عامله بكمال الإحسان، وأبعده من حر النيران، إلى برد لطيف الجنان.
وروى الدارمي عن سهل بن سعد رضي الله تعالى عنه قال: كان رسول الله ﷺ حيياً لا يسأل شيئاً إلا أعطى [ (١) ] ولقد أحسن ابن جابر حيث قال:.
يروى حديث النّدى والبشر عن يده ... ووجهه بين منهلّ ومنسجم
من وجه أحمد لي ندى ومن يده ... بحر ومن فمه درّ لمنتظم
يمّم نبيا يباري الرّيح نافلة ... والمزن من كل هامي الورد خير همي
لو عامت الفلك فيما فاض من يده ... لم تلق أعظم بحرا منه أن تعم
يحيط كفّاه بالبحر المحيط فلذ ... به ودع كلّ طامي الموج ملتطم
لو لم تحط كفّه بالبحر ... ما اشتملت كلّ الأنام وروّت قلب كلّ ظمي
وروى الترمذي عن الربيع بن عفراء قال: أتيت رسول الله ﷺ بقناع من رطب، وجرو زغب، فأعطاني ملء كفي حليّا، أو ذهبا، ويرحم الله ابن جابر حيث قال:.
لقد كان فعل الخير قرّة عينه ... فليس له فيما سواه مجال
فلو سألوا من كفّه ردّ سائل ... أجابهم هذا السؤال محال
ولو عرف المحتاج قبل سؤاله ... كفاه، وأغنى أن يكون شؤال
يبادر للحسنى ويبذل زاده ... ولو بات مسّ الجوع منه ينال
وروى البخاري، وابن ماجة، وابن سعد، والطبراني، والإسماعيلي والنّسائي عن سهل ابن سعد رضي الله تعالى عنه أن امرأة جاءت النبي ﷺ ببردة منسوجة فيها حاشيتها، قال سهل: أتدرون ما البردة؟ قالوا، الشّملة، قال: نعم، قالت نسجتها بيدي لأكسوكها فخذها، فأخذها النبي ﷺ محتاجا إليها فخرج إلينا وإنها لإزاره فقال الأعرابي: يا رسول الله بأبي أنت وأمي هبها لي وفي لفظ، فقال: «نعم» ، فجلس ما شاء الله في المجلس، ثم رجع فطواها فأرسل بها إليه، ثم سأله، وعلم أنه لا يرد سائلا، وفي لفظ: لا يسأل شيئا فيمنعه قال: والله إني ما سألته لألبسها، إنما سألته لتكون كفني، رجوت بركتها حين لبسها رسول الله ﷺ ، قال سهل: فكانت كفنه، زاد الطبراني: وأمر النبي ﷺ أن يصنع له غيرها، فمات قبل أن تنزع [ (٢) ] .
وروى الطبراني عن أم سنبلة قالت: أتيت رسول الله ﷺ بهدية، فأبى أزواجه أن يقبلنها، فأمرهن رسول الله ﷺ ، فأخذنها، ثم أقطعها واديا.
стр. 2872
وروى الدّارمي عن هارون بن أبان قال: قدّم للنبي ﷺ سبعون ألف درهم، وهو أكثر مال أتي به قط، فوضع على حصير من المسجد، ثم قام بنفسه، فما رد سائلا، حتى فرغ منه، قالوا: ويحتمل أن يكون المراد بهذه الكثرة الدراهم، فإن رسول الله ﷺ قسم بين رجلين من النّعم والشاء ما هو أكثر من هذا المال المذكور في هذا الحديث، وذكر ابن فارس في كتابه أسماء النبي ﷺ : أنّه في يوم حنين جاءت امرأة، فأنشدت شعرا تذكره أيام رضاعه في هوازن، فرد عليهم ما أخذ، وأعطاهم عطاء كثيرا، حتى قوّم ما أعطاهم فكان خمسمائة ألف، قال ابن دحية: وهذا نهاية الجود الذي لم يسمع بمثله في الجود ...
وروى البخاري عن أنس رضي الله تعالى عنه، قال: أتى رسول الله ﷺ بمال من البحرين فقال: انظروا يعني صبّوه في المسجد، وكان أكثر مال أتى به ﷺ ، فخرج رسول الله ﷺ من المسجد، ولم يلتفت إليه، فلما قضى الصلاة جاء فجلس إليه، فما كان يرى أحدا إلا أعطى إلى أن جاء العباس فقال: يا رسول الله أعطني، فإني فأديت نفسي، وفأديت عقيلا، فقال: «خذ» فحثا في ثوبه، ثم ذهب يقلّه فلم يستطع، فقال: يا رسول الله مر بعضهم يرفعه إليّ قال: «لا» ، قال: فارفعه أنت، قال: «لا أستطيع» ، ثم نثر منه، ثم ذهب يقلّه فلم يستطع، فقال: يا رسول الله: مر بعضهم يرفعه عليّ، قال: «لا» ، قال: فارفعه أنت» ، قال: «لا» ثم نثر منه فاحتمله، فألقاه على كاهله، فانطلق فما زال رسول الله ﷺ يتبعه بصره حتى خفي علينا، عجبا منه، فما قام رسول الله ﷺ ، وثمّ منها درهم، ورواه ابن أبي شيبة من طريق حميد ابن هلال مرسلا
أنه كان أرسل به العلاء بن الحضرمي من خراج البحرين قال: وهو أول مال حمل إليه.
وروى الشيخان عن جابر رضي الله تعالى عنه أنه كان يسير على جمل له قد أعيا فمر النبي ﷺ فضربه، ودعا له، فسار سيرا لم يسر مثله، ثم قال: «بعنيه بوقيّة» ، قلت: لا، ثم قال:
«بعنيه بوقيّة» ، فبعته واستثنيت حملانه إلى أهلي، فلما قدمنا المدينة أتيته بالجمل، ونقد لي ثمنه، ثم انصرفت، فأرسل إلي فقال: «ما كنت لآخذ جملك، هو لك»
وفي لفظ البخاري قال ﷺ لجابر في سفر: «بعني جملك» ، فقال: هو لك يا رسول الله، بأبي وأمي، فقال:
«بعنيه» فباعه إياه، وأمر بلالا أن ينقده ثمنه، فأنقده ثم قال ﷺ : «اذهب بالثمن والجمل بارك الله لك فيهما» ،
انتهى، فعل ذلك رسول الله ﷺ مكافأة لقوله: بل هو لك، فأعطاه الثمن، ورد عليه الجمل، وزاد الدعاء بالبركة.
وروى الشيخان عن أبي عباس رضي الله تعالى عنهما قال: كان رسول الله ﷺ أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان، حين يلقى جبريل، وكان يلقاه كل ليلة من رمضان،
стр. 2873
فيدارسه في القرآن. فرسول الله ﷺ أجود بالخير من الريح المرسلة [ (١) ] .
وروى التّرمذي والخرائطي عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: ما عندي شيء أعطيك، ولكن استقرض، حتى يأتينا شيء فنعطيك، فقال عمر: ما كلفك الله هذا، أعطيت ما عندك، فإذا لم يكن عندك فلا تكلف، قال: فكره رسول الله ﷺ قول عمر، حتى عرف في وجهه،
فقال الرجل: يا رسول الله، بأبي وأمي أنت، فأعط، ولا تخش من ذي العرش إقلالا، فتبسم وجه رسول الله ﷺ وقال: «بهذا أمرت» .
وروى ابن سعد عن أنس والتّرمذي عن علي قالا: كان رسول الله ﷺ أجود الناس [ (٢) ] .
وروى بقي بن مخلد وأبو يعلى عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : «ألا أخبركم عن الأجود؟ الله الأجود، وأنا أجود ولد آدم، وأجودهم من بعدي رجل تعلم علما فنشر علمه، يبعث يوم القيامة أمة وحده، ورجل جاهد في سبيل الله حتى يقتل» [ (٣) ] .
وروى ابن أبي خيثمة عن علي رضي الله تعالى عنه أنه كان إذا نعت رسول الله ﷺ قال: كان أجود الناس كفا.
وروى ابن أبي شيبة عن أنس قال: كان رسول الله ﷺ أجود الناس [ (٤) ] .
وروى بزّار عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: كان رسول الله ﷺ إذا دخل شهر رمضان أطلق كل أسير وأعطى كل سائل [ (٥) ] .
وروى ابن أبي الدّنيا وغيره عن أبي سعيد رضي الله تعالى عنه قال: دخل رجلان على رسول الله ﷺ يسألانه عن ثمن بعير فأعانهما بدينارين، فخرجا من عنده، فلقيا عمر بن الخطاب، فأثنيا خيرا، وقالا معروفا، وشكرا ما صنع رسول الله ﷺ بهما، فدخل عمر على النبي ﷺ فأخبره بما قالا، فقال رسول الله ﷺ : «لكن فلانا أعطيته ما بين العشرة والمائة فلم يقل ذلك، إن أحدهم يسألني فينطلق بمسألته يتأبّطها، وما هي إلا نار» ، فقال عمر يا رسول الله، فلم تعطهم ما هو نار؟ فقال: «يأبون إلا أن يسألوني ويأبى الله لي البخل» [ (٦) ] .
وروى الإمام والخمسة عن أبي سعيد رضي الله تعالى عنه إن ناسا من الأنصار سألوا رسول الله ﷺ فأعطاهم، ثم سألوه فأعطاهم، وقال: «ما يكون عندي من خير فلن أدّخره
стр. 2874
عنكم، ومن يستعفف يعفه الله، ومن يستغن يغنه الله، ومن يتصبر يصبره الله، وما أعطي أحد عطاء هو خير، وأوسع من الصبر» .
وروى ابن عدي عن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما أن رسول الله ﷺ قال: «لو أن لي مثل جبال تهامة ذهبا لقسمته بينكم، ثم لا تجدوني كذوبا ولا بخيلا» [ (١) ] .
وروى البخاري عن جبير بن مطعم رضي الله تعالى عنه أنه بينما هو مع رسول الله ﷺ ، ومعه الناس، مقبلا من حنين علقت برسول الله ﷺ الأعراب يسألونه، حتى اضطروه إلى سمرة فخطفت رداءه، فوقف رسول الله ﷺ فقال: «أعطوني ردائي، فلو كان لي عدد هذه العضاة نعم لقسمته عليكم لا بخيلا، ولا كذابا، ولا جبانا» [ (٢) ] .
وروى أبو جعفر بن جرير الطبري عن سهل بن سعد الساعدي رضي الله تعالى عنه قال: حكيت لرسول الله ﷺ حلّة أنمار صوف أسود، فجعل حاشيتها بيضاء، وقام فيها إلى أصحابه، فضرب بيده إلى فخذه فقال: «ألا ترون إلى هذه ما أحسنها!» فقال أعرابي: يا رسول الله بأبي أنت وأمي هبها لي وكان رسول الله ﷺ لا يسأل شيئاً أبدا فيقول: لا، فقال:
«نعم» ، فأعطاه الجبة.
وروى مسلم عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قال: قسم رسول الله ﷺ قسما لأناس، فقلت: يا رسول الله لغير هؤلاء كانوا أحقّ بهذا القسم، فقال: «إنهم خيروني أن يسألوني بالفحش، أو يبخلوني، ولست بباخل» [ (٣) ] .
وروى ابن الأعرابي عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ عام حنين سأله الناس، فأعطاهم من البقر والغنم والإبل، حتى لم يبق من ذلك شيء، فقال رسول الله ﷺ : «ماذا تريدون؟ أتريدون أن تبخّلوني؟ فو الله ما أنا ببخيل، ولا جبان، ولا كذوب» ، فجذبوا ثوبه حتى بدت رقبته، فكأنما أنظر- حين مدّ يدا من منكبه- شقة القمر من بياضه [ (٤) ] .
تنبيهات
الأول: قال الحافظ: قوله: ما قال: لا، ليس المراد أنه يعطي ما طلب منه جزما، بل المراد أنه لا ينطق بالرد بلا، إن كان عنده أعطاه، إن كان إلا إعطاء سابغا، وإلا سكت، قال:
стр. 2875
وقد روينا بيان ذلك في حديث مرسل لابن الحنفية عند ابن سعد ولفظه: إذا سئل فأراد أن يفعل قال: نعم، وإن لم يرد أن يفعل سكت،. وقال الشيخ عز الدين بن عبد السلام لم يقل:
لا، منعا للإعطاء، ولا يلزم من ذلك أن يقولها اعتذارا كما في قوله تعالى: «لا أَجِدُ ما أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ [التوبة ٩٢] ولا يخفى الفرق بين قوله: (لا أَجِدُ ما أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ وهو نظير ما في
حديث أبي موسى الأشعري لما سأله الأشعريون الحملان فقال ﷺ : «ما عندي ما أحملكم»
لكن يشكل عليه أنه ﷺ حلف لا يحملهم
فقال: «والله لا أحملكم» ،
فيمكن أن يخص من عموم حديث جابر ما إذا سئل ما ليس عنده، والسائل يتحقق أنه ليس عنده ذاك، حيث كان المقام لا يقتضي الاقتصار على السكوت من الحالة الواقعة، أو من حال السائل كأن لم يعرف العادة، فلو اقتصر على السكوت مع حاجة السائل تمادى في السؤال ويكون القسم على ذلك تأكيدا لقطع طمع السائل، والسر في
قوله: «لا أجد ما أحملكم»
وقوله: «والله لا أحملكم»
أن الأول لبيان أن الذي سأله لم يكن موجوداً عنده، والثاني أنه يتكلف الإجابة إلى ما سئل بالقرض مثلا، أو بالاستيهاب، إذ لا اضطرار حينئذ.
