خارج المدينة. وكان يوم الجمعة صائما ويوم السبت صائما.
وقال النعمان بن مالك: يا رسول الله لا تحرمنا الجنّة، فو الذي نفسي بيده لأدخلنّها. فقال رسول الله ﷺ : «لمه؟» قال:
لأني أحب الله تعالى ورسوله- وفي لفظ: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله- ولا أفرّ يوم الزّحف. فقال رسول الله ﷺ : «صدقت» . فاستشهد يومئذ،
وحثّ مالك بن سنان الخدري وإياس بن عتيك وجماعة على الخروج للقتال فلما أبوا إلّا ذلك صلّى- ﷺ الجمعة بالناس فوعظهم، وأمرهم بالجدّ والاجتهاد، وأخبرهم أن لهم النصر ما صبروا، ففرح الناس بالشّخوص إلى عدوّهم، وكره ذلك المخرج بشر كثير. ثم صلى رسول الله ﷺ العصر بالناس وقد حشدوا، وحضر أهل العوالي، ورفعوا النّساء في الآطام. ودخل رسول الله ﷺ بيته ومعه أبو بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما، فعممّاه وألبساه، وقد صفّ الناس له بين حجرته إلى منبره، ينتظرون خروج رسول الله ﷺ ، فجاء سعيد بن معاذ وأُسيد- بضم الهمزة وفتح السين المهملة- ابن حضير- بضم الحاء المهملة وفتح الضاد المعجمة- فقالا للناس: استكرهتم رسول الله ﷺ وقلتم له ما قلتم، والوحي ينزل عليه من السّماء، فردّوا الأمر إليه، فما أمركم به فافعلوه، وما رأيتم له فيه هوى ورأيا فأطيعوه. فبينما هم على ذلك إذ خرج رسول الله ﷺ وقد لبس الدّرع فأظهرها، وحزم وسطه بمنطقة من حمائل سيف من أدم، واعتمّ، وتقلّد السيف، وندم الناس على إكراهه،
فقالوا: يا رسول الله استكرهناك، ولم يكن لنا ذلك، فإن شئت فاقعد، فقال رسول الله ﷺ : قد دعوتكم إلى هذا الحديث فأبيتم، ولا ينبغي لنبي إذ لبس لأمته أن يضعها، حتى يحكم الله بينه وبين أعدائه- وفي رواية: حتى يقاتل- انظروا ما أمركم به فاتّبعوه، امضوا على اسم الله تعالى، فلكم النصر ما صبرتم.
ووجد مالك بن عمرو النّجّاريّ- ويقال:
بل هو محرّر بمهملات، قال الأمير: وزن محمّد، وقال الدارقطنيّ: آخره زاي معجمة وزن مقبل بن عامر النجاريّ- قد مات، ووضعوه عند موضع الجنائز، فصلى عليه، ثم دعا بثلاثة رماح فعقد ثلاثة ألوية، فدفع لواء الأوس إلى أسيد بن حضير، ولواء الخزرج إلى حباب بن المنذر، ويقال: إلى سعد بن عبادة، ودفع لواء المهاجرين إلى علي بن أبي طالب، واستخلف على المدينة ابن أم مكتوم على الصّلاة بمن بقي في المدينة.
ذكر خروج النبي ﷺ إلى أحد
ثم ركب رسول الله ﷺ فرسه السّكب، وتقلّد القوس، وأخذ قناة بيده، والمسلمون عليهم السلاح، منهم مائة دارع، وخرج السّعدان أمامه يعدوان: سعد بن معاذ، وسعد بن عبادة، كلّ منهما دارع، والناس عن يمينه وشماله، حتى إذا انتهى إلى رأس الثّنيّة رأى كتيبة خشناء لها زجل
فقال: ما هذا؟ قالوا: هؤلاء حلفاء عبد الله بن أبيّ من يهود، فقال: أسلموا؟
فقيل: لا، فقال: إنا لا نستنصر بأهل الشّرك على أهل الشّرك.
стр. 1647
وسار ﷺ فعسكر بالشّيخين، وهما أطمان، وعرض رسول الله ﷺ عسكره، فاستصغر غلمانا فردّهم. قال الإمام الشافعي رضي الله تعالى عنه فيما نقله الشيخ نجم الدين القموليّ- بفتح القاف وضم الميم- في بحره: أنه ﷺ رد سبعة عشر شابّا عرضوا عليه، وهم أبناء أربع عشرة سنة، لأنه لم يرهم بلغوا، وعرضوا عليه وهم أبناء خمس عشرة، فأجازهم.
انتهى.
وهم: عبد الله بن عمر، وزيد بن ثابت، وأسامة بن زيد، والنعمان بن بشير- وفي ذكره نظر، لأنه ولد في السنة الثانية قبل أحد بسنة- وزيد بن أرقم، والبراء بن عازب- وروى السّراج عنه أنه شهدها- ورافع بن خديج، وأسيد بن ظهير- بضمّ الهمزة، وأبوه ظهير بضم الظاء المعجمة- وعرابة بن أوس بن قيظيّ- بفتح القاف وسكون التحتية وبالظاء المعجمة المشالة، وأوس هذا كان منافقا- وأبو سعيد الخدري- بالخاء المعجمة والدال المهملة- وأوس بن ثابت الأنصاري، كذا رواه ابن فتحون عن ابن عمر بن الخطاب، وسعد بن بحير- بفتح الموحدة وكسر الحاء المهملة، قاله الدارقطنيّ. وقال ابن سعيد: بضم الموحدة وكسر الجيم- ابن معاوية البجليّ حليف الأنصار، وسعيد ابن حبتة بفتح الحاء المهملة وسكون الموحدة بعدها مثناة فوقية مفتوحة فتاء تأنيث- وهي أمّه، ولما كان يوم الخندق رآه رسول الله ﷺ قاتل قتالا شديدا، فدعاه ومسح على رأسه ودعا له بالبركة في نسله وولده، فكان عمّا لأربعين، وأخا لأربعين، وأبا لعشرين، ومن ولده أبو يوسف القاضي الإمام، وسعد بن عقيب- بعين مهملة مضمومة فقاف مفتوحة فمثناة تحتية ساكنة فموحدة وزن زبير- وزيد بن جارية- بالجيم والمثناة التحتية- ابن عمرو بن عوف، وهو أخو مجمع بن جارية، وجابر بن عبد الله، وليس بالذي يروى عنه الحديث. وسمرة بن جندب، ثم أجاز رافع بن خديج لما قيل له: إنه رام،
فقال سمرة بن جندب لزوج أمّه مريّ- بالتصغير- ابن سنان: أجاز رسول الله ﷺ رافع بن خديج وردّني وأنا أصرعه، فأعلم بذلك رسول الله ﷺ فقال:
«تصارعا» ، فصرع سمرة رافعا فأجازه،
ونزل عبد الله بن أبي ابن سلول ناحية، فلما فرغ العرض وغابت الشمس أذّن بلال بالمغرب، فصلى رسول الله ﷺ بأصحابه، ثم أذّن بالعشاء فصلّى بهم، وبات بالشّيخين، واستعمل على الحرس تلك الليلة محمد بن مسلمة في خمسين رجلا يطوفون بالعسكر.
وقال ﷺ : «من يحفظنا الليلة؟» فقام ذكوان بن عبد قيس فلبس درعه، وأخذ درقته، فكان يحرس رسول الله ﷺ لم يفارقه، ونام رسول الله ﷺ حتى كان السّحر، فصلّى الصّبح، ثم قال: «أين الأدلّاء؟ من رجل يخرج بنا من كثب لا يمرّ بنا عليهم؟»
فقام أبو خيثمة الحارثيّ- كذا عند ابن إسحاق بخاء معجمة فتحتية فثاء مثلثة، وعند ابن سعد وغيره: حتمه، بفتح الحاء المهملة والمثناة الفوقية بعدها ميم فتاء تأنيث، وصوّبه أبو الفتح،
стр. 1648
قال الحافظ في الإصابة: ولم يأت على ذلك بدليل إلا قول أبي عمر: ليس في الصحابة أبي خيثمة سوى الجعفيّ والسّالميّ، وفي هذا الحصر نظر- فقال أبو خيثمة: أنا يا رسول الله، فسلك به في حرّة بني حارثة وبين أموالهم، حتى سلك في ماء مربع- بكسر الميم وفتح الموحدة- ابن قيظّي- بفتح القاف فمثناة تحتية فظاء معجمة مشالة- وكان منافقا ضرير البصر، فلما سمع حسّ رسول الله ﷺ ومن معه من المسلمين قام يحثو التراب في وجوههم، ويقول: إن كنت رسول الله ﷺ فإني لا أحلّ لك أن تدخل حائطي،
وذكر أنّه أخذ حفنة من تراب في يده، ثم قال: والله لو أعلم أني لا أصيب غيرك فضربت بها وجهك. فابتدره القوم ليقتلوه فقال رسول الله ﷺ : «لا تقتلوه فهذا الأعمى أعمى القلب أعمى البصر» .
وقد بدر إليه سعد بن زيد الأشهليّ قبل نهى رسول الله ﷺ ، فضربه بالقوس فشجّه، فغضب له ناس من بني حارثة وهم قومه، وكانوا على مثل رأيه، فهمّ بهم أسيد بن حضير حتى أومأ إليه رسول الله ﷺ فكفّ. وذبّ فرس أبي بردة بن نيار- بكسر النون وتخفيف المثناة التحتية وآخره راء- بذنبه، فأصاب كلّاب سيفه فاستلّه،
فقال رسول الله ﷺ ، وكان يحب الفأل الحسن ولا يعتاف: «يا صاحب السيف، شم سيفك، إني أخال السّيوف ستسلّ اليوم فيكثر سلّها» .
ذكر انخزال عدو الله ابن أبيّ بثلث العسكر
لما بلغ رسول الله ﷺ الشّوط انخزل عبد الله بن أبيّ بثلث النّاس كافّة كأنه هيق،
فقال: «أطاع الولدان ومن لا رأى له وعصاني، ما ندري علام نقتل أنفسنا أيها الناس هاهنا؟»
فرجع بمن اتّبعه من أهل النّفاق والرّيب، وتبعهم عبد الله بن حرام- بالراء- يقول: يا قوم أذكّركم الله ألّا تخذلوا قومكم ونبيّكم عند ما حضر عدوّهم، يا قوم تعالوا فقاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا، فقالوا: لو نعلم قتالا ما أسلمناكم، لا نرى أن يكون قتال، ولئن أطعتنا لترجعنّ معنا.
فلما استعصوا عليه وأبوا إلّا الانصراف قال: أبعدكم الله، أعداء الله، فسيغني الله تعالى نبيه عنكم. وأنزل الله تعالى: ما كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلى ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ [آل عمران ١٧٩] قال مجاهد: «ميّزهم يوم أحد» وهم المرادون بقوله تعالى: وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نافَقُوا، وَقِيلَ لَهُمْ: تَعالَوْا قاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا، قالُوا: لَوْ نَعْلَمُ قِتالًا لَاتَّبَعْناكُمْ، هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمانِ يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يَكْتُمُونَ [آل عمران ١٦٧] .
وذكر عروة وموسى بن عقبة: أن بني سلمة- بكسر اللام- وبني حارثة لمّا رجع عبد الله بن أبيّ سقط في أيديهما، وهمّا أن يقتتلا فثبّتهما الله تعالى، ولهذا قال تعالى: إِذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا وَاللَّهُ وَلِيُّهُما [آل عمران ١٢٢] .
стр. 1649
وروى سعيد بن منصور، وعبد بن حميد، والشيخان، والبيهقي، عن جابر بن عبد الله، قال: فينا نزلت، في بني حارثة وبني سلمة: إِذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا وما يسرّني أنها لم تنزل لقول الله تعالى: وَاللَّهُ وَلِيُّهُما [ (١) ] .
وروى ابن جرير عن السدي في الآية قال: هم بنو سلمة وبنو حارثة همّوا بالرّجوع، حين رجع عبد الله بن أبيّ فعصمهم الله.
وروى الشيخان عن زيد بن ثابت، وابن إسحاق عن البراء بن عازب ﵄ قالا: لما خرج رسول الله ﷺ إلى أحد خرج معه بأناس، فرجعوا، فكان أصحاب رسول الله ﷺ فيهم فرقتين، فقالت فرقة: نقتلهم، وقالت فرقة: لا نقتلهم، فانزل الله تعالى: فَما لَكُمْ فِي الْمُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِما كَسَبُوا [النساء ٨٨] ردّهم إلى كفرهم بما كسبوا بأعمالهم،
فقال رسول الله ﷺ : «إنّها طيبة وإنّها تنفي الخبث كما تنفي النار خبث الفضّة» .
وذكر الزّهريّ أن الأنصار استأذنوا رسول الله ﷺ لما رجع ابن أبيّ في الاستعانة بحلفائهم من يهود المدينة، فقال رسول الله ﷺ : «لا حاجة لنا بهم» .
قال الجمهور:
بقي رسول الله ﷺ في سبعمائة وفرسه، وفرس لأبي بردة. وقال ابن عقبة: لم يكن مع المسلمين فرس. ومضى رسول الله ﷺ حتى نزل الشّعب من أحد في عدوة الوادي إلى الجبل، فجعل ظهره وعسكره إلى أحد، واستقبل المدينة، وجعل عينين- الجبل- عن يمينه، وصفّ المسلمون بأصل أحد، وحانت الصّلاة يوم السبت والمسلمون يرون المشركين، فأذّن بلال، وأقام، وصلى رسول الله ﷺ بأصحابه الصّبح صفوفا.
ذكر خطبته ﷺ وتهيئته للقتال
قال محمد بن عمر الأسلميّ: ثم قام رسول الله ﷺ فخطب الناس فقال: «أيّها النّاس أوصيكم بما أوصاني الله تعالى به في كتابه، من العمل بطاعته، والتّناهي عن محارمه، ثم إنكم اليوم بمنزل أجر وذخر لمن ذكر الذي عليه، ثم وطّن نفسه له على الصّبر واليقين، والجدّ والنشاط، فإن جهاد العدو شديد كريه، قليل من يصبر عليه إلا من عزم الله تعالى رشده، فإن الله تعالى مع من أطاعه، وإن الشيطان مع من عصاه فافتتحوا أعمالكم بالصبر على الجهاد، والتمسوا بذلك ما وعدكم الله تعالى [وعليكم] بالذي أمركم به، فإني حريص على رشدكم،
стр. 1650
وإن الاختلاف والتّنازع والتّثبيط من أمر العجز، والضعف، ممّا لا يحبّ الله تعالى، ولا يعطي عليه النّصر ولا الظّفر يا أيها الناس [جدّد في صدري أنّ] من كان على حرام فرّق الله تعالى بينه وبينه، ومن رغب له عنه غفر الله له ذنبه، ومن صلى علي صلاة صلى الله عليه وملائكته عشرا، ومن أحسن من مسلم أو كافر وقع أجره على الله، في عاجل دنياه وآجل آخرته، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فعليه الجمعة إلا صبيّا أو امرأة أو مريضا أو عبدا مملوكا، ومن استغنى عنها استغنى الله عنه، والله غنيّ حميد، ما أعلم من عمل يقرّبكم إلى الله تعالى إلا وقد أمرتكم به، ولا أعلم من عمل يقرّبكم إلى النّار إلا وقد نهيتكم عنه، وأنه قد نفث في روعي الرّوح الأمين أنه لن تموت نفس حتى تستوفي أقصى رزقها لا ينقص منه شيء، وإن أبطأ عنها، فاتقوا الله ربّكم، وأجملوا في طلب الرزق، ولا يحملنكم استبطاؤه أن تطلبوه بمعصية الله تعالى، فإنه لا يقدر على ما عنده إلا بطاعته، قد بيّن لكم الحلال والحرام غير أن بينهما شبها من الأمر، لم يعلمها كثير من الناس إلّا من عصم الله تعالى فمن تركها حفظ عرضه ودينه، ومن وقع فيها كان كالرّاعي إلى جنب الحمى أوشك أن يقع فيه، وليس ملك إلّا وله حمى، ألا وإنّ حمى الله تعالى محارمه، والمؤمن من المؤمنين كالرأس من الجسد إذا اشتكى تداعى عليه سائر جسده، والسلام عليكم» .
