وحنظلة بحنظلة، وفلان بفلان، فقال رسول الله ﷺ لعمر: «قل: لا سواء، قتلانا في الجنة، وقتلاكم في النّار» ، فقال أبو سفيان: إنكم لتقولون ذلك، لقد خبنا إذن وخسرنا، لنا العزّى ولا عزّى لكم، فقال رسول الله لعمر، قل: «الله مولانا ولا مولى لكم» ، فقال أبو سفيان:
إنها قد أنعمت فعال عنها، هلمّ يا عمر، فقال رسول الله ﷺ لعمر: «ائته فانظر ما شأنه» ، فجاءه، فقال أبو سفيان: أنشدك بالله يا عمر، أقتلنا محمدا؟ قال: اللهم لا، وإنه ليسمع كلامك الآن، قال: أنت أصدق من ابن قمئة وأبرّ- لقول ابن قمئة لهم: إني قتلت محمدا- ثم قال أبو سفيان: ورفع صوته: إنكم واجدون في قتلاكم مثلا، والله ما رضيت ولا نهيت ولا أمرت، إلّا أنّ موعدكم بدر الصفراء على رأس الحول، فقال رسول الله ﷺ : قل: «نعم بيننا وبينكم موعد» .
وانصرف أبو سفيان إلى أصحابه وأخذ في الرّحيل، فأشفق رسول الله ﷺ والمسلمون من أن يغير المشركون على المدينة، فتهلك الذّراريّ والنساء.
قال ابن إسحاق: فبعث عليّا- وقال عروة. ومحمد بن عمر، وابن عائذ: سعد بن أبي وقّاص- لينظر، فقال: إن ركبوا الإبل وجنّبوا الخيل فهو الظّعن وإن ركبوا الخيل وجنّبوا الإبل فإنهم يريدون المدينة، فهي الغارة، والذي نفسي بيده لئن ساروا إليها لأسيرنّ إليهم، ثم لأناجزنّهم. فسار عليّ أو سعد وراءهم إلى العقيق فإذا هم قد ركبوا الإبل وجنّبوا الخيل بعد ما تشاوروا في نهب المدينة، فقال صفوان بن أمية- وأسلم بعد ذلك-: لا تفعلوا، لا تدرون ما يغشاكم، فعاد فأخبر رسول الله ﷺ .
وقدم أبو سفيان مكة، فلم يصل إلى بيته حتى أتى هبل فقال: أنعمت ونصرتني، وشفيت نفسي من محمد ومن أصحابه، وحلق رأسه.
ذكر طلب المسلمين قتلاهم
روى البيهقي عن عروة قال: لما رحل المشركون انتشر المسلمون يطلبون قتلاهم فلم يجدوا قتيلا إلّا وقد مثّل به المشركون، إلّا حنظلة بن أبي عامر فإن أباه كان معهم فتركوه له.
وقال ابن إسحاق ومحمد بن عمر: لمّا انصرف المشركون أقبل المسلمون على موتاهم يطلبونهم.
وروى الحاكم والبيهقي، عن زيد بن ثابت ﵁ وابن إسحاق عن شيوخه: أن رسول الله ﷺ ، قال: من ينظر لي ما فعل سعد بن الربيع، أفي الأحياء هو أم في الأموات، فإني رأيت اثني عشر رمحا شرعى إليه،
فقال رجل من الأنصار- قال محمد بن عمر: هو محمد بن مسلمة، وقال أبو عمر: هو أبي بن كعب- فنظر في القتلى، فناداه ثلاثا فلم يجبه، فقال: إن رسول الله ﷺ أمرني أن أنظر إلى خبرك، فأجابه بصوت ضعيف.
وفي
стр. 1682
حديث زيد: فبعثني رسول الله ﷺ ، يوم أحد، لطلب سعد بن الربيع، وقال: إن رأيته فأقره مني السلام، وقل له: كيف تجدك؟
قال: فأصبته وهو في آخر رمق، وبه سبعون ضربة ما بين طعنة برمح، وضربة بسيف، ورمية بسهم، فقلت: إن رسول الله ﷺ ، أمرني أن أنظر أفي الأحياء أنت أم في الأموات؟ فقال: أنا في الأموات، فأبلغ رسول الله ﷺ عنّي السلام، وقل له: أن سعد بن الرّبيع يقول: جزاك الله تعالى عنّا خير ما جزى نبيّا عن أمّته، وقل له: أني أجد ريح الجنّة، وأبلغ قومك عني السلام، وقل لهم: أن سعد بن الرّبيع يقول لكم: إنه لا عذر لكم عند الله إن يخلص إلى رسول الله ﷺ ومنكم عين تطرف، ثم لم يبرح أن مات، فجاء رسول الله ﷺ ، فأخبره خبره [ (١) ] .
قال ابن هشام: وحدّثني أبو بكر الزّبيريّ: أنّ رجلا دخل على أبي بكر الصّدّيق، وبنتّ لسعد بن الربيع: جارية صغيرة على صدره يرشفها ويقبّلها، فقال له الرجل: من هذه؟ قال له:
بنت رجل خير منّي: سعد بن الربيع، كان من النّقباء يوم العقبة. وشهد بدرا، واستشهد يوم أحد.
قال ابن إسحاق: وخرج رسول الله ﷺ فيما بلغني- يلتمس حمزة بن عبد المطلب. قال محمد بن عمر وغيره: وجعل يقول: «ما فعل عمّي؟» ويكرر ذلك. فخرج الحارث بن الصّمّة يلتمسه فأبطأ، فخرج عليّ فوجد حمزة ببطن الوادي مقتولا، فأخبر النبي ﷺ ، فخرج يمشي حتى وقف عليه، فوجده قد بقر بطنه عن كبده، ومثّل به، فجدع أنفه وأذناه، فنظر إلى شيء لم ينظر إلى شيء قطّ كان أوجع لقلبه منه، ونظره قد مثّل به.
وفي حديث كعب بن مالك عن ابن أبي شيبة في سنده إن رسول الله ﷺ لمّا قيل له: إن حمزة مثّل به، كره أن ينظر إليه. انتهى.
فقال: «أحتسبك عند الله!»
وروى البزار بسند لا بأس به، عن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما قال: إن رسول الله ﷺ لما بلغه قتل حمزة بكى، فلما نظر إليه شهق.
وروى الحاكم عن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما قال: فقد رسول الله ﷺ حمزة حين فاء الناس من القتال، فقال رجل: رأيته عند تلك الصّخرات وهو يقول: أنا أسد الله وأسد رسوله، اللهمّ أبرأ إليك مما جاء به هؤلاء- يعني أبا سفيان أصحابه- وأعتذر إليك مما صنع هؤلاء بانهزامهم.
فجاء رسول الله ﷺ نحوه، فلما رأى جثّته بكى. ولمّا رأى ما مثّل به
стр. 1683
شهق ثم قال: «ألا كفن؟» فقام رجل من الأنصار فرمى بثوبه عليه، ثم قام آخر فرمى بثوبه عليه، فقال: «يا جابر هذا الثوب لأبيك وهذا لعمّي» ، وقال ﷺ : «رحمة الله عليك، فإنك كنت كما علمتك، فعولا للخيرات، وصولا للرّحم، لولا أن تحزن صفيّة- وفي لفظ: نساؤنا، وفي لفظ: لولا حزن من بعدي عليك، وتكون سبّة من بعدي- لتركته، حتى يحشر من بطون السباع وحواصل الطير» ، ثم قال: «أبشروا، جاءني جبريل فأخبرني أن حمزة مكتوب في أهل السموات السبع: حمزة بن عبد المطلب أسد الله وأسد رسوله» . وقال: «لئن ظفّرني الله تعالى علي قريش في موطن من المواطن لأمثّلنّ بسبعين منهم مكانك» ،
فلما رأى المسلمون حزن رسول الله ﷺ ، وغيظه على من فعل بعمّه ما فعل، قالوا: والله لئن ظفّرنا الله تعالى بهم يوما من الدهر لنمثلنّ بهم مثلة لم يمثّلها أحد من العرب، قال أبو هريرة، كما رواه ابن سعد والبزار وابن المنذر والبيهقي: فنزل جبريل والنبي ﷺ واقف بخواتيم سورة النّحل وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ [النحل ١٢٦] فكفّر النبي ﷺ عن يمينه، وأمسك عن الذي أراد وصبر [ (١) ] .
وروى ابن المنذر والطبرانيّ والبيهقيّ نحوه عن ابن عباس.
وروى الترمذي وحسنه، وعبد الله بن الإمام أحمد في زوائد المسند، والنّسائيّ، وابن المنذر، وابن خزيمة في فرائده، وابن حبان والضياء في صحيحهما عن أبي بن كعب ﵁ قال: لما كان يوم أحد أصيب من الأنصار أربعة وستون رجلا. ومن المهاجرين ستة، منهم حمزة، فمثّلوا به، فقالت الأنصار: لئن أصبنا منهم يوما مثل هذا لنربينّ عليهم، فلما كان فتح مكة أنزل الله تعالى: وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ
فقال رسول الله ﷺ : «نصبر ولا نعاقب، كفّوا عن القوم إلا أربعة» [ (٢) ] .
وروى ابن إسحاق وابن جرير عن عطاء بن يسار قال: نزلت سورة النحل كلّها بمكة إلا ثلاث آيات من آخرها نزلت بالمدينة بعد أحد، حيث قتل حمزة ومثل به،
فقال رسول الله ﷺ : «لئن ظهرنا عليهم لنمثّلنّ بهم مثلة لم يمثّلها أحد من العرب بأحد قطّ، فانزل الله تعالى: وَإِنْ عاقَبْتُمْ إلى آخر السورة [ (٣) ] .
стр. 1684
وروى ابن إسحاق عن سمرة بن جندب ﵁ قال: ما قام رسول الله ﷺ في مقام قطّ ففارقه، حتى أمر بالصدقة ونهى عن المثلة.
قال ابن إسحاق وغيره: وأقبلت صفية بنت عبد المطلب ﵂ لتنظر إلى حمزة، وكان أخاها لأمها وأبيها، فكره رسول الله ﷺ ، أن تراه، فقال: «المرأة المرأة» . فقال الزبير بن العوام: فتوسّمت أنها أمّي صفية، فقال رسول الله ﷺ : «ألقها فأرجعها لا ترى ما بأخيها» ، فخرج يسعى فأدركها قبل أن تنتهي إلى القتلى، فردّها فلكمت صدره، وكانت امرأة جلدة، وقالت: إليك عني، لا أرضى لك. فقال: يا أمه إن رسول الله ﷺ يأمرك أنت ترجعي.
قالت: ولم وقد بلغني أنه قد مثّل بأخي؟ وذلك في الله، فما أرضانا بما كان من ذلك، فلأصبرنّ وأحتسبنّ إن شاء الله. فجاء الزبير إلى رسول الله ﷺ فأخبره، فقال: «خلّ سبيلها» ، فأتته فنظرت إليه، فصلّت عليه، واسترجعت، واستغفرت له.
وروى الطبراني والبزار، عن ابن عباس: أن رسول الله ﷺ خاف على عقل صفية بنت عبد المطلب، فوضع يده على صدرها فاسترجعت، وبكت.
وروى الإمام أحمد وأبو يعلى والبزار عن الزبير والطبرانيّ بسند رجاله ثقات، عن ابن عباس: إن صفية ﵂ أتت بثوبين معها فقالت: هذان ثوبان جئت بهما لأخي حمزة، فقد بلغني مقتله فكفّنوه فيهما. قال: فجئنا بالثوبين لنلفّه فيهما فإذا إلى جنبه رجل من الأنصار، فعل به مثل ما فعل بحمزة، فوجدنا غضاضة وحياء أن نكفّن حمزة في ثوبين، والأنصاريّ لا كفن له، فقلنا: لحمزة ثوب، وللأنصاريّ ثوب، فكان أحدهما أكبر من الآخر فأقرعنا بينهما فكفنّا كلّا منهما في الثوب الذي طاوله، وجعل أبو قتادة الأنصاري ﵁ يريد أن ينال من قريش، لما رأى من غمّ رسول الله ﷺ في قتل حمزة ما مثّل به، ورسول الله ﷺ يشير إليه أن اجلس وكان قائما،
ثم قال: «يا أبا قتادة. إن قريشاً أهل أمانة، من بغاهم العواثر أكبّه الله تعالى لفيه، وعسى إن طالت بك حياة أن تحقر عملك مع أعمالهم، وفعالك مع فعالهم، لولا أن تبطر قريش لأخبرتها بما لها عند الله تعالى» . فقال أبو قتادة: يا رسول الله، ما غضبت إلا لله ولرسوله ﷺ ، حين نالوا من حمزة ما نالوا، فقال رسول الله ﷺ : «صدقت، بئس القوم كانوا لنبيّهم» .
وروى الحاكم عن ابن عباس ﵄ قال: قتل حمزة جنبا، فقال رسول الله ﷺ : «غسّلته الملائكة» ،
وعند ابن سعد عن الحسن مرسلا: إن رسول الله ﷺ قال: «لقد رأيت الملائكة تغسّل حمزة» [ (١) ] .
стр. 1685
وروى ابن أبي شيبة في سنده والطبراني برجال ثقات، عن أبي أسيد الساعديّ وابن أبي شيبة والحاكم عن أنس قالا: كفن رسول الله ﷺ حمزة في نمرة، فمدّت النّمرة على رأسه وانكشف رجلاه، فمدّت على رجليه فانكشف رأسه، فقال رسول الله ﷺ : «مدّوها على رأسه واجعلوا على رجليه شيئا من الحرمل، وفي لفظ: من الإذخر»
[ (١) ] .
ذكر أمره ﷺ بدفن من استشهد يوم أحد
روى الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجة عن ابن عباس ﵄ قال: أمر رسول الله ﷺ يوم أحد بالشّهداء أن ينزع عنهم الحديد والجلود، وقال: «ادفنوهم بدمائهم وثيابهم» [ (٢) ] .
وروى أبو داود عن هشام بن عامر الأنصاريّ قال: جاءت الأنصار يوم أحد فقالوا: يا رسول الله لقد أصابنا قرح وجهد، فكيف تأمرنا؟ فقال: «احفروا واعمقوا ووسعوا، واجعلوا الرجلين والثلاثة في القبر الواحد» ، قيل: يا رسول الله فأيّهم يقدّم؟ قال: «أكثرهم قرآنا» [ (٣) ] .
وروى ابن أبي شيبة في سنده والطبراني برجال الصحيح، عن كعب بن مالك ﵁: أن رسول الله ﷺ ، وقف يوم أحد بين ظهراني القتلى فقال: «أنا شهيد على هؤلاء، كفّنوهم بدمائهم، فإنه ليس جريح يجرح في الله إلا جاء يوم القيامة يدمى، لونه لون الدّم، وريحه ريح المسك، قدّموا أكثرهم قرآنا فاجعلوه في اللّحد» [ (٤) ] .