الثاني:
قوله ﷺ : فخصها فلانا
أفاد المحب الطبري في كتاب الأحكام له أن الرجل السائل عبد الرحمن بن عوف، وعزاه للطّبراني، قال الحافظ: ولم أجد ذلك في معجمه الكبير، لا في مسند سهل، ولا في عبد الرحمن، نعم رواه الطبراني، وقال في آخره: قال قتيبة هو سعد بن أبي وقاص، وقد يقال: تعددت القصة، وفيه بعد.
الثالث:
قوله ﷺ : الأجود
أفعل تفضيل من جاد يجود، جوداً فهو جواد، بتخفيف الواو، وقومٌ جودٌ، وأجاود، وأجواد. قال النحاس: الجواد: الذي يتفضل على من يستحقّ، ويعطي من لا يسأل، ويعطي الكثير، ولا يخاف الفقر، من قولهم مطر جواد إذا كان كثيراً، وفرس جواد يعدو كثيراً، قبل أن يطلب منه، ثم قيل: هو مرادفٌ للسّخاء، والأصحّ أن السخاء أدنى منه، ولذا يوصف الله تعالى به، والسخي اللّين عند الحاجات، من أرضٌ سخاوية: لينة التراب، قال الأستاذ أبو القاسم القشيري رحمه الله تعالى: قال القوم من أعطى البعض فهو سخيّ، ومن أعطى الأدنى، وأبقى لنفسه شيئاً، فهو جواد، ومن قاسى الضر، وآثر غيره بالبلغة فهو مؤثر، وقال السّهروردي في عوارفه: السخاء صفة غريزية، وفي مقابله الشّح. والشح من لوازم صفة النفس قال تعالى: وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [التغابن ١٦] فحكم بالفلاح لمن وقي الشّحّ، وحكم بالفلاح أيضا لمن أنفق وبذل فقال: وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [البقرة ٥] والفلاح اسم لسعادة الدارين، وليس الشح من الآدمي بعجيب لأنه جبليّ فيه، وإنما العجب وجود السخاء في الغريزة، والسخاء أتم وأكمل من الجود. وفي مقابله البخل، وفي مقابلة السخاء الشح، والجود
стр. 2876
والبخل يتطرق إليهما الاكتساب بطريق العادة، بخلاف السخاء إذا كان ذلك من ضرورة الغريزة، فكل سخي جواد، وليس كل جواد سخي، والجود يتطرق إليه الرّياء، ويأتي به الإنسان متطلعا إلى غرض الخلق أو الحقّ، بمقابلة من الثناء، أو غيره من الخلق، أو الثواب من الله تعالى، ولا يتطرق الرياء من السخاء لأنه يقع من النفس الزكية المرتفعة عن الأغراض.
الرابع: في بيان غريب ما سبق:
الكرم: بفتحات الإنفاق بطيب نفس فيما يعظم قدره.
الجود: بضم الجيم: تجنب اكتساب ما لا يحمد وهو ضدّ التقتير.
الفاقة: بفاء فألف، فقاف: فقد الدنيا.
المنهل: بميم مفتوحة فنون ساكنة فهاء مفتوحة فلام: كل ما يطؤه الطريق، وما كان على غير الطريق لا يدعى منهلا، ولكن يضاف إلى موضعه، أو إلى من هو مختص به، فيقال منهل بني فلان، أو مشربهم، ومواضع نهلهم.
المنسجم: بميم مضمومة، فنون ساكنة، فسين مهملة فجيم فميم: السائل.
يباري: بتحتية مضمومة، فموحدة فألف فراء فتحتية: يعارض ويجاري ويسابق.
المزن: بميم مضمومة، فزاي ساكنة، فنون: الغيم والسحاب وقيل السحاب الأبيض.
الطّامي: بطاء مهملة فألف فميم: الكثير.
الملتطم: بميم مضمومة، فلام ساكنة، ففوقية مفتوحة، فطاء مهملة مكسورة، فميم:
دخل بعضه في بعض لكثرته.
القناع: بكسر القاف: طبق يؤكل عليه.
الجرو: بجيم مكسورة، فراء ساكنة، فواو: صغار القثاء وقيل الرمان أيضا.
زغب: بزاي، وغين معجمة، فباء: صغار عليها زغب أي وبر.
المجال: المجال.
الكاهل: بكاف فألف فهاء مكسورة فلام: أعلى الظهر.
الخراج. البحرين: معروفة.
الريح المرسلة: السريعة النفع، قال الله تعالى: وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ [الأعراف ٥٧] .
البخل: بموحدة مضمومة، فخاء معجمة، فلام: ضد الكرم.
الجبن: بجيم مضمومة، فموحدة ساكنة، فنون: ضد الشجاعة.
حلّة أنمار: بهمزة مفتوحة، فنون، وآخره راء: بردة من صوف يلبسها الأعراب.
стр. 2877
الباب الحادي عشر في خوفه، وخشيته، وتضرعه ﷺ
وروى الشيخان عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ قال: «قاربوا، وسدّدوا، واعلموا أنه لن ينجو أحد منكم بعمله»
وفي لفظ: لا يدخل أحد منكم الجنة بعمله، قالوا: ولا أنت؟ قال: «ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل» .
ورويا أيضا عن جابر رضي الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ صنع شيئا فرخّص فيه، فتنزه عنه قوم، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ ، فخطب، فحمد الله، ثم قال: «ما بال أقوام يتنزهون عن الشيء أصنعه؟ فو الله إني لأعلمهم بالله، وأشدّهم له خشية» .
وروى ابن سعد عن أم سلمة رضي الله تعالى عنها أن رسول الله ﷺ أرسل وصيفة له فأبطأت عليه، فقال: «لولا خوف القصاص لأوجعتك بهذا السواك» [ (١) ] .
وروى الإمام مالك عن عائشة رضي الله تعالى عنها أن رجلا قال لرسول الله ﷺ وهو واقف على الباب وأنا أسمع: يا رسول الله إني أصبحت جنبا، وأنا أريد الصوم، فقال رسول الله ﷺ : «وأنا أصبح جنبا، وأنا أريد الصوم، فأغتسل وأصوم» ، فقال له الرجل: يا رسول الله إنك لست مثلنا، قد غفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر، فغضب رسول الله ﷺ ، وقال: «والله إني لأرجو أن أكون أخشاكم لله، وأعلمكم بما أتّقي» [ (٢) ] .
وروى مسلم عن عمر بن أبي سلمة أنه سأل رسول الله ﷺ : أيقبّل الصائم؟ فقال رسول الله ﷺ : «سل هذه لأم سلمة» ، فأخبرته أن رسول الله ﷺ يصنع ذلك، فقال له رسول الله ﷺ : «إما أنا، والله إني لأتقاكم لله، وأخشاكم له» [ (٣) ] .
وروى أبو الحسن بن الضحاك عن صفوان بن عوف قال: كان رسول الله ﷺ يتأوه ويقول: «أوه من عذاب الله أوه من قبل أن لا تنفع أوه» .
وروى الإمام الشافعي رحمه الله تعالى عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: ما هبت ريح قط إلا جثا النبي ﷺ علي ركبته، وقال: «اللهم اجعلها رياحا ولا تجعلها ريحا» [ (٤) ] .
стр. 2878
وروى ابن مردويه عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: كان رسول الله ﷺ إذا هبت الريح، أو سمع صوت الرعد تغير لونه، حتى عرف ذلك في وجهه [ (١) ] .
وروى سعيد بن منصور، والإمام أحمد وعبد بن حميد والشيخان عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: ما رأيت رسول الله ﷺ مستجمعا قط ضاحكا، حتى ترى لهواته إنما كان يتبسم، وكان رسول الله ﷺ إذا رأى غيما تلون وجهه، وتغير، ودخل، وخرج، وأقبل، وأدبر، فإذا أمطرت سرّي عنه،
قالت: يا رسول الله، الناس إذا رأوا الغيم فرحوا رجاء أن يكون فيه المطر، وأراك إذا رأيت فيما عرف في وجهك الكراهة، فقال: «يا عائشة، وما يؤمنني أن يكون عذاب؟ قد عذب الله قوما بالريح، وقد رأى قوم العذاب فقالوا: هذا عارِضٌ مُمْطِرُنا [ (٢) ] [الأحقاف ٢٤] وفي لفظ: وما يدريك كما قال قوم فَلَمَّا رَأَوْهُ عارِضاً مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قالُوا: هذا عارِضٌ مُمْطِرُنا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ [الأحقاف ٢٤] .
وروى الترمذي- وحسنه هو والحافظ المنذري وصححه الحاكم- عن ابن عباس وسعيد بن منصور، وابن عساكر عن أنس، والترمذي في الشمائل وأبو يعلى- برجال ثقات- عن أبي جحيفة، وابن عساكر عن عمران بن حصين، وابن سعد عن محمد بن علي بن الحسين، والطبراني وابن مردويه- بسند صحيح- قال ابن عباس: أن أبا بكر قال: وقال أنس: قال أصحاب رسول الله ﷺ : يا رسول الله شبت، قال: «شيبتني هود، والواقعة، والمرسلات، وعمّ يتساءلون، وإذا الشّمس كوّرت»
[ (٣) ] . وهذا الحديث له طرق، وقد أخطأ من ذكره في الموضوعات [ (٤) ] .
وروى البيهقي وابن عساكر عن أبي علي الشّبولي- بضم الشين المعجمة، والموحدة- أحد رواة الصحيح قال: رأيت رسول الله ﷺ في المنام، فقلت: يا رسول الله ما روي عنك أنك قلت: شيبتني هود؟ قال: «نعم» قلت: ما الذي شيبك منها؟ قصص الأنبياء، وهلاك الأمم؟
قال: «لا، ولكن فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ [ (٥) ] [هود ١١٢] .
وروى ابن مردويه، والطبراني- بسند صحيح- عن عقبة بن عامر أن رجلا قال: يا
стр. 2879
رسول الله قد شبت، قال: «شيبتني هود وأخواتها» [ (١) ] .
وروى الإمام أحمد في الزهد عن أبي عمران الجوني قال: بلغني أن رسول الله ﷺ قال: «شيبتني هود وأخواتها، وذكر القيامة وقصص الأنبياء والأمم» [ (٢) ] .
وروى ابن أبي حاتم عن الحسن رحمه الله تعالى قال: لما نزلت هذه الآية فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ قال رسول الله ﷺ : «شمروا وأثمروا فما رئي ضاحكا» .
وروى الشيخان عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ قال: «والذي نفسي بيده، لو تعلمون ما أعلم لبكيتم كثيرا ولضحكتم قليلا» [ (٣) ] .
وروى الإمام أحمد والطبراني عن ابن عباس، وسعيد بن منصور، والإمام أحمد، والترمذي- وحسنه- عن أبي سعيد، وأبو نعيم عن جابر رضي الله تعالى عنهم أن رسول الله ﷺ قال: «كيف أنعم، وصاحب الصور قد التقم القرن، وحنى جبهته، وأصغى بسمعه، ينتظر متى يؤمر فينفخ؟» قالوا: وماذا نقول يا رسول الله؟ قال: «قولوا حسبنا الله ونعم الوكيل» [ (٤) ] .
وروى الحاكم عن أبي ذر رضي الله تعالى عنه قال: قرأ رسول الله ﷺ هَلْ أَتى [الإنسان ١] حتى ختمها، ثم قال: «إني أرى ما لا ترون، وأسمع ما لا تسمعون، أطت السّماء، وحقّ لها أن تئط، ما فيها موضع أربع أصابع إلا وملك واضع جبهته ساجدا لله، لو تعلمون ما أعلم، لضحكتم قليلا، ولبكيتم كثيرا، وما تلذذتم بالنساء على الفرش، ولخرجتم إلى الصّعدات تجأرون إلى الله تعالى، والله إني لوددت أني شجرة تعضد» .
