← Сира

Сира · id 1693

سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد

الصالحي الشامي

Полный текст (5 757 стр.). Показаны 2066–2105 · переход к 2071.

стр. 2066

الثالثة قوله: وذكر الواقدي في نحو هذه القصة إلخ. قد يوهم أن الرجل غورث، وليس كذلك، بل هو دعثور. الرابعة قوله: ووقع في رواية ابن إسحاق التي أشرت إليها أنه أسلم ليس في كلام ابن إسحاق أنه أسلم بلا ريب، ومن راجع كلام ابن إسحاق، والواقدي في مغازيهما تبيّن له صحة ما قلته. والله- تعالى- أعلم. الثاني عشر: قول ابن إسحاق: إن رسول الله- ﷺ استعمل على المدينة في غزوة ذات الرّقاع أبا ذر، لا يستقيم على مذهبه أن ذات الرقاع قبل الخندق، فإن أبا ذر أسلم قديما، ورجع إلى بلاده، فلم يجيء إلّا بعد الخندق، كما ذكره محمد بن عمر. الثالث عشر: وقع في الوسيط للإمام حجة الإسلام الغزالي- رحمه الله تعالى- أنّ غزوة ذات الرقاع آخر الغزوات. قال الحافظ: وهو غلط واضح. وقد بالغ ابن الصلاح في إنكاره، وقال بعض من انتصر للغزالي: لعله أراد آخر غزوة صلّيت فيها صلاة الخوف، وهو انتصار مردود أيضا، لما رواه أبو داود، والنسائي، وصححه ابن حبان من حديث أبي بكر أنه- صلى مع رسول الله- ﷺ صلاة الخوف، وإنما أسلم أبو بكرة في غزوة الطّائف بالاتفاق، وذلك بعد غزوة ذات الرقاع قطعا. الرابع عشر: جمهور أهل المغازي على أن غزوة ذات الرقاع هي غزوة محارب، كما جزم به ابن إسحاق. وعند محمد بن عمر، أنها اثنتان وتبعه القطب في المورد. الخامس عشر: قول ابن سعد أن صلاة الخوف أول ما صلّيت «بذات الرقاع» محمول على ما ذكره هو وغيره من تقدمها على غزوة الحديبية، أما على تأخير ذات الرقاع عن خيبر فتكون أول ما صلّيت صلاة الخوف في عسفان. السادس عشر: في بيان غريب ما سبق. الجلب- بفتح الجيم واللام، وبالموحدة: ما يجلب من بلد إلى بلد للبيع. بنو أنمار ... بفتح الهمزة. بغيض- بموحدة، فغين، فضاد، معجمتين بينهما تحتية. هادين: غافلين عن أمرهم. المضيق- بفتح الميم، وكسر الضاد المعجمة، ومثناة تحتية وقاف: قرية. أفضى إلى كذا: وصل إليه. الشّقرة- بضم الشين المعجمة، وسكون القاف: اسم موضع على يومين من المدينة.

стр. 2067

أتى نخلا- بالخاء المعجمة بلفظ اسم جنس النخلة: موضع على يومين من المدينة أيضا. وضيئة- بالضاد المعجمة: أي حسنة. غارون: غافلون. يستأصلهم: يهلكهم جميعا. حانت الصلاة: دنا وقتها. شرح غريب ذكر حديث جابر في قصة غورث قوله- قفل: رجع. العضاه- بكسر العين المهملة، وبالضاد المعجمة، وبالهاء: شجر أم غيلان، وكل شجر عظيم له شوك. اخترط السّيف: سلّه من غمده. صلتا- بفتح الصاد المهملة، وسكون اللام، وبالفوقية: أي مجردا من غمده. شام السّيف- هنا- أدخله في غمده. فتك به: أتاه ليقتله. وهو غار: غافل. في حرة- بفتح الحاء وكسرها. الحرّة: أرض ذات حجارة سود كأنها أحرقت بالنار والجمع [حرار] ككلاب. وأقم- بالواو، والقاف، والميم، وزن أطم، من آطام المدينة، تنسب إليه حرة وأقم. بيضات أداحي- بالدال، والحاء المهملتين جمع أدحي بضم الهمزة، وهو الموضع الذي تبيض فيه النعامة وتفرخ. المفحص- بفتح الميم، وسكون الفاء، وفتح الحاء، وبالصاد المهملتين: اسم الموضع الذي يحفره الطائر ليبيض فيه. العيبة- بفتح العين المهملة، وسكون التحتية، وبالموحدة: ما تجعل فيه الثياب. اليمامة: مدينة على يومين من الطائف، وأربعة من مكة. يرفل- بسكون الراء، وبالفاء: يمشي مشي المختال. يستعديني: يطلب مني نصره.

стр. 2068

مقنعا- بالقاف، والنون، والعين المهملة: أي ذليلا. الناضح: الذي يسقى عليه، ثم استعمل في كل بعير القعب- بقاف مفتوحة، فعين مهملة: قدح من خشب. يواهق- بتحتية مضمومة، فواو، فهاء مكسورة، فقاف: أي يباري ناقة النبي- ﷺ في السير ويماشيها. شرح غريب حديث جابر الطويل قوله: واد أفيح: واسع. الإداوة- بالكسر: المطهرة. شاطئ الوادي: جانبه. الغصن- بضم الغين المعجمة. البعير المخشوش- بالخاء والشين المعجمتين هو الذي يجعل في أنفه الخشاش. بكسر الخاء: وهو عود يجعل في أنف البعير يشدّ به الزمام ليكون أسرع في انقياده. وانقاد فلان للأمر: أعطى القياد إذا أذعن طوعاً أو كرهاً. التأمتا عليه: انطبقتا عليه وسترتاه. أحضر- بضم الهمزة، وإسكان الحاء، وكسر الضاد المعجمة: أي أعدو وأسعى سعيا شديدا. دانت- بالنون، وروي باللّام: أي وقعت واتّفقت. لفتة: نظرة. حسرته- بحاء وسين مهملتين: حددته ونحيت عنه ما يمنع حدّته بحيث صار مما يمكن القطع به. انذلق- بذال معجمة، أي صار حادا. أمّمت الشيء: قصدته. أجترهما: أجرّهما. فعمّ ذاك- أدغمت النون في ما الاستفهامية، وحذفت ألفها لدخول الجار. يرفه عنهما- بفتح التحتية، وسكون الراء، وفتح الفاء وبالهاء: تخفيف. الأشجاب- جمع شجب: وهو السّقاء الذي خلق وبلى، وصار سيئا.

стр. 2069

الحمازة- بكسر الحاء، وتخفيف الميم والزاي: وهي أعواد يعلق عليها أسقية الماء. القطرة: الشيء اليسير. العزلاء- بفتح العين المهملة وسكون الزاي، وبالمد: وهي فم القربة الأسفل. شربة يابسة: أي قليل جدا، فلقلته مع شدة يبس باقي الشجب يذهب ما فيه. يغمزه: يعصره. الجفنة- بفتح الجيم: إناء كالقصعة، والجمع الجفان بالكسر والجفنات بالتحريك. وناد يا جفنة الركب: أي التي تشبعهم أو يا صاحب جفنتهم فحذف المضاف، أي من كان عنده جفنة تشبعهم فليحضرها. سيف البحر- بكسر السين المهملة، وإسكان التحتية: جانبه. حجاج عينها- بفتح الحاء المهملة، وكسرها، وبجيمين: العظم المستدير، وقال ثابت: الحجاجان، العظمان المشرفان على العينين، وفي المخصص: الحجاج العظم الذي عليه الحاجب. الكفل- بكسر الكاف، وسكون الفاء: وهو هنا- الكساء الذي يدار حول سنام البعير ثم يركب. شرح غريب ذكر منقبة عباد بن بشر- ﵁ يهريق- بضم التحتية، وفتح الهاء، وكسر الراء: يصب ويسيل. يكلؤنا: يحفظنا ويحرسنا. الشّعب- بالكسر: الطريق في الجبل. الرّبيئة- بفتح الراء المشددة، والموحدة المكسورة، وبالهمزة، والمفتوحة: طليعة القوم وعينهم، الذي يكشف لهم الخبر. الثغر- بالثاء المثلثة، والغين المعجمة: ما يلي دار العدو. صرار- بصاد وراءين مهملتين: اسم أطم بالمدينة شرقيها.

стр. 2070

الباب السادس والعشرون في عمرة القضاء لما دخل هلال ذي القعدة سنة سبع، وهو الشهر الذي صده فيه المشركون عن البيت، وأنزل الله ﵎: الشَّهْرُ الْحَرامُ بِالشَّهْرِ الْحَرامِ وَالْحُرُماتُ قِصاصٌ [البقرة ١٩٤] الآية. أمر رسول الله- ﷺ أصحابه أن يتجهزوا للعمرة، ولا يتخلف أحد ممن شهد الحديبية، فلم يتخلف أحد شهدها، إلّا رجال استشهدوا بخيبر، ورجال ماتوا، فقال رجال من حاضري المدينة من العرب: يا رسول الله، والله مالنا زاد، وما لنا أحد يطعمنا، فأمر رسول الله- ﷺ المسلمين أن ينفقوا في سبيل الله- تعالى، وأن يتصدقوا، وألا يكفوا أيديهم فيهلكوا، فقالوا: يا رسول الله، بم نتصدق وأحدنا لا يجد شيئا؟ فقال رسول الله- ﷺ : «بما كان ولو بشق تمرة» [ (١) ] . وروى وكيع وابن عيينة وابن سعيد، ومنصور، وعبد بن حميد، والبخاري، والبيهقي في سننه عن حذيفة، ووكيع، وعبد بن حميد، والبيهقي عن ابن عباس- رضي الله- تعالى عنهم- وابن جرير عن عكرمة، ووكيع عن مجاهد-رحمهما الله تعالى-- قالوا في قوله تعالى: وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ [البقرة ١٩٥] إن التهلكة ترك النفقة في سبيل الله، ليس التهلكة أن يقتل الرجل في سبيل الله، ولكن الإمساك في سبيل الله، أنفق ولو مشقصا [ (٢) ] . قال محمد بن عمر، وابن سعد [ (٣) ] : واستعمل رسول الله- ﷺ على المدينة أبا رهم- بضم الراء، وسكون الهاء- الغفاري- ﵁ وقال ابن هشام: واستعمل عويف- بالواو والفاء، تصغير عوف، ويقال فيه عويث- بتحتية فمثلثة ابن الأضبط- بضاد معجمة، فموحدة، فطاء مهملة- رضي الله تعالى عنه- وقال البلاذري: استعمل أبا ذرّ. ويقال: عويف بن الأضبط والله أعلم. ذكر ما ساقه رسول الله- ﷺ من الهدي وتقديمه السلاح والخيل أمامه روى محمد بن عمر عن عبد الله بن دينار- رحمه الله تعالى- قال: جعل رسول

стр. 2071

الله- ﷺ ناجية بن جندب الأسلمي على هديه، يسير به أمامه، يطلب الرّعي في الشجر، معه أربعة فتيان من أسلم، زاد غيره: وأبو هريرة [ (١) ] . وروى محمد بن عمر عن محمد بن إبراهيم بن الحرث قال: ساق رسول الله- ﷺ في القضية ستين بدنة وروى أيضا عن شعبة مولى ابن عباس- ﵄ قال: قلّد رسول الله- ﷺ هديه بيده [ (٢) ] . وروى أيضا عن عاصم بن عمر عن قتادة- رحمه الله تعالى- قال: حمل رسول الله- ﷺ السلاح، والبيض، والدروع، والرماح وقاد مائة فرس عليها محمد بن مسلمة، فلما انتهى إلى ذي الحليفة قدّم الخيل أمامه، واستعمل على السلاح بشير بن سعد، بالموحدة والشين المعجمة، وزان أمير، فقيل يا رسول الله: حملت السّلاح وقد شرطوا أن لا ندخلها عليهم بسلاح إلّا سلاح المسافر، السيوف في القرب! فقال رسول الله- ﷺ : «إنّا لا ندخله عليهم الحرم، ولكن يكون قريبا منّا، فإن هاجنا هيج من القوم كان السّلاح منّا قريبا [ (٣) ] . فمضى بالخيل محمد بن مسلمة- ﵁ إلى مرّ الظهران، فوجد بها نفرا من قريش فسألوه فقال: هذا رسول الله- ﷺ يصبّح هذا المنزل غدا إن شاء الله- تعالى- ورأوا سلاحا كثيرا مع بشير بن سعد، فخرجوا سراعا، حتّى أتوا قريشا، فأخبروهم بالذي رأوه من الخيل والسلاح، ففزعت قريش، وقالوا والله ما أحدثنا حدثا، وإنّا على كتابنا، ومدّتنا، ففيم يغزونا محمد في أصحابه. قال ابن عقبة- رحمه الله تعالى-: بعث رسول الله- ﷺ جعفر بن أبي طالب بين يديه إلى ميمونة بنت الحرث يخطبها عليه، قلت: وسيأتي بيان ذلك في ترجمتها. ذكر خروجه- ﷺ من المدينة وإحرامه روى محمد بن عمر-رحمه الله تعالى-- عن جابر- رضي الله- تعالى عنه- قال: أحرم رسول الله- ﷺ من باب المسجد، لأنه سلك طريق الفرع، ولولا ذلك لأهلّ من البيداء. قالوا: وسار رسول الله- ﷺ يلبي والمسلمون معه يلبّون، حتى انتهى إلي مرّ الظّهران، وقدم رسول الله- ﷺ السلاح إلى بطن يأجج حيث نظر إلى أنصاب الحرم، وبعثت قريش مكرز- بكسر الميم، وسكون الكاف، وكسر الراء، وبالزاي- بن حفص في نفر من قريش حتى لقوه ببطن يأجج، ورسول الله- ﷺ في أصحابه، والهدي والسلاح قد تلاحق، فقالوا له: والله يا