وروى البخاري عن جابر بن عبد الله ﵄: أن رسول الله ﷺ كان يجمع بين الرجلين من قتلى أحد في ثوب واحد، ثم يقول: أيّهم أكثر أخذا للقرآن؟ فإذا أشير له إلى أحدهما قدّمه فيا للّحد، وقال: «أنا شهيد على هؤلاء» ، وأمر بدفنهم بدمائهم، ولم يصلّ عليهم، ولم يغسّلهم
[ (٥) ] .
قال جابر: وكفّن أبي وعمّي في نمرة واحدة.
وروى ابن إسحاق عن أشياخ من بني سليم: إن رسول الله ﷺ قال يومئذ حين أمر بدفن القتلى: «انظروا عمرو بن الجموح وعبد الله بن عمرو بن حرام، فإنهما كانا متصافيين في الدنيا فاجعلوهما في قبر واحد» .
стр. 1686
قال ابن إسحاق: وقد احتمل الناس قتلاهم إلى المدينة فدفنوهم بها، ثم نهى رسول الله ﷺ عن ذلك، وقال: «ردّوهم وادفنوهم حيث صرعوا» .
قال محمد بن عمر فلم يردّ أحد إلا رجل واحد أدركه المنادي قبل أن يدفن، وهو شمّاس بن عثمان المخزوميّ.
وروى الإمام أحمد والأربعة عن جابر بن عبد الله ﵄: أن قتلى أحد حملوا من أماكنهم فنادى منادي رسول الله ﷺ ، أن ردّوا القتلى إلى مضاجعهم [ (١) ] .
وروى الإمام أحمد عنه قال: استشهد أبي بأحد فأرسلني أخواتي إليه بناضح لهنّ فقلن:
اذهب فاحتمل أباك على هذا الجمل، فادفنه في مقبرة بني سلمة. قال: فجئته وأعوان لي، فبلغ رسول الله ﷺ ذلك، وهو جالس بأحد، فدعاني
فقال: «والذي نفسي بيده لا يدفن إلّا أصحابه [بأحد] »
[ (٢) ] .
وروى أبو داود والنّسائيّ عنه أيضاً قال: خرج رسول الله ﷺ إلى المشركين ليقاتلهم، وقال لي أبي عبد الله: يا جابر، لا عليك أن تكون في النّظّارة من أهل المدينة، حتى تعلم ما يصير أمرنا، والله لولا أنّي أترك بنات بعدي لأحببت أن تقتل بين يدي. قال: فبينا أنا في النّظّارة إذ جاءت عمّتي بأبي وخالي عادلتهما على ناضح، فدخلت بهما المدينة، إذ لحق رجل ينادي: إلا أن رسول الله ﷺ يأمركم أن ترجعوا بالقتلى فتدفنوها في مضاجعها، حيث قتلوا.
وروى الحاكم والبيهقي عن أبي هريرة ﵁ وابن مردويه عن خبّاب بن الأرتّ ﵁: إن رسول الله ﷺ مرّ بمصعب بن عمير وهو مقتول على طريقه فوقف عليه، فدعا له ثم قرأ: مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ [الأحزاب ٢٣] الآية. ثم قال: لقد رأيتك بمكة وما بها أحد أرقّ حلّة ولا أحسن لمّة منك.
وروى البخاري: أن عبد الرحمن بن عوف ﵁ أتي بطعام وكان صائما فقال:
قتل مصعب بن عمير، وهو خير من كفّن في برده، إن غطّي رأسه بدت رجلاه، وإن غطّي رجلاه بدا رأسه.
وروى الخمسة عن خبّاب ﵁ قال: هاجرت مع رسول الله ﷺ نبتغي رحمة الله، فوجب أجرنا على الله، فمنّا من قضى أو ذهب ولم يأكل من أجره شيئا، منهم مصعب بن عمير، قتل يوم أحد فلم يترك إلا نمرة، وكنّا إذا غطّينا بها رأسه خرجت رجلاه، وإذا
стр. 1687
غطّينا بها رجليه خرج رأسه،
فقال رسول الله ﷺ : «غطّوا بها رأسه، واجعلوا على رجليه من الإذخر. ومنا من أينعت له ثمرته فهو يهدبها» [ (١) ] .
ذكر دعائه ﷺ ، بعد الوقعة يوم أحد
روى الإمام أحمد والنّسائيّ، في كتاب عمل اليوم والليلة، والحاكم، وقال على شرط الشيخين، وأقرّه الذهبيّ ومحمد بن عمر الأسلمي، عن رفاعة بن رافع الزرقي ﵁: أن رسول الله ﷺ لما فرغ من دفن أصحابه ركب فرسه، وخرج المسلمون حوله، عامتهم جرحى، ولا مثل لبني سلمة وبني عبد الأشهل، ومعه أربع عشرة امرأة. فلما كانوا بأصل أحد قال: «اصطفّوا حتى أثني على ربي » ، فاصطف الرجال خلفه صفوفا، خلفهم النساء، فقال: «اللهم لك الحمد كلّه، اللهم لا قابض لما بسطت، ولا باسط لما قبضت، ولا هادي لمن أضللت، ولا مضلّ لمن هديت، ولا معطي لما منعت، وما مانع لما أعطيت ولا مقرّب لما باعدت، ولا مباعد لما قرّبت. اللهم ابسط علينا من بركاتك ورحمتك وفضلك ورزقك، اللهم إنا نسألك النّعيم المقيم الذي لا يحول ولا يزول، اللهم إنا نسألك النعيم يوم العيلة، اللهم إنا نسألك الأمن يوم الخوف [والغنى يوم الفاقة] ، اللهم إني عائذ بك من شر ما أعطيتنا، ومن شر ما منعتنا، اللهم حبّب إلينا الإيمان وزيّنه في قلوبنا، وكرّه إلينا الكفر والفسوق والعصيان، واجعلنا من الراشدين. اللهمّ توفّنا مسلمين، وأحينا مسلمين، وألحقنا بالصالحين، غير خزايا ولا مفتونين. اللهمّ قاتل الكفرة الذين يكذّبون رسلك، ويصدّون عن سبيلك، واجعل عليهم رجزك وعذابك. اللهمّ قاتل الكفرة الّذين أوتوا الكتاب، إله الحقّ. آمين» .
ذكر رحيل النبي ﷺ إلى المدينة
لما فرغ رسول الله ﷺ من دفن أصحابه، ﵃، ركب فرسه وخرج المسلمون حوله راجعين إلى المدينة، فلقيته حمنة بنت جحش، فقال لها رسول الله ﷺ : «يا حمنة: احتسبي» ، قالت: من يا رسول الله؟ قال: «خالك حمزة بن عبد المطلب» . قالت:
إن لله وإنا إليه راجعون، غفر الله له، هنيئا له الشهادة، ثم قال لها: «احتسبي» ، قالت: من يا رسول الله؟ قال: «أخوك عبد الله بن جحش» ، قالت: إنا لله وإنا إليه راجعون، غفر الله له، هنيئا له الشهادة، ثم قال لها: «احتسبي» ، قالت: من يا رسول الله؟ قال: «زوجك مصعب بن عمير» ، قالت: وا حزناه، وفي لفظ: وا عقراه، وصاحت وولولت، فقال رسول الله ﷺ : «إن زوج المرأة
стр. 1688
منها لبمكان، لما رأى من تثبّتها على أخيها وخالها، وصياحها على زوجها» ، ثم قال لها: «لم قلت هذا؟» قالت: يا رسول الله، ذكرت يتم بنيه فراعني،
فدعا لها رسول الله ﷺ ، ولولدها أن يحسن الله تعالى عليهم من الخلف.
وروى ابن ماجة عن إبراهيم بن أحمد بن عبيد الله بن جحش عن أبيه عن حمنة بنت جحش: أنّه قيل لها: قتل أخوك، فقالت: ﵀، وإنا لله وإنا إليه راجعون، فقالوا: قتل زوجك، فقالت: وا حزناه!
فقال رسول الله ﷺ : «إن للزّوج من المرأة لشغفة ما هي لشيء!» [ (١) ] .
وأقبل رسول الله ﷺ ، حتى طلع على بني عبد الأشهل وهم يبكون على قتلاهم، فذرفت عينا رسول الله ﷺ ، ثم قال: لكنّ حمزة لا بواكي له!
فخرج النساء ينظرن إلى سلامة رسول الله ﷺ ، فقالت أمّ عامر الأشهلية: كل مصيبة بعدك جلل!.
ومرّ رسول الله ﷺ ، بامرأة من بني دينار قد أصيب أبوها وزوجها وأخوها مع رسول الله ﷺ ، بأحد، فلمّا نعوا إليها قالت: ما فعل رسول الله ﷺ ؟ قالوا: خيرا يا أمّ فلان، هو بحمد الله كما تحبين، قالت: أرونيه حتى أنظر إليه فأشير بها إليه، فلما رأته قالت: كل مصيبة بعدك جلل!
وروى الطبراني عن أنس بن مالك ﵁ قال: لما كان يوم أحد حاص أهل المدينة حيصة، وقالوا: قتل محمد، حتى كثر الصراخ في ناحية المدينة، فخرجت امرأة من الأنصار محزمة، فاستقبلت بأبيها ابنها وزوجها وأخيها، لا أدري أيّهم استقبلت به أولا، فلما مرّت على آخرهم قالوا: أبوك، زوجك، أخوك، ابنك، فتقول: ما فعل رسول الله؟ يقولون:
أمامك، حتى دفعت إلى رسول الله ﷺ ، فأخذت بناحية ثوبه، ثم قالت: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، لا أبالي إذا سلمت من عطب! وروى ابن أبي حاتم، عن عكرمة مرسلا قال: لما أبطأ الخبر على النساء خرجن يستخبرن، فإذا رجلان مقتولان على دابة أو بعير، فقالت امرأة من الأنصار: من هذان؟ قالوا:
فلان وفلان: أخوها وزوجها أو زوجها وابنها. فقالت: ما فعل رسول الله ﷺ ؟ قالوا: حيّ، قالت: فلا أبالي، يتّخذ الله من عباده شهداء، وأنزل الله تعالى على ما قالت: وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَداءَ [آل عمران ١٤٠]
стр. 1689
وجاءت أم سعد بن معاذ، وهي كبشة بنت رافع تعدو نحو رسول الله ﷺ ، وقد وقف على فرسه، وسعد بن معاذ آخذ بعنان فرسه، فقال سعد: يا رسول الله! أمّي!، فقال: «مرحبا بها» ، فدنت حتى تأملت رسول الله ﷺ ، وقالت: أما إذ رأيتك سالما فقد أشوت المصيبة، فعزّاها رسول الله ﷺ بعمرو بن معاذ ابنها، ثم قال: «يا أمّ سعد، أبشري وبشّري أهليهم: أنّ قتلاهم ترافقوا في الجنة جميعا، وقد شفّعوا في أهليهم» قالت: رضينا يا رسول الله، ومن يبكي عليهم بعد هذا؟ ثم قالت: يا رسول الله ادع لمن خلّفوا فقال: «اللهم أذهب حزن قلوبهم، واجبر مصيبتهم، وأحسن الخلف على من خلّفوا» ، ثم قال: «خلّ يا أبا عمرو- يعني سعد بن معاذ- الدّابّة» ، فخلّى سعد الفرس، فتبعه النّاس، فقال: «أبا عمرو إنّ الجراح في أهل دارك فاشية، وليس منهم مجروح إلا يأتي يوم القيامة جرحه كأغزر ما كان، اللّون لون الدّم، والرّيح ريح المسك، فمن كان مجروحا فليقرّ في داره وليداو جرحه، ولا يبلغ معي بيتي، عزيمة منّي» . فنادى فيهم سعد: عزيمة من رسول الله ﷺ ألّا يتبع رسول الله ﷺ جريح من بني عبد الأشهل، فتخلّف كلّ مجروح، فباتوا يوقدون النّيران، ويداوون الجرحى، ومضى سعد مع رسول الله ﷺ حتى جاء بيته، فما نزل نبي الله ﷺ ، عن فرسه إلا حملا، واتّكأ على سعد بن عبادة وسعد بن معاذ، حتى دخل بيته، فلما انتهى رسول الله ﷺ إلى أهله ناول سيفه ابنته فاطمة، فقال: «اغسلي عن هذا دمه، فو الله لقد صدقني اليوم» ، وناولها علي بن أبي طالب سيفه، فقال: «وهذا، فاغسلي عنه دمه، فو الله لقد صدقني اليوم» ، فقال رسول الله ﷺ :
«لئن كنت صدقت القتال لقد صدقه معك سهل بن حنيف وأبو دجانة» .
وروى الحاكم بسند صحيح عن ابن عباس ﵄ قال: جاء علي بسيفه يوم أحد وقد انحنى، فقال لفاطمة: هاك السيف حميدا، فإنه قد شفاني اليوم، فقال رسول الله ﷺ : «لئن أجدت الضّرب بسيفك لقد أجاد سهل بن حنيف، وأبو دجانة، وعاصم بن ثابت، والحارث بن الصّمّة» .
قال ابن هشام: وحدّثني بعض أهل العلم أنّ ابن أبي نجيح قال: نادى مناد يوم أحد:
لا سيف إلّا ذو الفقا ... ر ولا فتّى إلّا عليّ
يعني بذي الفقار سيف رسول الله ﷺ ، وهو الذي غنمه يوم بدر، وهو الذي رأى فيه الرؤيا يوم أحد.
ولما أذّن بلال بصلاة المغرب خرج رسول الله ﷺ ، وهو على تلك الحال، يتوكّأ على السّعدين، فصلّى بهم، ثم عاد إلي بيته. ومضى سعد بن معاذ إلى نسائه ونساء قومه، فساقهنّ حتى لم تبق امرأة إلا جاء بها إلى بيت رسول الله ﷺ ، يبكين حمزة بين المغرب
стр. 1690
والعشاء، والنّاس في المسجد يوقدون النيران، يتكمّدون بها من الجراح.
وأذّن بلال العشاء حتى غاب الشّفق الأحمر، فلم يخرج رسول الله ﷺ ، حتى ذهب ثلث الليل، ثم ناداه: الصّلاة يا رسول الله، فهبّ رسول الله ﷺ من نومه وخرج، فإذا هو أخفّ في مشيته منه حين دخل،
وسمع البكاء، فقال: «ما هذا؟» فقيل: نساء الأنصار يبكين على حمزة، فقال: «رضي الله عنكنّ وعن أولادكنّ» ، وأمر أن تردّ النّساء إلى منازلهنّ.