قال بعض الحفاظ قوله: لوددت أني إلخ مندرج في الخبر من قول أبي ذرّ [ (٥) ] .
وروى أبو عبيدة في فضائله، وأحمد في الزهد، وابن أبي الدنيا في نعت الخائفين،
стр. 2880
وابن جرير، وابن أبي داود في الشريعة [ (١) ] ، وابن عدي، وابن نصر، والبيهقي في الشعب عن حمران بن أعين [ (٢) ] عن أبي حرب بن المسوّر أن رسول الله ﷺ سمع رجلا يقرأ ولفظ هنّاد وعبد: أن رسول الله ﷺ قرأ إِنَّ لَدَيْنا أَنْكالًا وَجَحِيماً، وَطَعاماً ذا غُصَّةٍ وَعَذاباً أَلِيماً [المزمل ١٢، ١٣] فلما بلغ إليها صعق.
وروى ابن أبي شيبة برجال ثقات، والطبراني عن أبي سعيد، وابن أبي الدّنيا عن أنس رضي الله تعالى عنهما، قال أبو سعيد: إنا يوما عند رسول الله ﷺ فرأيناه كئيبا، فقال بعضنا:
يا رسول الله، بأبي أنت وأمي، فقال رسول الله ﷺ : «سمعت هدّة، ولم أسمع مثلها، فأتاني جبريل فسألته عنها، فقال: هذه صخرة هدّت من شفير جهنم، من سبعين خريفا، فهذا حين بلغت قعرها، أحبّ أن يسمعك صوتها» ، فما رؤي رسول الله ﷺ ضاحكا ملء فيه حتى قبضه الله تعالى [ (٣) ] .
وروى الحارث بن أبي أسامة عن النواس بن سمعان [ (٤) ] رضي الله تعالى عنه قال:
سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يا مقلّب القلوب، ثبت قلبي على دينك» [ (٥) ] .
تنبيهات
الأول:
روى عبد بن حميد عن الحسن رحمه الله تعالى قال: لما أنزل الله تعالى:
(وَما أَدْرِي ما يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ) [الأحقاف ٩] عمل رسول الله ﷺ من الخوف فلما نزلت: إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً، لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ [الفتح ١، ٢] الآية اجتهد، فقيل له: تجهد نفسك، وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر قال: أفلا أكون عبدا شكورا؟.
стр. 2881
الثاني: روى الترمذي وغيره عن هند بن أبي هالة رضي الله تعالى عنه قال: كان رسول الله ﷺ متوصلا لإخوانه، ليست له راحة، قال ابن القيم في زاد المعاد: وأما بكاؤه فكان من جنس ضحكه، لم يكن بشهيق، ولا رفع صوت، كما لم يكن ضحكه بقهقهة، ولكن كان تدمع عيناه حتى يهملا، ويسمع لصدره أزيز، وكان بكاؤه تارة رحمة للميت، وتارة خوفا على أمته، وتارة من خشية الله، وتارة عند سماع القرآن، وهو بكاء اشتياق ومحبة وإجلال، يصاحب الخوف والخشية.
الثالث:
قوله: «وأشدّهم له خشية» ،
قال الشيخ عز الدين بن عبد السلام: في هذا الحديث إشكال لأن الخوف والخشية حالةٌ تنشأ عن ملاحظة شدّة النّقمة الممكن وقوعها بالخائف، وقد دلّ القاطع على أنه ﷺ غير معذّب، وقال تعالى: يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ [التحريم ٨] فكيف يتصوّر منه الخوف؟ فكيف أشد الخوف؟ قال: والجواب أن الذهول جائز عليه ﷺ ، فإذا حصل الذهول عن موجبات نفي العقاب حدث له الخوف، ولا يقال: إن إخباره بشدة الخوف، وعظم الخشية عظم بالنوع لا بكثرة العدد، أي إذا صدر منه الخوف، ولو في زمن فرد كان أشدّ من خوف غيره.
الرابع: في بيان غريب ما سبق:
الخوف: بخاء معجمة مفتوحة، فواو ساكنة، ففاء: الفزع.
الخشية: بخاء معجمة مفتوحة، فشين معجمة، فتحتية مفتوحة، فتاء تأنيث: الخوف.
التضرع: بمثناة فوقية، فضاد معجمة مفتوحة، فراء، فعين مهملة: التذلل، والمبالغة في السؤال والرغبة.
الفضل: بفاء مفتوحة، فضاد معجمة ساكنة، فلام: الإعطاء لا عن إيجاب ولا وجوب.
الوصيفة: بواو فصاد مهملة مكسورة، فتحتية، ففاء فتاء تأنيث: الأمة.
أوه: بهمزة مفتوحة وواو ساكنة، فهاء مكسورة، وربما قلبوا الواو فقالوا: آه من كذا، وربما شدّدوا الواو وكسروها، وسكنوا فقالوا: أوّه، وربما حذفوا الهاء فقالوا: أوّ، وبعضهم بفتح الواو مع التشديد فيقول: أوهّ: وهي كلمة تقال عند الشكاية والتوجع.
خشي العارض: بعين مهملة، فألف، فراء مكسورة، فضاد معجمة: هنا السحاب الذي يعترض في الأفق.
أطّت: بهمزة مفتوحة، فمهملة مشددة: ملئت لكثرة ما فيها من الملائكة.
الصّعدات: الصّعدات بضم الصاد، والعين المهملة، وفتح: الطرقات.
تجأرون: بمثناة فوقية، فجيم، فهمزة مفتوحة: تتضرعون رافعي أصواتكم.
اللهوات: يأتي الكلام عليه في باب ضحكه.
стр. 2882
الباب الثاني عشر في استغفاره، وتوبته ﷺ
وروى البخاري والترمذي والطّبراني بأسانيد حسنة، وعبد الرزاق، وعبد بن حميد عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إني لأستغفر الله، وأتوب إليه في اليوم سبعين مرة» [ (١) ] .
وروى الطبراني برجال الصحيح عن أبي ذر رضي الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ قال: «إني لأستغفر الله، وأتوب إليه في اليوم مائة مرة» [ (٢) ] .
وروى الإمام أحمد برجال الصحيح عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «اللهم إني أستغفرك ما قدمت، وما أخرت، وما أسررت، وما أعلنت، وأنت، المؤخر، وأنت على كل شيء قدير» ،
وفيه راو لم يسم، وهو في الصحيح بلفظ: اللهم اغفر لي ما قدمت إلى آخره [ (٣) ] .
وروى الإمام أحمد والبخاري في الأدب، ومسلم في الصحيح عن الأغرّ رضي الله تعالى عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يا أيها الناس، توبوا إلى الله تعالى، فإني أتوب إليه كل يوم مائة مرة» [ (٤) ] .
وروى ابن أبي شيبة، والإمام أحمد، والحاكم عن حذيفة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : «أين أنت من الاستغفار يا حذيفة؟ إني لأستغفر الله في كل يوم مائة مرة، وأتوب إليه» [ (٥) ] .
وروى النّسائي- بسند جيد- عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم، وأتوب إليه» قبل أن يقوم من المجلس، مائة مرة [ (٦) ] .
وروى ابن أبي شيبة والبخاري في الأدب، وأبو داود والترمذي، وابن ماجة، والنسائي
стр. 2883
أيضا قال: إنا كنا نعد على رسول الله ﷺ في المجلس: «رب اغفر لي، وتب عليّ، إنّك أنت التواب الرحيم، مائة مرة» ، وفي لفظ: التواب الغفور.
وروى ابن أبي شيبة ومسلم والأربعة عن الأغرّ بن مزينة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنه ليغان على قلبي حتى أستغفر الله،
وفي لفظ: وإني لأستغفر الله في اليوم مائة مرة» ،
وفي رواية: سمعته يقول: «توبوا إلى ربكم، فو الله إني لأتوب إلى ربي مائة مرة في اليوم» .
وروى محمد بن يحيى بن عمر برجال ثقات عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: لزم رسول الله ﷺ هؤلاء الكلمات قبل موته بسنة: «سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك» ، قالت فقلت: يا رسول الله لقد لزمت هذه الكلمات، قال:
«إن ربي عهد إلي عهدا أو أمرني بأمر، فأنا أتّبعه» ، ثم قرأ: إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ حتى ختم السورة.
تنبيهات
الأول: استشكل وقوع الاستغفار منه ﷺ ، وهو معصوم، والاستغفار يستدعي وقوع معصية، وأجيب بأجوبة منها: أنه رأى الاشتغال بالأمور المباحة من أكل أو شرب أو جماع أو نوم أو راحة أو مخالطة الناس، والنظر في مصالحهم، ومحاربة عدوهم تارة، ومداراته أخرى، وتأليف المؤلفة، وغير ذلك مما يحجبه عن الاشتغال بذكر الله تعالى، والتضرع إليه، ومشاهدته، ومراقبته، ذنبا بالنسبة إلى المقام العلي، وهو الحضور في حظيرة القدس، ومنها: أن استغفاره تشريع لأمته، أو من ذنوب لأمته، فهو كالشفاعة لهم. وقال الشيخ شهاب الدين السّهروردي لما كانت روح النبي ﷺ لم تزل في الترقي إلى مقامات القرب تستتبع القلب، والقلب يستتبع النفس، ولا ريب أن حركة الروح والقلب أسرع من نهضة النفس، وكانت خطى النفس تقصر عن مداهما في العروج، فمما نهضت به الحكمة إبطاء حركة القلب لئلا تتقطع علاقة النفس عنه، فيبقى العباد محرومين فكان ﷺ يفزع إلى الاستغفار، لقصور النفس عن ترقي القلب، ومنها: أن في الاستغفار والتوبة معنى لطيفا، وهو استدعاء لمحبة الله تعالى، فإحداثه الاستغفار والتوبة في كل حين استدعاء لمحبة الله تعالى.
الثاني: الغين، قال شعبة: سألت الأصمعي ما معنى ليغان على قلبي؟ فقال: عمّن يروى ذلك؟ قلت: عن النبي ﷺ ، قال: لو كان قلب غير النبي ﷺ لفسرته، وأما قلبه ﷺ فلا أدري، كان شعبة يتعجب منه، وسئل أبو عبيدة عنه فلم يفسره.
وقال الجنيد: لولا أنه حال النبي ﷺ لتكلمت فيه، ولا يتكلم على حال إلا من كان
стр. 2884
مشرفا عليها، وجملة حاله لا يشرف على نهايتها أحد من الخلق، ونقل الإمام الرافعي رحمه الله تعالى في أماليه عن سيدنا الصديق رضي الله تعالى عنه، أنه مع علو مرتبته تمنى أن يشرف عليها، فقال: ليتني شهدت ما استغفر منه ﷺ انتهى، وتكلم في معناه آخرون بحسب ما انتهى إليه فهمهم، ولهم منهجان: أحدهما حمل الغين على حالة جميلة، ومرتبة عالية اختص بها النبي ﷺ ، والمراد من استغفاره: خضوعه، وإظهار حاجته إلى ربه، وملازمته للعبودية، قال أبو سعيد الخرّاز [ (١) ] فيما نقله عنه الإمام الرافعي: الغين شيء لا يجده إلا الأنبياء، وأكابر الأبرار والأولياء، لصفاء أسرارهم، وهو كالغيم الرقيق الذي لا يدوم.
قال الرافعي [ (٢) ] : وحمله على عارض غيره أكمل منه، فيبادر إلى الاستغفار، وعلى هذا كثرت التنزيلات والتأويلات، فقيل كان سبب الغين النظر في حال الأمة، واطّلاعه على ما يكون منهم، فكان يستغفر لهم. وقيل: سببه ما يحتاج إليه من التبليغ، ومشاهدة الخلق، فيستغفر منه ليصل إلى صفاء وقته مع الله تعالى. وقيل: ما كان يشغله من تمادي قريش وطغيانهم. وقيل: ما كان يجده من محبة إسلام أبي طالب. وقيل: لم يزل ﷺ مترقيا من رتبة إلى رتبة، فكلما رقي درجة التفت إلى ما خلفها، وجد منها وحشة لقصورها بالإضافة إلى التي انتهى إليها، وذلك هو الغين، فيستغفر منه، قال: وهذا ما كان يستحسنه والدي رحمه الله تعالى ويقرره.
ومن هؤلاء من نزل الغين على السكينة والاطمئنان، قال البيهقي في الشّعب: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: سمعت الأستاذ أبا سهل محمد بن سهل: يعني الصّعلوكي [ (٣) ] أحد أئمة الشافعية يقول: في قوله: ليغان على قلبي وأيد أنّ أحدهما يختص به أهل الإشارة، وهو حملهم إياه على غشية السّكرة التي هي الصحو في الحقيقة، ومعنى الاستغفار على التجسر للكشف
стр. 2885
عنها، وأهل الظاهر يحملونها على الخطرات العارضة للقلب، والطلبات الواردة الشاغلة له بهذه الغشية الملابسة.