стр. 2072

محمد ما عرفت صغيرا ولا كبيرا- بالغدر، تدخل بالسلاح في الحرم على قومك، وقد شرطت لهم ألّا تدخل إلّا بسلاح المسافر، السيوف في القرب!! فقال رسول الله- ﷺ «إني لا أدخل عليهم بسلاح.» فقال مكرز: هو الذي تعرف به، البرّ والوفاء، ثم رجع مكرز سريعا إلى مكة بأصحابه، فقال: إن محمدا لا يدخل بسلاح، وهو على الشرط الذي شرط لكم [ (١) ] . روى الإمام أحمد عن ابن عباس- ﵄ قال: لما نزل رسول الله- ﷺ مرّ الظّهران في عمرته، بلغ أصحابه أن قريشا تقول ما يتباعثون من العجف، فقال أصحابه: لو انتحرنا من ظهرنا فأكلنا من لحمه وحسونا من مرقه، أصبحنا غدا حين ندخل على القوم وبنا جمامة، فقال رسول الله- ﷺ : «لا تفعلوا، ولكن اجمعوا إليّ من أزوادكم» ، فجمعوا له، وبسطوا الأنطاع فأكلوا حتّى تركوا، وحشا كلّ واحد في جرابه [ (٢) ] . ذكر دخول رسول الله- ﷺ مكة قال ابن عباس- ﵄ قدم رسول الله- ﷺ مكة صبيحة الرابع من ذي الحجة، ولمّا جاء مكرز قريشا بخبر رسول الله- ﷺ استنكف رجال من أشراف المشركين أن ينظروا إلى رسول الله- ﷺ غيظا وحنقا، ونفاسة، وأمر رسول الله- ﷺ بالهدي أمامه حتى حبس بذي طوى، ودخل رسول الله- ﷺ على راحلته القصواء وأصحابه محدقون به، قد توشّحوا السيوف يلبّون، فلما انتهى رسول الله- ﷺ إلى ذي طوى وقف على راحلته والمسلمون حوله، ثم دخل من الثنية التي تطلعه على الحجون. وروى البخاري تعليقا، وعبد الرّزاق، والترمذي، والنسائي، وابن حبان عن أنس- ﵁ وابن عقبة عن الزهري، وابن إسحاق عن عبد الله بن أبي بكر بن عمرو بن حزم: إن رسول الله- ﷺ دخل مكة عام القضيّة على ناقته وعبد الله بن رواحة آخذ بزمامها، وهو يقول: خلّوا بني الكفّار عن سبيله ... نحن ضربناكم على تأويله ضربا يزيل الهام عن مقيله ... ويذهل الخليل عن خليله قد أنزل الرّحمن في تنزيله ... في صحف تتلى على رسوله يا رب إني مؤمن بقيله ... إنّي رأيت الحقّ في قبوله فقال عمر بن الخطاب- ﵁ يا ابن رواحة؟ بين يدي رسول الله- ﷺ

стр. 2073

وفي حرم الله- تعالى- تقول الشعر؟ فقال رسول الله- ﷺ «خل عنه يا عمر» فلهي أسرع فيهم من نضح النبل» . وفي رواية «يا عمر إني أسمع، فاسكت يا عمر» فقال رسول الله- ﷺ : «يا ابن رواحة قل: «لا إله إلا الله وحده، نصر عبده، وأعزّ جنده، وهزم الأحزاب وحده» . فقالها ابن رواحة فقالها الناس كما قالها [ (١) ] . ذكر طواف رسول الله- ﷺ ماشيا وما جاء انه طاف راكبا روى الإمام أحمد، والشيخان، وابن إسحاق عن ابن عباس- رضي الله- تعالى عنهما- قال: «قدم رسول الله- ﷺ وأصحابه مكّة، وقد وهنتهم حمّى يثرب، فقال المشركون: إنه يقدم غدا قوم قد وهنتهم الحمّى، ولقوا فيها شدّة، فجلسوا على قعيقعان مما يلي الحجر، فأطلع الله- تعالى- نبيه على ما قالوا، فلما دخل رسول الله- ﷺ المسجد اضطبع بردائه وأخرج عضده الأيمن، ثم قال: «رحم الله امرأ أراهم من نفسه قوّة» . وفي رواية: «أروهم ما يكرهون» وأمرهم أن يرملوا ثلاثة أشواط، ويمشوا بين الرّكنين، ليرى المشركون جلدهم، ثم استلم الركن، وخرج يهرول وأصحابه معه، حتى إذا واراه البيت منهم، واستلم الرّكن اليماني مشى حتى استلم الركن الأسود ثم هرول كذلك ثلاثة أشواط ومشى سائرها. قال ابن عباس: ولم يأمرهم أن يرملوا الأشواط كلها للإبقاء عليهم، فقال المشركون: «هؤلاء الذين زعمتم أن الحمّى قد وهنتهم؟ هؤلاء أجلد من كذا وكذا، ما يرضون بالمشي، أما إنهم لينقزون نقز الظّبي» وكان رسول الله- ﷺ يكايدهم كلّما استطاع [ (٢) ] . قال محمد بن عمر، وابن سعد وغيرهم: ولم يزل رسول الله- ﷺ يلبّي حتّى استلم الركن بمحجنه. وروى الحميديّ والبخاريّ [ (٣) ] ، والإسماعيلي عن عبد الله بن أبي أوفى- ﵁ قال: لما اعتمر رسول الله- ﷺ سترناه من غلمان المشركين، وفي رواية من السّفهاء والصبيان مخافة أن يؤذوا رسول الله- ﷺ وروى يونس ابن بكير- رحمه الله تعالى- عن زيد بن أسلم- رحمهما الله تعالى- إن رسول الله- ﷺ دخل عام القضية مكّة، فطاف على

стр. 2074

ناقته، واستلم الركن بمحجنه. قال هشام، وابن سعد: من غير- علّة- والمسلمون يشتدّون حول رسول الله- ﷺ وابن رواحة يقول الرجز السابق: وذكر محمد بن عمر، وابن سعد: أن رسول الله- ﷺ طاف راكبا، وتبعهما القطب في المورد. ذكر دخوله- ﷺ البيت روى البيهقي من طريق محمد بن عمر عن سعيد بن المسيب- رحمه الله تعالى- قال: لما قضى رسول الله- ﷺ طوافه في عمرة القضاء دخل البيت، فلم يزل فيه حتّى أذّن بلال بالصبح، فوق ظهر الكعبة، وكان رسول الله- ﷺ أمره بذلك، فقال عكرمة بن أبي جهل- وأسلم بعد ذلك- لقد أكرم الله- تعالى- أبا الحكم، حيث لم يسمع هذا العبد يقول ما يقول. وقال صفوان بن أمية- وأسلم بعد ذلك- الحمد لله الذي أذهب أبي قبل أن يرى هذا. وقال خالد بن أسيد- كأمير- وأسلم بعد ذلك: الحمد لله الذي أمات أبي ولم يشهد هذا اليوم حين يقوم بلال ابن أم بلال ينهق فوق الكعبة وأمّا سهيل بن عمرو- وأسلم بعد ذلك- ورجال معه لما سمعوا ذلك غطوا وجوههم، كذا في هذه الرّواية: إن النبي- ﷺ دخل البيت. وروى البخاري عن إسماعيل بن أبي خالد- رحمه الله تعالى- أن رجلا سأل ابن أبي أوفى- ﵁ كان رسول الله- ﷺ دخل في القضيّة الكعبة؟ قال: لا [ (١) ] . وقال محمد بن عمر بعد أن روى ما سبق عن ابن عباس: حدثني إبراهيم بن إسماعيل عن داود بن الحصين قال: لم يدخل رسول الله- ﷺ الكعبة في القضيّة. وقد أرسل إليهم، فأبوا وقالوا: لم يكن في شرطك. ذكر سعيه- ﷺ بين الصفا والمروة روى محمد بن عمر- رحمه الله تعالى- عن ابن عباس- ﵄ إن رسول الله- ﷺ طاف بين الصّفا والمروة على راحلته، فلما كان الطّواف السّابع عند المروة عند فراغه- وقد وقف الهدي عند المروة- قال رسول الله- ﷺ «هذا المنحر وكل فجاج مكة منحر، فنحر عند المروة» [ (٢) ] . قال محمد بن عمر- رحمه الله تعالى- وقد كان اعتمر مع رسول الله- ﷺ قوم لم

стр. 2075

يشهدوا الحديبية فلم ينحروا، فأمّا من شهدها وخرج في القضيّة فإنهم اشتركوا في الهدي. وأمر رسول الله- ﷺ مائتين من أصحابه حين طافوا بالبيت وسعوا أن يذهبوا إلى أصحابه ببطن يأجج فيقيمون على السّلاح، ويأتي الآخرون فيقضوا نسكهم ففعلوا. ذكر خروجه- ﷺ من مكة روى محمد بن عمر عن عمر بن علي بن أبي طالب- رحمه الله تعالى- قال: لما كان عند الظهر يوم الرابع أتى سهيل بن عمرو، وحويطب بن عبد العزى- وأسلما بعد ذلك قال ابن إسحاق: وكانت قريش قد وكّلت حويطب بإخراج رسول الله- ﷺ فأتياه وهو في مجلس من الأنصار يتحدث مع سعد بن عبادة، فقالا: قد انقضى أجلك، فاخرج عنا، فقال رسول الله- ﷺ : «وما عليكم لو تركتموني فأعرست بين أظهركم فصنعت طعاما؟!» فقالا: لا حاجة لنا في طعامك اخرج عنّا، ننشدك الله يا محمد، والعقد الذي بيننا وبينك إلّا خرجت من أرضنا، فهذه الثلاثة قد مضت [ (١) ] . وكان رسول الله- ﷺ لم ينزل بيتا، إنّما ضربت له قبّة من أديم بالأبطح، فكان هناك حتى خرج منها، ولم يدخل تحت سقف بيت من بيوتها، فغضب سعد بن عبادة- ﵁ لما رأى من غلظة كلامهم للنبي- ﷺ فقال لسهيل بن عمرو: كذبت لا أم لك ليست بأرضك ولا أرض أبيك، والله لا يخرج منها إلّا طائعا راضيا، فتبسم رسول الله- ﷺ وقال يا سعد: لا تؤذ قوما زارونا في رحالنا، وأسكت الرجلان عن سعد. وفي الصحيح عن البراء بن عازب- ﵄ أن الأجل لما مضى أتى المشركون عليا- ﵁ فقالوا: قل لصاحبك: اخرج عنّا فقد مضى الأجل، فذكر ذلك علي- ﵁ لرسول الله- ﷺ فأمر رسول الله- ﷺ أبا رافع- بالرحيل، وقال: لا يمسين بها أحد من المسلمين» وركب رسول الله- ﷺ حتى نزل بسرف، وتتامّ الناس، وخلّف رسول الله- ﷺ أبا رافع ليحمل إليه زوجته ميمونة حين يمسي، فأقام أبو رافع حتّى أمسى، فخرج بميمونة ومن معها، ولقيت من سفهاء مكة عناء، وسيأتي الكلام على دخول رسول الله- ﷺ بها في ترجمتها. ذكر خروج ابنة حمزة- ﵂ روى الشيخان عن البراء بن عازب، والإمام أحمد عن علي، ومحمد بن عمر عن ابن عباس- ﵃ قال ابن عباس: أن عمارة بنت حمزة بن عبد المطلب، وقيل اسمها

стр. 2076

أمامة قال الحافظ: وهو المشهور وأمها سلمى بنت عميس، كانت بمكّة، فلما قدم رسول الله- ﷺ مكة كلّم علي بن أبي طالب- رسول الله- ﷺ فقال: علام نترك ابنة عمّنا يتيمة بين ظهراني المشركين؟، فلم ينهه رسول الله- ﷺ فخرج بها. وقال البراء: إن رسول الله- ﷺ لما خرج تبعته ابنة حمزة تنادي يا عمّي يا عمّي، فتناولها عليّ فأخذ بيدها. وقال لفاطمة- ﵂: دونك ابنة عمك، فاختصم فيها. زيد وعلي وجعفر، أي بعد أن قدموا المدينة كما سيأتي. وكان زيد وصيّ حمزة، وكان رسول الله- ﷺ قد واخى بينهما حين واخى بين المهاجرين. فقال علي: أنا أحق بها، وهي ابنة عمّي، وأنا أخرجتها من بين أظهر المشركين، وقال جعفر: بنت عمّي وخالتها أسماء بنت عميس تحتي. وقال زيد: بنت أخي. فقضى فيها رسول الله- ﷺ لخالتها، وقال: «الخالة بمنزلة الأم» وقال لعلي: «أنت مني وأنا منك» . وفي حديث ابن عباس- ﵁ «وأما أنت يا عليّ فأخي وصاحبي» وقال لجعفر: «أشبهت خلقي وخلقي» . وقال لزيد: «أنت أخونا ومولانا» . وفي حديث ابن عباس- ﵁ «أنت مولى الله ورسوله» [ (١) ] . قال محمد بن عمر: فلمّا قضى بها رسول الله- ﷺ لجعفر قام جعفر فحجل حول رسول الله- ﷺ فقال رسول الله- ﷺ : «ما هذا يا جعفر» ؟ قال: يا رسول الله، كان النجاشي إذا أرضى أحدا قام فحجل. قال ابن إسحاق- رحمه الله تعالى- ثم انصرف رسول الله- ﷺ في ذي الحجة. وكان عدّة المسلمين سوى النّساء والصّبيان ألفين. قال ابن هشام-رحمه الله تعالى--: فانزل الله- تعالى- فيما حدّثني أبو عبيدة: لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لا تَخافُونَ فَعَلِمَ ما لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذلِكَ فَتْحاً قَرِيباً [الفتح ٢٧] يعني خيبر. تنبيهات الأول: يقال لهذه العمرة عمرة القصاص. قال السهيلي-رحمه الله تعالى-- وهذا الاسم أولى بها لقوله تعالى: الشَّهْرُ الْحَرامُ بِالشَّهْرِ الْحَرامِ وَالْحُرُماتُ قِصاصٌ [البقرة

