← Сира

Сира · id 1693

سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد

الصالحي الشامي

Полный текст (5 757 стр.). Показаны 2836–2875 · переход к 2841.

стр. 2836

سر الله تعالى، يودعه قلب من شاء من عباده، فأول قلب أودعه قلب سيدنا محمد ﷺ ، لأنه أول الأنبياء خلقا، وصورته آخر صورة ظهرت من صور الأنبياء، ﵈، فهو أولهم وآخرهم، وقد جعل الله ﵎ أخلاق القلوب للنفوس أعلاما على أسرار القلوب، فمن تحقق قلبه بسر الله تعالى اتسعت أخلاقه لجميع خلق الله تعالى، ولذلك جعل الله تعالى لسيدنا محمد ﷺ جثمانية اختص بها من بين سائر العالمين، فتكون علامات اختصاص جثمانية آيات دالة على أحوال نفسه الشريفة، وعظم خلقه، وتكون علامات عظم أخلاقه آيات على أسرار قلبه المقدس. الخامس: قال الشيخ شهاب الدين السّهروردي رحمه الله تعالى في العوارف: لا يبعد أن قول عائشة رضي الله تعالى عنها: كان خلقه القرآن- فيه أمر غامض وإيماء خفي إلى الأخلاق الرّبّانية، فاحتشمت من الحضرة الإلهية أن تقول: كان متخلّقا بأخلاق الله تعالى، فعبرت عن المعنى بقولها: كان خلقه القرآن، استحياء من سبحات الجلالة، وسترا للحال بلطف المقال، وهذا من موفور عقلها، وكما أدبها، وقال غيره: أرادت بذلك اتصافه بما فيه من الاجتهاد في طاعة الله تعالى، والخضوع له، والانقياد لأمره، والتشديد على أعدائه، والتواضع لأوليائه، ومواساة عباده، وإرادة الخير لهم، إلى غير ذلك من أخلاقه الفاضلة. وقال آخر: فكما أن معاني القرآن لا تتناهي فكذلك أوصافه الحميدة الدالة على حسن خلقه العظيم لا تتناهى، إذ في كل حال من أحواله يتجدد له الكثير من مكارم الأخلاق، ومحاسن الشّيم، وما يفيضه الله عليه من معارفه، وعلومه، مما لا يعلمه إلا الله تعالى، فإذن التعرض لحصر جزئيات أخلاقه الحميدة تعرض لما ليس من مقدور الإنسان، ولا من ممكنات عادته. السادس: قول عائشة رضي الله تعالى عنها: ما انتقم ﷺ لنفسه أي خاصة، فلا يرد أمره بقتل عبد الله بن خطل، وعقبة بن أبي معيط [ (١) ] ، وغيرهما ممن كان يؤذيه، لأنهم كانوا مع ذلك ينتهكون حرمات الله تعالى. وقيل أرادت أنه لا ينتقم إذا أوذي من جفاء من رفع صوته عليه، والذي جبذ بردائه، حتى أثر في كتفه، وحمل الدّاودي عدم الانتقام على ما يختص بالمال، قال: وأما العرض فقد اقتص ممن نال منه قال: واقتص ممن لدّه في مرضه بعد نهيه ﷺ عن ذلك، بأن أمر بلدّهم،

стр. 2837

مع أنهم كانوا من ذلك تأولوا، إنما نهاهم على عادة البشرية من كراهة النفس للدواء قال الحافظ رحمه الله تعالى: كذا قال. السابع: في بيان غريب ما سبق: الفاحش: أي ليس ذا فحش في كلامه. ولا سخّابا: أي لا يرفع صوته بكثرة الصياح، لحسن خلقه، وكرم نفسه، وشرف طبعه، وروي بالصاد وهو بمعناه. ليس بفظ: بالظاء المعجمة المشالة: أي ليس بسيّء الخلق، والخشن من القول. الغليظ: بالمعجمة المشالة أي الجافي. الدّمث: السهل اللين، وليس بالجافي، ولا المهين بضم الميم: يريد أنه لا يحقر الناس ولا يهينهم، ويروى ولا المهين بفتح الميم، فإن كانت الرواية هكذا فإنه أراد ليس بالفظ الغليظ الجافي، ولا الحقير الضعيف. لا تزرموه: بفوقية مضمومة، فزاي فراء مكسورة، فميم: أي لا تقطعوا بوله. السّجل: بسين مهملة مفتوحة، فجيم ساكنة: فلام: الدّلو الملأى. يؤنب: بالبناء للمفعول: يلوم. قمام الأرض: هو جمع قمامة: ما تقمقمه من المرعى وأصله الكناسة. لدّه: بلام فدال مهملة مفتوحتين، فهاء: سقاه في أحد شقي الفم، والله تعالى أعلم.

стр. 2838

الباب الثالث في حلمه وعفوه مع القدرة له ﷺ قال الله : خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ [الأعراف ١٩٩] وقال : فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ [آل عمران ١٥٩] . روى أبو نعيم عن قتادة رحمه الله تعالى قال: طهر الله تعالى رسوله من الفظاظة والغلظة، وجعله قريبا، رؤوفا بالمؤمنين رحيما [ (١) ] . وروى ابن مردويه عن جابر وابن أبي الدنيا، وابن جرير، وابن أبي حاتم عن الشّعبي قال: لما أنزل الله : خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ الآية، قال: ما تأويل هذه الآية يا جبريل؟ قال: لا أدري حتى أسأل العالم، فصعد، ثم نزل، فقال: يا محمد أن الله ﵎ أمرك أن تعفو عمن ظلمك، وتعطي من حرمك، وتصل من قطعك. وروى البخاري عن عبد الله بن الزبير رضي الله تعالى عنهما في الآية مسائل: الأولى: قال: أمر رسول الله ﷺ أن يأخذ بالعفو عن أخلاق الناس [ (٢) ] . وروى البخاري عن جابر رضي الله تعالى عنه أنه غزا مع رسول الله ﷺ ، فلما قفل معه أدركتهم القائلة في واد كثير العضاة فنزل رسول الله ﷺ وتفرق الناس يستظلون بالشجر، ونزل رسول الله ﷺ تحت سمرة فعلق سيفه، ونمنا نومة، فإذا رسول الله ﷺ يدعونا، وإذا عنده أعرابي، فقال: «إن هذا اخترط عليّ سيفي، وأنا نائم، فاستيقظت وهو في يده فقال: من يمنعك مني؟» فقلت: الله ثلاثا، ولم يعاقبه وجلس [ (٣) ] .

стр. 2839

وروى الإمام أحمد والطبراني عن جعدة [ (١) ] رضي الله تعالى عنه قال: شهدت رسول الله ﷺ أتي برجل فقال: هذا أراد أن يقتلك، فقال رسول الله ﷺ : «لن تراع، لو أردت ذلك لم يسلطك الله عليّ» [ (٢) ] . وروى ابن أبي شيبة، والإمام أحمد وعبد بن حميد ومسلم والثلاثة عن أنس رضي الله تعالى عنه أن ثمانين رجلا من أهل مكة هبطوا على رسول الله ﷺ من قبل التنعيم متسلحين يريدون غرّة رسول الله ﷺ ، فدعا عليهم، فأخذهم سلما فعفا عنهم، واستحياهم [ (٣) ] . وروى النّسائي، وأبو داود عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: حدثنا رسول الله ﷺ يوما، ثم قام فقمت حين قام، فنظرنا إلى أعرابي قد أدركه، فجذبه بردائه، فحمّر رقبته، وكان رداؤه خشنا، فالتفت إليه رسول الله ﷺ ، فقال له الأعرابي: احملني على بعيري هذين، فإنك لا تحملني من مالك، ولا من مال أبيك، فقال له رسول الله ﷺ : «لا، وأستغفر الله، لا وأستغفر الله، لا وأستغفر الله لا أحملك حتى تقيدني من جبذتك» وكل ذلك يقول الأعرابي: والله لا أقيدكها، فذكر الحديث، وفيه: ثم دعا رسول الله ﷺ عمر رضي الله تعالى عنه فقال: احمل له على بعيريه هذين- على بعير تمرا، وعلى الآخر شعيرا، - ثم التفت إلينا، فقال: «انصرفوا على بركة الله تعالى [ (٤) ] » . وروى أبو الشيخ عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: لما فتح رسول الله ﷺ مكة طاف بالبيت وصلّى ركعتين، ثم أتى الكعبة فأخذ بعضادتي الباب فقال: «ما تقولون؟ وما تظنون؟» قالوا: أخ كريم وابن أخ كريم قالوا ذلك ثلاثا، فقال رسول الله ﷺ : «أقول كما قال أخي يوسف لإخوته» ﵇ لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ [يوسف ٩٢] فخرجوا، فكأنما نشروا من القبور، فأسلموا [ (٥) ] . وروى ابن عساكر عن الزهري عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قال: لما كان يوم فتح مكة أرسل رسول الله ﷺ إلى صفوان بن أمية، وأبي سفيان بن حرب، والحارث بن هشام، قال عمر رضي الله تعالى عنه فقلت: قد أمكنني الله منهم اليوم، لأعرفنهم بما صنعوا، فقال رسول الله ﷺ : «مثلي ومثلكم كما قال يوسف ﵇ لإخوته» :

стр. 2840

لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ، وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ، فانفضحت حياء من رسول الله ﷺ كراهية أن يكون يدري، وقد قال لهم رسول الله ﷺ ما قال [ (١) ] . وروى أبو الشيخ، وابن حبان عن جابر رضي الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ جعل يقبض يوم حنين من فضة في ثوب بلال، ويفرقها، فقال له رجل: يا رسول الله أعدل، فقال: «ويحك، من يعدل إذا أنا لم أعدل؟ قد خبت وخسرت إن كنت لا أعدل» فقال عمر رضي الله تعالى عنه: ألا أضرب عنقه فإنه منافق؟ فقال: «معاذ الله أن يتحدث أني أقتل أصحابي [ (٢) ] » . وروى مسلم عن عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: لما كان يوم حنين آثر رسول الله ﷺ ناسا في القسمة ليؤلفهم، فأعطى الأقرع بن حابس مائة من الإبل، وأعطى ناسا من أشراف العرب، وآثرهم يومئذ في القسمة، فقال رجل: إن هذه لقسمة ما عدل فيها، وما أريد بها وجه الله تعالى، قال: فقلت: والله لأخبرنّ رسول الله ﷺ ، فأتيته، فأخبرته بما قال، فتغير وجهه حتى كان كالصّرف، ثم قال: «فمن يعدل إن لم يعدل الله ورسوله؟ ثم قال: يرحم الله موسى ﵇، قد أوذي بأكثر من هذا فصبر [ (٣) ] » . وروى ابن حبان، والحاكم، عن عبد الله بن سلام رضي الله تعالى عنه: أن زيد بن سعية- وهو أحد علماء أهل الكتاب من اليهود- وقال النووي رحمه الله تعالى: هو أحد أحبار اليهود الذين أسلموا- قال: إنه لم يبق من علامات النّبوة شيء إلا وقد عرفتها في وجه محمد ﷺ حين نظرت إليه، إلا اثنتين لم أخبرهما منه: أن يسبق حلمه جهله، ولا تزيده شدة الجهل عليه إلا حلما، فكنت أتلطف له لأن أخالطه فأعرف حلمه، فابتعت منه تمرا معلوما إلى أجل معلوم، وأعطيته الثمن، فلما كان قبل محل الأجل بيومين أو ثلاثة، أتيته، فأخذت بجامع قميصه وردائه، ونظرت إليه بوجه غليظ، فقلت: يا محمد ألا تقضيني حقي؟ فو الله إنكم يا بني عبد المطلب لمطل، وقد كان لي بمخالطتكم علم فقال عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه: أي عدوّ الله، أتقول لرسول الله ﷺ ما أسمع؟ فو الله لولا ما أحاذر فوته لضربت بسيفي رأسك، ورسول الله ﷺ ينظر إلى عمر في سكون، وتؤدة، وتبسم، ثم قال: «أنا وهو كنا أحوج إلى غير هذا منك يا عمر، تأمرني بحسن الأداء، وتأمره بحسن التّباعة اذهب يا عمر فاقضه حقه، وزده عشرين صاعا، مكان ما رعته» ، ففعل عمر رضي الله تعالى عنه، فقلت:

