ذكر محاورة عمرو بن سعدى اليهودي في أمر النبي ﷺ
قال محمد بن عمر: حدثني إبراهيم بن جعفر، عن أبيه قال:
لما خرجت بنو النضير من المدينة أقبل عمرو بن سعدى وطاف بمنازلهم فرأى خرابا، ففكّر ثم رجع إلى بني قريظة فوجدهم في الكنيسة لصلاتهم، فنفخ في بوقهم فاجتمعوا. فقال الزّبير- وهو بفتح الزاي وكسر الموحدة- ابن باطا القرظيّ: يا أبا سعيد، أين كنت منذ اليوم؟
لم أرك. وكان لا يفارق الكنيسة، وكان يتألّه في اليهودية. قال: «رأيت اليوم عبرا عبّرنا بها، رأيت دار إخواننا خالية بعد ذلك العزّ والجلد والشّرف الفاضل والعقل البارع قد تركوا أموالهم، وملكها غيرهم، وخرجوا خروج ذلّ، ولا والتّوراة ما سلط هذا على قوم قطّ، والله بهم حاجة، وقد أوقع قبل ذلك بابن الأشرف بياتا في بيته آمنا، وأوقع بابن سنينة سيّد يهود، وأنجدهم وأجلدهم، وأوقع ببني قينقاع، فأجلاهم وهم أهل جدّ يهود، وكانوا أهل عدّة وسلاح ونجدة، فحصرهم فلم يخرج إنسان رأسه حتى سباهم، فكلّم فيهم فتركهم على أن أجلاهم من يثرب، يا قوم، لقد رأيتم ما رأيتم فأطيعوني وتعالوا نتّبع محمدا، فو الله إنكم لتعلمون أنه نبيّ وقد بشّرنا به علماؤنا، آخرهم ابن الهيّبان أبو عمير، وابن جوّاس وهما أعلم يهود، جاءانا من بيت المقدس يتوكّفان قدومه، ثم أمرانا باتباعه، وأن نقرئه منهما السلام، ثم ماتا على دينهما ودفنا بحرّتنا هذه» ، فأسكت القوم فلا يتكلم منهم متكلم، فأعاد الكلام أو نحوه، وخوّفهم بالحرب والسّباء والجلاء.
فقال الزّبير بن باطا: «والتوراة قد قرأت صفته في التوراة، التي نزلت على موسى، ليس في المثاني التي أحدثنا» ، فقال له كعب بن أسد: ما يمنعك يا أبا عبد الرحمن من اتّباعه؟ قال:
أنت يا كعب، قال كعب: ولم؟ والتّوراة ما حلت بينك وبينه قطّ، قال الزّبير: بل أنت صاحب عهدنا وعقدنا، فإن اتبعته اتّبعناه، وإن أبيت أبينا.
فأقبل عمرو بن سعدى على كعب فقال: أما والتوراة التي أنزلت على موسى يوم طور سينا إنه للعزّ والشّرف في الدنيا، وأنه لعلى منهاج موسى، وينزل معه وأمته غدا في الجنة. قال كعب: نقيم على عهدنا وعقدنا فلا يخفر لنا محمد ذمّة، وننظر ما يصنع حييّ، فقد أخرج إخراج ذلّ وصغار، فلا أراه يقرّ حتى يغزو محمدا، فإن ظفر بمحمد فهو ما أردنا، وأقمنا على ديننا وإن ظفر بحييّ فما في العيش خير، وتحوّلنا من جواره.
قال عمرو بن سعدى: ولم نؤخّر الأمر وهو مقبل؟ قال كعب: ما على هذا فوق، متى أردت هذا من محمد أجابني إليه. قال عمرو، والتوراة، إن عليه لغوثا، إذا سار إلينا محمد فتخبأنا في حصوننا هذه التي قد خدعتنا، فلا نفارق حصوننا حتى ننزل على حكمه، فيضرب
стр. 1787
أعناقنا. قال كعب بن أسد: ما عندي في أمره إلا ما قلت، ما تطيب نفسي أن أصير تابعا لقول هذا الإسرائيليّ، ولا يعرف لي فضل النّبوّة ولا قدر الفعال. قال عمرو بن سعدى: بل لعمري ليعرفنّ ذلك.
فبينما هم على ذلك لم يرعهم إلا بمقدّمة النبي ﷺ قد حلّت بساحتهم، فقال: هذا الذي قلت لك. وذلك أنهم نقضوا عهد رسول الله ﷺ ، وحاربوه في وقعة الخندق، كما سيأتي بيان ذلك. وأنزل الله غالب سورة الحشر في شأنهم.
وروى الشيخان عن سعيد بن جبير قال: قلت لابن عباس: سورة الحشر، قال، قل:
سورة النّضير، قال الله :
سَبَّحَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ أي نزّهه، فاللّام مزيدة، وفي الإتيان ب «ما» تغليب للأكثر.
وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ في ملكه وصنعه.
هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ هم بنو النّضير من اليهود.
مِنْ دِيارِهِمْ مساكنهم بالمدينة.
لِأَوَّلِ الْحَشْرِ هو حشرهم إلى الشّام، وآخره أن أجلاهم عمر في خلافته إلى خيبر.
ما ظَنَنْتُمْ أيها المؤمنون.
أَنْ يَخْرُجُوا، وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مانِعَتُهُمْ خبر أن حُصُونُهُمْ فاعله، به تمّ الخبر.
مِنَ اللَّهِ من عذابه.
فَأَتاهُمُ اللَّهُ أمره وعذابه.
مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا لم يخطر ببالهم من جهة المؤمنين.
وَقَذَفَ ألقى.
فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ بسكون العين وضمّها: الخوف، فقتل سيّدهم كعب بن الأشرف.
يُخْرِبُونَ بالتشديد والتخفيف من خرّب وأخرب بُيُوتَهُمْ لينقلوا ما استحسنوه منها من خشب وغيره.
بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ. وَلَوْلا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ قضى عَلَيْهِمُ الْجَلاءَ الخروج من الوطن.
стр. 1788
لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيا بالقتل والسّبي، كما فعل بقريظة من اليهود.
وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابُ النَّارِ. ذلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا خالفوا.
اللَّهَ وَرَسُولَهُ. وَمَنْ يُشَاقِّ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ له.
ما قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ نخلة.
أَوْ تَرَكْتُمُوها قائِمَةً عَلى أُصُولِها فَبِإِذْنِ اللَّهِ أي خيّركم في ذلك.
وَلِيُخْزِيَ بالإذن في القطع.
الْفاسِقِينَ اليهود في اعتراضهم بأنّ قطع الشّجر المثمر فساد.
وَما أَفاءَ رد اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَما أَوْجَفْتُمْ أسرعتم يا مسلمين عَلَيْهِ مِنْ زائدة خَيْلٍ وَلا رِكابٍ إبل، أي لم تقاسوا فيه مشقّة.
وَلكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلى مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ فلا حقّ لكم فيه، ويختصّ به النبي ﷺ ، ويفعل فيه ما يشاء، فأعطى منه المهاجرين وثلاثة من الأنصار لفقرهم.
ما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى كالصّفراء وادي القرى وينبع.
فَلِلَّهِ يأمر فيه بما يشاء.
وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي صاحب الْقُرْبى قرابة النبيّ من بني هاشم وبني المطلب.
وَالْيَتامى أطفال المسلمين الذين هلكت آباؤهم وهم فقراء.
وَالْمَساكِينِ ذوي الحاجة من المسلمين.
وَابْنِ السَّبِيلِ المنقطع في سفره من المسلمين، أي يستحقه النبيّ والأصناف الأربعة على ما كان يقسمه من أنّ لكل من الأربعة خمس الخمس وله الباقي.
كَيْ لا كي بمعنى اللام، وأن مقدّرة بعدها.
يَكُونَ دُولَةً متداولا.
بَيْنَ الْأَغْنِياءِ مِنْكُمْ وَما آتاكُمُ أعطاكم.
الرَّسُولُ من الفيء وغيره فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ.
стр. 1789
لِلْفُقَراءِ متعلق بمحذوف أي اعجبوا الْمُهاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْواناً وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ في إيمانهم.
وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ أي المدينة وَالْإِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ حاجة إلى ما يؤثرون به.
وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ حرصها على المال.
فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ.
وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ من بعد المهاجرين والأنصار إلى يوم القيامة يَقُولُونَ:
رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا وَلِإِخْوانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالْإِيمانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنا غِلًّا حقدا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنا إِنَّكَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ. أَلَمْ تَرَ تنظر إِلَى الَّذِينَ نافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وهم بنو النّضير وإخوانهم في الكفر: لَئِنْ لام قسم في الأربعة أُخْرِجْتُمْ من المدينة لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلا نُطِيعُ فِيكُمْ في خذلانكم أَحَداً أَبَداً وَإِنْ قُوتِلْتُمْ حذفت منه اللّام الموطّئة لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ، لَئِنْ أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لا يَنْصُرُونَهُمْ وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ أي جاءوا لنصرهم لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبارَ واستغنى بجواب القسم المقدّر عن جواب الشرط في المواضع الخمسة ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ أي اليهود.
لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً خوفا فِي صُدُورِهِمْ أي المنافقين مِنَ اللَّهِ لتأخير عذابه.
ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ. لا يُقاتِلُونَكُمْ جَمِيعاً أي اليهود مجتمعين إِلَّا فِي قُرىً مُحَصَّنَةٍ أَو مِنْ وَرَاءِ جِدار سور، وفي قراءة: جُدُرٍ.
بَأْسُهُمْ حربهم بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً مجتمعين.
وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى متفرقة، خلاف الحسبان.
ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ. مثلهم في ترك الإيمان كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَرِيباً بزمن قريب وهم أهل بدر من المشركين ذاقُوا وَبالَ أَمْرِهِمْ عقوبته في الدنيا من القتل وغيره وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ مؤلم مثلهم أيضا في سماعهم من المنافقين وتخلّفهم عنهم.
كَمَثَلِ الشَّيْطانِ إِذْ قالَ لِلْإِنْسانِ: اكْفُرْ، فَلَمَّا كَفَرَ قالَ: إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ، إِنِّي أَخافُ اللَّهَ رَبَّ الْعالَمِينَ كذبا منه ورياء فَكانَ عاقِبَتَهُما أي الغاوي والمغويّ، وقرئ بالرّفع أَنَّهُما فِي النَّارِ خالِدَيْنِ فِيها وَذلِكَ جَزاءُ الظَّالِمِينَ [الحشر من ١: ١٧] .
стр. 1790
ذكر بعض ما قيل في هذه الغزوة من الأشعار
قال كعب بن مالك ﵁ يذكر إجلاء بني النّضير وقتل ابن الأشرف:
لقد خزيت بغدرتها الحبور ... كذاك الدّهر ذو صرف يدور
وذلك أنّهم كفروا بربّ ... عزير أمره أمر كبير
وقد أوتوا معا فهما وعلما ... وجاءهم من الله النّذير
نذير صادق أدّى كتابا ... وآيات مبيّنة تنير
فقالوا: ما أتيت بأمر صدق ... وأنت بمنكر منّا جدير
فقال: بلى، لقد أدّيت حقّا ... يصدّقني به الفهم الخبير
فمن يتبعه يهد لكلّ رشد ... ومن يكفر به يجز الكفور
فلمّا أشربوا غدرا وكفرا ... وجدّ بهم عن الحقّ النّفور
أرى الله النّبيّ برأي صدق ... وكان الله يحكم لا يجور
فأيّده وسلّطه عليهم ... وكان نصيره نعم النّصير
فغودر منهم كعب صريعا ... فزلّت بعد مصرعه النّضير
على الكفّين ثمّ وقد علته ... بأيدينا مشهّرة ذكور
بأمر محمّد إذ دسّ ليلا ... إلى كعب أخا كعب يسير
فماكره فأنزله بمكر ... ومحمود أخو ثقة جسور
فتلك بنو النّضير بدار سوء ... أبارهم بما اجترموا المبير
غداة أتاهم في الزّحف رهوا ... رسول الله وهو بهم بصير
وغسّان الحماة مؤازروه ... على الأعداء وهو لهم وزير
وقال: السّلم ويحكم فصدّوا ... وحالف أمرهم كذب وزور
فذاقوا غبّ أمرهم وبالا ... لكّلّ ثلاثة منهم بعير
وأجلوا عامدين لقينقاع ... وغودر منهم نخل ودور
تنبيهات
الأول: النضير- بفتح النون وكسر الضاد المعجمة السّاقطة-: حيّ من يهود دخلوا في العرب وهم على نسبهم إلى هارون نبيّ الله تعالى ﷺ ، وكانوا من سبط لم يصبهم جلاء فيما خلا، وكان الله تعالى قد كتب عليهم هذا الجلاء.