وذكر ابن هشام أنه ﷺ خرج عليهنّ، وهنّ على باب المسجد يبكين على حمزة فقال: «ارجعن رحمكنّ الله، ولقد واسيتنّ، رحم الله الأنصار، فإن المواساة فيهم ما علمت قديمة» ،
فرجعن بليل مع رجالهنّ.
وروى أبو يعلى برجال الصحيح عن ابن عمر، وعن أنس، والإمام أحمد، وابن ماجة بسند صحيح، عن ابن عمر، والطبراني، عن ابن عباس ﵃: أن رسول الله ﷺ ، لما رجع من أحد سمع نساء الأنصار يبكين على أزواجهنّ فقال: لكن حمزة لا بواكي له، فبلغ النساء، ذلك، فجئن فبكين على حمزة، فانتبه من الليل فسمعهنّ وهن يبكين، فقال:
ويحهنّ ما زلن يبكين منذ الليلة. مروهنّ ليرجعن ولا يبكين على هالك بعد اليوم» [ (١) ] .
وصلى رسول الله ﷺ العشاء، ثم رجع إلى بيته وقد صفّ له الرّجال ما بين بيته إلى مصلّاه يمشي وحده حتى دخل، وباتت وجوه الأوس والخزرج على بابه في المسجد يحرسونه، فرقا من قريش أن تكرّ.
ذكر إظهار المنافقين واليهود الشماتة والسرور بما حصل للمسلمين
ولما حصل لرسول الله ﷺ وأصحابه ما حصل جعل عبد الله بن أبي ابن سلول والمنافقون يشمتون ويسرّون بما أصاب المسلمين، ويظهرون أقبح القول، فيقول ابن أبيّ لابنة عبد الله وهو جريح قد بات يكوي الجراحة بالنار: ما كان خروجك معه إلى هذا الوجه برأي، عصاني محمد وأطاع الولدان، والله لكأني كنت أنظر إلى هذا. فقال ابنه: الذي صنع الله تعالى لرسوله وللمسلمين خير. وأظهر اليهود القول السّيّئ، فقالوا: ما محمد إلا طالب ملك، ما أصيب هكذا نبيّ قطّ، أصيب في بدنه، وأصيب في أصحابه. وجعل المنافقون يخذّلون عن رسول الله ﷺ أصحابه، ويأمرونهم بالتفرّق عنه ويقولون: لو كان من قتل منكم عندنا ما قتل.
وسمع عمر بن الخطاب ﵁ ذلك في أماكن، فمشى إلى رسول الله ﷺ ، ليستأذنه
стр. 1691
في قتل من سمع ذلك منه، من اليهود والمنافقين،
فقال ﷺ : «يا عمر، أن الله تعالى مظهر دينه، ومعزّ نبيّه، ولليهود ذمّة فلا أقتلهم» ، قال: فهؤلاء المنافقون؟ قال: «أليس يظهرون شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله؟» قال: بلى يا رسول الله، وإنما يفعلون ذلك تعوّذا من السيف، فقد بان لنا أمرهم، وأبدى الله تعالى أضغانهم عند هذه النّكبة، فقال: «إني نهيت عن قتل من قال: لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، يا بن الخطاب إنّ قريشا لن ينالوا منّا مثل هذا اليوم، حتّى نستلم الرّكن» .
ذكر قيام عبد الله بن أبي وإرادته الخطبة ومنع المسلمين له من ذلك
قال ابن شهاب الزهري: لما قدم رسول الله ﷺ ، المدينة كان عبد الله بن أبي ابن سلول يقوم كل جمعة، لا ينكر شيئا قاله في نفسه ولا في قومه، وكان شريفا في قومه، إذا جلس رسول الله ﷺ ، يوم الجمعة وهو يخطب الناس قام عبد الله فقال: أيها الناس هذا رسول الله بين أظهركم، أكرمكم الله تعالى، وأعزّكم به، فانصروه وعزّزوه واسمعوا له وأطيعوا، ثم يجلس حتى إذا صنع يوم أحد ما صنع، ورجع بالنّاس قام يفعل ذلك كما كان يفعل، فأخذ المسلمون بثوبه من نواحيه وقالوا له: اجلس أي عدوّ الله، لست لذلك بأهل، وقد صنعت ما صنعت، فخرج يتخطّى رقاب الناس ويقول: والله لكأنما قلت بجرا أن قمت لأشدّ أمره. فلقيه رجل من الأنصار بباب المسجد فقال: مالك؟ ويلك! قال: قمت أشدّ أمره فوثب رجال من أصحابه يجذبونني ويعنّفونني، لكأنني قلت بجرا أن قمت أشدّ أمره، قال: ويلك ارجع يستغفر لك رسول الله ﷺ ، فقال: والله ما أبتغي أن يستغفر لي.
ذكر ما نزل من القرآن في شأن أحد
قال ابن إسحاق: وكان مما أنزل الله تعالى في يوم أحد من القرآن ستون آية من آل عمران، فيها صفة ما كان في يومهم ذلك.
وروى أبو يعلى وابن المنذر وابن أبي حاتم عن المسور بن مخرمة قال: قلت:
لعبد الرحمن بن عوف: يا خال، أخبرني عن قصتكم يوم أحد، قال: اقرأ بعد العشرين ومائة من آل عمران تجد قصّتنا، أي من قوله تعالى: وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقاعِدَ لِلْقِتالِ [آل عمران ١٢١] .
ذكر بعض ما قاله المسلمون من الشعر في غزوة أحد
قال حسان بن ثابت ﵁ يجيب هبيرة بن أبي وهب عن كلمة قالها:
стр. 1692
سقتم كنانة جهلا من سفاهتكم ... إلى الرّسول فجند الله مخزيها
أوردتموها حياض الموت ضاحية ... فالنّار موعدها والقتل لاقيها
جمعتموهم أحابيشا بلا حسب ... أئمّة الكفر غرّتكم طواغيها
ألا اعتبرتم بخيل الله إذ قتلت ... أهل القليب ومن ألقينه فيها؟!
كم من أسير فككناه بلا ثمن ... وجزّ ناصية كنّا مواليها
وقال كعب بن مالك ﵁ يجيبه أيضا:
ألا هل أتى غسّان عنّا ودونهم ... من الأرض خرق سيره متنعنع
صحار وأعلام كأنّ قتامها ... من البعد نقع هامد متقطّع
تظلّ به البزل العراميس رزّحا ... ويخلو به غيث السّنين فيمرع
به جيف الحسرى يلوح صليبها ... كما لاح كتّان التّجار الموضّع
به العين والأرآم يمشين خلفة ... وبيض نعام قيضه يتقلّع
مجالدنا عن ديننا كلّ فخمة ... مدرّبة فيها القوانس تلمع
وكلّ صموت في الصّوان كأنّها ... إذا لبست نهي من الماء مترع
ولكن ببدر سائلوا من لقيتمو ... من النّاس والأنباء بالغيب تنفع
وإنّا بأرض الخوف لو كان أهلها ... سوانا لقد أجلوا بليل فأقشعوا
إذا جاء منّا راكب كان قوله ... أعدّوا لما يزجي ابن حرب ويجمع
فمهما يهمّ النّاس ممّا يكيدنا ... فنحن له من سائر النّاس أوسع
فلو غيرنا كانت جميعا تكيده ال ... بريّة قد أعطوا يدا وتورّعوا
نجالد لا تبقى علينا قبيلة ... من الناس إلا أن يهابوا ويفظعوا
ولمّا ابتنوا بالعرض قال سراتنا: ... علام إذا لم تمنع العرض نزرع؟!
وفينا رسول الله نتبع أمره ... إذا قال فينا القول لا نتطلّع
تدلّى عليه الرّوح من عند ربّه ... ينزل من جو السّماء ويرفع
نشاوره فيما نريد وقصدنا ... إذا ما اشتهى أنّا نطيع ونسمع
وقال رسول الله لمّا بدوا لنا: ... ذروا عنكم هول المنيّات واطمعوا
وكونوا كمن يشري الحياة تقرّبا ... إلى ملك يحيا لديه ويرجع
ولكن خذوا أسيافكم وتوكّلوا ... على الله أن الأمر لله أجمع
فسرنا إليهم جهرة في رحالهم ... ضحيّا علينا البيض لا نتخشّع
بملمومة فيها السّنوّر والقنا ... إذا ضربوا أقدامها لا تورّع
فجئنا إلى موج من البحر وسطه ... أحابيش منهم حاسر ومقنع
стр. 1693
ثلاثة آلاف ونحن نصيّة ... ثلاث مئين إن كثرنا وأربع
نعاورهم تجري المنيّات بيننا ... نشارعهم حوض المنايا ونشرع
تهادى قسيّ النّبع فينا وفيهم ... وما هو إلّا اليثربيّ المقطّع
ومنجوفة حرميّة صاعديّة ... يذرّ عليها السّمّ ساعة تصنع
تصوب بأبدان الرّجال وتارة ... تمرّ بأعراض البصار تقعقع
وخيل تراها بالفضاء كأنّها ... جراد صبا في قرّة يتريّع
فلمّا تلاقينا ودارت بنا الرّحى ... وليس لأمر حمّه الله مدفع
ضربناهم حتّى تركنا سراتهم ... كأنّهم بالقاع خشب مصرّع
لدن غدوة حتّى استفقنا عشيّة ... كأنّ ذكانا حرّ نار تلفّع
وراحوا سراعا موجفين كأنّهم ... جهام هراقت ماءه الرّيح مقلع
ورحنا وأخرانا بطاء كأنّنا ... أسود على لحم ببيشة ظلّع
فنلنا ونال القوم منّا وربّما ... فعلنا ولكن ما لدى الله أوسع
ودارت رحانا واستدارت رحاهم ... وقد جعلوا كلّ من الشّرّ يشبع
ونحن أناس لا نرى القتل سبّة ... على كل من يحمي الذّمار ويمنع
جلاد على ريب الحوادث لا نرى ... على هالك عينا لنا الدّهر تدمع
بنو الحرب لا نعيا بشيء نقوله ... ولا نحن ممّا جرّت الحرب نجزع
بنو الحرب إن نظفر فلسنا بفحّش ... ولا نحن من أظفارها نتوجّع
وكنّا شهابا يتّقي النّاس شرّه ... ويفرج عنه من يليه ويسفع
فخرت عليّ ابن الزّبعرى وقد سرى ... لكم طلب من آخر اللّيل متبع
فسل عنك في عليا معدّ وغيرها ... من الناس من أخزى مقاما وأشنع
ومن هو لم تترك له الحرب مفخرا ... ومن خدّه يوم الكريهة أضرع
شددنا بحول الله، والنّصر شدّة ... عليكم وأطراف الأسنّة شرّع
نكرّ القنا فيكم كأنّ فروغها ... عزالى مزاد ماؤها يتهزّع
عمدنا إلى أهل اللّواء ومن يطر ... بذكر اللّواء فهو في الجذم أسرع
فخانوا وقد أعطوا يدا وتخاذلوا ... أبى الله إلا أمره وهو أصنع
قال ابن هشام: وقد كان كعب بن مالك قد قال: «مجالدنا عن جذمنا كلّ فخمة» ،
فقال رسول الله ﷺ : «أيصلح أن نقول: مجالدنا عن ديننا؟» فقال كعب بن مالك: نعم، فقال رسول الله ﷺ : «فهو أحسن» ، فهو أحسن،
فقال كعب: «مجالدنا عن ديننا» .
стр. 1694
وقال ﵁ أيضا:
أبلغ قريشا وخير القول أصدقه ... والصّدق عند ذوي الألباب مقبول
أن قد قتلنا بقتلانا سراتكم ... أهل اللّواء ففيما يكثر القيل؟!