стр. 2841

يا عمر، كلّ علامات النبوة قد عرفتها في وجه رسول الله ﷺ إلا اثنتين لم أخبرهما منه، يسبق حلمه جهله، ولا تزيده شدة الجهل عليه إلا حلما، فقد خبرتهما، فأشهدك أني رضيت بالله تعالى ربّا، وبالإسلام دينا، وبمحمد ﷺ نبيا [ (١) ] . وروى الإمام أحمد، وأبو الشيخ عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: ابتاع رسول الله ﷺ جزورا من أعرابي بوسق من تمر الذّخيرة، فجاء منزله، فالتمس التمر، فلم يجده، فخرج إلى الأعرابي فقال: «عبد الله، إنا قد ابتعنا منك جزورك هذا بوسق، من تمر الذّخيرة، ونحن نرى أن عندنا، فلم نجده» فقال الأعرابي: وا غدراه وا غدراه، فوكزه الناس وقالوا: إلى رسول الله ﷺ تقول هذا؟ فقال: «دعوه، فإن لصاحب الحقّ مقالا» فردد ذلك رسول الله ﷺ مرتين أو ثلاثا، فلما رآه لا يفقه عنه قال لرجل من أصحابه: «اذهب إلى خولة بنت حكيم بن أمية فقل لها رسول الله ﷺ يقول لك إن كان عندك وسق من تمر الذّخيرة فسلفينا حتى نؤديه إليك إن شاء الله تعالى» فذهب إليها الرجل ثم رجع قال: قالت: نعم هو عندنا يا رسول الله، فابعث من يقبضه، فقال رسول الله ﷺ للرجل: «اذهب فأوفه الذي له» فذهب، فأوفاه الذي له، قال فمر الأعرابي برسول الله ﷺ ، وهو جالس في أصحابه، فقال: جزاك الله خيرا، فقد أوفيت وأطيبت، فقال رسول الله ﷺ : «أولئك خيار الناس الموفون المطيّبون [ (٢) ] » . وروى الشيخان عن أبي هريرة أن رجلا أتى رسول الله ﷺ يتقاضاه فأغلظ له، فهمّ به أصحابه، فقال رسول الله ﷺ : «دعوه فإن لصاحب الحق مقالا، ثم قال: أعطوه شيئا مثل سنّه» ، فقالوا: يا رسول الله، لا نجد إلا أفضل من سنه، قال: «أعطوها، وخيركم أحسنكم قضاء [ (٣) ] » . وروى البخاري ﵀ عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه أن يهودية أتت رسول الله ﷺ بشاة مسمومة، فأكل منها فجيء بها، فقيل: ألا تقتلها فقال: «لا» [ (٤) ] . وروى الشيخان عن عائشة وابن أبي حاتم عن عكرمة وروى أبو الحسن بن الضحاك عن جابر رضي الله تعالى عنه قال: أبصرت عيناي، وسمعت أذناي أن رسول الله ﷺ كان بالجعرّانة [ (٥) ] ، وفي ثوب بلال فضة، ورسول الله ﷺ يفضّها على الناس، فيعطيهم، فقال له

стр. 2842

رجل: يا رسول الله اعدل، فقال: «ويلك فمن يعدل إذا لم أعدل؟ لقد خبت وخسرت إن لم أعدل» فقال عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه: يا رسول الله دعني أقتل هذا المنافق، فقال رسول الله ﷺ «معاذ الله أن يتحدث الناس أنني أقتل أصحابي، إن هذا وأصحابه يقرؤون القرآن، لا يجاوز حلوقهم أو قال: حناجرهم، يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية [ (١) ] » . وروى الإمام أحمد وعبد بن حميد، والبخاري والنسائي وأبو الشيخ، والبيهقي عن زيد ابن أرقم رضي الله تعالى عنه: سحر النبي ﷺ رجل من اليهود، فاشتكى لذلك أياما، فأتاه جبريل ﵇، فقال إن رجلا من اليهود سحرك، فعل لذلك عقدا، فأرسل رسول الله ﷺ عليا رضي الله تعالى عنه فاستخرجها، فجاء بها فجعل كل ما حل عقدة وجد لذلك خفّة، فقام رسول الله ﷺ كأنما نشط من عقال، فما ذكر ذلك لليهودي، ولا رآه في وجهه [ (٢) ] . وروى البيهقي في شعب الإيمان، مرسلا عن عبد الله بن عبيد مرسلا أن رسول الله ﷺ لما كسرت رباعيّته، وشجّ وجهه يوم أحد شق ذلك على أصحابه، وقالوا: لو دعوت عليهم، فقال رسول الله ﷺ : «إني لم أبعث لعّانا، ولكن بعثت داعيا ورحمة، اللهم اهد قومي، فإنهم لا يعلمون [ (٣) ] » ، ورواه موصولا عن سهل بن سعد رضي الله تعالى عنه مختصرا: «اللهم: اغفر لقومي، فإنهم لا يعلمون» ، ولله در القائل حيث قال. وما الفضل إلا أنت خاتم فضة ... وعفوك نقش الفصّ فاختم به عذري ومن رحمته ورأفته ﷺ بأمته تخفيفه وتسهيله عليهم، وكراهيته أشياء مخافة أن تفرض عليهم ، كقوله ﷺ : «لولا أن أشقّ على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل وضوء، ومع كل صلاة، ولأخّرت العشاء إلى ثلث الليل» ، وخبر قيام رمضان، ونهيه عن الوصال، وكراهته دخول الكعبة لئلا يعنت أمته، ورغبته لربه أن يجعل سبّته ولعنته رحمة لمن سبه وزكاة وطهورا. تنبيهات الأول: الحلم حالة توقير، وثبات في الأمور، وتصبّر على الأذى، لا يستثير صاحبه الغضب عند الأسباب المحركة، ولا يحمله على انتقام، وهو شعار العقلاء، وقد كان ﷺ منه بالمحل الأعظم، كما يشهد له قول أبي سفيان وقد قال له: يا عمّ أما آن لك أن تسلم؟ «بأبي

стр. 2843

أنت وأمي ما أحلمك!» ، ولا تزيده كثرة الأذى إليه إلا حلما، بشهادة ما تقدم ومما حصل له يوم أحد. الثاني: الصبر على الأذى جهاد النفس، وقد جبل الله تعالى النفس على التألم بما يفعل بها، ولهذا شقّ عليه ﷺ نسبة بعض المنافقين له الجور في القسمة، لكنه حلم وصبر لما علم من جبريل ثواب الصابرين، وأن الله تعالى يأجرهم بغير حساب، وصبره ﷺ على الأذى إنما هو فيما كان من حق نفسه، وأما إذا كان لله تعالى فإنما يمتثل فيه أمر الله تعالى من الشدة، كما قال تعالى: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ [التحريم ٩] وقد وقع أنه ﷺ غضب لأسباب مختلفة، مرجعها إلى أن ذلك في أمر الله تعالى، وأظهر الغضب فيها ليكون أوكد في الزّجر، فصبره وعفوه إنما كان يتعلق بنفسه الشريفة ﷺ ، وقد قال ﷺ لما شجّ المشركون وجهه: «اللهم اهد قومي» وقال حين شغلوه عن الصلاة: «ملأ الله قلوبهم نارا» ، فتحمّل الشّجّة الحاصلة في وجه جسده الشريف، وما تحمّل الشّجّة الحاصلة في وجه دينه المنيف، فإن وجه الدين هو الصلاة، فرجح حق خالقه على حقه ﷺ . الثالث: قال القاضي في قوله ﷺ : «اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون» : انظر ما في هذا القول من إجماع الفضل، ودرجات الإحسان، وحسن الخلق، وكرم النفس، وغاية الصبر والحلم، إذ لم يقتصر ﷺ على السكوت عنهم، حتى عفا، ثم أشفق عليهم، ورحمهم، ودعا، وشفع لهم، فقال: «اللهم اهد واغفر» ، ثم أظهر الشفقة والرحمة بقوله: «لقومي» ، ثم اعتذر عنهم لجهلهم، فقال: «إنهم لا يعلمون» . الرابع: في بيان غريب ما سبق: العفو: المساهلة، وترك المؤاخذة، والبحث عن مذامّ الأخلاق: أي أخذ ما سهل من أخلاق الناس، وأفعالهم، من غير كلفة، ولا طلب ما يشقّ عليهم حذرا من أن ينفروا من حوله. السّمرة: بسين مهملة مفتوحة، فميم مضمومة، فراء، فتاء تأنيث ضرب شجر الطّلح. الغرّة: بغين معجمة مكسورة، فراء مشددة: الخدعة. الصّرف: بصاد مهملة مكسورة، فراء ساكنة، ففاء: شجر أحمر يدبغ به الأديم. زيد بن سعنة: بسين مهملة، فعين، فنون مفتوحتين، كما قيده به الحافظ عبد الغني، وجرى عليه الدّارقطني والأمير وبالمثناة التحتية ثبت في نسخ الشّفا، وأن مصنفه صحح عليه، وهو الذي ذكره ابن إسحاق، قال الذهبي في التجريد: والأول أصح. تمر الذّخيرة: بذال، وخاء معجمتين، قال في النهاية: هو نوع من التمر معروف. الرميّة تقدم الكلام عليها والله أعلم.