الثاني: قال في الهدي: زعم محمد بن شهاب الزّهريّ أنّ غزوة بني النّضير كانت بعد بدر بسّتة أشهر، وهذا وهم منه وغلط، بل الذي لا شك فيه أنّها كانت بعد أحد، انتهى.
стр. 1791
والزّهريّ إنما نقل ذلك عن عروة ورواه الحاكم وصححه، وأقرّه الذهبيّ والبيهقي عن عائشة ﵂، لكن قال البيهقيّ: هكذا قال، أي أحد رواته عن الزهري، عن عروة عن عائشة وذكر عائشة غير محفوظ، وتقدّم كلام ابن كثير في ذلك، وفي آخر غزوة بني قينقاع فراجعه.
الثالث: روى الشيخان عن ابن عمر ﵄ قال: حرّق رسول الله ﷺ نخل بني النّضير وقطع، وهي البويرة، فنزلت ما قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوها قائِمَةً عَلى أُصُولِها فَبِإِذْنِ اللَّهِ [ (١) ] [الحشر ٥] .
وروي أيضا عنه إن النبي ﷺ حرق نخل بني النّضير. قال ابن عمر: ولها يقول حسان بن ثابت:
وهان على سراة بني لؤيّ ... حريق بالبويرة مستطير
قال: فأجابه أبو سفيان بن الحراث، أي قبل إسلامه:
أدام الله ذلك من صنيع ... وحرّق في جوانبها السّعير
ستعلم أيّنا منها بنزه ... وتعلم أيّ أرضينا تضير
قال الحافظ: ونسبة هذه الأبيات لحسان بن ثابت وجوابها لأبي سفيان بن الحارث هو المشهور كما في الصحيح. ونقل أبو الفتح عن أبي عمرو الشيبانيّ أن الذي قال «وهان على سراة بني لؤيّ» هو أبو سفيان بن الحارث، وإنما قال: «عزّ» بدل «هان» وأن الذي أجابه بقوله: «أدام الله ذلك من صنيع» البيتين هو حسان، قال: وهو أشبه من الرواية التي وقعت في البخاري.
قال الحافظ ولم يذكر مستندا للترجيح: والذي يظهر أن الذي في الصحيح أصحّ، وذلك أن قريشا كانوا يظاهرون كلّ من عادى رسول الله ﷺ ، ويعدونهم النصر والمساعدة، فلما وقع لبني النّضير من الخذلان ما وقع قال حسان الأبيات المذكورة، توبيخا لقريش، وهم بنو لؤيّ كيف خذلوا أصحابهم.
وقد ذكر ابن إسحاق أن حسان قال ذلك في غزوة بني قريظة، وإنما ذكر بني النّضير استطرادا، وستأتي الأبيات بكمالها في غزوة بني قريظة.
وفي جواب أبي سفيان بن الحارث في قوله «وتعلم أيّ أرضينا تضير» ما يرجّح ما وقع في الصحيح، لأن أرض بني النضير تجاور أرض الأنصار، فإذا خربت أضرّت بما جاورها بخلاف أرض قريش، فإنّها بعيدة منها بعدا شديدا، فلا نبالي بخرابها، فكأنّ أبا سفيان يقول:
стр. 1792
تخريب أرض بني النضير وتحريقها إنما يضرّ أرض من جاورها، وأرضكم التي تجاورها، فهي التي تتضرّر لا أرضنا، ولا يتهيأ مثل هذا في عكسه إلا بتكلّف.
وكان من أنكر استبعد أن يدعو أبو سفيان بن الحارث على أرض الكفرة مثله بالتحريق في قوله:
أدام الله ذلك من صنيع والجواب عنه أن اسم الكفر وإن جمعهم لكنّ العداوة الدّينيّة كانت قائمة بينهم، لما بين أهل الكتاب وعبدة الأوثان من التّباين، وأيضا فقوله:
وحرّق في نواحيها السّعير يريد بنواحيها المدينة، فيرجع ذلك الدعاء على المسلمين أيضا.
الرابع: في بيان غريب ما سبق:
البراز- بفتح الموحدة وكسرها-: الفضاء الواسع الخالي من الشجر.
الخناجر- بفتح الخاء المعجمة وبالجيم المكسورة- جمع خنجر، وهو السّكّين الكبير.
فتك به فتكا من بابي ضرب وقتل، وبعضهم يقول: فتكا بتثليث الفاء، أي بطش به، أو قتله على غفلة، وهذا هو المراد هنا.
معونة- بميم مفتوحة فعين مهملة مضمومة- اسم ماء لبني عامر بن صعصعة، وهو بفتح الصادين والعين الثانية المهملات وسكون العين الأولى.
قناة- بفتح القاف وبالنون- تقدّم في أحد.
وادعهما: صالحهما.
قال معهما: من قال يقيل قيلا وقيلولة، أي نام نصف النهار. والقائلة: اسم القيلولة.
شعرت: علمت.
الحلف- بكسر الحاء المهملة وسكون اللام- المعاقدة والمعاهدة على التّعاضد والاتّفاق.
تناجوا: تسارّوا الكلام.
النادي: مجلس القوم ومتحدّثهم.
النّضرى (بالنون والضاد المعجمة) .
стр. 1793
سلّام: المشهور ما قاله ابن الصّلاح فيه التشديد، مشكم (بكسر الميم وسكون الشين المعجمة وفتح الكاف) .
ليخبرنّ (بفتح الموحدة مبني للمفعول) .
صويراء (بضم الصاد المهملة وفتح الواو وسكون التحتية وبألف التأنيث الممدودة) .
راث- بالثاء المثلثة- من باب باع: أبطأ.
كنانة (بكسر الكاف) .
«ظاعنين- بالظاء المعجمة المشالة- أي راحلين.
يتضاغى- بضاد وغين معجمتين-: يتباكى.
خلوفا- بضم الخاء المعجمة- أي غيّبا لم يبق منهم أحد.
علية أصحابه: أشرافهم.
أنعم له: قال له نعم.
الجسر- بكسر الجيم وفتحها وسكون السين المهملة-: القنطرة.
ذكر غريب إرساله ﷺ محمد بن مسلمة
أنشدكم بالله: أسألكم به.
يجتزئ- بالجيم والزاي-: يكتفي.
سيفه على عاتقه، أي يجعله بعلاقته عليه، لا كما يفعل التّرك وغيرهم.
اسكتوا (بضم أوله) .
نرى: نظنّ.
الجدر (بفتح الجيم وسكون الدال المهملة وبالراء) .
تكاروا: اكتروا.
شرح غريب إرسال عبد الله بن أبيّ إليهم ومسير رسول الله ﷺ إليهم ... وشرح غريب خروجهم
يلحم الأمر- بالحاء-: يجعله يشتدّ.
حييّ (بلفظ تصغير حيّ) .
بدا له- بلا همز-: ظهر له.
стр. 1794
النّهزة- بضم النون وسكون الهاء وبالزاي-: الفرصة، وهي النّوبة.
الورطة- بفتح الواو-: الهلاك والأمر الشاقّ.
الجلاء-: ترك المنزل من خوف.
الصّياصي: الحصون، الواحدة صيصية (بكسر المهملتين وفتح التحتية المخففة) .
الغرب- بفتح الغين المعجمة والراء وبالموحدة-: ضرب من الشجر.
خطمة (بفتح الخاء المعجمة وسكون الطاء المهملة) .
مسجد الفضيخ (بفاء مفتوحة فضاد وخاء معجمتين بينهما تحتية) .
الملحمة- بالفتح-: القتل.
استقلّت به الإبل: رفعته وطاقت حمله.
نجاف الباب- بكسر النون وبالجيم-: أسكفّته.
الجبليّة- بالجيم فموحّدة مفتوحتين فلام مكسورة فتحتية مشددة- اسم مكان الهوادج، جمع هودج: من مراكب النساء.
قطف- بضمتين- وقطائف جمع قطيفة: دثار له خمل.
المسك- بالفتح وسكون السين المهملة-: الجلد، والجمع مسوك.
الحلقة- بفتح الحاء وسكون اللام-: السّلاح كله.
السّهمان- بالضّمّ- والأسهم والسّهام جمع سهم وهو النّصيب.
الكراع- بضم الكاف وتخفيف الراء- اسم لجماعة الخيل.
تنافست: يقال: نفست به- بكسر الفاء- مثل ضننت به وزنا ومعنى.
أزلقت، قال في النور- بالزّاي والقاف- يقال: أزلقت الحامل، إذا رمت ولدها. انتهى.
والذي في نسخه من العيون مقروءة على مصنّفها وغيره- بالفاء- أي دنت وقربت.
شرح غريب محاورة عمرو بن سعد اليهودي
البوق بالضمّ معروف.
يتألّه: يتعبّد.
العبر- بكسر العين المهملة وفتح الموحدة-: التّذكّر والاتّعاظ.
عبّرنا بها (بضم العين المهملة وتشديد الموحدة المكسورة) .
стр. 1795
الجلد- بفتح الجيم واللام-: القوة.
أهل جدّ يهود: الجدّ: المكانة العظيمة والغنى.
النّجدة: الشجاعة.
الهيّبان (بفتح الهاء وتشديد التحتية بعدها موحّدة) .
جوّاس (بفتح الجيم والواو المشددة وآخره سين مهملة) .
يتوكّفان: ينتظران.
يخفر- بالخاء المعجمة-: ينقض عهدهم.
لم يرعهم: لم يفزعهم.
شرح غريب قصيدة كعب بن مالك ﵁
خزيت- بالخاء المفتوحة والزاي المكسورة المعجمتين-: ذلّت.
الحبور جمع حبر، وهو العالم، ويقال في جمعه أحبار، وأراد بالحبور هنا علماء يهود المدينة.
صرف: تغيّر.
يدور: يتحوّل وينتقل.
جدير: حقيق وخليق.
جدّ بهم: مال بهم.
مشهّرة- بالراء- من الشّهرة.
ذكور- بذال معجمة- يعني السّيوف.
أبارهم- بالراء-: أهلكهم.
اجترموا: اكتسبوا.
الرّهو- بالراء- مشي في سكون.
السّلم- بفتح السين وكسرها-: الصّلح.
حلف: صاحب، والحليف: الصاحب.
غبّ أمرهم- بالغين المعجمة والموحدة- أي أبعد أمرهم.
الوبال: النكال والقتل.
стр. 1796
شرح غريب أبيات حسان بن ثابت وأبي سفيان بن الحارث
السّراة: الأشراف.
لؤيّ (بالهمزة وتركه) .
البويرة- بموحدة مضمومة فواو مفتوحة فتحتية ساكنة فراء فتاء تأنيث-: موضع من بلد بني النّضير قاله ابن قرقول. وقال غيره: البويرة: نخل قرب المدينة.
مستطير: منتشر متفرّق كأنه طار في نواحيها.
السّعير: النار الملتهبة.
بنزه- بموحدة فنون مضمومة فزاي ساكنة وبالهاء- أي ببعد وزنا ومعنى، وقد تفتح النّون.
أرضينا- بفتح الضاد، وروي بكسرها- الأول تثنية أرض والثاني جمعها.
تضير- بفتح الفوقية وكسر الضاد من الضّير- أي تتضرّر بذلك، ومنهم من رواه بالصاد المهملة.
стр. 1797
الباب السادس عشر في غزوة بدر الموعد
وسببها إن أبا سفيان بن حرب لما أراد أن ينصرف يوم أحد نادى: موعد ما بيننا وبينكم بدر الصّفراء، رأس الحول، نلتقي فيها فنقتتل.
فقال رسول الله ﷺ لعمر بن الخطاب: قل:
نعم إن شاء الله، فافترق الناس على ذلك، ورجعت قريش فخبّروا من قبلهم بالموعد.
وكانت بدر الصفراء مجمعا للعرب، وسوقا تقوم لهلال ذي القعدة إلى ثمان ليال خلون منه، فإذا مضت ثمان ليال تفرق الناس إلى بلادهم.
فلما دنا الموعد كره أبو سفيان الخروج إلى رسول الله ﷺ ، وأحبّ ألا يوافى رسول الله ﷺ الموعد، وكان أبو سفيان يظهر أنه يريد أن يغزو رسول الله ﷺ في جمع كثيف، فيبلغ أهل المدينة عنه أنه يجمع الجموع، وتسير في العرب، فيهاب المسلمون ذلك.