وقال القاضي: هو ما يستغشي القلب، ولا يغطيه كل التغطية، كالغيم الرقيق الذي لا يمنع ضوء الشمس، ثم لا يفهم من الحديث أنه يغان على قلبه مائة مرة، وإنما هذا عدد الاستغفار لا الغين، فيكون المراد بهذا الغين الإشارة إلى غفلات قلبه، وفترات نفسه، وسهوها عن مداومة الذكر، ومشاهدة الحق، لما كان ﷺ من مقامات البشر، وسياسة الأمة، ومعاناة الأهل، ومقاومة الولي والعدو، ومصلحة النفس، وأعباء الرسالة، وحمل الأمانة، وهو في هذا كله في طاعة ربه، وعبادة خالقه، ولكن لمّا كان ﷺ أرفع الخلق عند الله تعالى مكانة، وأعلاهم درجة، وأتمهم به معرفة، وكانت حالة عند خلوص قلبه، وخلو همه، وتفرده بربه أرفع حاليه، رأى حاله فترته عنها، وشغله بسواها، غمضا من علّي حاله، ورفيع مقامه، فاستغفر من ذلك.
وقال الشيخ شهاب الدين السّهروردي: لا تعتقد أن الغين حاله نقص، بل هو حالة كمال، ثم مثل بجفن العين حين يسيل الدمع القذى عن العين مثلا، فإنه يمنع العين عن الرؤية، فهو من هذه الحيثية نقص، وفي الحقيقة هو كمال، هذا محصل كلامه بعبارة طويلة، قال:
فهكذا بصيرة النبي ﷺ متعرضة للأغبرة الثائرة من أنفاس الأخيار، فدعت الحاجة إلى ستر حدقة بصيرته، صيانة لها، ووقاية عن ذلك، وقيل: هو حالة الخشية، وإعظام الاستغفار شكرها، ومن ثم قال المحاسبي: خوف المقربين خوف إجلال وإعظام، وقيل: هو السكينة التي تغشي قلبه، والاستغفار لإظهار العبودية والشكر لما أولاه.
وذكر ابن عطاء الله في كتاب لطائف المنن: أن الشيخ أبا الحسن الشاذلي [ (١) ] قدس الله سره قال: رأيت رسول الله ﷺ فسألته عن حديث: إنه ليغان على قلبي، فقال: «يا مبارك ذلك غين الأنوار» .
الثالث: في بيان غريب ما سبق:
الاستغفار: استدعاء المغفرة، وطلبها من الشفاعة، وإعداد الأسباب المقربة إلى الطاعة.
المقدّم: بميم مضمومة، فقاف مفتوحة، فدال مهملة مكسورة، فميم: الذي يقدم الأشياء، ويضعها في مواضعها: ضد المؤخر، فمن استحق التقديم قدمه.
المؤخر: بميم مضمومة، فهمزة مفتوحة، فخاء معجمة مكسورة، فراء: الذي يؤخر
стр. 2886
الأشياء فيضعها في مواضعها: ضد المقدم.
القدير: القادر قدرة تصلح للخلق، قال: يوصف تعالى بالقدرة على الخلق، بخلاف قدرة المخلوقين، إذ أقدرهم على الكسب لا الخلق، وحقيقتها ما يتقدّر بها المواد المزاد على حسب تقدم الفاعل في الوقوع، فمن عرف أنه قادر خشي من سطوات عقوبته عند مخالفته، وأمل لطائف نعمته ورحمته عند سؤاله وحاجته، لا بوسيلة طاعته، بل بكرمه ومنته، ولذلك من عرف أنه قادر سكن عن الانتقام، لعلمه بأن انتقامه وانتصاره له أتم من انتقامه لنفسه، ولذا قيل: احذروا من لا ناصر له غير الله.
الحيّ والحياة: صفة من صفات ذاته زائدة على بقائه، فهو الدائم الباقي، الذي لا سبيل عليه للفناء.
القيّوم: القديم الدائم الذي لا يزول، وليس عن قيامه على رجل.
التواب: بمثناة فوقية، فواو مشددة، فألف، فموحدة: الموفق لعباده التوبة والرجاع عليهم بفعله.
الرحيم: العظيم الرحمة.
الغفور: الكثير المغفرة، الساتر لذنوب عباده.
стр. 2887
الباب الثالث عشر في قصر أمله ﷺ
روى الإمام أحمد، وابن سعد عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: كان رسول الله ﷺ يخرج يريد الماء فيتمسح بالتراب، فأقول: يا رسول الله إن الماء قريب، فيقول: «وما يدريني لعلي لا أبلغه؟» [ (١) ] .
وروى ابن أبي الدّنيا في قصر الأمل، وبقي بن مخلد عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه قال: اشترى أسامة بن زيد وليدة بمائة دينار إلى شهر، فسمعت رسول الله ﷺ يقول: «ألا تعجبون من أسامة المشتري إلى شهر؟ إن أسامة لطويل الأمل، والذي نفسي بيده ما طرفت عيناي إلا ظننت أن شفري لا يلتقيان حتى أقبض، ولا رفعت طرفي فظننت أني واضعه حتى أقبض، ولا لقمت لقمة إلا ظننت أني لا أسيغها حتى أغص بها من الموت» ، ثم قال: «يا بني آدم إن كنتم تعقلون فعدوا أنفسكم من الموتى، والذي نفسي بيده» إِنَّ ما تُوعَدُونَ لَآتٍ وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ [ (٢) ] [الأنعام ١٣٤] .
وروى الإمام أحمد، والبخاري، والنسائي، وابن سعد والبرقاني عن عقبة بن الحارث قال: انصرف رسول الله ﷺ من صلاة العصر فأسرع، ولم يدركه أحد، فعجب الناس من سرعته، فلما رجع إليهم عرف ما في وجوههم، فقال: «كان عندي تبر فكرهت أن أبيته عندي، فأمرت بقسمته» [ (٣) ] .
وروى ابن سعد عن الحسن رضي الله تعالى عنه قال: أصبح رسول الله ﷺ يوما فعرف في وجهه أنه بات قد أهمه أمر، فقيل: يا رسول الله إنا لا نستنكر وجهك، كأنك قد أهمّك الليلة أمر، فقال رسول الله ﷺ : «ذاك من أوقيتين من ذهب الصدقة باتتا عندي، لم أكن وجهتهما» [ (٤) ] .
وروى أيضا عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: أتت رسول الله ﷺ ثمانية دراهم بعد أن أمسى، فلم يزل قائما وقاعدا لا يأتيه النوم، حتى سمع سائلا يسأل، فخرج من عندي، فما عدا أن دخل، فسمعت غطيطه فلما أصبح قلت: يا رسول الله رأيتك أو الليلة قائما وقاعدا
стр. 2888
لا يأتيك نوم، حتى خرجت من عندي، فما عدا أن دخلت فسمعت غطيطك قال: «أجل، أتت رسول الله ﷺ ثمانية دراهم بعد أن أمسى، فما ظنّ رسول الله ﷺ أن لو لقي الله وهي عنده» [ (١) ] .
وروى الإمام أحمد وأبو يعلى، وقاسم بن ثابت، برجال الصحيح عن أم سلمة رضي الله تعالى عنها قالت: دخل علي رسول الله ﷺ ، وهو ساهم الوجه، فحسبت ذلك من وجع، فقلت يا رسول الله: ما لك ساهم الوجه؟ قال: «من أجل الدنانير السبعة التي أتتنا أمس أمسينا وهي في خصم الفراش، فأتتنا، ولم ننفقها» .
وروى الحميدي برجال ثقات- عن عائشة رضي الله تعالى عنها: ذهبا كانت أتت رسول الله ﷺ فتثاقل من الليل وهي أكثر من السبعة، وأقل من التسعة، فلم يصبح حتى قسمها، فقال: «ما ظنّ محمد بربه لو مات وهذه عنده» [ (٢) ] .
وروى أبو عبيد القاسم بن سلام في غريبه والخلعي عن الحسن بن محمد رحمه الله تعالى قال: كان رسول الله ﷺ لا يقبل ما لا عنده، ولا يبيته، قال ابن سلام: يعني إن جاءه غدوة لم ينتصف النهار حتى يقسمه، وإن جاءه عشيّة لم يبت حتى يقسمه [ (٣) ] .
تنبيه: في بيان غريب ما سبق:
الأمل: كجبل: الرجاء.
الوليدة: بواو فلام مكسورة، فمثناة تحتية، فدال مهملة: واحدة الولائد.
أسيغها: بهمزة مضمومة فسين مهملة، فتحتية، فغين معجمة: أي لم يدخل في حلقي سهلا.
أغص بهمزة مضمومة، فغين معجمة مفتوحة، فصاد مهملة: أشرق به، ويقف في حلقي.
الغطيط: بغين معجمة، وروي بخاء معجمة، وأنكرها ابن بطّال: الصوت الذي يخرج مع نفس النائم.
ساهم الوجه: بالمهملة: متغير اللون.
خصم الفراش: بمعجمة فمهملة: طرفه.
стр. 2889
الباب الرابع عشر في إعطائه القود من نفسه ﷺ
روى ابن سعد- بسند رجاله ثقات- عن عمرو بن شعيب قال: لمّا قدم عمر الشام أتاه رجل يستأذنه على أمير ضربه، فأراد عمر أن يقيده، فقال له عمرو بن العاص: أتقيده منه؟ قال:
نعم، قال: فلا نعمل لك عملا، قال: لا أبالي أن أقيده منه، وقد رأيت رسول الله ﷺ يعطي القود من نفسه، قال: أفلا نرضيه؟ قال: أرضوه إن شئتم.
وروى إبراهيم الحربي عن عطاء قال: جاء أعرابي إلى رسول الله ﷺ ، وبيده قضيب، فأصاب بطن الأعرابي، وزحم رسول الله ﷺ الأعرابي فخدشه، فقال: «اقتص» ، فأبى، فقال:
«لتقصن، أو لتأخذن تبعة الغير» [ (١) ] .
وروى ابن سعد عن سعيد بن المسّيب قال: أقاد رسول الله ﷺ من نفسه وأقاد أبو بكر من نفسه وأقاد عمر من نفسه.
وروى ابن عساكر والحاكم عن حبيب بن مسلمة قال: إن رسول الله ﷺ دعا إلى القصاص من نفسه في خدش خدشه أعرابيا لم يتعمده، فأتاه جبريل فقال: يا محمد إن الله لم يبعثك جبارا، ولا متكبرا، فدعا رسول الله ﷺ الأعرابي فقال: «اقتص مني» ، فقال الأعرابي:
قد أحللتك، بأبي وأمي، وما كنت لأفعل ذلك أبدا، ولو أتيت على نفسي، فدعا له بخير [ (٢) ] .
وروى ابن أبي شيبة، وأبو الحسن بن الضحاك عن عمر رضي الله تعالى عنه قال: رأيت رسول الله ﷺ يقتص من نفسه،
وقال ابن إسحاق: حدثني عبد الله بن أبي بكر عن رجل من العرب قال: زحمت رسول الله ﷺ يوم حنين، وفي رجلي نعل كثيفة، فوطئت بها على رجل رسول الله ﷺ فنفحني بسوط في يده، وقال: «باسم الله أوجعتني» ، فبت لائما نفسي، أقول:
أوجعت رسول الله ﷺ ، فلما أصبحنا فإذا رجل يقول: أين فلان؟ فقلت هذا والله الذي كان مني بالأمس، فانطلقت، وأنا متخوف، فقال رسول الله ﷺ : «إنك وطئت بنعلك رجلي بالأمس فأوجعتني، فنفحتك بسوط فهذه ثمانون نعجة فخذها بها» [ (٣) ] .
وروى ابن حبان في صحيحه، وأبو الحسن بن الضحاك عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: رغب رسول الله ﷺ ذات يوم في الجهاد، فاجتمعوا عليه حتى غمّوه، وفي يده
стр. 2890
جريدة سلّاها، وبقيت هكذا سلاة، ثم لم ينظروا إليها فقال: أخّروا عني، لهذا غميتموني، فأصاب النبي ﷺ بطن رجل فأدماه، فخرج الرجل، وهو يقول: هذا فعل نبيك، فسمعه عمر فقال: انطلق إلى رسول الله ﷺ ، فإن كان هو أصابك فسوف يعطيك من نفسه الحق، وإن كنت كذبت لأرغمك بعمامتك حتى يتحدث، فقال الرجل: انطلق بسلام، فلست أريد أنطلق معك، قال: ما أنا بوادعك، فانطلق، فأتى به النبي ﷺ ، فقال: «أحقا أنا أصبتك؟» قال: نعم، قال: «فما تريد؟» قال: فأستقيد منك، فأمكنه من الجريدة، وكشف عن بطنه، فألقى الجريدة من يده، وقبّل سرّته، وقال: «هذا أردت، لكي ما يقمع الجبار من بعدك» ، فقال عمر: أنت كنت أوثق عملا مني [ (١) ] .