стр. 2844

الباب الرابع في حيائه ﷺ وعدم مواجهته أحدا بشيء يكرهه روى الشيخان، وابن ماجة عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه قال: «كان رسول الله ﷺ أشد حياءً من العذراء في خدرها، وكان إذا كره شيئا عرفناه في وجهه» [ (١) ] . وروى الإمام أحمد وأبو داود عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: «رأى رسول الله ﷺ علي وجه رجل صفرة فقال: لو أمرتم هذا أن يغسل هذه الصفرة، وكان لا يكاد يواجه أحدا في وجهه بشيء يكرهه» [ (٢) ] . ورواه البخاري في الأدب بلفظ: كان رسول الله ﷺ قل ما يواجه الرجل بشيء يكرهه، فدخل عليه يوما رجل وعليه أثر صفرة، فلما قام قال لأصحابه: لو غيّر، أو نزع هذه الصّفرة [ (٣) ] . وروى أبو داود عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: كان رسول الله ﷺ إذا بلغه عن رجل شيئا لم يقل له: قلت: كذا وكذا قال: «ما بال أقوام يقولون كذا وكذا [ (٤) ] » . وروى عبد بن حميد، وأبو الشيخ عن سهل بن سعد رضي الله تعالى عنه قال: كان رسول الله ﷺ حيياً لا يسأل عن شيء إلا أعطى [ (٥) ] . وروى البيهقي عن هند بن أبي هالة رضي الله تعالى عنه قال: كان رسول الله ﷺ خافض الطّرف، جل نظره إلى الأرض أكثر من نظره إلى السماء، جلّ نظره الملاحظة [ (٦) ] . وروى البخاري في الأدب المفرد عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: صنع رسول الله ﷺ شيئا فرخص فيه، فتنزّه عنه قوم، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فخطب، فحمد الله تعالى، ثم قال: «ما بال أقوام يتنزّهون عن الشيء أصنعه؟ فو الله إني لأعلمهم بالله تعالى، وأشدهم له خشية» [ (٧) ] . وروي عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: كان رسول الله ﷺ أشد الناس حياء

стр. 2845

من العواتق في خدورها [ (١) ] ورواه الإمام أحمد والبيهقي وأبو داود عن أبي سعيد بلفظ من العذارى. تنبيهان: الأول: الحياء بالمد، وهو من الحياة، ومنه الحيا للمطر، لكن هذا المقصور، وعلى حسب حياة القلب يكون في قوم خلق الحياة، وقلة الحياء من موت القلب والروح، وكلّما كان القلب حيّا كان الحياء أتمّ وهو في اللغة: تغيّر، وانكسار، يعتري الإنسان من خوف ما يعاب به، وقد يطلق على مجرد ترك الشيء بسبب، والترك إنما هو من لوازمه، وفي الشرع خلق يبعث على اجتناب القبيح، ويمنع عن التقصير في حق ذي الحق. الثاني: في بيان غريب ما سبق: الخدر: بكسر الخاء المعجمة، وسكون الدال المهملة: السّتر، وهو من باب التعميم لأن العذراء في الخلوة يشتد حياؤها أكثر ما تكون خارجة منه، لكون الخلوة مظنّة وقوع الفعل بها، فالظاهر أن المراد تقييده إذا دخل عليها في خدرها، لا حيث تكون منفردة فيه. خفض الطرف: ضد رفعه. جل الشيء بضم الجيم: معظمه. الملاحظة: أن ينظر بلحظ عينه، هو شقها الذي يلي الصدغ والأذن، ولا يحدق إلى الشيء، وكانت الملاحظة معظم نظره، وهو دليل الحياء والكرم.

стр. 2846

الباب الخامس مداراته، وصبره على ما يكره ﷺ روي عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: جاء مخرّق بن نوفل يستأذن، فلما سمع رسول الله ﷺ صوته قال: «بئس أخو العشيرة الحديث» . وروى الشيخان، والإمامان مالك وأحمد، والتّرمذي عن عائشة رضي الله تعالى عنها أن رجلا استأذن على رسول الله ﷺ فقال: ائذنوا له، بئس أخو العشيرة، فلما دخل عليه ألان له القول وتطلّق في وجهه، وانبسط إليه، فلما انطلق الرجل، قلت: يا رسول الله، حين رأيت الرجل قلت: كذا وكذا، فلما دخل ألنت له القول، وتطلّقت في وجهه، وانبسطت إليه، فقال ﷺ : «متى عهدتني فاحشا إن شر الناس عند الله تعالى منزلة يوم القيامة من تركه الناس اتقاء فحشه» وفي رواية اتقاء شرّه [ (١) ] . وروى ابن الأعرابي عن صفوان بن أمية رضي الله تعالى عنه قال: والله لقد أعطاني رسول الله ﷺ ما أعطاني وإنه لأبغض الناس إليّ، فما برح يعطيني حتى إنه لأحب الناس إليّ، وأعطى حكيم بن حزام مائة من الغنم، وأعطى عيينة بن حصن مائة من الإبل، وأعطى الأقرع بن حابس مائة من الإبل [ (٢) ] . وروى ابن عدي، والحكيم والترمذي عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: قال رسول الله ﷺ : «إن الله أمرني بمداراة الناس، كما أمرني بالفرائض [ (٣) ] » . وروى ابن سعد عن إسماعيل بن عياش- بالتحتية والشين المعجمة- رحمه الله تعالى قال: كان رسول الله ﷺ أصبر الناس على أقذار الناس [ (٤) ] . وروى النّسائي، وأبو داود عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: كنا قعودا عند رسول الله ﷺ في المسجد فإذا قام قمنا، فقام يوما، وقمنا معه، حتى بلغ وسط المسجد فأدركنا رجل، فجبذ بردائه من ورائه، وكان رداؤه خشنا، فحمّر رقبته فقال: يا محمد احمل لي على بعيري هذين الحديث [ (٥) ] . تنبيهات الأول: هذا الرجل المبهم- قال ابن بطال والقاضي، والقرطبي، والنووي ﵏

стр. 2847

تعالى هو عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر الفزاري، وكان يقال له: الأحمق المطاع. الثاني: قال الخطابي: جمع هذا الحديث علما، وأدبا، وليس قوله ﷺ لأمته في الأمور التي ينصحهم بها، ويضيفها إليهم من المكروه غيبة، وإنما يكون ذلك من بعضهم في بعض، بل الواجب عليه ﷺ أن يبين ذلك، ويفصح به، ويعرف الناس أمرهم، فإن ذلك من باب النصيحة، والشفقة على الأمة، ولكنه لما جبل عليه من الكرم، وأعطيه من حسن الخلق، أظهر له البشاشة ولم يجبهه بالمكروه ليفتدي به أمته في اتقاء شرّ من هذا سبيله، وفي مداراته، ليسلموا من شره وغائلته. الثالث: قال القرطبي: في هذا الحديث جواز غيبة المعلن بالفسق، أو بالفحش، ونحو ذلك مع جواز مداراته اتقاء شره، ما لم يؤد ذلك إلى المداهنة في دين الله تعالى، ثم قال تبعا للقاضي الحسين: الفرق بين المداراة والمداهنة أن المداراة بذل الدنيا، والنبي ﷺ إنما بذل له من دنياه. حسن عشرته، والرفق في مكالمته، ومع ذلك فلم يمدحه بقول يناقض قوله فيه فعله، فإن قوله فيه حق، وفعله معه حسن معاشرته، فيزول بهذا التقدير الإشكال. وقال القاضي رحمه الله تعالى: لم يكن عيينة والله أعلم حينئذ أسلم، فلم يكن القول فيه غيبة، أو كان أسلم، ولم يكن إسلامه ناصحا، فأراد رسول الله ﷺ أن يبين ذلك لئلا يغتر به من لم يعرف باطنه، وقد كانت منه في حياة النبي ﷺ ، وبعده، أمور تدل على ضعف إيمانه، فيكون ما وصفه به رسول الله ﷺ من علامات النبوة، وأما إلانة القول له بعد أن دخل فعلى سبيل التألف له قال الحافظ: وقد ارتد عيينة في زمن الصديق رضي الله تعالى عنه وحارب، ثم رجع، وأسلم، وحضر بعض الفتوح في عهد عمر رضي الله تعالى عنه. الرابع: في بيان غريب ما سبق: المداراة: بميم مضمومة، فدال مهملة، فألف فراء، فألف، فتاء تأنيث غير مهموز، وقد يهمز: ملاينة الناس، وحسن صحبتهم، واحتمالهم، لئلا ينفروا عنك. الصبر: حبس النفس عند الجزع من المصيبة، بأن يتصور ما خلق لأجله ورجوعه إلى ربه ، وتذكره للمنّة عليه، فيرى أن ما أبقى له أضعاف ما استرده منه، فيهون بذلك على نفسه. تطلّق: بمثناة فوقية، فطاء مهملة، فلام مشددة فقاف مفتوحات: تسهّل، وانبسط وجهه، واستبشر. الفحش: بفاء مضمومة، فحاء مهملة ساكنة، فشين معجمة،: التعدي في القول والجواب، والكثرة والزيادة من الكلام. الأقذار: جمع قذر، بذال معجمة: الأوساخ، والأدناس حسية ومعنوية.

стр. 2848

الباب السادس في برّه وشفقته، ورحمته، وحسن عهده ﷺ قال الله تعالى وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ [الأنبياء ١٠٧] قال بعض العارفين: من رحمه الله تعالى خلق الله الأنبياء من الرحمة، ونبينا محمد ﷺ وعليهم، عين الرحمة، وروى ابن أبي شيبة، والإمام أحمد، والنسائي، وابن ماجة، وابن مردويه عن أبي ذر رضي الله تعالى عنه: قام ﷺ ليلة، فقرأ آية يردّدها، يركع بها، ويسجد، وبها يقوم، ويقعد، حتى أصبح إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ، وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [المائدة ١١٨] فلما أصبح قلت: يا رسول الله، ما زلت تقرأ هذه الآية حتى أصبحت، قال: «فإني سألت ربي الشفاعة لأمتي، وهي نائلة- إن شاء الله تعالى- من لم يشرك بالله تعالى شيئا» قلت: فما أجبت؟ قال: «أجبت بالذي لو اطّلع كثير منهم لتركوا» ، قال: فإذا أبشّر الناس، قال: بلى، فقال عمر يا رسول الله إنك إن بعثت إلى الناس بهذا يتكلوا عن العبادة، فناداه أن ارجع [ (١) ] . وروى مسلم عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: ما رأيت أحدا كان أرحم بالعباد من رسول الله ﷺ . وروى الشيخان عن أبي قتادة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ قال: إني لأدخل في الصلاة، وأنا أريد أن أطيلها فأسمع بكاء الصبي فأتجاوز في صلاتي مما أعلم من شدة وجدانه من بكائه [ (٢) ] . وروى مسلم، وابن عساكر عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أن رسول الله ﷺ تلا قول الله في إبراهيم إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ، فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي، وَمَنْ عَصانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [إبراهيم ٣٦] وقال في عيسى ﵇: إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ، وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [المائدة ١١٨] فرفع يديه، وقال: «اللهم أمتي، أمتي، وبكى» فقال الله : «يا جبريل اذهب إلى محمد، فقل له، واسأله ما يبكيك؟ فأتاه جبريل ﵇ فسأله، فأخبره رسول الله ﷺ بما قال، وهو أعلم، فقال الله : «يا جبريل اذهب إلى محمد فقل له: إنا سنرضيك في أمتك، ولا نشوؤك ﷺ » [ (٣) ] . وروى الشيخان عن عائشة رضي الله تعالى عنها، والإمام أحمد عن زيد بن ثابت

стр. 2849

رضي الله تعالى عنهما قالا: خرج رسول الله ﷺ من جوف الليل يصلي في المسجد، فصلى رجال صلاته، فأصبح الناس يتحدثون بذلك، فاجتمع أكثر منهم، فأصبح الناس يذكرون ذلك، فكثر أهل المسجد في الليلة الثالثة، فخرج فصلوا بصلاته، فلما كانت الليلة الرابعة عجز المسجد عن أهله، ففقدوا صوت رسول الله ﷺ ، فجعل بعضهم يتنحنح، ليخرج إليهم، فلم يخرج إليهم رسول الله ﷺ ، حتى خرج لصلاة الصبح، فلما قضى صلاته أقبل على الناس، ثم تشهد وقال: «أمّا بعد: فإنه لم يخف عني شأنكم الليلة، ولكن خشيت أن تفرض عليكم صلاة، فتعجزوا عنها، فصلوا في بيوتكم، فإن أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة» [ (١) ] . وروى الشيخان، والنسائي، وأبو الشيخ عن مالك بن الحويرث- رضي الله تعالى عنه- قال: كان رسول الله ﷺ رحيما، رفيقا، فأقمنا عنده عشرين ليلة، فظن أنا قد اشتقنا إلى أهلنا، فسألنا عمن تركنا عند أهلنا، فأخبرناه، فقال: «ارجعوا إلى أهليكم، فأقيموا عندهم» [ (٢) ] . وروى الطبراني عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: رأيت رسول الله ﷺ يخطب الناس فخرج حسن بن علي رضي الله تعالى عنهما، فعثر، فسقط على وجهه، فنزل رسول الله ﷺ من المنبر يريده، فأخذه الناس، فأتوه به فقال: «قاتل الله الشيطان، إن الولد فتنة، والله: ما علمت أني نزلت من المنبر حتى أوتيت به» [ (٣) ] . وروى الطبراني عن زيد بن هالة عن أبيه رضي الله تعالى عنه أنه دخل علي رسول الله ﷺ ، وهو راقد، فاستيقظ، فقام هالة إلى صدره، وقال: هالة، هالة، كأنه سرّ به لقرابته من خديجة [ (٤) ] . وروى البخاري في الأدب عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ نزل منزلا فأخذ رجل بيض حمّرة، فجاءت ترفّ على رأس رسول الله ﷺ . فقال: «أيكم فجع هذه في بيضها؟» فقال رجل: أنا يا رسول الله أخذت بيضها، فقال: «اردده، رحمة لها» [ (٥) ] . وروى ابن أبي شيبة عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه قال: صلى بهم رسول الله ﷺ بأقصر سورتين في القرآن، فلما قضى الصلاة، قال له أبو سعيد أو معاذ:

стр. 2850

صليت صلاة ما رأيتك صليت مثلها قط، قال: «أنا سمعت بكاء الصبي خلفي وترصّف النساء، أردت أن تفرغ له أمه» . وروى الشيخان عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قبل رسول الله ﷺ الحسن ابن علي رضي الله تعالى عنهما، وعنده الأقرع بن حابس التّميمي فقال الأقرع: لي عشرةً من الولد، ما قبلت منهم أحدا، فنظر إليه رسول الله ﷺ وقال: «إن من لا يرحم لا يرحم» [ (١) ] . ورويا عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: جاء أعرابي إلى رسول الله ﷺ فقال: إنكم تقبّلون الصبيان، وما نقبلهم، فقال رسول الله ﷺ : «أو أملك لك أن نزع الله تعالى الرحمة من قلبك» [ (٢) ] . وروى محمد بن عمر الأسلمي في مغازيه عن عبد الله بن أبي بكر بن حزم رضي الله تعالى عنه قال: لما سار رسول الله ﷺ من العرج في فتح مكة رأى كلبة تهرّ على أولادها وهن حولها يرضعنها، فأمر رجلا من أصحابه يقال له جعيل بن سراقة أن يقوم حذاءها، لا يعرض أحد من الجيش لها، ولا لأولادها. وروى البخاري وغيره عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ قال: «لولا أن أشق على أمتي لأحببت ألّا أتخلف خلف سرية تخرج في سبيل الله، ولكن لا أجد ما أحملهم عليه، ولا يجدون ما يتحملون عليه، وشق عليهم أن يتخلفوا بعدي. الحديث» [ (٣) ] . وروى الإمام مالك رحمه الله تعالى وغيره عنه أيضا أن رسول الله ﷺ قال: «لولا أن أشقّ على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل وضوء، ومع كل صلاة» [ (٤) ] . وروى ابن حبان عن عائشة رضي الله تعالى عنها أن رسول الله ﷺ استعذر أبا بكر من عائشة ولم يظن رسول الله ﷺ أن ينال منها بالذي نال منها، فرفع أبو بكر يده، فلطمها، وصكّ في صدرها، فوجد النبي ﷺ من ذلك، وقال: «يا أبا بكر ما أنا بمستعذرك أبدا» [ (٥) ] . وروى مسلم وغيره عن أنس رضي الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ دخل معه على ابنه إبراهيم، فدعا رسول الله ﷺ بالصبي فضمه إليه، وروى ما شاء الله أن يقول، قال أنس: فلقد رأيته، وهو يكبد بنفسه بين يدي رسول الله ﷺ ، فدمعت عينا رسول الله ﷺ ، فقال:

стр. 2851

«تدمع العين، ويحزن القلب، ولا نقول إلا ما يرضي ربّنا، وإنّا بك با إبراهيم محزونون» [ (١) ] . وروى ابن عساكر عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: دخل علي رسول الله ﷺ رجلان، فكلماه بشيء لا أدري ما هو؟ فأغضباه، فلعنهما، وسبهما، فلما خرج قلت له: يا رسول الله من أصاب منك خيرا فما أصاب هذان منك خيرا، فقال رسول الله ﷺ : «أو ما علمت ما عاهدت عليه ربي ؟» . قالت: قلت: وما عاهدت عليه ربك؟ قال: «قلت اللهم أيّما رجل سببته أو لعنته، أو جلدته فاجعلها له مغفرة، وعافية وكذا وكذا» [ (٢) ] . وروى الترمذي وصحّحه عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: ما غرت على أحد من أزواج رسول الله ﷺ ما غرت على خديجة، وما بي أن أكون أدركتها، وما ذلك إلا لكثرة ذكر رسول الله ﷺ لها، وإن ليذبح الشاة فيتبع بها صدائق خديجة رضي الله تعالى عنها فيهديها لهن [ (٣) ] . وروى أحمد في مسنده عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: لقد دخل على رسول الله ﷺ يوما فقال: «صنعت اليوم شيئا، وددت أني لم أصنعه، دخلت البيت، فأخشى أن يجيء رجل من أفق من الآفاق، فلا يستطيع دخوله، فيرجع، وفي نفسه منه شيء» [ (٤) ] . تنبيه: في بيان غريب ما سبق: البرّ: بكسر الموحدة: كل فعل مرض. الشفقة: بشين معجمة، ففاء، فقاف مفتوحتين، فتاء تأنيث. الرحمة: الرفق والتعطف، فهو ﷺ رحيم بالمؤمنين. العهد: بعين مهملة مفتوحة، فهاء ساكنة، فدال: الوصية، والتقدم إلى المرء في الشيء والموثق واليمين. فقام هالة إلى صدره: أي ضمه. حمّرة: بحاء مهملة مضمومة، فميم مشددة، فراء مفتوحتين، فتاء تأنيث: طائر صغير كالعصفور. ترصّف النساء: بمثناة فوقية فراء مفتوحتين، فصاد مهملة مشددة ففاء: وجدهن على أولادهن. كلبة تهرّ على أولادها تقدم الكلام عليه. يكبد بنفسه: بتحتية مفتوحة، فكاف ساكنة، فموحدة مكسورة، فدال مهملة: أي يحصل له بسبب طلوعها ضيق وشدة.

стр. 2852

الباب السابع في تواضعه ﷺ قال الله لنبيه ﷺ : وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [الشعراء ٢١٥] يعني ليّن جانبك، وأرفق بهم، أمره الله ﵎ بالتواضع، واللين، والرفق لفقراء المؤمنين، وغيرهم من المسلمين. وروى أبو نعيم وابن عساكر من طرق عن ابن عباس موقوفا، وابن سعد عن عائشة، وأبو نعيم عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهم مرفوعا أن رسول الله ﷺ بينما هو جالس، ومعه جبريل ﵇، إذ انشق أفق السماء، فأقبل جبريل يدنو من الأرض، ويدخل بعضه في بعض، ويتضاءل فإذا ملك قد مثل بين يدي رسول الله ﷺ ، وفي لفظ: إن الله سبحانه تعالى أرسل إلى النبي ﷺ ملكا من الملائكة حجزته تساوي الكعبة، ما هبط على نبي قبلي، ولا يهبط على أحد بعدي، وهو إسرافيل ﵇، فقال: «السلام عليك يا محمد، إن ربك يقرئك السلام، أنا رسول ربك إليك، أمرني أن أخيرك: إن شئت نبيا عبدا، وإن شئت نبيا ملكا» ، فنظرت إلى جبريل ﵇ كالمستشير، فأشار إليّ جبريل بيده، إن تواضع، فقلت، «بل نبيا عبدا، يا عائشة لو قلت: نبيا ملكا، ثم شئت لسارت معي الجبال ذهبا» ، قالت عائشة: وكان رسول الله ﷺ بعد ذلك يأكل متكئا ويقول: «آكل كما يأكل العبد، وأجلس كما يجلس العبد» للحديث طرق تأتي في باب زهده ﷺ . وروى ابن سعد عن حمزة بن عبيد الله بن عتبة قال: كانت في رسول الله خصال ليست في الجبّارين، كان لا يدعوه أحمر، ولا أسود، إلا أجابه، وكان ربما وجد تمرة ملقاة فيأخذها، فيرمي بها إلى فيه، وإنه ليخشى أن تكون من الصدقة، وكان يركب الحمار عريا، ليس عليه شيء. وروى الإمام أحمد ومسلم عن أبي ذر رضي الله تعالى عنه قال: ركب رسول الله ﷺ حمارا وأردفني خلفه. وروى ابن عدي عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: خرج رسول الله ﷺ وقد عقد عباءة بين كتفيه فلقيه أعرابي فقال: لم لبست هذا يا رسول الله؟ فقال: «ويحك، إنما لبست هذا لأقمع به الكبر» [ (١) ] . وروى أبو داود والتّرمذي عن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ

стр. 2853

أخذ بيد مجذوم، فأدخله معه في القصعة، ثم قال له: «كل باسم الله، وثقة بالله، وتوكلا عليه» [ (١) ] . وروى ابن أبي شيبة وعلي بن عبد القدير البغوي عن عبد الرحمن بن جبر الخزاعي قال: بينما رسول الله ﷺ يمشي مع أصحابه إذ أخذّ رجل منهم، فستره بثوب فلما رأى ما عليه، رفع رأسه، فإذا هو علاه قبلي ستر، فقال: «مه» ، فأخذ الثوب، فوضعه، وقال: «إنما أنا بشر مثلكم» [ (٢) ] . وروى الحارث بن أبي أسامة عن يزيد الرّقاشي رضي الله تعالى عنه قال: حج رسول الله ﷺ على رحل رثّ وقطيفة تساوي أربعة دراهم، وقال: «اللهم حجة مبرورة، لا رياء فيها، ولا سمعة» [ (٣) ] . وروى بقي بن مخلد عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: إن رسول الله ﷺ كان يقود راحلته، ويمشي هنيهة. وروي أيضا عنه قال ما رفع رسول الله ﷺ شيئا قط، ولا حملت معه طنفسة. وروى ابن الأعرابي عن أبي المثنى الأملوكي رضي الله تعالى عنه قال: كان رسول الله ﷺ ، ومن قبله من الأنبياء ﵈ يمشون على العصا، يتوكئون عليها، تواضعا لله . وروى ابن سعد عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: كان رسول الله ﷺ يركب الحمار، ويردف بعده، ويجيب دعوة المملوك [ (٤) ] . وروى الحاكم عن أبي موسى رضي الله تعالى عنه قال: كان رسول الله ﷺ يركب الحمار، ويلبس الصوف، ويعقل الشاة، ويأتي مدعاة الضعيف [ (٥) ] . وروى البخاري عن البزّار رضي الله تعالى عنه قال: رأيت رسول الله ﷺ يوم الأحزاب ينقل التراب، وقد وارى التراب بياض إبطه.