وقدم نعيم بن مسعود الأشجعيّ مكة- وأسلم بعد ذلك- فبصّر أبا سفيان وقريشا بتهيّؤ المسلمين لحربهم. وكان عام جدب، فأعلمه أبو سفيان بأنه كاره للخروج إلى لقاء المسلمين، واعتلّ بجدب الأرض، وجعل لنعيم عشرين فريضة توضع تحت يد سهيل بن عمرو، على أن يخذّل المسلمين عن المسير لموعده، وحمله على بعير. فقدم المدينة وأرجف بكثرة جموع أبي سفيان حتى أرعب المسلمين، وهو يطوف فيهم حتى قذف الرعب في قلوبهم، ولم يبق لهم نيّة في الخروج، واستبشر المنافقون واليهود، وقالوا: محمد لا يفلت من هذا الجمع، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ ، حتى خشي ألّا يخرج معه أحد، وجاءه أبو بكر وعمر ﵄ وقد سمعا ما سمعا، وقالا: يا رسول الله أن الله تعالى مظهر دينه، ومعزّ نبيّه، وقد وعدنا القوم موعدا لا نحبّ أن نتخلّف عنه، فيرون أن هذا جبن، فسر لموعدهم، فوالله إن في ذلك لخيرة، فسر رسول الله ﷺ بذلك، ثم
قال: والذي نفسي بيده لأخرجنّ وإن لم يخرج معي أحد.
فنصر الله تعالى المسلمين، وأذهب عنهم ما كان الشيطان رعّبهم.
ذكر خروج رسول الله ﷺ وأصحابه
استخلف على المدينة عبد الله بن عبد الله ابن أبي ابن سلول فيما قاله ابن إسحاق.
وقال محمد بن عمر: استخلف عبد الله بن رواحة.
وخرج رسول الله ﷺ ، في ألف وخمسمائة، فيهم عدّة أفراس، فرس لرسول الله ﷺ ، وفرس لأبي بكر، وفرس لعمر بن الخطاب، وفرس لأبي قتادة، وفرس لسعيد بن زيد، وفرس للمقداد بن الأسود، وفرس للحباب بن المنذر، وفرس للزبير بن العوام، وفرس لعبّاد بن بشر.
стр. 1798
وحمل لواء رسول الله ﷺ علي بن أبي طالب ﵁.
وخرج المسلمون بتجارات لهم إلى بدر فربحت ربحا كثيرا.
قال عثمان بن عفان ﵁: ربحت للدّينار دينارا.
فانتهوا إلى بدر ليلة هلال ذي القعدة، وقام السّوق صبيحة الهلال، فأقاموا ثمانية أيام، والسوق قائمة، وأقام رسول الله ﷺ على بدر ينتظر أبا سفيان لميعاده.
فأتاه مخشيّ بن عمرو الضّمريّ، وهو الذي كان وادعه على بني ضمرة في غزوة ودان، وأصحاب رسول الله ﷺ أكثر أهل الموسم، فقال: يا محمد، لقد أخبرنا أنه لم يبق منكم أحد، فما أعلمكم إلا أهل الموسم، فقال رسول الله ﷺ : وإن شئت مع ذلك رددنا ما كان بيننا وبينك، فقال: لا والله ما لنا بذلك من حاجة، بل نكفّ أيدينا عنكم، ونتمسّك بحلفك.
وقال أبو سفيان لقريش: قد بعثنا نعيم بن مسعود لأن يخذّل أصحاب محمد عن الخروج، وهو جاهد، ولكن نخرج نحن فنسير ليلة أو ليلتين ثم نرجع، فإن كان محمد لم يخرج بلغه أنّا خرجنا فرجعنا، لأنه لم يخرج، فيكون هذا لنا عليه، وإن كان خرج أظهرنا أن هذا عام جدب، ولا يصلحنا إلا عام عشب. قالوا: نعم ما رأيت. فخرج في قريش وهم ألفان ومعهم خمسون فرسا، حتى انتهوا إلى مجنّة من ناحية الظّهران، ثم قال: ارجعوا لا يصلحنا إلا عام خصب غيداق، نرعى فيه الشجر ونشرب فيه اللبن، وإن عامكم هذا عام جدب، وإني راجع فارجعوا، فسمّى أهل مكة ذلك الجيش «جيش السّويق» ، ويقولون: خرجوا يشربون السّويق.
وانطلق معبد بن أبي معبد الخزاعيّ سريعا، بعد انقضاء الموسم إلى مكة، فأخبر بكثرة المسلمين، وأنهم أهل ذلك الموسم، وأنهم ألفان، وأخبر بما قال رسول الله ﷺ للضّمريّ، فقال صفوان بن أمية لأبي سفيان: قد والله نهيتك يومئذ أن تعد القوم، وقد اجترأوا علينا، ورأوا أنّا قد أخلفناهم، وإنما خلّفنا الضّعف عنهم، وأخذوا في الكيد والنّفقة في قتال رسول الله ﷺ ، واستجلبوا من حولهم من العرب، وجمعوا الأموال وضربوا البعث على أهل مكة، فلم يترك أحد منهم إلا أن يأتي بمال، ولم يقبل من أحد منهم أقلّ من أوقيّة لغزو الخندق.
ثم انصرف رسول الله ﷺ إلى المدينة.
стр. 1799
ذكر بعض ما قيل في هذه الغزوة من الأشعار
قال عبد الله بن رواحة ﵁:
وعدنا أبا سفيان بدرا فلم نجد ... لميعاده صدقا وما كان وافيا
فأقسم لو وافيتنا فلقيتنا ... لأبت ذميما وافتقدت المواليا
تركنا به أوصال عتبة وابنه ... وعمرا أبا جهل تركناه ثاويا
عصيتم رسول الله أفّ لدينكم ... وأمركم السّيء الّذي كان غاويا
فإنّي وإن عنّفتموني لقائل ... فدى لرسول الله أهلي وماليا
أطعناه لم نعذله فينا بغيره ... شهابا لنا في ظلمة اللّيل هاديا
وقال حسان بن ثابت ﵁:
دعوا فلجات الشّام قد حال دونها ... جلاد كأفواه المخاض الأوارك
بأيدي رجال هاجروا نحو ربّهم ... وأنصاره حقّا وأيدي الملائك
إذا سلكت للغور من بطن عالج ... فقولا لها: ليس الطّريق هنالك
أقمنا على الرّسّ النّزوع ثمانيا ... بأرعن جرّار عريض المبارك
بكلّ كميت جوزه نصف خلقه ... وقبّ طوال مشرفات الحوارك
ترى العرفج العاميّ تذري أصوله ... مناسم أخفاف المطيّ الرّواتك
فإن نلق في تطوافنا والتماسنا ... فرات بن حيان يكن رهن هالك
وإن تلق قيس بن امرئ القيس بعده ... يزد في سواد لونه لون حالك
فأبلغ أبا سفيان عنّي رسالة ... فإنّك من غرّ الرّجال الصّعالك
تنبيهان
الأول: قال في البداية: قال الواقديّ: خرج إليها رسول الله ﷺ في مستهلّ ذي القعدة، يعني سنة أربع، والصحيح قول ابن إسحاق أن ذلك في شعبان من هذه السنة، ووافق موسى بن عقبة أنّها في شعبان لكن قال سنة ثلاث. وهذا وهم فإنّ هذه تواعدوا إليها من أحد، وكانت أحد في شوال سنة ثلاث.
الثاني: في بيان غريب ما سبق:
كثيف: كثير.
عام جدب: قحط.
الفريضة هنا. البعير.
стр. 1800
أرجف: خوّف.
بصّر- بالموحدة والصاد المهملة المشددة-: أعلم.
مجنّة- بميم فجيم فنون مشددة مفتوحات ويجوز كسر الميم والنون-: سوق بقرب مكة.
الظّهران: تقدم الكلام عليه.
غيداق: كثير النبات والأمطار.
استجلبوا العرب- بالحاء المهملة-: جمعوهم وألّبوهم.
افتقدت: فقدت.
الموالي هنا. القرابة.
الثّاوي: المقيم.
أفّ: كلمة تقال عند تقذّر الشّيء.
وأمركم السّيء: أراد السّيّئ فخفّف، كما يقال: هيّن وهين وميّت وميت، ويروى بالشين المعجمة.
عنّفتموني: لمتموني.
لم نعدله، أي لم نسوّه مع غيره.
الفلجات: الأودية، واحدها فالج وفلج. وفلج أيضا: اسم نهر بعينه.
المخاض: الحوامل من الإبل.
الأوارك: التي ترعى الأراك، وهو شجر.
الغور: المنخفض من الأرض.
عالج: اسم مكان فيه رمل كثير.
الرّس: البئر.
النّزوع: التي يخرج ماؤها بالأيدي.
الأرعن: الجيش الكثير الذي له أتباع وفضول.
جرّار (بالجيم والراء) .
عريض: متسع.
стр. 1801
جوزه- بالجيم والزاي- يعني وسطه، وأراد به هنا بطنه.
قبّ: جمع أقبّ وهو الضّامر.
الحوارك جمع حارك وهو أعلى الكتفين من الفرس.
العرفج- بعين مهملة فراء ففاء فجيم-: نبات.
العاميّ: الذي أتى عليه عام.
تذري أصوله- بفوقية فذال معجمة- أي تقلعه وتطرحه.
مناسم: جمع منسم وهو طرف خفّ البعير، والخفّ للبعير بمنزلة الحافر للدّابّة.
الرّواتك: المسرعة. والرّتك والرّتكان: ضرب من المشي فيه إسراع.
الحالك- بالحاء المهملة-: الشّديد السّواد.
الغرّ: البيض.
الصّعالك: جمع صعلوك، حذفت الياء من الجمع هنا لإقامة وزن الشعر، وهو الفقير الذي لا مال له.
стр. 1802
الباب السابع عشر في غزوة دومة الجندل
وسببها إن رسول الله ﷺ أراد أن يدنو إلى أدنى الشّام، وقيل له: إنها طرف من أفواه الشّام، فلو دنوت لها لكان ذلك مما يفزع قيصر، وذكر له أن بها جمعا كثيرا، وأنّهم يظلمون من مرّ بهم، ويريدون أن يدنوا من المدينة، فندب النبي ﷺ الناس.
واستخلف على المدينة سباع- بمهملة مكسورة فموحّدة فألف فعين مهملة- ابن عرفطة بضم العين المهملة والفاء- الغفاريّ، بكسر الغين المعجمة.
وخرج ﷺ في ألف من أصحابه، فكان يسير اللّيل ويكمن النّهار، ومعه دليل له من بني عذرة يقال له: «مذكور» ﵁، هاد خرّيت، وسار مغذّا للسّير، ونكّب عن طريقهم، فلما دنا رسول الله ﷺ من دومة الجندل
قال له الدّليل: يا رسول الله، إن سوائمهم ترعى عندك فأقم لي حتّى أطّلع لك، قال رسول الله ﷺ : «نعم» ،
فخرج العذريّ طليعة وحده حتى وجد آثار النّعم والشّاء وهم مغرّبون، ثم رجع إلى النبي ﷺ فأخبره وقد عرف مواضعهم، فسار رسول الله ﷺ حتى هجم على ماشيتهم ورعائهم، فأصاب رسول الله ﷺ منها، وفرّ باقيهم فتفرق أهل دومة الجندل، ونزل رسول الله ﷺ بساحتهم فلم يجد بها أحدا، فأقام بها أيّاما، وبثّ السّرايا فعادت كلّ سريّة بإبل ولم تلق أحدا، إلّا إن محمد بن مسلمة أخذ رجلا منهم، فأتى به النبي ﷺ ، فسأله عن أصحابه فقال: هربوا أمس لمّا سمعوا أنك أخذت نعمهم، فعرض عليه رسول الله ﷺ الإسلام أياما فأسلم، ورجع رسول الله ﷺ إلى المدينة، في العشرين من ربيع الآخر، ووادع ﷺ في طريقه عيينة بن حصن الفزاريّ أن يرعى بتغلمين وما والاها إلى المراض، وكانت بلاده قد أجدبت.
تنبيه: في بيان غريب ما سبق:
دومة الجندل- بدال مهملة مضمومة، ويجوز فتحها فواو ساكنة-: بلد بينها وبين دمشق خمس ليال.
أدنى الشام: أقربها إلى المدينة.
هاد: دليل.
الخرّيت: الماهر الذي يهتدي لأخرات المفازة، وهي طرقها الخفيّة ومضايقها.
نكّب- بالنون- عدل.
السّوائم جمع سائمة.
стр. 1803
الطّليعة: القوم يبعثون أمام الجيش.
مغرّبون (بغين معجمة مفتوحة فراء مكسورة مشددة) .
الساحة: الموضع المتّسع أمام الدّار.
وادع: صالح.
تغلمين- بفوقية فغين معجمة ساكنة فلام مفتوحة فتحتية ساكنة فنون-: موضع في بني فزارة.
المراض كسحاب: موضع، أو واد، على ستة وثلاثين ميلا من المدينة.