ويوم بدر لقيناكم لنا مدد ... فيه مع النّصر ميكال وجبريل
إن تقتلونا فدين الحقّ فطرتنا ... والقتل في الحقّ عند الله تفضيل
وإن تروا أمرنا في رأيكم سفها ... فرأي من خالف الإسلام تضليل
فلا تمنّوا لقاح الحرب واقتعدوا ... إنّ أخا الحرب أصدى اللّون مشغول
إنّ لكم عندنا ضربا يراح بكم ... عرج الضّباع له خذم رعابيل
إنّا بنو الحرب نمريها وننتجها ... وعندنا لذوي الأضغان تنكيل
إن ينج ابن حرب بعد ما بلغت ... منه التّراقي وأمر الله مفعول
فقد أفادت له حلما وموعظة ... لمن يكون له لبّ ومعقول
ولو هبطتم ببطن السّيل كافحكم ... ضرب بشاكلة البطحاء ترعيل
تلقاكم عصب حول النّبيّ لهم ... ممّا يعدّون للهيجا سرابيل
من جذم غسّان مسترخ حمائلهم ... لا جبناء ولا ميل معازيل
يمشون نحو عمايات القتال كما ... تمشي المصاعبة الأذم المراسيل
أو مثل مشي أسود الطّلّ ألثقها ... يوم رذاذ من الجوزاء مشمول
في كلّ سابغة كالنّهي محكمة ... قيامها فلج كالسّيف بهلول
تردّ حدّ قران النّبل خاسئة ... ويرجع السّيف منها وهو مفلول
ولو قذفتم بسلع عن ظهوركم ... وللحياة ودفع الموت تأجيل
ما زال في القوم وتر منكم أبدا ... تعفو السّلام عليه وهو مطلول
عبد وحرّ كريم موبق قنصا ... شطر المدينة مأسور ومقتول
كنّا نؤمّل أخراكم فأعجلكم ... منّا فوارس لا عزل ولا ميل
إذا جنى فيهم الجاني فقد علموا ... حقّا بأنّ الّذي قد جرّ محمول
ما يجن لا يجن من إثم مجاهرة ... ولا ملوم ولا في الغرم مخذول
وقال حسان بن ثابت ﵁ يجيب ابن الزّبعرى:
ذهبت بابن الزّبعرى وقعة ... كان منّا الفضل فيها لو عدل
ولقد نلتم ونلنا منكم ... وكذاك الحرب أحيانا دول
نضع الأسياف في أكتافكم ... حيث نهوى عللا بعد نهل
نخرج الأصبح من أستاهكم ... كسلاح النّيب يأكلن العصل
стр. 1695
إذ تولّون على أعقابكم ... هرّبا في الشّعب أشباه الرّسل
إذ شددنا شدّة صادقة ... فأجأناكم إلى سفح الجبل
بخناطيل كأمذاق الملا ... من يلاقوه من النّاس يهل
ضاق عنّا الشّعب إذ نفرعه ... وملأنا الفرط منه والرّجل
برجال لستم أمثالهم ... أيّدوا جبريل نصرا فنزل
وعلونا يوم بدر بالتّقى ... طاعة الله وتصديق الرّسل
وقتلنا كلّ رأس منهم ... وقتلنا كلّ جحجاح رفل
وتركنا في قريش عورة ... يوم بدر وأحاديث المثل
ورسول الله حقّا شاهد ... يوم بدر والتّنابيل الهبل
في قريش من جموع جمّعوا ... مثل ما يجمع في الخصب الهمل
نحن لا أمثالكم ولد استها ... نحضر النّاس إذا البأس نزل
وقال حسان بن ثابت يبكي حمزة بن عبد المطلب ومن أصيب من أصحاب رسول الله ﷺ يوم أحد، ﵃:
يا ميّ قومي فاندبي بسحيرة شجو النّوائح ... كالحاملات الوقر بالثّقل الملحّات الدّوالح
المعولات الخامشات وجوه حرّات صحائح ... وكأنّ سيل دموعها الأنصاب تخضب بالذّبائح
ينقضن أشعارا لهنّ هناك بادية المسايح ... وكأنّها أذناب خيل بالضّحى شمس روامح
من بين مشذور ومجزور يذعذع بالبوارح ... يبكين شجو مسلّبات كدّحتهنّ الكوادح
ولقد أصاب قلوبها مجل له جلب قوارح ... إذ أقصد الحدثان من كنّا نرجّى إذ نشايح
أصحاب أحد غالهم دهر ألمّ له بوارح ... من كان فارسنا وحامينا إذا بعث المسالح
يا حمز لا والله لا أنساك ما صرّ اللّقائح
стр. 1696
لمناخ أيتام وأضياف وأرملة تلامح ... ولما ينوب الدّهر في حرب لحرب وهي لاقح
يا فارسا يا مدرها يا حمز قد كنت المصامح ... عنّا شديدات الأمور إذا ينوب لهنّ فادح
ذكّرتنى أسد الرّسول وذاك مدرهنا المنافح ... عنّا وكان يعدّ إذ عدّ الشّريفون الجحاجح
يعلو القماقم جهرة سبط اليدين أغرّ واضح ... لا طائش رعش ولا ذو علّة بالحمل آنح
بحر فليس يغبّ جارا منه سيب أو منادح ... أودى الشّباب أولوا الحفائظ والثّقيلون المراجح
المطعمون إذا المشاتي ما يصفّقهنّ ناضح ... لحم الجلاد وفوقه من شحمه شرائح
ليدافعوا عن جارهم ما رام ذو الضّغن المكاشح ... لهفي لشّبّان رزئناهم كأنّهم المصابح
شمّ بطارقة خضارمة مسامح ... المشترون الحمد بالأموال إنّ الحمد رابح
والجامزون بلجمهم يوما إذا ما صاح صائح ... من كان يرمى بالنّواقر من زمان غير صالح
ما إن تزال ركابه يرسمن في غبر صحاصح ... راحت تبارى وهو في ركب صدورهم رواشح
حتّى تؤوب له المعالي ليس من فوز السّفائح ... يا حمز قد أوحدتني شذّبه الكوافح
أشكو إليك وفوقك التّرب المكوّر والصّفائح ... من جندل نلقيه فوقك إذ أجاد الضّرح ضارح
في واسع يحشونه بالتّرب سوّته المماسح
стр. 1697
فغزاؤنا أنّا نقول وقولنا برح بوارح ... من كان أمسى وهو عمّا أوقع الحدثان جانح
فليأتنا فلتبك عيناه لهلكانا النّوافح ... القائلين الفاعلين ذوي السّماحة والممادح
من لا يزال ندى يديه له طوالع الدّهر مائح
وقال كعب بن مالك ﵁:
سائل قريشا غداة السّفح من أحد ... ماذا لقينا وما لاقوا من الهرب
كنّا الأسود وكانوا النّمر إذ زحفوا ... ما إن نراقب من إلّ ولا نسب
فكم تركنا بها من سيّد بطل ... حامي الذّمار كريم الجدّ والحسب
فينا الرسول شهابٌ ثم يتبعه ... نورٌ مضيءٌ له فضلٌ على الشّهب
الحقّ منطقه والعدل سيرته ... فمن يجبه إليه ينج من تبب
نجد المقدّم ماضي الهمّ معتزم ... حين القلوب على رجف من الرّعب
نمضي ويذمرنا عن غير معصية ... كأنّه البدر لم يطبع على الكذب
بدا لنا فاتّبعناه نصدّقه ... وكذّبوه فكنّا أسعد العرب
جالوا وجلنا فما فاءوا وما رجعوا ... ونحن نثفنهم لم نأل في الطّلب
لسنا سواء وشتّى بين أمرهما ... حزب الإله وأهل الشّرك والنّصب
وقال عبد الله بن رواحة يبكي حمزة ﵁:
بكت عيني وحقّ لها بكاها ... وما يغني البكاء ولا العويل
على أسد الإله غداة قالوا ... أحمزة ذاكم الرّجل القتيل
أصيب المسلمون به جميعا ... هناك وقد أصيب به الرّسول
أبا يعلى لك الأركان هدّت ... وأنت الماجد البرّ الوصول
عليك سلام ربّك في جنان ... مخلطها نعيم لا يزول
ألا يا هاشم الأخيار صبرا ... فكلّ فعالكم حسن جميل
رسول الله مصطبر كريم ... بأمر الله ينطق إذ يقول
ألا من مبلغ عنّي لؤيّا ... فبعد اليوم دائلة تدول
وقبل اليوم ما عرفوا وذاقوا ... وقائعنا بها يشفى الغليل
نسيتم ضربنا بقليب بدر ... غداة أتاكم الموت العجيل
غداة ثوى أبو جهل صريعا ... عليه الطّير حائمة تجول
стр. 1698
وعتبة وابنه خرّا جميعا ... وشيبة عضّه السّيف الصّقيل
ومتركنا أميّة مجلعبّا ... وفي حيزومه لدن نبيل
وهام بني ربيعة سائلوها ... ففي أسيافنا منها فلول
ألا يا هند لا تبدي شماتا ... بحمزة إنّ عزّكم ذليل
ألا يا هند فابكي لات تملّى ... فأنت الواله العبرى الهبول
وقال حسان بن ثابت يبكيه:
أتعرف الدّار عفا رسمها ... بعدك صوب المسبل الهاطل
بين السّراديح فأدمانة ... فمدفع الرّوحاء في حائل
ساءلتها عن ذاك فاستعجمت ... لم تدر ما مرجوعة السّائل
دع عنك دارا قد عفا رسمها ... وابك على حمزة ذي النّائل
المالئ الشّيزى إذا أعصفت ... غبراء في ذي الشّبم الماحل
والتّارك القرن لدى لبدة ... يعثر في ذي الخرص الذّابل
واللّابس الخيل إذا أحجمت ... كاللّيث في غابته الباسل
أبيض في الذّروة من هاشم ... لم يمر دون الحقّ بالباطل
مال شهيدا بين أسيافكم ... شلّت يدا وحشيّ من قاتل
أيّ امرئ غادر في ألّة ... مطرورة مارنة العامل
أظلمت الأرض لفقدانه ... واسودّ نور القمر النّاصل
صلى عليه الله في جنّة ... عالية مكرمة الدّاخل
كنّا نرى حمزة حرزا لنا ... من كل أمر نابنا نازل
وكان في الإسلام ذا تدرإ ... يكفيك فقد القاعد الخاذل
لا تفرحي يا هند واستحلبي ... دمعا وأذري عبرة الثّاكل
وابكي على عتبة إذ قطّه ... بالسّيف تحت الرّهج الجائل
إذ خرّ في مشيخة منكم ... من كلّ عات قلبه جاهل
أرداهم حمزة في أسرة ... يمشون تحت الحلق الفاضل
غداة جبريل وزير له ... نعم وزير الفارس الحامل
وقال كعب بن مالك يبكيه:
طرقت همومك فالرّقاد مسهّد ... وجزعت أن سلب الشّباب الأغيد
ودعت فؤادك للهوى ضمريّة ... فهواك غوريّ وصحبك منجد
стр. 1699
فدع التّمادي في الغواية سادرا ... قد كنت في طلب الغواية تفند
ولقد أنى لك أن تناهى طائعا ... أو تستفيق إذا نهاك المرشد
ولقد هددتّ لفقد حمزة هدّة ... ظلّت بنات الجوف منها ترعد
ولو أنّه فجعت حراء بمثله ... لرأيت راسي صخرها يتبدّد
قرم تمكّن في ذؤابة هاشم ... حيث النّبوّة والنّدى والسّؤدد
والعاقر الكوم الجلاد إذا غدت ... ريح يكاد الماء منها يجمد
والتّارك القرن الكميّ مجدّلا ... يوم الكريهة والقنا يتقصّد
وتراه يرفل في الحديد كأنّه ... ذو لبدة شثن البراثن أربد
عمّ النّبيّ محمّد وصفيّه ... ورد الحمام فطاب ذاك المورد
وأتى المنيّة معلما في أسرة ... نصروا النّبيّ ومنهم المستشهد
ولقد إخال بذاك هندا بشّرت ... لتميت داخل غصّة لا تبرد
ممّا صبحنا بالعقنقل قومها ... يوما تغيّب فيه عنها الأسعد
حتّى رأيت لدى النّبيّ سراتهم ... قسمين نقتل من نشاء ونطرد
وببئر بدر إذ يردّ وجوههم ... جبريل تحت لوائنا ومحمّد
فأقام بالعطن المعطّن منهم ... سبعون عتبة منهم والأسود
وابن المغيرة قد ضربنا ضربة ... فوق الوريد لها رشاش مزبد
وأميّة الجمحيّ قوّم ميله ... عضب بأيدي المؤمنين مهنّد
فأتاك فلّ المشركين كأنّهم ... والخيل تثفنهم نعام شرّد
شتّان من هو في جهنّم ثاويا ... أبدا ومن هو في الجنان مخلّد
وقالت صفية بنت عبد المطلب تبكي أخاها حمزة:
أسائلة أصحاب أحد مخافة ... بنات أبي من أعجم وخبير
فقال خبير: إنّ حمزة قد ثوى ... وزير رسول الله خير وزير
دعاه إله الخلق ذو العرش دعوة ... إلى جنّة يحيا بها وسرور
فذلك ما كنّا نرجّي ونرتجي ... لحمزة يوم الحشر خير مصير
فو الله لا أنساك ما هبّت الصّبا ... بكاء وحزنا محضري ومسيري
على أسد الله الّذي كان مدرها ... يذود عن الإسلام كلّ كفور
فيا ليت شلوي عند ذاك وأعظمي ... لدى أضبع تعتادني ونسور
أقول وقد أعلى النّعيّ عشيرتي: ... جزى الله خيراً من أخ ونصير
стр. 1700
تنبيهات
الأول:
وقع في غزوة أحد آيات:
منها: ردّ عين قتادة بن النعمان،
روى أبو يعلى وأبو نعيم من طريق عاصم بن عمر بن قتادة، عن أبيه عن جدّه: أنه أصيبت عينه يوم أحد فسالت حدقته على وجنته، فأرادوا قطعها، فسألوا رسول الله ﷺ ، فقال: «لا» ، فدعا به فغمز عينه براحته، فكان لا يدري أي عينيه أصيبت،
وله طرق تأتي في المعجزات.
ومنها إخباره عن رجل قاتل الكفار قتالا شديدا أنه من أهل النار قتل نفسه. وتقدم بيان ذلك.
ومنها: انقلاب العسيب سيفا، قال عبد الرزاق: أخبرنا معمر عن سعيد بن عبد الرحمن الجحشيّ: أخبرنا أشياخنا إن عبد الله بن جحش جاء إلى النبي ﷺ ، يوم أحد، وقد ذهب سيفه فأعطاه النبي ﷺ عسيبا من نخل، فرجع في يد عبد الله سيفا. قال الزبير بن بكار في «الموفقيات» : إنّ قائمة منه، وكان يسمى العرجون، ولم يزل يتناقل حتى بيع من بغاء التركي بمائتي دينار.
ومنها: إجابة قسم عبد الله بن جحش.
ومنها: إخباره ﷺ بأن الملائكة تقاتل مع عبد الرحمن بن عوف، وتقدم بيان ذلك.
ومنها: ردّ بصر أبي ذر رضي الله، روى أبو يعلى عن طريق عبد الرحمن بن الحارث ابن عبيدة عن جده قال: أصيبت عين أبي ذر يوم أحد، فبزق فيها رسول الله ﷺ ، فكانت أصح عينيه. كذا في هذه الرواية والصحيح أن أبا ذر لم يشهد أحدا.
ومنها: وقاية الله تعالى رسوله ﷺ ، من جماعة رموه بالسهام، وصرف عبد الله بن شهاب عنه حين أراد قتله، وتقدم بيان ذلك.
ومنها إخباره بأن الحارث بن سويد قتل مجذّر- بذال معجمة مشددة مفتوحة- ابن ذيّاد، بفتح الذال المعجمة في أوله وتشديد التحتية، وقيل بكسر الذال وهو أشهر.
روى ابن سعد عن الواقدي عن شيوخه قالوا: كان سويد بن الصامت قد قتل ذيّادا أبا المجذّر في وقعة التقوا فيها، فظفر المجذّر بسويد فقتله، وذلك قبل الإسلام، فلما قدم رسول الله ﷺ أسلم الحارث بن سويد، ومجذّر بن ذيّاد، وشهدا بدرا. وذكر ابن إسحاق أن الحارث كان منافقا. اهـ. فجعل الحارث يطلب مجذّرا يقتله بأبيه فلا يقدر عليه، فلما كان يوم أحد وجال المسلمون تلك الجولة أتاه الحارث من خلفه فضرب عنقه، فلما رجع رسول الله ﷺ من حمراء الأسد أتاه جبريل، فأخبره أن الحارث بن سويد قتل مجذّر بن ذيّاد
стр. 1701
غيلة وأمره أن يقتله، فركب رسول الله ﷺ إلى قباء في ذلك اليوم، في يوم حارّ، فدخل مسجد قباء، فصلّى فيه، وسمعت به الأنصار فجاءت تسلّم عليه، وأنكروا إتيانه في تلك الساعة. وفي ذلك اليوم، حتى طلع الحارث بن سويد في ملحفة مورّسة- وقال ابن هشام في ثوبين مضرّجين وفي لفظ: مصرّين- فلما رآه رسول الله ﷺ ، دعا عويم ابن ساعدة فقال: قدم الحارث بن سويد إلى باب المسجد فاضرب عنقه بمجذّر بن ذيّاد، فإنه قتله غيلة، فقال الحارث: قد والله قتلته، وما كان قتلي إيّاه رجوعا عن الإسلام ولا ارتيابا فيه، ولكنه حميّة من الشيطان، وأمر وكلت فيه إلى نفسي، وإن أتوب إلى الله ورسوله مما عملت، وأخرج ديته، وأصوم شهرين متابعين، وأعتق رقبة. قال: قدّمه يا عويم فاضرب عنقه، فقدّمه فضرب عنقه، فقال حسان بن ثابت:
يا حار في سنة من نوم أوّلكم ... أم كنت ويحك مغترّا بجبريل؟!