وروى الدارمي وعبد بن حميد، وعبد الرزاق عن أبي هريرة أو أبي سعيد قال: كان رجل من المهاجرين، وكان ضعيفا، وكان له حاجة إلي رسول الله ﷺ ، فأراد أن يلقاه على خلاء فيسأل حاجته، وكان رسول الله ﷺ معسكرا بالبطحاء [ (٢) ] ، وكان يجيء من الليل، فيطوف البيت، حتى إذا كان في وجه السّحر صلّى بهم صلاة الغداة، فحبسه الطّواف ذات ليلة حتى أصبح، فما استوى على راحلته عرض له الرجل، فأخذ بخطام ناقته،
فقال: يا رسول الله، لي إليك حاجة، قال: إنك ستدرك حاجتك، فأبى، فلما خشي أن يحبسه خفقه بالسوط، ثم مضى، فصلى بهم صلاة الغداة، فلما انفتل أقبل بوجهه إلى القوم، وكان إذا فعل ذلك عرفوا أنه قد حدث أمر، فاجتمع القوم حوله، فقال: أين الرجل الذي جلدت آنفا؟ فأعادها رسول الله ﷺ ، فجعل الرجل يقول: أعوذ بالله، ثم برسول الله، وجعل رسول الله ﷺ يقول:
«ادنه ادنه» ، حتى دنا منه، فجلس رسول الله ﷺ بين يديه، وناوله السوط، فقال: «خذ بمجلدك فاقتص» . فقال: أعوذ بالله أن أجلد نبيه، فقال: «إلا أن تعفو» ، فألقى السوط وقال: قد عفوت يا رسول الله، فقام إليه أبو ذرّ فقال: يا رسول الله، تذكر ليلة العقبة، وأنا أسوق بك، وأنت نائم، كنت إذا سقتها أبطأت، وإذا سقتها اعترضت، فخفقتك خفقة بالسوط، وقلت: قد أتاك القوم، وقلت: «لا بأس عليك» ، فدعا برسول الله أن يقتص، قال: «قد عفوت» ، قال:
اقتص، فهو أحب إليّ، فجلده رسول الله ﷺ ، فلقد رأيته يتضوّر من جلد رسول الله ﷺ ، ثم قال: «أيها الناس اتقوا الله، فو الله لا يظلم مؤمن مؤمنا إلا انتقم الله تعالى منه يوم القيامة» [ (٣) ] .
وروى الإمام أحمد، وأبو داود، والنسائي عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه
стр. 2891
قال: بينما رسول الله ﷺ يقسم قسما أقبل رجل عليه، فطعنه رسول الله ﷺ بعرجون كان معه، فجرح في وجهه، فقال له رسول الله ﷺ : «تعال فاستقد» [ (١) ] .
وروى أبو الحسن بن الضحاك عن عبد الرحمن بن جبير الخزاعي قال: طعن رسول الله ﷺ رجلا في بطنه، إما بقضيب، أو بسواك، قال: أوجعتني، فأقدني، فأعطاه رسول الله ﷺ العود الذي كان معه، ثم قال: «استقد، فقبّل بطنه» ، وقال: بل أعفو عنك، لعلك أن تشفع في يوم القيامة [ (٢) ] .
وروى ابن قاسم وأبو الحسن بن الضحاك عن سواد بن عمرو قال: أتيت رسول الله ﷺ وأنا متخلّق بخلوق فقال ورس: حطّ حطّ، وغشيني بقضيب في يده في بطني فأوجعني، فقلت: يا رسول الله القصاص، فكشف لي عن بطنه، فأقبلت أقبّله، فقلت يا رسول الله: دعني وأخّرها شفاعة لي يوم القيامة.
وروى ابن قانع عن عبد الله بن أبي الباهلي قال: جئت رسول الله ﷺ في حجّة الوداع فألقيته واقفا على بعيره، فكأنّ ساقه في غرزة الجمّارة، فاحتضنتها فقرعني بالسوط، فقلت: القصاص يا رسول الله، فرفع السّوط، فقبلت ساقه ورجله، وذكر محمد بن عمر الأسلمي أن رسول الله ﷺ بينما هو يسير في الطائف إلى الجعرّانة، وأبو رهم إلى جنبه على ناقته، ورسول الله ﷺ على ناقته،
قال أبو رهم: فوقع حرف نعلي على ساقه، فأوجعه، فقال رسول الله ﷺ : «أوجعتني، أخر رجلك، وقرع رجلي بالسوط» ، فأخذني من الهم ما تقدم، وما تأخر، وخشيت أن ينزل في قرآن، لعظم ما صنعت، فلما أصبحنا بالجعرّانة خرجت أرعى ظهري، وما هو يومي، فرقا أن يأتي النبي ﷺ يطلبني، فلما روّحت بالركائب سألت، فقالوا:
طلبك رسول الله ﷺ ، فجئته، وأنا أرتقب، فقال: «إنك أوجعتني برجلك، فقد نحيتك بالسوط، فخذ هذه الغنم عوضا من ضربتي» ، قال: فرضاه أحب إلي من الدنيا وما فيها.
تنبيه: في بيان غريب ما سبق:
القود: بقاف، فواو مفتوحتين، فدال مهملة: القصاص.
القضيب: بقاف مفتوحة، فضاد معجمة مكسورة، فمثناة تحتية، فموحدة: الغصن.
زحم: بزاي فحاء مهملة مفتوحتين فميم.
خدشه: بخاء معجمة، فدال مهملة، فشين معجمة مفتوحات: قشره.
الغير: بكسر المعجمة، وفتح التحتية، قال ابن الأعرابي: الأرش والدية دون القود.
الباب الخامس عشر في بكائه ﷺ
وروى أبو داود والنسائي عن مطرف بن الشخير قال: رأيت رسول الله ﷺ يصلي، وفي صدره أزيز كأزيز الرحى من البكاء، ولفظ النّسائي: ولجوفه أزيز كأزيز المرجل يعني من البكاء [ (١) ] .
وروى أبو الشيخ عن علي رضي الله تعالى عنه قال: لقد رأيتنا وما فينا قائم يصلي إلا رسول الله ﷺ تحت شجرة يصلي، وهو يبكي حتى أصبح يعني ليلته.
وروى عبد بن حميد، وأبو الشيخ عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: أتاني رسول الله ﷺ في ليلتي حتى دخل معي في لحافي، وألزق جلده بجلدي، فقال: «يا عائشة ائذني لي في ليلتي لربي» ، فقلت: إني لأحب قربك، فقام إلى ربه في البيت، فما أكثر صب الماء، ثم قام، فقرأ القرآن، ثم بكى، حتى رأيت دموعه قد بلغت حجره، ثم اتكأ على جنبه الأيمن، ثم وضع يده اليمنى تحت خده، ثم بكى حتى رأيت دموعه قد بلغت الأرض، قالت:
فجاء بلال فأذنه بالصلاة، فلما رآه يبكي قال: يا رسول الله أتبكي وقد غفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: «أفلا أكون عبدا شكورا، وقال: ألا أبكي وقد أنزل الله تعالى الليلة: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ إلى قوله فَقِنا عَذابَ النَّارِ؟ وويل لمن قرأ هذه الآيات ولم يتفكر فيها.
وروى عبد بن حميد، وابن جرير، عن قتادة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ كان إذا قرأ: وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً الآية فاضت عيناه [ (٢) ] .
وروى الحكيم الترمذي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: لما قدم وفد اليمن على رسول الله ﷺ قالوا: أسمعنا بعض ما أنزل عليك، فقرأ: وَالصَّافَّاتِ صَفًّا حتى بلغ إلى قوله: فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ، فإنّ ما يبيضّ عرق وإن دموعه لتسبقه إلى لحيته، فقالوا له:
إنا نراك تبكي، أمن خوف الذي بعثك تبكي؟ قال: «بلى، من خوف الذي بعثني أبكي، إنه بعثني على طريق مثل حد السيف، إن زغت عنه هلكت، ثم قرأ: وَلَئِنْ شِئْنا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ الآية.
وروى أبو الحسن بن الضحاك عن صالح بن الخليل قال: ما رئي رسول الله ﷺ
стр. 2894
مبتسما أو ضاحكا، منذ أنزلت هذه الآية: أَفَمِنْ هذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ وَتَضْحَكُونَ وَلا تَبْكُونَ.
وروى أيضاً ابن عديّ- بسند ضعيف- عن حمران بن أعين رحمه الله تعالى قال: سمع رسول الله ﷺ رجالا يقرؤون: إِنَّ لَدَيْنا أَنْكالًا وَجَحِيماً، وَطَعاماً ذا غُصَّةٍ، وَعَذاباً أَلِيماً فصعق رسول الله ﷺ [ (١) ] .
وروى ابن أبي الدّنيا وأبو الحسن بن الضحاك عن طريق الوليد بن مسلم قال: أخبرنا أبو سلمة ثابت الدّوسي، عن سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما- وسنده أبو الوليد جيد- قال: كان من دعاء رسول الله ﷺ : «اللهم ارزقني عينين هطّالتين، تبكيان تذرفان الدموع، وتشبعاني من خشيتك، قبل أن تكون الدموع دما، والأضراس جمرا» [ (٢) ] .
وروى أبو بكر الشافعي عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: قبل رسول الله ﷺ عثمان بن مظعون بعد موته، حتى رأيت دموعه تسيل على عينيه [ (٣) ] .
وروى الشيخان عن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: اشتكى سعد بن عبادة شكوى له فأتاه رسول الله ﷺ يعوده مع أسامة بن زيد فلما دخل وجده في غاشية أهله فقال:
قد قضى؟ قالوا: لا فبكى [ (٤) ] .
وروى ابن عدي بسند ضعيف عن جابر رضي الله تعالى عنه قال: لما جرد رسول الله ﷺ حمزة بكى، فلما رأى ما مثّل به شهق.
وروى أيضا عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: استقبل رسول الله ﷺ الحجر، ثم وضع شفتيه عليه يبكي طويلا، فالتفت فإذا هو بعمر يبكي، فقال: «يا عمر ههنا تشكب العبرات» [ (٥) ] .
وروى مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما: أن رسول الله ﷺ تلا قول الله في إبراهيم ﷺ : «رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [ (٦) ] [إبراهيم ٣٦] .
стр. 2895
وروى الشيخان وأبو داود عن عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : اقرأ عليّ القرآن، فقلت: يا رسول الله: أقرأ عليك وعليك أنزل؟ قال: أشتهي أن أسمعه من غيري [ (١) ] .
وروى أبو يعلى، وابن أبي شيبة، والنّسائي في الكبير عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ قال: اقرأ، فافتتح النساء حتى انتهى إلى قوله تعالى: فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً الآية، فدمعت عينا رسول الله ﷺ ، وقال: «حسبك» [ (٢) ] .
تنبيه: في بيان غريب ما سبق:
الأزيز: بزاءين بينهما مثناة تحتية: صوت ينشأ عن البكاء من كثرة الحزن.
الرّحى: براء، فحاء مهملتين: معروفة، مقصورة، مؤنثة، وتثنيتها رحيان والجمع: أرحاء، وأرح، وأنكر أبو حاتم أرح، ومن مد قال: رحاء ورحاءان وأرحية مثل غطاء، وغطاءان، وأغطية.
المرجل: بميم مكسورة، فراء ساكنة، فجيم مفتوحة: قدر من نحاس.
الشّهاب: بكسر المعجمة: الكوكب.
الثّاقب: المضيء.
هطّالتين: بهاء، فطاء مهملة مفتوحتين، فلام: بكاءين بدمع متتابع.
تذرف: بمثناة فوقية مفتوحة، فذال معجمة ساكنة، فراء، ففاء: يجري دمعها.
الثرى: بالمثلثة التراب.
стр. 2896
الباب السادس عشر في زهده في الدنيا ﷺ ، وورعه، واختياره الفقر، وسؤاله ربه ﵎ أن يكون مسكينا
قال الله : وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ، زَهْرَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ، وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقى.
وروى ابن عساكر عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: قال رسول الله ﷺ : «يا عائشة لو شئت لسارت معي جبال الذهب» [ (١) ] .
وروى أبو يعلى، وابن عساكر، والشيخان، والبيهقي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : «اللهم اجعل رزق آل محمد قوتا» [ (٢) ] .