стр. 1804
الباب الثامن عشر في غزوة بني المصطلق
وهي غزوة المريسيع، وسببها أن الحارث بن أبي ضرار بن حبيب بن مالك بن جذيمة بن كعب بن خزاعة سيّد بني المصطلق جمع لحرب رسول الله ﷺ من قدر عليه من قومه ومن العرب، فتهيّأوا للمسير إليه، وكانوا ينزلون ناحية الفرع، فبلغ خبرهم رسول الله ﷺ ، فبعث بريدة- بضم الموحدة- ابن الحصيب- بضم الحاء وفتح الصاد المهملتين- الأسلميّ يعلم ذلك، واستأذن رسول الله ﷺ أن يقول، فأذن له، فخرج حتى ورد عليهم ماءهم، فوجد قوما مغرورين قد تألّبوا وجمعوا الجموع، فقالوا: من الرّجل؟
قال: رجل منكم قدمت لمّا بلغني عن جمعكم لهذا الرّجل، فأسير في قومي ومن أطاعني، فنكون يدا واحدة حتى نستأصله. قال الحارث بن أبي ضرار: فنحن على ذلك فعجّل علينا، فقال بريدة: أركب الآن فآتيكم بجمع كثيف من قومي، فسرّوا بذلك منه، ورجع إلى رسول الله ﷺ فأخبره خبر القوم، فندب رسول الله ﷺ الناس، وأخبرهم خبر عدوّهم، فأسرع الناس الخروج.
ذكر خروج النبي ﷺ إلى المريسيع
استخلف رسول الله ﷺ على المدينة زيد بن حارثة، فيما قال محمد بن عمر، وابن سعيد. وقال ابن هشام: أبا ذرّ الغفاريّ، ويقال: نميلة بن عبد الله الليثيّ، وهو بضم النون تصغير نملة.
وقاد المسلمون ثلاثين فرسا، للمهاجرين عشرة، منها فرسان لرسول الله ﷺ : لزاز- بلام فزاي فألف فزاي أخرى- والظّرب- بظاء معجمة مشددة مفتوحة فراء مكسورة فموحدة.
وخرج مع رسول الله ﷺ بشر كثير من المنافقين لم يخرجوا في غزاة قطّ مثلها، ليس بهم رغبة في الجهاد إلا أن يصيبوا من عرض الدنيا، ولقرب السّفر عليهم.
فسار رسول الله ﷺ حتى سلك على الخلائق فنزل بها،
فأتي يومئذ برجل من عبد القيس فسلّم على رسول الله ﷺ ، فقال له: أين أهلك؟ قال: بالرّوحاء، فقال: أين تريد؟ قال: إياك جئت لأؤمن بك، وأشهد أن ما جئت به حق، وأقاتل معك عدوّك. فقال رسول الله ﷺ :
الحمد لله الذي هداك إلى الإسلام، وسأل: أيّ الأعمال أحب إلى الله؟ فقال له النبي ﷺ :
الصلاة لأوّل وقتها.
وأصاب رسول الله ﷺ عينا للمشركين، فسأله عنهم، فلم يذكر من شأنهم شيئا،
стр. 1805
فعرض عليه الإسلام فأبى، فأمر عمر بن الخطاب فضرب عنقه.
وانتهى رسول الله ﷺ إلى المريسيع، وقد بلغ القوم مسير رسول الله ﷺ ، وقتله عينهم، فتفرّق عن الحارث من كان قد اجتمع عليه من أفناء العرب.
وضرب لرسول الله ﷺ قبّة من أدم.
وكان معه من نسائه عائشة وأم سلمة ﵄، وتهيّأ الحارث للحرب، فصفّ رسول الله ﷺ أصحابه، ودفع راية المهاجرين إلى أبي بكر، ويقال: إلى عمار بن ياسر، وراية الأنصار إلى سعد بن عبادة.
وأمر رسول الله ﷺ عمر بن الخطاب فنادى في الناس: قولوا: لا إله إلا الله، تمنعوا بها أنفسكم وأموالكم، ففعل عمر ذلك، فأبوا، فتراموا بالنّبل ساعة، فكان أول من رمى رجل منهم بسهم، فرمى المسلمون ساعة بالنّبل، ثم أمر رسول الله ﷺ أصحابه أن يحملوا، فحملوا حملة رجل واحد، فما أفلت من المشركين إنسان، وقتل عشرة منهم، وأسر سائرهم، وسبا رسول الله ﷺ الرّجال والنّساء والذّرّيّة والنّعم والشاء.
وفي الصحيحين أنه ﷺ هجم عليهم وهم غارّون وما قتل من المسلمين إلا رجل واحد يقال له: هشام بن صبابة- بصاد مهملة مضمومة فموحدة مخففة فألف فموحدة أخرى- أصابه رجل من الأنصار يقال له: أوس من رهط عبادة بن الصامت، يرى أنه من المشركين فقتله خطأ، فأمره النبي ﷺ بإخراج ديته، فقبضها أخوه مقيس بن صبابة، وعدا على قاتل أخيه فقتله، فارتدّ ولحق بقريش فأهدر النبي ﷺ دمه، فقتل يوم الفتح.
قال أبو قتادة: حمل لواء المشركين يومئذ صفوان ذو الشّقرة، فلم تكن لي ناهية حتى شددت عليه، وكان الفتح.
وكان شعار المسلمين يومئذ: «يا منصور أمت» .
وروى محمد بن عمر عن جويرية ﵂ قالت: أتانا رسول الله ﷺ ونحن على المريسيع، فأسمع أبي يقول: أتانا ما لا قبل لنا به، قالت: فكنت أرى من الناس والسّلاح والخيل ما لا أصف من الكثرة، فلما أن أسلمت وتزوجني رسول الله ﷺ ورجعنا جعلت أنظر إلى المسلمين فليسوا كما كنت أرى، فعلمت أنه رعب من الله تعالى يلقيه في قلوب المشركين.
وكان رجل منهم قد أسلم وحسن إسلامه يقول: كنّا نرى رجالا بيضا على خيل بلق ما كنا نراهم قبل ولا بعد.
стр. 1806
ذكر أمره ﷺ بتكتيف الأسارى وقسمة الغنيمة
أمر رسول الله ﷺ بالأسارى فكتّفوا، واستعمل عليهم بريدة بن الحصيب وأمر بما وجد في رحالهم من متاع وسلاح فجمع، وسيقت النّعم والشاء، واستعمل على ذلك شقران مولاه، وهو بضم الشين المعجمة وإسكان القاف. وجمع الذّرّيّة ناحية. واستعمل على مقسم الخمس وسهمان المسلمين محمية- بفتح الميم وإسكان الحاء المهملة وكسر الميم وفتح التحتانية- ابن جزء، بفتح الجيم وسكون الزاي فهمزة- الزّبيديّ- بضم أوله- فأخرج رسول الله ﷺ الخمس من جميع المغنم، وكان يليه محمية بن جزء وكان يجمع إليه الأخماس، وكانت الصّدقات على حدتها وأهل الفيء بمعزل عن الصّدقة، وأهل الصدقة بمعزل عن الفيء. وكان يعطي من الصدقة اليتيم والمسكين والضّعيف، فإذا احتلم اليتيم نقل إلى الفيء وأخرج من الصدقة، ووجب عليه الجهاد، فإن كره الجهاد وأباه لم يعط من الصّدقة شيئا، وخلّى بينه وبين أن يكتسب لنفسه.
وكان رسول الله ﷺ لا يمنع سائلا، فأتاه رجلان يسألانه من الخمس فقال: إن شئتما أعطيتكما منه، ولا حظّ فيه لغنيّ ولا لقويّ مكتسب. وفرّق السّبي فصار في أيدي الرّجال، وقسّم المتاع والنّعم والشّاء، وعدلت الجزور بعشر من الغنم.
وبيعت رثّة المتاع فيمن يريد.
وأسهم للفرس سهمان، ولصاحبه سهم، وللرّاجل سهم.
وكانت الإبل الفي بعير، والشاء خمسة آلاف شاة.
وكان السّبي مائتي أهل بيت.
وصارت جويرية بنت الحارث سيّد القوم في سهم ثابت بن قيس بن شمّاس وابن عمّ له، فكاتبها على تسع أواق من ذهب.
ذكر تزوجه ﷺ بجويرية ﵂ وبركة ذلك
قال أبو عمر ﵀: كان اسمها برة فغيره رسول الله ﷺ جويرية.
وروى محمد بن إسحاق والإمام أحمد وأبو داود ومحمد بن عمر عن عائشة ﵂ قالت: كانت جويرية امرأة حلوة ملاحة، لا يكاد يراها أحد إلا أخذت بنفسه، فبينما النبي ﷺ عندي ونحن على الماء إذ دخلت عليه جويرية تسأله في كتابتها، فو الله ما هو إلا أن رأيتها فكرهت دخولها على النبي ﷺ ، وعرفت أنه سيرى منها مثل الذي رأيت، فقالت:
стр. 1807
يا رسول الله إني امرأة مسلمة أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، وأنا جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار سيّد قومه، أصابنا من الأمر ما قد علمت ووقعت في سهم ثابت بن قيس بن شماس- أو ابن عم له فتخلّصني من ابن عمّه بنخلات له بالمدينة- فكاتبني على ما لا طاقة لي به ولا يدان، وما أكرهني على ذلك إلا أنّي رجوتك صلى الله عليك فأعنّي في مكاتبتي،
فقال رسول الله ﷺ : أو خير من ذلك؟ فقالت: وما هو يا رسول الله؟ قال: أؤدّي عنك كتابتك وأتزوجك، قالت: نعم يا رسول الله قد فعلت،
فأرسل رسول الله ﷺ إلى ثابت بن قيس فطلبها منه، فقال ثابت: هي لك يا رسول الله بأبي وأمّي، فأدى رسول الله ﷺ ما كان عليها من كتابتها، وأعتقها وتزوّجها، وخرج الخبر إلى الناس ورجال بني المصطلق قد اقتسموا وملكوا ووطئت نساؤهم، فقال المسلمون:
أصهار رسول الله ﷺ ، فأعتقوا ما بأيديهم من ذلك السّبي. قالت عائشة ﵂:
فأعتق مائة أهل بيت بتزوّج رسول الله ﷺ إيّاها، فلا أعلم امرأة أعظم بركة على قومها منها [ (١) ] .
ذكر منام أم المؤمنين جويرية بنت الحارث ﵂
روى هشام بن عروة عن أبيه قال: قالت جويرية: رأيت قبل قدوم النبي ﷺ بثلاث ليال كأنّ القمر يسير من يثرب حتى وقع في حجري، فكرهت أن أخبرها أحدا من الناس، حتى قدم رسول الله ﷺ ، فلما سبينا رجوت الرؤيا، فلما أعتقني وتزوّجني والله ما كلمته في قومي، حتى كان المسلمون هم الذين أرسلوهم، وما شعرت إلا بجارية من بنات عمّي تخبرني الخبر، فحمدت الله تعالى.
ذكر افتداء من بقي من السبي
روى الشيخان وأبو داود والنّسائيّ ومحمد بن عمر عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ في غزوة بني المصطلق، فأصبنا سبايا، وبنا شهوة إلى النساء، واشتدت علينا العزوبة، وأحببنا الفداء، فقلنا: نعزل ورسول الله ﷺ بين أظهرنا؟
فسألناه عن ذلك، فقال: ما عليكم ألّا تفعلوا، ما من نسمة كائنة إلى يوم القيامة إلا هي كائنة
[ (٢) ] .
стр. 1808
قال محمد بن عمر ﵀: فكان أبو سعيد يقول: فقدم علينا وفدهم فافتدوا الذّرّيّة والنّساء، ورجعوا بهم إلى بلادهم، وخيّر من خيّر منهنّ أن تقيم عند من صارت في سهمه فأبين إلا الرجوع. وافتديت المرأة والذرية بست فرائض،
وخرجت بجارية أبيعها في السوق، فقال لي يهودي: يا أبا سعيد، لعلك تريد بيعها وفي بطنها منك سخلة، فقلت: كلا إني كنت أعزل عنها، قال: تلك الموءودة الصّغرى، فجئت رسول الله ﷺ فأخبرته ذلك، فقال: كذبت يهود، كذبت يهود.