أم كنت بابن ذياد حين تقتله ... بغرّة في فضاء الأرض مجهول؟!
قلت: وذكر ابن هشام: أن عثمان بن عفان هو الذي ضرب عنقه، ثم قال: ويقال بعض الأنصار.
وذكر ابن إسحاق في قصة قتله ما يخالف بعض ما ذكر، وجزم العدويّ، وابن الكلبيّ، والقاسم بن سلّام، بأن القصة وقعت لأخيه جلاس بضم الجيم، والمشهور أن صاحب القصّة الحارث.
ومنها: قوله في مالك، وهو والد أبي سعيد الخدري: من أراد أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة فلينظر إلى هذا. فاستشهد. رواه البيهقي عن عمر بن السّائب بلاغا.
ومنها: إجابة دعائه في موت عتبة بن أبي وقّاص ألّا يحول عليه الحول كذلك، كما تقدم.
ومنها: أنه لم يولد لعتبة ولد، كما تقدم.
ومنها: إجابة دعائه في تثبيت عمّته صفيّة، كما تقدم في القصّة.
ومنها: عدم استطاعة هند أكل شيء من كبد حمزة.
قال ابن سعد: أخبرنا هوذة بن خليفة، حدثنا عوف بن محمد قال: بلغني أن هندا بنت عتبة بن ربيعة جاءت يوم أحد، وكانت نذرت لئن قدرت على حمزة لتأكلنّ من كبده، فجاءوا بجزّة من كبد حمزة أخذتها تمضغها لتأكلها، فلم تستطع أن تبتلعها فلفظتها فبلغ ذلك رسول الله ﷺ :
فقال: إن الله تعالى حرم على النار أن تذوق من لحم حمزة شيئا أبدا.
ومنها: أن رجلا قال: اللهم إن كان محمد على الحق فاخسف به، يعني نفسه، فخسف به، كما رواه البزار بسند حسن، عن بريدة.
стр. 1702
ومنها: طول الوتر القصير الذي بقوسه لمّا انقطع ولفّ عليه منه لفّات، كما تقدم.
ومنها: أنه ﷺ دعا الله تعالى إلا يفلت أبا عزّة الجمحيّ. روى البيهقي عن الإمام الشافعي ﵁ قال: كان من الممنون عليهم بلا فدية يوم بدر أبو عزّة الجمحيّ، تركه رسول الله ﷺ لبناته، وأخذ عليه عهدا ألّا يقاتله، فأخفره وقاتله يوم أحد، فدعا رسول الله ﷺ ألّا يفلت، فما أسر من المشركين رجل غيره، فقال: يا محمد امنن عليّ ودعني لبناتي، وأعطيك عهدا ألّا أعود إلى قتالك.
فقال له رسول الله ﷺ : لا تمسح على عارضيك بمكة
وتقول: قد خدعت محمدا مرّتين، فأمر به فضربت عنقه.
ومنها: وجدان أنس بن النّضر وسعد بن الرّبيع رائحة الجنة، كما تقدم في القصّة.
ومنها: تغسيل الملائكة لحمزة وحنظلة، كما تقدّم.
ومنها: برء جرح كلثوم بن الحصين بريقه ﷺ .
قال ابن سعد: رمي أبو رهم الغفاريّ يوم أحد كلثوم بن الحصين بسهم فوقع في نحره، فجاء رسول الله ﷺ فبصق عليه فبرأ، [وكان أبو رهم يسمى المنحور] .
ومنها: تظليل الملائكة لعبد الله والد جابر، كما رواه الشيخان.
ومنها: إخباره بأنّ المشركين لن يصيبوا منّا مثلها أبدا.
روى ابن سعد عن محمد بن عمر عن شيوخه: إن رسول الله ﷺ ، قال: «لن ينالوا منّا مثل هذا اليوم حتى نستلم الرّكن» [ (١) ] .
الثاني: كانت هذه الوقعة في شوال سنة ثلاث باتّفاق الجمهور. قال ابن إسحاق كما رواه الطبراني بسند رجال ثقات: خرج رسول الله ﷺ يوم الجمعة، فأصبح بالشّعب من أحد، فالتقوا يوم السبت في النصف من شوّال، وفي الفتح عنه أنّ الوقعة كانت لإحدى عشرة ليلة خلت منه، وقيل: لتسع ليال، وقيل: لثمان، وقيل: لسبع. قال الإمام مالك: أوّل النهار، وشذّ من قال سنة أربع.
الثالث: أحد- بضم الهمزة والحاء وبالدال المهملتين- قال ياقوت في معجمه وغيره:
هو جبل أحمر ليس بذي شناخيب، بينه وبين المدينة أقلّ من فرسخ، وهو في شماليّها.
روى الشيخان عن أنس بن مالك وابن أبي شيبة، والطبراني بسند جيد عن سويد بن عامر الأنصاريّ، والبخاري عن أبي حميد الساعديّ، والبخاريّ عن سهل بن سعد، والطبراني عن ابن عباس، والطبراني عن أبي هريرة، وعمر بن شبه، بسند جيد عن أبي قلابة، رضي الله
стр. 1703
عنهم: أن رسول الله ﷺ قال لأحد لمّا بدا له: «هذا جبل يحبّنا ونحبّه» .
وتكرر منه ﷺ هذا القول مرّات. وسيأتي الكلام على هذا الحديث في المعجزات، إن شاء الله تعالى.
وروى الطبراني بسند ضعيف، عن سهل بن سعد ﵁: أن رسول الله ﷺ ، قال: «أحد ركن من أركان الجنة» .
وروى عمر بن شبة عنه: أن رسول الله ﷺ قال: «أحد على باب من أبواب الجنّة، فإذا مررتم به، فكلوا من شجره ولو من عضاهه» .
وروى عبد الرزاق عن أبي ليلى: إن رسول الله ﷺ قال: «أحد على ترعة من ترع الجنة» [ (١) ] .
قال ياقوت: وهو اسم مرتجل لهذا الجبل.
وقال السّهيليّ: سمّي أحدا لتوحّده وانقطاعه عن جبال أخر هناك، أو لما وقع من أهله من نصرة التوحيد، ولا أحسن من اسم مشتق من الأحدية، وقد سمّى الله تعالى هذا الجبل بهذا الاسم تقدمة لما أراده من مشاكلة اسمه لمعناه، إذ أهله وهم الأنصار نصروا التوحيد والمبعوث بدين التّوحيد، عنده استقّرّ حيّا وميّتا وكان من عادته ﷺ أن يستعمل الوتر ويحبّه في شأنه إشعارا للأحدية، فقد وافق اسم هذا الجبل لأغراضه ﷺ ، ومقاصده في الأسماء، فقد بدّل كثيرا من الأسماء، استقباحا لها من أسماء البقاء وأسماء الناس، فاسم هذا الجبل من أوفق الأسماء له، ومع أنه مشتق من الأحدية، فحركات حروفه الرّفع، وذلك يشعر بارتفاع دين الأحد وعلوّه، فتعلّق الحبّ من النبي ﷺ اسما ومسمّى، فخصّ من بين الجبال أن يكون معه في الجنّة.
الرابع: قال في الرّوض: البقر في الرّؤيا عبارة عن رجال مسلمين يتناطحون، وقد رأت عائشة ﵂ مثل هذا، فكان تأويله قتل من قتل معها يوم الجمل. قال في الفتح: وفيه نظر، فقد رأى الملك بمصر البقر، وأوّلها يوسف ﷺ بالسّنين. ووقع في حديث ابن عباس ومرسل عروة عند أبي الأسود في المغازي: «وتأوّلت البقر ببقر يكون فينا» . قال: وكان ذلك من أصيب من المسلمين. وقوله: بقرا- بسكون القاف- وهو شقّ البطن. وهذا أحد وجوه التفسير: أن يشتقّ من الاسم معنى مناسبا، ويمكن أن يكون ذلك لوجه آخر من وجوه التأويل، وهو التصحيف، فإن لفظ بقر مثل نفر بالنون والفاء خطأ.
وعند أحمد والنسائي وابن سعد من حديث جابر بسند صحيح في هذا الحديث:
стр. 1704
«ورأيت نفرا منحّرة» ، وقال فيه: إن الدّرع المدينة، والنّفر نفر، هكذا بنون وفاء، وهو يؤيّد الاحتمال المذكور.
الخامس: لما ذبّ فرس بذنبه فأصاب كلّاب سيفه فسلّه، وكان رسول الله ﷺ يتفاءل ولا يعتاف.
قال أبو القاسم الخثعميّ: وظاهر الكلام أن العيافة في المكروه خاصة، والفأل في المحبوب وقد يكون في المكروه والطّيرة تكون في المكروه والمحبوب. وفي الحديث: أنّه نهى عن الطّيرة
وقال: «خيرها الفأل»
فدلّ على أنها تكون على وجوه، والفأل خيرها. ولفظها يعطى أنها تكون في الخير والشرّ، لأنها من الطّير، تقول العرب: جرى له طائر بخير، وجرى له بشرّ. وفي التنزيل وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ [الإسراء ١٣]
وقوله في هذا الحديث: «إني أرى السيوف اليوم ستسلّ»
يقوّي ما قدمناه من التّوسّم والزجر المصيب، وأنّه غير المكروه، ولكنه غير مقطوع به إلا أن يكون من كلام النبي ﷺ .
السادس: دلّ مروره ﷺ في أرض ذلك المنافق أنه يجوز للإمام السّلوك في بعض أملاك رعيّته، إذا صادف ذلك طريقه، وإن لم يرض المالك.
السابع: مظاهرته ﷺ بين درعين وقع مرّتين في أحد، وفي حنين، لا غير فيما أعلم، وفي ذلك إشارة إلى الأخذ بالحزم والاحتياط، وأنّ ذلك لا ينافي التّوكّل.
الثامن: ليس تمنّي عبد الله بن جحش أن يقتل في سبيل الله من تمنّي الموت المنهيّ عنه.
التاسع: اختلف أهل العلم في الشّهيد إذا قتل جنبا: هل يغسّل كما غسّلت الملائكة حمزة وحنظلة ﵄.
العاشر: قول أبي دجانة: «أنا الذي عاهدني خليلي» وكذا قول أبي هريرة: «حدثني خليلي» لا يدفع
بقوله ﷺ : «لو كنت متخذا خليلا لاتخذت أبا بكر»
[ (١) ] ، لأن أبا دجانة وأبا هريرة يريدان به معنى الحبيب، وإنّما فيه إن النبي ﷺ لم يكن ليقولها لأحد من أصحابه، ولا خصّ بها أحدا، دون أن يمنع أحدا من أصحابه أن يقولها، وما كان في قلوبهم من المحبة يقتضي هذا أو أكثر منه، ما لم يكن الغلوّ والقول المكروه،
فقد قال ﷺ : «لا تطروني كما أطرت النصارى المسيح، وإنما أنا عبد الله ورسوله» [ (٢) ] .
стр. 1705
الحادي عشر:
قول علي ﵁: «ما سمعت رسول الله ﷺ يقول لأحد: فداك أبي وأمي إلا لسعد يوم أحد» . رواه البخاري [ (١) ] وغيره،
وروي أيضا عنه: «ما جمع رسول الله ﷺ بين أبويه لأحد إلا لسعد»
[ (٢) ] .
قال في الروض: والرواية الأولى أصحّ، والله أعلم، لأنه أخبر أنه لم يسمع، وقد قال الزبير بن العوام: أنه ﷺ جمع له أيضا أبويه، كما رواه الزبير بن بكار في كتاب النسب.
قال السّهيليّ: وفقه هذا الحديث أن هذا الكلام جائز لمن كان أبواه غير مؤمنين، وأمّا إذا كانا مؤمنين فلا، لأنّه كالعقوق لهما، كذلك سمعت شيخنا أبابكر بن العربيّ يقول في هذه المسألة. قلت: قال الإمام النووي في كتابه «حلية الأبرار» : المذهب الصحيح المختار أنه لا يكره قول الإنسان لغيره: فداك أبي وأمي، أو جعلني الله فداك. وقد تظاهرت على جواز ذلك الأحاديث المشهورة في الصحيحين وغيرهما، وسواء كان الأبوان مسلمين أو كافرين، وكره ذلك بعض العلماء إذا كان مسلمين.
قال النحاس: وكره مالك بن أنس: «جعلني الله فداك» ، وأجازه بعضهم. قال القاضي عياض ﵀: ذهب جمهور العلماء إلى جواز ذلك، سواء كان المفدّى به مسلما أو كافرا. قال النّوويّ: قد جاء من الأحاديث الصحيحة في جواز ذلك ما لا يحصى. وقد نبّهت على جمل منها في شرح صحيح مسلم، والمراد بالتفدية التعظيم والإجلال، لأن الإنسان لا يفدّي إلا من يعظّمه، وكان مراده بذلك نفسي، أو من يعزّ عليّ في مرضاتك وطاعتك.
الثاني عشر: يأتي الكلام على شرب أبي سعيد الخدري دم النبي ﷺ في الخصائص.
الثالث عشر: اختلف في سبب نزول قوله تعالى: لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ [آل عمران ١٢٨] فروى ابن أبي شيبة والإمام أحمد والشيخان عن أنس ﵁، وابن جرير، عن قتادة، وعبد الله بن حميد عن الحسن، وابن جرير عن الربيع: إن رسول الله ﷺ كسرت رباعيته يوم أحد، وشجّ وجهه حتى سال الدّم على وجهه،
فهم رسول الله ﷺ أن يدعو عليهم فقال: «كيف يفلح قوم أدموا وجه نبيّهم، وهو يدعوهم إلى الله ويدعونه إلى الشّيطان، ويدعوهم إلى الهدى ويدعونه إلى الضّلالة، ويدعوهم إلى الجنّة ويدعونه إلى النار»
فهمّ أن يدعو عليهم، فنزلت، فكفّ رسول الله ﷺ عن الدعاء عليهم [ (٣) ] .
стр. 1706
وروى الإمام أحمد والبخاري والترمذي والنسائي عن ابن عمر ﵄ قال:
قال رسول الله ﷺ ، يوم أحد: «اللهم العن أبا سفيان، اللهم العن الحارث بن هشام، اللهم العن سهيل بن عمرو، اللهم العن صفوان بن أمية» ، فنزلت فتيب عليهم كلهم [ (١) ] .
وروى الشيخان وابن جرير، عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ كان إذا أراد أن يدعو على أحد، أو يدعو لأحد، قنت بعد الركوع: «اللهم انج الوليد بن الوليد، وسلمة بن هشام، وعيّاش بن أبي ربيعة والمستضعفين من المؤمنين، اللهم اشدد وطأتك على مضر واجعلها عليهم سنين كسنين يوسف» ،
يجهر بذلك.
