمل على أن أصلها في السماء السادسة وأغصانها وفروعها في السابعة وليس في السادسة منها إلا أصل ساقها، والله أعلم. التنبيه السادس والخمسون: قال ابن أبي جمرة: «والأظهر أن شجرة المنتهى مفروشة بأرض بدليل قوله: «ونهران باطنان» ولا يطلق هذا اللفظ وما أشبهه إلا على ما يفهم، والباطن لا بد أن يكون سريانه تحت شيء، وحينئذ يطلق عليه اسم الباطن. التنبيه السابع والخمسون: قال القاضي ﵀: دلّ الحديث على أن أصل سدرة المنتهى في الأرض لكونه قال: «إن النيل والفرات يخرجان من أصلها» ، وهما بالمشاهدة يخرجان من الأرض، فيلزم فيه أن يكون أصل السدرة في الأرض. وتعقّبه النووي بأن المراد بكونهما يخرجان من أصلها غير خروجهما بالنّبع من الأرض، والحاصل أن أصلهما من الجنة وهما يخرجان أولا من أصل السّدرة إلى أن يستقرا في الأرض ثم ينبعان. التنبيه الثامن والخمسون: قال ابن أبي جمرة ﵀: قوله ﷺ : «في أصلها أربعة أنهار: نهران باطنان ونهران ظاهران» ، هذا اللفظ يحتمل أن يكون على الحقيقة، ويحتمل أن

стр. 1179

يكون من باب تسمية الشيء بما قاربه، فإن كان على الحقيقة فتكون هذه الأنهار تنبع من أصل الشجرة نفسها فتكون الشجرة طعمها نبق وأصلها ينبع منه الماء، والقدرة لا تعجز عن هذا. وإن كان من باب تسمية الشيء بما قاربه فتكون الأنهار تنبع قريبا من أصل الشجرة» . التنبيه التاسع والخمسون: في قوله: «أما الباطنان فنهران في الجنة» ، دليل على أن الباطن أجلّ من الظاهر، لأنه لما كان الباطنان أصلا جعلا في دار البقاء، ولما كان الظاهران أقلّ أخرجا إلى دار الفناء، ومن ثم كان الاعتماد على ما في الباطن، كما قال ﷺ : «إن الله لا ينظر إلى صوركم ولكن ينظر إلى قلوبكم» . التنبيه الستون: في حديث أبي سعيد: «فإذا فيها- أي السماء السابعة- عين تجري يقال لها السلسبيل فينشق منها نهران أحدهما نهر الكوثر والآخر يقال له نهر الرحمة. «ويمكن أن يفسّر بهما النهران الباطنان المذكوران في الحديث، وكذا روي عن مقاتل، قال: «الباطنان السلسبيل والكوثر» . التنبيه الحادي والستون: قال النووي في هذا الحديث: أن أصل النيل والفرات من الجنة وأنهما يخرجان من أصل سدرة المنتهى ثم يسيران حيث شاء الله تعالى ثم ينزلان إلى الأرض ثم يسيران فيها ثم يخرجان منها. وهذا لا يمنعه العقل وقد شهد به ظاهر الخبر فليعتمد» . التنبيه الثاني والستون: استدل بهذا الحديث على فضيلة ماء النيل والفرات لكون منبعهما من الجنة. وروى مسلم عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «سيحان وجيحان والنيل والفرات من أنهار الجنة» [ (١) ] . قال العلماء: والمراد به أن في الأرض أربعة أنهار أصلها من الجنة وحينئذ لم يثبت لسيحان وجيحان أنهما ينبعان من أصل سدرة المنتهى، فيمتاز النيل والفرات عليهما بذلك، وأما الباطنان المذكوران في الحديث فهما غير سيحان وجيحان. قال القرطبي: «لعل ترك ذكرهما في حديث الإسراء لكونهما ليسا أصلا برأسهما وإنما يحتمل أن يتفرّعا من النيل والفرات» . التنبيه الثالث والستون: قيل: إنما أطلق على هذه الأنهار أنها من الجنة تشبيها لها بأنهار الجنة لما فيها من شدة العذوبة والحسن والبركة. قال القرطبي: والأولى أنها من أنهار الجنة. وقال غيره: صورة انصبابها كانصباب المطر متفرقا ثم يجتمع في مواقعها في الأرض إلى أن ينساق كل منها إلى مستقره ومجراه. ويحتمل أن يكون انصبابها في نواحي الأرض

стр. 1180

النائية المتصلة بمبادئ هذه الأنهار فإنه لم يقف أحد على مباديها حتى الآن. وروى أبو الشيخ في العظمة وأبو المخلص- بوزن اسم الفاعل- بسند من طريق أبي صالح عبد الله بن صالح قال: حدثني الليث بن سعد قال: بلغني أنه كان رجل من بني العيص يقال له حائد بن شالوم بن العيص بن إسحاق بن إبراهيم ﵉، خرج هاربا من ملك من ملوكهم حتى دخل أرض مصر، فأقام بها، فلما رأى أعاجيب نيلها، جعل لله عليه ألّا يفارق ساحلها حتى يبلغ منتهاه ومن حيث يخرج أو يموت. فسار عليه، قبل ثلاثين سنة في الناس، وثلاثين سنة في غير الناس، وقبل خمس عشرة كذا وخمس عشرة كذا حتى انتهى إلي بحر أخضر، فنظر إلى النيل ينشق مقبلا، وإذا رجل قائم يصلي تحت شجرة تفاح، فلما رآه استأنس به وسلّم عليه، فقال له: من أنت؟ قال: أنا حائد به شالوم بن العيص بن إسحاق بن إبراهيم ﵉ فمن أنت؟ قال: أنا عمران بن فلان بن العيص، فما الذي جاء بك يا حائد؟. قال: جئت من أجل هذا النيل وهل بلغك في الكتب أن أحدا من بني آدم يبلغه ولا أظنه غيرك قال كيف الطريق إليه؟ قال: سر كما أنت على هذا البحر فإنك ستأتي دابّة ترى آخرها ولا ترى أولها فلا يهولنّك آخرها، وهي معادية للشمس إذا طلعت أهوت إليها لتلتقمها وإذا غربت أهوت إليها كذلك، فاركبها تذهب بك إلى جانب البحر، فسر عليها فإنها ستبلغ أرضا من حديد، فإن جزتها وقعت في أرض من ذهب فيها ينتهي إليها علم النيل. فسار حتى انتهى إلي أرض من الذهب فسار فيها حتى انتهى إلي سور من ذهب، وشرفة من ذهب وقبة من ذهب لها أربعة أبواب، فنظر إلى ما ينحدر من فوق ذلك السور حتى يستقر في القبة ثم ينصرف في الأبواب الأربعة، فأما الثلاثة فتفيض في الأرض وأما واحد فيسير على وجه الأرض وهو النيل. فشرب منه واستراح وهوى إلى السور ليصعد فأتاه ملك فقال له: «يا حائد قف فإنه قد انتهى إليك علم هذا النيل، وهذه الجنة، وإنما ينزل من الجنة. التنبيه الرابع والستون: قال ابن أبي جمرة في قول جبريل ﵇: «أما الباطنان ففي الجنة، وأما الظاهران فالنيل والفرات» ، دليل على أن النيل والفرات ليسا من الجنة لأن النبي ﷺ أخبر أن جبريل أخبره أن هذه الأنهار منبعها من سدرة المنتهى، فيسير الباطنان إلى الجنة، والنيل والفرات ينزلان إلى الدنيا، وسدرة المنتهى ليست في الجنة حتى يقال إنهما يخرجان منها بعد نبعهما من الجنة. وهذا معارض لما رواه مسلم عن أبي هريرة من إن رسول الله ﷺ قال: «سيحان وجيحان والنيل والفرات كلّ من أنهار الجنة» . والجمع بينهما