وتعبّى رسول الله ﷺ للقتال، وقال: «لا يقاتلن أحد حتى نأمره بالقتال» .
وقد سرّحت قريش الظّهر والكراع في زروع المسلمين، كانت بالصّمغة- بالصاد المهملة والغين المعجمة بينهما ميم- فقال رجل من الأنصار: أترعى زروع بني قيلة ولمّا تحارب وأمر رسول الله ﷺ على الرّماة عبد الله بن جبير أخا بني عمرو بن عوف وهو معلم يومئذ بثياب بيض، والرّماة خمسون رجلا،
فقال: «انضحوا الخيل عنّا، لا يأتون من ورائنا، إن كانت لنا، اثبتوا مكانكم لا نؤتينّ من قبلكم، الزموا مكانكم لا تبرحوا عنه، وإذا رأيتمونا نهزمهم حتى ندخل في عسكرهم فلا تفارقوا مكانكم، وإن رأيتمونا تخطّفنا الطير فلا تبرحوا، حتى أرسل إليكم، وإن رأيتمونا نقتل فلا تعنونا ولا تدفعوا عنّا، وارشقوهم بالنّبل فإن الخيل لا تقدم على النبل، إنّا لن نزال غالبين ما ثبتّم مكانكم. اللهم إني أشهدك عليهم» .
وجعل على إحدى المجنّبتين الزبير بن العوام، وعلى الأخرى المنذر بن عمر الغنويّ
وقال ﷺ : «من يحمل لواء المشركين؟» قيل: طلحة بن أبي طلحة، فقال رسول الله ﷺ :
«نحن أحق بالوفاء منهم» .
فأخذه من عليّ ودفعه إلى مصعب بن عمير.
وروى أبو يعلى بسند رجال ثقات، عن معاذ- رجل من تيم- والحارث والبزار بسند حسن، كما قال الحافظ في زوائد البزار، عن سعد بن أبي وقاص، وأبو يعلى، عن طلحة بن
стр. 1651
عبيد الله: أن رسول الله ﷺ ظاهر يومئذ بين درعين، وكان شعار المسلمين يومئذ: «أمت أمت» .
ذكر تهيئ المشركين للقتال
وصفّ المشركون بالسّبخة، وتعبّئوا للحرب، وهم ثلاثة آلاف، معهم مائتا فرس قد جنّبوها، فجعلوا على ميمنة الخيل خالد بن الوليد، وعلى الميسرة عكرمة بن أبي جهل، وعلى المشاة صفوان بن أمية، ويقال: عمرو بن العاص، وعلى الرّماة عبد الله بن أبي ربيعة- وأسلموا كلهم- ودفعوا اللواء إلى طلحة بن أبي طلحة بن عبد الله بن عبد العزى بن عثمان بن عبد الدار بن قصيّ. وقال أبو سفيان لأصحاب اللواء من بني عبد الدار يحرّضهم بذلك: يا بني عبد الدار، إنكم قد وليتم لواءنا ببدر فأصابنا ما قد رأيتم، فإنما يؤتى الناس من قبل راياتهم، إذا زالت زالوا، فإمّا أن تكفون لواءنا، وإما أن تخلّوا بيننا وبينه فنكفيكموه، فهمّوا به وتواعدوه وقالوا: أنحن نسلم إليكم لواءنا؟ ستعلم إذا التقينا كيف نصنع وذلك الذي أراد أبو سفيان.
ذكر ابتداء الحرب واشتداد القتال
أول من أنشب الحرب أبو عامر عبد عمرو بن صيفيّ الفاسق، طلع في خمسين من قومه ويقال: خمسة عشر، الذين ذهبوا معه إلى مكة، والأحابيش وعبدان أهل مكة، فنادى: يا معشر الأوس أنا أبو عامر، فقالوا: لا أنعم الله بك عينا يا فاسق، بذلك سماه رسول الله ﷺ ، وكان يسمى في الجاهلية الراهب، فلما سمع ردّهم عليه قال: لقد أصاب قومي بعدي شرّ، ثم قاتلهم قتالاً شديداً، ثم راضخهم بالحجارة.
ولمّا التقى الناس، ودنا بعضهم من بعض، قامت هند بنت عتبة في النسوة اللاتي معها، وأخذن الدفوف يضربن بها، فقالت هند فيما تقول:
ويها بني عبد الدار ... ويها حماة الأدبار
ضربا بكلّ بتّار
وتقول أيضا:
نحن بنات طارق ... نمشي على النّمارق
الدّرّ في المخانق ... والمسك في المفارق
إن تقبلوا نعانق ... أو تدبروا نفارق
فراق غير وامق
[ (١) ]
стр. 1652
وكان رسول الله ﷺ إذا سمع، ذلك يقول: «اللهم بك أجول، وبك أصول، وفيك أقاتل، حسبي الله ونعم الوكيل» . [ (١) ]
وروى الإمام أحمد ومسلم عن أنس والطبراني عن عبادة بن النّعمان، وإسحاق بن راهويه والبزّار، عن الزبير بن العوّام قالوا: عرض رسول الله ﷺ سيفا يوم أحد، فأخذه رجال فجعلوا ينظرون إليه- وفي لفظ: فبسطوا أيديهم- كلّ إنسان يقول: أنا، فقال: «من يأخذه بحقّه؟» فأحجم القوم، فقام رجال فأمسكه عنهم
[ (٢) ] .
وعند ابن عتبة إن رسول الله ﷺ لمّا عرضه طلبه منه عمر، فأعرض عنه، ثم طلبه الزّبير فأعرض عنه، فوجدا في أنفسهما من ذلك.
وعند إسحاق بن راهويه عن عمرو بن يحيى المازني أن الزبير طلبه ثلاث مرات كل ذلك يعرض عنه رسول الله ﷺ .
وعند الطّبرانيّ عن قتادة بن النعمان: أن عليّا قام فطلبه فقال له: اجّلس، ثم قال رسول الله ﷺ : «من يأخذه بحقّه؟» فقام إليه أبو دجانة- بضم الدال المهملة وبالجيم والنون- فقال: يا رسول الله، وما حقه؟ قال: «أن تضرب به في العدوّ حتى ينحني» . قال: أنا آخذه يا رسول الله بحقّه. قال: «لعّلك إن أعطيتكه تقاتل في الكيّول» فأعطاه إياه،
وكان أبو دجانة رجلا شجاعا يختال عند الحرب، وكان له غصابة حمراء يعلم بها عند الحرب، يعتصب بها، فإذا اعتصب بها علم الناس أنه سيقاتل، فلما أخذ السيف من يد رسول الله ﷺ أخرج عصابته تلك، فعصب بها رأسه، فقالت الأنصار: أخرج أبو دجانة عصابة الموت. وهكذا كانت تقول إذا اعتصب بها، ثم جعل يتبختر بين الصّفّين،
فقال رسول الله ﷺ حين رآه يتبختر: «إنها لمشية يبغضها الله إلا في مثل هذا الموطن» .
قال الزّبير: ولمّا أعطى رسول الله ﷺ السيف لأبي دجانة وجدت في نفسي حين سألته فمنعني وأعطاه إيّاه، وقلت: أنا ابن صفيّة عمة رسول الله ﷺ ، وقد قمت إليه وسألته إيّاه قبله، فأعطاه إياه وتركني، والله لأنظرنّ ما يصنع به، فاتّبعته، فخرج وهو يقول:
أنا الّذي عاهدني خليلي ... ونحن بالسّفح لدى النّخيل
ألّا أقوم الدّهر في الكيّول ... أضرب بسيف الله والرّسول
قال: فجعل لا يمرّ بشيء إلا أفراه وفتكه، وفلق به هام المشركين، وكان إذا كلّ شحذه بالحجارة، ثم يضرب به العدو كأنه منجل، وكان في المشركين رجل لا يدع لنا جريحا إلا
стр. 1653
ذفّف عليه، فجعل كل واحد منهما يدنو من صاحبه، فدعوت الله تعالى أن يجمع بينهما، فالتقيا فاختلفا ضربتين، فضرب المشرك أبا دجانة فاتّقاه بدرقته فعضّت بسيفه، وضربه أبو دجانة فقتله.
قال ابن عقبة: قال كعب بن مالك: وخرج رجل من المشركين نحو المسلمين وهو يقول: استوسقوا كما استوسقت جزر الغنم، وإذا رجل من المسلمين قائم ينتظره وعليه لأمته، فمضيت ًحتى كنت من ورائه، ثم قمت أقدّر المسلم والكافر بنظري، فإذا الكافر أفضلهما عدّة وهيئة، قال: فلم أزل أنتظرهما حتى التقيا، فضرب المسلم الكافر على حبل عاتقه ضربة بالسيف، فبلغت ووركيه وانفرق فرقتين، ثم كشف المسلم عن وجهه وقال: كيف ترى يا كعب؟ أنا أبو دجانة.
قال الزّبير: ثم رأيته حمل على مفرق رأس هند بنت عتبة، ثم عدل السيف عنها، فقلت له: كلّ سعيك رأيته فأعجبني غير أنك لم تقتل المرأة، قال: إنها نادت: يا لصخر! فلم يجبها أحد، وفي لفظ: رأيت إنسانا يحمش الناس حمشا شديدا فصمدت إليه، فلما حملت عليه السيف ولول. فإذا امرأة فكرهت أن أضرب بسيف رسول الله ﷺ امرأة لا ناصر لها، فقلت:
الله ورسوله أعلم.
وذكر ابن إسحاق في رواية يونس والزبير بن بكار إن رجلا من المشركين خرج فدعا إلى البراز، فأحجم عنه الناس، حتى دعا ثلاثا وهو على جمل له، فقام إليه الزبير بن العوام فوثب حتى استوى معه على بعيره، فعانقه، فاقتتلا فوق البعير، فقال رسول الله ﷺ : «الذي يلي حضيض الأرض مقتول، فوقع المشرك» . ووقع عليه الزبير فذبحه، فأثنى عليه رسول الله ﷺ ، وقال: «إن لكل نبيّ حواريّا، وإنّ حواريّ الزّبير» وقال: «لو لم يبرز إليه الزبير لبرزت إليه» [ (١) ] ،
لما رأى من إحجام الناس عنه.
واقتتل الناس يومئذ قتالا شديدا، وحميت الحرب، وأبلى أبو دجانة الأنصاريّ، وطلحة بن عبيد الله، وأسد الله، وأسد رسوله حمزة بن عبد المطلب، وعلي بن أبي طالب، وأنس بن النّضر، وسعد بن الربيع، بلاء شديدا. وأنزل الله ﵎ نصره على المسلمين، وصدقهم وعده، فحسّوا المشركين بالسيف حتى كشفوهم عن العسكر، ونهكوهم قتلا، وقد حملت خيل المشركين على المسلمين ثلاث مرات، كلّ ذلك تنضح بالنّبل فترجع مفلولة، وكانت الرماة تحمي ظهور المسلمين، ويرشقون خيل المشركين بالنّبل، فلا يقع إلا في فرس أو رجل، فتولّي هوارب، وقال عمر بن الخطاب يوم أحد لأخيه زيد بن الخطاب: يا أخي، خذ
стр. 1654
درعي هذه، فقال له: إني أريد من الشهادة مثل ما تريد، فتركاها جميعا، رواه أبو نعيم.
ولما اشتدّ القتال يومئذ جلس رسول الله ﷺ تحت راية الأنصار، وأرسل إلى علي بن أبي طالب أن قدّم الراية، فتقدم عليّ وقال: أنا أبو القصم، وصاح طلحة بن أبي طلحة صاحب اللواء: من يبارز؟ فلم يبرز إليه أحد، فقال: يا أصحاب محمد، زعمتم أن قتلاكم في الجنة، وقتلانا في النار، كذبتم، واللات لو تعلمون إن ذلك حقّ لخرج إلي بعضكم، فبرز إليه علي بن أبي طالب فالتقيا بين الصّفين فبدره عليّ فصرعه، ولم يجهز عليه، فقال له بعض أصحابه: أفلا أجهزت عليه؟ فقال: إنه استقبلني بعورته فعطفني عليه الرّحم، وعرفت أن الله تعالى قد قتله،
وكان قتل صاحب لواء المشركين تصديقا لرؤيا رسول الله ﷺ : «كأنّي مردف كبشا» ، فسر رسول الله ﷺ ، وأظهر التّكبير وكبّر المسلمون، وشدّوا على المشركين يضربونهم حتى اختلّت صفوفهم. قال أبو عبيدة والزبير بن بكار: وفي ذلك يقول الحجاج بن علاط- بكسر العين المهملة وتخفيف اللام وآخره طاء مهملة- السّلميّ.
الله أيّ مذبّب عن حرمة ... أعني ابن فاطمة المعمّ المخولا
جادت يداك لهم بعاجل طعنة ... تركت طليحة للجبين مجدّلا
وشددت شدّة باسل فكشفتهم ... بالجرّ إذ يهوون أخول أخولا
وعللت سيفك بالدّماء ولم تكن ... لتردّه حرّان حتّى ينهلا
وصار أصحاب رسول الله ﷺ كتائب متفرقة فحاسوا العدوّ ضربا حتى أجهضوهم عن أثقالهم، فحمل لواءهم أبو شيبة عثمان بن أبي طلحة، فحمل عليه حمزة بن عبد المطلب [فضربه بالسيف على كاهله] فقطع يده ورجله حتى انتهى إلي مؤتزره وبدا سحره فقتله، فحمله أبو سعد بن أبي طلحة، فرماه سعد بن أبي وقاص، فأصاب حنجرته، فدلع لسانه، فقتله، فحمله مسافع بن طلحة [بن أبي طلحة] فرماه عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح- بالقاف- فقلته، فحمله الحارث بن طلحة فرماه عاصم بن ثابت فقتله، كلاهما يشعره سهما فيأتي أمّه سلافة فيضع رأسه في حجرها، فتقول: يا بنيّ: من أصابك؟ فيقول: سمعت رجلا رماني يقول: خذها وأنا ابن الأقلح، فنذرت إن أمكنها الله من رأس عاصم أن تشرب فيه الخمر، وجعلت لمن جاء به مائة من الإبل، فحمل اللواء كلاب بن طلحة بن أبي طلحة فقتله الزبير بن العوام، وقيل: قزمان، فحمله الجلاس بن طلحة بن أبي طلحة- وهو بضم الجيم وتخفيف اللّام وفي آخره سين- فقتله طلحة بن عبيد الله، فحمله أرطاة بن شرحبيل، فقتله علي بن أبي طالب، فحمله شريح بن قارظ- وهو بضم الشين المعجمة وفتح الراء فمثناة تحتية ساكنة فحاء مهملة، وأبوه بقاف فألف فراء مكسورة فظاء معجمة مشالة- فليس يدري من
стр. 1655
قتله، فحمله أبو زيد بن عمير بن عبد مناف بن هاشم بن عبد الدار فقتله قزمان، فحمله قاسط بن شرحبيل بن هاشم بن عبد الدار فقتله قزمان أيضا فحمله صؤاب- غلام لهم حبشي- فقالوا: لا نؤتينّ من قبلك فقطعت يمينه، فأخذ اللواء بشماله فقطعت، فالتزم القناة بصدره وعنقه وقال: اللهم هل أعززت؟ فقالوا: نعم، فرماه قزمان فقتله، وهو أثبت الأقاويل، فتفرّق المشركون، فأخذت اللواء عمرة بنت علقمة الحارثيّة فأقامته فثابوا عليه، وفي لفظ:
لأثوابه.
ولما قتل أصحاب اللواء انكشف المشركون منهزمين، لا يلوون على شيء، ونساؤهم يدعون بالويل، وتبعهم المسلمون يقتلونهم حيث شاءوا، حتى أجهضوهم عن العسكر.
قال الزبير بن العوام، والبراء بن عازب: لقد رأيتنا ننظر إلى خدم هند بنت عتبة، وصواحبها مشمرات هوارب يرفعن عن سوقهنّ، حتى بدت خلاخلهنّ، وانهزم القوم ما دون أخذهن قليل ولا كثير، وكانت الهزيمة لا شك فيها، ودخل المسلمون عسكر المشركين فانتهبوه.