وروى ابن سعد، والتّرمذي، وأبو الشيخ عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه وابن سعد وابن حبان عن أبي أمامة قال: قال رسول الله ﷺ : «عرض عليّ ربي بطحاء مكة ذهبا، فقلت:
لا يا رب، ولكني أجوع يوما، وأشبع يوما، فإذا شبعت حمدتك، وشكرتك، وإذا جعت تضرعت إليك، ودعوتك» [ (٣) ] .
وروى الإمام أحمد عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: التفت رسول الله ﷺ إلى أحد، فقال: «والذي نفسي بيده ما يسرني أن أحدا يحوّل لآل محمد ذهبا، أنفقه في سبيل الله، أموت يوم أموت ما أدع منه دينارين، إلا دينارين أعدّهما لدين إن كان» [ (٤) ] .
وروى البيهقي، وابن عساكر عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ قال: «لو عندي مثل أحد ذهبا ما سرني أن يأتي علي ثلاث ليال، وعندي منه شيء إلا شيئا أرصده لدين» .
وروى البخاري، وغيره عن أبي سعيد رضي الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ جلس على المنبر فقال: «إن عبدا خيّره الله تعالى أن يؤتيه من زهرة الدنيا وما عنده، فاختار ما عنده» ،
فبكى أبو بكر، وقال: فديناك بآبائنا وأمهاتنا، قال: فعجبنا له فقال الناس: انظروا إلى هذا الشيخ
стр. 2897
يخبر رسول الله ﷺ عن عبد خيّر، وكان رسول الله ﷺ هو المخيّر، وكان أبو بكر أعلمنا به [ (١) ] .
وروى أبو ذر الهروي عن أم سلمة رضي الله تعالى عنها قالت: نام رسول الله ﷺ على وسادة حشوها ليف، فقام وقد أثر بجلده، فبكيت فقال: «يا أم سلمة ما يبكيك؟» قلت: ما أرى من أثر هذه، فقال: «لا تبكي، لو أردت أن تسير معي هذه الجبال لسارت» .
وروى عن عطاء بن يسار رحمه الله تعالى قال: قال رسول الله ﷺ : «أتتني الدنيا خضرة حلوة، ورفعت إلى رأسها، وتزينت لي، فقلت لها: إني لا أريدك لا حاجة لي فيك، فقالت: إنك إن نلت مني لم ينفلت مني غيرك» [ (٢) ] .
وروى الإمام أحمد، وابن حبان عن أبي هريرة، ويعقوب بن سفيان وابن مردويه عن ابن عباس أن جبريل جلس إلى رسول الله ﷺ عليهما، فنظر إلى السماء، فإذا ملك ينزل، فقال جبريل: إن هذا ملك ما نزل منذ خلق قبل الساعة، فلما نزل قال: يا محمد أن الله تعالى يخيرك بين أن تكون نبيا عبدا أو تكون نبيا ملكا، فالتفت رسول الله ﷺ إلى جبريل كالمستشير له، فأشار جبريل إلى رسول الله ﷺ أن تواضع لربك، فقال رسول الله ﷺ : «بل أكون نبيا عبدا» ، قال ابن عباس: فما أكل بعد تلك طعاما متكئا حتى لقي ربه» [ (٣) ] .
وروى الطبراني عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لقد هبط علي ملك من السماء ما هبط على نبي قبلي، ولا يهبط على أحد بعدي، وهو إسرافيل، فقال: أنا رسول ربك إليك أمرني أن أخيرك: إن شئت نبيا عبدا وإن شئت نبيا ملكا، فنظرت إلى جبريل فأومأ إلي أن تواضع، فلو أني قلت: نبيا ملكا لسارت الجبال معي ذهبا» [ (٤) ] .
وروى البرقاني وابن أبي شيبة، وابن جرير، عن خيثمة قال: قيل للنبي ﷺ أن شئت أعطيناك خزائن الأرض، ومفاتيحها، ما لم يعط شيء قبلك، ولا نعطيها أحدا بعدك، ولا ينقصك ذلك مما عند الله شيئا، وإن شئت جمعتها لك في الآخرة، فقال: «اجمعوها لي في الآخرة» [ (٥) ] .
стр. 2898
وروى ابن المبارك عن أبي أمامة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : «عرض علي ربي ليجعل لي بطحاء مكة ذهبا، فقلت: يا رب، ولكن أشبع يوما، وأجوع يوما، أو قال: ثلاثة، أو نحو هذا، فإذا جعت تضرعت إليك، وإذا شبعت حمدتك، وشكرتك.
وروى ابن المبارك والترمذي عن أبي سعيد رضي الله تعالى عنه قال: أحبّوا المساكين، فإني سمعت
رسول الله ﷺ يقول: «اللهم أحيني مسكينا، وأمتني مسكينا، واحشرني في زمرة المساكين» [ (١) ] .
وروى ابن عدي عنه أيضاً قال: يا أيها الناس، لا يحملنكم العسر على طلب الرزق من غير حلّه، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «اللهم توفّني فقيرا، ولا توفني غنيا، واحشرني في زمرة المساكين، فإن أشقى الأشقياء من اجتمع عليه فقر الدنيا، وعذاب الآخرة» [ (٢) ] .
وروى الإمام أحمد، وأبو يعلى، وتمّام الرازي، وابن عساكر وأبو داود الطّيالسي، والترمذي- وصححه- عن ابن مسعود- رضي الله تعالى عنه قال: اضطجع رسول الله ﷺ على حصير فأثر في جنبه، فلما استيقظ جعلت أمسح عنه، فقلت: يا رسول الله ألا آذنتنا فبسطت شيئا يقيك منه، تنام عليه، فقال: «ما لي وللدنيا، ما أنا والدنيا إلا كراكب سار في يوم صائف، فقال تحت شجرة ثم راح وتركها» [ (٣) ] .
وروى الشيخان وأبو الحسن بن الضحاك عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قال: دخلت على رسول الله ﷺ فإذا هو متكئ على رمال حصير قد أثر في جنبه، فرفعت رأسي في البيت، فو الله ما رأيت فيه شيئا يرد البصر، إلا أهب ثلاثة معلقة، وصبرة من شعير، فهملت عينا عمر فقال: ما لك؟ فقلت يا رسول الله أنت صفوة الله من خلقه، وكسرى وقيصر فيما هما فيه؟ فجلس محمرا وجهه، فقال: «أفي شك أنت يا ابن الخطاب؟ ثم قال: أولئك قوم عجلت لهم طيباتهم في حياتهم الدنيا، أما ترضى أن تكون لهم الدنيا، ولنا الآخرة؟» قلت:
بلى، يا رسول الله، فأحمد الله ، زاد أبو الحسن بن الضحاك: يا عمر لو شاء أن يسيّر الجبال الراسيات معي ذهبا لسارت [ (٤) ] .
وروى ابن أبي شيبة عن رجل من بني سالم أو فيهم أن رسول الله ﷺ أتي بهدية،
стр. 2899
فنظر، فلم يجد شيئا يجعلها فيه، فقال: «ضعه في الحضيض، فإنما هو عبد يأكل كما يأكل العبد، ويشرب كما يشرب العبد، لو كانت الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة ما سقي الكافر منها ماء [ (١) ] .
وروى البخاري وغيره عن ابن عباس قال: خرج أبو بكر في الهاجرة إلى المسجد فسمع بذلك عمر فخرج، فقال: يا أبا بكر ما أخرجك في هذه الساعة؟ قال: لا، والله ما أخرجني إلا الجوع، فقال: أنا والذي نفسي بيده، ما أخرجني غيره،
فبينما هما كذلك إذ خرج عليهما رسول الله ﷺ [فقال «ما أخرجكما من بيوتكما هذه الساعة؟» ] فقالا: الجوع فقال: «أنا والذي نفسي بيده ما أخرجني غيره،» فقاموا، فانطلقوا حتى أتوا باب أبي أيوب الأنصاري، فذكر الحديث في إتيان رسول الله ﷺ ، وأبي بكر، وعمر بيت أبي أيوب وذبحه لهم شاة، وطبخه لها، قال: فأخذ رسول الله ﷺ من الشاة، ووضعه على رغيف، وقال: «يا أبا أيوب أبلغ هذا فاطمة، فإنها لم تصب مثل هذا منذ أيام» [ (٢) ] .
وروى مسلم عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: رأى أبو طلحة رسول الله ﷺ مضطجعا في المسجد يتقلب على ظهر لبطن وأظنه جائعا وذكر الحديث.
وروى أبو الحسن بن الضحاك عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: ما أعجب رسول الله ﷺ بشيء من الدنيا، ولا أعجبه شيء من أمر الدنيا إلا أن يكون ذا تقى [ (٣) ] .
وروى الإمام أحمد، وأبو يعلى، والبيهقي بسند جيد عن أنس رضي الله تعالى عنه قال:
دخلت على رسول الله ﷺ وهو على سرير مرمول بالشّريط، وتحت رأسه وسادة من أدم، حشوها ليف، فدخل عمر بن الخطاب في نفر معه، فانحرف رسول الله ﷺ انحرافة، فلم ير عمر بين جنبيه وبين الشريط ثوبا، وقد أثر الشريط بجنب رسول الله ﷺ ،
فبكى عمر، فقال رسول الله ﷺ : «ما يبكيك يا عمر؟ فقال: والله ما أبكي إلا لكوني أعلم أنك رسول الله، أكرم على الله من كسرى وقيصر، وهما يعيشان في الدنيا فيما يعيشان فيه، وأنت رسول الله بالمكان الذي أرى، فقال رسول الله ﷺ : يا عمر أما ترضى أن تكون لهم الدنيا، ولنا الآخرة،» قال: بلى، قال: «فإنه كذلك» [ (٤) ] .
وروى الإمام أحمد عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: دخل عمر على
стр. 2900
رسول الله ﷺ ، وهو متكئ على حصير قد أثر في جنبه، فقال: يا رسول الله لو اتخذت فراشا أدثر من هذا، فقال: «ما لي وللدنيا، ما مثلي ومثل الدنيا إلا كراكب استظل في يوم صائف، فاستظل تحت شجرة ساعة من نهار، ثم راح وتركها» [ (١) ] .
وروى البزار عن زيد بن أرقم رضي الله تعالى عنه قال: كنا مع أبي بكر رضي الله تعالى عنه إذا استسقى، فأتي بماء وعسل، فلما وضعه على يديه بكى وانتحب، حتى ظننا أن به شيئا، ولا نسأله عن شيء، فلما فرغ قلنا: يا خليفة رسول الله ﷺ ، ما حملك على هذا البكاء؟
قال: بينما أنا مع رسول الله ﷺ رأيته يدفع عن نفسه شيئا ولا أرى شيئا، فقلت: يا رسول [الله] ما الذي أراك تدفع عن نفسك، ولا أرى شيئا؟ قال: «الدنيا تطلعت لي،» فقلت:
إليك عني، فقال لي: «أما إنك لست بمدركي،» قال أبو بكر: فشق عليّ، وخشيت أن أكون قد خالفت أمر رسول الله ﷺ ، ولحقتني الدنيا [ (٢) ] .
وروى الحسن بن عرفة [ (٣) ] في جزئه المشهور، وابن عساكر عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: دخلت علي امرأة من الأنصار فرأت على فراش رسول الله ﷺ عباءة خشنة، فانطلقت، فبعثت إلي بفراش حشوه الصوف، فدخل رسول الله ﷺ فقال: «ما هذا يا عائشة؟» فقلت: يا رسول الله فلانة الأنصارية دخلت، فرأت فراشك، فذهبت، فبعثت إليّ بهذا الفراش، فقال: «ردّيه،» قالت: فلم أردّه، وقد أعجبني أن يكون في بيتي، حتى قال ذلك مرات، فقال: «ردّيه يا عائشة، فو الله لو شئت لأجرى الله معي الجبال ذهبا وفضة» [ (٤) ] .
وروى الإمام أحمد في الزهد عن إسماعيل بن أميّة قال: صنعت عائشة لرسول الله ﷺ فراشين، فأبى أن يضطجع على واحد.
وروى ابن مردويه عن ابن مسعود، وابن مردويه والدّماميني عن أبي الدرداء، وأبيّ ذر، وسعيد بن منصور، وابن المنذر عن أبي مسلم الخولاني، أن رسول الله ﷺ قال: «ما أوحى الله إلى أن أجمع المال، وأكون من التاجرين، ولكن أوحي إلي أن» فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ، وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ [ (٥) ] .
стр. 2901
وروى الإمام أحمد، وابن عساكر عن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنه قال وهو يعظ: لقد أصبحتم، وأمسيتم ترغبون فيما كان رسول الله ﷺ يزهد فيه، والله ما أتت على رسول الله ﷺ ليلة من زهده إلا كان الذي عليه أكثر من الذي له.