стр. 1181

- والله تعالى أعلم- أن النيل والفرات منبعهما من سدرة المنتهى، وإذا نزلا يسلكان أولا طريقا إلى الجنة فيدخلانها ثم بعد ذلك ينزلان إلى الأرض. التنبيه الخامس والستون: قال ابن أبي جمرة: وردت الأخبار أن من شرب من ماء الجنة لا يموت ولا يفنى وأنه ليس له فضلة تخرج على ما يعهد في دار الدنيا خروجه وإنما خروجه رشح مسك على البدن، فجعل فيه هذه الخاصّيّة العظيمة، ثم لما شاءت الحكمة نزوله إلى هذه الدار نزعت منه تلك الخصوصية، وبقي جوهره بحاله، وكل الخواص مثله في هذا المعنى، إن شاء الله أبقى له الخاصية وإن شاء سلبها مع بقاء جوهره وليس لذوات الخواص تأثير بل الخاصية خلقه والجوهر خلقه وإنما القدرة هي المؤثرة في كلها. التنبيه السادس والستون: قول ابن كثير: «المراد- والله أعلم- أن هذه الأنهار تشبه أنهار الجنة في صفائها وعذوبتها وجريانها من جنس تلك في هذه الصفات كما قال في حديث أبي هريرة ﵁ إن رسول الله ﷺ قال: «العجوة من الجنة» [ (١) ] أي تشبه ثمر الجنّة لا أنها مجتناة من الجنّة فإن الحسّ يشهد بخلافه. فيتعيّن أن يكون المراد غيره، وكذلك أصل منابع هذه الأنهار مشاهدة من الأرض» ، انتهى. وهو متعقّب بأنه لا يلزم من كونها كذلك ألّا تكون من الجنة، لما قدّمنا من كيفية النزول. وقد جزم النووي وغيره أنها من الجنة، ولا يشكل ذلك لأن في ماء الجنة خواصّ ليست في هذه الأنهار لما سبق في كلام ابن أبي جمرة. التنبيه السابع والستون: وقع في رواية شريك أن رسول الله ﷺ رأى في السماء الدنيا نهرين يطّردان فقال له جبريل: «هما النيل والفرات عنصرهما» . وفي رواية غيره: «رآهما في السماء السابعة» . قال ابن دحية: والجمع بينهما أنه رأى هذين النهرين عند سدرة المنتهى مع نهري الجنة، ورآهما في السماء الدنيا دون نهريّ الجنة وأراد بالعنصر عنصر انتشارهما. التنبيه الثامن والستون: روى أبو نعيم والضياء عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لعلكم تظنون أن أنهار الجنة أخدودا في الأرض، لا والله إنها لسائحة على وجه الأرض» [ (٢) ] الأخدود شق في الأرض مستطيل. التنبيه التاسع والستون: روى الحارث بن أبي أسامة في مسنده والبيهقي في الشعب

стр. 1182

عن كعب الأحبار قال: «إن نهر العسل نهر النيل ونهر اللبن نهر دجلة ونهر الخمر نهر الفرات ونهر الماء نهر سيحان» . التنبيه السبعون: قوله في السّدرة: «يغشاها جراد من ذهب» . قال البيضاوي: «ذكر الجراد والفراش وقع على سبيل التمثيل لأن من شأن الشجر أن يسقط عليه الجراد وشبهه، وجعلها من ذهب لصفاء لونها وإضاءتها في نفسها» . وقال الحافظ: «ويجوز جعلها من الذهب حقيقة، ويخلق الله فيها الطيران، والقدرة صالحة لذلك» . انتهى. التنبيه الحادي والسبعون: قوله «فغفر لي ما تقدم من ذنبي وما تأخر» ، قال شيخ الإسلام تقي الدين السبكي ﵀: «المراد تشريف النبي ﷺ بهذا الأمر، أي لو كان له ذنوب لغفرت ولم يكن له ذنب البتة» . وحكى الشيخ ﵀ في كتابه المحرّر، في الكلام على هذه الآية اثني عشر قولا، ونقل عن السبكي فساد خمسة منها وبيّن الشيخ فساد الباقي، ثم قال: «أما الأقوال المقبولة ففي الشفا للقاضي قيل إن النبي ﷺ لما أمر أن يقول: وَما أَدْرِي ما يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ [الأحقاف: ٩] سر بذلك الكفار فانزل الله تعالى: لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ [الفتح: ٢] وأخبر بمآل المؤمنين في الآية الأخرى بعدها، فمقصد الآية أنك مغفور لك غير مؤاخذ بذنب وهذا الأثر رواه ابن المنذر في تفسيره عن ابن عباس ﵄، بدون قوله وأخبر بمآل المؤمنين إلى آخره، وروى الإمام أحمد والترمذي والحاكم نحوه. قال القاضي: قال بعضهم: المغفرة هنا تنزيه من العيوب، وقال بعض المحققين: المغفرة هنا كناية عن العصمة أي فعصمت فيما تقدّم من عمري وفيما تأخّر منه، وهذا القول في غاية الحسن. وقد عدّ البلغاء من أساليب البلاغة في القرآن أنه يكنّي عن التخفيفات بلفظ المغفرة والعفو والتوبة، كقوله عند نسخ قيام الليل: عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتابَ عَلَيْكُمْ [المزمل: ٢٠] وعند نسخ تقديم الصدقة بين يدي النّجوى فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ [المجادلة: ١٣] وعند نسخ تحريم الجماع ليلة الصيام: فَتابَ عَلَيْكُمْ وَعَفا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ [البقرة: ١٨٧] . ثم نقل عن السبكي أنه قال: «قد تأمّلت هذه الآية بذهني مع ما قبلها وما بعدها فوجدتها لا تحتمل إلا وجها واحدا وهو تشريف النبي ﷺ ، من غير أن يكون هناك ذنب، ولكنه أريد أن تستوعب في الآية جميع أنواع النعم من الله تعالى على عباده. وجميع النعم الأخروية شيئان: سلبية وهي غفران الذنوب، وثبوتية وهي لا تتناهى وقد أشار إليها بقوله: وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ [يوسف: ٦] وجميع النعم الدنيوية شيئان: دينية أشار إليها بقوله:

стр. 1183

وَيَهْدِيَكَ صِراطاً مُسْتَقِيماً [الفتح: ٢] ودنيوية وإن كان المقصود بها الدين وهي قوله تعالى: وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْراً عَزِيزاً [الفتح: ٣] وقدّم الأخروية على الدنيوية تقديما للأهمّ، فانتظم بذلك تعظيم قدر النبي ﷺ بإتمام أنواع نعم الله تعالى المتفرقة في غيره» . وبعد أن وقفت على هذا المعنى رأيت ابن عطية قد وقع عليه فقال: «وإنما المعنى تشريف النبي ﷺ بهذا الحكم، ولم تكن ذنوبا البتة» ، وقد وفّق فيما قاله. التنبيه الثاني والسبعون: قوله: «ثم أخذ على الكوثر حتى دخل الجنة» . قال الشيخ عز الدين بن عبد السلام في تفسيره: «هذا الحديث دليل على أن السدرة ليست في الجنة» . وجزم به ابن أبي جمرة. وقال ابن دحية: «ثمّ هنا ليست للترتيب كما في قوله تعالى: ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا [البلد: ١٧] إنما هي مثل الواو للجمع والاشتراك فهي بذلك خارجة عن أصلها، قال صاحب فتح الصفا: «وهي خلاف الظاهر» . التنبيه الثالث والسبعون: قال بعض العلماء في توجيه كون درهم القرض بثمانية عشر: إن درهم القرض بدرهمين من دراهم الصدقة كما ورد، ودرهم الصدقة بعشرة، ودرهم القرض يرجع للمقرض بدله، وهو بدرهمين من جملة مبلغ أصله عشرون يتأخر للمقرض منه ثمانية عشر. وسمعت شيخنا الإمام العلامة نور الدين المحليّ يذكر ذلك [في] الأصول. ثم رأيت في «نوادر الأصول» للحكيم الترمذي ما نصّه: «معنى الحديث أن المتصدّق حسب له الدرهم الواحد بعشرة، فدرهم صدقته وتسعة زائدة فصارت له عشرة، والقرض ضوعف له فيه بدرهم والتسعة مضاعفة فهذه ثمانية عشر، ودرهم القرض لم يحسب لأنه يرجع إليه، فيبقى التضعيف وهو ثمانية عشر، وفي الصدقة لم يرجع إليه فصارت له عشرة. التنبيه الرابع والسبعون: قال ابن دحية: «في عرض الجنة عليه كرامة عظيمة لأنه كان يعرض الجنة على أمته ليشتروها كما قال عن ربه ﵎: إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بايَعْتُمْ بِهِ وَذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [التوبة: ١١١] . فأراد الله تعالى أن يعاين نبيه ﷺ ما يعرضه على أمته ليكون وصفه لها عن مشاهدة ولأنه كان يدعو الناس إلى الجنة وهي الدار التي هيّأها الله تعالى لضيافة عباده المؤمنين وبعثته ﷺ داعيا إليها فأراد الله تعالى أن يريه الدار وكثرة ما أعدّ فيها من النعيم والكرامة لئلا يضنّ بالدعوة وليعلم أنها تسع الخلائق كلهم ولا تمتلئ حتى ينشئ الله لها خلقا، كما ثبت في الحديث. ويحتمل أنه إنما أراه إياها ليعلم خسّة الدنيا في جنب ما رآه فيكون في الدنيا

стр. 1184

أزهد وعلى الشدائد أصبر. فقد قيل: حبذا محنة تؤدي بصاحبها إلى الرخاء وبؤس نعمة تؤدي بصاحبها إلى البلاء. ويحتمل أن الله تعالى أراد ألّا يكون لأحد كرامة إلا ولمحمد مثلها، ولما كان لإدريس كرامة دخول الجنة قبل يوم القيامة أراد الله أن يكون [ذلك] أيضا لصفيّه ونجيّه محمد ﷺ » . التنبيه الخامس والسبعون: قال ابن دحية: «إنما عرضت عليه النار ليكون آمنا يوم القيامة، فإذا قال سائر الأنبياء: نفسي نفسي فنبيّنا يقول: «أمّتي أمّتي، وذلك حين تسجر جهنم، ولذلك أمّن الله محمدا ﷺ ، فقال عز من قائل: يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ [التحريم: ٨] والحكمة في ذلك أن يفزع إلى شفاعة أمته، ولو لم يؤمنه لكان مشغولا بنفسه كغيره من الأنبياء، لأنهم لم يروا قبل يوم القيامة شيئا منها، فإذا رأوها جزعوا وكفّت ألسنتهم عن الخطبة والشفاعة من هولها وشغلتهم أنفسهم عن أممهم، وهو ﷺ قد رآها قبل ذلك فلا يفزع منها مثل ما فزعوا فيقدر على الخطبة وهو المقام المحمود، لأن الكفار لما كانوا يكذّبونه ويستهزئون به ويؤذونه أشد الأذى أراه الله النار التي أعدّها للمستخفّين به تطييبا لقلبه وتسكينا لفؤاده وللإشارة إلى أن من طيّب قلبه بإهانة أعدائه والانتقام منهم فأولى أن يطيّبه في أوليائه بالشفاعة والإكرام، وليعلم منّة الله عليه حين أنقذهم منها ببركته وشفاعته. التنبيه السادس والسبعون: لم ير مالكا في صورته التي يراه عليها المعذّبون في الآخرة، ولو رآه على تلك الصورة لما استطاع أن ينظر إليه. التنبيه السابع والسبعون: قال الطيبي: «إنما بدأ مالك رسول الله ﷺ ، بالسلام ليزيل ما استشعر من الخوف منه بخلاف سلامه على الأنبياء ابتداء» . التنبيه الثامن والسبعون: قال الطيبي: «إنما بدأ مالك رسول الله ﷺ ، بالسلام ليزيل ما استشعر من الخوف منه بخلاف سلامه على الأنبياء ابتداء» . التنبيه الثامن والسبعون: ذكر ﷺ أنه لم يلقه ملك من الملائكة إلا ضاحكا مستبشرا إلا مالكا خازن النار، وذلك أنه لم يضحك لأحد قبله، ولا هو ضاحك لأحد بعده. قال الله تعالى: عَلَيْها مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدادٌ [التحريم: ٦] وهم موكّلون بغضب الله تعالى، فالغضب لا يزايلهم أبدا. وفي هذا الحديث معارضة لما رواه الإمام أحمد وأبو الشيخ عن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ قال لجبريل: «مالي لم أر ميكائيل ضاحكا قط؟» قال: «ما ضحك منذ خلقت النار» [ (١) ] . وهذا الحديث يعارضه ما رواه الدارقطني وغيره إن رسول الله تبسّم في الصلاة، فسئل عن ذلك فقال: «رأيت ميكائيل راجعا في طلب القوم وعلى جناحيه الغبار، فضحك إليّ، فتبسّمت إليه» قال السهيلي: «وإذا صحّ الحديثان فوجه الجمع بينهما أن يكون لم