ذكر ترك الرماة مكانهم الذي أقامهم فيه رسول الله ﷺ وما حصل بسبب ذلك
لما رأى أصحاب عبد الله بن جبير وهم الرّماة ما حصل للمشركين قالوا: أي قوم، الغنيمة الغنيمة، لم تقيمون هاهنا في غير شيء، قد هزم الله تعالى العدوّ، وهؤلاء إخوانكم قد ظهروا، وهم ينتهبون عسكرهم، فادخلوا عسكر المشركين فاغنموا مع إخوانكم، فقال عبد الله بن جبير ومن وافقه: ألم تعلموا
إن رسول الله ﷺ قال لكم: «احموا ظهورنا ولا تبرحوا من مكانكم، وإذا رأيتمونا نقتل، فلا تنصرونا، وإن غنمنا فلا تشركونا، احموا ظهورنا؟!»
فقال الآخرون: لم يرد رسول الله ﷺ هذا. وانطلقوا فلم يبق مع أميرهم عبد الله بن جبير إلا دون العشرة، وذهب الباقون إلى عسكر المشركين ينتهبون، فلما أتوهم صرفت وجوههم فأقبلوا منهزمين، ونظر خالد بن الوليد إلى الجبل وقلّة أهله، فكّرّ بالخيل وتبعه عكرمة بن أبي جهل- وأسلما بعد ذلك- فحملوا على من بقي من الرّماة فقتلوهم، وثبت أميرهم عبد الله، فقاتل حتى قتل، فجرّدوه ومثّلوا به أقبح مثله، وكانت الرماح قد شرعت في بطنه، حتى خرقت ما بين سرته إلى خاصرته إلى عانته، وخرجت حشوته، وأحاطوا بالمسلمين. فبينما المسلمون قد شغلوا بالنّهب والغنائم إذ دخلت الخيول تنادى فرسانها بشعارهم: يا للعزّى، يا لهبل، ووضعوا السيوف في المسلمين وهم آمنون وكلّ في يديه أو حضنه شيء قد انتهبه. ولما رأى المشركون خيلهم ظاهرة رجعوا فشدّوا على المسلمين فهزموهم، فقتلوا فيهم قتلا ذريعا، وتفرّق المسلمون
стр. 1656
في كل وجه، وتركوا ما انتهبوا، وخلّوا من أسروا، وانتقضت صفوف المسلمين، واستدارت رحاهم، وكانت الرّيح أول النهار صبا فصارت دبورا، وكرّ الناس منهزمين يحطم بعضهم بعضا، فصاروا ثلاثا: ثلثا جريحا، وثلثا منهزما، وثلثا مقتولا، وصرخ الشيطان- لعنه الله-: أي عباد الله، إخوانكم. فرجعت أولاهم، فاجتدلت هي وأخراهم، وهم يظنون أنهم من العدوّ. وكان غرض إبليس بذلك أن يقتل المسلمون بعضهم بعضا، وكان أول النهار للمسلمين على الكفار، كما قال تعالى: وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذا فَشِلْتُمْ وَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ما أَراكُمْ ما تُحِبُّونَ، مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ، ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ، وَلَقَدْ عَفا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ [آل عمران ١٥٢] .
فما كانت دولة أسرع من دولة المشركين. وصرخ الشيطان عند جبل عينين وقد تصوّر في صورة جعال بن سراقة ﵁: «إن محمدا قد قتل» ثلاث صرخات، ولم يشكّ فيه أنه حق وكان جعال إلى جنب أبي بردة يقاتل أشدّ القتال، فقال جماعة من المسلمين لما سمعوا ذلك:
إن كان رسول الله ﷺ قد قتل أفلا تقاتلون على دينكم، وعلى ما كان عليه نبيّكم، حتى تلقوا الله تعالى شهداء؟! وقال جماعة: ليت لنا رسولا إلى عبد الله بن أبيّ لنا أمانا من أبي سفيان، يا قوم إن محمدا قد قتل فارجعوا إلى قومكم، قبل أن يأتوكم فيقتلوكم، واختلط المسلمون، فصاروا يقتلون على غير شعار، ويضرب بعضهم، بعضا، من العجلة والدّهش وما يدري.
وتفرّق المسلمون في كل وجه، وانهزمت طائفة منهم حتى دخلت المدينة، فلقيتهم أمّ أيمن فجعلت تحثو في وجوههم التراب وتقول لبعضهم: «هاك المغزل فاغزل به، وهلمّ سيفك» .
ولمّا انكشف المسلمون عن رسول الله ﷺ ولم يبق منهم إلا نفر يسير لم يبق للمسلمين لواء قائم ولا فئة، وإن كانت خيل المشركين لتجوسهم مقبلة مدبرة في الوادي، يلتقون ولا يفترقون، ما يرون أحدا من الناس يردّهم، حتى رجعوا إلى معسكرهم، وأصعد بعض المسلمين في الجبل، واستشهد منهم من أكرمه الله تعالى بالشّهادة، ولما بلغ رسول الله ﷺ ما صرخ به الشّيطان قال: هذا إزب العقبة.
ذكر ثبات رسول الله ﷺ
روى البيهقي عن المقداد بن عمرو ﵁ فذكر حديثا في يوم أحد وقال:
فأوجعوا والله قتلا ذريعا، ونالوا من رسول الله ﷺ ما نالوا، ألا والذي بعثه بالحق إن زال رسول الله ﷺ شبرا واحدا، وإنه لفي وجه العدوّ ويفيء إليه طائفة من أصحابه مرّة، وتفترق
стр. 1657
مرّة عنه، فربما رأيته قائما يرمي عن قوسه، ويرمي بالحجر حتى تحاجزوا، وثبت رسول الله ﷺ في عصابة ثبتت معه.
وقال محمد بن عمر: ثبت رسول الله ﷺ مكانه ما يزول قدما واحدا، بل وقف في وجه العدو، وما يزال يرمي عن قوسه حتى تقطّع وتره، وبقيت في يده منه قطعة تكون شبرا في سية القوس، فأخذ القوس عكاشة بن محصن ليوتره له، فقال: يا رسول الله لا يبلغ الوتر، فقال:
«مدّه فيبلغ» ، قال عكّاشة: فو الذي بعثه بالحقّ لمددته حتى بلغ، وطويت منه ليّتين أو ثلاثا على سية القوس، ثم أخذ رسول الله ﷺ قوسه، فما زال يرمي به وأبو طلحة يستره متترّسا عنه حتى تحطّمت القوس، وصارت شظايا، وفنيت نبله، فأخذ القوس قتادة بن النعمان، فلم تزل عنده، ورمى رسول الله ﷺ بالحجارة، وكان أقرب الناس إلى العدوّ، وثبت معه ﷺ خمسة عشر رجلا: ثمانية من المهاجرين: أبو بكر، وعمر، وعلي، وطلحة، والزبير، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وأبو عبيدة بن الجراح. وسبعة من الأنصار: الحباب بن المنذر، وأبو دجانة، وعاصم بن ثابت، والحارث بن الصّمّة، وسهل بن حنيف وسعد بن معاذ- وقيل: سعد بن عبادة- ومحمد بن مسلمة. ويقال: ثبت بين يديه يومئذ ثلاثون رجلا كلّهم يقول: وجهي دون وجهك، ونفسي دون نفسك، وعليك السلام غير مودّع!
وروى الطبراني عن ابن عباس: أن ابن مسعود ثبت يومئذ مع رسول الله ﷺ ، وجعل رسول الله ﷺ لمّا انكشف الناس عنه إلى الجبل لا يلوون يدعوهم في أخراهم يقول: «إليّ يا فلان، أنا رسول الله» ، فما يعرّج عليه أحد، وهذا النّبل يأتيه ﷺ من كل ناحية، والله تعالى يصرف ذلك عنه.
وروي محمد بن عمر الأسلميّ عن نافع بن جبير قال: سمعت رجلاً من المهاجرين يقول: شهدت أحدا فنظرت إلى النّبل من كل ناحية، ورسول الله ﷺ وسطها، كل ذلك يصرف عنه. ولقد رأيت عبد الله بن شهاب الزهريّ يقول يومئذ: دلّوني على محمد، لا نجوت إن نجا. ورسول الله ﷺ إلى جنبه ما معه أحد، ثم جاوزه فعاتبه صفوان بن أمية في ذلك، فقال: والله ما رأيته، أحلف بالله إنّه منّا ممنوع، أما والله خرجنا أربعة فتعاهدنا، وتعاقدنا على قتله، فلم نخلص إليه.
قال ابن سعد: قال أبو النّمر الكنانيّ وهو جدّ شريك بن عبد الله بن أبي نمر: شهدت أحدا مع المشركين، ورميت يومئذ بخمس مرماة، فأصبت منها بأسهم، وإني لأنظر إلى رسول الله ﷺ وإن أصحابه لمحدقون به، وإنّ النّبل لتمر عن يمينه وعن شماله، [وتقصر] بين يديه، وتخرج من ورائه، ثم هداني الله للإسلام.
стр. 1658
وروى عبد الرزاق بسند مرسل قويّ عن الزهري قال: ضرب وجه رسول الله ﷺ يوم أحد سبعين ضربة بالسيف، وقاه الله شرّها كلّها.
قال الحافظ: ويحتمل أنه أراد بالسبعين حقيقتها، أو المبالغة في الكثرة. انتهى.
وبايعه يومئذ على الموت ثمانية: ثلاثة من المهاجرين، وهم: عليّ، والزبير، وطلحة.
وخمسة من الأنصار: أبو دجانة، والحارث بن الصّمّة، والحباب بن المنذر، وعاصم بن ثابت، وسهل بن حنيف، فلم يقتل منهم أحد.
وروى أبو يعلى بسند حسن، عن علي ﵁ قال: لما انجلى الناس عن رسول الله ﷺ يوم أحد نظرت في القتلى، فلم أر رسول الله ﷺ ، فقلت: والله ما كان ليفرّ وما أراه في القتلى، ولكن أرى الله تعالى غضب علينا بما صنعنا، فرفع نبيه ﷺ ، فما لي خير من أن أقاتل حتى أقتل، فكسرت جفن سيفي، ثم حملت على القوم فأفرجوا لي، فإذا أنا برسول الله ﷺ بينهم، أي يقاتلهم ﷺ .
ذكر تعظيم أجر رسول الله ﷺ بما فعله معه المشركون
تكاثر المشركون على رسول الله ﷺ ، وأرادوا قتله. رمى عتبة بن أبي وقاص- لعنه الله- رسول الله ﷺ بأربعة أحجار فكسر حجر منها رباعيته اليمنى السّفلى وجرح شفته السّفلى.
قال الحافظ: والمراد بكسر الرّباعية- وهي السّنّ التي بين الثّنيّة والتّاب- أنها كسرت فذهب منها فلقة، ولم تقلع من أصلها.
وروى عبد الرزاق في تفسيره عن مقسم إن رسول الله ﷺ دعا على عتبة بن أبي وقاص حين كسر رباعيته ورمى وجهه، فقال: اللهم لا يحول عليه الحول حتى يموت- كافرا، فما حال عليه الحول حتى مات كافرا إلى النار، ورواه أبو نعيم من وجه آخر عن ابن عباس
[ (١) ] .
وروى الحاكم عن حاطب بن أبي بلتعة ﵁: أنه لما رأى ما فعل عتبة برسول الله ﷺ قال: يا رسول الله من فعل بك؟ قال: «عتبة بن أبي وقّاص» . قلت: أين توجه؟ فأشار إلى حيث توجّه، فمضيت حتى ظفرت به فضربته بالسيف فطرحت رأسه، فأخذت رأسه وفرسه، وجئت إلى رسول الله ﷺ [فسلم] ذلك إليّ، ودعا لي فقال:
«رضي الله عنك» ،
مرتين [ (٢) ] .
стр. 1659
وروى الخطيب في تاريخ بغداد عن الحافظ محمد بن يوسف الفريابيّ قال: بلغني أن الذين كسروا رباعية رسول الله ﷺ لم يولد لهم صبيّ، فنبتت له رباعية.
قال السّهيليّ: ولم يولد من نسل عتبة ولد يبلغ الحلم إلّا وهو أهتم أبخر، يعرف ذلك في عقبه. وشجّه عبد الله بن شهاب الزّهريّ- وأسلم بعد ذلك- في وجهه، وسال الدم من الشّجّة حتى أخضل الدم لحيته الشريفة. نفسي له الفداء.
ورواه عبد الله بن قمئة- بفتح القاف وكسر الميم وبعدها همزة- فشجّ وجنته فدخلت حلقتان من حلق المغفر في وجنته. وعلاه بالسيف. وكان عليه درعان، فوقع ﷺ في حفرة أمامه على جنبه، وهي من الحفر التي عملها أبو عامر الفاسق ليقع فيها المسلمون وهم لا يعلمون، فأغمي عليه ﷺ ، كما رواه ابن جرير عن قتادة، فأخذ علي بن أبي طالب بيده، ورفعه طلحة حتى استوى قائما فجحشت ركبتاه، ولم يصنع سيف ابن قمئة شيئا إلا وهن الضربة بثقل السيف، ومكث يجد وهن الضّربة على عاتقه شهرا، أو أكثر من شهر. ورمته جماعة كثيرة بالحجارة حتى وقع لشقّه.
وروى الطبراني عن أبي أمامة ﵁: أن ابن قمئة لمّا رمى رسول الله ﷺ ، قال: خذها وأنا ابن قمئة، فقال رسول الله ﷺ : «أقمأك الله» ، فسلّط الله تعالى عليه تيس جبل، فلم يزل ينطحه حتى قطّعه قطعة قطعة [ (١) ] .
وروى أبو نعيم عن نافع بن عاصم قال: الذي أدمى وجه رسول الله ﷺ عبد الله بن قمئة رجل من هذيل، فسلّط الله تعالى عليه تيسا، فنطحه حتى قتله.
وروى أبو داود الطيالسي وابن حبان عن عائشة قالت: كان أبو بكر إذا ذكر يوم أحد قال: ذلك اليوم كلّه لطلحة، ثم أنشأ يحدّث قال: كنت ممن فاء إلى رسول الله ﷺ يوم أحد فرأيت رجلا يقاتل مع رسول الله ﷺ دونه- قال: وأراه قال يحميه- قال: قلت: كن طلحة حيث فاتني ما فاتني، فقلت: يكون رجلا من قومي أحبّ إليّ، وبيني وبين رسول الله ﷺ رجل لا أعرفه، وأنا أقرب إلى رسول الله ﷺ منه، وهو يخطف خطفا لا أخطفه، فإذا هو أبو عبيدة بن الجراح، فانتهيت إلى رسول الله ﷺ ، وقد كسرت رباعيته، وشجّ وجهه، وقد دخل في وجنته حلقتان من حلق المغفر،
فقال رسول الله ﷺ : عليكما صاحبكما، يريد طلحة،
وقد نزف الدّم فتركناه، وذهبت لأنزل ذلك من وجه رسول الله ﷺ ، فقال أبو عبيدة:
أقسمت عليك بحقّي لما تركتني، فتركته، وكره أن يتناولها بيده فيؤذي رسول الله ﷺ ، فأزم
стр. 1660
عليها بفيه فاستخرج إحدى الحلقتين، ووقعت ثنيّته مع الحلقة، وذهبت لأصنع ما صنع، فقال: أقسمت عليك بحقي لما تركتني، ففعل كما فعل في المرة الأولى، فوقعت ثنيّته الأخرى مع الحلقة، فكان أبو عبيدة من أحسن الناس هتما، فأصلحنا من شأن رسول الله ﷺ ، ثم أتينا طلحة في بعض تلك الحفر، فإذا به بضع وسبعون أو أقل أو أكثر من طعنة وضربة ورمية، وإذا قد قطعت إصبعه فأصلحنا من شأنه [ (١) ] .
وذكر محمد بن عمر أن طلحة أصيب يومئذ في رأسه، فنزف الدم حتى غشي عليه، فنضح أبو بكر الماء في وجهه حتى أفاق فقال: ما فعل رسول الله ﷺ ؟ فقال: خيرا، هو أرسلني إليك، قال: الحمد لله، كلّ مصيبة بعده جلل.