стр. 2077

١٩٤] ورواه عبد بن حميد بسند صحيح عن مجاهد، وبه جزم سليمان التيمي في مغازيه وهذه الآية نزلت فيها كما تقدم. ويقال لها: عمرة القضاء، واختلف في تسميتها بذلك، فقال السّهيلي: لأن رسول الله- ﷺ قاضى قريشا عليها. لأنه قضى العمرة الّتي صدّ عن البيت فيها، فإنها لم تكن فسدت بصدّهم له عن البيت، بل كانت عمرة تامّة متقبلة، حتّى إنهم حين حلقوا شعورهم بالحلّ احتملتها الريح فألقتها بالحرم، فهي معدودة في عمر النبي- ﷺ زاد القاضي: فالمراد بالقضاء الفصل الذي وقع عليه الصّلح، ولذلك يقال لها عمرة القضية. قال أهل اللغة: قاضى فلان فلانا: عاهده، وقاضاه: عاوضه، فيحتمل تسميتها بالأمرين، ويرجح الثاني تسميتها قصاصا. وقال آخرون: بل كانت قضاء عن العمرة الأولى، وعدّ عمرة الحديبية في العمر لثبوت الأجر فيها لا لأنّها كملت، وهذا خلاف مبني على الاختلاف في وجوب القضاء على من اعتمر فصدّ عن البيت. فقال الجمهور: يجب عليه الهدي، ولا قضاء عليه. وعن الإمام أبي حنيفة-رحمه الله تعالى-- عكسه، وعن الإمام أحمد رواية: أنه لا يلزمه هدي ولا قضاء وأخرى أنه يلزمه الهدي والقضاء، وبيان حجج كلّ ليس من غرضنا. وقال ابن إسحاق: تسمّى أيضا عمرة الصّلح اه. فتحصّل من أسمائها أربعة: القضاء، والقضيّة، والقصاص والصّلح. الثاني: وجهوا كون هذه العمرة غزوة بأن موسى بن عقبة ذكر في المغازي عن ابن شهاب أنه- ﷺ خرج مستعدّا بالسّلاح والمقاتلة خشية أن يقع من قريش غدر، ولا يلزم من إطلاق الغزوة وقوع المقاتلة. وقال ابن الأثير- رحمه الله تعالى- في الجامع: هذه العمرة ليست من الغزوات، وذكرها البخاري في الغزوات حيث تضمنت ذكر المصالحة مع المشركين. الثالث: قال ابن هشام- رحمه الله تعالى- قوله: «نحن قتلناكم على تأويله» إلى آخر الأبيات لعمار بن ياسر في غير هذا اليوم، قال السّهيلي: يعني يوم صفين. قال ابن هشام: والدليل على ذلك أنّ ابن رواحة إنما أراد المشركين، والمشركون لم يقرّوا بالتنزيل، وإنّما يقاتل على التأويل من أقرّ بالتنزل. قال في البداية: وفيما قاله ابن هشام نظر، فإن البيهقيّ روى من غير وجه عن عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن أنس قال: لما دخل رسول الله- ﷺ مكة في عمرة القضاء مشى عبد الله بن رواحة بين يديه وفي رواية وهو آخذ بغرزه وهو يقول

стр. 2078

الأبيات السابقة. ورواه عن يزيد بن أسلم- كما سبق- وقد تابع ابن إسحاق على ذلك ابن عقبة وغيره، وقال الحافظ- رحمه الله تعالى- إذا ثبتت الرّواية فلا مانع من إطلاق ذلك، فإنّ التقدير على رأي ابن هشام: نحن ضربناكم على تأويله أي حتى تذعنوا إلى ذلك التأويل، ويجوز أن يكون التقدير: نحن ضربناكم على تأويل ما فهمنا منه حتى تدخلوا فيما دخلنا فيه، وإذا كان ذلك محتملا، وثبتت الرّواية سقط الاعتراض. نعم الرواية التي جاء فيها. «فاليوم نضربكم على تأويله» يظهر أنه قول عمار، ويبعد أن يكون من قول ابن رواحة، لأنه لم يقع في عمرة القضاء ضرب ولا قتال، وصحيح الرّواية. «نحن ضربناكم على تأويله. كما ضربناكم على تنزيله. يشير بكل منهما إلى ما مضى، ولا مانع من أن يتمثل عمار بن ياسر بهذا الرجز ويقول: هذه اللفظة، ومعنى قوله: «نضربكم على تأويله» أي الآن، وجاز تسكين الباء لضرورة الشّعر، بل هي لغة قرئ بها في المشهور. الرابع: قال الحافظ أبو عيسى الترمذي- رحمه اللَّه تعالى- بعد أن ذكر رجز ابن رواحة، ثم قال: وفي غير هذا الحديث أن هذه القصّة لكعب بن مالك، وهو الأصح، لأن عبد الله بن رواحة قتل بمؤتة، وكانت عمرة القضاء بعد ذلك، قال الحافظ- ﵀ وهو ذهول شديد، وغلط مردود، وما أدري كيف وقع الترمذي في ذلك، ومع أنّ في قصّة عمرة القضاء اختصام جعفر وأخيه، علي، وزيد بن حارثة في بنت حمزة، أي كما سبق وجعفر قتل هو وزيد وابن رواحة في موطن واحد، فكيف يخفى على التّرمذي مثل هذا. ثم وجدت عند بعضهم أن الّذي عند التّرمذي من حديث أنس: أنّ ذلك كانت في فتح مكة. فإن كان كذلك اتجه اعتراض التّرمذي، لكن الموجود بخطّ الكروخي راوي الترمذي على ما تقدم. قلت: وكذلك رأيته في عدة نسخ من جامع الترمذي. الخامس: مجيء سهيل، وحويطب يطلبان رحيل رسول الله- ﷺ نصف النهار، الظاهر أنه- ﷺ دخل في أوائل النهار، فلم تكمل الثلاث إلا في مثل ذلك الوقت من النّهار الرابع الذي دخل فيه بالتلفيق، وكان مجيئهم في أول النهار قريب مجيء ذلك الوقت. السادس: «قول ابنة حمزة يا عم كأنها خاطبت النبي- ﷺ بذلك إجلالا، وإلّا فهو ابن عمها، أو بالنسبة إلى كون حمزة- وإن كان عمه من النسب- فهو أخوه من الرضاعة. وكانت خصومة علي وجعفر، وزيد في ابنة حمزة بعد أن قدموا المدينة، كما صح ذلك من حديث عليّ عند أحمد، والحاكم. السابع: أقر النبي- ﷺ عليا على أخذها من مكة مع اشتراط المشركين ألّا يخرج

стр. 2079

بأحد من أهلها أراد الخروج، لأنهم لم يطلبوها، وأيضا فإنّ النّساء المؤمنات لم يدخلن في ذلك، لكن إنّما نزل القرآن بعد رجوعهم إلى المدينة. الثامن: في بيان غريب ما سبق: التّهلكة: الهلاك، وهو من نوادر المصادر. المشقص- بكسر الميم، وسكون الشين المعجمة، وفتح القاف، سهم فيه نصل عريض، والجمع مشاقص. تقليد الهدي: أي تعلّق بعنق البعير قطعة من جلد ليعلم أنّه هدي فيكفّ الناس عنه. ذو الحليفة- بضم الحاء المهملة تصغير الحلفة بفتحات، واحد الحلفاء، وهو النبات المعروف. هاجه: حركه، الهيج- بفتح الهاء، والتحتية، وبالجيم: الحرب. مرّ الظّهران: تقدم الكلام عليه غير مرّة. شرح غريب ذكر خروجه- ﷺ من المدينة قوله الفرع- بضم الفاء، والراء، وبالعين المهملة: عمل واسع من أعمال المدينة. البيداء: في الأصل المفازة، وهنا الشرف الذي قدام ذي الحليفة إلى جهة مكة. يأجج- بتحتية، فهمزة ساكنة، فجيمين، الأولى مفتوحة- وقد تكسر: واد قريب من مكة. أنصاب الحرم: الأعلام على حدوده. العجف، وزان التّعب: الضعف. حسونا- بحاء فسين مهملتين مفتوحتين، فواو ساكنة، فنون: شربنا. الحنق- بفتح الحاء المهملة، والنون وبالقاف: الغيظ. النفاسة- يقال نفس الشيء بالكسر نفاسة: حسده عليه ولم يره أهلا له. ذي طوى- بتثليث الطاء: واد بقرب مكة، يصرف ولا يصرف. القصواء: كحمراء. محدقين: محيطين. توشح السيف: ألقى طرف علاقته على منكبه الأيمن من تحت يده اليسرى، ويأخذ طرفه الذي ألقاه على منكبه الأيسر من تحت يده. اليمنى، ثم يعقدهما على صدره.

стр. 2080

الثنيّة: كل عقبة مسلوكة. الحجون- بفتح الحاء المهملة، وضم الجيم، وبالواو، والنون: جبل بمكة. الهام، جمع هامة، وهي الرأس. وهنتهم الحمّى: أضعفتهم. اضطبع بثوبه: جعل وسط الثوب تحت الإبط اليمنى، وطرفه على الكتف اليسرى. العضد- بفتح العين المهملة، وضم الضاد المعجمة وتسكن، وبفتح العين، وكسر الضاد، وبضمهما، وبضم العين وسكون الضاد: خمس لغات، وهي مؤنثة عند أهل تهامة، وتذكّر عند بني تميم: وهي ما بين المرفق والكتف. رمل في طوافه- بالراء: هرول. الأشواط- بالشين المعجمة جمع شوط: وهو الجري إلى الغاية، وهي هنا من الحجر إلى الحجر. جلدهم- بفتح الجيم واللام: قوّتهم وصبرهم. واراه: ستره. أبقى عليه: رفق به وأشفق عليه. قعيقعان- بقافين، الأولى مضمومة، بعد كل منهما عين مهملة وبعد الأولى تحتية: جبل بمكة. نقز- بالقاف والزاي: وثب. الظّبى- جمع ظبي: حيوان معروف. المحجن- بكسر الميم، وسكون الحاء المهملة وفتح الجيم: عصا مقنعة الرأس يلتقط بها الراكب ما سقط منه. يشتدون: يعدون. المروة: جبل معروف بمكة. الفجاج- بكسر الفاء جمع فج، وبالفتح: هو الطريق الواسع. ننشدك الله: نذكرك به ونستعطفك، أو نسألك به، مقسمين عليك. الأبطح: كل مسيل فيه دقاق الحصى، والمراد هنا مكان معروف بمكة. سرف- بفتح السين المهملة وكسر الرّاء، وبالفاء: ما بين التّنعيم وبطن مرو، وهو إلى التنعيم أقرب. حجل- بحاء مهملة، فجيم، فلام مفتوحات: رفع رجلا وقفز على الأخرى من الفرح، وقد يكون بالرّجلين، إلّا انه قفز، وقيل الحجل: المشي المقيد.

стр. 2081

الباب السابع والعشرون في غزوة الفتح الأعظم الذي أعز الله تعالى به دينه ورسوله وجنده وحرمه الأمين وهو الفتح الذي استبشر به أهل السماء، وضربت أطناب عزه على مناكب الجوزاء، ودخل الناس في دين الله أفواجا، وأشرق به وجه الأرض ضياء وابتهاجا، وكان في شهر رمضان سنة ثمان. قال ابن عباس- ﵄ غزا رسول الله- ﷺ غزوة الفتح في رمضان. قال الزّهري: وسمعت سعيد بن المسيب يقول مثل ذلك، رواه البخاري [ (١) ] . ذكر الأسباب الموجبة للمسير إلى مكة كانت خزاعة في الجاهلية أصابوا رجلا من بني الحضرميّ واسمه مالك بن عبّاد، وحلف الحضرميّ يومئذ إلى الأسود بن رزن، خرج تاجرا، فلمّا توسّط أرض خزاعة عدوا عليه فقتلوه وأخذوا ماله فمر رجل من خزاعة على بني الدّيل بعد ذلك فقتلوه، فوقعت الحرب بينهم، فمرّ بنو الأسود بن رزن. وهم ذؤيب، وسلمى، وكلثوم على خزاعة فقتلوهم بعرفة عند أنصاب الحرم، وكان قوم الأسود منخر بني كنانة يودون في الجاهلية ديتين لفضلهم في بني بكر، ونودى دية، فبينا بنو بكر وخزاعة على ذلك بعث رسول الله- ﷺ فحجز بالإسلام بينهم، وتشاغل الناس به- وهم علي ما هم عليه من العداوة في أنفسهم- فلمّا كان صلح الحديبية بين رسول الله- ﷺ وبين قريش، ووقع الشّرط «ومن أحبّ أن يدخل في عقد رسول الله- ﷺ فليدخل، ومن أراد أن يدخل في عقد قريش فليدخل» فدخلت خزاعة في عقد رسول- ﷺ وكانت خزاعة حلفاء عبد المطلب بن هاشم، وكان رسول الله- ﷺ بذلك عارفا، ولقد جاءته خزاعة يومئذ بكتاب عبد المطلب فقرأه عليه أبي بن كعب- ﵁ وهو: «باسمك اللهمّ، هذا حلف عبد المطلب بن هاشم لخزاعة، إذ قدم عليه سرواتهم وأهل الرأي، غائبهم مقرّ بما قاضى عليه شاهدهم، إنّ بيننا وبينكم عهود الله وعقوده، وما لا ينسى أبدا، اليد واحدة، والنصر واحد ما أشرف ثبير، وثبت حراء مكانه وما بل بحر صوفة ولا يزداد فيما بيننا وبينكم ألا تجددا أبد الدهر سرمدا» . فقال رسول الله- ﷺ : «ما أعرفني بخلقكم وأنتم على ما أسلمتم عليه من الحلف! فكلّ حلف كان في الجاهلية فلا يزيده الإسلام إلّا شدة ولا حلف في الإسلام» [ (٢) ] .

стр. 2082

ذكر نقض قريش العهد لما دخل شعبان على رأس اثنين وعشرين شهرا من صلح الحديبية، كلمت بنو نفاثة وبنو بكر أشراف قريش أن يعينوهم بالرّجال والسّلاح على عدوّهم من خزاعة، وذكّروهم القتلى الذين أصابت خزاعة منهم، وأرادوا أن يصيبوا منهم ثأر أولئك النّفر الذين أصابوا منهم في بني الأسود بن رزن، وناشدوهم بأرحامهم، وأخبروهم بدخولهم في عقدهم وعدم الإسلام، ودخول خزاعة في عقد محمد وعهده، فوجدوا القوم إلى ذلك سراعا، ألا إن أبا سفيان بن حرب لم يشاور في ذلك ولم يعلم، ويقال إنهم ذاكروه فأبى ذلك، فأعانوا بالسّلاح والكراع والرّجال، ودسّوا ذلك سرا لئلّا تحذر خزاعة، وخزاعة آمنون غارون لحال الموادعة، ولما حجز الإسلام بينهم. ثم اتّعدت قريش وبنو بكر وبنو نفاثة الوتير، وهو موضع أسفل مكة، وهو منازل خزاعة فوافوا للميعاد فيهم رجال من قريش من كبارهم متنكرون منتقبون، صفوان بن أمية، وعكرمة بن أبي جهل، وحويطب بن عبد العزى، وشيبة بن عثمان- وأسلموا بعد ذلك- ومكرز بن حفص، وأجلبوا معهم أرقاءهم، ورأس بني بكر نوفل بن معاوية الدّئلي- وأسلم بعد ذلك- فبيّتوا خزاعة ليلا وهم غارون آمنون- وعامّتهم صبيان ونساء وضعفاء الرّجال، فلم يزالوا يقتلونهم حتى انتهوا إلى أنصاب الحرم، فقال أصحاب نوفل بن معاوية له: يا نوفل إلهك إلهك قد دخلت الحرم! فقال: كلمة عظيمة، لا إله لي اليوم، يا بني بكر، لعمري إنكم لتسرقون الحاج في الحرم، أفلا تدركون ثأركم من عدوكم، ولا يتأخر أحد منكم بعد يومه عن ثأره؟! فلمّا انتهت خزاعة إلى الحرم دخلت دار بديل بن ورقاء، ودار مولى لهم يقال له رافع الخزاعيين، وانتهوا بهم في عماية الصّبح، ودخلت رؤساء قريش منازلهم وهم يظّنون أنهم لا يعرفون، وأنه لا يبلغ هذا رسول الله- ﷺ وأصبحت خزاعة مقتّلين على باب بديل ورافع. وقال سهيل بن عمرو لنوفل بن الحرث: قد رأيت الّذي صنعنا بك وبأصحابك ومن قتلت من القوم، وأنت قد حصدتهم تريد قتل من بقي، وهذا ما لا نطاوعك عليه، فاتركهم فتركهم، فخرجوا وندمت قريش، وندموا على ما صنعوا، وعرفوا أن هذا الذي صنعوه نقض للذّمة والعهد الذي بينهم وبين رسول الله- ﷺ وجاء الحارث بن هشام، وعبد الله بن أبي ربيعة إلى صفوان بن أمية، وإلى سهيل بن عمرو وعكرمة بن أبي جهل فلاموهم بما صنعوا من عونهم بني بكر على خزاعة- وقالوا: إنّ بينكم وبين محمد مدّة وهذا نقض لها. ذكر إعلامه- ﷺ بما حصل لخزاعة يوم أصيبوا روى محمد بن عمر- رحمه الله تعالى- أن رسول الله- ﷺ قال لعائشة صبيحة كانت وقعة بني نفاثة وخزاعة بالوتير: «يا عائشة: لقد حدث في خزاعة أمر» فقالت عائشة: يا