стр. 1185

يضحك منذ خلقت النار إلا هذه المرّة الّتي ضحك فيها لرسول الله ﷺ ، فيكون الحديث عاما يراد به الخصوص أو يكون الحديث الأول حدّث به رسول الله ﷺ قبل هذا الحديث الآخر، ثم حدّث بعد بما حدّث به من ضحكه إليه» . التنبيه التاسع والسبعون: المناسبة بين المعراج التاسع- وهو المستوي الذي سمع فيه صريف الأقلام- والعام التاسع من سني الهجرة. قال ابن دحية: «كان في العام التاسع غزوة تبوك وفيها خرج رسول الله ﷺ من المدينة إلى الشام في العدد الذي لم يتمّ قبله مثله، كان العدد ثلاثين ألفا، وكانت الشّقّة بعيدة، ولهذا لم يورّ فيها، بل أعلم النّاس بوجههم ليكون تأهّبهم بحسب ذلك، ومع هذا الاجتهاد في الاستعداد لم يلق ﷺ حربا ولا افتتح بلدا، لأن أجل فتح الشام لم يكن حلّ بعد، فانتسخ العزم بالقدر وبجفاف القلم ورجع ﷺ إلى المدينة وعلى المسلمين الوقار والسكينة من غير اضطراب عند انصراف العزيمة. التنبيه الثمانون: صريف الأقلام، بالصاد المهملة وكسر الراء وبالفاء. قال القاضي والنووي رحمهما الله تعالى: هو صوت حركتها وجريانها على ما تكتبه الملائكة من أقضية الله تعالى ووحيه وما ينسخونه من اللوح المحفوظ أو ما شاء الله من ذلك أن يكتب ويرفع لما أراده من أمره وتدبيره. وفيه حجة لأهل السّنّة في الإيمان بصحّة كتابة الوحي والمقادير في كتب الله تعالى من اللوح المحفوظ بالأقلام التي هو يعلم كيفيتها على ما جاءت به الآيات في كتابه والأحاديث الصحيحة، وأن ما جاء من ذلك على ظاهره، لكن كيفية ذلك وصورته وجنسه لا يعلمه إلا الله تعالى، ومن أطلعه على شيء منه من ملائكته ورسله. وما يتأوّل هذا ويحيله إلا ضعيف النظر والإيمان، إذ جاءت به الشريعة، ودليل العقول لا يحيله، والله تعالى يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، حكمة من الله وإظهارا لما يشاء من غيبه لمن يشاء من ملائكته وسائر خلقه وإلا فهو غنيّ عن الكتب والاستذكار. التنبيه الحادي والثمانون: قال ابن دحية: «قد علم أن الأقلام إنما تكتب الأقدار، والقدر المكتوب قديم، وإنما الكتابة حادثة. وظاهر الأخبار أن اللوح المحفوظ فرغ من كتابته وجفّ القلم بما فيه قبل خلق السموات والأرض، وإنما هذه الكتابة المحدودة في صحف الملائكة كالفروع المنتسخة من الأصل، وفيها المحو والإثبات على ما ورد في الأثر. وأصل اللوح المحفوظ الذي انتسخ منه اللوح هو علم الغيب القديم في أزل القدم وهو الذي لا محو فيه ولا إثبات حيث لا لوح ولا قلم. والحكمة البالغة- والله أعلم- في سماعه لصريف الأقلام حصول الطمأنينة بجفاف القلم بما في القدر حتى يمكن التفويض للقدر لا للسّبب، وحتى يتعاطى السّبب تعبّدا لا

стр. 1186

تعوّذا، وبذلك يتمّ التّوكّل ويسكن الاضطراب عند اختلاف الأسباب. وقال القرطبي: «وأصل الأقلام الموصوفة هنا، هي المعبّر عنها بالقلم المقسم به في قوله تعال: ن وَالْقَلَمِ وَما يَسْطُرُونَ [القلم: ١] ويكون القلم هذا للجنس» . التنبيه الثاني والثمانون: المناسبة بين المعراج العاشر وهو الرفرف حين لقى الله تعالى وحضر بحضرة القدس وقام مقام الأنس ورفع الحجاب وسمع الخطاب، وكان قاب قوسين أو أدنى لا بالصورة بل بالمعنى، أن العام العاشر اجتمع فيه اللقاءان: أحدهما: لقاء البيت وحجّ الكعبة ووقوف عرفة وإكمال الدين وإتمام النعمة على المسلمين، واللقاء الثاني: بقارب البيت وكانت فيه الوفاة واللقاء والانتقال من دار الفناء إلى دار البقاء والعروج بالروح الكريمة إلى المقعد الصّدق وإلى الموعد الحق وإلى الوسيلة وهي المنزلة الرفيعة التي لا تنبغي إلا لعبد واحد اختاره الله تعالى وهو محمد ﷺ كما ورد في صحيح الخبر أنه سئل عن الوسيلة فقال: «درجة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله فأرجو أن أكون إياه [ (١) ] ورجاؤه محقّق ﷺ ، وخاطره موفّق. التنبيه الثالث والثمانون: قال ابن دحية: خص رسول الله ﷺ بالرؤية والمكالمة لأنه صاحب الشفاعة يوم القيامة، فتوسّط قبلها لئلا يقع له حشمة البديهة كما يقع لغيره من الأنبياء فأراد الله أن يزيل عنه الانقباض قبل ذلك ليتمكن من المقام المحمود وأهّله قبل المشهد الأعلى للمشاهدة والكلام. التنبيه الرابع والثمانون: قوله تعالى: وأَعطيتك خواتيم سورة البقرة من كنز تحت عَرْشي، إلى آخر الحديث. قال التّوربشتي: ليس يعني بقوله: «أعطى» أنها أنزلت عليه بل المعنى أنه استجيب له فيما لقّن من الآيتين: غُفْرانَكَ رَبَّنا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ [البقرة: ٢٨٥] إلى قوله تعالى: أَنْتَ مَوْلانا فَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ [البقرة: ٢٨٦] ، ولمن يقوم بحقهما من السائلين» . وقال الطيبي: «وفي كلامه إشعار بأن الإعطاء بعد الإنزال لأن المراد منه الاستجابة وهي مسبوقة بالطلب والسورة والمعراج كان بمكة، ويمكن أن يقال هذا من قبيل وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى [النجم: ٣، ٤] وإنما أوثر الإعطاء لما عبّر عنه بكنز تحت العرش» . وروى الإمام أحمد عن أبي ذر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «أعطيت خواتيم سورة البقرة من كنز تحت العرش لم يعطهن نبي قبلي» .