وفي حديث أبي سعيد الخدري عن محمد بن عمر: أنّ الحلقتين لمّا نزعتا جعل الدم يسرب كما يسرب الشّنّ، فجعل مالك بن سنان يأخذ الدم بفيه ويمجّه منه ويزدرد منه، فقال له: «أتشرب الدّم؟» قال: نعم يا رسول الله، فقال رسول الله ﷺ : «من مسّ دمه دمي لم تصبه النّار» .
وترّس دون رسول الله ﷺ أبو دجانة بنفسه، يقع النّبل في ظهره وهو ينحني عليه، حتى كثر عليه النبل وهو لا يتحرك.
وقاتل عبد الرحمن بن عوف قتالا شديدا عن رسول الله ﷺ ، وأصيب فوه فهتم، وجرح عشرين جراحة أو أكثر، وجرح في رجله، وكان يعرج منها. وروى ذلك الحاكم عن إبراهيم بن سعد. وقاتل سعد بن أبي وقاص عن رسول الله ﷺ قتالا شديدا.
روى الحاكم عن عائشة بنت سعد عن أبيها قال: لما جال النّاس يوم أحد تلك الجولة تنحّيت فقلت: أذود عن نفسي، فإمّا أنجو وإما أن أستشهد، فإذا رجل محمرّ وجهه قد كاد المشركون أن يركبوه، فملأ يده من الحصا فرماهم به، وإذا بيني وبينه المقداد، فأردت أن أسأله عن الرّجل، فقال لي: «يا سعد هذا رسول الله ﷺ يدعوك» فقمت ولكأنه لم يصبني شيء من الأذى، فأتيته فأجلسني أمامه فجعلت أرمي وأقول: «اللهم سهمك فارم به عدوّك»
ورسول الله ﷺ يقول: «اللهم استجب لسعد، اللهم سدّد لسعد رميته، إيها سعد، فداك أبي وأمي» ، فما من سهم أرمي به إلّا قال رسول الله: «اللهم سدد رميته، وأجب دعوته» ،
حتى إذا فرغت من كنانيّ نثر رسول الله ﷺ ما في كنانته فنبلني سهما نضيّا قال وهو الذي قد ريش وكان أسدّ من غيره [ (٢) ] .
стр. 1661
قال الزّهريّ: «السّهام التي رمي بها سعد يومئذ كانت ألف سهم» .
وروى ابن عائذ عن يحيى بن حمزة مرسلا، عن سعد بن أبي وقاص قال: رميت بسهم فردّ على رسول الله ﷺ وسهمي أعرفه، حتى واليت بين ثمانية أو تسعة، كل ذلك يردّه على رسول الله ﷺ فجعلت هذا السهم في كنانتي لا يفارقني.
وروى البخاري والحسن بن عرفة، عن سعد قال: نثل لي رسول الله ﷺ كنانته يوم أحد، وقال: «ارم فداك أبي وأمّي» .
روى البخاري عن علي ﵁ قال: ما سمعت رسول الله ﷺ جمع أبويه لأحد إلا لسعد بن مالك،
سمعته يقول يوم أحد: «يا سعد ارم فداك أبي وأمّي» .
وروى أيضا عن سعد قال: «لقد جمع لي رسول الله ﷺ يوم أحد بين أبويه كليهما، يريد حين
قال: «فداك أبي وأمي، وهو يقاتل»
[ (١) ] .
قال محمد بن عمر ﵀: كان رجال من المشركين قد أذلقوا المسلمين بالرّمي منهم حبان بن العرقة، وأبو أسامة الجشميّ.
فجعل رسول الله ﷺ يقول لسعد: «ارم فداك أبي وأميّ»
ورمى حبّان بسهم فأصاب ذيل أم أيمن وكانت تسقي الجرحى، فانكشف عنها فاستغرب عدوّ الله في الضحك، فشق ذلك على رسول الله ﷺ
فدفع إلى سعد [بن أبي وقّاص سهما] لا نصل له، فقال: «ارم به» ، فوقع السهم في ثغرة نحر حبّان، فوقع مستلقيا وبدت عورته، فضحك رسول الله ﷺ حتى بدت نواجذه، ثم قال: «استقاد لها سعد أجاب الله دعوتك وسدّد رميتك» .
وكان مالك بن زهير أخو أبي أسامة الجشميّ وهو وحبّان بن العرقة قد أكثرا في المسلمين القتل بالنّبل، فرمى سعد مالكا بسهم أصاب عينه، حتى خرج من قفاه وقتله. وقاتلت أمّ عمارة نسيبة- وهي بمهملة وموحدة مصغر على المشهور، وعن ابن معين والفربري ككريمة- بنت كعب المازنيّة يومئذ، فلما انهزم المسلمون انحازت إلى رسول الله ﷺ ، وباشرت القتال، وجعلت تذبّ عنه بالسيف، وترمي عن القوس. ولما قصد ابن قمئة رسول الله ﷺ اعترضت له ومصعب بن عمير، وضربت ابن قمئة ضربات، ولكن عدوّ الله كان عليه درعان، وضربها هو بالسيف فجرحها جرحا عظيما، صار له فيما بعد غور.
فقال رسول الله ﷺ :
«لمقام نسيبة بنت كعب اليوم خير من مقام فلان وفلان» وقال: «ما التفتّ يمينا ولا شمالا إلا وأنا أراها تقاتل دوني» . وقال لابنها عبد الله بن زيد بن عاصم:
«بارك الله
стр. 1662
تعالى عليكم أهل بيت، مقام أمّكم خير من مقام فلان وفلان، ومقام زوج أمك غزيّة بن عمرو خير من مقام فلان وفلان، رحمكم الله أهل بيت» .
قالت أمّ عمارة: «ادع الله تعالى أن نرافقك في الجنة» ، قال: «اللهم اجعلهم رفقائي في الجنة» .
قالت: «ما أبالي ما أصابني من أمر الدنيا» .
قال البلاذريّ: شهدت نسيبة يوم أحد وزوجها وابناها، وخرجت معها بشنّ لها تسقي الجرحى، فقاتلت وجرحت اثني عشر رجلا بسيف ورمي، وكانت أول النهار تسقي المسلمين، والدّولة لهم، ثم قاتلت حين كرّ المشركون، وقاتلت يوم اليمامة فقطعت يدها وهي تريد مسيلمة الكذاب لتقتله. قالت: «ما كانت لي ناهية حتى رأيت الخبيث مقتولا وإذا ابني عبد الله بن زيد يمسح سيفه بثيابه، فقلت: أقتلته؟ قال: نعم، فسجدت لله شكرا» .
وروى ابن سعد عن موسى بن ضمرة بن سعيد عن أبيه قال: أتى عمر بن الخطاب بمروط وفيها مرط جيّد واسع، فقال بعضهم: لو أرسلت به إلى زوجة عبد الله بن عمر صفية بنت أبي عبيد. فقال: «ابعثوا به إلى من هو أحق به منها، إلى أمّ عمارة نسيبة بنت كعب،
فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ما التفتّ يمينا ولا شمالا يوم أحد إلا رأيتها تقاتل دوني» [ (١) ] .
وانحاز ﷺ إلى الجبل لينظر أمر الناس، وليعرفه أصحابه، فيقصدوه، فأدركه المشركون يريدون ما الله تعالى حائل بينه وبينهم، فدثّه جماعة بالحجارة حتى وقع لشقّه.
وروى النسائي والبيهقي بسند جيد عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: انهزم الناس عن رسول الله ﷺ يوم أحد، وبقي معه أحد عشر رجلا من الأنصار، وطلحة بن عبيد الله، وهو يصعد في الجبل، فلحقهم المشركون، فقال: «ألا أحد لهؤلاء؟» فقال طلحة:
أنا يا رسول الله، فقال رسول الله ﷺ : «كما أنت يا طلحة» ، فقال رجل من الأنصار: فأنا يا رسول الله. فقاتل عنه، وصعد رسول الله ﷺ ومن بقي معه من أصحابه، ثم قتل الأنصاريّ، فلحقوه فقال: «ألا رجل لهؤلاء؟» فقال طلحة مثل قوله، فقال رسول الله ﷺ مثل قوله، فقال رجل من الأنصار: فأنا يا رسول الله، فقاتل وأصحابه يصعدون في الجبل، ثم قتل الأنصاريّ، فلحقوه، فلم يزل يقول مثل قوله الأول، ويقول طلحة: أنا يا رسول الله فيحبسه، ويستأذنه رجل من الأنصار للقتال، فيأذن له، فيقاتل مثل من كان قبله حتى لم يبق معه إلا طلحة، فغشوهما، فقال رسول الله ﷺ : «من لهؤلاء يا طلحة؟» فقال: أنا، فقاتل مثل قتال جميع من كان قبله، وأصيبت أنامله، فقال: حسّ، فقال: لو قلت: بسم الله لرفعتك الملائكة، والناس ينظرون إليك حتى تلج بك في جوّ السماء.
стр. 1663
وروى الإمام أحمد، ومسلم، عن أنس بن مالك ﵁: أن المشركين لما أرهقوا رسول الله ﷺ وهو في سبعة من الأنصار ورجل من قريش قال: من يردّهم عنّا وهو رفيقي في الجنة؟ فجاء رجل من الأنصار فقاتل حتى قتل، ثم رهقوه أيضا، فقال: من يردّهم عنّا وله الجنة؟ - أو هو رفيقي الجنة؟ - فتقدّم رجل من الأنصار فقاتل، حتى قتل السبعة، فقال رسول الله ﷺ : «ما أنصفنا أصحابنا» [ (١) ] .
وروى البخاري عن قيس بن أبي حازم قال: رأيت يد طلحة بن عبيد الله شلّاء وقى بها النبي ﷺ يوم أحد.
وروى الدّارقطنيّ في الإفراد، والطبراني عن طلحة. والنسائيّ، والطبراني، والبيهقي عن جابر بن عبد الله ﵃: أنّ طلحة أصابه سهم في أنامله فقال: حسّ. فقال رسول الله ﷺ : «لو قلت بسم الله لطارت بك الملائكة والناس ينظرون حتى تلج بك في جوّ السماء، ولرأيت بناءك الذي بنى الله لك في الجنّة وأنت في الدنيا» [ (٢) ] .
وروى ابن أبي شيبة والإمام أحمد عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: إن النساء يوم أحد كنّ خلف المسلمين يجهزن على جرحى المشركين، فلو حلفت يومئذ لرجوت أن أبرّ أنه ليس أحد منّا يريد الدنيا، حتى أنزل الله تعالى: مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ [آل عمران ١٥٢] فلما خالف أصحاب رسول الله ﷺ وعصوا ما أمروا به أفرد رسول الله ﷺ في تسعة: سبعة من الأنصار، ورجلين من قريش، وهو عاشرهم، فلما رهقوه قال: رحم الله ردّهم عنّا فذكر نحو الحديث الذي قبله.
وقال ابن إسحاق: أن رسول الله ﷺ حين غشيه القوم قال: «من رجل يشري لنا نفسه؟» فقام زياد بن السكن في خمسة من الأنصار- وبعض الناس يقول: إنما هو عمارة بن يزيد بن السّكن-، فقاتلوا دون رسول الله ﷺ رجلا رجلا يقتلون دونه، حتى كان آخرهم زيادا أو عمارة، فقاتل حتى أثبتته الجراحة، ثم فاءت فئة من المسلمين فأجهضوهم عنه، فقال رسول الله ﷺ : «أدنوه منّي» ، فأدنوه منه فوسّده قدمه، فمات وخدّه على قدم رسول الله ﷺ ، وبه أربع عشرة جراحة.
وقاتل علي بن أبي طالب عن رسول الله ﷺ من ناحية، وأبو دجانة من ناحية، وسعد بن أبي وقاص من ناحية، وانفرد علي بن أبي طالب بفرقة فيها عكرمة بن أبي جهل،
стр. 1664
فدخل وسطهم بالسّيف يضرب به وقد اشتملوا عليه، حتى أفضى إلى آخرهم، ثم كرّهم ثانيا حتى رجع من حيث جاء. وكان الحباب بن المنذر يجوس المشركين كما تجاس الغنم، ثم اشتملوا عليه حتى قيل قد قتل، ثم برز والسّيف في يده، وافترقوا عنه. وأبلى أبو طلحة يومئذ بلاء شديدا [ (١) ] .
وروى الشيخان ومحمد بن عمر الأسلمي، عن أنس ﵁ قال: لما كان يوم أحد انهزم الناس عن رسول الله ﷺ ، وأبو طلحة بين يدي رسول الله ﷺ يجوب عنه بحجفته- وفي لفظ: يجوب عليه بحجفته- وكان أبو طلحة رجلا راميا شديد الرّمي- وفي لفظ: النّزع- فنثر كنانته بين يدي رسول الله ﷺ ، فلم يزل يرمي بها، وكسر يومئذ قوسين أو ثلاثة، وكان الرجل يمرّ بالجعبة من النّبل،
فيقول ﷺ : «انثرها لأبي طلحة» ،
ويشرف رسول الله ﷺ ينظر إلى القوم، فيقول أبو طلحة: يا نبي الله، بأبي أنت وأمي، لا تشرف يصبك سهم من سهام القوم، نحري دون نحرك! [ (٢) ]
ذكر إرسال الله تعالى النعاس على المسلمين الذين ثبتوا مع رسول الله ﷺ
روى الإمام أحمد والبخاريّ والحاكم عن أبي طلحة والبخاري عن أنس عن أبي طلحة، قال أبو طلحة: كنت فيمن يغشاه النّعاس يوم أحد حتى سقط سيفي من يدي مرارا من النّعاس، الذي ألقاه الله تعالى عليهم أمنة منه، يسقط وآخذه، وجعلت أنظر وما منهم أحد إلا وهو يميد تحت حجفته من النّعاس.
وروى الطبراني في الأوسط عن عبد الرحمن بن عوف ﵁ قال: ألقي علينا النّوم يوم أحد.
وروى ابن جرير عن ابن عباس ﵄ قال: آمنهم الله تعالى يومئذ بنعاس غشّاهم، وإنما ينعس من يأمن.
وروى ابن جرير، عن ابن مسعود ﵁ قال: النّعاس عند القتال أمنة من الله، والنّعاس في الصلاة من الشّيطان.
وروى محمد بن عمر الأسلمي عن أبي اليسر- بفتح التحتية والسين المهملة- واسمه كعب بن عمرو الأنصاري ﵁ قال: لقد رأيتني يومئذ في أربعة عشر رجلا من قومي
стр. 1665
إلى جنب رسول الله ﷺ وقد أصابنا النعاس أمنةً منه، ما منهم أحد إلا يغطّ غطيطا، حتى أن الحجف لتتناطح، ولقد رأيت سيف بشر بن البراء بن معرور سقط من يده، وما يشعر، حتى أخذه بعد ما تثلّم، وأن المشركين لتحتنا.
وروى الإمام إسحاق بن راهويه عن الزبير بن العوام ﵁ قال: والله إنّ النّعاس ليغشاني. وفي رواية: لقد رأيتني مع رسول الله ﷺ يوم أحد حين اشتدّ علينا الخوف، وأرسل علينا النوم، فما منا أحد إلا وذقنه في صدره، فو الله إني لأسمع كالحلم قول معتّب بن قشير:
«لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا ههنا» فحفظتها، فانزل الله تعالى في ذلك: ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً إلى قوله: ما قُتِلْنا هاهُنا [آل عمران ١٥٤] كقول معتّب بن قشير.
قال محمد بن إسحاق: أنزل الله تعالى النعاس أمنةً منه لأهل اليقين، فهم نيام لا يخافون، والذين أهّمتهم أنفسهم أهل النفاق في غاية الخوف والذّعر.
ذكر ما جاء في حضور الملائكة وقتالهم يوم أحد
روى أبو داود الطّيالسيّ والشيخان عن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: رأيت عن يمين رسول الله ﷺ وعن شماله يوم أحد رجلين عليهما ثياب بيض يقاتلان عنه كأشدّ القتال، وما رأيتهما قبل ولا بعد، يعني جبريل وميكائيل. ورواه البيهقي. ثم روى مجاهد، قال:
لم تقاتل الملائكة إلا يوم بدر قال البيهقيّ: مراده لم يقاتلوا يوم أحد عن القوم حين عصوا رسول الله ﷺ ، ولم يصبروا على ما أمرهم به.