стр. 2854

وروى الدّارمي عن عبد الله بن أبي أوفى رضي الله تعالى عنه قال: كان رسول الله ﷺ يكثر الذكر، ويقل اللغو، ويطيل الصلاة، ويقصر الخطبة، ولا يأنف، ولا يستكبر أن يمشي مع الأرملة والمسكين يقضي لهما حاجتهما [ (١) ] . وروى الخرائطي عنه أيضاً قال: كان رسول الله ﷺ لا يستنكف أن يمشي مع الضعيف، والأرملة، فيفرغ لهم من حاجاتهم [ (٢) ] . وروى الإمام أحمد، وأبو داود عن عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما قال: ما رأيت رسول الله ﷺ يأكل متّكئا، ولا يطأ عقبه رجلان [ (٣) ] . وروى أبو الشيخ عن ابن عباس، وابن سعد عن أنس رضي الله تعالى عنهم قال: كان رسول الله ﷺ يجلس على الأرض، ويأكل على الأرض، ويعقل الشاة، ويجيب دعوة المملوك، زاد أنس: ويقول: «لو دعيت إلى ذراع لأجبت، ولو أهدي إليّ كراع لقبلت [ (٤) ] . وروى الخطيب في الرّواية عن مالك عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال: كان رسول الله ﷺ يجيب دعوة العبد إلى أي طعام دعا، ويقول: «لو دعيت إلى كراع لأجبت [ (٥) ] » . وروى الترمذي عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: كان رسول الله ﷺ يركب الحمار، ويعود المريض، ويشهد الجنازة، ويأتي دعوة المملوك، وكان يوم بني قريظة على حمار مخطوم بحبل من ليف، على إكاف من ليف [ (٦) ] . وروى الترمذي- وصحّحه- والبيهقي عن هند بن أبي هالة رضي الله تعالى عنه وعن أمّه قال: كان رسول الله ﷺ يبدأ من لقيه بالسلام [ (٧) ] . وروى الإمام أحمد في الزهد، وابن عساكر- وقال هذا حديث مرسل- وقد جاء معناه في الأحاديث المسندة عن الحسن رضي الله تعالى عنه قال: والله ما كان رسول الله ﷺ

стр. 2855

تغلق دونه الأبواب، ولا يقوم دونه الحجاب، ولا يغدى عليه بالجفان، ولا يراح بها عليه، ولكنه كان بارزا، من أراد أن يلقى نبي الله ﷺ لقيه، كان يجلس على الأرض، ويطعم ويلبس الغليظ، ويركب الحمار، ويردف خلفه، ويلعق يده. وروى ابن ماجه عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ كلّم رجلا فأرعد، فقال: «هوّن عليك، فإني لست بملك، إنما أنا ابن امرأة من قريش كانت تأكل القديد» [ (١) ] . وروى ابن ماجه عن عبد الله بن بسر قال: أهديت إلى رسول الله ﷺ شاة فجثا على ركبتيه، فأكل، فقال أعرابي: يا رسول الله ما هذه الجلسة؟ فقال: «إن الله جعلني عبدا كريما، ولم يجعلني جبارا عنيدا» [ (٢) ] . وروى الإمام أحمد ومسلم عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: كانت امرأة في عقلها شيء قالت: يا رسول الله إن لي إليك حاجة، فقال: «يا أم فلان انظري أي الطرق شئت» قال: «أقضي لك حاجتك» ، فقام معها يناجيها، حتى قضت حاجتها [ (٣) ] . وروى أبو بكر الشافعي وأبو نعيم عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: كان رسول الله ﷺ في طريق، ومعه ناس من أصحابه، فتعرضت له امرأة فقالت: يا رسول الله لي إليك حاجة، فقال: «يا أم فلان اجلسي في أدنى نواحي السكك، حتى أجلس إليك، ففعلت، فجلس إليها، حتى قضى حاجتها» [ (٤) ] . وروى ابن أبي شيبة عن يعقوب بن يزيد قال: كان رسول الله ﷺ يتّبع غبار المسجد بجريدة [ (٥) ] . وروى البخاري في الأدب عن عدي بن حاتم أنه أتى رسول الله ﷺ فإذا عنده امرأة وصبيان، أو صبي، فذكر قربهم من النبي ﷺ ، قال: فعرفت أنه ليس ملك كسرى وقيصر. وروى أبو بكر بن أبي شيبة عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: إن كانت الوليدة من ولائد أهل المدينة لتجيء فتأخذ بيد رسول الله ﷺ ، فما ينزع يده من يدها، حتى تذهب به حيث شاءت من المدينة في الحاجة.

стр. 2856

وروى عبد بن حميد عن عدي بن حاتم قال: أتينا رسول الله ﷺ ، وهو جالس في المسجد فقال القوم: هذا عديّ، وجئت بغير أمان ولا كتاب، فلما دفعت إليه أخذ بيدي، وقد كان قال قبل ذلك: إني لأرجو أن يجعل الله يده في يدي قال: فقام معي فلقيته امرأة وصبي معها فقالا: لنا إليك حاجة، فقام معهما، حتى قضى حاجتهما. وروى أبو ذر الهروي في دلائله عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف أخبره أن مسكينة مرضت، فأخبر رسول الله ﷺ بمرضها، وكان رسول الله ﷺ يعود المساكين، ويسأل عنهم. وروى الإمام أحمد والبخاري وابن ماجه عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: إن كانت الأمة من المدينة لتأخذ بيد رسول الله ﷺ ، فتنطلق بها في حاجتها فلم ينزع يده من يدها، حتى تذهب به حيث شاءت [ (١) ] . وروى ابن إسحاق الزجاجي في تاريخه عن عكرمة رحمه الله تعالى: قال العباس رحمه الله تعالى: يا رسول الله إني أراهم قد آذوك، وآذاك غبارهم، فلو اتخذت عريشا تكلمهم فيه، فقال رسول الله ﷺ : «لا أزال بين أظهرهم يطئون عقبي وينازعوني ثوبي، ويؤذيني غبارهم، حتى يكون الله هو الذي يرحمني منهم» [ (٢) ] . وروى أبو داود، وابن ماجة، وابن حبّان، وقاسم بن ثابت، والطبراني عن أبي سعيد وغيره من الصحابة قال: مر النبي ﷺ بغلام- زاد الطّبراني أنه معاذ بن جبل يسلخ شاة، فقال له رسول الله ﷺ : «تنحّ حتى أريك، فإني لا أراك تحسن تسلخ» ، فأدخل رسول الله ﷺ يده بين الجلد واللحم، فدخس بها حتى ترادّت إلى الإبط، ثم قال: «يا غلام هكذا فاسلخ» [ (٣) ] . وروى مسلم عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: كان رسول الله ﷺ إذا صلى الغداة جاءه خدم أهل المدينة بآنيتهم فيها الماء، فما يؤتى بإناء إلا غمس يده فيه، فربما جاءوه في الغداة الباردة، فيغمس يده فيها [ (٤) ] . وروى البخاري عن أنس رضي الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ مر على صبيان، فسلم عليهم [ (٥) ] .

стр. 2857

وروى البخاري في الأدب المفرد عن حسنة بن خالد وسواء بن خالد رضي الله تعالى عنهما: أنهما أتيا رسول الله ﷺ وهو يعالج حائطا، أو بناء له. وروى الحاكم عن أنس رضي الله تعالى عنهما أن رسول الله ﷺ دخل مكة، وذقنه على رحله متخشّعا [ (١) ] . وروى أبو يعلى عنه قال: لما دخل رسول الله ﷺ مكة استشرفه الناس، فوضع رأسه على رحله متخشعا [ (٢) ] . وروى الحاكم عن عبد الله بن بريدة رضي الله تعالى عنه أن رجلا أتى رسول الله ﷺ بحمار، وهو يمشي، فقال له: اركب يا رسول الله، فقال: «إن صاحب الدابة أحق بصدر دابته، إلا أن يجعل له» ، قال: قد فعلت [ (٣) ] . وروى الإمام أحمد وابن عدي وابن حبان عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: كان رسول الله ﷺ يخيط ثوبه، ويخصف نعله، وفي رواية لأحمد ويرقع دلوه، وعنده أيضا: يفلي ثوبه، ويحلب شاته، ويخدم نفسه [ (٤) ] . وروى البخاري في الأدب عن حسنة بن خالد وسواء بن خالد أنهما أتيا رسول الله ﷺ وهو يعالج حائطا له، فأعاناه، وهذا يتعين حمله على أوقاته، فإنه ثبت إنه لو كان له خدم كفوه فتارة يكون بنفسه، وتارة يكون بغيره، وتارة يكون بالمشاركة. وروى ابن عدي عن أنس أنه سئل عن خلق رسول الله ﷺ قال: كان رسول الله ﷺ يجلس على الأرض، ويأكل على الأرض، ويلبس الصوف، وإن أهدي إليه كراع قبل، وإن دعي إلى ذراع أجاب، وكان يعتقل البعير [ (٥) ] . وروى أبو داود عنه رضي الله تعالى عنه أنه رأى رسول الله ﷺ يهنأ بعيرا له. وروى ابن أبي شيبة عنه قال: كان رسول الله ﷺ يتبع الجنازة، ويعود المريض، ويجيب دعوة المملوك، ويركب الحمار، وكان يوم خيبر على حمار، ويوم قريظة على حمار مخطوم بحبل من ليف، وتحته إكاف من لبد.

стр. 2858

وروى ابن المبارك عن عائشة رضي الله تعالى عنها أن رسول الله ﷺ كان يجلس للأكل محتفزا [ (١) ] . وروى أبو داود الطيالسي عن ابنة خباب أنها أتت النبي ﷺ بشاة، فاعتقلها فحلبها، وقال: «ائتني بأعظم إناء لكم» فأتيناه بجفنة العجين، فحلب فيها حتى ملأها، قال: «اشربوا أنتم وجيرانكم» [ (٢) ] . وروى أبو الحسن بن الضحاك عن عبد الله بن عبد العزيز العمري قال: كان رسول الله ﷺ مهما استكفى أهله من شيء لم يكن يستكفيهم صب الوضوء لنفسه، وإعطاءه المسكين بيده، ويكفيهم إجّانة الثياب. وروى أبو الشيخ عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: قلت يا رسول الله كل جعلني الله فداك متكئا، فإنه أهون عليك، قال: «آكل كما يأكل العبد، وأجلس كما يجلس العبد» [ (٣) ] . وروى الإمام البخاري في الأدب، وفي الصحيح عن أنس قال: ذهبت بعبد الله بن أبي طلحة إلى النبي ﷺ يوم ولد، والنبي ﷺ في عباءة يهنأ بعيرا له. وروى الإمام أحمد، والشيخان، وأبو الشيخ عن الأسود بن يزيد قال: سألت عائشة رضي الله تعالى عنها: ما كان رسول الله ﷺ يصنع في بيته؟ قالت: كان بشرا من البشر، يفلي ثوبه، ويحلب شاته، ويخيط ثوبه، ويخدم نفسه، ويخصف نعله، ويعمل ما تعمل الرجال في بيوتهم، ويكون في مهنة أهله، يعنى خدمة أهله، فإذا سمع المؤذن خرج إلى الصلاة [ (٤) ] . وروى ابن سعد عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة قال: رأى رسول الله ﷺ سعدا فقال عنده، فلما أبردوا جاءوا بحمار لهم عربيّ قطوف قال: فغطوا لرسول الله ﷺ بقطيفة عليه، وركب، فأراد سعد أن يردف ابنه خلف رسول الله ﷺ ليرد الحمار، فقال رسول الله ﷺ : «إن كنت باعثه فاحمله بين يدي» ، قال: بل خلفك يا رسول الله، فقال رسول الله ﷺ : «إن أهل الدابة هم أولى بصدرها» ، فقال سعد: لا أبعثه معك، ولكن ردّ الحمار، قال: «فنرده وهو هملاج فريغ لا يسابق» [ (٥) ] .