стр. 1187

التنبيه الخامس والثمانون: الحكمة في تخصيص فرض الصلاة بليلة الإسراء أنه ﷺ لما عرج به رأى تلك الليلة تعبّد الملائكة، وأن منهم القائم فلا يقعد، والراكع فلا يسجد، والساجد فلا يقعد، فجمع الله تعالى له ولأمته تلك العبادات كلها في ركعة واحدة يصلّيها العبد بشرائطها من الطمأنينة والإخلاص. التنبيه السادس والثمانون: وفي اختصاص فرضها بليلة الإسراء إشارة إلى عظم شأنها ولذلك اختصّ فرضها بكونه بغير واسطة بل بمراجعات عدّة. قال السهيلي: «وأما فرض الصلاة عليه هنالك، ففيه التنبيه على فضلها حيث لم تفرض إلا في الحضرة القدسية المطّهرة، ولذلك كانت الطّهارة من شأنها ومن شرائط أدائها والتنبيه على أنها من مناجاة الرّبّ، وأن الرب ﵎ مقبل بوجهه على المصلّي يناجيه يقول: حمدني عبدي أثنى عليّ عبدي إلى آخر السورة، وهذا مشاكل لفرضها عليه في السماء السابعة حيث سمع كلام الرب وناجاه، ولم يعرج به حتى طهّر ظاهره وباطنه بماء زمزم كما يتطّهر المصلّي للصلاة وأخرج عن الدنيا بجسمه كما يخرج المصلّي عن الدنيا بقلبه ويحرّم عليه كل شي إلا مناجاة ربه، وتوجهه إلى قبلته في ذلك الحين وهي بيت المقدس، ورفع إلى السماء كما يرفع المصلّي يديه إلى جهة السماء إشارة إلى القبلة العليا وهي البيت المعمور وإلى جهة عرش من يناجيه ويصلّي له » . التنبيه السابع والثمانون: قوله: «قد وضعت عنك خمسا» ، كذا في رواية ثابت عن أنس. وفي رواية مالك بن صعصعة: «عشرا» ، وفي رواية شريك: «وضع شطرها» . قال النووي: «المراد بحطّ الشّطر أنه حطّ في مرّات بمراجعات فلا يخالف رواية ثابت» . قال الحافظ: «وكذا العشر فكأنه وضع العشر في دفعتين والشطر في خمس دفعات، والمراد بالشطر هنا البعض» . قال: «وقد حققت رواية ثابت أن التخفيف كان خمسا، وهي زيادة معتمدة يتعيّن حمل باقي الروايات عليها» . قلت: ويؤيد رواية ثابت ما رواه ابن خزيمة في صحيحه والبيهقي وابن مردويه من حديث مالك بن صعصعة: «فحطّ عني خمسا» ، وفيه: «فما زلت بين موسى وبين ربي يحط عني خمسا خمسا» . قال ابن دحية: «ذكر الشطر أعمّ من كونه وقع دفعة واحدة» . التنبيه الثامن والثمانون: قال أبو طالب الجمحي في كتاب «التحيات» : «لكل قوم تحية، فتحيّة العرب السلام وتحية الأكاسرة السجود قدّام الملك وتقبيل الأرض وتحية الفرس طرح اليد على الأرض قدّام الملك، وتحية الحبشة عقد اليدين على الصدر بين يدي الملك بسكون، وتحية الروم كشف غطاء الرأس من بعد تنكيس رأسه. وتحية النوبة إيماء الرجل بالدعاء

стр. 1188

بالأصابع وتحية البجا وضع يد الداخل على كتف الملك، فإن بلغ الخدمة رفعها ووضعها مرارا. وهذه التحيات غالبها مجموعة في الصلاة التي هي خدمة ملك الملوك ، ولهذا ناسب أن يقال في آخرها: «التحيات لله» إشارة إلى أنه تعالى يستحق جميع التحيات» . التنبيه التاسع والثمانون: وقع في رواية أنس عن أبي ذر ﵄: «فرض الله على أمتي خمسين صلاة» وفي رواية ثابت عن أنس: «فرض الله عليّ خمسين صلاة كل يوم وليلة» . ونحوه في رواية مالك بن صعصعة، فيحتمل أن يقال في كل من رواية أبي ذرّ والرواية الأخرى اختصار. ويؤيد قوله في الرواية الأخرى: «إني فرضت عليك وعلى أمتك خمسين صلاة» إلى آخره. ويقال ذكر الفرض عليه يستلزم ذكر الفرض على الأمة وبالعكس، إلا ما استثنى من خصائصه. التنبيه التسعون: قال ابن أبي جمرة: «الحكمة في كون إبراهيم ﵇ لم يكلم المصطفى في طلب التخفيف أن مقام الخلّة إنما هو الرّضى والتسليم، والكلام في هذا الشأن ينافي ذلك المقام. وموسى هو الكليم، والكليم أعطي الإدلال والنبساط» . وقال القرطبي: «الحكمة في تخصيص موسى ﵊ بمراجعة النبي ﷺ في أمر الصلاة، لعلها لكون أمة موسى كلّفت من الصلوات ما لم يكلّف به غيرها من الأمم فثقلت عليهم فأشفق موسى على أمة محمد- عليهما الصلاة والسلام- من مثل ذلك ويشير إلى ذلك قول موسى: «إني قد جربت الناس قبلك» . وقال غيره: لعلها من جهة أنه ليس في الأنبياء من له أتباع أكثر من موسى، ولا من له كتاب أكبر ولا أجمع للأحكام من كتابه، فكان من هذه الجهة مضاهيا للنبي ﷺ ، فناسب أن يتمنّى أن يكون له مثل ما أنعم به عليه من غير أن يريد زواله عنه، وناسب أن يطلعه على ما وقع له وينصحه فيما يتعلق به. ويحتمل أن موسى ﵇ لما غلب عليه في الابتداء الأسف على نقص حظّ أمته بالنسبة لأمة محمد ﷺ حتى تمنى ما تمنى إن يكون منهم، استدرك ذلك ببذل النصيحة لهم والشفقة عليهم ليزيل ما عساه أن يتوهّم عليه مما وقع منه في الابتداء، والعلم عند الله تعالى. قال القرطبي: «وأما قول من قال إنه أول من لقيه بعد الهبوط فليس بصحيح، لأن حديث مالك بن صعصعة أنه رآه في السادسة وإبراهيم في السابعة، وهو أقوى إسنادا من حديث شريك الذي فيه أنه رأى موسى في السابعة» . قال الحافظ: «إذا جمعنا بينهما بأنه لقيه في الصعود في السادسة، وصعد موسى معه إلى السابعة فلقيه فيها بعد الهبوط ارتفع الإشكال وبطل الرّدّ» . قال السّهيلي: «وأما اعتناء موسى ﵇ بهذه الأمة وإلحاحه على نبيها أن يشفع

стр. 1189

لها ويسأل التخفيف عنها فلقوله- والله أعلم- حين قضي إليه الأمر بجانب القربى ورأى صفات أمة محمد ﵇ في الألواح وجعل يقول: إني أجد في الألواح أمّة صفتهم كذا: اللهم اجعلهم أمتي. فيقال له: تلك أمة محمد. قال: اللهم اجعلني من أمة محمد، وهو حديث مشهور في التفاسير. فكان إشفاقه عليهم واعتناؤه بأمرهم يعتني بالقوم من هو منهم لقوله: اللهم اجعلني منهم» . التنبيه الحادي والتسعون: في قول موسى: «قد عالجت الناس قبلك» إلى آخره دليل على أن علم التجربة زائدة على العلوم، ولا يقدر على تحصيله بكثرة العلوم ولا يكتسب إلا بها، أعني التجربة، لأن النبي ﷺ أعلم الناس وأفضلهم سيّما وهو حديث عهد بالكلام مع ربه ﵎ وورد إلى موضع لم يطأه ملك مقرب ولا نبي مرسل، ثم مع هذا الفضل العظيم قال له موسى ﵇: «أنا أعلم بالناس منك» ، وذكر له العلّة التي لأجلها كان أعلم منه بقوله: «عالجت بني إسرائيل أشد المعالجة» . فأخبره أنه أعلم منه في هذا العلم الخاص الذي لا يوجد ولا يدرك إلا بالمباشرة وهي التجربة. التنبيه الثاني والتسعون: وفيه دليل على جواز الحكم بما أجرى الله تعالى بحكمته من ارتباط العوائد لأن موسى ﵇ حكم على هذه الأمة بأنها لا تطيق، وذلك سبب ما أخبر به وهو علاج بني إسرائيل، ومن تقدّم أقوى وأجلد ممّن يأتي بعد، كما أخبر تعالى بقوله: كانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوها أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوها [الروم: ٩] فرأى موسى أن ما لم يحمله القويّ فمن باب أولى ألا يحمله الضعيف فهو بعد محكم بأثر الحكمة في ارتباط العادة، مع أن القدرة صالحة لأن يحمل الضعيف ما لا يحمل القويّ. وقد ورد أن الصلاة التي كلّف بها بنو إسرائيل ركعتان بالغداة وركعتان بالعشيّ ومع هذا لم يقوموا بذلك. التنبيه الثالث والتسعون: وفي سؤال موسى طلب التخفيف عن هذه الأمة دليل على أن بكاءه أوّلا حين صعود النبي ﷺ لم يكن إلا للوجه الذي أبديناه لا لغيره، لأنه لو كان لغير ذلك لبكى حين رجوع النبي ﷺ أو سكت، ولكنه قام في الخدمة والنصيحة للنبي ﷺ ، فلما أن كان بكاؤه أوّلا للوجه الذي ذكرناه ولم يصادف ما أشرنا إليه وإنما كانت هذه النّفحة من النّفحات الخاصّة بالنبي ﷺ ، تعرّض أيضا لهذه الأمة بطلب التخفيف، فصادف اعتراض هذه النفحة في موضعها لأنها خاصة بهذه الأمة. وتكلم هو ﷺ في حقّها فأشعف فيما أراد وحقّق الله دعاءه إذ ذاك وردّ الخمسين إلى خمس، وزاد بالإفضال فجعل الحسنة عشرا في الثواب عليها، فأزال الله تعالى عن الأمة فرض تلك الصلوات وأبقى لهم ثوابها تفضلا منه وإحسانا. التنبيه الرابع والتسعون: قال ابن أبي جمرة: «في الحديث دليل للصوفية حيث