وروى ابن حبان عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: اتخذت لرسول الله ﷺ فراشين حشوهما ليف وإذخر فقال: «يا عائشة ما لي وللدنيا أنما أنا والدنيا بمنزلة رجل نزل تحت شجرة في ظلها، حتى إذا فاء الفيء ارتحل، فلم يرجع إليها أبدا [ (١) ] » .
وروى الإمام أحمد عنها قالت: ما رأيت رسول الله ﷺ يتّقي إلى فرش قط، إلا أني أذكر أن يوم مطر ألقينا تحته بتا فكأني أنظر إلى خرق فيه ينبع منه الماء [ (٢) ] .
وروى سعيد بن منصور عنها قالت: كان لرسول الله ﷺ فراش رثّ غليظ، فأردت أن أجعل له فراشا آخر ليكون أوطأ لرسول الله ﷺ ، فجعلته فقال: ما هذا يا عائشة؟» فقلت:
رأيت فراشك رثّا غليظا، فأردت أن يكون هذا أوطأ لك، فقال: «أخّريه، اثنتين، والله لا أقعد عليه حتى ترفعيه قال: فرفعت الأعلى الذي صنعت» [ (٣) ] .
وروى الإمام أحمد عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: كان رسول الله ﷺ يبيت الليالي المتتابعة طاويا وأهله لا يجدون عشاء، وكان عامة خبزهم الشعير [ (٤) ] .
وروى الترمذي عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: دخلت على رسول الله ﷺ وهو على حصير، قد أثر الشريط في جنبه، فقلت: لو نمت يا رسول الله على ما هو ألين من هذا، فقال: «ما لي وللدنيا، إنما مثلي ومثل الدنيا كمثل راكب مر بأرض فلاة، فرأى شجرة، فاستظل تحتها، ثم راح وتركها» [ (٥) ] .
وروى أبو عبد الرحمن السّلمي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه دخل علي رسول الله ﷺ وهو على حصير، قد أثر في جنبه، فقال: يا رسول الله لو اتخذت فراشا ألين من هذا، فقال: «ما لي وللدنيا، إنما مثلي ومثل الدنيا كراكب سار في يوم صائف، حتى أتى شجرة، ثم راح» .
وروى الإمام أحمد، والبيهقي في الشعب عن ثوبان رضي الله تعالى عنه قال: كان
стр. 2902
رسول الله ﷺ إذا سافر آخر عهده بإنسان من أهله فاطمة وأول من يدخل عليه إذا قدم فاطمة، فقدم من غزاة له، فأتاها، فإذا هو بمسح على بابها، ورأى على الحسن والحسين قلبين من فضة، فرجع، ولم يدخل لها، فلما رأت ذلك فاطمة ظنت أنه لم يدخل عليها من أجل ما رأى، فهتكت الستر، ونزعت القلبين من الصبيين، فقطعتهما، فبكى الصبيّان، فقسمته بينهما، فانطلقا إلى رسول الله ﷺ ، وهما يبكيان، فأخذه ﷺ ، فقال: «يا ثوبان، اذهب بهذا إلى بني فلان أهل بيت بالمدينة واشتر لفاطمة قلادة من عصب وسوارا من عاج قال: هؤلاء أهل بيتي، ولا أحب أن يأكلوا طيباتهم في حياتهم الدنيا» [ (١) ] .
وروى الإمام أحمد، والبيهقي في الشعب، وابن أبي حاتم والدّيلمي عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: ظل رسول الله ﷺ صائما، ثم طوى، ثم ظل صائما، قال: «يا عائشة إن الدنيا لا تنبغي لمحمد، ولا لآل محمد، يا عائشة إن الله تعالى لم يرض من أولي العزم من الرسل إلا بالصبر على مكروهها، والصبر على محبوبها، ثم لم يرض مني إلا أن يكلفني ما كلفهم، فقال: فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ واللَّه لأصبرن جهدي، ولا قوة إلا بالله» [ (٢) ] .
وروى الإمام أحمد، والشيخان عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: كان رسول الله ﷺ ليصيب التّمرة فيقول: «لولا أخشى أنها من الصدقة لأكلتها» [ (٣) ] .
وروى الإمام أحمد برجال ثقات عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أن رسول الله ﷺ وجد تمرة تحت جنبه من الليل فأكلها، فلم ينم تلك الليلة، فقالت بعض نسائه: يا رسول الله أرقت البارحة، قال: «إني وجدت تمرة فأكلتها، وكان عندي تمر من تمر الصدقة، فخشيت أن تكون منه» [ (٤) ] .
وروى الطبراني عن ابن حازم الأنصاري رضي الله تعالى عنه قال: أتى رسول الله ﷺ يوم بدر بنطع فقيل استظل به يا رسول الله فقال: «أتحبون أن أستظل بينكم بظل من نار يوم القيامة» [ (٥) ] .
وروى الحميدي عن حبيب بن أبي ثابت عن خيثمة قال: قيل يا رسول الله ﷺ إن
стр. 2903
شئت أعطيناك خزائن الدنيا [ (١) ] ، ومفاتيحها لم نعطها أحدا قبلك، ولا نعطيها أحدا بعدك، لا ينقصك ذلك عند الله شيئا، فقال: «اجمعوها لي في الآخرة» ، فأنزل الله تَبارَكَ الَّذِي إِنْ شاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْراً مِنْ ذلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُوراً [ (٢) ] .
وروى ابن أبي شيبة في المصنف عن عطاء بن يسار قال: تعرضت الدنيا للنبي ﷺ فقال: «إني لست أريدك، قالت: إن لم تردني فسيريدني غيرك» [ (٣) ] .
وروى أبو القاسم البغوي عن عائشة رضي الله تعالى عنها أن امرأة أهدت لرسول الله ﷺ فرشا فأبى أن يقبله، وقال: «لو [شئت] أن تسير معي جبال الذهب والفضة لسارت» [ (٤) ] .
وروى الإمام أحمد في الزهد، وابن أبي حاتم، والحاكم، وابن مردويه، عن أم عبد الله بنت شداد بن أوس رضي الله تعالى عنها أنها بعثت إلى رسول الله ﷺ بقدح لبن عند فطره، وهو صائم فرد إليها رسولها، أنى لك هذا اللبن؟ قالت: من شاة لي، فرد إليها رسولها، أنى لك الشاة؟ فقالت: اشتريتها من مالي، فشرب منه، فلما كان من الغد أتته أم عبد الله، فقالت: يا رسول الله بعثت إليك بلبن، فرددت إليّ الرسول فيه، فقال لها: «بذلك أمرت الرسل لا تأكل إلا طيبا، ولا تعمل إلا صالحا،
ونسأل الله التوفيق ويرحم الله «البوصيري» حيث قال:
وراودته الجبال الشّم من ذهب ... عن نفسه فأراها أيّما شمم
وأكّدت زهده فيها ضرورته ... إنّ الضّرورة لا تعدو على العصم
وكيف تدعو إلى الدّنيا ضرورة من ... لولاه لم تخرج الدّنيا من العدم
تنبيه: في بيان غريب ما سبق:
الزهد: بزاي مضمومة، فهاء ساكنة، فدال: زهد في الشيء تركه مع الرغبة فيه.
الورع: بفتح الواو والراء: التحرّج ليخرج من الإثم والكف عما هو قاصده.
الفقر: بفاء مفتوحة، فقاف ساكنة، فراء: ضد الغنى، والفقير: من لم يجد كفاية عياله، أو لم يجد القوت، والمسكين: من أذله الفقر أو غيره من الأحوال، أو الصغير السن الذي لا حرفة له أوله حرفة لا تقع بحاجته موقعا، والمسكين: السائل، وله حرفة تقع موقعا ولا تغنيه، أو الفقير: من له بلغة والمسكين: لا شيء له، أو هو أحسن حالا من الفقير، أو هما سواء.
стр. 2904
القوت: بقاف مضمومة، فواو ساكنة، فمثناة فوقية: المسكة من الرزق.
زهرة الدنيا: بزاي مفتوحة، فهاء ساكنة، فراء، فتاء تأنيث: حسنها، وبهجتها أو من خيرها.
الوسادة: بواو مكسورة، فسين، فدال مهملتين فمثناة فوقية: المتّكأ والمخدة، وجمعها وسد، ووسائد.
اللّيف: بلام مكسورة، فمثناة تحتية، ففاء: ورق النخل.
خضرة: بخاء مضمومة، فضاد ساكنة معجمتين، فراء مهملة، فتاء: معروفة، واحدة الخضر.
حلوة: بحاء مهملة مضمومة، فلام ساكنة، فواو مفتوحة، فتاء تأنيث: خزائن الأرض ومفاتيحها.
أرمال حصير: الرّمل: نسج الحصير، أو السرير بالسعف، وكلاهما يؤثر في جنب النائم من غير وطاء.
أهبة: بهمزة مضمومة، فهاء ساكنة، فموحدة مفتوحة، فتاء تأنيث: العدة.
الصّبرة: بصاد مهملة مضمومة فموحدة ساكنة، فراء مهملة، فمثناة فوقية: ما جمع من الطعام بغير كيل.
الحضيض: بحاء مهملة مفتوحة، فضادين معجمتين، أولاهما مكسورة، وبينهما تحتية:
قرار الأرض، وأسفل الجبل.
الرّقم: براء مفتوحة فقاف ساكنة فميم: النقش.
الاضطجاع: بهمزة مكسورة، فضاد معجمة ساكنة، فطاء مهملة، فجيم، فألف فعين مهملة: النوم.
الشريط أدثر: بهمزة مفتوحة، فدال مهملة ساكنة، فمثلثة فراء: أي أقدم.
الإذخر: بهمزة مكسورة، فذال ساكنة، فخاء مكسورة معجمتين، فراء: حشيشة طيبة الرائحة يسقف بها البيوت فوق الخشب وهمزتها زائدة.
الفيء: بفاء مفتوحة، فتحتية ساكنة، فهمزة مضمومة: الظل بعد الزوال، لأنه يرجع من جانب المغرب إلى جانب المشرق.
стр. 2905
البتّ: قال مالك بن مغول [ (١) ] أحد رواته البت النطع.
الرّتّ: براء فمثلثة: الخلق البالي.
المسح: بكسر الميم وسكون المهملة لباس من شعر.
قلبين: بقاف فلام مضمومتين، فمفتوحة موحدة تثنية قلب بضمتين: وهو سوار المرأة.
القلادة: بقاف مكسورة فلام فألف فدال مهملة فتاء تأنيث.
العصب: بعين مهملة مفتوحة، فصاد ساكنة مهملتين، فموحدة قال الخطابي أن لم يكن البنات اليمانية، فلا أدري ما هي، وما أدري أن القلادة تكون منها، وقال أبو موسى:
يحتمل عندي أن الرواية إنما هي العصب بفتح الصاد: وهي أطناب الحيوانات، وهي شيء معدّ يحتمل أنهم كانوا يأخذون عصب بعض الحيوانات الظاهرة، فيقطعونه، ويجعلونه شبه الخرز، فإذا يبست يتخذون منه القلائد، قال في النهاية: ثم ذكرني بعض أهل اليمن أن العصب من دابة بحرية تسمى فرس فرعون، يتخذ منها الخرز، ونصاب سكين وغيره وقيل الشيء يتخذ من ظهر السلحفاة البحرية ويكون أبيض، فأما العاج بعين مهملة، فألف فجيم الذي هو عظم الفيل فنجس عند الشافعي، وطاهر عند أبي حنيفة.
стр. 2906
الباب السابع عشر في قناعته باليسير وسؤاله ربه ﵎ أن يجعل رزقه قوتا، ورغبته أن يكون مسكينا
وروى الشيخان عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : «اللهم اجعل رزق آل محمد قوتا» [ (١) ] .
وروى بقي بن مخلد في مسنده عن يونس بن أبي يعقوب عن أبيه عن ابن عمر أن عمر ابن الخطاب رضي الله تعالى عنه دخل عليه وهو على مائدته، فأوسع له عن صدر المجلس فقال: باسم الله، ثم ضرب بيده، ولقم لقمة ثم ثنى بأخرى، ثم قال: إني لأجد طعم دسم، ما هو بدسم اللحم، فقال عبد الله: يا أمير المؤمنين إني خرجت إلى السوق أطلب السمين لأشتريه فوجدته غاليا، فاشتريت من المهزول بدرهم، وإني عملت عليه بدرهم سمنا، فقال عمر: ما اجتمعا عند رسول الله ﷺ قط إلا أكل أحدهما، وتصدق بالآخر، فقال عبد الله يا أمير المؤمنين: فلن يجتمعا عندي إلا فعلت ذلك، قال: ما كنت بالذي تفعل.