ذكر ما ظهر من ابن أبي في هذه الغزوة من النفاق
بينما المسلمون على ماء المريسيع وقد انقطع الحرب، وهو ماء ظنون إنما يخرج في الدّلو نصفه، أتى سنان بن وبر الجهنيّ وعلى الماء جمع من المهاجرين والأنصار، فأدلى دلوه وأدلى جهجاه بن مسعود الغفاريّ أجير عمر بن الخطاب، فالتبست دلو سنان ودلو جهجاه، وتنازعا فضرب جهجاه سنانا فسال الدم، فنادى سنان: يا للأنصار، ونادى جهجاه: يا للمهاجرين، وفي لفظ: يا لقريش،
فأقبل جمع من الحيّين، وشهروا السلاح حتى كادت أن تكون فتنة عظيمة، فخرج رسول الله ﷺ فقال: ما بال دعوى الجاهلية؟! فأخبر بالحال فقال:
«دعوها فإنها منتنة، ولينصر الرجل أخاه ظالما كان أو مظلوما، فإن كان ظالما فلينهه، وإن كان مظلوما فلينصره» .
وإن جماعة من المهاجرين كلموا عبادة بن الصامت، وجماعة من الأنصار كلموا سنانا فترك حقّه، وكان عبد الله بن أبيّ جالسا مع عشرة مع المنافقين: [منهم] مالك، وسويد، وداعس، وأوس بن قيظيّ، ومعتّب بن قشير، وزيد بن اللّصيت وعبد الله بن نبتل، وفي القوم زيد بن أرقم ﵁ وهو غلام لم يبلغ الحلم أو قد بلغ، فبلغ ابن أبيّ صياح جهجاه: يا آل قريش، فغضب ابن أبيّ غضبا شديدا، وقال: والله ما رأيت كاليوم قطّ، والله إن كنت لكارها لوجهي هذا، ولكنّ قومي غلبوني، أو قد فعلوها؟ لقد نافرونا وكاثرونا في بلدنا، وأنكروا منّتنا، والله ما صرنا وجلابيب قريش هذه إلّا كما قال القائل: «سمن كلبك يأكلك» ، والله لقد ظننت أنّي سأموت قبل أن أسمع هاتفا يهتف بما هتف به جهجاه، وأنا حاضر لا يكون لذلك منّي غير، والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذلّ. ثم أقبل علي من حضر من قومه، فقال: هذا ما فعلتم بأنفسكم: أنزلتموهم بلادكم فنزلوا، وأسهمتموهم في أموالكم حتى استغنوا، أما والله لو أمسكتم ما بأيديكم لتحوّلوا إلى غير بلادكم، ثم لم يرضوا بما فعلتم حتى جعلتم أنفسكم أغراضا للمنايا، فقتلتم دونه، فأيتمتم أولادكم وقللتم وكثروا.
فقام زيد بن أرقم بهذا الحديث كلّه إلى رسول الله ﷺ فوجد عنده نفرا من المهاجرين والأنصار، فأخبره الخبر، وكره رسول الله ﷺ خبره وتغيّر وجهه، فقال رسول الله ﷺ : يا
стр. 1809
غلام لعلك غضبت عليه! قال: لا والله يا رسول الله، فقد سمعته منه، قال: لعله أخطأ سمعك، قال: لا والله يا رسول الله، قال: فلعله شبّه عليك، قال: لا والله يا رسول الله.
وشاع في العسكر ما قال ابن أبي، وليس للناس حديث إلا ما قال، وجعل الرّهط من الأنصار يؤنّبون الغلام ويلومونه، ويقولون: عمدت إلى سيّد قومك تقول عليه ما لم يقل، وقد ظلمت وقطعت الرّحم! فقال زيد: والله لقد سمعت ما قال، والله ما كان في الخزرج رجل واحد أحب إلي من عبد الله بن أبيّ، ولو سمعت هذه المقالة من أبي لنقلتها إلى رسول الله ﷺ ، وإني لأرجو أن ينزل الله على نبيّه ما يصدّق حديثي.
فقال عمر بن الخطاب: يا رسول الله، مر عباد بن بشر- ويقال: محمد بن مسلمة- فليأتك برأسه، فكره رسول الله ﷺ هذه المقالة، وقال: لا يتحدّث الناس إن محمدا يقتل أصحابه،
وقام النفر من الأنصار الذين سمعوا قول النبي ﷺ ورده على الغلام، فجاءوا إلى ابن أبيّ فأخبروه. وقال أوس بن خوليّ. يا أبا الحباب، إن كنت قلته فأخبر النبي ﷺ فليستغفر لك. ولا تجحده، فينزل فيك ما يكذّبك، وإن كنت لم تقله فأت رسول الله ﷺ فاعتذر له، واحلف له ما قلته. فحلف بالله العظيم ما قال من ذلك شيئا.
ثم مشى ابن أبي إلى رسول الله ﷺ ، فقال له رسول الله ﷺ : يا بن أبيّ إن كانت منك مقالة فتب، فجعل يحلف بالله ما قلت ما قال زيد، ولا تكلّمت به.!
فقال من حضر رسول الله ﷺ من الأنصار من أصحاب رسول الله ﷺ : «عسى أن يكون الغلام أوهم في حديثة ولم يحفظ ما قال الرّجّل» ، حدبا علي ابن أبي ودفعا عنه، وكان شريفا في قومه عظيما، فظانّ يظن أنه قد صدق، وظانّ يظن به السوء.
ذكر تكبيس ظهره ﷺ
روى محمد بن عمر عن زيد بن اسلم عن أبيه عن عمر بن الخطاب قال: لما كان من أمر ابن أبيّ ما كان جئت رسول الله ﷺ وهو في فيء شجرة عنده غلام أسود يغمز ظهره، فقلت: يا رسول الله كأنك تشتكي ظهرك! فقال: تقحّمت بي النّاقة الليلة، فقلت: يا رسول الله ائذن لي أن أضرب عنق ابن أبيّ، فقال رسول الله ﷺ : «أو كنت فاعلا؟» قلت:
نعم والذي بعثك بالحق. قال رسول الله ﷺ : إذن لأرعدت له آنف بيثرب كثيرة، لو أمرتهم بقتله قتلوه، قلت: يا رسول الله فمر محمد بن مسلمة يقتله، قال: لا يتحدّث الناس أنّي أقتل أصحابي، قلت: فمر الناس بالرّحيل، قال: نعم، قال: فأذّنت بالرّحيل في الناس،
ويقال: لم يشعر أهل العسكر إلا برسول الله ﷺ قد طلع على ناقته القصواء، وكانوا في حر شديد، وكان لا يروح حتى يبرد، إلا أنّه لمّا جاءه خبر ابن أبيّ رحل في تلك الساعة، فكان أول من لقيه
стр. 1810
سعد بن عبادة، ويقال: أسيد بن حضير، وبه جزم ابن إسحاق. وقال محمد بن عمر: إنه الثّبت،
فقال: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، فقال النبي ﷺ : وعليك السلام ورحمة الله وبركاته. قال: يا رسول الله قد رحلت في ساعة منكرة لم تكن ترحل فيها، فقال رسول الله ﷺ : «أولم يبلغك ما قال صاحبكم؟» قال: أيّ صاحب يا رسول الله؟ قال:
ابن أبي، زعم أنه إن رجع إلى المدينة أخرج الأعز منها الأذل، قال: فأنت يا رسول الله تخرجه إن شئت، فهو الأذلّ وأنت الأعزّ، والعزّة لله ولك وللمؤمنين.
ثم قال: يا رسول الله: ارفق به، فو الله لقد جاء الله تعالى بك وإنّ قومه لينظمون له الخرز فما بقيت عليهم إلا خرزة واحدة عند يوشع اليهوديّ، قد أرب بهم فيها لمعرفته بحاجتهم إليها، فجاء الله تعالى بك على هذا الحديث، فلا يرى إلا أن قد سلبته ملكه.
وبلغ عبد الله بن عبد الله بن أبيّ [ (١) ] مقالة عمر بن الخطاب ﵁، فجاء إلى رسول الله ﷺ فقال: «يا رسول الله، إن كنت تريد أن تقتل أبي فيما بلغك عنه فمرني به، فو الله لأحملنّ إليك رأسه قبل أن تقوم من مجلسك هذا، والله لقد علمت الخزرج ما كان فيها رجل أبرّ بوالديه منّي، وما أكل طعاما منذ كذا وكذا من الدهر ولا شرب شرابا إلا بيدي، وإني لأخشى يا رسول الله أن تأمر به غيري فيقتله، فلا تدعني نفسي أنظر إلى قاتل أبي يمشي في الناس، فأقتله فأدخل النار. وعفوك أفضل، ومنّك أعظم» . فقال رسول الله ﷺ : «يا عبد الله ما أردت قتله ولا أمرت به، ولنحسننّ له صحبته ما كان بين أظهرنا»
فقال عبد الله: «يا رسول الله، إن أبي كانت أهل هذه البحيرة قد اتّسقوا عليه ليتوّجوه عليهم، فجاء الله تعالى بك، فوضعه الله ورفعنا بك، ومعه قوم يطوفون به يذكّرونه أمورا قد غلب الله تعالى عليها.
ثم متن رسول الله ﷺ بالناس يومهم ذلك حتى أمسى، وليلتهم حتى أصبح، وصدر يومهم ذلك حتى آذتهم الشّمس، ثم نزل بالناس فلم يلبثوا أن وجدوا مسّ الأرض، فوقعوا نياما، ولم ينزل أحد عن رحلته إلا لحاجة أو لصلاة، وأن رسول الله ﷺ يستحثّ راحلته ويخلفها بالسّوط في مراقّها، وإنما فعل ذلك ليشغل الناس عن الحديث الذي كان بالأمس، من حديث عبد الله بن أبي.
ثم راح رسول الله ﷺ بالناس، وسلك الحجاز حتى نزل على ماء بالحجاز فويق النّقيع- بالنون- ويقال نقعاء- بالنون المفتوحة والقاف الساكنة والمدّ.
стр. 1811
ذكر إخباره ﷺ بموت كبير من المنافقين وإخباره عن موضع ناقته حين فقدت وبما قاله بعض أهل النفاق
روى مسلم عن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنه قال: قدم رسول الله ﷺ من سفر، فلما كان قرب المدينة هاجت ريح تكاد تدفن الراكب، فقال رسول الله ﷺ ، بعثت هذه الريح لموت منافق.
فلما قدمنا المدينة أذّن: قد مات عظيم من عظماء المنافقين [ (١) ] .
قال محمد بن عمر: لما سرّح الناس ظهرهم أخذتهم ريح شديدة حتى أشفق الناس منها وقالوا: لم تهج هذه الرّيح إلا لأمر قد حدث، وإنما بالمدينة الذّراريّ والصّبيان، وكان بين النبي ﷺ وعيينة بن حصن مدّة، وكان ذلك حين انقضائها، فقال رسول الله ﷺ : «ليس عليكم فيها بأس، ما بالمدينة من نقب إلا عليه ملك يحرسه، وما كان ليدخلها عدوّ حتى تأتوها، ولكن مات اليوم بالمدينة منافق عظيم النفاق، فلذلك عصفت هذه الريح، وكان موته للمنافقين غيظا شديدا، وهو زيد بن رفاعة بن التابوت، مات ذلك اليوم، كان كهفا للمنافقين» .
وروى محمد بن عمر، عن جابر ﵁ قال: كانت الريح [يومئذ] أشدّ ما كانت قطّ إلى أن زالت الشمس، ثم سكنت آخر النهار، وذكر أهل المدينة أنهم وجدوا مثل ذلك من شدة الريح حتى دفن عدوّ الله فسكنت الريح.
وقال محمد بن عمر: حدثني عبد الحميد بن جعفر عن أبيه: قال عبادة بن الصامت يومئذ لابن أبيّ: يا أبا الحباب، مات خليلك؟ قال: أيّ خليل؟ قال: من موته فتح للإسلام وأهله، قال: من؟ قال زيد بن رفاعة بن التابوت، قال: يا ويلاه، كان والله وكان! فقال عبادة:
اعتصمت والله بالذّنب الأبتر، قال: من أخبرك يا أبا الوليد بموته؟ قال: قلت: رسول الله ﷺ أخبرنا أنه مات هذه الساعة. فسقط في يديه، وانصرف كئيبا حزينا.