стр. 1190

يقولون: «حسنات الأبرار سيئات المقرّبين» لأن إبراهيم ﵇ لم يتكلم في هذا الشأن بسبب أن مقامه أعلى من الكلام، فلو تكلم لكان ذلك في حقه سيئة بالنسبة إلى مقامه الخاص، وموسى ﵇ كان كلامه مما يتقرب به إلى مقامه الخاص، كل منهم له مقام خاص لا يتعدّاه» . التنبيه الخامس والتسعون: قال ابن دحية: «في هذه المراجعة التي وقعت بين موسى والنبي ﵉ فوائد منها: تكرار الشفاعة في القصة الواحدة إلى أن يتم مقصود الشافع، ومنها أن الأمر إذا انتهى إلى حد الإلحاح كان الأولى الترك، ومنها تعظيم الأمر الذي لا يقدر عليه، ومنها الرجوع إلى المشير الناصح، ومنها أن الشافع لا يتوقّف على طلب المشفوع له في ذلك، ومنها أن الشافع يقيم عذر المشفوع له عند المشفوع عنده في ذلك، ومنها أنه لا يمتنع من الشفاعة وإن كان داخلا فيها» . التنبيه السادس والتسعون: إنما امتنع النبي ﷺ من طلب التخفيف في المرة العاشرة لما أمره موسى بذلك لأمرين: أحدهما: أن الأمر إذا انتهى إلى حد الإلحاح كان الأولى التّرك. ثانيهما: أن يكون النبي ﷺ تفرّس أن هذا العدد لا يحطّ عنه فاستحى أن يسأل في مظنّة الرّدّ، ووجه التّفرّس أن الله تعالى أدرج التخفيف خمسا خمسا من خمس إلى خمس. فالقياس أنه إن خفّف بحذف الخمسة الأخيرة ارتفعت الصلاة بجملتها، وقد علم إنه لا بد من وظيفة، فلهذا ترك السؤال، وكشف الغيب أن العلم القديم تعلّق ببقاء هذه الخمس، ولهذا بقيت، فصدقت الفراسة، وأصابت الفكرة، ولهذا جاء في بعض الطرق أن النبي ﷺ لما امتنع من المراجعة في العاشرة نادى مناد: «أمضيت فريضتي وخفّفت عن عبادي» . التنبيه السابع والتسعون: قال ابن دحية: «دلّت مراجعته ﷺ في طلب التخفيف تلك المرّات كلها، لأنه علم أن الأمر في كل مرة لم يكن على سبيل الإلزام بخلاف المرّة الأخيرة، ففيها ما يشعر بذلك لقوله تعالى: ما يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَما أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ [ق: ٢٩] . التنبيه الثامن والتسعون: قال ابن أبي جمرة: «في امتناع النبي ﷺ في المرّة العاشرة من طلب التخفيف دليل على أن الله إذا أراد إسعاد عبد جعل اختياره في مرضاة ربّه، لأن النبي ﷺ جعل اختياره وإيثاره لما أراد الحق ﵎ إنفاذه وإمضاءه، وهو فرض الصلوات الخمس، وذلك تكريم له ﷺ وترفيع، لأنه لو رجع لطلب التخفيف فلم يخفّف كما خفّف أولا لكان اختياره مخالفا للمقدور. فلما أن اختار وأشعف في اختياره كان دليلا على ما استدللنا عليه وهو علو منزلته ﷺ ، فإنه ما دام يطلب التخفيف أسعف في مناه، ففي كل حال من طلب ومن عدم طلب كان اختياره موافقا للمقدور» .

стр. 1191

وفيه دليل للصوفية حيث يقولون: «إن الحال حامل «لا محمول» لأن النبي ﷺ لما أن ورد عليه حال الإشفاق على أمته بادر إلى طلب التخفيف عنهم ولم ينظر لغير ذلك، ثم لما ورد عليه حال الحياء من الله تعالى لم يلتفت لأمته إذا ذاك ولا طلب شيئا» . التنبيه التاسع والتسعون: في هذا الحديث دليل إن قدر الله تعالى على قسمين، كما قدمنا. فالقدر الذي قدّره وقدّر ألّا ينفذ بسبب واسطة أو دعاء هو فرضه هنا للخمسين صلاة لأنه تعالى لما أن أمر بالخمسين أوّلا وسبقت إرادته ألا ينفذ ذلك جعل بحكمة موسى هناك سببا لرفع ذلك. والقدر الذي قدّر إنفاذه ولا يردّه رادّ هو فرضه للخمس صلوات لأنه تعالى لما أن أمر بها وسبقت إرادته بإمضائها لم ينفع كلام موسى ﵇ إذا ذاك لأنه من القدر المحتوم. التنبيه الموفي مائة: قال ابن دحية: «فإن قلت: ما معنى قوله تعالى: ما يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ [ق: ٢٩] ؟ فإن كان المراد لا يبدّل الخبر فكيف يطلق الحديث، لأن السياق في الأحكام فلهذا نسخ الخمسين إلى خمس وتبديل النّسخ لا يبقي، فإن كان المراد لا يبدّل الحكم فقد تقرّر أن النّسخ في الإحكام جائز وقد وقع في هذا الحديث إلى خمس. فالجواب أنه تعالى إذا أخبر عن الحكم أنه مؤبّد استحال التبديل والنّسخ حينئذ لأجل العلم، وقد أخبر الله تعالى أنه الفريضة أي أبدّها فلا يبدّل الخبر ولا يتوقّع النّسخ بعد ذلك والله تعالى أعلم» . ويكون المراد أنه تعالى وعد هذه الأمة على ألسنة الملائكة أو في صحفها أن لهم أجر خمسين صلاة في كل يوم وليلة، فلما نسخها إلى خمس حصل للعدد نقص، وإن الأجرد المراد لم ينقص لأن الحسنة بعشر أمثالها، ولهذا قال تعالى: هن خمس وهن خمسون أي هنّ خمسٌ عددا وخمسون اعتدادا، ذلك الفضل من الله، ويكون ذلك كقوله في الصيام: «من صام رمضان وأتبعه ستّا من شوّال فكأنما صام الدهر» [ (١) ] ، بتأويل أن الحسنة بعشر أمثالها، فستة وثلاثون في عشرة بثلاثمائة وستين عدد أيام السّنة. واعتبرت الصلاة بما تحتاج إليه كل صلاة من وضوء ونحوه، فوجد لها ما يأتي على ساعتين وبعض الساعة غالبا، فعلم بذلك أن الخمسين لو استقّرت على أمة لاستوعبت اليوم والليلة لما تحتاج إليه كل صلاة من طهارة وغيرها، وكانت الطهارة واجبة التجديد في أول الأمر، ثم نسخ الوجب إلى النّدب، فكأن المصليّ من هذه الأمة لهذه الخمس استوعب الدّهر صلاة وكأنه أيضا استوعب الدهر صياما.