وكان يقول في بعض صلاته في صلاة الفجر: «اللهم العن فلانا» ، لأحياء من العرب،
حتى أنزل الله تعالى لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ [ (٢) ] الآية.
وفي لفظ: «اللهم العن بني لحيان ورعلا وذكوان وعصيّة، عصت الله ورسوله» ،
ثم بلغنا أنّه ترك ذلك لما نزلت هذه الآية [ (٣) ] .
وروى ابن إسحاق والنحاس في ناسخه، عن سالم بن عبد الله، قال: جاء رجل من قريش إلى النبي ﷺ ، فقال: إنك تنهى عن السّبّ، ثم تحوّل فحوّل قفاه إلى رسول الله ﷺ ، وكشف عن استه، فلعنه ودعا عليه، فنزلت ثم أسلم الرجل، فحسن إسلامه.
قال الحافظ: حديث أنس وحديث ابن عمر سيّان لنزول الآية، ويحتمل أن تكون نزلت في الأمرين جميعا، فإنهما كان في وقعة واحدة، والرواية الثانية عن أبي هريرة أن كانت محفوظة احتمل أن يكون نزول الآية تراخى عن وقعة أحد، لأنّ قصة رعل وذكوان كانت بعد أحد، والصّواب أنها نزلت في شأن الذين دعا عليهم. بسبب قصة أحد، والله أعلم. ويؤيد ذلك قوله في صدر الآية: لِيَقْطَعَ طَرَفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ [آل عمران ١٢٧] أي يخزيهم ثم قال: أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أي فيسلموا أَوْ يُعَذِّبَهُمْ أي إن ماتوا كفّارا.
الرابع عشر: في مداواته ﷺ جرحه إشارة إلى جواز التّداوي، وأنّ الأنبياء ﷺ قد يصابون ببعض العوارض الدّنيوية من الجراحات والآلام والأسقام، ليعظم لهم بذلك الأجر، وتزداد درجاتهم، وليتأسّى بهم أتباعهم في الصّبر على المكاره، والعاقبة للمتقين.
الخامس عشر: قال العلماء: النّعاس في القتال أمنة، وفي الصلاة من الشيطان، وذلك لأنه في القتال لا يكون إلا من الوثوق بالله تعالى والفراغ من الدنيا، ولا يكون في الصلاة إلا من غاية البعد عن الله تعالى، ثم ذلك النّعاس كان فيه فوائد، لأنّ السّهر يوجب الضعف والكلال، والنّوم يفيد عود القوة والنشاط، ولأنّ المشركين كانوا في غاية الحرص على قتلهم،
стр. 1707
فبقاؤهم في النّوم مع السلامة في تلك المعركة من أدلّ الدلائل على حفظ الله تعالى لهم، ذلك مما يزيل الخوف من قلوبهم، ويورثهم الأمن، ولأنهم لو شاهدوا قتل إخوانهم الذين أراد الله تعالى إكرامهم بالشهادة لاشتد خوفهم.
السادس عشر: قوله: ونهى عن المثلة، قيل: فقد مثّل رسول الله ﷺ بالعرنيّين فقطع أيديهم وأرجلهم، وسمل أعينهم، وتركهم بالحرّة، وأجيب عن ذلك بأمرين: أحدهما: أنه فعل ذلك بهم قصاصا، لأنهم قطعوا أيدي الرّعاء وأرجلهم، وسملوا أعينهم، كما ذكر أنس، كما سيأتي ذلك في أبواب أحكامه ﷺ في الحدود. ثانيهما: أن ذلك كان قبل تحريم المثلة.
السابع عشر:
وقع في رواية أبي الوقت والأصيليّ من رواه البخاري في باب غزوة احد من حديث ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ يوم أحد: «هذا جبريل آخذ برأس فرسه [عليه أداة الحرب] » .
قال الحافظ: وهو وهم من وجهين: أحدهما: أن هذا الحديث تقدّم سنده ومتنه في باب شهود الملائكة بدرا، ولهذا لم يذكره هنا أبو ذرّ ولا غيره من متقني رواة البخاريّ، ولا استخرجه الإسماعيلي ولا أبو نعيم. الثاني: أن المعروف في هذا المتن يوم بدر لا يوم أحد.
الثامن عشر: قول عبد الرحمن بن عوف: قتل مصعب بن عمير هو خير مني. لعلّه قاله تواضعا، ويحتمل أن يكون ما استقرّ عليه الأمر من تفضيل العشرة على غيرهم، بالنظر إلى من لم يقتل في زمن النبي ﷺ . وقد وقع من أبي بكر الصديق ﵁ نظير ذلك، كما تقدم في قتل سعد بن الربيع.
التاسع عشر: قول أنس بن النّضر: إنّي لأجد ريح الجنّة دون أحد، يحتمل أن يكون ذلك على الحقيقة بأن يكون شمّ رائحة طيّبة زائدة على ما يعهده، فعرف أنها الجنّة، ويحتمل أن يكون أطلق ذلك باعتبار ما عنده من اليقين، حتى كأنّ الغائب عنه صار محسوسا عنده، والمعنى أنّ الموضع الذي قاتل فيه يؤول بصاحبه إلى الجنة.
العشرون: روى ابن إسحاق عمّن لا يتّهم عن مقسم عن ابن عباس قال: أمر رسول الله ﷺ بحمزة فسجّي ببردة، ثم صلّى عليه فكبّر سبع تكبيرات، ثم أتي بالقتلى فوضعوا إلى حمزة فصلّى عليهم وعليه معهم ثنتين وسبعين صلاة.
قال السهيلي: هذا حديث ضعيف لضعف الحسن بن عمارة الذي أبهمه ابن إسحاق، وإن كان غيره فهو مجهول، ولم يرو عن رسول الله ﷺ أنه صلى على شهيد في شيء من مغازيه إلا في هذه الرواية، في غزوة أحد، وكذلك لم يصل أحد من الأئمة بعده.
وروى الإمام أحمد من طريق عطاء بن السائب، عن الشعبيّ، عن ابن مسعود، نحو رواية ابن عباس، قال في البداية: سنده ضعيف من جهة عطاء بن السائب، ويرده ما رواه الستة:
إلا مسلما عن جابر بن عبد الله ﵄: أن رسول الله ﷺ كان يجمع بين الرجلين
стр. 1708
من قتلى أحد،
ثم يقول: «أيّهم أكثر أخذا للقرآن؟
فإذا أشير له إلى أحدهما قدّمه في اللّحد،
وقال: أنا شهيد على هؤلاء يوم القيامة،
وأمر بدفنهم، ولم يصلّ عليهم، ولم يغسّلوا» ولا يخالف هذا ما رواه الشيخان، وأبو داود والنّسائيّ، عن عقبة بن عامر ﵁ أن رسول الله ﷺ صلى على قتلى أحد بعد ثمان سنين صلاته على الميت كالمودع للأحياء والأموات [ (١) ] . لأن المراد بالصلاة هنا الدّعاء، وقوله: صلاته على الميت المراد به كدعائه للميّت من غير نية ولا تكبير.
قال الإمام الشافعي ﵁: جاءت الأخبار كأنها عيان من وجوه متواترة: إن النبي ﷺ لم يصل على قتلى أحد، وما روي أنه ﷺ صلى عليهم وكبّر على حمزة سبعين تكبيرة لا يصحّ، وقد كان ينبغي لمن عارض بذلك هذه الأحاديث الصحيحة أن يستحي على نفسه، قال: وأما حديث عقبة بن عامر فقد وقع في نفس الحديث أن ذلك كان بعد ثمان سنين، يعني والمخالف يقول: لا يصلي علي القبر إذا طالت المدة، قال: وكان ﷺ دعا لهم واستغفر لهم، حين علم قرب أجله توديعا لهم بذلك، ولا يدلّ ذلك على نسخ هذا الحكم الثابت.
الحادي والعشرون: اختلف في عدّة من ثبت مع النبي ﷺ ، فروى البخاريّ وأبو نعيم، والإسماعيليّ واللفظ له، عن معتمر بن سليمان التيمي عن أبيه قال: سمعت أبا عثمان يعني النّهديّ يقول: لم يبق مع النبي ﷺ في بعض تلك الأيام- وفي رواية: التي يقاتل فيهنّ- غير طلحة وسعد، قال سليمان: فقلت لأبي عثمان: وما علمك بذلك؟ قال: عن حديثهما، يعني أنّ سعدا وطلحة أخبرا أبا عثمان بذلك.
قال الحافظ: وهذا قد يعكّر عليه ما ورد أنّ المقداد كان ممّن بقي معه، كما تقدم في القصّة في حديث سعد، لكن يحتمل أن المقداد إنما حضر بعد الجولة، ويحتمل أن يكون انفرادهما معه في بعض المقامات، وقد روى مسلم من طريق ثابت، عن أنس قال: أفرد رسول الله ﷺ يوم أحد في سبعة ورجلين من قريش، وكان المراد بالرجلين طلحة وسعد، وكان المراد بالحصر المذكور تخصيصه بالمهاجرين، كأنه قال: لم يبق معه من المهاجرين غير هذين، ويتعيّن حمله على ما أوّلته، وأن ذلك باعتبار اختلاف الأحوال، وأنهم تفرقوا في القتال، فلما وقعت الهزيمة فيمن انهزم وصاح الشيطان: «قتل محمد» ، اشتغل كلّ واحد بهمّه والذّبّ على نفسه، كما في حديث سعد، ثم عرفوا عن قرب ببقائه فتراجعوا إليه أولا فأوّلا، ثم بعد ذلك كان يندبهم إلى القتال فيشتغلون به.
стр. 1709
وفي حديث الزّبير عن ابن إسحاق بإسناد حسن قال: مال الرّماة يوم أحد يريدون النّهب، فأتينا من ورائنا وصرخ صارخ: «ألا إن محمدا قد قتل» ، فانكفأنا راجعين.
وروى ابن عائذ عن المطلب بن عبد الله بن خطب مرسلا: أن الصحابة ﵃ تفرقوا عن النبي ﷺ يوم أحد حتى بقي في اثني عشر رجلا من الأنصار.
وللنّسائيّ والبيهقي في الدلائل، عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: تفرّق الناس عن النبي ﷺ ، وبقي معه أحد عشر رجلا من الأنصار وطلحة. وإسناده جيّد وهو كحديث أنس إلا أن فيه زيادة أربعة، فلعلّهم جاءوا بعد ذلك. وعند محمد بن سعد: أنه ثبت معه أربعة عشر رجلا: سبعة من المهاجرين، منهم أبو بكر. ويجمع بينه وبين حديث أبي عثمان بأن سعدا جاءهم بعد ذلك كما حديثه في القصة، وأن المذكورين من الأنصار استشهدوا، كما في حديث أنس عند مسلم: فلم يبق غير سعد وطلحة. ثم جاء من بعدهم. وأما المقداد فيحتمل أن يكون استمرّ مستقلّا بالقتال. وذكر الواقديّ أن جماعة غير من ذكر ثبتوا كما ذكرته في القصة، فإن ثبت حمل على أنهم ثبتوا فيمن حضر عنده في الجملة، وما تقدّم فيمن حضر عنده ﷺ ، أولا فأولا.
وقال الحافظ في موضع آخر: صار الصحابة عند ترك الرّماة مواقعهم وقول الشيطان: «قتل محمد» ثلاث فرق: فرقة استمرّوا في الهزيمة إلى قرب المدينة، فما رجعوا حتى فرغ القتال، وهم قليل، وهم الذين نزل فيهم: إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ [آل عمران ١٥٥] وفرقة صاروا حيارى لما سمعوا ذلك، فصارت غاية الواحد منهم أن يذبّ عن نفسه، أو يستمرّ على بصيرته في القتال إلى أن يقتل، وهم أكثر الصحابة، وفرقة ثبتت مع رسول الله ﷺ ، ثم تراجع إليه القسم الثاني شيئا فشيئا لمّا عرفوا أنه حيّ، وبهذا يجمع بين مختلف الأخبار في عدّة من بقي مع رسول الله ﷺ .
الثاني والعشرون: وقع في الهدى أن الفرسان من المسلمين يوم أحد كانوا خمسين رجلا، وهو سبق قلم، وإنما هذا عدد الرماة، وقد جزم موسى بن عقبة بأن المسلمين لم يكن معهم شيء من الخيل. وذكر الواقديّ أنه كان معهم فرسان: فرس لرسول الله ﷺ ، وفرس لأبي بردة.
الثالث والعشرون: اختلف في عدد المسلمين يومئذ، فقال الجمهور: منهم ابن شهاب في رواية: كان المشركون ثلاثة آلاف والمسلمون بعد انخذال ابن أبيّ سبعمائة. وروى البيهقي عن ابن شهاب في رواية أخرى قال: كان المسلمون قريبا من أربعمائة رجل. قال البيهقيّ: وقول ابن شهاب الأول أشبه بما رواه موسى بن عقبة، وأشهر عند أهل المغازي.
стр. 1710
الرابع والعشرون: قال العلماء ﵃: كان في قصة أحد وما أصيب به المسلمون فيها من الفوائد والحكم الربّانيّة أشياء عظيمة، منها: تعريف المسلمين سوء عاقبة المعصية، وشؤم ارتكاب النّهي، لما وقع من ترك الرّماة موقعهم الذي أمرهم رسول الله ﷺ ألّا يبرحوا منه.
ومنها: أنّ عادة الرّسل أن تبتلى وتكون لها العاقبة، كما سيأتي في قصة هر قل مع أبي سفيان، وقوله له: هل قاتلتموه؟ قال: نعم، قال: كيف الحرب بينكم وبينه؟ قال: سجال يدال علينا المرّة وندال عليه الأخرى. قال هرقل: كذلك الرّسل، تبتلى ثم تكون لهم العاقبة، والحكمة في ذلك أنهم لو انتصروا دائما دخل في المؤمنين من ليس منهم، ولم يتميّز الصادق من غيره، فإن المسلمين لمّا أظهرهم الله على عدوّهم يوم بدر، وطار لهم الصّيت دخل معهم ظاهرا في الإسلام من ليس معهم فيه باطنا، ولو انكسروا دائما لم يحصل المقصود من بعثة الرسل، فاقتضت الحكمة الجمع بين الأمرين ليتميّز الصادق من الكاذب، وذلك أن نفاق جماعة ممّن يدّعي الإيمان كان مخفيّا عن المسلمين، فلما جرت هذه القصة، وأظهر أهل النّفاق ما أظهروا من الفعل والقول، عاد التّلويح تصريحا، وعرف المسلمون أنّ لهم عدوّا في دورهم فاستعدّوا لهم وتحرّزوا منهم.