روى محمد بن عمر عن شيوخه في قوله تعالى: بَلى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا الآية لم يصبروا وانكشفوا فلم يمدّوا.
وروي أيضا عنهم قالوا: قتل مصعب بن عمير فأخذ اللّواء ملك في صورة مصعب، وحضرت الملائكة يومئذ ولم تقاتل.
وروى الطبراني وابن منده وابن عساكر من طريق محمود بن لبيد، قال الحارث بن الصّمّة: سألني رسول الله ﷺ ، وهو في الشعب عن عبد الرحمن بن عوف، فقلت: رأيته إلى جنب الجبل، فقال: «إن الملائكة تقاتل معه» . قال الحارث: فرجعت إلي عبد الرحمن فوجدت بين يديه سبعة صرعى، فقلت: ظفرت يمينك، أكلّ هؤلاء قتلت؟ قال: «أما هذا وهذا فأنا قتلتهما، وأمّا هؤلاء فقتلهم من لم أره» . فقلت: صدق الله ورسوله.
وروى ابن سعد عن عبد الله بن الفضل بن عباس بن ربيعة بن الحارث بن
стр. 1666
عبد المطلب، قال: أعطى رسول الله ﷺ يوم أحد مصعب بن عمير اللّواء فقتل مصعب، فأخذه ملك في صورة مصعب
فجعل رسول الله ﷺ يقول: «تقدّم يا مصعب» .
فالتفت إليه الملك فقال: لست بمصعب، فعرف رسول الله ﷺ أنه ملك أيّد به.
وقال ابن أبي شيبة في المصنف: حدّثنا زيد بن الحباب عن موسى بن عبيدة: حدثني محمد بن ثابت إن رسول الله ﷺ قال يوم أحد: أقدم يا مصعب، فقال له عبد الرحمن بن عوف: يا رسول الله ألم يقتل مصعب؟ قال: «بلى، ولكن ملك قام مكانه، وتسمّى باسمه» [ (١) ] .
وروى ابن عساكر عن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: لقد رأيتني أرمي بالسهم يوم أحد فيردّه عليّ رجل أبيض حسن الوجه لا أعرفه، حتى كان بعد فظننت أنّه ملك.
وروى ابن إسحاق والبيهقي وابن عساكر عن عبد الله بن عون عن عمير بن إسحاق قال: لما كان يوم أحد انكشفوا عن رسول الله وسعد يرمي بين يديه، وفتى ينبّل له، كلما ذهب نبله أتاه بها، قال: ارم أبا إسحاق، فلما فرغوا نظروا من الشّابّ فلم يروه، ولم يعرف.
وروى البيهقي عن عروة في قوله تعالى: وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ [آل عمران ١٥٢] قال: كان الله تعالى وعدهم على الصّبر والتّقوى أن يمدّهم بخمسة آلاف من الملائكة مسوّمين، وكان قد فعل، فلما عصوا أمر رسول الله ﷺ وتركوا مصافّهم، وتركت الرّماة عهد رسول الله ﷺ : ألّا يبرحوا من منازلهم، وأرادوا الدّنيا، رفع عنهم مدد الملائكة، وأنزل الله تعالى: وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ فصدق الله وعده وأراهم الفتح، فلما عصوا أعقبهم البلاء.
ذكر رجوع بعض المسلمين بعد توليهم إلى رسول الله ﷺ
روى ابن المنذر عن كليب بن شهاب قال: خطبنا عمر فكان يقرأ على المنبر آل عمران ويقول: إنها أحديّة فلما انتهى إلى قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ [آل عمران ١٥٥] قال: لما كان يوم أحد هزمنا ونفرت، حتى صعدت في الجبل، فلقد رأيتني أنزو كأنّني أروي، فسمعت يهوديّا يقول: قتل محمد، فقلت: لا أسمع أحدا يقول: قتل محمد إلّا ضربت عنقه، فنظرت فإذا رسول الله ﷺ والناس يتراجعون إليه.
قال ابن إسحاق: وكان أول من أقبل من المسلمين بعد التّولية قيس بن محرّث، ويقال:
قيس بن الحارث بن عديّ بن جشم مع طائفة من الأنصار، فصادفوا المشركين فدخلوا
стр. 1667
حومتهم، فما أفلت منهم رجل حتى قتل، ولقد ضاربهم قيس حتى قتل نفرا، فما قتلوه إلا بالرّماح، نظموه، ووجد به أربع عشرة طعنة، قد جافته، وعشر ضربات في بدنه.
ونادى الحباب بن المنذر: يا آل سلمة، فأقبلوا عليه عنقا واحدا: لبيك داعي الله.
وكان عباس بن عبادة بن نضلة- بالنون والضاد المعجمة- وخارجة بن زيد، وأوس ابن أرقم، يرفعون أصواتهم، فيقول عباس: يا معشر المسلمين: الله ونبيّكم، هذا الذي أصابكم بمعصية نبيّكم، فوعدكم النصر ما صبرتم، ثم نزع مغفره وخلع درعه، وقال لخارجة بن زيد:
هل لك فيها؟ قال: لا، أنا أريد الذي تريد، فخالطوا القوم جميعا، وعبّاس يقول: ما عذرنا عند ربّنا إن أصيب رسول الله ﷺ ، ومنّا عين تطرف؟ فيقول خارجة: لا عذر لنا عند ربّنا ولا حجّة. فقتل سفيان بن عبد شمس عبّاسا، وأخذت خارجة بن زيد الرماح فجرح بضعة عشر جرحا، وأجهز عليه صفوان بن أمية- وأسلم صفوان بعد ذلك- وقتل أوس بن أرقم ﵁.
ومر مالك بن الدخشم على خارجة بن زيد [بن أبي زهير] وهو قاعد في حشوته وبه ثلاثة عشر جرحا كلها خلصت إلى مقتل، فقال: أما علمت أن محمدا قد قتل؟ فقال خارجة:
إن رسول الله ﷺ قد قتل فإن الله حي لا يموت، فقد بلغ رسول الله ﷺ رسالة ربّه، فقاتل عن دينك!.
ومرّ على سعد بن الرّبيع وبه اثنتا عشرة جراحة كلّها قد خلص إلى مقتل، فقال:
أعلمت إن محمدا قد قتل؟ فقال سعد: أشهد أن محمدا ﷺ قد بلّغ رسالة ربه، فقاتل عن دينك، فإن الله تعالى حي لا يموت! قالوا: وكان أول من عرف رسول الله ﷺ بعد أن انهزم المسلمون وقول النّاس: قتل رسول الله- كما ذكر الزّهريّ- كعب بن مالك، قال: رأيت عيني رسول الله ﷺ تزهران من تحت المغفر، فناديت بأعلى صوتي: يا معشر المسلمين أبشروا هذا رسول الله ﷺ ، فأشار إلي أن اسكت، ودعا بلأمة كعب، وكانت صفراء أو بعضها، فلبسها ونزع لأمته فلبسها كعب، وقاتل كعب حتى جرح سبع عشرة جراحة، لشدة قتاله.
وروى الطبراني بسند رجاله ثقات، عن كعب بن مالك ﵁ قال: لما كان يوم أحد وصرنا إلى الشّعب كنت أول من عرف رسول الله ﷺ ، فقلت:
هذا رسول الله ﷺ ، فأشار إلي بيده أن اسكت، ثم ألبسني لأمته ولبس لأمتي، فلقد ضربت حتى جرحت عشرين جراحة- أو قال: بضع وعشرين جراحة- كلّ من يضربني يحسبني رسول الله ﷺ ، فلما عرف المسلمون رسول الله ﷺ أقبلوا عليه. ولما رأوه سالما
стр. 1668
كأنهم لم يصبهم شيء حين رأوه، وفرحوا بذلك فرحا شديدا، فلما عرف المسلمون رسول الله ﷺ نهضوا به، ونهض معهم نحو الشّعب ومعه أبو بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وطلحة بن عبيد الله، والزبير بن العوام، والحارث بن الصّمّة، ورهط من المسلمين.
ذكر قتله ﷺ أبي بن خلف عدو الله تعالى
روى البيهقي عن سعيد بن المسيب، وأبو نعيم عن عروة: أن أبي بن خلف قال حين افتدى من الأسر ببدر: والله إن عندي العود- فرسا- أعلفها كلّ يوم فرقا من ذرة، ولأقتلنّ عليها محمدا،
فبلغ رسول الله ﷺ ، فقال: «بل أنا أقتله إن شاء الله» .
انتهى. وقيل: إنه كان يقول ذلك للنبي ﷺ بمكة قبل الهجرة،
فلما كان يوم أحد قال رسول الله ﷺ لأصحابه:
«إني أخشى أن يأتي أبي بن خلف من خلفي، فإذا رأيتموه فآذنوني به» ،
وكان رسول الله ﷺ لا يلتفت في القتال وراءه، فلما أسند رسول الله ﷺ في الشّعب أدركه، وهو مقنّع في الحديد يركض على فرسه، وقد رأى رسول الله ﷺ وهو يقول: أين محمد؟ لا نجوت إن نجا. فاستقبله مصعب بن عمير يقي رسول الله ﷺ بنفسه، فقتل مصعبا، فقال القوم: يا رسول الله ﷺ كنت صانعا حين يغشاك أبيّ فقد جاءك، فإن شئت يعطف عليه رجل منّا،
وفي رواية: فاعترض له رجال من المؤمنين، فقال رسول الله ﷺ : «دعوه وخلّوا طريقه» ،
فلما دنا من رسول الله ﷺ ، قال: «يا كذاب، أين تفرّ؟» فتناول رسول الله ﷺ الحربة من الحارث بن الصّمّة، ويقال: من الزبير بن العوام، فلما أخذها رسول الله ﷺ انتفض بها انتفاضة تطاير عنه أصحابه تطاير الشّعراء من ظهر البعير إذا انتفض بها، ولم يكن أحد يشبه رسول الله ﷺ إذا جدّ الجدّ، ثم استقبله بها فطعنه في عنقه- وفي لفظ: في ترقوته من فرجة سابغة البيضة والدّرع- طعنة تدأدأ منها مرارا عن فرسه، وجعل يخور كما يخور الثّور، وفي لفظ: فخدشه في عنقه خدشا غير كبير فاحتقن الدم، وفي لفظ: أنه كسر ضلعا من أضلاعه فرجع إلى قومه، فقال: قتلني والله محمد! فقالوا: ذهب والله فؤادك، والله إن بك بأس، وما أجزعك، إنما هو خدش، ولو كان هذا الذي بك بعين أحدنا ما ضرّه. فيقول: لا واللّات والعزّى، لو كان هذا الذي بي بأهل ذي المجاز- وفي لفظ: بربيعة ومضر- لماتوا أجمعون، أنه قد كان قال لي بمكة: أنا أقتلك، فو الله لو بصق عليّ لقتلني. فمات عدوّ الله بسرف وهم قافلون.
وقال رسول الله ﷺ يومئذ: «اشتد غضب الله على رجل قتله رسول الله ﷺ ، فسحقا لأصحاب السّعير» .
وروى محمد بن عمر الأسلمي عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: مات أبي بن خلف ببطن رابغ، فإنّي لأسير بعد هويّ
стр. 1669
من الليل إذا نار تأجّج لي فهبتها فإذا رجل يخرج منها في سلسلة يجتذبها يصيح: العطش! وإذا رجل يقول: لا تسقه، فإن هذا قتيل رسول الله ﷺ .
وقال حسان بن ثابت ﵁ في ذلك:
لقد ورث الضّلالة عن أبيه ... أبيّ يوم بارزه الرّسول
أتيت إليه تحمل رمّ عظم ... وتوعده وأنت به جهول
وقد قتلت بنو النّجّار منكم ... أميّة إذ يغوّث: يا عقيل
وتبّ ابنا ربيعة إذ أطاعا ... أبا جهل، لأمّهما الهبول
وأفلت حارث لمّا شغلنا ... بأسر القوم، أسرته قليل
وقال حسان أيضا في ذلك:
إلا من مبلغ عنّي أبيّا ... لقد ألقيت في حقّ السّعير
تمنّي بالضّلالة من بعيد ... وتقسم أن قدرت مع النّذور
تمنّيك الأماني من بعيد ... وقول الكفر يرجع في غرور
فقد لاقتك طعنة ذي حفاظ ... كريم البيت ليس بذي فجور
له فضلٌ على الأحياء طرّا ... إذا نابت ملمّات الأمور
ذكر مقتل عثمان بن عبد الله بن المغيرة المخزومي
قال محمد بن عمر: أقبل عثمان بن عبد الله [بن المغيرة المخزومي] على فرس أبلق وعليه، لأمة كاملة، يريد رسول الله ﷺ وهو متوجّه إلى الشّعب وهو يصيح: لا نجوت إن نجوت. فوقف رسول الله ﷺ فعثر بعثمان فرسه في بعض تلك الحفر، فوقع وخرج الفرس عائرا، فأخذه المسلمون، ومشى الحارث بن الصّمّة إليه فاصطدما ساعة بسيفيهما، ثم ضربه الحارث على رجله [وكانت الدّرع مشمّرة] فبرك وذفّف عليه، وأخذ الحارث يومئذ درعه ومغفره، ولم يسمع بأحد سلب يومئذ غيره،
فقال رسول الله ﷺ : الحمد لله الذي أحانه.
وكان عبد الله بن جحش ﵁ أسره ببطن نخلة، فافتدى من رسول الله ﷺ ، وعاد إلى مكة حتى قدم، فقتله الله تعالى بأحد.
وأقبل عبيد بن حاجز العامريّ يعدو كأنه سبع فضرب الحارث بن الصّمّة فجرحه على عاتقه، فاحتمله أصحابه، ووثب أبو دجانة إلى عبيد فناوشه ساعة، ثم ذبحه بالسّيف ذبحا ولحق برسول الله ﷺ .
ذكر انتهائه ﷺ إلى الشعب وما داوى به جرحه
ولما انتهى رسول الله ﷺ إلى فم الشّعب خرج علي بن أبي طالب حتّى ملأ درقته
стр. 1670
من المهراس، فجاء بها إلى رسول الله ﷺ ليشرب منه، فوجد له ريحا، فعافه فلم يشرب منه، وغسل عن وجهه الدّم، وصبّ على رأسه
وهو يقول: «اشتد غضب الله على من أدمى وجه نبيه ﷺ » .
وخرج محمد بن مسلمة يطلب من النّساء ماء فلم يجد عندهنّ ماء، وكان رسول الله ﷺ قد عطش عطشا شديدا، فذهب محمد إلى قناة حتى استقى، فأتى بماء عذب فشرب رسول الله ﷺ ، ودعا له بخير.
وروى الشيخان والبيهقي والطبرانيّ واللفظ له عن سهل بن سعد ﵁: أن وجه رسول الله ﷺ جرح يوم أحد، وكسرت رباعيته، وهشّمت البيضة على رأسه، وانصرف المشركون، فخرج النساء إلى الصحابة، فكانت فاطمة فيمن خرج، فلما لقيت رسول الله ﷺ اعتنقته، وجعلت تغسل جراحته وعلي يسكب الماء بالمجنّ فتزايد الدّم، فلما رأت ذلك أخذت شيئا من حصير، فأحرقته بالنّار حتى صار رمادا، فأخذت ذلك الرّماد وكمّدته حتى لصق بالجرح، فاستمسك الدّم [ (١) ] .
وروى أبو سليمان الجوزجاني عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف ﵄:
أن رسول الله ﷺ داوى جرحه يوم أحد بعظم بال، قال في البداية: هذا حديث غريب.
ذكر إرادته ﷺ صعود صخرة في الشعب لينظر حال الناس
روى ابن إسحاق والإمام أحمد والترمذي، عن الزبير بن العوام ﵁، قال:
رأيت رسول الله ﷺ حين ذهب لينهض إلى الصّخرة من الجبل ليعلوها وقد كان بدّن رسول الله ﷺ ، وظاهر بين درعين، فلما ذهب لينهض لم يستطع، فجلس تحته طلحة بن عبيد الله فنهض به حتى استوى عليها،
فقال رسول الله ﷺ : «أوجب طلحة حين صنع برسول الله ﷺ ما صنع» [ (٢) ] .