стр. 2859

وروى الترمذي وابن ماجه عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: كان رسول الله ﷺ إذا استقبله الرجل وصافحه، لا ينزع يده من يده، حتى يكون الرجل هو الذي ينزع، ولا يصرف وجهه عن وجهه، حتى يكون الرجل هو الذي يصرفه، ولم ير مقدّما ركبتيه بين يدي جليس له [ (١) ] . وروى ابن سعد عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: كان رسول الله ﷺ يعمل عمل البيت أكثر ما يعمل الخياطة [ (٢) ] . وروى أبو ذر الهروي في دلائله، وابن عساكر من طرق عن ابن عباس والإمام أحمد، وأبو يعلى، وابن عساكر عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، وابن عساكر عن عائشة، قال ابن عباس رضي الله تعالى عنه: خرج رسول الله ﷺ ذات يوم، وجبريل معه على الصّفا، فقال له رسول الله ﷺ : «والذي بعثك بالحق ما أمسى لآل محمد كفّ سويق، ولا سفة من دقيق» ، فلم يكن كلامه بأسرع من أن يسمع هدّة من السماء أفظعته فقال رسول الله ﷺ : «أمر الله تعالى القيامة أن تقوم؟» فقال: لا ولكن هذا إسرافيل نزل إليك حيث سمع الله تعالى كلامك هذا الملك ما نزل منذ خلق قبل الساعة، وفي حديث ابن عباس، فأقبل جبريل يدنو من الأرض، ويدخل بعضه في بعض، ويتضاءل، قال أبو هريرة: فأتاه إسرافيل، وفي حديث عائشة: أتاني ملك حجزته تساوي الكعبة فقال: إن الله تعالى سمع كلامك، وأمرني أن أعرض عليك- إن أحببت- أن أسير معك جبال تهامة زمردا، وياقوتا، وذهبا، وفضة فعلت، فإن شئت نبيا ملكا، وإن شئت نبيا عبدا، فالتفت إلى جبريل كالمستشير له، فأشار إليه جبريل بيده إن تواضع لربك، فعرفت أنه ناصح لي وقلت بل نبيا عبدا، ثلاث مرات، فشكر لي ربي ذلك، فقال «أنت أول من تشق عنه الأرض، وأول شافع» قال ابن عباس وعائشة: فما أكل رسول الله ﷺ طعاما متّكئا حتى لقي ربه [ (٣) ] . وروى ابن عساكر عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: أوتي رسول الله ﷺ بطعام، فقلت: ألا تأكل وأنت متكئ أهون عليك؟ قالت فأصغى بجبهته، حتى كاد يمسح بها الأرض، قال: «آكل كما يأكل العبد، وأنا جالس» ، فما رأيته أكل متكئا حتى مضى لسبيله [ (٤) ] . وروى الدارقطني في الإفراد، وابن عساكر عن الحسن عن أنس رضي الله تعالى عنه

стр. 2860

قال: لبس رسول الله ﷺ الصوف واحتذى المخصوف، وأكل بشعا، ولبس خشنا، قال الحسن: البشع غليظ الشعير. وروى ابن عساكر عن حبيب بن أبي ثابت رحمه الله تعالى قال: قلت لأنس بن مالك: حدثنا بما سمعت من رسول الله ﷺ ، ولا تحدثنا عن غيره، وفي رواية عنه قال: سئل أنس عن خلق رسول الله ﷺ فقال: كان يلبس الصوف، ويركب الحمار، ويجلس على الأرض، ويعتقل العنز، ويحلبها، ويأكل على الأرض، ويقول: إنما أنا عبد، أجلس كما يجلس العبد، - وسمعته يقول: «لو دعيت إلى كراع لقبلت» ، وثيابه عليها، قال: وأحسبه: ينام عليها. وروى ابن عدي بسند ضعيف عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: جاء جبريل إلى النبي ﷺ وهو يأكل متكئا، فقال: المتكئ من النعمة فاستوى قاعدا، فما رؤي بعد ذلك متّكئا، وقال: «إنما أنا عبد، آكل كما يأكل العبد، وأشرب كما يشرب العبد» . وروى ابن عساكر- من طرق حسنها- عن يحيى بن سعد الأنصاري عن علي بن حسين رضي الله تعالى عنهما مرسلا قال: قيل للنبي ﷺ لو اتخذنا لك شيئا ترتفع عليه، تكلّم الناس، فقال: «لا أزال بينكم تطئون عقبي، حتى يكون الله يرفعني، ثم قال: لا ترفعوني فوق حقي، فإن الله اتخذني عبدا قبل أن يتخذني رسولا» قال يحيى: فذكرتها لسعيد بن المسيّب فقال: صدق، إن كان نبيا عبدا، وبعد ما اتخذه نبيا، كان عبدا. وروى أيضا عن أبي موسى رضي الله تعالى عنه قال: كان رسول الله ﷺ يلبس الصوف، ويركب الحمار، ويأتي مدعاة الضعيف [ (١) ] . وروى أيضا وأبو يعلى عن أبي أيوب رضي الله تعالى عنه قال: كان رسول الله ﷺ يلبس الصوف، ويركب الحمار، ويخصف النعل، ويرقع القميص، ويقول: «من رغب عن سنتي فليس مني» [ (٢) ] . وروى أيضا وإسحاق بن راهويه وأبو يعلى عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: كان رسول الله ﷺ يعود المريض، ويتبع الجنازة، ويركب الحمار، ويردف معه، ويجيب دعوة المسكين ويوضع طعامه بالأرض، ويلعق أصابعه، وكان يوم خيبر على حمار، ويوم بني قريظة والنّضير على حمار خطامه من حبل من ليف، وتحته إكاف من ليف [ (٣) ] . وروى أيضا عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: كان في رسول الله ﷺ ثلاث

стр. 2861

خصال ليست في الجبارين، كان يركب الحمار وكان لا يدعوه أسود ولا أحمر إلا أجابه، وكان يجد التّمرة ملقاة، فيلقيها في فيه [ (١) ] . وروى ابن عساكر عنه قال: كان العبد الأسود يأتي رسول الله ﷺ فيأخذ بيده، فيمضي به حيث شاء، إلا قفل بحاجته. وروى البخاري وابن عساكر عن عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه قال: كان رسول الله ﷺ يعود مرضانا، ويتبع جنائزنا، ويواسينا بالقليل والكثير. وروى عن البيهقي وابن عساكر عن سهل بن حنيف رضي الله تعالى عنه قال: كان رسول الله ﷺ يأتي ضعفاء المسلمين، ويزورهم، ويعود مرضاهم، ويشهد جنائزهم [ (٢) ] . وروى ابن منده وابن عساكر عن عاصم بن حدرة قال: ما أكل رسول الله ﷺ على خوان قط، ولا مشى معه بسواد وما كان له بواب قط. وروى ابن عساكر- وقال هذا حديث غريب جدا من حديث جرير- عن جرير بن عبد الله رضي الله تعالى عنه أن رجلا أتى رسول الله ﷺ فقام بين يديه، فاستقبلته رعدة، فقال رسول الله ﷺ : «هوّن عليك فإني لست بملك، إنما أنا ابن امرأة من قريش كانت تأكل القديد» . وروى أبو الحسن بن الضحاك عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف قال: قلت لأبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه: ما ترى فيما قد ظهر من هذا الملبس، والمشرب، والمطعم؟ فقال: يا ابن أخي: كل لله، واشرب لله، والبس لله، واركب لله، وكل شيء من ذلك دخله هوى ومدح، أو مباهاة، أو رياء، أو سمعة فهو معصية وسرف، وتعالج في بيتك من الخدمة ما كان رسول الله ﷺ يعالج في بيته، كان يعلف الناضح، ويعتقل البعير، ويقم البيت، ويحلب الشاة، ويخصف النعل ويرقع الثوب، ويأكل مع خادمه، ويطحن عنه إذا دعاه، ويشتري التمر من السوق، فلا يمنعه الحياء أن يعلقه بيده، أو يجعله في طرف ثوبه، فيبلغ به إلى أهله، ويصافح الغني والفقير والصغير والكبير، ويسلم مبتدئا على من استقبله من صغير أو كبير، أسود أو أحمر، حر أو عبد، من أهل الصلاة لا يستحي أن يجيب إذا دعي، وإن كان أشعث أغبر، ولا يحقر ما دعى إليه، وإن لم يجد إلا حشفة لا يرفع عشاء لغذاء، ولا غذاء لعشاء، يصبح سبعة أبياته ما بات لهم كسرة خبز، ولا شربة سويق، هيّن المؤنة، لين الخلق،

стр. 2862

كريم الطبيعة، جميل المعاشرة، طليق الوجه، بسّام من غير ضحك، محزون من غير عبوس، شديد من غير عنف، متواضع في غير مذلّة، جواد في غير سرف، رحيم بكل ذي قربى ومسلم، رقيق القلب، دائم الإطراق، لم يبشم قط من شبع، ولم يمد يده إلى طمع قط، قال أبو سلمة: فحدثت عائشة بهذا الحديث كله عن أبي سعيد فقالت: ما أخطأك حرفا، ولقد قصّر أما أخبرك أن رسول الله ﷺ لم يمتلئ شبعا قط، ولم يبث إلى أحد شكوى، وإن كانت الفاقة أحب إليه من اليسار، والغنى، إن كان ليظل جائعا يلتوي ليلته حتى يصبح فلا يمنعه ذلك من صيام يومه، ولو شاء أن يسأل ربه فيؤتى بكنوز الأرض وثمارها، ورغد عيشها، من مشارقها ومغاربها لفعل، قالت: وربما بكيت رحمة مما أراني له من الجوع فأمسح بطنه بيدي وأقول: نفسي لك الغداء لو تبلغت من الدنيا بقدر ما يقوتك، ويمنع الجوع، ويقول: يا عائشة: إن إخواني من أولي العزم من الرسل قد صبروا على ما هو أشد من هذا، فمضوا على حالهم، فقدموا على ربهم، فأكرم مثابهم، وأجزل ثوابهم، أستحي إن ترفهت في معيشتي أن يقصر بي دونهم فالصبر أياما يسيرة أحب إلي مما ينقص حظي غدا في الآخرة، فما من شيء أحب إلي من اللّحوق إلى إخواني في سنده ميسرة بن عبد ربه. تنبيهان الأول: تقدم في حديث حسن أنه لم يكن له ﷺ بوّاب، عن أنس قال: مر رسول الله ﷺ بامرأة، وهي تبكي عند قبر، فقال: «اتقي الله، واصبري» ، قالت: إليك عني، فإنك تخلو من مصيبتي، قال: فجاوزها، ومضى، فمر بها رجل فقال: ما قال لك رسول الله ﷺ ؟ قالت: ما عرفته؟ قال: إنه لرسول الله ﷺ ، قال: فجاءت إلى بابه، فلم تجد عليه بوابا ... الحديث، ولا يخالف هذا حديث أبي موسى أنه كان بوابا لرسول الله ﷺ لما جلس على القف، لأنه ﷺ إذا لم يكن في شغل من أهله، ولا انفراد من أمره، يرفع الحجاب بينه، وبين الناس، ويبرز لطالب الحاجة إليه، وفي حديث عمر بن الخطاب حين استأذن له الأسود في قصة حلف ألا يدخل على نسائه شهرا، ففيه أنه كان في وقت خلوته بنفسه يتخذ بوابا، ولولا ذلك لاستأذن عمر لنفسه، ولم يحتج إلى قوله: يا رباح استأذن لي، ويحتمل أن يكون سبب استئذان عمر أنه خشي أن يكون وجد عليه بسبب ابنته، فأراد أن يختبر ذلك باستئذانه عليه، فلما أذن اطمأن قاله الحافظ. الثاني: في بيان غريب ما سبق: التواضع: مصدر تواضع: هو هضم النفس من الملكات المرضية المورثة للمحبة من الله ومن خلقه.