стр. 1192

والظاهر أن نقص الخمسين إلى خمس ليس من تبديل القول لأنه تبديل تكليف، وأما بعد الإخبار بالخمس والخمسين فتبديل أخبار. التنبيه الحادي والمائة: قال أبو الخطاب وتبعه ابن المنير: «جواز النسخ قبل التمكن من الفعل قبل دخول الوقت مذهب أهل السنة خلافا للمعتزلة، وجرى كل فريق على قاعدته وعقيدته. فعند أهل السّنّة التكليف على خلاف الاستطاعة جائز، بل واقع إذ الأفعال كلها مخلوقة لله تعالى، والعبد مطالب بما لا يقدر على إيجاده ولا يتمكن من التأثير في إحرازه، عملا بقوله تعالى: وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ [الصافات: ٩٦] بتقدير أن «ما» هنا مصدرية، والمعتزلة تجعل «ما» هنا موصولة وجروا على عقيدتهم في اعتقادهم أن العبد يخلق فعل نفسه ويوجد طاعة ربّه باستطاعته واختياره، ولا يسقط التكليف عندهم على خلاف الاستطاعة فلا يتصوّر النّسخ قبل التمكن من الفعل كما تتصوّر قاعدته. واستدل أهل السنة على جواز النسخ قبل التمكن بأنه وقع. وأي دليل على الجواز أتمّ من الوقوع؟. ومثّلوا ذلك بقصة الذّبيح فإن الله تعالى أمر إبراهيم بذبح ولده، ثم خفّف ذلك ونسخه إلى الفداء قبل أن يمضي زمن يسع الذّبح ولا يمكن فيه الفعل. ومن هنا ضاقت على المعتزلة المضايق حتى غالطوا في الحقائق، واختلفوا في الأجوبة، فمنهم من قال لم يأمره بالذبح لأن ذلك كان في المنام لا في اليقظة، ولا عقل أضلّ من عقل من زعم أنه استظهر على نبيّ في واقعة هو صاحبها وقضى فيها ومنه ظهرت، وعنه أثرت، فإن الذبيح قال فيما حكاه الله تعالى وصوّبه يا أَبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ [الصافات: ١٠٢] ، ونحن نقول إن راوي الحديث أعرف بتأويله وتفسيره، وأقعد بتبيينه وتنزيله. وحتى لو تعارض تأويلان قدّمنا تأويل صاحب الواقعة لأنه أفهم لها. فكيف لا يقدّم تأويل الذّبيح النبي الذّكيّ المسدّد المصوّب من رب العالمين على تأويل المبتدع الضّالّ الحائر المشكين؟ ومنهم من قال: أمر ولكن بالمقدّمات: الشّدّ والتّلّ والصرع وتناول «المدية» . وهذا من الطراز الأول لتهافت القول، فإن إبراهيم قال: أَنِّي أَذْبَحُكَ [الصافات: ١٠٢] ولم يقل أصرعك، وأيضا ليست المقدمات «بلا» ، ولا سيما في حق إبراهيم ﵇ الذي علم أن الحال لا ينتهي بغير الاضطجاع خاصة بما لا يتعنّى حينئذ للفداء، فهذا أحيد عن السّنن وجنوح إلى العناد والغبن. ومنهم من قال: «أمر بالذّبح وفعل، ولكن انقلبت السّكين أو لم تقطع، أو انقلبت العنق حديدا، وهذا من النّمط المردود، وحاصله النّقل بالتقدير وهو الكذب بعينه، ومنهم من قال: «ذبح والتحم» ، وهذه معايرة النقول ومكابرة العقول. وذلك أن الأمر لو كان على هذه المثابة

стр. 1193

لم يقع الاقتصار في الآية على حكاية وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ [الصافات: ١٠٣] ولكان ذكر الذّبح أوقع في الابتلاء ولسقطت فائدة الفداء. فبطل ما قالوه، وتعيّن القول بجواز النّسخ قبل التمكن بدليل وقوعه في قصة الذّبيح، فلا يمكنهم ترديد مثلها في قصة الإسراء إذ لا خفاء بأنه ﷺ أمر في حق الأمة بخمسين صلاة ثم نسخ ما نسخ قبل أن يدخل وقت الصلاة فضلا عن أن يمضي زمان يسعها. قال شيخنا السهيلي: وأما فرض الصلوات خمسين ثم حطّ منها عشرا بعد عشر إلى خمس صلوات وقد روي أيضا أنها حطّت خمسا بعد خمس. وقد يمكن الجمع بين الروايتين لدخول الخمس في العشر، فقد تكلم في هذا النقص من الفريضة أهو نسخ أم لا؟ على قولين. فقال قوم: هو من باب نسخ العبادة قبل العمل بها، وأنكر أبو جعفر النحاس هذا القول من وجهين: أحدهما: البناء على أصله ومذهبه في أن العبادة لا يجوز نسخها قبل العمل لها لأن ذلك عنده من البداء، والبداء محال على الله سبحانه. الثاني: أن العبادة إن جاز نسخها قبل العمل بها عند من يرى ذلك فليس يجوز عند أحد نسخها قبل هبوطها إلى الأرض وهبوطها إلى المخاطبين ... إنما هي شفاعة شفّعها رسول الله ﷺ لأمته ومراجعة راجعها ربه ليخفف عن أمته ولا يسمّى مثل هذا نسخا» . أما مذهب أبي جعفر النحاس في أن العبادة لا تنسخ قبل العمل بها وأن ذلك بداء فليس بصحيح لأن حقيقة البداء أن يبدو للآمر رأي يتبيّن له الصواب فيه بعد أن لم يكن تبيّنه، وهذا محال في حق من يعلم الأشياء بعلم قديم. وليس النّسخ من هذا في شيء، إنما النّسخ تبديل حكم بحكم، والكل سابق في علمه ومقتضى حكمته، كنسخه المرض بالصحّة والصّحّة بالمرض ونحو ذلك، وأيضا بأن العبد المأمور يجب عليه عند توجّه الأمر إليه ثلاث عبادات: الفعل الذي أمر به، والعزم على الامتثال عند سماع الأمر، واعتقاد الوجوب إن كان واجبا، فإن نسخ الحكم قبل الفعل فقد حصلت فائدتان: العزم، واعتقاد الوجوب، وعلم الله تعالى ذلك منه علم مشاهدة. فصحّ امتحانه له واختباره إياه، وأوقع الجزاء على حسب ما علم من نيته والذي لا يجوز إنما هو نسخ الأمر قبل نزوله وقبل علم المخاطب به. والذي ذكر النحاس من نسخ العبادة بعد العمل بها ليس هو حقيقة النّسخ لأن العبادة المأمور بها قد مضت وإنما جاء الخطاب بالنهي عن مثلها لا عنها. وقولنا في الخمس والأربعين صلاة الموضوعة عن محمد ﷺ وأمته. أحد وجهين إما أن يكون نسخ ما وجب على النبي ﷺ من أدائها، ورفع عنه استمرار العزم واعتقاد الوجوب. وهذا قد قدمنا أنه نسخ على الحقيقة، ونسخ عنه ما وجب