ذكر استنصاره ﷺ ربه ﵎
قال ابن إسحاق وابن جريج فيما رواه ابن المنذر وابن جرير وابن أبي حاتم: أن رسول الله ﷺ بينما هو في الشعب مع أولئك النفر من أصحابه، إذ علت عالية من المشركين: خالد بن الوليد ونفر معه الجبل، فقال رسول الله ﷺ : «اللهم لا قوّة لنا إلا بك، وليس أحد يعبدك بهذه البلدة غير هؤلاء النّفر فلا تهلكهم، اللهمّ إنه لا ينبغي لهم أن يعلونا.
стр. 1671
وثاب نفر من المهاجرين رماة، منهم عمر بن الخطاب فرموا خيل المشركين حتى هزموهم، وعلا المسلمون الجبل» [ (١) ] .
وروى الإمام أحمد ومسلم عن أنس ﵁ إن رسول الله ﷺ كان يقول يوم أحد: «اللهم إن تشأ لا تعبد في الأرض»
[ (٢) ] .
وذكر الأمويّ في مغازيه: أن المشركين صعدوا على الجبل فقال رسول الله ﷺ لسعد: «ارددهم» ، قال: كيف أردّهم وحدي؟ فقال ذلك ثلاثا، فأخذ سعد سهما من كنانته فرمى به رجلا فقتله قال: ثم أخذت سهمي أعرفه فرميت به آخر فقتلته، ثم أخذته أعرفه فرميت به آخر، فقتلته، فهبطوا من مكانهم.
وقال ابن جريج: وأنزل الله تعالى: وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [آل عمران ١٣٩] .
وصلى رسول الله ﷺ الظّهر يومئذ قاعدا من الجراحة التي أصابته، وصلّى المسلمون خلفه قعودا.
ذكر مقتل حسيل
وهو بضم الحاء وفتح السّين المهملتين ويقال مكبّرا، وهو اليمان والد حذيفة، ومقتل ثابت بن وقش- بفتح الواو وإسكان القاف، وبالشين المعجمة- ﵄ قالوا لمّا خرج رسول الله ﷺ إلى أحد رفع حسيل وثابت بن وقش في الآطام مع النساء والصبيان، فقال أحدهما لصاحبه- وهما شيخان كبيران- لا أبا لك، ما تنتظر، فو الله ما بقي لواحد منا من عمرة إلا ظمء حمار، إنما نحن هامة اليوم أو غدا، أفلا نأخذ أسيافنا، ثم نلحق برسول الله ﷺ لعل الله تعالى يرزقنا الشّهادة، فأخذا أسيافهما، ثم خرجا حتى دخلا في الناس من جهة المشركين، ولم يعلم المسلمون بهما. فأما ثابت فقتله المشركون، وأما حسيل فاختلفت عليه أسياف المسلمين فقتلوه ولم يعرفوه، وقيل: إن الذي قتله عقبة بن مسعود ﵁، فقال حذيفة: أبي! فقالوا: ما عرفناه وصدقوا، فقال حذيفة يغفر الله تعالى لكم وهو أرحم الراحمين، فأراد رسول الله ﷺ أن يديه، فتصدّق حذيفة بديته على المسلمين، فزاده ذلك عند رسول الله ﷺ خيرا.
قال عروة: فو الله ما زالت في حذيفة بقية خير حتى لقي الله تعالى.
стр. 1672
ذكر مقتل مخيريق النضري الاسرائيلي
من بني النضير- وهو بميم مضمومة فخاء معجمة مفتوحة فتحتية ساكنة فراء فتحتية فقاف- ذكر محمد بن عمر الأسلميّ أنه أسلم، ويقال أنه من بني قينقاع ويقال من بني ثعلبة بن الفطيون وكان عالما من أحبار يهود، وكان يعرف رسول الله ﷺ بصفته وما يجد في علمه وغلب عليه إلف دينه، فلما كان يوم السبت قال: والله يا معشر يهود، إنكم لتعلمون أنّ نصر محمد عليكم لحقّ، قالوا: اليوم يوم السبت قال: لا سبت لكم، ثم عهد إلى من وراءه من قومه: إن قتلت هذا اليوم فأموالي إلى محمد يصنع فيها ما أراد، ثم أخذ سلاحه، فخرج، فلما اقتتل النّاس قاتل حتى قتل،
فكان رسول الله ﷺ يقول: «مخيريق خير يهود» .
وروى الزبير بن بكّار عن ابن شهاب مرسلا أن رسول الله ﷺ قال: «مخيريق سابق يهود، وسلمان سابق الفرس، وبلال سابق الحبشة» ،
وقبض رسول الله ﷺ أمواله، وهي سبع خرائط، يأتي ذكرها في ذكر صدقاته ﷺ
[ (١) ] .
ذكر مقتل الأصيرم عمرو بن ثابت بن وقش
ويقال: أقيش. روى ابن إسحاق عن محمود بن لبيد وأبو داود والحاكم عن أبي هريرة ﵄: أن الأصيرم كان يأبى الإسلام على قومه، زاد الحاكم كان له رئي في الجاهلية، فكان يمنع ذلك الرّئيّ من الإسلام حتى يأخذه، فجاء ذات يوم ورسول الله ﷺ وأصحابه بأحد فقال: أين سعد بن معاذ؟ فقيل: بأحد، فقال: أين بنو أخيه؟ قيل: بأحد، فسأل عن قومه فقيل: بأحد، فبدا له في الإسلام فأسلم، وأخذ سيفه ورمحه وأخذ لأمته وركب فرسه فعدا حتى دخل في عرض الناس، فلما رآه المسلمون قالوا: إليك عنا يا عمرو، قال: أني قد آمنت. فقاتل حتى أثبتته الجراحة، فبينا رجال من بني عبد الأشهل يلتمسون قتلاهم في المعركة إذا هم به، فقالوا: والله إن هذا للأصيرم، ما جاء به؟ لقد تركناه وإنه منكر لهذا الحديث، فسألوه: ما جاء بك؟ أحدب على قومك أم رغبة في الإسلام؟ فقال: بل رغبة في الإسلام، آمنت بالله تعالى ورسوله ﷺ ، وأسلمت ثم أخذت سيفي فغدوت مع رسول الله ﷺ ، ثم قاتلت حتى أصابني ما أصابني، وإن متّ فأموالي إلى محمد يضعها حيث شاء- ولفظ أبي هريرة فجاءه سعد بن معاذ فقال لأخيه: سله: حميّة لقومه أو غضبا لله ورسوله؟ فقال: بل غضبا لله ورسوله، انتهى. ثم لم يلبث أن مات في أيديهم،
فذكروه لرسول الله ﷺ فقال: أنه من أهل الجنة.
стр. 1673
وكان أبو هريرة ﵁ يقول: حدّثوني عن رجل دخل الجنة ولم يصلّ قط فإذا لم يعرفه الناس سألوه من هو فيقول: هو أصيرم بني عبد الأشهل.
قال في الإصابة: فجمع بين الروايتين بأنّ الذين قالوا له أولا: «إليك عنا» قوم من المسلمين من غير قومه بني عبد الأشهل. وبأنّهم لمّا وجدوه في المعركة حملوا إلى بعض أهله.
ذكر مقتل حنظلة ﵁
روى ابن إسحاق عن محمود بن لبيد، وابن سعد عن عروة وأبو نعيم، عن يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه، عن جده قالوا: لمّا انكشف المشركون ضرب حنظلة فرس أبي سفيان بن حرب فوقع على الأرض، فصاح وحنظلة يريد ذبحه، فأدركه الأسود بن شدّاد- ويقال له: ابن شعوب- بفتح الشين المعجمة وضم العين المهملة وآخره موحدة- ووقع في بعض نسخ العيون شداد بن الأسود وليس بصواب- فحمل على حنظلة بالرمح فأنفذه، ومشى إليه حنظلة في الرمح وقد أثبته، ثم ضرب الثانية فقتله، فذكر ذلك لرسول الله ﷺ
فقال: «إني رأيت الملائكة تغسّله بين السماء والأرض بماء المزن في صحاف الفضّة» [ (١) ] .
قال أبو أسيد الساعديّ- وهو بضم الهمزة- فذهبنا إليه فإذا رأسه يقطر ماء، فقال رسول الله ﷺ : «فاسألوا أهله ما شأنه؟» فسألوا صاحبته عنه، فقالت: خرج وهو جنب حين سمع الهاتفة، فقال رسول الله ﷺ : «فلذلك غسّلته الملائكة» .
قال محمد بن عمر: وصاحبته أي زوجته وهي جميلة بنت أبي ابن سلول، دخلت عليه في تلك الليلة التي في صبيحتها أحد، وكان قد استأذن رسول الله ﷺ في ذلك، فأذن له، فلما صلّى الصبح غدا يريد رسول الله ﷺ فلزمته جميلة، فعاد فكان معها فأجنب منها، وقد أرسلت إلى أربعة من قومها فأشهدتهم على الدخول بها خشية أن يكون في ذلك نزاع، فقيل لها: لم أشهدت؟ فقالت: رأيت كأنّ السّماء قد فرجت فدخل فيها ثم أطبقت، فقلت: هذه الشّهادة. وعلقت بعبد الله بن حنظلة، ﵄.
ذكر مقتل عمرو بن الجموح وعبد الله بن حرام ﵄
كان عمرو أعرج شديد العرج، وكان له بنون أربعة مثل الأسد، يشهدون مع رسول الله ﷺ المشاهد، وهم خلّاد ومعوّذ ومعاذ وأبو أيمن، فلما كان يوم أحد أرادوا حبسه
стр. 1674
وقالوا: أن الله قد عذرك. فأتى رسول الله ﷺ فقال: إن بنيّ يريدون أن يحبسوني عن هذا الوجه وللخروج معك فيه، فو الله إني لأرجو أن أطأ بعرجتي هذه في الجنة، فقال له رسول الله ﷺ : «أما أنت فقد عذرك الله تعالى، فلا جهاد عليك» ،
وقال لبنيه: ما عليكم ألّا تمنعوه لعل الله أن يرزقه الشّهادة، فخرج وهو يقول مستقبل القبلة: اللهم لا تردّني إلى أهلي خائبا، فقتل شهيدا!
وروى الإمام أحمد عن قتادة بن الحارث بن ربعي الأنصاريّ قال: أتى عمرو بن الجموح إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، أرأيت إن قاتلت في سبيل الله حتى أقتل، أمشي برجلي هذه صحيحة في الجنة- وكانت رجله عرجاء- فقال رسول الله ﷺ : «نعم» ، فقتلوه يوم أحد وهو وابن أخيه ومولى لهم، فمر عليه رسول الله ﷺ فقال: «كأني أنظر إليك تمشي برجلك هذه صحيحة في الجنّة» ، فأمر بهم رسول الله ﷺ ، فجعلوا في قبر واحد.
انتهى. [ (١) ] .
واستشهد ابنه خلّاد بن عمرو، وعبد الله بن عمرو بن حرام والد جابر فحملتهم هند بنت عمرو بن حرام زوجة عمرو بن الجموح على بعير لها تريد بهم المدينة، فلقتها أم المؤمنين عائشة ﵄ وقد خرجت في نسوة تستروح الخبر، ولم يضرب الحجاب يومئذ، فقالت لها: هل عندك خبر؟ ما وراءك؟ قالت: أمّا رسول الله ﷺ فصالح وكلّ مصيبة بعده جلل. واتّخذ الله من المؤمنين شهداء وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنالُوا خَيْراً، وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ وَكانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزاً [الأحزاب ٢٥] قالت عائشة:
من هؤلاء؟ قالت: أخي وابني خلّاد، وزوجي عمرو بن الجموح. قالت: وأين تذهبين بهم؟
قالت: إلى المدينة أقبرهم فيها، ثم قالت: حل حل، تزجر بعيرها، فبرك، فقالت لها عائشة: لما عليه؟ قالت: ما ذاك به لربّما حمل ما يحمل بعيران، ولكن أراه لغير ذلك، وزجرته فقام وبرك، فوجّهته راجعة إلى أحد،
فأسرع فرجعت إلى النبي ﷺ فأخبرته بذلك، فقال: إنّ الجمل مأمور، هل قال عمرو شيئا؟ قالت: إن عمرا لمّا توجّه إلى أحد قال: اللهم لا تردّني إلى أهلي خائبا وارزقني الشهادة، فقال رسول الله ﷺ : «فلذلك الجمل لا يمضي، إنّ منكم- معشر الأنصار- من لو أقسم على الله لأبره. منهم عمرو بن الجموح، ولقد رأيته [يطأ] بعرجته في الجنّة، يا هند، ما زالت الملائكة مظلّة على أخيك من لدن قتل إلى الساعة ينتظرون أين يدفن» ، ثم مكث رسول الله ﷺ حتى قبرهم، ثم قال: «يا هند، قد ترافقوا في الجنة» قالت: يا رسول الله، ادع الله عسى أن يجعلني معهم.
стр. 1675
قال جابر بن عبد الله: كان أبي أول قتيل قتل من المسلمين، قتله سفيان بن عبد شمس وهو والد أبي الأعور السّلميّ.
وروى محمد بن عمر عن شيوخه قالوا: قال عبد الله بن عمرو بن حرام- بالراء- رأيت في النوم قبل أحد مبشّر بن عبد المنذر يقول لي: أنت قادم علينا في أيام، فقلت: وأين أنت؟ قال: في الجنة، أسرح فيها كيف أشاء، قلت: ألم تقتل يوم بدر؟ قال: بلى، ثم أحييت،
فذكر ذلك للنبي ﷺ فقال: «هذه الشهادة يا أبا جابر» .
ذكر مقتل قزمان
وهو بضمّ القاف وسكون الزاي وآخره نون، كان أتيّا لا يدري ممّن هو، وكان يعرف بالشجاعة
وكان رسول الله ﷺ يقول إذا ذكر له: أنه من أهل النّار،
فتأخّر يوم أحد فعيّرته نساء بني ظفر، فأتى رسول الله ﷺ وهو يسوّي الصّفوف حتى انتهى إلي الصفّ الأول، فكان أول من رمى من المسلمين بسهم، فجعل يرسل نبلا كأنّها الرّماح ويكتّ كتيت الجمل ثم فعل بالسّيف الأفاعيل حتى قتل سبعة أو تسعة وأصابته جراحة، فوقع، فناداه قتادة بن النعمان: يا أبا الغيداق هنيئا لك الشهادة، وجعل رجال من المسلمين يقولون له: والله لقد أبليت اليوم يا قزمان فأبشر، قال: بماذا أبشر؟! فو الله ما قاتلت إلّا على أحساب قومي، ولولا ذلك ما قاتلت.
ثم تحامل على سيفه- وفي لفظ: آخذ سهما من كنانته- فقتل نفسه،
فذكر ذلك لرسول الله ﷺ فقال: أنه من أهل النار، أن الله تعالى يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر
! ذكر مقتل أنس بن النضر ﵁
وهو بالنون والضاد المعجمة.
روى الطيالسي وابن أبي شيبة وابن سعد والشيخان والتّرمذي والبغويّ الكبير وغيرهم عن أنس بن مالك ﵁ وابن إسحاق عن القاسم بن عبد الرحمن أن أنس بن النّضر عمّ أنس بن مالك ﵁ وبه سمّي أنسا، غاب عن بدر فشقّ عليه وقال: أول مشهد شهده رسول الله ﷺ غبت عنه، لئن أشهدني الله تعالى قتال المشركين ليرينّ الله تعالى ما أصنع، فلما كان يوم أحد وانكشف المسلمون فقال: اللهم إني أعتذر إليك مما صنع هؤلاء- يعني أصحابه- وأبرأ إليك ممّا فعل هؤلاء- يعني المشركين- فانتهى إلى رجال من المهاجرين والأنصار قد ألقوا ما بأيديهم، فقال: ما يجلسكم؟ قالوا: قتل رسول الله ﷺ . فقال: ما تصنعون بالحياة بعده؟! قوموا فموتوا على ما مات عليه رسول الله ﷺ ، ثم استقبل القوم، فلقيه سعد بن معاذ دون أحد، فقال سعد: أنا معك. قال سعد: فاستقبل أنس القوم فلم أستطع أن أصنع ما صنع، فقال: يا سعد بن معاذ- وفي لفظ يا أبا عمرو- واها لريح الجنّة، وربّ
стр. 1676
النضر إنّي لأجد ريحها من دون أحد. ثم تقدّم فقاتل حتى قتل، فوجدوا في جسده بضعا وثمانين ضربة من بين ضربة بسيف، وطعنة برمح، ورمية بسهم: قال أنس: ووجدناه قد مثّل به المشركون فما عرفه أحد منّا إلّا أخته بشامة أو ببنانه، فكنّا نرى أو نظن أن هذه الآية نزلت فيه وفي أشباهه: رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ [الأحزاب ٢٣] الآية.