стр. 2083

رسول الله، أترى قريشا تجترئ على نقض العهد الذي بينك وبينهم، وقد أفناهم السيف؟ فقال رسول الله- ﷺ : «ينقضون العهد لأمر يريده الله تعالى» فقالت: يا رسول الله «خير» قال: «خير» [ (١) ] وروى الطبراني في الكبير والصغير عن ميمونة بنت الحارث- ﵄ أن رسول الله- ﷺ بات عندها ليلة، فقام ليتوضأ إلى الصّلاة، فسمعته يقول في متوضّئه: «لبّيك لبّيك لبّيك- ثلاثا- نصرت نصرت نصرت- ثلاثا-» فلما خرج، قلت: يا رسول الله، سمعتك تقول في متوضئك «لبّيك لبّيك- ثلاثا- نصرت نصرت» ثلاثا، كأنك تكلّم إنسانا، فهل كان معك أحد؟ قال: «هذا راجز بني كعب يستصرخني، ويزعم أنّ قريشا أعانت عليهم بكر بن وائل» قالت ميمونة: فأقمنا ثلاثاً ثم صلى رسول الله- ﷺ الصبح بالناس [ (٢) ] فسمعت الرّاجز ينشد: يا رب إني ناشد محمّدا ... حلف أبينا وأبيه الأتلدا فذكرت الرجز الآتي. ذكر قدوم عمرو بن سالم على رسول الله- ﷺ يخبره بما وقع لهم روى الطبراني في الكبير والصّغير عن ميمونة بنت الحارث، [ (٣) ] والبزّار بسند جيد عن أبي هريرة- ﵁ وابن أبي شيبة في المصنف عن عكرمة، والبيهقي عن ابن إسحاق، ومحمد بن عمر عن شيوخه: إن عمرو بن سالم الخزاعي خرج في أربعين راكبا من خزاعة يستنصرون رسول الله- ﷺ ويخبرونه بالذي أصابهم، وما ظاهرت عليهم قريش ومعاونتهم لهم بالرجال، والسّلاح، والكراع، وحضور صفوان بن أمية وعكرمة، ومن حضر من قريش، وأخبروه بالخبر ورسول الله- ﷺ جالس في المسجد بين أظهر الناس، ورأس خزاعة عمرو ابن سالم، فلما فرغوا من قصّتهم، قام عمرو بن سالم فقال: يا رب إنّي ناشد محمّدا ... حلف أبينا وأبيه الأتلدا قد كنتم ولدا وكنّا والدا ... ثمّت أسلمنا فلم ننزع يدا

стр. 2084

إنّ قريشا أخلفوك الموعدا ... ونقضوا ميثاقك المؤكّدا وزعموا أن لست أدعو أحدا ... وهم أذلّ وأقلّ عددا هم بيّتونا بالوتير هجّدا ... وقتّلونا ركّعا وسجّدا وجعلوا لي في كداء رصّدا ... فانصر رسول الله نصرا أيّدا وادع عباد الله يأتوا مددا ... فيهم رسول الله قد تجرّدا أن سيم خسفا وجهه تربّدا ... في فيلق كالبحر يجري مزبدا قرم لقرم من قروم أصيدا فقال رسول الله- ﷺ «نصرت يا عمرو بن سالم» فما برح حتى مرت عنانة من السماء فرعدت، فقال رسول الله- ﷺ : «إن هذه السحابة لتستهلّ بنصر بني كعب» [ (١) ] . وروى أبو يعلى بسند جيد عن عائشة- ﵄ قالت: لقد رأيت رسول الله- ﷺ غضب مما كان من شأن بني كعب غضبا لم أره غضبه منذ زمان. وقال: «لا نصرني الله- تعالى- أن لم أنصر بني كعب» [ (٢) ] . وروى محمد بن عمر- رحمه الله تعالى- عن ابن عباس- ﵄ إن رسول الله- ﷺ لما سمع ما أصاب خزاعة، قام- وهو يجرّ رداءه- وهو يقول: «لا نصرت إن لم أنصر بني كعب ممّا أنصر منه نفسي» . وروى عبد الرزاق وغيره عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنهما- أن رسول الله- ﷺ لمّا بلغه خبر خزاعة قال: «والذي نفسي بيده لأمنعنّهم ممّا أمنع منه نفسي وأهلي وبيتي» [ (٣) ] . قال ابن إسحاق وغيره: وقدم بذلك ورقاء الخزاعي في نفر من قومه على رسول الله- ﷺ فأخبروه بما حصل لهم. قال ابن عقبة، ومحمد بن عمر: إن رسول الله- ﷺ قال لعمرو بن سالم وأصحابه: «أرجعوا وتفرقوا في الأودية» . فرجعوا وتفرقوا، وذهبت فرقة إلى السّاحل بعارض الطّريق، ولزم بديل بن ورقاء في نفر من قومه الطّريق [ (٤) ] .

стр. 2085

وروى محمد بن عمر عن محجن بن وهب قال: لم يرم بديل بن ورقاء مكّة من حين انصرف رسول الله- ﷺ من الحديبية حتى لقيه في الفتح بمر الظهران. قال محمد بن عمر وهذا أثبت [ (١) ] . وأخبر عمرو بن سالم ومن معه أن أنس ابن زنيم هجا رسول الله- ﷺ فأهدر دمه. ذكر ما قيل أن رسول الله- ﷺ لما بلغه خبر خزاعة أرسل الى قريش يخيرهم بين أمور ثلاثة روى ابن عائذ عن ابن عمر- رضي الله تعالى عنهما، ومحمد بن عمر عن حزام بن هشام الكعبيّ ومسدد في مسنده بسند صحيح عن محمد بن عباد بن جعفر أحد ثقات التّابعين وأئمّتهم- رحمهم الله تعالى- واللفظ لمحمد بن عمر، قال حزام: إن قريشا ندمت على عون بني نفاثة، وقالوا: محمد غارينا، فقال عبد الله بن أبي سرح- وهو يومئذ عندهم حال ردّته عن الإسلام- وأسلم بعد ذلك- إنّ عندي رأيا، إن محمدا لن يغزوكم حتى يعذر إليكم، ويخيّركم في خصال كلها أهون عليكم من غزوه، قالوا ما هي؟ قال: يرسل إليكم أن أدوا قتلى خزاعة وهم ثلاثة وعشرون قتيلا، أو تبرؤوا من حلف من نقض الصّلح وهم بنو نفاثة، أو ينبذ إليكم على سواء، فما عندكم في هذه الخصال؟ فقال القوم: أحر بما قال ابن أبي سرح- وقد كان به عالما- قال سهيل بن عمرو: ما خلة أهون علينا من أن نبرأ من حلف بني نفاثة. فقال شيبة بن عثمان العبدري حفظت أخوالك، وغضبت لهم قال سهيل: وأي قريش لم تلده خزاعة؟ قال شيبة: ولكن ندي قتلى خزاعة فهو أهون علينا، وقال قرظة بن عبد عمرو: لا والله لا يودون ولا نبرأ من حلف بني نفاثة، ولكنا ننبذ إليه على سواء. وقال أبو سفيان: ليس هذا بشيء، وما الرأي إلّا جحد هذا الأمر، أن تكون قريش دخلت في نقض عهد أو قطع مدة وإنه قطع قوم بغير رضى منّا ولا مشورة فما علينا. قالوا: هذا الرأي لا رأي غيره [ (٢) ] . وقال عبد الله بن عمر- رضي الله تعالى عنهما-: إن ركب خزاعة لما قدموا على رسول الله- ﷺ وأخبروه خبرهم، قال رسول الله- ﷺ : «فمن تهمتكم وظنّتكم؟» قالوا: بنو بكر، قال: «أكلها؟» قالوا: لا، ولكن بنو نفاثة قصرة ورأس القوم نوفل بن معاوية النّفاثي. قال: «هذا بطن من بني بكر، وأنا باعث إلى أهل مكة فسائلهم عن هذا الأمر ومخيّرهم في خصال ثلاث» ، فبعث إليهم ضمرة - لم يسم أباه محمد بن عمر- يخيّرهم بين إحدى خلال، بين أن يدوا قتلى خزاعة أو يبرؤوا من حلف بني نفاثة، أو ينبذ إليهم على سواء. فأتاهم ضمرة

стр. 2086

رسول الله- ﷺ فأناخ راحلته بباب المسجد، فدخل وقريش في أنديتها، فأخبرهم أنه رسول رسول الله- ﷺ وأخبرهم بالذي أمره رسول الله- ﷺ به فقال قرظة بن عبد عمرو الأعمى: أمّا أن ندي قتلى خزاعة فإن نفاثة فيهم عرام فلا نديهم حتى لا يبقى لنا سبد ولا لبد، وأما أن نتبرأ من حلف نفاثة فإنه ليس قبيلة من العرب تحجّ هذا البيت أشد تعظيما له من نفاثة، وهم حلفاؤنا، فلا نبرأ من حلفهم، أو لا يبقى لنا سبد ولا لبد، ولكن ننبذ إليه على سواء، فرجع ضمرة إلى رسول الله- ﷺ بذلك من قولهم. وندمت قريش على ردّ رسول رسول الله- ﷺ وبعثت أبا سفيان فذكر قصة مجيئه إلى رسول الله- ﷺ كما سيأتي. ذكر إخباره- ﷺ بأن أبا سفيان سيقدم ليجدد العهد فكان كما أخبر روى محمد بن عمر عن حزام بن هشام عن أبيه- رحمهما الله- إن رسول الله- ﷺ قال: «لكأنّكم بأبي سفيان قد جاء يقول: جدّد العهد وزد في الهدنة، وهو راجع بسخطه» . وروى عبد الرزاق عن نعيم مولى ابن عباس، وابن أبي شيبة عن عكرمة، ومحمد بن عمر عن شيوخه، واللفظ له: أن الحارث بن هشام، وعبد الله بن أبي ربيعة مشيا إلى أبي سفيان بن حرب، فقالا: هذا أمر لا بد له من أن يصلح، والله لئن لم يصلح هذا الأمر لا يروعكم إلا محمد في أصحابه، فقال أبو سفيان: قد رأت هند بنت عتبة رؤيا كرهتها وأفظعتها. وخفت من شرّها، قالوا: وما هي؟ قال: رأت دما أقبل من الحجون يسيل حتّى وقف بالخندمة مليا، ثم كأن ذلك الدّم لم يكن، فكره القوم الرّؤيا. وقال أبو سفيان: لما رأى ما رأى من الشّر: هذا والله أمر لم أشهده، ولم أغب عنه، لا يحمل هذا إلا عليّ، ولا والله ما شوورت فيه، ولا هويته حين بلغني، والله ليغزونا محمد إن صدقني ظني، وهو صادقي، وما بد من أن آتي محمدا فأكلمه أن يزيد في الهدنة ويجدّد العهد. فقالت قريش: قد والله أصبت، وندمت قريش على ما صنعت من عون بني بكر على خزاعة، وتحرّجوا إن رسول الله- ﷺ لم يدعهم حتى يغزوهم. فخرج أبو سفيان، وخرج معه مولى له على راحلتين، فأسرع السّير وهو يرى إنه أول من خرج من مكة إلى رسول الله- ﷺ فلقي بديل بن ورقاء بعسفان، فأشفق أبو سفيان أن يكون بديل جاء رسول الله- ﷺ بل كان اليقين عنده، فقال للقوم: أخبرونا عن يثرب متى عهدكم بها؟ قالوا: لا علم لنا بها، فعلم أنهم كتموه، فقال: أما معكم من تمر يثرب شيء تطعموناه، فإن لتمر يثرب فضلا على تمور تهامة؟

стр. 2087

قالوا: لا. فأبت نفسه أن تقرّه حتى قال: يا بديل: هل جئت محمدا؟ قال: لا ما فعلت، ولكن سرت في بلاد بني كعب وخزاعة من هذا السّاحل في قتيل كان بينهم فأصلحت بينهم. فقال أبو سفيان: إنك- والله- ما علمت برّ وأصل، ثم قايلهم أبو سفيان حتّى راح بديل وأصحابه، فجاء أبو سفيان منزلهم ففتّ أبعار أباعرهم فوجد فيها نوى من تمر عجوة كأنها ألسنة الطّير، فقال أبو سفيان: أحلف بالله لقد جاء القوم محمّدا [ (١) ] . وكان القوم لما كانت الوقعة خرجوا من صبح ذلك اليوم فساروا ثلاثا، وخرجوا من ذلك اليوم فساروا إلى حيث لقيهم أبو سفيان ثلاثا، وكانت بنو بكر قد حبست خزاعة في داري بديل ورافع ثلاثة أيام يكلمون فيهم، وائتمرت قريش في أن يخرج أبو سفيان، فأقام يومين. فهذه خمس بعد مقتل خزاعة، وأقبل أبو سفيان حتى دخل المدينة، فدخل على ابنته أم حبيبة زوج النبي- ﷺ فأراد أن يجلس على فراش رسول الله- ﷺ فطوته دونه. فقال: يا بنية!! أرغبت بهذا الفراش عنى أو بي عنه؟ قالت: بل هو فراش رسول الله- ﷺ وأنت امرؤ مشرك نجس، فلم أحب أن تجلس على فراش رسول الله- ﷺ قال: يا بنية لقد أصابك بعدي شر، فقالت: بل هداني الله للإسلام. وأنت يا أبت سيّد قريش وكبيرها، كيف يسقط عنك الدّخول في الإسلام، وأنت تعبد حجرا لا يسمع ولا يبصر؟ فقام من عندها، فأتى رسول الله- ﷺ وهو في المسجد، فقال: يا محمد!! إنّي كنت غائبا في صلح الحديبية فاشدد العهد، وزدنا في المدّة، فقال رسول الله- ﷺ «فلذلك جئت يا أبا سفيان؟» قال: نعم. فقال رسول الله- ﷺ : «هل كان من قبلكم من حدث؟» قال معاذ الله نحن على عهدنا وصلحنا يوم الحديبية لا نغيّر ولا نبدّل، فقال رسول الله- ﷺ : «فنحن على مدّتنا وصلحنا يوم الحديبية لا نغيّر ولا نبدّل» فأعاد أبو سفيان على رسول الله- ﷺ القول، فلم يرد عليه شيئا. فذهب إلى أبي بكر- ﵁ فكلمه وقال: تكلم محمدا أو تجير أنت بين الناس، فقال أبو بكر: جواري في جوار رسول الله- ﷺ زاد ابن عقبة: والله لو وجدت الذر تقاتلكم لأعنتها عليكم. فأتى عمر بن الخطاب- ﵁ فكلمه بمثل ما كلّم به أبا بكر، فقال: أنا أشفع لكم عند رسول الله- ﷺ !! فو الله لو لم أجد إلّا الذرّ لجاهدتكم به، ما كان من حلفنا جديدا فأخلقه الله، وما كان منه متينا فقطعه الله، وما كان منه مقطوعا فلا وصله الله. فقال أبو سفيان جوزيت من ذي رحم شرا.