وروى ابن إسحاق والبيهقي وأبو نعيم عن موسى بن عقبة، وعروة وابن إسحاق عن محمد بن عمر عن ابن رومان وعاصم بن عمر بن قتادة واللفظ لابن عمر قالوا: فقدت ناقة رسول الله ﷺ القصواء من بين الإبل، فجعل المسلمون يطلبونها في كل وجه، فقال زيد بن اللّصيت، وكان منافقا وهو في جماعة من الأنصار، منهم عباد بن بشر بن وقش، وسلمة بن سلامة بن وقش، وأسيد بن حضير، فقال: أين يذهب هؤلاء في كل وجه؟ قالوا:
يطلبون ناقة رسول الله ﷺ قد ضلّت، قال: أفلا يخبره الله بمكانها؟ فأنكر عليه القوم، فقالوا:
стр. 1812
قاتلك الله، يا عدو الله، نافقت. ثم أقبل عليه أسيد بن حضير فقال: والله لولا أني لا أدري ما يوافق رسول الله ﷺ من ذلك لأنفذت خصيتك بالرّمح يا عدو الله فلم خرجت معنا وهذا في نفسك؟ قال: خرجت لأطلب من عرض الدنيا، ولعمري إن محمدا ليخبرنا بأعظم من شأن الناقة، يخبرنا عن أمر السماء. ووقعوا به جميعا، وقالوا: والله لا يكون منك سبيل أبدا، ولا يظلّنا وإياك ظلّ أبدا، ولو علمنا ما في نفسك ما صحبتنا [ساعة من نهار] فوثب هاربا منهم أن يقعوا به، ونبذوا متاعه، فعمد لرسول الله ﷺ ، فجلس معه فرارا من أصحابه متعوّذا به،
وقد جاء رسول الله ﷺ خبر ما قال من السماء، فقال رسول الله ﷺ والمنافق يسمع: «إن رجلا من المنافقين شمت أن ضلّت ناقة رسول الله ﷺ » ، وقال: «ألا يخبره الله بمكانها؟، فلعمري إن محمدا ليخبرنا بأعظم من شأن الناقة» ، ولا يعلم الغيب إلا الله تعالى، وأن الله تعالى قد أخبرني بمكانها، وإنها في هذا الشّعب مقابلكم، قد تعلّق زمامها بشجرة، فاعمدوا نحوها
(٣) .
فذهبوا فأتوا بها من حيث قال رسول الله ﷺ ، فلما نظر المنافق إليها سقط في يده، فقام سريعا إلى رفقائه الذين كانوا معه، فإذا رحله منبوذ، وإذا هم جلوس لم يقم رجل منهم من مجلسه، فقالوا له حين دنا: لا تدن منّا! فقال: أكلّمكم، فدنا فقال: أنشدكم الله- وفي لفظ:
أذكركم الله- هل أتى أحد منكم محمدا فأخبره بالذي قلت؟ قالوا: لا، والله، ولا قمنا من مجلسنا، قال: فإني قد وجدت عند القوم ما تكلّمت به، وتكلّم به رسول الله ﷺ . فأخبرهم بما قال رسول الله ﷺ ، وأنه قد أتي بناقته، وقال: إني قد كنت في شك من شأن محمد، فأشهد أن محمدا رسول الله ﷺ ، فكأني لم أسلم إلا اليوم. قالوا: فاذهب إلى رسول الله ﷺ يستغفر لك. فذهب إلى رسول الله ﷺ ، واستغفر له، واعترف بذنبه. قال ابن عمر: ويقال: إنه لم يزل فشلا حتى مات، وصنع مثل هذا في غزوة تبوك.
ولما انتهى رسول الله ﷺ إلى وادي العقيق تقدّم عبد الله بن عبد الله بن أبيّ، فجعل يتصفّح الرّكاب حتى مرّ أبوه، فأناخ به، ثم وطئ على يد راحلته فقال أبوه: ما تريد يا لكع؟
قال: والله لا تدخل حتى يأذن لك رسول الله ﷺ ، لتعلم أيهما الأعزّ من الأذلّ: أنت أم رسول الله ﷺ ! فمن مرّ به من المسلمين يرفده عبد الله بن عبد الله ويمنع غير ذلك، فيقول:
تصنع هذا بأبيك؟!
حتى مرّ به رسول الله ﷺ فسأل عنه، فقيل: عبد الله بن عبد الله بن أبيّ يأبى أن يأذن لأبيه حتى تأذن له، فمر رسول الله ﷺ وعبد الله واطئ على يد راحلة أبيه، وابن أبي يقول: لأنا أذلّ من الصّبيان، لأنا أذلّ من النّساء، فقال رسول الله ﷺ : «خلّ عن أبيك» ، فخلّى عنه.
ولمّا مر رسول الله ﷺ بالنّقيع- وهو بالنون- منصرفه من المريسيع ورأى سعة وكلأ
стр. 1813
وغدرانا كثيرة، فسأل عن الماء، فقيل: يا رسول الله إذا صفنا قلّت المياه، وذهبت الغدر، فأمر رسول الله ﷺ حاطب بن أبي بلتعة أن يحفر بئرا، وأمر بالنّقيع أن يحمى، واستعمل عليه يومئذ بلال بن الحارث المزني- بضم الميم وفتح الزاي وقبل ياء النسب نون- فقال بلال: يا رسول الله وكم أحمي منه؟ فقال: أقم رجلا صيّتا إذا طلع الفجر، ثم أقمه على هذا الجبل- يعني مقمّلا- فحيث انتهى صوته فاحمه لخيل المسلمين وإبلهم التي يغزون عليها، فقال بلال: يا رسول الله، أفرأيت ما كان من سوائم المسلمين؟ فقال: «لا يدخلها» ، قلت: يا رسول الله أرأيت المرأة والرجل الضعيف تكون له الماشية اليسيرة وهو يضعف عن التحوّل؟
قال: «دعه يرعى» .
ذكر مسابقة رسول الله ﷺ بين الخيل والإبل
قال محمد بن عمر: سابق رسول الله ﷺ بين الخيل والإبل، فسبقت القصواء الإبل، وسبق فرسه الخيل، وكان معه ﷺ فرسان: لزاز وآخر يقال له الظّرب، فسبق يومئذ على الظّرب، وكان الذي سبق عليه أبو أسيد الساعدي ﵁، والذي سبق على ناقته بلال بن رباح.
ذكر نهيه ﷺ عن طروق النساء وإخباره بعض أصحابه بما وقع له
روى محمد بن عمر، عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: كنت رفيق عبد الله بن رواحة في غزوة المريسيع، فأقبلنا حتى إذا انتهينا إلى وادي العقيق في وسط الليل، فإذا الناس يعرّسون فقلنا: أين رسول الله ﷺ ؟ قالوا: تقدّم الناس وقد نام، فقال لي عبد الله بن رواحة: يا جابر، هل لك بنا في التقدّم والدخول على أهلنا؟ فقلت: يا أبا محمد، لا أحب أن أخالف الناس، لا أرى أحدا تقدّم. قال ابن رواحة: والله ما نهانا رسول الله ﷺ عن التّقدّم. قال جابر: فقلت: أما أنا فلست ببارح. فودّعني وانطلق إلى المدينة، فأنظر إليه على ظهر الطريق ليس معه أحد، فطرق أهله بني الحارث بن الخزرج، فإذا مصباح في وسط بيته، وإذا مع امرأته إنسان طويل، فظنّ أنه رجل، وسقط في يديه، وندم على تقدّمه، وجعل يقول: الشيطان مع الغرّ، فاقتحم البيت رافعا سيفه وقد جرّده من غمده يريد أن يضربهما، ثم فكّر، فغمز امرأته برجله فاستيقظت فصاحت وهي توسن فقال: أنا عبد الله فمن هذا؟ قالت: رجيلة ماشطتي، سمعنا بقدومكم فباتت عندي، فبات، فلما أصبح خرج معترضا لرسول الله ﷺ فلقيه ببئر أبي عنبة، ورسول الله ﷺ يسير بين أبي بكر الصّدّيق وبشير- بوزن أمير- ابن سعد،
فالتفت
стр. 1814
رسول الله ﷺ إلى بشير فقال: «يا أبا النّعمان» ، قال: لبيك إن وجه عبد الله ليخبرك أنه قد كره طروق أهله. فلما انتهى إلى رسول الله ﷺ قال رسول الله ﷺ : «خبرك يا بن رواحة؟» فأخبره كيف تقدّم، وما كان من ذلك، فقال رسول الله ﷺ : «لا تطرقوا النساء ليلا» [ (١) ] .
قال جابر: فكان ذلك أول ما نهى عنه رسول الله ﷺ .
ودخل رسول الله ﷺ المدينة مؤيّدا منصورا، [وكانت مدة غيبته شهرا إلّا ليلتين] .
ذكر قدوم الحارث بن أبي ضرار، وسبب إسلامه
قال الحافظ ابن عائذ: أخبرني محمد بن شعيب، عن عبد الله بن زياد قال: أفاء الله تعالى على رسوله ﷺ عام المريسيع في غزوة بني المصطلق جويرية بنت الحارث فأقبل أبوها في فدائها، فلما كان بالعقيق نظر إلى إبله التي يفدي بها ابنته، فرغب في بعيرين منها كانا من أفضلها، فغيّبهما في شعب من شعاب العقيق، ثم أقبل إلى رسول الله ﷺ بسائر الإبل،
فقال: يا محمد، أصبتم ابنتي، وهذا فداؤها، فقال رسول الله ﷺ : «فأين البعيران اللذان غيّبت بالعقيق بشعب كذا؟»
فقال الحارث: أشهد أنك رسول الله، ولقد كان منّي في البعيرين، وما اطلع على ذلك إلا الله تعالى، فأسلم.
ذكر ما نزل في ابن أبيّ في هذه الغزوة
روى محمد بن عمر، عن رافع بن خديج قال: سمعت عبادة بن الصامت يقول يومئذ لابن أبيّ قبل أن ينزل فيه القرآن: ايت رسول الله ﷺ يستغفر لك، قال: فرأيته يلوي رأسه معرضا، يقول عبادة: أما والله لينزلنّ الله تعالى في ليّ رأسك قرآنا يصلّى به. قال: فبينما رسول الله ﷺ يسير من يومه ذلك، وزيد بن أرقم يعارض رسول الله ﷺ براحلته يريد وجهه في المسير، ورسول الله ﷺ يستحثّ راحلته «حل حل» وهو مغذّ في السّير، إذ نزل عليه الوحي. قال زيد بن أرقم: فما هو إلا أن رأيت رسول الله ﷺ تأخذه البرحاء ويعرق جبينه، وتثقل يدا راحلته حتى ما تكاد تنقلهما عرفت إن رسول الله ﷺ يوحى إليه، ورجوت أن ينزل الله تعالى تصديقي قال زيد: فسرّي عن رسول الله ﷺ ، فأخذ بأذني وأنا على راحلتي حتى ارتفعت من مقعدي، ورفعها إلى السماء، وهو يقول: وفت أذنك يا غلام، وصدّق الله حديثك. ونزلت سورة المنافقين في ابن أبيّ من أولها إلى آخرها، وجعل بعد ذلك ابن أبيّ إذا أحدث حدثا كان قومه هم الذين يعاقبونه ويأخذونه ويعنّفونه،
فقال رسول الله ﷺ لعمر بن
стр. 1815
الخطاب حين بلغه شأنهم: «كيف ترى يا عمر، إنّي والله لو قتلته يوم قلت لي: اقتله لأرعدت له آنف لو أمرتها اليوم بقتله لقتلته» .
قال عمر: قد والله علمت، لأمر رسول الله ﷺ أعظم بركة من أمري!
تنبيهات
الأول: المصطلق- بضم الميم وسكون الصاد وفتح الطاء المهملتين وكسر اللام بعدها قاف- مفتعل من الصّلق وهو رفع الصوت، وهو لقب، واسمه جذيمة- بجيم فذال معجمتين مفتوحة فتحتية ساكنة- ابن سعد بن عمرو بن ربيعة بن حارثة: بطن من بني خزاعة.
والمريسيع- بضم الميم وفتح الراء وسكون التحتانيتين بينهما سين مهملة مكسورة وآخره عين مهملة- وهو ماء لبني خزاعة بينه وبين الفرع مسيرة يوم، مأخوذ من قولهم: رسعت عين الرجل، إذا دمعت من فساد.
الثاني: اختلف في زمن هذه الغزوة، فقال ابن إسحاق: في شعبان سنة ست، وبه جزم خليفة بن خياط والطبريّ.
وقال قتادة وعروة: كانت في شعبان سنة خمس.
ووقع في صحيح البخاري نقلا عن ابن عقبة إنها كانت في سنة أربع. قال الحافظ: وكأنه سبق قلم، أراد أن يكتب سنة خمس فكتب سنة أربع. والذي في مغازي موسى بن عقبة من عدة طرق أخرجها الحاكم وأبو سعيد النيسابوري والبيهقي في الدلائل وغيرهم: سنة خمس.
ولفظه عن موسى بن عقبة عن ابن شهاب: ثم قاتل رسول الله ﷺ بني المصطلق وبني لحيان في شعبان سنة خمس. ويؤيده ما أخرجه البخاريّ في الجهاد عن ابن عمر أنه غزا مع النبي ﷺ بني المصطلق.