стр. 2863

يتضاءل: بتحتية ففوقية فبضاد معجمة ممدودة فهمزة مهملة، فلام. حجزته: بحاء مهملة مضمومة، فجيم، فزاي، موضع شد الإزار ثم قيل للإزار حجزة للمجاورة. الأحداث: بهمزة مفتوحة، فحاء ساكنة، فدال مهملة، فألف فمثلثة: جمع حدث بفتح المهملتين الشاب أول عمره. القطيفة: كساء له خمل، يجعل دثارا. هنيهة: بهاء فنون مفتوحة فتحتية ساكنة، فهاء مفتوحة، فتاء تأنيث قليلا. الطّنفسة: بتثليث الطاء، والفاء أيضا وقد تفتح الطاء وتكسر الفاء: اسم للبساط، ويطلق على حصير من سعف يكون عرضه ذراعا. الكراع: بضم أوله، وهو ما دون الركبة من ساق الإنسان، وما فوق الخف والظلف والحافر من غيره. جثى: بجيم مفتوحة فمثلثة مفتوحة: جلس. تسلخ: بضم اللام وفتحها. تنحى: بفتح النون، فحاء مهملة مشددة، أي زال عن مكانه. أريك: أعلمك. دحس: بمهملات مفتوحات، والدّحس بسكون الحاء: إدخال اليد بين جلد الشاة، وصفاقها: وهو الجلد الأسفل الذي تحت الجلد الذي عليه الشعر. توارت: أي استترت بالجلد الذي عليها. مهنة أهله: بفتح الميم وكسرها: أي خدمتهم. يفلي: بياء تحتية مضارع [فلي] فلام ثلاثيا: أي يزيل قمله. يخصف: يخرز طاقا على طاق، من الخصف، وهو الجمع والضم، ومنه وطفِقا يَخْصِفان [طه ١٢١] . الإكاف: بكسر الهمزة وضمها: البردعة، أو ما يشد فوقها. اللبد: بلام مكسورة، فموحدة ساكن، فدال مهملة: ما يلبّد من شعر أو صوف. محتفزا: بحاء فمثناة فوقية، ففاء، فزاي مستعجلا. الهملاج: بهاء مضمومة، فميم ساكنة، وآخره جيم واحدة الهماليج: البرذون الحسن المشي بسرعة فارسي معرب. الفريغ: بغين معجمة: أي واسع المشي. هدّة: بهاء فدال، فمثناة فوقية: صوت يشبه الرعد.

стр. 2864

أفظعة: بهمزة مفتوحة، ففاء ساكنة، فظاء مشالة معجمة، فعين مهملة مفتوحتين: اشتد عليه وهابه. احتذى: بهمزة مكسورة، فمهملة ساكنة، ففوقية، فذال معجمة مفتوحتين: انتعل. المخصوف: بميم مفتوحة، فخاء معجمة ساكنة، فصاد مهملة، فواو، ففاء: من الخصف وهو الضم. بشعا: بموحدة مفتوحة، فشين مكسورة، فعين مهملة: الخشن تقدم وهنا: غليظ الشعير. مدعاة الضعيف. الخوان: بخاء معجمة مكسورة، فواو فألف، فنون: ما يوضع عليها الطعام عند الأكل. مشى بسواد: بسين مهملة، فواو مفتوحتين، فألف، فدال مهملة. الرّعدة بكسر الراء وفتحها، وسكون العين المهملة، وبالدال: الاضطراب. القديد: اللحم المملوح المجفف فعيل بمعنى مفعول. الناضح: بنون فألف فضاد معجمة، فحاء مهملة، الجمل يسقى عليه الماء. يقمّ البيت: بفتح التحتية، وضم القاف، وتشديد الميم: يكنسه. حشف: بمهملة فمعجمة مفتوحتين ففاء،: الفاسد اليابس. والدّقل: بمهملة فقاف مفتوحتين، فلام: الرديء من التمر. طليق الوجه: بطاء مهملة مفتوحة، فلام مكسورة فتحتية فقاف: منبسط متهلل. بسّام: بفتح الموحدة، وتشديد المهملة: كثير التبسم. العنف: بعين مهملة مضمومة، فنون ساكنة ففاء: الشدة والمشقة، وكل ما فيه الرفق من الخير ففي العنف من الشر مثله. لم يبشم: بتحتية مفتوحة فموحدة ساكنة فشين معجمة مفتوحة فميم: من البشم، وهي التخمة. خلو من مصيبتي: بخاء معجمة مكسورة، فلام ساكنة، فواو: فارغ البال منها. القف: بقاف مضمومة، ففاء مشددة: هنا: الدّكّة تجعل حول البئر وأصله ما غلظ من الأرض وارتفع حول البئر ويكون يابسا في الغالب، والقف أيضا: واد من أودية المدينة، عليه مال لأهلها.

стр. 2865

الباب الثامن في كراهيته للإطراء، وقيام الناس له ﷺ روى الشيخان عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا تطروني كما أطرى النصارى عيسى ابن مريم، فإنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله» [ (١) ] . وروى أحمد، والنّسائي وأبو القاسم البغوي عن أنس رضي الله تعالى عنه أن رجلا قال: يا محمد يا سيّدنا وابن سيدنا، وخيرنا، وابن خيرنا، فقال رسول الله ﷺ : «أيها الناس، قولوا بقولكم، ولا يستهويّنكم الشيطان» [ (٢) ] . وروى الإمام أحمد، والبخاري في الأدب، والترمذي، وصححه عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: لم يكن شخص أحب إليهم من رسول الله ﷺ ، وكانوا إذا رأوه لم يقوموا، لما يعلمون من كراهته لذلك [ (٣) ] . وروى أبو داود عن أبي أمامة رضي الله تعالى عنه قال: خرج علينا رسول الله ﷺ فقمنا إليه، فقال: «لا تقوموا كما يقوم الأعاجم، يعظم بعضهم بعضا» [ (٤) ] . وروى الحافظ وأبو نعيم عن علي بن الحسين رضي الله تعالى عنه مرسلا قال: قال رسول الله ﷺ : «لا ترفعوني فوق حقّي، وفي لفظ: قدري أن الله تعالى اتخذني عبدا قبل أن يتخذني نبيا» [ (٥) ] . تنبيه: في بيان غريب ما سبق: الإطراء: قال في النهاية مجاوزة الحد في المدح، والكذب فيه. استهواه الشيطان: ذهب به، وقيل استماله، وأضله، فهدى إلى ما دعاه إليه: أي أسرع في الجري.

стр. 2866

يستجريّنّكم: بفتح المثناة التحتية، وسكون السين المهملة، وفتح المثناة الفوقية، وسكون الجيم، وكسر الراء أو فتحها، وتشديد المثناة التحتية الجريّ وهو الوكيل، يقال أجريت جريّا، واستجريت جريّا أي اتخذت وكيلا، يقول: تكلموا بما يحضركم من القول: ولا تتنطّعوا، ولا تسجعوا كأنكم تنطقون عن نيابة الشيطان. الطول: بطاء مهملة مفتوحة، فواو ساكنة، فلام: الفضل والعلو. الجفنة: بفتح الجيم، وسكون الفاء، قال ابن قتيبة: العرب تقول للسيد المطعم الطعام جفنة لأنه يضعها، ويطعم فيها، وإنما أنكر النبي ﷺ هذا منه لأنه تحية أهل الجاهلية، كانوا يثنون بها على رؤسائهم، فقال لهم: قولوا بقولكم أي بقول أهل دينكم، أمرهم أن يثنوا عليه بالدين، وأن يخاطبوه بالنبي والرسول، وقد يكون معناه كراهة التشديق في الخطب، وأمرهم بالاقتصاد في القول، وهذا كما روي أنه ﷺ كان لا يقبل الثناء إلا من مكافئ، قال ابن قتيبة معناه إذا أنعم. الغراء البيضاء: أي أنها مملوءة بالشحم والدهن.

стр. 2867

الباب التاسع في شجاعته، وقوته ﷺ قال الله : فَقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ، وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ [النساء: ٨٤] استنبط بعض السلف من الآية أن رسول الله ﷺ مأمور أن لا يفرّ من المشركين إذا واجهوه، ولو كان وحده. وروى أبو زرعة الرازي في دلائل النبوة عن أنس رضي الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ قال: «فضلت على الناس بشدة البطش» [ (١) ] . وروى ابن سعد عن محمد بن الحنفيّة رضي الله تعالى عنه قال: كان رسول الله ﷺ أشجع الناس، وقال: فزع أهل المدينة ذات ليلة، فانطلق الناس قبل الصوت، فتلقاهم رسول الله ﷺ راجعا، وقد سبقهم إلى الصوت، وهو على فرس لأبي طلحة عري، في عنقه السيف، وهو يقول: لم تراعوا، لم تراعوا، ما وجدت من شيء، وقال للفرس: وجدناه بحرا، وإنه لبحر، قال: وكان فرسه بطيئا فيه قطاف فما سبق بعد، وهذا من جملة معجزاته ﷺ كونه ركب فرسا قطوفا بطيئا فعاد بحرا لا يسابق، ولا يجارى [ (٢) ] . وروى الإمام أحمد، وابن ماجة عن علي رضي الله تعالى عنه قال: كنا إذا حمي البأس ولقي القوم القوم، اتقينا برسول الله ﷺ ، فما يكون منا أحد أدنى من القوم منه [ (٣) ] . وروى عنه أيضاً قال: لما كنا يوم بدر اتقينا المشركين برسول الله ﷺ ، وكان أشد الناس بأسا يومئذ، وما كان أحد أقرب من المشركين منه. وروى ابن أبي شيبة عن البراء سأله رجل من قيس: أفررتم عن رسول الله ﷺ يوم حنين؟ فقال البراء: ولكن رسول الله ﷺ لم يفر، كانت هوازن ناسا رماة، وإنا لما حملنا عليهم انكشفوا، وأكببنا على الغنائم، فاستقبلونا بالسهام، ولقد رأيت رسول الله ﷺ على بغلته البيضاء، وإن أبا سفيان بن الحارث آخذ بلجامها، وهو يقول: «أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب» انتهى، وهذا ما يكون في غاية من الشجاعة التامة لأنه في مثل هذا اليوم في حومة الوغي، وقد انكشف عنه جيشه، وهو مع هذا مع بغلة ليست للجري، ولا تصلح لكر ولا فر ولا هرب، وهو مع ذلك يركضها إلى وجوههم، وينوّه باسمه، ليعرفه من ليس يعرفه ﷺ .