ومنها: أنّ في تأخير النّصر في بعض المواطن هضما للنفس وكسرا لشماختها، فلما ابتلي المؤمنون صبروا، وجزع المنافقون.
ومنها: أن الله تعالى هيّأ لعباده المؤمنين منازل في دار كرامته لا تبلغها أعمالهم، فقيّض لهم أسباب الابتلاء والمحن، ليصلوا إليها.
ومنها: أنّ الشهادة من أعلى مراتب الأولياء فساقها الله تعالى إليهم.
ومنها: أنه تعالى إذا أراد إهلاك أعدائه قيّض لهم الأسباب التي يستوجبون بها ذلك، من كفرهم وبغيهم وطغيانهم في أذى أوليائه، فمحّص بذلك ذنوب المؤمنين، ومحق به الكافرين.
ومنها: أنّ الأنبياء صلى الله عليهم وسلم إذا أصيبوا ببعض العوارض الدنيوية من الجراحات والآلام والأسقام، تعظيما لأجرهم، تأسّى بهم أتباعهم في الصّبر على المكاره، والعاقبة للمتقين.
الخامس والعشرون: في فضل شهداء أحد: عن جابر بن عبد الله ﵄:
قال: لمّا أصيب أبي يوم أحد جيء به مسجّى وقد مثّل به، وفي رواية: جيء به مجزّعا فوضع بين يدي رسول الله ﷺ ، فجعلت أكشف الثوب عن وجهه وأبكي، وجعلوا ينهونني ورسول الله ﷺ ، لا ينهاني، وجعلت فاطمة بنت عمرة تبكيه،
فقال رسول الله ﷺ : «لا
стр. 1711
تبكيه، ما زالت الملائكة تظله بأجنحتها حتى رفع» [ (١) ] .
رواه البخاريّ. وعنه أيضاً أن رسول الله ﷺ ، قال لجابر: «ألا أبشّرك بما لقي الله تعالى به أباك» ، قلت: بلى، قال: «ما كلّم الله تعالى أحدا قط إلا من وراء حجاب، وأنه أحيى أباك فكلّمه كفاحا» [ (٢) ] وقال: «عبدي تمنّ عليّ أعطك» ، قال: يا رب تحييني فأقاتل فيك ثانية. قال الرّبّ : (قد سَبَق مِنِّي أَنهم لا يَرْجعون) . قال: «أي ربّ فأبلغ من ورائي» ، فنزلت وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً [آل عمران ١٦٩] الآية [ (٣) ] ، رواه الترمذي وحسنه، وابن ماجة وابن خزيمة في صحيحه،
وعن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ لجابر: «ألا أبشّرك؟» قال:
بلى، قال: «شعرت أن الله ﵎ أحيى أباك فأقعده بين يديه، وقال: تمنّ على ما شئت أعطك، قال: يا رب ما عبدتك حقّ عبادتك، أتمنّى أن تردّني إلى الدنيا، فأقتل بين يدي نبيّك مرّة أخرى. قال: سبق منّي أنّك إليها لا ترجع» [ (٤) ] .
وروى ابن المنذر من طريق طلحة بن نافع عن أنس قال: لما قتل حمزة وأصحابه يوم أحد قالوا: يا ليت لنا مخبرا يخبر إخواننا بالذي صرنا إليه من كرامة الله تعالى لنا، فأوحى إليهم ربهم ﵎: إنا رسولكم إلى إخوانكم، فأنزل الله : وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً إلى قوله: لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ.
وعن ابن عباس ﵁ قال: قال لرسول الله ﷺ : «لمّا أصيب إخوانكم بأحد جعل الله تعالى أرواحهم في أجواف طير خضر، ترد أنهار الجنة، وتأكل من ثمارها، وتأوي إلى قناديل من ذهب معلقة في ظلّ العرش، فلما وجدوا طيب مشربهم وحسن مقيلهم قالوا: يا ليت إخواننا يعلمون ما صنع الله تعالى لنا، وفي لفظ: قالوا: من يبلّغ إخواننا أنّا أحياء في الجنة نرزق، لئلّا يزهدوا في الجهاد، ولا ينكلوا على الحرب. فقال الله : أنا أبلّغهم عنكم، فانزل الله تعالى هؤلاء الآيات: وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً إلى آخر الآيات» [ (٥) ] ، رواه مسلم وأبو داود.
وروى ابن أبي شيبة وعبد الرزاق في المصنف والإمام أحمد ومسلم وابن المنذر عن
стр. 1712
مسروق قال: سألنا عبد الله، يعني ابن مسعود، عن هذه الآيات فقال: إنّا قد سألنا عن ذلك رسول الله ﷺ ،
فقال: «أرواحهم في جوف طير خضر» ،
وفي لفظ عبد الرزاق: «أرواح الشهداء عند الله كطير خضر، لها قناديل من ذهب، معلّقة بالعرض تسرح في الجنة حيث شاءت، ثم تأوي إلى تلك القناديل، فاطّلع إليهم ربّهم اطّلاعة
فقال: هل تشتهون شيئا؟ ففعل ذلك بهم ثلاث مرات، فلما رأوا أنهم لن يتركوا من أن يسألوا قالوا: يا ربنا، نريد أن تردّ أرواحنا في أجسادنا حتى نقاتل في سبيلك مرّة أخرى، فلما رأى أن ليس لهم حاجة تركوا» .
وروى عبد الرزاق عن أبي عبيدة، عن عبد الله: أنه قال الثالثة حين قال لهم: «ما تشتهون من شيء؟ قالوا: تقري نبيّنا السّلام، وتبلّغه إنا قد رضينا وارض عنّا» .
وروى هذا ابن السّريّ وابن أبي حاتم والبيهقي عن أبي سعيد الخدري:
أن النبي ﷺ ، قال: «إن أرواح الشهداء في أجواف طير خضر ترعى في رياض الجنة، ثم يكون مأواها إلى قناديل معلقة بالعرش» [ (١) ] ،
فذكر نحو ما سبق.
وروى عبد الرزاق وسعيد بن منصور عن ابن عباس قال: «أرواح الشهداء تجول في أجواف طير تعلّق في ثمر الجنة» .
وروى ابن جرير نحوه عن السّدّيّ.
وروى ابن أبي حاتم عن أبي العالية في قوله: بَلْ أَحْياءٌ قال: في صور طير خضر يطيرون في الجنة حيث شاءوا.
وروى عمر بن شبة عن أبي هريرة ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يأتي قبور الشهداء فإذا أتى فرضة الشّعب يقول: السلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبي الدار،
ثم كان أبو بكر بعد النبي ﷺ يفعله، وكذا عمر وعثمان [ (٢) ] .
وروى البيهقي من طرق، عن جابر بن عبد الله ﵄ وابن سعد والبيهقي من طريق آخر عنه، ومحمد بن عمر عن شيوخه: قال جابر: استصرخنا إلى قتلانا يوم أحد حين أجرى معاوية العين، فأتيناهم فأخرجناهم رطابا تتثنّى أطرافهم. قال شيوخ محمد بن عمر:
وجدوا والد جابر ويده على جرحه، فأميطت يده عن جرحه، فانبعث الدم فردّت إلى مكانها فسكن الدّم، قال جابر: فرأيت أبي في حفرته كأنه نائم، والنّمرة التي كفّن فيها كما هي، والحرض على رجليه على هيئته، وبين ذلك ستّ وأربعون سنة، وأصابت المسحاة رجلا
стр. 1713
منهم. قال الشيوخ: وهو حمزة، فانبعث الدّم، فقال أبو سعيد الخدري: لا ينكر بعد هذا منكر، ولقد كانوا يحفرون التراب، فكلما حفروا نقرة من تراب فاح عليهم ريح المسك.
وروى الحارث بن أبي أسامة في سنده، عن سعد بن أبي وقاص، والحاكم عن جابر ابن عبد الله ﵄: إن رسول الله ﷺ كان إذا ذكر أصحاب أحد يقول: «أما والله لوددت أنّي غودرت مع أصحابي بفحص الجبل» ،
يعني شهداء أحد [ (١) ] .
وروى الحاكم عن عبد الله بن أبي فروة مرسلا: أن رسول الله ﷺ زار قبور الشهداء بأحد فقال: «اللهم إني عبدك ونبيّك، وأشهد أنّ هؤلاء شهداء، وأنّه من زارهم وسلّم عليهم إلى يوم القيامة ردّوا عليه» .
وروى البيهقي عن هاشم بن محمد العمريّ من ولد عمر بن علي بن أبي طالب قال: أخذني أبي بالمدينة إلى زيارة قبور الشّهداء، في يوم جمعة بين الفجر والشمس، فلما انتهى إلى المقابر رفع صوته فقال: السلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار، فأجيب: وعليك السلام يا عبد الله، فالتفت أبي إليّ فقال: أنت المجيب، فقلت: لا، فجعلني عن يمينه، ثم أعاد السلام، فجعل كلّما سلّم يردّ عليه ثلاث مرات، فخرّ ساجدا شاكرا لله تعالى.
وروى ابن مندة، عن طلحة بن عبيد الله ﵁ قال: أردت مالي بالغابة فأدركني الليل فأويت إلى قبر عبد الله بن حرام، فسمعت قراءة من القبر ما سمعت أحسن منها، فجئت إلى رسول الله ﷺ فذكرت ذلك له، فقال: «ذاك عبد الله ألم تعلم أن الله تعالى قبض أرواحهم فجعلها في قناديل من زبرجد وياقوت، ثم علّقها وسط الجنة، فإذا كان الليل ردت إليهم أرواحهم، فلا تزال كذلك، حتى إذا طلع الفجر ردّت أرواحهم إلى مكانها الذي كانت فيه!» .
وروى الحاكم والبيهقي بسند صحيح عن العطاف بن خالد قال: حدثتني خالتي أنها زارت قبور الشّهداء، قالت: وليس معي إلا غلامان يحفظان الدّابة، فسلمت عليهم، فسمعت ردّ السلام، قالوا: والله إنّا نعرفكم كما يعرف بعضنا بعضا، قالت: فاقشعرّ جلدي فقلت: يا غلام أدن البغلة فركبت.
وروى ابن أبي شيبة والإمام أحمد وابن حبان، عن ابن عباس ﵄ قال:
قال رسول الله ﷺ : «الشهداء على بارق- نهر بباب الجنة- في قبّة خضراء يخرج إليهم
стр. 1714
رزقهم من الجنة غدوة وعشيّة» [ (١) ] .
والأحاديث والآثار في فضل شهداء أحد كثيرة، وفيما ذكر كفاية.
السادس والعشرون:
قوله ﷺ : «جعل الله تعالى أرواحهم في أجواف طير خضر» .
قال الحافظ أبو القاسم الخثعميّ رحمه الله تعالى: أنكر قوم هذه الرواية، وقالوا: لا تكون روحان في جسد واحد، وأن ذلك محال. قال: وهذا جهل بالحقائق، فإنّ معنى الكلام بيّن، فإنّ روح الشهيد الذي كان في جوف جسده في الدنيا يجعل في جوف جسد آخر كأنه صورة طائر، فيكون في هذا الجسد الآخر كما كان في الأول، إلى أن يعيده الله تعالى يوم القيامة كما خلقه. وهذه الرّواية لا تعارض ما رووه من قوله: في صور طير خضر، والشهداء طير خضر، وجميع الروايات كلها متفقة المعنى، وإنّما الذي يستحيل في العقل قيام حياتين بجوهر واحد، فيجيء الجوهر بهما جميعا، وأمّا روحان في جسد فليس بمحال إذا لم نقل بتداخل الأجسام، فهذا الجنين في بطن أمه وروحه غير روحها، وقد اشتمل عليهما جسد واحد، وهذا لو قيل: إن الطائر له روح غير روح الشهيد، وهما في جسد واحد، فكيف؟ وإنما قال في أجواف طير خضر، أو في صورة طير، كما تقول: رأيت ملكا في صورة إنسان، وكذلك قوله ﷺ كما
رواه الإمام أحمد والنسائي وابن ماجة وابن حبان، عن كعب بن مالك:
إن رسول الله ﷺ قال: «إنما نسمة المؤمن طائر يعلق في شجر الجنة» .
تأوّله بعضهم مخصوصا بالشهيد. وقال بعضهم: إنما الشهيد في الجنة يأكل حيث شاء، ثم يأوي إلى قناديل من ذهب معلقة في العرش، وغير الشهيد من المؤمنين، ولكن الرّوح نفسه طائر يعلق بشجر الجنة، ويعلق- بضم اللام- أي يتشبث بها ويرى مقعده منها، ومن رواه يعلق- بفتح اللام- فمعناه يصيب منها العلقة، أي ينال منها ما هو دون نيل الشهيد، فضرب العلقة مثلا، لأن من أصاب العلقة من الطعام فقد أصاب دون ما أصاب غيره ممّن أدرك الرّغد، فهو مثل مضروب يفهم منه هذا المعنى، وإن أراد ب «يعلق» الأكل نفسه فهو مخصوص بالشّهيد، فتكون رواية الضم للشهداء، ورواية الفتح لمن دونهم، والله تعالى أعلم بما أراد رسوله ﷺ من ذلك، وإنما تأوي إلى تلك القناديل ليلا وتسرح نهارا، فيعلم بذلك الليل والنهار، وبعد دخولهم الجنة لا تأوي إلى تلك القناديل. والله أعلم. وإنما ذلك مدة البرزخ. هذا ما يدل عليه ظاهر الحديث.
قال مجاهد: الشهداء يأكلون من ثمر الجنّة، وليسوا فيها. وأنكر أبو عمر قول مجاهد
стр. 1715
وردّه، وليس بمنكر عندي، وقال الشيخ ﵀ في شرح سنن أبي داود: إذا فسّرنا الحديث بأنّ الروح تتشكّل طائرا، فالأشبه أنّ المقصود بذلك القدرة على الطيران فقط، لا في صورة الخلقة، لأن شكل الآدميّ أفضل الأشكال، قلت: وصرّح بذلك ابن برجان في الإرشاد.
ويؤيّده كلام السّهيلي الآتي في غزوة مؤتة، ويشهد له حديث ابن عباس، أي الذي ذكرته آخر التنبيه الذي قبل هذا. انتهى كلام أبي القاسم رحمه الله تعالى.
وقال ابن كثير: كان الشهداء أقساما، منهم من تسرح أرواحهم في الجنة، ومنهم من يكون على هذا النهر، أي بارق بباب الجنة، كما سبق في حديث ابن عباس، وقد يحتمل أن يكون منتهى سيرهم إلى هذا النهر- أي بارق- فيجتمعون هناك ويغدى عليهم برزقهم ويراح.