وقال الحاكم في الإكليل: قول عروة وغيره إنها كانت في سنة خمس أشبه من قول ابن إسحاق. قال الحافظ: ويؤيده ما ثبت في حديث الإفك أن سعد بن معاذ تنازع هو وسعد بن عبادة في أصحاب الإفك، أي المذكور في الحوادث، فلو كانت هذه الغزوة في شعبان سنة ست، مع أن الإفك كان فيها، لكان ما وقع في الصحيح من ذكر سعد بن معاذ غلطا، لأن سعد بن معاذ مات أيام قريظة وكانت سنة خمس على الصحيح، كما سيأتي تقريره، وإن كانت سنة أربع فهو أسدّ، فظهر أن غزوة بني المصطلق كانت سنة خمس في شعبان، فتكون وقعت قبل الخندق، لأن الخندق كانت في شوال من سنة خمس، فتكون بعدها، فيكون سعد بن معاذ موجودا في المريسيع. ورمي بعد ذلك بسهم في الخندق، ومات من جراحته بعد أن حكم في بني قريظة.
стр. 1816
ويأتي لهذا مزيد بيان في الكلام على حديث الإفك في الحوادث، ويؤيده أيضا أن حديث الإفك كان سنة خمس، إذ الحديث فيه التصريح بأن ذلك كان بعد نزول الحجاب، والحجاب كان في ذي القعدة سنة أربع عند جماعة، فتكون المريسيع بعد ذلك، فيترجّح أنه سنة خمس. أما قول الواقديّ: إن الحجاب كان في ذي القعدة سنة خمس، فمردود. وقد جزم خليفة وأبو عبيدة وغير واحد أن الحجاب كان سنة ثلاث، فحصلنا في الحجاب على ثلاثة أقوال: أشبههما سنة أربع.
الثالث: روى الشيخان عن ابن عون قال: كتبت إلى نافع أسأله عن الدعاء قبل القتال، فكتب إليّ: إنما كان ذلك في أول الإسلام، قد أغار رسول الله ﷺ على بني المصطلق، وهم غارّون وأنعامهم تسعى على الماء، فقتل مقاتلتهم، وسبى ذراريّهم، الحديث. وعنه حدثني هذا الحديث عبد الله بن عمر، وكان في ذلك الجيش.
غارّون، بتشديد الراء، أي غافلون.
وذكر جل أهل المغازي أنه حصل بين الفريقين قتال، وذكر جماعة منهم إن النبي ﷺ أمر عمر أن يدعوهم إلى توحيد الله تعالى. قال في الفتح: فيحتمل أن يكونوا حين الإيقاع بهم تثبّتوا قليلا، فلما كثر فيهم القتال انهزموا، بأن يكون لما دهمهم وهم على الماء ثبتوا وتصافّوا، ووقع القتال بين الطائفتين، ثم بعد ذلك وقعت الغلبة عليهم.
وأشار ابن سعد إلى حديث نافع ثم قال: والأول أثبت، وأقرّه في العيون، والحكم بكون الذي في السّير أثبت مما في الصحيح مردود، لا سيّما مع إمكان الجمع.
الرابع: جهجاه، وقيل: اسم أبيه مسعود، وقيل: سعيد: قال الطبريّ: المحدّثون يزيدون فيه الهاء، والصواب جهجا، دون هاء.
وسنان اختلف في اسم أبيه أيضا فقيل: وبر بسكون الموحّدة، وقيل: بفتحها- وقيل أبير- بوزن [زبير] ، وقيل: وبرة واحدة الوبر، وقيل: عمرو، وقيل: تيم.
الخامس:
قوله ﷺ : «دعوها فإنها منتنة» .
قال أبو القاسم الخثعميّ: يعني «يا لفلان» ، لأنها من دعوى الجاهلية. وقد جعل الله تعالى المؤمنين إخوة، وحزبا واحدا، فإنما ينبغي أن تكون الدعوة: يا للمسلمين، فمن دعا في الإسلام بدعوى الجاهلية فيتوجّه فيها للفقهاء ثلاثة أقوال:
أحدها: أن يجلد من استجاب لها بالسلاح خمسين سوطا، اقتداء بأبي موسى الأشعري في جلده النابغة الجعديّ خمسين سوطا، حين سمع: يا لعامر! فأقبل يشتدّ بعصبة له.
стр. 1817
القول الثاني: إن فيها الجلد دون العشرة، لنهيه ﷺ أن يجلد أحد فوق عشرة أسواط، إلا في حد.
والقول الثالث: اجتهاد الإمام في ذلك حسب ما يراه من سدّ الذريعة، وإغلاق باب الشرّ بالوعيد، وإما بالسّجن، وإما بالضرب. فإن قيل: إن رسول الله ﷺ لم يعاقب الرجلين حين دعوا بها، قلنا: قد قال: دعوها فإنها منتنة، فقد أكّد النهي، فمن عاد إليها بعد هذا النهي، وبعد وصف النبي ﷺ بالإنتان، وجب أن يؤدّب حتى يشمّ نتنها، كما فعل أبو موسى بالجعديّ، ولا معنى لنتنها إلا سوء العاقبة فيها، والعقوبة عليها.
السادس: في استئذان عبد الله بن عبد الله بن أبيّ في قتل أبيه المنافق، من أجل المقالة الخبيثة التي قالها.
وفي هذا العلم العظيم والبرهان النّيّر من أعلام النبوة، فإن العرب كانت أشدّ خلق الله حميّة وتعصّبا، فبلغ الإيمان منهم ونور اليقين من قلوبهم إلى أن يرغب الرجل منهم في قتل أبيه وولده، تقرّبا إلى الله تعالى وتزلّفا إلى رسوله، مع إن النبي ﷺ أبعد الناس [نسبا] منهم، أي الأنصار، وما تأخّر إسلام قومه وبني عمّه وسبق إلى الإيمان به الأباعد إلا لحكمة عظيمة، إذ لو بادر أهله وأقربوه إلى الإيمان به لقيل: قوم أرادوا الفخر برجل منهم، وتعصّبوا له، فلما بادر إليه الأباعد وقاتلوا على حبّه من كان منهم، أو من غيرهم، علم أن ذلك عن بصيرة صادقة، ويقين قد تغلغل في قلوبهم، ورهبة من الله تعالى أزالت صفة قد كانت [سدكت] في نفوسهم من أخلاق الجاهلية، لا يستطيع إزالتها إلا الذي فطر الفطرة الأولى، وهو القادر على ما يشاء.
السابع: نظر رسول الله ﷺ لجويرية حتى عرف من حسنها ما عرف، وذلك لأنها كانت أمة مملوكة، ولو كانت حرة ما ملأ عينه منها، لأنه لا يكره النظر إلى الإماء. وجائز أيضا أن يكون نظر إليها لأنه نوى نكاحها، أو أن ذلك قبل أن تنزل آية الحجاب.
الثامن: وقع في هذه الغزوة حديث الإفك، وسيأتي الكلام عليه في الحوادث في سنة خمس. قيل: وفيها نزلت آية التيمم، وسيأتي الكلام عليه في الحوادث.
التاسع: في بيان غريب ما سبق:
الفرع- بالفاء والراء والعين المهملة وزن قفل- من أعمال المدينة.
تألّبوا: تجمّعوا.
استأصله: أهلكه.
كثيف- بكاف فمثلثة فتحتية ففاء- اسم يوصف به العسكر والسحاب والماء وكثف:
غلظ.
стр. 1818
عرض الدنيا- بفتحتين- المتاع، وكل شيء فهو عرض سوى الدّراهم والدنانير فإنها عين.
الخلائق- بالخاء والقاف جمع خليقة-: مكان به مزارع وآبار قرب المدينة.
الروحاء- بفتح الراء وسكون الواو وبالحاء المهملة وألف-: من عمل الفرع.
العين هنا الجاسوس.
الأدم (بفتحتين) .
يرى- بضم التحتية وفتح الراء-: يظنّ.
أفناء العرب: قال في النهاية: رجل من أفناء الناس، أي لم يعلم من هو، الواحد فنو.
وقيل: هو من الفناء، وهو المتّسع أمام الدار.
النّبل- بفتح النون وسكون الموحدة- السّهم العربيّ.
أفلت (بضم أوله) .
عدا عليه. من العدوان.
ذو الشّقرة (بشين معجمة فقاف فراء) .
«يا منصور أمت» : أمر بالموت، والمراد به التفاؤل بالنصر بعد الإماتة مع حصول الغرض للشّعار، فإنهم جعلوا هذه الكلمة علامة بينهم يتعارفون بها، لأجل ظلمة الليل.
الرّعب- براء وعين مهملتين مضمومتين وبضم الراء وسكون العين-: الفزع.
شرح غريب أمره ﷺ بتكتيف الأسارى
سيقت (بكسر السين المهملة وبالبناء للمفعول) .
سهمان- بالضّمّ- وأسهم وسهام: جمع سهم.
رثّة بالمثلثة وزن هرّة: خلقة.
شرح غريب تزوجه ﷺ بجويرية ﵂
ملّاحة قال في المصباح: ملح الشّيء بالضمّ ملاحة بالفتح: بهج وحسن منظره فهو مليح والأنثى مليحة، والجمع ملاح.
لا طاقة بكذا ولا يدان، أي لا قوة لي ولا قدرة عليه.
شرح غريب ذكر افتداء من بقي من السبي وما يذكر معه
العزوبة- بضم العين المهملة والزاي-: عدم الزّوجة.
стр. 1819
العزل- بفتح العين المهملة وسكون الزاي-: ترك الإنزال في الفرج.
النّسمة: النّفس والروح.
السّخل- بفتح السين المهملة وسكون الخاء المعجمة-: الولد المحبّب إلى أبويه، وهو في الأصل ولد الغنم.
الموؤدة: يقال: وأد ابنته وأدا من باب وعد: دفنها حيّة، فهي موؤودة.
شرح غريب ما ظهر من ابن أبي من النفاق
الماء الظّنون: الذي تتوهّمه ولست منه على ثقة، فعول بمعنى مفعول، وقيل: هي البئر التي يظنّ أن فيها ماء وليس فيها ماء، وقيل: البئر القليلة الماء، وهو المراد هنا.
شهروا السلاح: أظهروه.
يال فلان [......]
دعوها- بدال فعين مهملتين فواو فألف-: اتركوها.
منتنة- بميم مضمومة فنون ساكنة فمثناة فوقية فنون- أي مذمومة في الشّرع، مجتنبة مكروهة كما يجتنب الشّيء المنتن، يريد قولهم: يا لفلان.
نافرونا- بنون فألف ففاء مفتوحة فراء فواو فنون فألف-: غلبونا. يقال: نافره إذا غلبه.
منّتنا: نعمتنا.
الجلابيب- بفتح الجيم-: لقب لكل من أسلم من المهاجرين، لقّبهم بذلك المشركون. والجلابيب في الأصل الأزر الغلاظ، كانوا يلتحفون بها فلقّبوهم بذلك.
الغير- بكسر الغين المعجمة وفتح التحتية- الاسم من قولك: غيّرت الشيء فتغيّر.
أسهمتموهم: أعطيتموهم نصيبا من أموالكم.
الغرض- بالغين والضاد المعجمة بينهما راء-: الهدف الذي يرمى إليه.
الرّهط: ما دون العشرة من الرجال ليس فيهم امرأة، وسكون الهاء أفصح من فتحها.
يؤنّبون: يبالغون في التّوبيخ والتّعنيف.
عمدت: قصدت.
سلف منك: صدر ووقع.
حدبا علي ابن أبي- بفتح الحاء والدال المهملتين وبالموحّدة-: عطفا عليه.
стр. 1820
شرح غريب ذكر تكبيس ظهره ﷺ
في فيء: الأولى حرف جر، والثانية من الفيء، وهو الظلّ.
يغمز ظهره- بغين معجمة فزاي-: يعصره، وهو التّكبيس.
تقحّمت بي الناقة: ألقتني.
أرعدت: بضم الهمزة وكسر العين المهملة وبالبناء للمفعول.
آنف- بفتح الهمزة- وآناف وأنوف جمع أنف: العضو المعروف.
يشعر: يعلم.
الرّواح. قال الأزهري وغيره: قد يتوهّم بعض الناس أن الرّواح لا يكون إلا في آخر النهار، وليس كذلك، بل الرّواح والغدوّ عند العرب يستعملان في المسير أي وقت كان من ليل أو نهار، وأما راحت الإبل فهي رائحة، فلا يكون إلا بالعشيّ، إذا أراحها راعيها على أهلها.
يقال: سرحت بالغداة إلى المرعى وراحت بالعشيّ على أهلها، أي رجعت من المرعى إليهم.
وقال ابن فارس: الرّواح: رواح العشيّ وهو من الزّوال إلى الليل.
الخرز- بخاء مفتوحة معجمة فراء فزاي-: الذي ينضمّ، الواحدة خرزة.
أرب بهم: اشتدّ عليهم في ثمنها.
البحيرة: اسم للمدينة الشريفة، وتقدم في أسمائها.