وروى ابن الجوزي عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: ما رفع رسول الله ﷺ عشاء لغذاء، ولا غذاء لعشاء، ولا يتخذ من شيء زوجين، لا قميصين، ولا رداءين، ولا إزارين، ولا من النعال، ولا رئي فارغا قط في بيته، إمّا يخصف نعلا لرجل مسكين أو يخيط ثوبا لأرملة [ (٢) ] .
وروى ابن المبارك في الزهد عن الأوزاعي قال: قال رسول الله ﷺ : «ما أبالي ما رددت به عن الجوع» [ (٣) ] .
وروى عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: دخل رسول الله ﷺ يوم فتح مكة على أم هانئ بنت أبي طالب، وكان جائعا فذكر الحديث، وفيه فقال رسول الله ﷺ : «هل عندك طعام آكل» فقالت: إن عندي لكسرة يابسة، وإني أستحي أن أقدمها، قال: «هلمّيها فكسرها في ماء» ، فجاءته بملح، فقال: «ما من أدم؟» فقالت: ما عندي يا رسول الله إلا شيء من خل، فقال: «هلمّيه» ، فلما جاءت صبّه على طعامه، وأكل، ثم حمد الله تعالى، ثم قال:
«نعم الأدم الخل يا أم هانئ لا يفتقر بيت فيه خل» [ (٤) ] .
стр. 2907
وروى أبو بكر بن أبي خيثمة عن السائب بن يزيد عن خالته قالت: دخلنا على رسول الله ﷺ ، وبين يديه طبق خوص، فيه خبز وقديد، قالت: فلما فرغ انحرف إلى فخّارة فتوضأ منها، فابتدرنا وضوءه، فمنا من مضمض، ومنّا ما سكب على وجهه.
وروى أبو الحسن بن الضحاك عن عتبة بن غزوان رضي الله تعالى عنه قال: لقد رأيتني سابع سبعة مع رسول الله ﷺ ، وما لنا طعام إلا أوراق الشجر، حتى تقرّحت أشداقنا.
وروى الإمام أحمد عن أسماء بنت عميس، وكانت صاحبة عائشة التي خبّأتها فأدخلتها على رسول الله ﷺ في نسوة، فما وجدنا عنده إلا قوتا، إلا قدحا من لبن، فتناول فشرب منه، ثم ناوله عائشة فاستحيت منه، فقلت: لا تردي يد رسول الله ﷺ ، فأخذته فشربته، ثم قال:
«ناولي صواحبك» ، فقلت: لا نشتهيه، فقال: «لا تجمعن كذبا وجوعا» ، فقلت: إن قالت إحدانا لشيء تشتهيه لا أشتهي، أيعد ذلك كذبا؟ فقال: «إن الكذب يكتب كذبا، حتى الكذيبة تكتب كذيبة» [ (١) ] .
تنبيه: في بيان غريب ما سبق:
الرّغبة: براء مفتوحة، فغين معجمة ساكنة، فموحدة مفتوحة، فتاء تأنيث: الحرص على الشيء، والطمع فيه، والرغبة والسؤال والطلب.
الرّزق: براء مكسورة، فزاي ساكنة، فقاف: ما ينتفع به.
المائدة: سيأتي الكلام عليها مبسوطا.
الرّداء: براء مكسورة، فدال مهملة، فألف، فهمزة وهو ممدود: الثوب يجعله الإنسان على عاتقيه، وبين كتفيه فوق ثيابه.
الإزار: بهمزة مكسورة فزاي فألف فراء: الملحفة.
الأرملة: بهمزة مفتوحة فراء ساكنة فميم فلام مفتوحتين فتاء تأنيث: التي مات زوجها غنية كانت أو فقيرة.
الفخّارة: بفاء مفتوحة، فخاء معجمة، فراء: الجرّة.
ابتدرنا: بهمزة وصل فموحدة، فمثناة فوقية، فدال مهملة: عاجلنا.
تقرحت أشداقنا: بمثناة فوقية، فقاف، فراء، فحاء مهملتين: تخرقت.
القدح: بقاف فدال مفتوحتين، فحاء مهملة: آنية تروي الرجلين، أو اسم جمع يجمع الصغار والكبار.
стр. 2908
الباب الثامن عشر في أنه كان لا يدّخر شيئاً لغد، وما جاء أنه ادخر قوت سنة لعياله ﷺ
روى البخاري عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: كان رسول الله ﷺ لا يدّخر شيئاً لغد [ (١) ] .
وروى الإمام أحمد وأبو يعلى بسند جيد عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: نظر رسول الله ﷺ إلى أحد فقال: «ما يسرني أنه ذهب لآل محمد، أنفقه في سبيل الله، أموت يوم أموت وعندي منه ديناران، إلا دينارين أعدهما للدّين إن كان» [ (٢) ] .
وروى ابن أبي شيبة في المصنف عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: كنت أخدم رسول الله ﷺ فقال يوما: «ما عندك شيء تطعمنا؟» قلت: نعم يا رسول الله، فضل من الطعام الذي كان أمس، قال: «ألم أنهك أن تدع طعام يوم لغد؟» .
وروى ابو سعد الماليني [ (٣) ] ، والخطيب عنه أيضاً قال: أهدى لرسول الله ﷺ طائران، وفي لفظ: طيران فقال: «ما هذا؟» قال بلال: خبأته لك يا رسول الله، فقال: «يا بلال لا تخف من ذي العرش إقلالا. أن الله تعالى سيأتي برزق كل غد، ألم أنهك أن تدخر شيئا لغد؟» [ (٤) ] .
وروى ابن حبان والبيهقي عن أم سلمة رضي الله تعالى عنها قالت: دخل علي رسول الله ﷺ وهو ساهم الوجه قالت: حسبت ذلك من وجع، قلت: ما لي أراك ﷺ ساهم الوجه؟ قال: «من أجل الدنانير السبعة التي أتتنا بالأمس، ولم نقسمها» [ (٥) ] .
وروى البيهقي، والبزار، والطبراني، وأبو يعلى عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: دخل رسول الله ﷺ على بلال فوجد عنده صبرة من تمر، فقال: «ما هذا يا بلال؟» فقال: تمر أدخره، فقال: «ويحك يا بلال، أو ما تخاف أن يكون له بخار في النار؟ أنفق يا بلال، ولا تخش من ذي العرش إقلالا» .
وروى ابن سعد والبيهقي أن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت لأبي أمامة بن سهل بن
стр. 2909
حنيف، وعروة بن الزبير: لو رأيتما رسول الله ﷺ في مرض له، وكانت عندي ستة دراهم أو سبعة، قالت: فأمرني نبي الله ﷺ أن أفرقها، قالت: فشغلني وجع النبي ﷺ حتى عافاه الله، ثم سألني عنها، فقال: «ما فعلت، أكنت فرقت الستة الدنانير أو السبعة؟» فقلت: لا، والله، لقد كان شغلني وجعك، قالت: فدعا بها، فوضعها في كفه، فقال: «ما ظن نبي الله لو لقي الله وهذه عنده؟»
وتقدمت أحاديث في باب فقراء مكة.
وروى البزار عن أبي سعيد، والبزار، والطّبراني عن سمرة بن جندب، والطبراني، والبزّار بسند حسن- والإمام أحمد، وأبو يعلى- برجال ثقات- والبزّار والإمام أحمد- بسند حسن- عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ خرج على أصحابه ذات يوم، وفي يده قطعة من ذهب، فقال لعبد الله بن عمر: ما كان قال لربه إذا مات وهذه عنده؟ فقسمها قبل أن يموت رسول الله ﷺ ، والتفت إلى أحد، فقال: «والذي نفسي بيده ما يسرني أن يحول هذا ذهبا وفضة لآل محمد، أنفقه في سبيل الله، أبقي بعد صبح ثلاثة، وعندي منه شيء، إلا شيئا أعده لدين» ، وفي لفظ:
«أموت يوم أموت أدع منه دينارين، إلا دينارين أعدهما لدين أن كان» ،
قال ابن عباس: فمات رسول الله ﷺ ، وما ترك دينارا، ولا درهما، ولا عبدا، ولا وليدة، وترك درعه مرهونة عند رجل من اليهود رهنا بثلاثين صاعا من شعير، كان يأكل منها ويطعم عياله [ (١) ] .
وروى الطبراني والبزّار عن بلال رضي الله تعالى عنه قال: دخل رسول الله ﷺ ، وعندي شيء من تمر، فقال: «ما هذا؟» فقلت: ادخرنا لشتائنا، فقال: «أما تخاف أن ترى له بخارا في جهنم؟» [ (٢) ] .
وروى البزار، والطبراني- بسند حسن- عن عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: دخل رسول الله ﷺ على بلال، وعنده صبرة من تمر، فقال: «ما هذا يا بلال» ، قال:
أعددت ذلك لأضيافنا، قال: «أما تخشى أن يكون له بخار في نار جهنم؟ أنفق بلال، ولا تخش من ذي العرش إقلالا» .
وروى أبو ذر الهروي في دلائله عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: قال رسول الله ﷺ : «يا بلال أطعمنا» ، قال: ما عندي إلا صبرة من خبز. خبأته لك، قال: «أما إن الله يجعل له بخارا في نار جهنم أنفق ولا تخش من ذي العرش إقلالا» .
وروى البخاري عن أبي ذر رضي الله تعالى عنه قال: كنت أمشي مع رسول الله ﷺ في صرّة المدينة فاستقبلنا أحدا، فقال: يا أبا ذر» ، قلت: لبّيك يا رسول الله، قال: «ما يسرني أن
стр. 2910
عندي مثل أحد ذهبا، تمضي على ثلاثة، وعندي منه دينار، إلا شيئا أرصده لدين، إلا أن أقول في عباد الله هكذا، وهكذا» ،
وروي عن أبي هريرة نحوه.
وروى أبو بكر الحميدي عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: خرجت مع رسول الله ﷺ حتى دخل بعض حيطان الأنصار، فجعل يلتقط من التمر، ويأكل، فقال لي:
«يا ابن عمر ما لك لا تأكل؟» قلت يا رسول الله لا أشتهيه، قال: «لكني أشتهيه، وهذه صبح رابعة لم أذق طعاما، ولم أجده، ولو شئت لدعوت ربي فأعطاني مثل ملك كسرى وقيصر، فكيف بك يا ابن عمر إذا بقيت في قوم يحبون رزق سنتهم ويضعفون؟ قال: فو الله ما برحنا، ولا زمنا حتى نزلت: وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُها وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [العنكبوت ٦٠] فقال رسول الله ﷺ : «لم يأمرني بكنز الدنيا، ولا اتباع الشهوات، فمن كنز دنياه يريد بها حياة باقية، فإن الحياة بيد الله، ألا وإني لا أكنز دينارا، ولا درهما، ولا أخبّىء رزقا لغد» .
تنبيهات
الأول: قال الحافظ بن عبد الله البجلي: سألت نعيم بن حماد قلت: جاء عن رسول الله ﷺ إنه لم يشبع في يوم من خبز مرتين، وجاء عنه أنه كان يعد لأهله قوت سنة، فكيف هذا؟ قال: كان يعد لأهله قوت سنة، فتنزل النازلة، فيقسمه، فيبقى بلا شيء.
الثاني: قال الحافظ بن كثير: المراد أنه كان لا يدخر شيئا مما يسرع إليه الفساد كالأطعمة ونحوها، لما ثبت في الصحيحين عن عمر رضي الله تعالى عنه قال: كانت أموال بني النضير مما أفاء الله تعالى على رسول الله ﷺ مما لم يوجف المسلمون عليها بخيل ولا ركاب، فكان يعزل نفقة أهله سنة، ثم يجعل ما بقي من الكراع والسلاح عدة في سبيل الله ، ومما يؤيد ما قلناه
ما رواه الإمام أحمد، وأبو يعلى- برجال ثقات- عن أنس قال: أهديت لرسول الله ﷺ ثلاثة طوائر فأطعم خادمه طائرا، فلما كان من الغد أتته به، فقال لها رسول الله ﷺ : «ألم أنهك أن ترفعي شيئا لغد؟ فإن الله تعالى يأتي برزق كل غد» .
الثالث: في بيان غريب ما سبق:
الادخار: تقدم الكلام عليه.
ساهم الوجه: بالمهملة: متغيره، وقد تقدم الكلام عليه.
البخار: بموحدة مضمومة، فخاء معجمة: النتن في الفم، وكل رائحة ساطعة بحدة.
الدرع: تقدم الكلام عليه.
الصاع: بصاد فألف، فعين مهملتين: خمسة أرطال وثلث أو ثمانية أرطال.
أرصده: بهمزة مفتوحة، فراء ساكنة، فصاد مضمومة، فدال مهملات.