ذكر مقتل حمزة بن عبد المطلب سيد الشهداء ﵁
روى ابن أبي عاصم عن عبد الله بن السائب إن رسول الله ﷺ كان يوم أحد آخر أصحابه، ولم يكن بينه وبين العدوّ غير حمزة يقاتل العدوّ، فرصده وحشيّ فقتله، وقد قتل الله تعالى بيد حمزة من الكفّار أحدا وثلاثين، وكان يدعى: «أسد الله» .
قال ابن إسحاق: وقاتل حمزة بن عبد المطلب حتى قتل أرطاة بن عبد شرحبيل بن هاشم، وكان أحد النّفر الذين يحملون اللواء، وكذلك قتل عثمان بن أبي طلحة وهو حامل اللواء وهو يقول:
إن على أهل الّلواء حقّا ... أن يخضبوا الصّعدة أو تندقّا
فحمل عليه حمزة فقتله. قال: وحشيّ كما رواه ابن إسحاق والطيالسيّ والبخاريّ وابن عائد عنه، وابن أبي شيبة عن عمر وابن إسحاق قال وحشيّ: أن حمزة قتل طعيمة بن عديّ ببدر، فلما سارت قريش إلى أحد قال لي مولاي جبير بن مطعم- وأسلم بعد ذلك-: إن أنت قتلت حمزة عمّ محمد بعميّ فأنت حرّ، فلما خرج الناس عام عينين- وعينين: جبل بجبال أحد بينه وبينه واد- فخرجت مع الناس إلى القتال، وكنت رجلا حبشيا أقذف بالحربة قذف الحبشة، قلّ أن أخطئ بها شيئا، فلما التقي الناس خرجت أنظر حمزة وأتبصّره حتى رأيته في عرض الناس مثل الجمل الأورق، يهدّ الناس بسيفه هدّا، ما يقوم له شيء- وفي لفظ: ما يليق شيئا، وفي لفظ: ما وقع له أحد إلا قمعه بالسيف، وفي لفظ: رأيت رجلا لا يرجع حتى يهزمنا- فقلت: من هذا؟ قالوا: حمزة. قلت: هذا صاحبي، فو الله إني لأتهيأ له أريد منه ما أريد وأتستّر منه بشجرة أو بحجر ليدنو مني إذ تقدّمني إليه سباع- بكسر المهملة وتخفيف الموحدة- ابن عبد العزى الغبشاني- بضم الغين وإسكان الموحدة وبالشين المعجمة- فلما رآه حمزة قال: هلّم إليّ يا بن مقطّعة البظور- وكانت أمّه ختّانة بمكة- أتحادّ الله ورسوله ﷺ ؟! ثم شدّ عليه فكان كأمس الذاهب- وفي لفظ: فضربه ضربة فكأنّما أخطأ رأسه- وأكبّ عليه ليأخذ درعه، وكمنت لحمزة تحت صخرة، فلمّا دنا مني- قال عمير بن إسحاق: فعثر حمزة فانكشف الدرع عن بطنه، فأبصره العبد الحبشي فرماه بالحربة. انتهى.
قال وحشيّ- كما عند الطيالسيّ-: جعلت ألوذ من حمزة بشجرة ومعي حربتي، حتى إذا
стр. 1677
استمكنت منه هززت حربتي حتّى إذا رضيت منها دفعتها عليه فوقعت في ثنّته- وفي لفظ:
في ثندوته- حتى خرجت من بين رجليه، وجعل ينوء نحوي فغلب فوقع فتركته وإيّاها، حتى إذا مات أتيته فأخذت حربتي، ورجعت إلى العسكر فقعدت فيه، ولم يكن لي بغيره حاجة، إنما قتلته لأعتق، فلما قدمت مكّة عتقت.
ثم أقمت حتى إذا فتح رسول الله ﷺ مكّة هربت إلى الطّائف فكنت بها، فلما خرج وفد أهل الطّائف إلى رسول الله ﷺ تعيّت عليّ المذاهب، فقلت: ألحق بالشام أو اليمن أو ببعض البلاد، فو الله إني لفي ذلك من همّي إذ قال لي رجل: ويحك، والله إنّه ما يقتل أحدا من الناس دخل في دينه. فلما قال ذلك خرجت حتى قدمت على رسول الله ﷺ المدينة.
قال ابن إسحاق وفي رواية يونس: لمّا قدم وحشيّ المدينة قال الناس: يا رسول الله هذا وحشيّ، فقال: «دعوه، فلإسلام رجل واحد أحب إلي من قتل ألف رجل كافر» . قال وحشيّ:
فلم يرعه إلّا بي قائما على رأسه أشهد شهادة الحقّ، فلما رآني قال: «أوحشيّ؟» قلت: نعم، يا رسول الله، قال: «أقعد فحدّثني كيف قتلت حمزة؟» قال: فحدثته، فلما فرغت من حديثي، قال: «ويحك! غيّب وجهك عني فلا أراك!» .
وروى الطبراني بسند لا بأس به، وتمّام الرازيّ عن وحشيّ قال: لما رأيت رسول الله ﷺ بعد قتل حمزة تفل في وجهي ثلاث تفلات، ثم قال: «لا ترني وجهك!» .
وروى الطبراني بسند حسن عن وحشيّ: قال: أتيت رسول الله ﷺ فقال: «يا وحشيّ» ، قلت: نعم، قال: «قتلت حمزة؟» فقلت: نعم، والحمد لله الذي أكرمه بيدي ولم يهنّي بيده، فقالت له قريش: أتحبه وهو قاتل حمزة؟! فقلت: يا رسول الله استغفر لي، فتفل في الأرض ثلاثة، ودفع في صدري ثلاثة، وقال: «يا وحشيّ، اخرج فقاتل في سبيل الله كما قاتلت لتصدّ عن سبيل الله» [ (١) ] .
قلت: وكونه ﷺ تفل في الأرض أصحّ من كونه تفل في وجهه، لما علم من حيائه ﷺ ومحاسن أخلاقه. قال وحشيّ: فكنت أتنكّب رسول الله ﷺ حتى قبضه الله تعالى، فلما خرج المسلمون إلى مسيلمة الكذاب صاحب اليمامة خرجت معهم، وأخذت حربتي التي قتلت بها حمزة، فلما التقى الناس رأيت مسيلمة قائما في يده السيف وما أعرفه، فتهيّأت له وتهيّأ له رجل من الأنصار من الناحية الأخرى كلانا يريده، وهززت حربتي حتى إذا رضيت منها دفعتها عليه فوقعت فيه، وشدّ عليه الأنصاريّ فضربه بالسّيف، فربّك أعلم أيّنا قتله، فإن كنت قتلته فقد قتلت خير الناس بعد رسول الله ﷺ ، وقد قتلت شرّ النّاس.
стр. 1678
قال محمد بن عمر في كتاب الرّدّة: والأنصاريّ المبهم عبد الله بن زيد بن عاصم المازنيّ، وبه جزم إسحاق بن راهويه والحاكم، وقيل: هو عديّ بن سهل، وجزم به سيف في الرّدّة، وقيل: أبو دجانة، وقيل: زيد بن الخطاب، قال الحافظ: والأول أشهر، ولعل عبد الله بن زيد هو الذي أصابته ضربته، وأما الآخران فحملا عليه في الجملة، وأغرب وثيمة في كتاب الردة فزعم أنّ الذي ضرب مسيلمة اسمه شنّ- بفتح المعجمة وتشديد النون- ابن عبد الله. وأغرب من ذلك ما حكاه أبو عمر أنّ الذي قتل مسيلمة هو الجلاس بن بشير بن الأصمّ، كذا في خطّ الحافظ: الجلاس بن بشير بن الأصمّ، ولم أر له ذكرا في التجريد، ولا في العجالة للبرهان النووي، ولا في الإصابة للحافظ، فالله أعلم.
وروى البخاري وابن إسحاق عن عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵄ وكان قد شهد اليمامة- قال: سمعت صارخا يقول: وا أميراه قتله العبد الأسود.
وذكر محمد بن عمر، وتبعه في الإمتاع أن وحشيّا لما قتل حمزة شقّ بطنه وأخرج كبده، فجاء بها إلى هند بنت عتبة، فقال: هذه كبد حمزة، فمضغتها ثم لفظتها، ونزعت ثيابها وحليتها، فأعطته لوحشيّ، ووعدته إذا جاء مكة أن تعطيه عشرة دنانير، وقامت معه حتى أراها مصرع حمزة، فقطعت من كبده وجدعت أنفه، وقطعت أذنيه، ثم جعلت مسكتين ومعضدين وخدمتين، حتى قدمت بذلك مكة.
ومرّ الحليس- وهو بالحاء المهملة مصغّرا- ابن زبّان- بزاي فموحدة مشددة- وهو يومئذ سيد الأحابيش، بأبي سفيان وهو يضرب في شدق حمزة ﵁ بزج الرّمح، وهو يقول: ذق عقق، فقال الحليس: يا بني كنانة، هذا سيد قريش يصنع بابن عمّه ما ترون لحما، فقال: ويحك، اكتمها عليّ، فإنّها كانت زلّة. وعلت هند صخرة مشرفة وصرخت بأعلى صوتها فقالت:
نحن جزيناكم بيوم بدر ... والحرب بعد الحرب ذات سعر
ما كان عن عتبة لي من صبر ... ولا أخي وعمّه وبكري
شفيت نفسي وقضيت نذري ... شفيت وحشيّ غليل صدري
فشكر وحشيّ عليّ عمري ... حتّى ترمّ أعظمي في قبري
فأجابتها هند بنت أثاثة- بضم الهمزة وبثائين مثلثتين- ابن عبّاد بن المطلب فقالت:
خزيت في بدر وبعد بدر ... يا بنت وقّاع عظيم الكفر
صبّحك الله غداة الفجر ... م الهاشميّين الطّوال الزّهر
بكلّ قطّاع حسام يفري ... حمزة ليثي وعليّ صقري
стр. 1679
إذ رام شيب وأبوك غدري ... فخضّبا منه ضواحي النّحر
ذكر مقتل عبد الله بن جحش ﵁
روى محمد بن عمر الأسلمي عن شيوخه وابن وهب عن سعد بن أبي وقاص ﵁ أن عبد الله بن جحش قال له يوم أحد: ألا تأتي ندعو الله تعالى في ناحية، فدعا سعد فقال: يا رب إذا لقيت العدو غدا فلقني رجلا شديدا بأسه، شديدا حرده، أقاتله فيك ويقاتلني، ثم ارزقني الظفر عليه حتى أقتله، وآخذ سلبه، فأمن عبد الله بن جحش، ثم قال:
اللهم ارزقني رجلا شديدا بأسه، شديدا حرده، أقاتله فيك ويقاتلني، فيقتلني ثم يأخذني فيجدع أنفي وأذني، فإذا لقيتك قلت: يا عبدي، فيم جدع أنفك وأذنك؟ فأقول: فيك وفي رسولك، فيقول الله تعالى: صدقت، قال سعد: كانت والله دعوة عبد الله بن جحش خيرا من دعوتي، ولقد رأيته آخر النهار وإنّ أذنيه، وأنفه معلّقات في خيط. قال محمد بن عمر: وتولّى تركته رسول الله ﷺ ، فاشترى لابنه مالا بخيبر، ودفن هو وخاله حمزة بن عبد المطلب في قبر واحد.
ذكر مقتل أبي سعد خيثمة بن أبي خيثمة ﵁
وهو بخاء معجمة مفتوحة فتحتية ساكنة فثاء مثلثة.
ذكر محمد بن عمر أنّ خيثمة قال يوم أحد: يا رسول الله لقد أخطأتني وقعة بدر، وكنت والله حريصا عليها، حتى ساهمت ابني في الخروج فخرج سهمه فرزق الشّهادة، وقد رأيته البارحة في النّوم في أحسن صورة، يسرح في ثمار الجنّة وأنهارها، ويقول: الحق بنا ترافقنا في الجنة، فقد وجدت ما وعدني ربي حقّا، وقد والله يا رسول الله أصبحت مشتاقا إلى مرافقته في الجنة، فادع الله تعالى أن يرزقني الشّهادة، ومرافقته في الجنة، فدعا له رسول الله ﷺ فقتل في أحد.
ذكر مقتل مصعب بن عمير ﵁
روى ابن سعد، عن محمد بن شرحبيل العبدريّ قال:
حمل مصعب بن عمير اللواء يوم أحد فقطعت يده اليمنى، فأخذ اللواء بيده اليسرى وهو يقول: وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ [آل عمران ١٤٤] الآية ... ، ثم قطعت يده اليسرى فحنا على اللواء وضمه بعضديه إلى صدره وهو يقول: وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ الآية ... ثم قتل فسقط اللواء، قال محمد بن شرحبيل: وما نزلت هذه الآية: وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ يومئذ حتى نزلت بعد.
стр. 1680
وكانت عائشة وأم سليم ﵄ تسقيان النّاس، كما في الصحيح عن أنس قال: لقد رأيت عائشة بنت أبي بكر وأم سليم، وإنّهما لمشمّرتان أرى خدم سوقهما تنقزان القرب، وفي لفظ تنقلان القرب على متونهما، تفرغانه في أفواه القوم، ثم ترجعان فتحلّانها، ثم تجيئان فتفرغانه في أفواه القوم.
وروى البخاري عن ثعلبة بن مالك ﵁ أن عمر بن الخطاب ﵁ قسم مروطا بين نساء أهل المدينة، فبقي منها مرط جيّد، فقال له بعض من عنده: يا أمير المؤمنين أعط هذا بنت رسول الله ﷺ التي عندك- يريد أم كلثوم بنت عليّ- فقال عمر: أمّ سليط أحقّ به، وأم سليط من نساء الأنصار ممّن بايع رسول الله ﷺ ، قال عمر: فإنّها كانت تزفر لنا القرب يوم أحد. انتهى. وأمّ سليط هذه والدة أبي سعيد الخدري ﵁.
ذكر تمثيل نساء المشركين: هند بنت عتبة ومن معها بقتلى المسلمين
قال ابن إسحاق: حدّثني صالح بن كيسان قال: وقفت هند بنت عتبة والنسوة اللاتي معها يمثّلن بالقتلى من أصحاب رسول الله ﷺ ، يجدعن الأذن والأنف، حتى اتّخذت هند من آذان الرجال وأنافيهم خدما وقلائد.
ذكر رجوع المشركين إلى مكة
قال ابن إسحاق ومحمد بن عمر وغيرهما: لمّا تحاجز الفريقان أراد أبو سفيان الانصراف، فأقبل على فرس حتى أشرف على المسلمين في عرض الجبل فنادى بأعلى صوته: أفي القوم محمد؟ ثلاثا، فقال رسول الله ﷺ : «لا تجيبوه» ، فقال: أفي القوم ابن أبي قحافة؟ فقال رسول الله ﷺ : «لا تجيبوه» ، فقال: أفي القوم ابن الخطاب؟ فقال رسول الله ﷺ : «لا تجيبوه» ،
ولم يسأل عن هذه الثلاثة إلا لعلمه وعلم قومه أنّ قيام الإسلام بهم، فقال أبو سفيان بعد أن رجع إلى أصحابه: إن هؤلاء قد قتلوا فلو كانوا أحياء لأجابوا، فلم يملك عمر نفسه!
وفي حديث ابن عباس وعند الإمام أحمد والطبراني والحاكم: أن عمر بن الخطاب قال: يا رسول الله، ألا أجيبه؟ قال: «بلى» . قال في الفتح: كأنه نهى عن إجابته في الأول وأذن فيها في الثّالثة، فقال عمر: كذبت يا عدو الله، قد أبقى الله لك ما يخزيك، إنّ الذين عددت لأحياء كلّهم، فقال أبو سفيان: اعل هبل، وأظهر دينك. فقال رسول الله ﷺ لعمر بن الخطاب: «قم يا عمر فأجبه» ، فقال: الله أعلى وأجلّ، فقال أبو سفيان: اعل هبل، وأظهر دينك، فقال أبو سفيان: يوم بيوم بدر، ألا إنّ الأيّام دول، وإن الحرب سجال، وفي لفظ: سمال.