اتّسقوا عليه: اجتمعوا.
يتوّجوه: يلبسوه التاج ويسوّده. والتاج: ما يصاغ للملوك من الذهب والجوهر.
متن- بميم ففوقية مخففة فنون مفتوحات- فإذا بالغت شدّدت: سار حتّى أضعف الإبل.
ليشغل الناس: بفتح التحتية وسكون الشين وفتح الغين المعجمتين.
مسّ الأرض: أول ما ينال منها.
الحجاز- بحاء مهملة فجيم فألف فزاي-: مكة والمدينة والطائف ومخاليفها، كأنها حجزت بين نجد وتهامة، أو بين نجد والسّراة، أو لأنها احتجزت بالحداء.
النّقيع [ (١) ]- بفتح النون وكسر القاف وهو على أربعة برد من المدينة.
نقعاء: بفتح النون وإسكان القاف وبالعين المهملة والمد.
стр. 1821
شرح غريب ذكر إخباره ﷺ بموت منافق وما يذكر معه
هاجت: ثارت وتحركت.
عصفت الريح: اشتدّت.
كئيبا: حزن أشدّ الحزن.
قاتله الله: لعنه الله وأهلكه.
الحصن: بكسر الحاء المهملة وسكون الصاد المعجمة.
نبذوه- بالذال المعجمة-: رموه.
العمر- بفتح العين المهملة-: الحياة.
الشّعب- بكسر الشين المعجمة-: الطريق في الجبل.
عمد- بعين مفتوحة فميم مفتوحة فدال مهملتين-: قصد.
شمت به: فرح بمصيبة نزلت به.
الزّمام- بكسر الزاي-: المقود.
سقط في يده (بضم السين المهملة وكسر القاف) .
أنشدكم الله، أي أسألكم الله. قال في النهاية: وتعديته إلى مفعولين إمّا لأنه بمنزلة دعوت، حيث قالوا: نشدتك الله وبالله، كما قالوا: دعوت زيدا أو بزيد، أو لأنهم ضمّنوه معنى ذكرت. فأما أنشدتك بالله فخطأ.
الفشل- بفتح الفاء وكسر الشين المعجمة-: الجبان الضعيف القلب.
تصفّح وجوه الناس: نظر في صفحات وجوههم.
الرّكاب- بالكسر- المطيّ، الواحدة: راحلة من غير لفظها.
يا لكع- بضم اللام وفتح الكاف- وهو في الأصل العبد، ثم استعمل في الحمق والذّمّ.
يرفده: يعينه.
الكلأ- بفتحتين وبالهمز-: العشب رطبا كان أو يابسا، قاله ابن فارس وغيره.
الغدران: جمع غدير وهو القطعة من الماء.
مقمّل- بميم فقاف مفتوحة فميم مشددة-: جبل قرب المدينة.
стр. 1822
شرح غريب ذكر نهيه ﷺ عن طروق النساء
طرق أهله يطرقهم بالضم طروقا: أتاهم ليلا.
المعرّس- بميم مضمومة فعين مهملة فراء مشددة فسين مهملة-: النازل بمكان ليلا.
ببارح- بموحدتين فألف فراء فحاء مهملة- بذاهب.
الغمد (بكسر الغين المعجمة وسكون الميم) .
توسن [بفتح المثناة فواو ساكنة- شدة النوم- أو أوله] .
الماشطة: مسرّحة الشّعر.
بئر أبي عنبة: بلفظ واحدة العنب.
شرح غريب ذكر ما نزل في ابن أبي المنافق
حل حل- بفتح الحاء المهملة وسكون اللام فيهما، ويقال بكسرها فيهما بالتنوين وبغير تنوين-: كلمة زجر للإبل.
مغذ في السير: مجدّ.
البرحاء (بضم الموحدة وفتح الراء) .
стр. 1823
الباب التاسع عشر في غزوة الخندق
وتسمّى غزوة الأحزاب، وهي الغزوة التي ابتلى الله فيها عباده المؤمنين، وبعث الإيمان في قلوب أوليائه المتقين، وأظهر ما كان يبطنه أهل النفاق، وفضحهم وفزّعهم، ثم أنزل الله ﵎ نصره ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده، وأعزّ جنده، وردّ الكفرة بغيظهم، ووقى المؤمنين شرّ كيدهم، وحرّم عليهم شرعا وقدرا أن يغزوا المؤمنين بعدها، بل جعلهم المغلوبين، وجعل حزبه هم الغالبين.
وسببها إن النبي ﷺ لمّا أجلى بني النّضير، وساروا إلى خيبر، وبها من يهود قوم أهل عدد وجلد، وليس لهم من البيوت والأحساب ما لبني النضير، فخرج حيي بن اخطب وكنانة بن أبي الحقيق وهوذة- بفتح الهاء وبالذال المعجمة- ابن قيس الوائليّ، وأبو عامر الفاسق، في جماعة سواهم، إلى مكة فدعوا قريشا وأتباعها إلى حرب رسول الله ﷺ ، وهم الذين حزّبوا الأحزاب، فقالوا لقريش: نحن معكم حتى نستأصل محمدا، جئنا لنحالفكم على عداوته وقتاله، ونشطت قريش لذلك، وتذكروا أحقادهم ببدر، فقال أبو سفيان: مرحبا وأهلا، أحبّ الناس إلينا من أعاننا على عداوة محمد. وأخرج خمسين رجلاً من بطون قريش كلّها، وتحالفوا وتعاقدوا وألصقوا أكبادهم بالكعبة، وهم بينها وبين أستارها، لا يخذل بعضهم بعضا، ولتكوننّ كلمتهم واحدة على محمد، ما بقي منهم رجل.
وقال أبو سفيان: يا معشر يهود، أنتم أهل الكتاب الأوّل والعلم، أخبرونا عمّا أصبحنا نختلف فيه نحن ومحمد: أديننا خير أم دينه؟ فنحن عمّار البيت، ننحر الكوم، ونسقي الحجيج، ونعبد الأصنام. فقالت يهود: اللهم أنتم أولى بالحقّ منه، إنكم لتعظّمون هذا البيت، وتقومون على السّقاية، وتنحرون البدن، وتعبدون ما كان يعبد آباؤكم، فأنتم أولى بالحقّ منه.
فأنزل الله : أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ، وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا: هؤُلاءِ أَهْدى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا، أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ، وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيراً. أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ، فَإِذاً لا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيراً. أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ، فَقَدْ آتَيْنا آلَ إِبْراهِيمَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ، وَآتَيْناهُمْ مُلْكاً عَظِيماً. فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ، وَكَفى بِجَهَنَّمَ سَعِيراً [سورة النساء من ٥١: ٥٥] .
فلما قالوا ذلك لقريش سرّهم، ونشطوا إلى ما دعوهم إليه من حرب رسول الله ﷺ ، فاتّعدوا لذلك وقتا أقّتوه.
стр. 1824
ثم خرجت يهود إلى غطفان فدعوهم إلى حرب رسول الله ﷺ .
قال محمد بن عمر: وجعلوا لهم تمر خيبر سنة، إن هم نصروهم، وأخبروهم أنّ قريشا قد تابعوهم على ذلك، واجتمعوا معهم فيه.
ثم خرجت يهود إلى بني سليم فوعدوهم المسير معهم إذا خرجت قريش.
ذكر خروج قريش ومن ذكر معهم
ثم إن قريشا تجهّزت، وسيّرت تدعو العرب إلى نصرها وألّبوا أحابيشهم ومن تبعهم، وخرجوا في أربعة آلاف، وعقدوا اللّواء في دار النّدوة، وحمله عثمان بن طلحة- وأسلم بعد ذلك- وقادوا معهم ثلاثمائة فرس، وكان معهم ألف وخمسمائة بعير.
ولاقتهم بنو سليم بمرّ الظّهران في سبعمائة، يقودهم سفيان بن عبد شمس وهو أبو أبي الأعور السّلميّ، الذي كان مع معاوية بصفّين.
وخرجت بنو أسد بن خزيمة وقائدها طلحة بن خويلد الأسديّ، وأسلم بعد ذلك.
وخرجت بنو فزارة [وأوعبت] وهم ألف يقودهم عيينة بن حصن، وأسلم بعد ذلك.
وخرجت أشجع، وقائدها مسعود بن رخيلة- بضمّ الرّاء وفتح الخاء المعجمة- وأسلم بعد ذلك- وهم أربعمائة.
وخرجت بنو مرّة في أربعمائة، يقودهم الحارث بن عوف المرّيّ- بميم مضمومة فراء مشددة مكسورة، وأسلم بعد ذلك.
قالوا: وكان القوم الذين وافوا الخندق من قريش وسليم وأسد وغطفان عشرة آلاف.
وعناج الأمر إلى أبي سفيان بن حرب. هذا ما كان من أمر المشركين.
وأما ما كان من أمر سيدنا رسول الله ﷺ فإنّ خزاعة عند ما تهيّأت قريش للخروج أتى ركبهم رسول الله ﷺ في أربع ليال حتى أخبروه، فندب الناس، وأخبرهم خبر عدوّهم، وشاورهم في أمرهم: أيبرز من المدينة أم يكون فيها، ويحاربهم عليها وفي طرقها؟ فأشار سلمان ﵁ بالخندق، وقال: يا رسول الله إنا كنّا بأرض فارس إذا تخوّفنا الخيل خندقنا علينا، فأعجبهم ذلك، وأحبّوا الثّبات في المدينة، وأمرهم رسول الله ﷺ بالجدّ، ووعدهم النّصر، إذا هم صبروا واتّقوا، وأمرهم بالطّاعة، ولم تكن العرب تخندق عليها.
وروى البزار عن مالك بن وهب الخزاعيّ إن رسول الله ﷺ بعث سليطا وسفيان بن عوف الأسلميّ طليعة يوم الأحزاب، فخرجا حتى إذا كانا بالبيداء التفّت عليهما خيل لأبي
стр. 1825
سفيان، فقاتلا حتى قتلا، فأتي بهما رسول الله ﷺ ، فدفنا في قبر واحد، فهما الشّهيدان القرينان.
وركب فرسا له ومعه عدّة من المهاجرين والأنصار ﵃، فارتاد موضعا ينزله، فكان أعجب المنازل إليه أن يجعل سلعا الجبل خلف ظهره، ويخندق من المذاد إلى ذباب إلى راتج، فعمل يومئذ في الخندق، وندب النّاس وخبّرهم بدنوّ عدوّهم وعسكرهم إلى سفح سلع وجعل المسلمون يعملون مستعجلين، يبادرون قدوم العدوّ عليهم، واستعاروا من بني قريظة آلة كثيرة من مساحي وكرازين ومكاتل للحفر.
ووكّل رسول الله ﷺ بكلّ جانب من الخندق قوما يحفرونه، فكان المهاجرون يحفرون من ناحية راتج إلى ذباب، وكانت الأنصار يحفرون من ذباب إلى جبل أبي عبيدة.
وروى الطبراني بسند لا بأس به عن عمرو بن عوف المزنيّ: إن رسول الله ﷺ خطّ الخندق من أجم الشّيخين طرف بني حارثة حتى بلغ المذاد فقطع لكل عشرة أربعين ذراعا.
وتنافس المهاجرون والأنصار في سلمان الفارسيّ، وكان رجلا قويّا، فقال المهاجرون:
سلمان منّا! وقالت الأنصار: سلمان منّا،
فقال رسول الله ﷺ : «سلمان من أهل البيت» .
وكان سلمان يعمل عمل عشرة رجال» ، حتّى عانه قيس بن أبي صعصعة فلبط به،
فقال رسول الله ﷺ : «مروه فليتوضأ له، وليغتسل به سلمان، وليكفأ الإناء خلفه، ففعل فكأنما حل من عقال» .
قال أنس بن مالك: وحفر رسول الله ﷺ ، وحمل التّراب على ظهره، حتى أن الغبار علا ظهره وعكنة.
وقالت أم سلمة ﵂: ما نسيت يوم الخندق، وهو يعاطيهم اللّبن، وقد اغبرّ شعره، تعني النبي ﷺ . رواه الإمام أحمد برجال الصحيح وأبو يعلى.
وروى محمد بن عمر عن البراء ﵁ قال: لقد رأيت رسول الله ﷺ يحمل التّراب على ظهره، حتى حال التّراب بيني وبينه، وإني لأنظر إلى بياض بطنه.
وكان من فرغ من المسلمين من حصّته عاد إلى غيره فأعانه حتى كمل الخندق.
ولم يتأخّر عن العمل في الخندق أحد من المسلمين، وكان أبو بكر وعمر ﵄ ينقلان التّراب في ثيابهما- إذ لم يجدا مكاتل- من العجلة، وكانا لا يفترقان في عمل، ولا مسير ولا منزل.