стр. 2088

فأتى عثمان بن عفان- ﵁ فقال أنه ليس في القوم أحد أقرب رحما منك، فزد في المدة، وجدّد العهد، فإنّ صاحبك لا يردّه عليك أبدا، فقال عثمان: جواري في جوار رسول الله- ﷺ . فأتى عليا- رضي الله تعالى عنه- فقال: يا علي إنك أمسّ القوم بي رحما، وإني جئت في حاجة فلا أرجع كما جئت خائبا، فاشفع لي إلى محمد. فقال: ويحك يا أبا سفيان! والله لقد عزم رسول الله- ﷺ على أمر ما نستطيع أن نكلمه فيه، فأتى سعد بن عبادة- رضي الله تعالى عنه- فقال: يا أبا ثابت أنت سيد هذه البحيرة فأجر بين الناس، وزد في المدة، فقال سعد: جواري في جوار رسول الله- ﷺ وما يجير أحد على رسول الله- ﷺ فأتى أشراف قريش والأنصار فكلهم يقول جواري في جوار رسول الله- ﷺ ما يجير أحد على رسول الله- ﷺ فما أيس ممّا عندهم، دخل على فاطمة الزهراء- ﵂ والحسن غلام يدبّ بين يديها فقال: يا بنت محمد، هل لك أن تجيري بين النّاس؟ فقالت: إنّما أنا امرأة، وأبت عليه، فقال: مري ابنك هذا- أي الحسن بن علي- ﵄ فيجير بين النّاس، فيكون سيد العرب إلى آخر الدهر. قالت: والله ما بلغ ابني ذلك أن يجير بين الناس، وما يجير أحد على رسول الله- ﷺ . فقال لعلي: يا أبا الحسن!! إن أرى الأمور قد اشتدّت عليّ فانصحني، قال: والله ما أعلم شيئا يغنى عنك شيئا، ولكنك سيّد بني كنانة وقال: صدقت، وأنا كذلك. قال: فقم فأجر بين الناس ثم الحق بأرضك، قال: أو ترى ذلك مغنيا عنّي شيئا؟ قال: لا والله، ولكن لا أجد لك غير ذلك، فقام أبو سفيان في المسجد، فقال: أيها الناس إني قد أجرت بين الناس ولا والله ما أظن أن يخفرني أحد، ثم دخل على رسول الله- ﷺ فقال: يا محمد إني قد أجرت بين الناس فقال رسول الله- ﷺ : «أنت تقول ذلك يا أبا حنظلة!!» ثم ركب بعيره وانطلق. وكان قد احتبس وطالت غيبته، وكانت قريش قد اتّهمته حين أبطأ أشدّ التهمة، قالوا: والله إنّا نراه قد صبأ، واتّبع محمدا سرا وكتم إسلامه. فلما دخل على هند امرأته ليلا، قالت: لقد احتبست حتّى اتّهمك قومك، فإن كنت مع الإقامة جئتهم بنجح فأنت الرجل، ثم دنا منها فجلس مجلس الرجل من امرأته. فقالت ما صنعت؟ فأخبرها الخبر، وقال: لم أجد إلّا ما قال لي عليّ، فضربت برجلها في صدره وقالت: قبّحت من رسول قوم، فما جئت بخير. فلما أصبح أبو سفيان حلق رأسه عند إساف ونائلة، وذبح لهما، وجعل يمسح بالدم

стр. 2089

رؤوسهما ويقول: لا أفارق عبادتكما حتّى أموت على ما مات عليه أبي، إبراء لقريش مما اتهموه به، فلما رأته قريش، قاموا إليه فقالوا: ما وراءك؟ هل جئت بكتاب من محمد أو زيادة في مدة ما نأمن به أن يغزونا محمد؟ فقال: والله لقد أبي علي، وفي لفظ: لقد كلمته، فو الله ما ردّ على شيئا، وكلمت أبا بكر فلم أجد فيه خيرا، ثم جئت ابن الخطاب- ﵁ فوجدته أدنى العدو، وقد كلمت علية أصحابه، فما قدرت على شيء منهم إلا أنّهم يرمونني بكلمة واحدة، وما رأيت قوما أطوع لملك عليهم منهم له، إلّا أن عليا لما ضاقت بي الأمور قال: أنت سيد بني كنانة، فأجر بين النّاس، فناديت بالجوار، فقال محمد «أنت تقول ذلك يا أبا حنظلة!!» لم يزدني قالوا: رضيت بغير رضى، وجئت بما لا يغنى عنّا ولا عنك شيئا، ولعمر الله ما جوارك بجائز، وإنّ إخفارك عليهم لهيّن، ما زاد على من أن لعب بك تلعبا. قال: والله ما وجدت غير ذلك. ذكر مشاورته- ﷺ أبا بكر وعمر- ﵄ في غزوة قريش روى ابن أبي شيبة عن محمد بن الحنفية- ﵀ عن أبي مالك الأشجعي- ﵁ قال: خرج رسول الله- ﷺ من بعض حجره فجلس عند بابها- وكان إذا جلس وحده لم يأته أحد حتى يدعوه-، فقال «ادع لي أبا بكر» . فجاء فجلس أبو بكر بين يديه، فناجاه طويلا، ثم أمره فجلس عن يمينه، ثم قال: «ادع لي عمر» فجاء فجلس إلى أبي بكر فناجاه طويلا، فرفع عمر صوته فقال: «يا رسول الله هم رأس الكفر، هم الذين زعموا أنّك ساحر، وأنك كاهن، وأنك كذّاب، وأنك مفتر» ، ولم يدع عمر شيئاً، مما كان أهل مكة يقولونه إلّا ذكره، فأمره أن يجلس إلى الجانب الآخر، فجلس أحدهما عن يمينه والآخر عن شماله ثم دعا الناس فقال: «ألا أحدّثكم بمثل صاحبيكم هذين؟ فقالوا: نعم يا رسول الله، فأقبل بوجهه إلى أبي بكر فقال: «إنّ إبراهيم كان ألين في الله تعالى من الدّهن الليّن، ثم أقبل علي عمر، فقال: «إنّ نوحا كان أشد في الله من الحجر، وإنّ الأمر أمر عمر، فتجهزوا وتعاونوا، فتبعوا أبا بكر فقالوا: يا أبا بكر، إنا كرهنا أن نسأل عمر عمّا ناجاك به رسول الله- ﷺ قال: قال لي: «كيف تأمرني في غزو مكة؟» قال: قلت يا رسول الله!! هم قومك، حتّى رأيت أنّه سيطيعني، ثم دعا عمر فقال عمر: هم رأس الكفر، حتّى ذكر له كل سوء كانوا يقولونه، وأيم الله وأيم الله لا تذلّ العرب حتى تذل أهل مكة، وقد أمركم بالجهاد ليغزوا مكة [ (١) ] .

стр. 2090

ذكر جهاز رسول الله- ﷺ واجابة دعائه بأن لا تعلم قريش بمسيره، وأمره بحفظ الطرق ذكر ابن عقبة، وابن إسحاق، ومحمد بن عمر- رحمهم الله تعالى- إن رسول الله- ﷺ مكث بعد خروج أبي سفيان ما شاء الله أن يمكث ثم قال لعائشة: «جهّزينا واخفي أمرك» . وقال: «اللهم خذ على أسماعهم وأبصارهم فلا يرونا إلّا بغتة، ولا يسمعون بنا إلّا فجأة» وأمر رسول الله- ﷺ جماعة أن تقيم بالأنقاب، وكان عمر بن الخطاب يطوف على الأنقاب، فيمر بهم فيقول: لا تدعوا أحدا يمر بكم تنكرونه إلا رددتموه، وكانت الأنقاب مسلمة- إلا من سلك إلى مكة فإنه يتحفظ به ويسأل عنه [ (١) ] . ذكر كتاب حاطب بن أبي بلتعة [ (٢) ]﵁ إلى قريش ليعلمهم بغزو رسول الله- ﷺ إياهم، وما وقع في ذلك من الآيات روى الإمام أحمد، والخمسة عن أبي رافع عن علي. وأبو يعلى، والحاكم والضياء عن عمر بن الخطاب- ﵁ والإمام أحمد، وعبد بن حميد عن جابر، وابن مردويه عن أنس- ﵃ وابن مردويه عن سعيد بن جبير، وابن إسحاق عن عروة، وابن مردويه عن عبد الرحمن عن حاطب بن أبي بلتعة، ومحمد بن عمر عن شيوخه- رحمهم الله تعالى: إن رسول الله- ﷺ لمّا أجمع السّير إلى مكة، كتب حاطب بن أبي بلتعة- ﵁ كتابا إلى قريش يخبرهم بالذي أجمع عليه رسول الله- ﷺ من الأمر في المسير إليهم، ثم أعطاه امرأة، قال ابن إسحاق، زعم محمد بن جعفر أنها من مزينة- قال محمد بن عمر: يقال لها كنود، قال ابن إسحاق: وزعم لي غير ابن جعفر: أنّها سارة مولاة لبعض بني المطلب، وجعل لها جعلا، قال محمد بن عمر دينارا، وقيل عشرة دنانير، على أن تبلغه أهل مكة، وقال لها: أخفيه ما استطعت، ولا تمري على الطريق، فإن عليه حرسا، فجعلته في رأسها، ثم فتلت عليه قرونها، ثم خرجت به، فسلكت غير نقب عن يسار المحجّة في الفلوق حتّى لقيت الطريق بالعقيق. وذكر السهيلي-رحمه الله تعالى-- إنه قد قيل أنه كان في كتاب حاطب: إن رسول

стр. 2091

الله- ﷺ قد توجّه إليكم بجيش كالليل، يسير كالسّيل، وأقسم بالله لو سار إليكم وحده لنصره الله تعالى عليكم، فإنه منجز له ما وعده فيكم، فإن الله- تعالى- ناصره ووليّه. وفي تفسير ابن سلام أنه كان فيه: أن محمدا- ﷺ قد نفر فإمّا إليكم، وإما إلى غيركم، فعليكم الحذر. انتهى. وذكر ابن عقبة أن فيه: أن رسول الله- ﷺ قد آذن بالغزو، ولا أراه إلا يريدكم، وقد أحببت، أن يكون لي يد بكتابي إليكم. وأتى رسول الله- ﷺ الخبر من السماء بما صنع حاطب، فبعث علي بن أبي طالب، والزبير بن العوام- زاد أبو رافع: المقداد بن الأسود وفي رواية عن أبي عبد الرحمن السلمي عن علي: أبا مرثد، بدل المقداد، فقال رسول الله- ﷺ «أدرك امرأة قد كتب معها حاطب بكتاب إلى قريش، يحذرهم ما قد أجمعنا له في أمرهم» ، ولفظ أبي رافع «انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ، فإن بها ظعينة معها كتاب» فخرجوا [ (١) ]- وفي لفظ: فخرجا، حتى إذا كان بالخليقة، خليقة بني أحمد وقال ابن عقبة: أدركاها ببطن ريم، فاستنزلاها فالتمساه في رحلها، فلم يجدا شيئاً، فقال لها علي بن أبي طالب- ﵁: إني أحلف بالله ما كذب رسول الله- ﷺ وما كذبنا، ولتخرجن لنا هذا الكتاب أو لنكشفنّك، فلما رأت الجدّ، قالت: أعرضا. فحلّت قرون رأسها، فاستخرجت الكتاب منها، فدفعته إليه فأتي به رسول الله- ﷺ فإذا فيه: من حاطب بن أبي بلتعة إلى أناس من المشركين من أهل مكة يخبرهم ببعض أمر رسول الله- ﷺ فدعا حاطبا، فقال: يا حاطب، ما حملك على هذا؟ قال: يا رسول الله. إني والله لمؤمن بالله ورسوله، ما غيّرت، ولا بدّلت، ولكني كنت امرء ليس لي في القوم من أصل ولا عشيرة، وكان لي بين أظهرهم ولد وأهل، فصانعتهم عليهم. ولفظ أبي رافع- فقال: يا رسول الله لا تعجل علي، إني كنت امرء ملصقا في قريش، ولم أكن من أنفسهم، وكان من معك من المهاجرين لهم قرابة يحمون أموالهم بها وأهليهم بمكة، ولم يكن لي قرابة، فأحببت إذ فاتني ذلك من بينهم أن أتّخذ فيهم يدا أحمي بها قرابتي، وما فعلت ذلك كفرا بعد إسلام. فقال رسول الله- ﷺ «أنه قد صدقكم» . فقال عمر لحاطب: قاتلك الله!! ترى رسول الله- ﷺ يأخذ بالأنقاب وتكتب إلى قريش تحذرهم؟ دعني يا رسول الله- ﷺ أضرب عنقه، فإن الرجل قد نافق، فقال رسول الله- ﷺ : «ما