فيوم علينا ويوم لنا ... ويوم نساء ويوم نسرّ
стр. 1681
وحنظلة بحنظلة، وفلان بفلان، فقال رسول الله ﷺ لعمر: «قل: لا سواء، قتلانا في الجنة، وقتلاكم في النّار» ، فقال أبو سفيان: إنكم لتقولون ذلك، لقد خبنا إذن وخسرنا، لنا العزّى ولا عزّى لكم، فقال رسول الله لعمر، قل: «الله مولانا ولا مولى لكم» ، فقال أبو سفيان:
إنها قد أنعمت فعال عنها، هلمّ يا عمر، فقال رسول الله ﷺ لعمر: «ائته فانظر ما شأنه» ، فجاءه، فقال أبو سفيان: أنشدك بالله يا عمر، أقتلنا محمدا؟ قال: اللهم لا، وإنه ليسمع كلامك الآن، قال: أنت أصدق من ابن قمئة وأبرّ- لقول ابن قمئة لهم: إني قتلت محمدا- ثم قال أبو سفيان: ورفع صوته: إنكم واجدون في قتلاكم مثلا، والله ما رضيت ولا نهيت ولا أمرت، إلّا أنّ موعدكم بدر الصفراء على رأس الحول، فقال رسول الله ﷺ : قل: «نعم بيننا وبينكم موعد» .
وانصرف أبو سفيان إلى أصحابه وأخذ في الرّحيل، فأشفق رسول الله ﷺ والمسلمون من أن يغير المشركون على المدينة، فتهلك الذّراريّ والنساء.
قال ابن إسحاق: فبعث عليّا- وقال عروة. ومحمد بن عمر، وابن عائذ: سعد بن أبي وقّاص- لينظر، فقال: إن ركبوا الإبل وجنّبوا الخيل فهو الظّعن وإن ركبوا الخيل وجنّبوا الإبل فإنهم يريدون المدينة، فهي الغارة، والذي نفسي بيده لئن ساروا إليها لأسيرنّ إليهم، ثم لأناجزنّهم. فسار عليّ أو سعد وراءهم إلى العقيق فإذا هم قد ركبوا الإبل وجنّبوا الخيل بعد ما تشاوروا في نهب المدينة، فقال صفوان بن أمية- وأسلم بعد ذلك-: لا تفعلوا، لا تدرون ما يغشاكم، فعاد فأخبر رسول الله ﷺ .
وقدم أبو سفيان مكة، فلم يصل إلى بيته حتى أتى هبل فقال: أنعمت ونصرتني، وشفيت نفسي من محمد ومن أصحابه، وحلق رأسه.
ذكر طلب المسلمين قتلاهم
روى البيهقي عن عروة قال: لما رحل المشركون انتشر المسلمون يطلبون قتلاهم فلم يجدوا قتيلا إلّا وقد مثّل به المشركون، إلّا حنظلة بن أبي عامر فإن أباه كان معهم فتركوه له.
وقال ابن إسحاق ومحمد بن عمر: لمّا انصرف المشركون أقبل المسلمون على موتاهم يطلبونهم.
وروى الحاكم والبيهقي، عن زيد بن ثابت ﵁ وابن إسحاق عن شيوخه: أن رسول الله ﷺ ، قال: من ينظر لي ما فعل سعد بن الربيع، أفي الأحياء هو أم في الأموات، فإني رأيت اثني عشر رمحا شرعى إليه،
فقال رجل من الأنصار- قال محمد بن عمر: هو محمد بن مسلمة، وقال أبو عمر: هو أبي بن كعب- فنظر في القتلى، فناداه ثلاثا فلم يجبه، فقال: إن رسول الله ﷺ أمرني أن أنظر إلى خبرك، فأجابه بصوت ضعيف.
وفي
стр. 1682
حديث زيد: فبعثني رسول الله ﷺ ، يوم أحد، لطلب سعد بن الربيع، وقال: إن رأيته فأقره مني السلام، وقل له: كيف تجدك؟
قال: فأصبته وهو في آخر رمق، وبه سبعون ضربة ما بين طعنة برمح، وضربة بسيف، ورمية بسهم، فقلت: إن رسول الله ﷺ ، أمرني أن أنظر أفي الأحياء أنت أم في الأموات؟ فقال: أنا في الأموات، فأبلغ رسول الله ﷺ عنّي السلام، وقل له: أن سعد بن الرّبيع يقول: جزاك الله تعالى عنّا خير ما جزى نبيّا عن أمّته، وقل له: أني أجد ريح الجنّة، وأبلغ قومك عني السلام، وقل لهم: أن سعد بن الرّبيع يقول لكم: إنه لا عذر لكم عند الله إن يخلص إلى رسول الله ﷺ ومنكم عين تطرف، ثم لم يبرح أن مات، فجاء رسول الله ﷺ ، فأخبره خبره [ (١) ] .
قال ابن هشام: وحدّثني أبو بكر الزّبيريّ: أنّ رجلا دخل على أبي بكر الصّدّيق، وبنتّ لسعد بن الربيع: جارية صغيرة على صدره يرشفها ويقبّلها، فقال له الرجل: من هذه؟ قال له:
بنت رجل خير منّي: سعد بن الربيع، كان من النّقباء يوم العقبة. وشهد بدرا، واستشهد يوم أحد.
قال ابن إسحاق: وخرج رسول الله ﷺ فيما بلغني- يلتمس حمزة بن عبد المطلب. قال محمد بن عمر وغيره: وجعل يقول: «ما فعل عمّي؟» ويكرر ذلك. فخرج الحارث بن الصّمّة يلتمسه فأبطأ، فخرج عليّ فوجد حمزة ببطن الوادي مقتولا، فأخبر النبي ﷺ ، فخرج يمشي حتى وقف عليه، فوجده قد بقر بطنه عن كبده، ومثّل به، فجدع أنفه وأذناه، فنظر إلى شيء لم ينظر إلى شيء قطّ كان أوجع لقلبه منه، ونظره قد مثّل به.
وفي حديث كعب بن مالك عن ابن أبي شيبة في سنده إن رسول الله ﷺ لمّا قيل له: إن حمزة مثّل به، كره أن ينظر إليه. انتهى.
فقال: «أحتسبك عند الله!»
وروى البزار بسند لا بأس به، عن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما قال: إن رسول الله ﷺ لما بلغه قتل حمزة بكى، فلما نظر إليه شهق.
وروى الحاكم عن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما قال: فقد رسول الله ﷺ حمزة حين فاء الناس من القتال، فقال رجل: رأيته عند تلك الصّخرات وهو يقول: أنا أسد الله وأسد رسوله، اللهمّ أبرأ إليك مما جاء به هؤلاء- يعني أبا سفيان أصحابه- وأعتذر إليك مما صنع هؤلاء بانهزامهم.
فجاء رسول الله ﷺ نحوه، فلما رأى جثّته بكى. ولمّا رأى ما مثّل به
стр. 1683
شهق ثم قال: «ألا كفن؟» فقام رجل من الأنصار فرمى بثوبه عليه، ثم قام آخر فرمى بثوبه عليه، فقال: «يا جابر هذا الثوب لأبيك وهذا لعمّي» ، وقال ﷺ : «رحمة الله عليك، فإنك كنت كما علمتك، فعولا للخيرات، وصولا للرّحم، لولا أن تحزن صفيّة- وفي لفظ: نساؤنا، وفي لفظ: لولا حزن من بعدي عليك، وتكون سبّة من بعدي- لتركته، حتى يحشر من بطون السباع وحواصل الطير» ، ثم قال: «أبشروا، جاءني جبريل فأخبرني أن حمزة مكتوب في أهل السموات السبع: حمزة بن عبد المطلب أسد الله وأسد رسوله» . وقال: «لئن ظفّرني الله تعالى علي قريش في موطن من المواطن لأمثّلنّ بسبعين منهم مكانك» ،
فلما رأى المسلمون حزن رسول الله ﷺ ، وغيظه على من فعل بعمّه ما فعل، قالوا: والله لئن ظفّرنا الله تعالى بهم يوما من الدهر لنمثلنّ بهم مثلة لم يمثّلها أحد من العرب، قال أبو هريرة، كما رواه ابن سعد والبزار وابن المنذر والبيهقي: فنزل جبريل والنبي ﷺ واقف بخواتيم سورة النّحل وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ [النحل ١٢٦] فكفّر النبي ﷺ عن يمينه، وأمسك عن الذي أراد وصبر [ (١) ] .
وروى ابن المنذر والطبرانيّ والبيهقيّ نحوه عن ابن عباس.
وروى الترمذي وحسنه، وعبد الله بن الإمام أحمد في زوائد المسند، والنّسائيّ، وابن المنذر، وابن خزيمة في فرائده، وابن حبان والضياء في صحيحهما عن أبي بن كعب ﵁ قال: لما كان يوم أحد أصيب من الأنصار أربعة وستون رجلا. ومن المهاجرين ستة، منهم حمزة، فمثّلوا به، فقالت الأنصار: لئن أصبنا منهم يوما مثل هذا لنربينّ عليهم، فلما كان فتح مكة أنزل الله تعالى: وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ
فقال رسول الله ﷺ : «نصبر ولا نعاقب، كفّوا عن القوم إلا أربعة» [ (٢) ] .
وروى ابن إسحاق وابن جرير عن عطاء بن يسار قال: نزلت سورة النحل كلّها بمكة إلا ثلاث آيات من آخرها نزلت بالمدينة بعد أحد، حيث قتل حمزة ومثل به،
فقال رسول الله ﷺ : «لئن ظهرنا عليهم لنمثّلنّ بهم مثلة لم يمثّلها أحد من العرب بأحد قطّ، فانزل الله تعالى: وَإِنْ عاقَبْتُمْ إلى آخر السورة [ (٣) ] .
стр. 1684
وروى ابن إسحاق عن سمرة بن جندب ﵁ قال: ما قام رسول الله ﷺ في مقام قطّ ففارقه، حتى أمر بالصدقة ونهى عن المثلة.
قال ابن إسحاق وغيره: وأقبلت صفية بنت عبد المطلب ﵂ لتنظر إلى حمزة، وكان أخاها لأمها وأبيها، فكره رسول الله ﷺ ، أن تراه، فقال: «المرأة المرأة» . فقال الزبير بن العوام: فتوسّمت أنها أمّي صفية، فقال رسول الله ﷺ : «ألقها فأرجعها لا ترى ما بأخيها» ، فخرج يسعى فأدركها قبل أن تنتهي إلى القتلى، فردّها فلكمت صدره، وكانت امرأة جلدة، وقالت: إليك عني، لا أرضى لك. فقال: يا أمه إن رسول الله ﷺ يأمرك أنت ترجعي.
قالت: ولم وقد بلغني أنه قد مثّل بأخي؟ وذلك في الله، فما أرضانا بما كان من ذلك، فلأصبرنّ وأحتسبنّ إن شاء الله. فجاء الزبير إلى رسول الله ﷺ فأخبره، فقال: «خلّ سبيلها» ، فأتته فنظرت إليه، فصلّت عليه، واسترجعت، واستغفرت له.
وروى الطبراني والبزار، عن ابن عباس: أن رسول الله ﷺ خاف على عقل صفية بنت عبد المطلب، فوضع يده على صدرها فاسترجعت، وبكت.
وروى الإمام أحمد وأبو يعلى والبزار عن الزبير والطبرانيّ بسند رجاله ثقات، عن ابن عباس: إن صفية ﵂ أتت بثوبين معها فقالت: هذان ثوبان جئت بهما لأخي حمزة، فقد بلغني مقتله فكفّنوه فيهما. قال: فجئنا بالثوبين لنلفّه فيهما فإذا إلى جنبه رجل من الأنصار، فعل به مثل ما فعل بحمزة، فوجدنا غضاضة وحياء أن نكفّن حمزة في ثوبين، والأنصاريّ لا كفن له، فقلنا: لحمزة ثوب، وللأنصاريّ ثوب، فكان أحدهما أكبر من الآخر فأقرعنا بينهما فكفنّا كلّا منهما في الثوب الذي طاوله، وجعل أبو قتادة الأنصاري ﵁ يريد أن ينال من قريش، لما رأى من غمّ رسول الله ﷺ في قتل حمزة ما مثّل به، ورسول الله ﷺ يشير إليه أن اجلس وكان قائما،
ثم قال: «يا أبا قتادة. إن قريشاً أهل أمانة، من بغاهم العواثر أكبّه الله تعالى لفيه، وعسى إن طالت بك حياة أن تحقر عملك مع أعمالهم، وفعالك مع فعالهم، لولا أن تبطر قريش لأخبرتها بما لها عند الله تعالى» . فقال أبو قتادة: يا رسول الله، ما غضبت إلا لله ولرسوله ﷺ ، حين نالوا من حمزة ما نالوا، فقال رسول الله ﷺ : «صدقت، بئس القوم كانوا لنبيّهم» .
وروى الحاكم عن ابن عباس ﵄ قال: قتل حمزة جنبا، فقال رسول الله ﷺ : «غسّلته الملائكة» ،
وعند ابن سعد عن الحسن مرسلا: إن رسول الله ﷺ قال: «لقد رأيت الملائكة تغسّل حمزة» [ (١) ] .
стр. 1685
وروى ابن أبي شيبة في سنده والطبراني برجال ثقات، عن أبي أسيد الساعديّ وابن أبي شيبة والحاكم عن أنس قالا: كفن رسول الله ﷺ حمزة في نمرة، فمدّت النّمرة على رأسه وانكشف رجلاه، فمدّت على رجليه فانكشف رأسه، فقال رسول الله ﷺ : «مدّوها على رأسه واجعلوا على رجليه شيئا من الحرمل، وفي لفظ: من الإذخر»
[ (١) ] .
ذكر أمره ﷺ بدفن من استشهد يوم أحد
روى الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجة عن ابن عباس ﵄ قال: أمر رسول الله ﷺ يوم أحد بالشّهداء أن ينزع عنهم الحديد والجلود، وقال: «ادفنوهم بدمائهم وثيابهم» [ (٢) ] .
وروى أبو داود عن هشام بن عامر الأنصاريّ قال: جاءت الأنصار يوم أحد فقالوا: يا رسول الله لقد أصابنا قرح وجهد، فكيف تأمرنا؟ فقال: «احفروا واعمقوا ووسعوا، واجعلوا الرجلين والثلاثة في القبر الواحد» ، قيل: يا رسول الله فأيّهم يقدّم؟ قال: «أكثرهم قرآنا» [ (٣) ] .
وروى ابن أبي شيبة في سنده والطبراني برجال الصحيح، عن كعب بن مالك ﵁: أن رسول الله ﷺ ، وقف يوم أحد بين ظهراني القتلى فقال: «أنا شهيد على هؤلاء، كفّنوهم بدمائهم، فإنه ليس جريح يجرح في الله إلا جاء يوم القيامة يدمى، لونه لون الدّم، وريحه ريح المسك، قدّموا أكثرهم قرآنا فاجعلوه في اللّحد» [ (٤) ] .
وروى البخاري عن جابر بن عبد الله ﵄: أن رسول الله ﷺ كان يجمع بين الرجلين من قتلى أحد في ثوب واحد، ثم يقول: أيّهم أكثر أخذا للقرآن؟ فإذا أشير له إلى أحدهما قدّمه فيا للّحد، وقال: «أنا شهيد على هؤلاء» ، وأمر بدفنهم بدمائهم، ولم يصلّ عليهم، ولم يغسّلهم
[ (٥) ] .
قال جابر: وكفّن أبي وعمّي في نمرة واحدة.
وروى ابن إسحاق عن أشياخ من بني سليم: إن رسول الله ﷺ قال يومئذ حين أمر بدفن القتلى: «انظروا عمرو بن الجموح وعبد الله بن عمرو بن حرام، فإنهما كانا متصافيين في الدنيا فاجعلوهما في قبر واحد» .