وقال القاضي ناصر الدين البيضاوي رحمه الله تعالى في شرح المصابيح: قوله: أرواحهم في أجواف طير خضر، أي يخلق الله تعالى لأرواحهم، بعد ما فارقت أجسادها، هياكل على تلك الهيئة تتعلق بها وتكون خلفا عن أبدانهم، فيتوسّلون بها إلى نيل ما يشتهون من اللّذّات الحسّيّة. واطّلاع الله تعالى عليهم، واستفهامه عمّا يشتهون مرة بعد أخرى مجاز عن تلطفه بهم، وتضاعف تفضّله وإنّما قال: «اطّلاعه» ، ليدل على أنه ليس من جنس اطّلاعنا على الأشياء، وعدّاه بإلى، وحقه أن يعدّى بعلى، لتضمّنه معنى الانتهاء، والمراد بقوله: «فلما رأوا أنهم لن يتركوا ... إلخ» أنه لا يبقى لهم متمنّى ولا مطلوب أصلا، غير أن يرجعوا إلى الدنيا فيستشهدوا ثانيا، لما رأوا بسببه من الشرف والكرامة.
وأوّل بعضهم رواية في جوف طير خضر بأن جعل «في» بمعنى «على» ، والمعنى أرواحهم على جوف خضر كقوله تعالى: وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ [طه ٧١] أي على جذوع النخل، وجائز أن يسمى الطير جوفا، إذ هو محيط به ومشتمل عليه. قاله عبد الحق. قال القرطبي: وهو حسن جدا. وقال غيره: لا مانع من أن تكون في الأجواف حقيقة، ويوسعها الله تعالى حتى تكون أوسع من الفضاء.
وقال القاضي عياض ﵀: ليس للأقيسة والعقول في هذا حكم، فإذا أراد الله ﵎ أن يجعل الروح إذا خرجت من المؤمن أو الشهيد في قناديل أو جوف طير، أو حيث شاء كان ذلك وقع ولم يبعد، لا سيّما القول بأنّ الأرواح أجسام، فغير مستحيل أن يتصوّر جزء من الإنسان طائرا، أو يجعل في جوف طير في قناديل تحت العرش، وقد تعلق بهذا الحديث وأمثاله بعض القائلين بالتناسخ، وانتقال الأرواح وتنعيمها في الصور الحسان المرهفة، وتعذيبها في الصور القبيحة. وزعموا أن هذا هو الثواب والعقاب، وهذا باطل مردود، لإبطاله ما جاءت به الشرائع من إثبات الحشر والنشر والجنة والنار، ولهذا قال في حديث آخر:
«فيرجعه الله تعالى إلى جسده يوم بعثه الأجساد» .
стр. 1716
السابع والعشرون: في عدد الشهداء: روى الإمام أحمد. والشيخان والنسائي عن البراء ﵁، قال: أصابوا- أي المشركون- منّا يوم أحد سبعين، وكان رسول الله ﷺ وأصحابه أصابوا من المشركين يوم بدر مائة وأربعة وسبعين قتيلا.
وروى سعيد بن منصور عن أبي الضحى مرسلا قال: قتل يوم أحد سبعون: أربعة من المهاجرين: حمزة، ومصعب، وعبد الله بن جحش، وشماس بن عثمان، وسائرهم من الأنصار.
وروى ابن حبان والحاكم والبيهقي عن أبي بن كعب ﵁ قال: أصيب يوم أحد من الأنصار أربعة وستّون ومن المهاجرين ستّة.
قال الحافظ: وكان الخامس سعد مولى حاطب بن أبي بلتعة، والسادس ثقف بن عمرو الأسلمي حليف بني عبد شمس.
وروى البخاري [ (١) ] عن قتادة قال: ما نعلم حيّا من أحياء العرب أكثر شهيدا أعزّ يوم القيامة من الأنصار وقال قتادة: وحدثنا أنس بن مالك قال: «قتل منهم يوم أحد سبعون، ويوم بئر معونة سبعون، ويوم اليمامة سبعون» . ونقل الحافظ محب الدين الطبريّ عن الإمام مالك ﵀: أن شهداء أحد خمسة وسبعون من الأنصار، أو أحد وسبعون.
وعن الإمام الشافعي ﵀ أنهم اثنان وسبعون، سيرد في العيون أسماء الذين استشهدوا بأحد، فبلغوا ستة وتسعين- بتقديم الفوقية على المهملة- منهم من المهاجرين ومن ذكر معهم أحد عشر، ومن الأنصار خمسة وثمانون: من الأوس ثمانية وثلاثون، ومن الخزرج سبعة وأربعون، ونقل في العيون عن أبي عمرو عن الدمياطيّ أربعة أو خمسة، قال: فزادوا عن المائة، قال: ومن الناس من يقول التّسعين من الأنصار خاصة، وبذلك جزم ابن سعد، لكنهم في تراجم الطّبقات له زادوا.
الثامن والعشرون: في شرح غريب القصّة:
فلّهم- بفتح الفاء وتشديد اللّام- أي منهزمهم.
دار النّدوة- بفتح النون وإسكان الدال المهملة فتاء تأنيث- وهي دار قصيّ أدخلت في المسجد الحرام، وتقدّم ذكرها في ترجمة قصيّ من النسب النبويّ.
وتركم- بفتح الواو والفوقية- قال أبو ذر: ظلمكم، والموتور: الذي قتل له قتيل فلم يدرك دمه.
стр. 1717
الثّأر- بثاء مثلثة فهمزة ويجوز تسهيلها- وهو الذّحل- بفتح الذال المعجمة والحاء المهملة وتسكّن: الحقد. يقال: ثأرت القتيل وثأرت به، إذا قتلت قاتله.
أجمعت قريش: عزمت.
يستنفرونها- بتحتية فسين مهملة ففوقية فنون ففاء فراء-: يستعجلونها.
ألّبوا: جمعوا. والألب- بالفتح والكسر- القوم يجتمعون على عداوة إنسان.
الحلفاء- بالحاء المهملة- جمع حليف وهو المعاهد.
الأحابيش: الذين حالفوا قريشا، وهم بنو المصطلق: سعد بن عمرو، وبنو الهون بن خزيمة وبنو الحارث بن عبد مناف، اجتمعوا بذنبة حبشيّ- وهو بحاء مهملة مضمومة فموحدة ساكنة فشين معجمة مكسورة فتحتية مشددة كما في معجم البلدان لياقوت- وهو جبل بأسفل مكة، فتحالفوا: إنّا يد على غيرنا ما سجا ليل ووضح نهار، وما رئي حبشيّ مكانه، فسمّوا الأحابيش، باسم الجبل. وقيل: بل هو واد بمكة، وقيل: سموا أحابيش لاجتماعهم.
والتجمع في كلام العرب هو التحبّش. والحباشة- بالضم- الجماعة ليسوا من قبيلة واحدة، وكذلك الأحبوش والأحابيش.
دارع: لابس درع.
لا أم لك يأتي الكلام عليه في لا أبا لك.
خلّ عنها: فعل أمر، أي اتركها.
شرح غريب خروج قريش من مكة
الظّعن- بضم الظاء المعجمة المشالة، والعين المهملة وتسكن-: النّساء، واحدتها ظعينة، وأصل الظعينة الراحلة التي ترحل ويظعن عليها، وقيل للمرأة: ظعينة، لأنها تظعن مع الزوج حيثما ظعن، أو لأنها تحمل على الراحلة إذا ظعنت، وقيل: الظعينة: المرأة في الهودج، ثم للهودج قيل بلا امرأة وللمرأة بلا هودج: ظعينة، ويجمع على ظعائن وأظعان.
الالتماس: الطلب.
الحفيظة- بفتح الحاء المهملة وكسر الفاء وسكون التحتية وبالظاء المعجمة المشالة- وهي الأنفة والغضب للحرم، ويقال الحفيظة: الغضب في الحرب خاصة.
يخطئ (بضم أوّله وبالهمز) .
ويها: كلمة معناها الإغراء والتحضيض.
стр. 1718
حرّض على الشيء: حثّ عليه بكثرة التّزيين، وتسهيل الخطب فيه.
الأبواء- بفتح الهمزة وسكون الموحدة-: قرية من عمل الفرع.
يؤازرونهم: يعينونهم ويقوّونهم.
بحثتم- بحاء مهملة فمثلثة ففوقية-: حفرتم.
الإرب- بكسر الهمزة- يستعمل في الحاجة، وفي العضو، وهو المراد هنا، والجمع آراب مثل حمل وأحمال.
الإرجاف: الإكثار من نقل الأخبار السّيّئة، واختلاق الأقوال الكاذبة التي يضطرب الناس منها.
ذي طوّى- بتثليث الطاء، والفتح أشهر من الضّمّ، وهو أشهر من الكسر، وهو مقصور منوّن-: واد بمكة على فرسخ منها، يعرف الآن بالزّاهر، في طريق التّنعيم. ويجوز صرفه ومنعه.
عينين- بلفظ تثنية عين- وهو هنا الجاسوس الذي يتجسّس الأخبار.
العقيق- بفتح العين المهملة وكسر القاف- وهو في الأصل الوادي الذي يشقّه السّيل قديما، والمراد به هنا العقيق الذي بقرب المدينة الشّريفة.
العريض- بعين مهملة فراء فتحتيّة فضاد معجمة كزبير- واد بالمدينة.
قناة- بفتح القاف وبالنون-: واد كذلك.
شفير الوادي- بفتح الشين المعجمة ففاء مكسورة فتحتية فراء-: حرفه.
شرح غريب منام رسول الله ﷺ
أريت (بضم الهمزة) .
الوهل- بفتح الواو والهاء وباللام-: الوهم، والاعتقاد. ذكره النووي. قال في التقريب:
وفيه نظر، والمناسب لتفسيره السّكون، كما اقتضاه ظاهر النهاية.
اليمامة- بفتح التحتية-: مدينة على يومين من الطائف، وعلى أربعة من مكة.
هجر- بفتح الهاء والجيم-: مدينة باليمن وهي قاعدة البحرين. قال الجوهريّ: مذكّر مصروف. وقال الزّجّاجيّ والبكريّ: يذكّر ويؤنّث، وهو فارسيّ معرّب، أصله أكر، وقيل: هكر.
هززت (بفتح الهاء والزاي الأولى) .
ذو الفقار: يأتي الكلام عليه في أبواب سلاحه ﷺ .
ذباب السّيف- بذال معجمة فموحّدتين- وهو طرفه الذي يضرب به.
стр. 1719
الثّلم- بثاء مثلثة مفتوحة فلام ساكنة-: الكسر.
والله خير: مبتدأ وخبر، وفيه حذف تقديره: وضع الله خير، قال السهيلي: معناه رأيت بقرا تنحر والله عنده خير.
فهو رجل من أهل بيتي وهو حمزة ﵁.
النّفر- بفتح النون والفاء-: جماعة الرّجال من ثلاثة إلى عشرة، وقيل إلى سبعة، ولا يقال فيما زاد على العشرة.
الأداة: الآلة، وأصلها الواو، والجمع أدوات، ويقال للكامل السّلاح مؤذ.
الدّرع- بدال مهملة مكسورة- وهي مؤنثة في الأكثر ولهذا قال: حصينة.
مردف اسم فاعل من أردف، والرّديف: الذي تجعله خلفك على ظهر الدّابّة.
كبش القوم: سيّدهم.
الكتيبة- بمثنّاة فوقية فتحتية فموحّدة-: الجماعة من الجيش.
فلّ- بضمّ الفاء وتشديد اللّام-: كسر.
فلّا- بفتح الفاء واللام المشددة- أي كسرا.
فبقر والله خير فبقر والله خير (بالتكرير) .
الظّبة- بظاء معجمة مضمومة مشالة فموحّدة مخفّفة: حدّ السّيف، والجمع ظبات وظبون.
العترة- بعين مهملة مكسورة فمثنّاة فوقية ساكنة- وهي هنا رهط الرّجل الأدنون ويقال:
أقرباؤه.
وإن البقر بقر- بفتح الموحدة والقاف من الأول، وسكون القاف من الثاني- وهو الشّقّ.
الآطام- بالمدّ والمهملة- جمع أطم- بضم أوله- وهو بناء مرتفع.
الأزقّة- بالزاي والقاف- جمع زقاق- بضم أوله- دون السّكة نافذة كانت أو غير نافذة، وأهل الحجاز يؤنّثونه وتميم تذكّره.
الصّياصي جمع صيصية- بكسر الصّادين المهملتين بعد كلّ من التحتية الأولى ساكنة والثانية مفتوحة- وهو كلّ شيء امتنع به وتحصّن به.
جبنا- بفتح الجيم وضم الموحدة وتشديد النون- والجبن، بضم الجيم وسكون النون. والجبانة بالفتح: ضعف القلب عن الحرب.
الجرأة وزن غرفة: الإسراع والهجوم على الشيء.
стр. 1720
الظّفر- بظاء معجمة مشالة- الفوز بالمطلوب.
ساحة الدّار: الموضع المتسع أمامها والجمع ساحات وساح وسوح.
الإلحاح من ألحّ على الشيء، إذا لزمه وأصرّ عليه.
إحدى الحسنيين- بضم الحاء- أي الظّفر أو الشّهادة، وأنّث على معنى الخصلتين، أو القصّتين.
أجالدهم: أضاربهم بالسّيف.
لمه: اللّام للتّعليل ومه أصله ما، حذفت ألفها، وعوض عنها الهاء.
فرّ- بفتح الفاء والراء المشددة-: هرب.
يوم الزّحف، أي الجهاد ولقاء العدو. والزّحف: الجيش، يزحفون إلى العدو، أي يمشون.
حثّ على الشيء- بفتح الحاء المهملة والثاء المثلثة المشددة-: طلبه بسرعة.
أبوا: امتنعوا.
وعظهم: أمرهم بالطّاعة ووصّاهم بها.
بالجدّ- بكسر الجيم وتشديد الدال المهملة- نقيض الهزل.
الشّخوص: الخروج من موضع إلى آخر.
حشدوا، بفتح الشين المعجمة في الماضي وكسرها في المستقبل، أي اجتمعوا.
العوالي- بفتح العين المهملة-: القرى التي حول المدينة على أربعة أميال، وقيل: ثلاثة وذلك أدناها، وأبعدها ثمانية.
الحجرة: البيت، والجمع حجر وحجرات.
استكرهتم: أكرهتم.
الّلأمة- مهموز: - الدّرع، وقيل: السّلاح، ولأمة الحرب أداته، وقد يترك الهمز تخفيفا.
المنطقة- بكسر الميم-: اسم لما تسمّيه الناس بالحياصة.
حمائل السيف- بفتح الحاء المهملة- جمع حمالة بكسرها: علاقته.
الأدم- بفتحتين وبضمتين- جمع أديم، وهو الجلد المدبوغ.
تقلّد السيف: جعل علاقته على كتفه الأيمن، وهو تحت إبطه الأيسر.
ما ينبغي أن يكون لنا كذا، ما يحسن ويستقيم.