стр. 1194

عليه من التبليغ، فقد كان في كل مرة عازما على تبليغ ما أمر به [وقول أبي جعفر إنما كان شافعا ومراجعا ينفي النّسخ فإن النّسخ قد يكون عن سبب معلوم فشفاعته ﵇ لأمته كانت سببا للنّسخ لا مبطلة لحقيقته، ولكن المنسوخ ما ذكرنا من حكم التبليغ الواجب عليه قبل النّسخ وحكم الصلوات الخمس في خاصته وأما أمته فلم ينسخ عنهم حكم [إذ] لا يتصوّر نسخ الحكم قبل وصوله إلى المأمور به. وهذا كله أحد الوجهين في الحديث. والوجه الثاني: أن يكون هذا خبرا لا تعبدا وإذا كان خبرا لم يدخله النّسخ، ومعنى الخبر أنه ﵇، أخبره ربّه أن على أمته خمسين صلاة ومعناه: أنها خمسون في اللوح المحفوظ، وكذلك قال في آخر الحديث: هي خمس، وهي خمسون والحسنة بعشر أمثالها، فتأوله رسول الله ﷺ على أنها خمسون بالفضل، فلم يزل يراجع ربه حتى بيّن له أنها خمسون في الثواب لا بالعمل. التنبيه الثاني والمائة: قد علم مما سبق جواز نسخ الفعل قبل التمكن من فعله، وأن ذلك صحيح في حقه ﷺ ، وغير صحيح بالنسبة لأمته لاستحالة النسخ قبل البلاغ إذ شرط التكليف تمكين المكلّف من العلم به، أي إذا لم يكن العلم به شرطا فإن نسخ التكليف قبل البلاغ يناقض ذلك. وقال ابن دحية: «يصح النّسخ في حق الأمة أيضا بأن الإسلام يوجب على كل مسلم الدخول في فروعه وفي شرائع الدين بتفصيلها، وكل من آمن بالنبي ﷺ في حياته دخل في الإسلام. على أن هنالك تكاليف منها ما نزّل وبيّن بكل وجه، ومنها ما نزّل مجملا من وجه ومبيّنا من وجه، ومنها ما لم ينزّل بعد وسينزّل، والإيمان والالتزام شامل للجميع. فكما يجوز نسخ التكليف بعد أن يبلّغ بخصوصية يجوز أيضا قبله. وأكثر القواعد أن ما وجب مجملا ثم بيّن في وقت الحاجة كالصلاة والزكاة، لم يقترن بأول وجوبها ذكر أعدادها ولا إعدادها ولا أوقاتها ولا هيئاتها ولا شرائطها، بل للتكليف بها مستقر مع هذه الإجمالات، لأن المكلف بالالتزام الأول قد دخل على التزامها على ما هي عليه في نفس الأمر. وقد قال النبي ﷺ لمن سأله عن الإسلام هو «أن تشهد ألّا إله إلا الله وأني رسول الله وتقيم الصلاة المكتوبة وتؤدي الزكاة المفروضة وتصوم شهر رمضان وتحج البيت [ (١) ] » . فنجز التكليف عليه بهذه القواعد مجملة غير مبيّنة» . التنبيه الثالث والمائة: قال ابن دحية: «إذا سمعت العلماء يتكلمون على النّسخ قبل

стр. 1195

الفعل فاعلم أنهم أرادوا قبل مضيّ زمن يسع الفعل الأول. هذا هو المختلف فيه، وإلا فكل نسخ متّفق عليه لا يتصوّر إلا قبل الفعل لأن ما فعل مضى وانقطع التكليف به والنّسخ فيه. قال: وإذا سمعتهم يقولون نسخ التكليف قبل البلاغ متعذر لأن شرط التكليف البلاغ فاعلم أنهم يريدون تنجيز التكليف. هذا هو المشروط بالبلاغ. وأما أصل التكليف عندنا فلا يتوقف على ذلك فإن مذهبنا أن الأمر قديم محقّق قبل وجود المأمور فضلا عن بلاغه والله تعالى الموفق. التنبيه الرابع والمائة: قال بعض أهل الإشارات: «لما تمكنت المحبة من قلب موسى ﵇ أضاءت له أنوار نور الطور ليقتبس، فاحتبس فلما نودى في النّادي اشتاق إلى المنادي فكان يطوف في بني إسرائيل فيقول: من يحملني حتى أبلّغ رسالة ربي، ومراده أن تطول المناجاة مع الحبيب، فلما مرّ عليه النبي ﷺ ليلة المعراج ردّده في أمر الصلاة ليسعد برؤية حبيب الحبيب. وقال آخر: لما سأل موسى ﵇ الرؤية ولم تحصل له البغية، بقي الشوق يقلقه والأمل يعلّله، فلما تحقق أن سيدنا محمدا ﷺ منح الرؤية وفتح له باب المزيّة أكثر السؤال ليسعد برؤية من قد رأى، كما قيل: وأستنشق الأرواح من نحو أرضكم ... لعلّي أراكم أو أرى من يراكم وأنشد من لاقيت عنكم عساكم ... تجودون لي بالعطف منكم عساكم فأنتم حياتي إن حييت وإن أمت ... فيا حبّذا إن متّ عبد هواكم وقال آخر: وإنّما السّرّ في موسى يردّده، ... ليجتلي حسن ليلى حين يشهده يبدو سناها على وجه الرّسول فيا ... لله درّ رسول حين أشهده وقال آخر: لما جلس الحبيب في مقام القرب، دارت عليه كؤوس الحب، ثم عاد وهلال ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى [النجم: ١١] بين عينيه، وبشر فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى [النجم: ١٠] ملء قلبه وأذنيه. فلما اجتاز بموسى ﵇ قال لسان حاله لنبينا ﷺ : يا واردا من أهيل الحيّ يخبرني ... عن جيرتي شنّف الأسماع بالخبر ناشدتك الله يا راوي حديثهم ... حدّث فقد ناب سمعي اليوم عن بصري فأجاب لسان حال نبينا ﷺ : ولقد خلوت مع الحبيب وبينا ... سرّ أرقّ من النّسيم إذا سرى وأباح طرفي نظرة أمّلتها ... فغدوت معروفا وكنت منكّرا
следующие страницы →