стр. 2092

يدريك يا عمر إن الله اطّلع إلى أصحاب بدر يوم بدر فقال: «اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم» فاغرورقت عينا عمر، وقال: الله ورسوله أعلم، حين سمعه يقول في أهل بدر ما قال. وأنزل الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أي كفار مكة أَوْلِياءَ تُلْقُونَ توصلون إِلَيْهِمْ قصد النبي غزوه الذي أسره إليكم- وروي بخبر بِالْمَوَدَّةِ بينكم وبينهم وَقَدْ كَفَرُوا بِما جاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ دين الإسلام والقرآن يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ من مكة بتضييقهم عليكم لأجل أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهاداً للجهاد فِي سَبِيلِي وَابْتِغاءَ مَرْضاتِي وجواب الشّرط دلّ عليه ما قبله: أي فلا تتخذوهم أولياء تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِما أَخْفَيْتُمْ وَما أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ أي إسرار خبر النبي إليهم فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ أخطأ طريق الهدى، والسواء في الأصل: الوسط إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يظفروا بكم يَكُونُوا لَكُمْ أَعْداءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ بالقتل والضرب وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ بالسّب، والشتم وَوَدُّوا تمنوا لَوْ تَكْفُرُونَ. لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحامُكُمْ قراباتكم وَلا أَوْلادُكُمْ المشركون، الذين لأجلهم أسررتم الخبر من العذاب في الآخرة يَوْمَ الْقِيامَةِ يَفْصِلُ بالبناء للمفعول والفاعل بَيْنَكُمْ وبينهم فتكونون في الجنة، وهم في جملة الكفّار في النار وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ [الممتحنة ١: ٣] . ذكر إجماع رسول الله- ﷺ المسير إلى مكة قال ابن عقبة، وابن إسحاق، ومحمد بن عمر، وغيرهم: لما أراد رسول الله- ﷺ المسير إلى مكة، بعث أبا قتادة بن ربعي إلى بطن إضم، ليظنّ الظّانّ إن رسول الله- ﷺ توجّه إلى تلك الناحية، وأن لا تذهب بذلك الأخبار وأبان رسول الله- ﷺ المسير إلى قريش، وأرسل إلى أهل البادية، ومن حولهم من المسلمين، يقول لهم «من كان يؤمن بالله وباليوم الاخر فليحضر رمضان بالمدينة» وبعث رسلا في كل ناحية حتى قدموا على رسول الله- ﷺ . وقال حسان بن ثابت- ﵁ تعالى- يحرّض الناس ويذكر مصاب رجال خزاعة: عناني ولم أشهد ببطحاء مكّة ... رجال بني كعب تحزّ رقابها بأيدي رجال لم يسلّوا سيوفهم ... وقتلى كثير لم تجنّ ثيابها ألا ليت شعري هل تنالنّ نصرتي ... سهيل بن عمرو حرّها وعقابها فلا تأمننها يا ابن أمّ مجالد ... إذا احتلبت صرفا وأعصل نابها

стр. 2093

ولا تجزعوا منها فإنّ سيوفنا ... لها وقعة بالموت يفتح بابها قال ابن إسحاق: وقول حسان- ﵁: بأيدي رجال لم يسلّوا سيوفهم: يعني قريشا، وابن أم مجالد، عكرمة بن أبي جهل. واستخلف رسول الله- ﷺ على المدينة أبا رهم كلثوم بن حصين الغفاري، ويقال ابن أم مكتوم، وذكره ابن سعد، والبلاذري، والأوّل هو الصحيح، وقد رواه الإمام أحمد والطبراني بسند حسن عن ابن عباس- ﵄ [ (١) ] . ذكر خروجه- ﷺ من المدينة قاصدا مكة قال محمد بن عمر- رحمه الله تعالى- خرج رسول الله- ﷺ يوم الأربعاء بعد العصر لعشر خلون من رمضان، ونادى مناديه: «من أحب أن يصوم فليصم، ومن أحبّ أن يفطر فليفطر» وصام رسول الله- ﷺ فما حلّ عقدة حتى انتهى إلي الصلصل، وخرج في المهاجرين والأنصار، وطوائف من العرب، وقادوا الخيل، وامتطوا الإبل، وقدّم رسول الله- ﷺ أمامه الزبير بن العوام في مائتين من المسلمين، ولما بلغ رسول الله- ﷺ البيداء قال فيما رواه محمد بن عمر عن أبي سعيد الخدريّ: «إني لأرى السّحاب يستهل بنصر بني كعب» [ (٢) ] . ولما دخل رسول الله- ﷺ العرج [ (٣) ] وهو صائم، صبّ الماء على رأسه ووجهه من العطش- كما رواه الإمام مالك، ومحمد بن عمر عن رجل من الصحابة- وروى الحاكم في الإكليل بسند صحيح عن أبي هريرة- ﵁ قال: «رأيت رسول الله- ﷺ بالعرج يصبّ الماء على رأسه من الحرّ وهو صائم» ، ولما سار رسول الله- ﷺ عن العرج- وكان فيما بين العرج والطّلوب- نظر إلى كلبة تهرّ عن أولادها، وهنّ حولها يرضعنها، فأمر جميل بن سراقة- ﵁ أن يقوم حذاءها، لا يعرض لها أحد من الجيش، ولا لأولادها. وقدم- ﷺ بمائة جريدة تكون أمام المسلمين، فلما كانوا بين العرج والطّلوب أتوا بعين من هوازن، فاستخبره رسول الله- ﷺ فأخبره أنّ هوازن تجمع له فقال: «حسبنا الله ونعم الوكيل» فأمر رسول الله- ﷺ خالد بن الوليد أن يحبسه لئلا يذهب فيحذر الناس، ولما بلغ قديدا [ (٤) ] لقيته سليم هناك، فعقد الألوية والرّايات، ودفعها إلى القبائل.

стр. 2094

وروى محمد بن عمر عن يزيد بن أسلم، وأبي الحويرث- رحمهما الله تعالى- إن رسول الله- ﷺ لما انتهى إلى قديد قيل له: يا رسول الله هل لك في بيض النساء، وأدم الإبل؟ بني مدلج، فقال: ﷺ : «إن الله حرّمهن عليّ بصلة الرّحم» . وفي لفظ «ببر الوالد، ووكزهم في لبّات الإبل» . وقدم العباس على رسول الله- ﷺ مسلما. قال ابن هشام: لقيه بالجحفة فأرسل ثقله إلى المدينة، وسار مع رسول الله- ﷺ قال البلاذري: وقال رسول الله- ﷺ : «هجرتك يا عمّ آخر هجرة، كما أنّ نبوّتي آخر نبوّة» وأبو سفيان بن الحرث بن عبد المطلب، وعبد الله بن أبي أمية بن المغيرة لقياه بنقب العقاب، وستأتي قصة إسلامهما في ترجمتهما. ذكر فطره- ﷺ وأمره به روى مسلم، والترمذي عن جابر، والشيخان، وأبو داود، والنسائي، والطحاويّ عن ابن عباس- ﵃ إن رسول الله- ﷺ خرج من المدينة في غزوة الفتح في رمضان يصوم ويصومون، حتى بلغ الكديد [ (١) ] بين عسفان وقديد، وفي رواية بين عسفان وأمج [ (٢) ] ، وفي حديث جابر: كراع الغميم، بلغه أنّ الناس شقّ عليهم الصيام، وقيل له: إنما ينظرون فيما فعلت، فلما استوى على راحلته بعد العصر دعا بإناء من لبن، أو ماء، وجزم جابر بأنه ماء. وكذا ابن عباس، وفي رواية: فوضعه على راحلته ليراه الناس، فشرب فأفطر، فناوله رجلا إلى جنبه فشرب فقيل له بعد ذلك: أن بعض الناس صام، فقال: «أولئك العصاة، أولئك العصاة» فلم يزل مفطرا حتّى انسلخ الشهر [ (٣) ] . وروى مسلم عن أبي سعيد الخدري- ﵁ قال سافرنا مع رسول الله- ﷺ ونحن صيام، فنزلنا منزلا، فقال رسول الله- ﷺ : «إنكم قد دنوتم من عدوّكم، والفطر أقوى لكم» وكانت رخصة، فمنّا من صام، ومنّا من أفطر، ثم نزلنا منزلا آخر، فقال: «إنكم مصبحوا عدوّكم، والفطر أقوى لكم، فأفطروا» فكانت عزيمة، فأفطرنا [ (٤) ] .

стр. 2095

ذكر نزوله- ﷺ بمر الظهران قالوا: ونزل رسول الله- ﷺ والمسلمون مرّ الظّهران عشاء، وأمر أصحابه أن يوقدوا عشرة آلاف نار، وجعل على الحرس عمر بن الخطاب- رضي الله تعالى عنه- قال عروة كما عند ابن عائذ، وبه جزم ابن عقبة وابن إسحاق، ومحمد بن عمر وغيرهم، وعميت الأخبار عن قريش، فلم يبلغهم حرف واحد عن مسير رسول الله- ﷺ ولا يدرون ما هو فاعل، وهم مغتمّون لما يخافون من غزوة إيّاهم، فبعثوا أبا سفيان بن حرب. وروى إسحاق بن راهويه، والحاكم، والبيهقي بسند صحيح عن ابن عباس- ﵄ قال: مضى رسول الله- ﷺ عام الفتح حتى نزل مرّ الظّهران في عشرة آلاف من المسلمين، وقد عميت الأخبار عن قريش فلا يأتيهم خبر عن رسول الله- ﷺ ولا يدرون ما هو صانع [ (١) ] . وفي الصحيح عن عروة قال: لما سار رسول الله- ﷺ عام الفتح بلغ ذلك قريشا، فخرج أبو سفيان بن حرب يتحسّس الأخبار. وقالت قريش: لأبي سفيان: إن لقيت محمدا فخذلنا منه أمانا، فخرج هو وحكيم بن حزام، فلقيا بديل بن ورقاء، فاستتبعاه، فخرج معهما يتحسّسون الأخبار، وينظرون هل يجدون خبرا، أو يسمعون به، فلما بلغوا الأراك من مرّ الظّهران، وذلك عشيا رأوا العسكر والقباب والنيران كأنها نيران عرفة، وسمعوا صهيل الخيل، ورغاء الإبل، فأفزعهم ذلك فزعا شديدا. قال عروة كما في الصحيح-: فقال بديل بن ورقاء: هؤلاء بنو كعب- وفي رواية بنو عمرو: يعني بها خزاعة- حمشتها الحرب. فقال أبو سفيان: بنو عمرو وأقلّ من ذلك [ (٢) ] . ذكر المنام الذي رآه أبو بكر الصديق- ﵁ روى البيهقي عن ابن شهاب- رضي الله تعالى عنه- أن أبا بكر قال: يا رسول الله!! أراني في المنام وأراك دنونا من مكة، فخرجت إلينا كلبة تهرّ، فلما دنونا منها استلقت على ظهرها، فإذا هي تشخب لبنا، فقال رسول الله- ﷺ : «ذهب كلبهم وأقبل درّهم، وهم سيأوون بأرحامهم وإنكم لاقون بعضهم فإن لقيتم أبا سفيان فلا تقتلوه» . ذكر إعلامه- ﷺ بالليل بأن أبا سفيان في الأراك وأمره بأخذه روى الطبراني عن أبي ليلى- ﵁ قال: كنا مع رسول الله- ﷺ بمرّ

стр. 2096

الظّهران، فقال: «إن أبا سفيان بالأراك فخذوه» فدخلنا، فأخذناه [ (١) ] . قال ابن عقبة: فبينما هم، يعني أبا سفيان، وحكيم بن حزام، وبديلا بن ورقاء كذلك لم يشعروا حتى أخذهم نفر كان رسول الله- ﷺ بعثهم عيونا له، فأخذوا بخطم أبعرتهم فقالوا: من أنتم؟ فقالوا: هذا رسول الله- ﷺ وأصحابه، فقال أبو سفيان: هل سمعتم بمثل هذا الجيش، نزلوا على أكباد قوم لم يعلموا بهم. وروى ابن أبي شيبة عن أبي سلمة، ويحيى بن عبد الرحمن بن حاطب- رحمهما الله تعالى- قالا: أخذ أبو سفيان وأصحابه وكان حرس رسول الله- ﷺ نفر من الأنصار، وكان عمر بن الخطاب- ﵁ تلك الليلة على الحرس، فجاؤوا بهم إليه، فقالوا: جئناك بنفر أخذناهم من أهل مكة، فقال عمر وهو يضحك إليهم: والله لو جئتموني بأبي سفيان ما زدتم. قالوا: قد والله آتيناك بأبي سفيان. فقال: احبسوه فحبسوه حتى أصبح. فغدا به على رسول الله- ﷺ وقال ابن عقبة: لما دخل الحرس بأبي سفيان وصاحبيه، لقيهم العباس بن عبد المطّلب، فأجارهم. وروى ابن أبي شيبة عن عكرمة: أن أبا سفيان لما أخذه الحرس قال: دلّوني على العبّاس، فأتى العباس فأخبره الخبر، وذهب به إلى رسول الله- ﷺ . وروى إسحاق بن راهويه- بسند صحيح عن ابن عباس- ﵄ أن رسول الله- ﷺ لما نزل مرّ الظهران، رقّت نفس العبّاس لأهل مكة فقال: واصباح قريش، والله لئن دخلها رسول الله- ﷺ عنوة قبل أن يأتوه فيستأمنوه قبل أن يدخلها عليهم عنوة، إنه لهلاك قريش إلى آخر الدهر، قال العبّاس: فأخذت بغلة رسول الله- ﷺ الشّهباء فركبتها، وقلت: ألتمس حطّابا، أو صاحب لبن، أو ذا حاجة يأتي مكة فيخبرهم بمكان رسول الله- ﷺ ليخرجوا إليه فيستأمنوه قبل أن يدخلها عليهم عنوة، فو الله إني لفي الأراك ألتمس ما خرجت إليه إذ سمعت كلام أبي سفيان، وبديل بن ورقاء، وهما يتراجعان، وأبو سفيان يقول: ما رأيت كالليلة نيرانا قط ولا عسكرا! فقال بديل بن ورقاء: هذه والله خزاعة حمشتها الحرب، فقال أبو سفيان: خزاعة أقلّ وأذلّ من أن تكون هذه نيرانها وعسكرها، قال العباس: فعرفت صوت أبي سفيان، فقلت: يا أبا حنظلة، فعرف صوتي، فقال: لبّيك يا أبا الفضل، مالك فداك أبي وأمي!! وعرف صوتي، فقلت: ويلك!! هذا رسول الله- ﷺ في عشرة آلاف فقال: واصباح قريش والله بأبي أنت وأمي فما تأمرني، هل من حيلة؟ قلت: نعم، اركب عجز هذه البغلة،

стр. 2097

فأذهب بك إلى رسول الله- ﷺ فأستأمنه لك، فإنه والله إن ظفر بك دون رسول الله- ﷺ لتقتلن، فركب خلفي، ورجع صاحباه- كذا في حديث ابن عباس وعند ابن إسحاق، ومحمد بن عمر: أنهما رجعا- وذكر ابن عقبة، ومحمد بن عمر في موضع آخر: أنهما لم يرجعا، وأنّ العباس قدم بهم إلى رسول الله- ﷺ انتهى. قال العبّاس: فجئت بأبي سفيان، كلّما مررت بنار من نيران المسلمين قالوا: من هذا؟ فإذا رأوا بغلة رسول الله- ﷺ وأنا عليها قالوا: عم رسول الله- ﷺ على بغلته، حتى مررت بنار عمر بن الخطاب- ﵁ فلما رآني، قام، فقال: من هذا؟ قلت: العباس، فذهب ينظر، فرأى أبا سفيان خلفي، فقال: أي عدوّ الله!! الحمد للَّه الذي أمكن منك بغير عقد ولا عهد، ثم خرج يشتدّ نحو رسول الله- ﷺ وركضت البغلة فسبقته كما تسبق الدّابة البطيئة الرجل البطيء، فاجتمعنا على باب قبّة رسول الله- ﷺ فاقتحمت عن البغلة فدخلت على رسول الله- ﷺ ودخل عمر على أثري، فقال عمر: يا رسول الله!! هذا أبو سفيان قد أمكن الله منه بغير عقد ولا عهد، فدعني فلأضرب عنقه، قال قلت: يا رسول الله إني قد أجرته، ثم التزمت رسول الله- ﷺ فأخذت برأسه، فقلت: والله لا يناجيه اللّيلة دوني رجل. فلما أكثر عمر في شأنه، فقلت: مهلا يا عمر، فو الله لو كان من رجال بني عدي بن كعب ما قلت هذا، ولكنك قد عرفت أنه من رجال بني عبد مناف، فقال: مهلاً يا عبّاس، وفي لفظ يا أبا الفضل، فو الله لإسلامك يوم أسلمت كان أحب إلى من إسلام الخطاب لو أسلم، وما بي إلا أني قد عرفت أن إسلامك كان أحب إلى رسول الله- ﷺ من إسلام الخطاب لو أسلم [ (١) ] . وذكر ابن عقبة، ومحمد بن عمر في موضع آخر: قال العباس، فقلت: يا رسول الله!! أبو سفيان بن حرب، وحكيم بن حزام، وبديل بن ورقاء قد أجرتهم، وهم يدخلون عليك، فقال رسول الله- ﷺ «أدخلهم» فدخلوا عليه، فمكثوا عنده عامّة اللّيل يستخبرهم رسول الله- ﷺ ودعاهم إلى الإسلام، فقالوا: نشهد أن لا إله إلا الله، فقال رسول الله- ﷺ : «اشهدوا أن لا إله إلا الله وأني رسول الله» ، فشهد بديل، وحكيم بن حزام، وقال: أبو سفيان: ما أعلم ذلك، والله إنّ في النّفس من هذا لشيء بعد، فأرجئها. وعند أبي شيبة عن أبي سلمة، ويحيى بن عبد الرحمن بن حاطب: أنّه قيل لحكيم بن حزام: بايع، فقال: أبايعك ولا أخر إلّا قائما. فقال رسول الله- ﷺ «أما من قبلنا فلن تخرّ إلا قائما» . انتهى.

стр. 2098

وقيل لأبي سفيان ذلك، فقال: كيف أصنع باللات والعزى؟ فقال عمر بن الخطاب- وهو خارج القبّة: اخرأ عليها، أما والله لو كنت خارج القبة ما قلتها، فقال أبو سفيان: من هذا؟ قالوا: عمر بن الخطاب قال العبّاس: فقال رسول الله- ﷺ : «اذهب به يا عبّاس إلى رحلك، فإذا أصبحت فأتني به» قال: فذهبت به إلى رحلي. وعند ابن عقبة، ومحمد بن عمر: فلما أذّن الصّبح أذّن العسكر كلهم: أي أجابوا المؤذن- ففزع أبو سفيان من أذانهم، فقال: ما يصنع هولاء؟ قال العباس، فقلت: الصّلاة. قال: كم يصلون؟ قلت: خمس صلوات في اليوم والليلة، ثم رآهم يتلّقون وضوء رسول الله- ﷺ فقال: ما رأيت ملكا قط كاليوم لا ملك كسرى ولا قيصر، قال العباس: فلما صلى رسول الله- ﷺ الصبح غدوت به. وعند ابن عقبة، ومحمد بن عمر: إن أبا سفيان سأل العبّاس في دخوله على رسول الله- ﷺ ، وعند ابن أبي شيبة عن أبي سلمة، ويحيى بن عبد الرحمن بن حاطب: فلمّا أصبحوا قام المسلمون إلى طهورهم، فقال أبو سفيان: يا أبا الفضل!! ما للنّاس أمروا فيّ بشيء؟ قال: لا ولكنهم قاموا إلى الصّلاة، فأمره العبّاس فتوضأ، وذهب به إلى رسول الله- ﷺ فلما دخل رسول الله- ﷺ الصلاة كبّر وكبّر النّاس، ثم ركع، فركعوا، ثمّ رفع، فرفعوا، ثم سجد فسجدوا، فقال أبو سفيان: ما رأيت كاليوم طاعة، قوم جمعهم من ههنا وههنا، ولا فارس الأكارم، ولا الروم ذات القرون بأطوع منهم له، يا أبا الفضل أصبح ابن أخيك والله عظيم الملك، فقال العبّاس: إنه ليس بملك، ولكنها النبوة، قال: أو ذاك. قال العباس: فلما فرغ رسول الله- ﷺ قال: «يا أبا سفيان! ألم يأن لك أن تعلم أن لا إله إلا الله؟! قال: بأبي أنت وأمي!! ما أحلمك وأكرمك وأعظم عفوك! إنه لو كان مع الله إله لقد أغنى عنّي شيئا بعد، لقد استنصرت إلهي، واستنصرت إلهك، فو الله ما لقيتك من مرة، إلا نصرت عليّ، فلو كان إلهي محقّا وإلهك مبطلا لقد غلبتك، فقال: «ويحك يا أبا سفيان ألم يأن لك أن تعلم إني رسول الله؟ قال: بأبي أنت وأمي ما أحلمك وأكرمك وأعظم عفوك! أمّا هذه فو الله إنّ في النّفس منها شيئا حتى الآن، فقال العبّاس: ويحك! أسلم قبل أن تضرب عنقك فشهد شهادة الحقّ، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا رسول الله. وظاهر كلام ابن عقبة ومحمد بن عمر في مكان آخر إن أبا سفيان قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله من غير أن يعرض ذلك عليه أحد. قال: قال أبو سفيان، وحكيم بن حزام: يا رسول الله جئت بأوباش النّاس من يعرف ومن لا يعرف إلى أهلك وعشيرتك! فقال رسول الله- ﷺ «أنتم أظلم وأفجر، قد غدرتم بعهد الحديبية، وظاهرتم على بني كعب بالإثم والعدوان في حرم الله- تعالى- وأمنه» فقال حكيم وأبو سفيان: صدقت يا رسول الله: ثمّ قالا: يا رسول الله!! لو كنت جعلت جدّك ومكيدتك لهوازن، فهم أبعد رحما، وأشد عداوة لك؟

стр. 2099

فقال رسول الله- ﷺ : «إني لأرجو من ربّي أن يجمع لي ذلك كله. فتح مكة، وإعزاز الإسلام بها، وهزيمة هوازن، وغنيمة أموالهم وذراريهم، فإنّي أرغب إلى الله- تعالى- في ذلك [ (١) ] » . قال ابن عقبة: قال أبو سفيان، وحكيم بن حزام: يا رسول الله ادع النّاس بالأمان، أرأيت إن اعتزلت قريش وكفّت أيديها آمنون هم؟ فقال رسول الله- ﷺ «نعم» قال العبّاس، قلت: يا رسول الله!! قد عرفت أبا سفيان وجه الشرف والفخر، فاجعل له شيئا. وعند ابن أبي شيبة عن أبي سلمة، ويحيى بن عبد الرحمن: أن أبا بكر قال: يا رسول الله إن أبا سفيان رجل يحبّ السّماع، يعني الشّرف- انتهى. فقال «من دخل دار أبي سفيان فهو آمن» فقال: وما تسع داري؟ زاد ابن عقبة «ومن دخل دار حكيم بن حزام فهو آمن» ودار أبي سفيان بأعلى مكّة، ودار حكيم بأسفلها «ومن أغلق بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن» فقال أبو سفيان: وما يسع المسجد؟ قال: «ومن أغلق بابه فهو آمن» فقال أبو سفيان: هذه واسعة [ (٢) ] . ذكر ارادة أبي سفيان وحكيم بن حزام الانصراف إلى قومهما ليعلماهم بذلك ووقوفهما ليريا جنود الله ﵎ قال ابن عقبة: لما توجهوا ذاهبين، قال العبّاس: يا رسول الله إني لا آمن أبا سفيان إن يرجع عن إسلامه فاردده حتى يفقه، ويرى جنود الله- تعالى- معك. وروى ابن أبي شيبة عن أبي سلمة، ويحيى بن عبد الرحمن بن حاطب: إن أبا سفيان لما ولّى، قال أبو بكر: يا رسول الله، لو أمرت بأبي سفيان فحبس على الطريق؟ وقال ابن إسحاق، ومحمد بن عمر: إن أبا سفيان لمّا ذهب لينصرف، قال رسول الله- ﷺ للعبّاس: «احبسه بمضيق الوادي» . قال ابن عقبة، ومحمد بن عمر: فأدركه العبّاس فحبسه، فقال أبو سفيان أغدرا يا بني هاشم؟ فقال العباس: إن أهل النّبوّة لا يغدرون. ولفظ ابن عقبة: إنّا لسنا بغدر، ولكن أصبح حتّى تنظر جنود الله، وإلى ما أعد الله للمشركين، قال ابن عقبة فحبسهم بالمضيق دون الأراك إلى مكّة حتّى أصبحوا.

стр. 2100

وروى ابن عساكر عن عطاء قال: لا أحسبه إلا رفعه إلى ابن عباس- رضي الله- تعالى- عنهما- قال: قال رسول الله- ﷺ ليلة قربه من مكة في غزوة الفتح «إنّ بمكة لأربعة نفر من قريش أربأ بهم عن الشّرك، وأرغب لهم في الإسلام» قيل: ومن هم يا رسول الله؟ قال: «عتاب بن أسيد، وجبير بن مطعم، وحكيم بن حزام، وسهيل بن عمرو» [ (١) ] . ذكر تعبئة رسول الله- ﷺ أصحابه رضوان الله عليهم ونزولهم بأبي سفيان، وما وقع في ذلك من الآيات قال ابن عقبة- رحمه الله تعالى- وأمر رسول الله- ﷺ مناديا ينادي، لتصبح كل قبيلة قد أرحلت، ووقفت مع صاحبها عند رايته، وتظهر ما معها من الأداة والعدّة. فأصبح النّاس على ظهر، وقدّم بين يديه الكتائب. قالوا: ومرّت القبائل على قادتها. والكتائب على راياتها. قال محمد بن عمر: وكان أول من قدم رسول الله- ﷺ خالد بن الوليد في بني سليم- بضم أوله، وفتح ثانيه، وسكون التحتية، وهم ألف، ويقال: تسعمائة، ومعهم لواءان وراية، يحمل أحد اللواءين العباس بن مرداس بكسر الميم، والآخر يحمله خفاف- بخاء معجمة مضمومة- بن ندبة- بنون مضمومة، فدال مهملة- ويحمل الراية الحجاج بن علاط- بعين مضمومة فطاء مهملتين، فلمّا مرّوا بأبي سفيان، كبّروا ثلاث تكبيرات، ثم مضوا، فقال أبو سفيان: يا عبّاس!! من هولاء؟ فقال: هذا خالد بن الوليد، قال: الغلام؟ قال: نعم قال: ومن معه؟ قال: بنو سليم، قال: ما لي وبني سليم! ثم مرّ على أثره الزبير بن العوام في خمسمائة من المهاجرين وأفناء العرب، ومعه راية سوداء. فلما مرّوا بأبي سفيان كبّروا ثلاثا، فقال أبو سفيان: من هؤلاء؟ قال: هذا الزبير بن العوام، قال: ابن أختك؟ قال: نعم، ثم مرّت بنو غفار- بكسر الغين المعجمة- في ثلاثمائة، يحمل رايتهم أبو ذرّ، ويقال: إيماء- بكسر الهمزة، وفتحها، وسكون التحتية، ممدود مصروف، وقد يقصر مع الفتح- بن رحضة- بحاء، فضاد معجمة مفتوحات، وأجاز ابن الأثير: سكون الحاء، واقتصر النّوويّ على الفتح، وقال السهيلي: بضم الرّاء- فلمّا حاذوه، كبّروا ثلاثا، فقال أبو سفيان من هؤلاء؟ قال: بنو غفار، قال: مالي ولبني غفار؟ ثم مرت أسلم في أربعمائة، فيهما لواءان يحمل أحدهما بريدة- بلفظ تصغير البرد- بن الحصيب- بضم الحاء، وفتح الصاد المهملتين، فتحتية فموحدة- والآخر ناجية- بالنون، والجيم- بن الأعجم، فلما حاذوه كبّروا

стр. 2101

ثلاثا، فقال: من هؤلاء؟ قال العباس: أسلم، قال: مالي ولأسلم؟ ثم مرت بنو كعب بن عمرو في خمسمائة، يحمل رايتهم بسر- بضم الموحدة، وسكون السين المهملة- بن سفيان فلما حاذوه، كبّروا ثلاثا، فقال: من هؤلاء؟ قال العباس: بنو عمرو بن كعب بن عمرو، إخوة أسلم، قال: نعم، هؤلاء حلفاء محمد، ثم مرت مزينة- بضم الميم، وفتح الزاء، في ألف فيها ثلاثة ألوية ومائة فرس، يحمل ألويتها النعمان بن مقرن- بضم الميم، وسكون القاف، [وبالراء] والنون، وعبد الله بن عمرو بن عوف، وبلال بن الحارث، فلما حاذوه كبّروا ثلاثا، قال: من هؤلاء؟ قال: العباس: مزينة، قال: مالي ولمزينة؟ قد جاءتني تقعقع من شواهقها، ثم مرّت جهينة- بضم الجيم، وفتح الهاء وسكون التحتية، وبالنون- في ثمانمائة، فيها أربعة ألوية، يحملها أبو روعة- بفتح الراء، وسكون الواو- معبد بن خالد، وسويد بن صخر، ورافع بن مكيث- بفتح الميم، وكسر الكاف، وبالمثلثة- وعبد الله بن بدر- بالموحدة- فلما حاذوه كبّروا ثلاثا، فقال من هؤلاء؟ قال: جهينة، قال: مالي ولجهينة؟ ثم مرّت كنانة- بكسر الكاف- بنو ليث وضمرة، وسعد بن بكر في مائتين، يحمل لواءهم أبو واقد- بالقاف- اللّيثي، فلمّا حاذوه كبّروا ثلاثا، فقال: من هؤلاء؟ قال العبّاس: بنو بكر، قال: نعم، أهل شؤم والله! هؤلاء الّذين غزانا محمّد بسببهم، قال العبّاس: قد خار الله- تعالى- لكم في غزو محمد- ﷺ أتاكم أمنكم، ودخلتم في الإسلام كافة، ثم مرّت أشجع- بالشين المعجمة، والجيم- وهم آخر من مرّ، وهم ثلاثمائة معهم لواءان، يحمل أحدهما معقل- بالعين المهملة، والقاف- ابن سنان، والآخر: نعيم بن مسعود. فلمّا حاذوه كبّروا ثلاثا قال أبو سفيان: من هؤلاء؟ قال العبّاس: هؤلاء أشجع، قال أبو سفيان: هؤلاء كانوا أشدّ العرب على محمد، قال العبّاس وأدخل الله- تعالى- الإسلام في قلوبهم، فهذا فضل من الله، ثم قال أبو سفيان: أبعد ما مضى محمد؟ فقال العباس: لا، لم يمض بعد، لو أتت الكتيبة التي فيها محمد رأيت فيها الحديد والخيل والرجال، وما ليس لأحد به طاقة، قال: ومن له بهؤلاء طاقة؟ وجعل الناس يمرّون، كل ذلك يقول أبو سفيان ما مرّ محمد؟ فيقول العبّاس: لا، حتّى طلعت كتيبة رسول الله- ﷺ الخضراء الّتي فيها المهاجرون والأنصار، وفيها الرّيات والألوية، مع كل بطن من بطون الأنصار لواء وراية، وهم في الحديد لا يرى منهم إلا الحدق، ولعمر بن الخطاب- ﵁ فيها زجل بصوت عال وهو يزعها ويقول: رويدا حتى يلحق أولكم آخركم- يقال: كان في تلك الكتيبة ألفا دارع، وأعطى رسول الله- ﷺ رايته سعد بن عبادة، فهو أمام الكتيبة، فلما مرّ سعد براية رسول الله- ﷺ نادى أبا سفيان فقال: اليوم يوم الملحمة، اليوم تستحلّ الحرمة اليوم أذلّ الله قريشا قال أبو سفيان: يا عباس، حبّذا يوم الذّمار. فمرت القبائل، وطلع رسول الله- ﷺ وهو على ناقته القصواء. قال محمد بن عمر: بين أبي بكر

стр. 2102

الصّدّيق، وأسيد بن الحضير- وهو يحدثهما- فقال العبّاس: هذا رسول الله- ﷺ [ (١) ] . وفي الصحيح عن عروة أنّ كتيبة الأنصار جاءت مع سعد بن عبادة، ومعه الرّاية، قال: ولم ير مثلها، ثم جاءت كتيبة هي أقل الكتائب، فيهم رسول الله- ﷺ وأصحابه، وراية رسول الله- ﷺ مع الزّبير، قال في العيون: كذا وقع عند جميع الرّواة. ورواه الحميديّ في كتابه: هي أجلّ الكتائب، وهو الأظهر انتهى. فقال أبو سفيان: لقد أصبح ملك ابن أخيك اليوم عظيما قال العباس: قلت: يا أبا سفيان إنها النّبوّة، قال: فنعم إذا [ (٢) ] . وروى الطبراني عن العباس- ﵁ قال: لما بعث رسول الله- ﷺ قلت لأبي سفيان بن حرب: أسلم بنا، قال: لا والله حتى أرى الخيل تطلع من كداء، قال العباس: قلت ما هذا؟ قال شيء طلع بقلبي، لأنّ الله لا يطلع خيلا هناك أبدا، قال العباس: فلما طلع رسول الله- ﷺ من هناك ذكّرت أبا سفيان به فذكره [ (٣) ] . فلما مر رسول الله- ﷺ بأبي سفيان، قال: يا رسول الله أمرت بقتل قومك؟! ألم تعلم ما قال سعد بن عبادة قال: «ما قال» قال: كذا وكذا، وإني أنشدك الله في قومك، فأنت أبرّ الناس، وأوصل الناس، وأرحم الناس، فقال رسول الله- ﷺ «كذب سعد يا أبا سفيان، اليوم يوم المرحمة، اليوم يوم يعظم الله فيه الكعبة، اليوم يوم تكسى فيه الكعبة، اليوم يوم أعز الله فيه قريشاً» . وعند ابن إسحاق: أن سعدا لما قال ما قال، سمعه رجل من المهاجرين، قال ابن هشام: هو عمر بن الخطاب، فقال: يا رسول الله ما نأمن أن يكون له في قريش صولة: واستبعد ذلك الحافظ من عمر هنا لكونه كان معروفا بشدة البأس عليهم. وعند محمد بن عمر: إن عبد الرحمن بن عوف، وعثمان بن عفان، قالا ذلك لرسول الله- ﷺ . وقال ضرار- بضاد معجمة- بن الخطاب الفهري- فيما ذكره محمد بن عمر، وأبو عثمان سعيد بن يحيى بن سعيد الأموي- شعرا يستعطف رسول الله- ﷺ على أهل مكة حين سمع قول سعد، قال أبو الربيع وهو من أجود شعر قاله.

стр. 2103

وعند ابن إسحاق وعند ابن عساكر من طريق أبي الزبير عن جابر- ﵁ أن امرأة من قريش عارضت رسول الله- ﷺ بهذا الشّعر، فكأنّ ضرارا أرسل به المرأة ليكون أبلغ في انعطاف رسول الله- ﷺ على قريش: يا نبيّ الهدى إليك لجا ... حيّ قريش ولات حين لجاء حين ضاقت عليهم سعة الأر ... ض وعاداهم إله السّماء والتقت حلقتا البطان على القو ... م ونودوا بالصّيلم الصّلعاء إنّ سعدا يريد قاصمة الظّه ... ر بأهل الحجون والبطحاء خزرجيّ لو يستطيع من الغي ... رمانا بالنّسر والعوّاء وغر الصّدر لا يهمّ بشيء ... غير سفك الدّما وسبي النّساء قد تلظّى على البطاح وجاءت ... عنه هند بالسّوءة السّواء إذ ينادي بذلّ حيّ قريش ... وابن حرب بذا من الشّهداء فلئن أقحم اللّواء ونادى ... يا حماة الأدبار أهل اللّواء ثمّ ثابت إليه من بهم الخز ... رج والأوس أنجم الهيجاء لتكوننّ بالبطاح قريش ... فقعة القاع في أكفّ الإماء فأنهينه فإنّه أسد الأس ... د لدى الغاب والغ في الدّماء إنّه مطرق يريد لنا الأم ... ر سكوتا كالحيّة الصّمّاء فأرسل رسول الله- ﷺ إلى سعد، فنزع اللواء من يده، وجعله إلى ابنه قيس بن سعد، ورأى رسول الله- ﷺ أن اللواء لم يخرج من يد سعد، حتى صار إلى ابنه. قال محمد بن عمر: فأبى سعد أن يسلم اللّواء إلّا بأمارة من رسول الله- ﷺ فأرسل النبي- ﷺ بعمامته، فدفع اللّواء إلى ابنه قيس، ويقال: إن رسول الله- ﷺ أمر عليا فأخذ الرّاية، فذهب بها إلى مكة حتى غرزها عند الركن. قال أبو عمر- رحمه الله تعالى-: قد روي إن رسول الله- ﷺ أعطى الرّاية للزبير إذ نزعها من سعد. وروى أبو يعلى عن الزبير- رضي الله تعالى عنهما- أن رسول الله- ﷺ دفعها إليه فدخل بلواءين، وبه جزم موسى بن عقبة [ (١) ] . قال الحافظ: والذي يظهر في الجمع أن رسول الله- ﷺ أرسل عليّا لينزعها، وأن

стр. 2104

يدخل بها. ثم خشي تغيّر خاطر سعد، فأمر بدفعها لابنه قيس، ثم إنّ سعدا خشي أن يقع من ابنه شيء يكرهه رسول الله- ﷺ فسأل رسول الله- ﷺ أن يأخذها، فحينئذ أخذها الزبير، ويؤيّد ذلك ما رواه البزار بسند على شرط البخاري عن أنس- ﵁ قال: كان قيس في مقدمة رسول الله- ﷺ لمّا قدم مكة، فكلم سعد النبي- ﷺ إن يصرفه عن الموضع الذي هو فيه مخافة أن يقدم على شيء فصرفه عن ذلك. انتهى. وروى ابن أبي شيبة عن أبي سلمة، ويحيى بن عبد الرحمن بن حاطب، والطبراني عن عروة: أن العبّاس قال: يا رسول الله!! لو أذنت لي فأتيتهم. أي أهل مكة- فدعوتهم فأمنتهم، فركب العباس بغلة رسول الله- ﷺ الشهباء، وانطلق، فقال رسول الله- ﷺ : «ردّوا عليّ أبي، ردّوا عليّ أبي، فإن عم الرجل صنو أبيه- «إني أخاف أن تفعل به قريش ما فعلت ثقيف بعروة بن مسعود، دعاهم إلى الله- تعالى- فقتلوه، أما والله لئن ركبوها منه لأضر منّها عليهم نارا» فكره العباس الرجوع، وقال: يا رسول الله، إن ترجع أبا سفيان راغبا في قلّة النّاس، فيكفر بعد إسلامه فقال «احبسه» فحبسه، فذكر عرض القبائل ومرورها بأبي سفيان، وفيه فقال أبو سفيان: امض يا عبّاس. فانطلق العباس حتى دخل مكة فقال: يا أهل مكة!! أسلموا تسلموا قد استبطنتم بأشهب بازل [ (١) ] . انتهى. وفي حديث عروة عند الطبراني: وكفهم الله عن العباس- انتهى. قال العباس، فقلت لأبي سفيان بن حرب: أنج ويحك- فأدرك قومك قبل أن يدخل عليهم رسول الله- ﷺ فخرج أبو سفيان، فتقدّم الناس كلّهم حتى دخل مكة من كداء فصرخ بأعلى صوته: يا معشر قريش، هذا محمد قد جاءكم بما لا قبل لكم به، أسلموا تسلموا، من دخل دار أبي سفيان فهو آمن. قالوا: قاتلك الله! وما تغني دارك؟! قال: ومن أغلق بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن. فقامت إليه هند بنت عتبة زوجته، فأخذت بشاربه، وقالت: اقتلوا الحميت الدّسم الأحمس، قبّح من طليعة قوم. فقال أبو سفيان: ويلكم! لا تغرنّكم هذه من أنفسكم، فإنّه قد جاءكم ما لا قبل لكم به. ذكر من أمر رسول الله- ﷺ بقتله يوم الفتح، ولا يدخل فيما عقد من الأمان وهم: عبد العزى ابن خطل- بفتح الخاء المعجمة، والطّاء المهملة، وآخره لام وكان قد أسلم، وسماه رسول الله- ﷺ عبد الله وهاجر إلى المدينة، وبعثه رسول الله- ﷺ

стр. 2105

ساعيا، وبعث معه رجلا من خزاعة، وكان يصنع له طعامه ويخدمه فنزلا في مجمع- والمجمع حيث تجتمع الأعراب يؤدون فيه الصدقة- فأمره أن يصنع له طعاما، ونام نصف النهار، واستيقظ، والخزاعي نائم، ولم يصنع له شيئا، فعدى عليه فضربه فقتله، وارتدّ عن الإسلام، وهرب إلى مكة، وكان يقول الشعر يهجو به رسول الله- ﷺ وكان له قينتان، وكانتا فاسقتين، فيأمرهما ابن خطل أن يغنيا بهجاء رسول الله- ﷺ . وعن أنس قال: دخل رسول الله- ﷺ مكة يوم الفتح على رأسه المغفر، فلما نزعه جاء رجل فقال: ابن خطل متعلق بأستار الكعبة، فقال رسول الله- ﷺ : «اقتلوه» رواه الإمام مالك والشيخان [ (١) ] . قال محمد بن عمر [ (٢) ] : لمّا دخل رسول الله- ﷺ إلى ذي طوى، أقبل ابن خطل من أعلى مكة مدجّجا في الحديد على فرس وبيده قناة، فمرّ ببنات سعيد بن العاص فقال لهن: أما والله لا يدخلها محمّد حتى ترين ضربا كأفواه المزاد، ثم خرج حتى انتهى إلى الخندمة، فرأى خيل الله، ورأى القتال فدخله رعب، حتّى ما يستمسك من الرّعدة، فرجع حتى انتهى إلي الكعبة، فنزل عن فرسه، وطرح سلاحه وأتى البيت فدخل تحت أستاره، فأخذ رجل من بني كعب سلاحه وأدرك فرسه عائرا فاستوى عليه، ولحق برسول الله- ﷺ بالحجون. وعبد الله بن سعد بن أبي سرح- بفتح السين، وإسكان الرّاء، وبالحاء المهملات- كان أسلم، ثم ارتد، فشفع فيه عثمان يوم الفتح، فحقن دمه، وأسلم بعد ذلك فقبل إسلامه، وحسن إسلامه بعد ذلك، وولّاه عمر بعض أعماله، ثم ولاه عثمان، ومات وهو ساجد في صلاة الصبح، أو بعد انقضائها، وكان أحد النّجباء الكرماء العقلاء من قريش، وكان فارس بني عامر بن لؤي المقدم فيهم، وسيأتي خبره مبسوطا في أبواب كتابه- ﷺ . وعكرمة بن أبي جهل، أسلم فقبل إسلامه. والحويرث- بالتصغير- بن نقيدر بضم النون، وفتح القاف، وسكون التحتية، فدال مهملة، فراء مهملة، كان يؤذي رسول الله- ﷺ ونخس بزينب بنت رسول الله- ﷺ لما هاجرت إلى المدينة، فأهدر دمه. فبينما هو في منزله قد أغلق عليه بابه، فسأل عنه علي بن أبي طالب- ﵁ فقيل هو بالبادية، فأخبر الحويرث أنّه يطلب، فتنحى عليّ عن بابه، فخرج الحويرث يريد أن يهرب من بيت إلى آخر، فتلقّاه عليّ، فضرب عنقه.
следующие страницы →