стр. 2868

وروى أبو الشيخ عن عمران بن حصين: ما لقي رسول الله ﷺ كتيبة إلا كان أول من يضرب. وروى الدارميّ عن ابن عمر قال: ما رأيت أحدا أنجد ولا أجود، ولا أشجع من رسول الله ﷺ . وروى الإمام أحمد، ومسلم عن العباس رضي الله تعالى عنه قال: لقد شهدت مع رسول الله ﷺ حنينا، فلقد رأيت رسول الله ﷺ وما معه إلا أنا وأبو سفيان بن الحارث، وهو على بغلة شهباء، فلما التقى المسلمون والكفار ولى المسلمون مدبرين فطفق رسول الله ﷺ يركض بغلته قبل الكفار، وأنا آخذ بلجام بغلة رسول الله ﷺ أكفها، وهو لا يألوها، يسرع للمشركين، وأبو سفيان آخذ بغرز رسول الله ﷺ ، وأقبل المسلمون واقتتلوا هم والكفار ورسول الله ﷺ على بغلته كالمتطاول عليها إلى قتالهم، فقال هذا حين حمي الوطيس وذكر الحديث في غزوة حنين ويأتي. وروى ابن أبي خيثمة عن البراء بن عازب رضي الله تعالى عنه قال: لما أمرنا رسول الله ﷺ بحفر الخندق عرض لنا فيه صخرة عظيمة شديدة، لا يأخذ فيها المعول، فاشتكينا ذلك لرسول الله ﷺ ، فجاء رسول الله ﷺ ، فلما رآها أخذ ثوبه، وأخذ المعول، فقال: «باسم الله، فضرب ضربة فكسر ثلثها، ثم ضرب الثانية فثلغ الثلث الآخر» ثم ضرب الثالثة، فثلغ ثلث الصخر - الحديث، ويأتي بكماله في المعجزات، وتقدم في واقعة الخندق، وقصة مصارعة رسول الله ﷺ كانت تقدمت أوائل الكتاب. وروى مسلم عن البراء بن عازب رضي الله تعالى عنه قال: كنا إذا اشتد البأس، وحمي الوطيس، استقبلنا القوم بوجه رسول الله ﷺ ، وإن الشجاع منا ليحاذي الذي يحاذي رسول الله ﷺ . وروى الطبراني عن علي لما سئل عن موقف رسول الله ﷺ يوم بدر قال: «كان أشدّنا من حاذى ركبته ﷺ . تنبيهان الأول: قال القاضي وغيره من زعم أن النبي ﷺ هزم يستتاب، فإن تاب، وإلا قتل، ولا يجوز ذلك عليه، إذ هو على بصيرة من أمره، ويقين من عصمته، وفرقوا بينه وبين من قال: إنه جرح أو أوذي بأن الإخبار عن الأذى نقص لا يحسب عليه والإخبار بالانهزام نقص له ﷺ لأنه فعله، كما أن الأذى فعل المؤذي.

стр. 2869

وقال ابن دحية فإن قيل: كيف تغّيب رسول الله ﷺ في الغار؟ وظاهر: بين درعين يوم أحد قلنا: أما قصة الغار فلم يكن أذن له في قتال الكفار بعد، أما المظاهرة بين درعين فهو من باب الاستعداد للإقدام، وليقتدي به أصحابه، والمنهزم خارج عن الإقدام جملة، بخلاف المستعد له. [ (١) ] الثاني: في بيان غريب ما سبق: الشجاعة: انقياد النفس في إقدامها مع قوة غضبية وملكة يصدر عنها انقيادها على ما ينبغي في زمن ينبغي، وحال ينبغي. القوة: تمكن من مزاولة أفعال شاقة لاعتدال في الأعضاء. البطش: بموحدة مفتوحة، فطاء مهملة ساكنة، فمعجمة: الأخذ القوي الشديد. فرس بحر: إذا كان واسع الجري. وفرس قطوف إذا ضايق بين خطوه في المشي، قال الأصمعي: فرس بحر إذا كان جوادا وقال أبو عبيدة: البحر: الفرس الذي كلما بعد جرى حتى آخر النجدة، وتثنيتها يبذلها عند طلب التثبيت والسكون إلى الفوت حيث يحمد فعلها. بلا خلاف. الكتيبة: بمثناة فوقية: جماعة عظيمة من الجيش. الوطيس: بواو مفتوحة، وطاء مكسورة ومثناة تحتية ساكنة، وسين مهملة، شيء يشبه التّنّور وقيد ذلك. النجدة: بنون، فجيم: الشجاعة، وقوة البطش.

стр. 2870

الباب العاشر في كرمه وجوده ﷺ وروي عن الشيخين والإمام أحمد وابنه عبد الله رضي الله تعالى عنهما قال: ما سئل رسول الله ﷺ فقال: «لا» [ (١) ] ، ولله در الفرزدق حيث قال: ما قال لا قطّ إلّا في تشهّده ... لولا التّشهّد كانت لاؤه نعم وروى الخرائطي، والطبراني عن علي رضي الله تعالى عنه قال: كان رسول الله ﷺ إذا سئل عن شيء فأراد أن يفعله قال: «نعم» وإن أراد ألا يفعله سكت، وكان لا يقول لشيء لا [ (٢) ] . وروى أبو ذر عبد الله بن أحمد الهروي في دلائله عن محمد بن السّري العسقلاني [قال] : كنت أنا ورجل من أهل عسقلان نطلب المشايخ نقرأ عليهم القرآن فرأيت كأني وصاحبي اختلفنا في آية وَالْعَنْهُمْ لَعْناً كَبِيراً [الأحزاب ٦٨] وقال صاحبي: كثيرا، فلقيت آدم بن أبي إياس فقلنا: نسألك، فقال: وهذا محمد رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمر وعثمان، فقلت: يا رسول الله ادع لي، فسكت، فقلت: يا رسول الله، ما لك لا تدعو لي؟ فو الله لقد حدثني سفيان بن عيينة عن محمد بن المنذر عن جابر أنك ما سئلت عن شيء قط فقلت: لا، فتبسم رسول الله ﷺ ، ودعا لي، فقلت: يا رسول الله: رَبَّنا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْناً كَبِيراً [الأحزاب ٦٨] فقال رسول الله ﷺ : «كبيرا كبيرا كبيرا» . وروى الإمام أحمد، ومسلم عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: ما سئل رسول الله شيئاً إلا أعطاه ولقد جاءه رجل فأعطاه غنماً بين جبلين، فرجع إلى أهله فقال: يا قوم أسلموا، فإن محمداً ﷺ يعطي عطاء من لا يخشى الفاقة، وإن كان الرجل ليجيء إلى رسول الله ﷺ وما يريد بذلك إلا الدنيا، فما يمسي حتى يكون دينه أحب إليه من الدنيا وما بينها [ (٣) ] ، ويرحم الله تعالى أبا عبد الله محمد المعروف بابن جابر حيث قال: هذا الّذي لا يخش فقرا إذا ... يعطي ولو كثر الأنام وداموا هذا من الأنعام أعطى أملا ... فتحيّرت لعطائه الأفهام وأعطاه ﷺ ذلك، لأنه ﵊ علم أن داءه لا يزول إلا بهذا الدواء، وهو الإحسان، فعالجه به حتى برأ من داء الكفر، وهذا من كمال شفقته، ورحمته ورأفته ﷺ ، أي

стр. 2871

عامله بكمال الإحسان، وأبعده من حر النيران، إلى برد لطيف الجنان. وروى الدارمي عن سهل بن سعد رضي الله تعالى عنه قال: كان رسول الله ﷺ حيياً لا يسأل شيئاً إلا أعطى [ (١) ] ولقد أحسن ابن جابر حيث قال:. يروى حديث النّدى والبشر عن يده ... ووجهه بين منهلّ ومنسجم من وجه أحمد لي ندى ومن يده ... بحر ومن فمه درّ لمنتظم يمّم نبيا يباري الرّيح نافلة ... والمزن من كل هامي الورد خير همي لو عامت الفلك فيما فاض من يده ... لم تلق أعظم بحرا منه أن تعم يحيط كفّاه بالبحر المحيط فلذ ... به ودع كلّ طامي الموج ملتطم لو لم تحط كفّه بالبحر ... ما اشتملت كلّ الأنام وروّت قلب كلّ ظمي وروى الترمذي عن الربيع بن عفراء قال: أتيت رسول الله ﷺ بقناع من رطب، وجرو زغب، فأعطاني ملء كفي حليّا، أو ذهبا، ويرحم الله ابن جابر حيث قال:. لقد كان فعل الخير قرّة عينه ... فليس له فيما سواه مجال فلو سألوا من كفّه ردّ سائل ... أجابهم هذا السؤال محال ولو عرف المحتاج قبل سؤاله ... كفاه، وأغنى أن يكون شؤال يبادر للحسنى ويبذل زاده ... ولو بات مسّ الجوع منه ينال وروى البخاري، وابن ماجة، وابن سعد، والطبراني، والإسماعيلي والنّسائي عن سهل ابن سعد رضي الله تعالى عنه أن امرأة جاءت النبي ﷺ ببردة منسوجة فيها حاشيتها، قال سهل: أتدرون ما البردة؟ قالوا، الشّملة، قال: نعم، قالت نسجتها بيدي لأكسوكها فخذها، فأخذها النبي ﷺ محتاجا إليها فخرج إلينا وإنها لإزاره فقال الأعرابي: يا رسول الله بأبي أنت وأمي هبها لي وفي لفظ، فقال: «نعم» ، فجلس ما شاء الله في المجلس، ثم رجع فطواها فأرسل بها إليه، ثم سأله، وعلم أنه لا يرد سائلا، وفي لفظ: لا يسأل شيئا فيمنعه قال: والله إني ما سألته لألبسها، إنما سألته لتكون كفني، رجوت بركتها حين لبسها رسول الله ﷺ ، قال سهل: فكانت كفنه، زاد الطبراني: وأمر النبي ﷺ أن يصنع له غيرها، فمات قبل أن تنزع [ (٢) ] . وروى الطبراني عن أم سنبلة قالت: أتيت رسول الله ﷺ بهدية، فأبى أزواجه أن يقبلنها، فأمرهن رسول الله ﷺ ، فأخذنها، ثم أقطعها واديا.

стр. 2872

وروى الدّارمي عن هارون بن أبان قال: قدّم للنبي ﷺ سبعون ألف درهم، وهو أكثر مال أتي به قط، فوضع على حصير من المسجد، ثم قام بنفسه، فما رد سائلا، حتى فرغ منه، قالوا: ويحتمل أن يكون المراد بهذه الكثرة الدراهم، فإن رسول الله ﷺ قسم بين رجلين من النّعم والشاء ما هو أكثر من هذا المال المذكور في هذا الحديث، وذكر ابن فارس في كتابه أسماء النبي ﷺ : أنّه في يوم حنين جاءت امرأة، فأنشدت شعرا تذكره أيام رضاعه في هوازن، فرد عليهم ما أخذ، وأعطاهم عطاء كثيرا، حتى قوّم ما أعطاهم فكان خمسمائة ألف، قال ابن دحية: وهذا نهاية الجود الذي لم يسمع بمثله في الجود ... وروى البخاري عن أنس رضي الله تعالى عنه، قال: أتى رسول الله ﷺ بمال من البحرين فقال: انظروا يعني صبّوه في المسجد، وكان أكثر مال أتى به ﷺ ، فخرج رسول الله ﷺ من المسجد، ولم يلتفت إليه، فلما قضى الصلاة جاء فجلس إليه، فما كان يرى أحدا إلا أعطى إلى أن جاء العباس فقال: يا رسول الله أعطني، فإني فأديت نفسي، وفأديت عقيلا، فقال: «خذ» فحثا في ثوبه، ثم ذهب يقلّه فلم يستطع، فقال: يا رسول الله مر بعضهم يرفعه إليّ قال: «لا» ، قال: فارفعه أنت، قال: «لا أستطيع» ، ثم نثر منه، ثم ذهب يقلّه فلم يستطع، فقال: يا رسول الله: مر بعضهم يرفعه عليّ، قال: «لا» ، قال: فارفعه أنت» ، قال: «لا» ثم نثر منه فاحتمله، فألقاه على كاهله، فانطلق فما زال رسول الله ﷺ يتبعه بصره حتى خفي علينا، عجبا منه، فما قام رسول الله ﷺ ، وثمّ منها درهم، ورواه ابن أبي شيبة من طريق حميد ابن هلال مرسلا أنه كان أرسل به العلاء بن الحضرمي من خراج البحرين قال: وهو أول مال حمل إليه. وروى الشيخان عن جابر رضي الله تعالى عنه أنه كان يسير على جمل له قد أعيا فمر النبي ﷺ فضربه، ودعا له، فسار سيرا لم يسر مثله، ثم قال: «بعنيه بوقيّة» ، قلت: لا، ثم قال: «بعنيه بوقيّة» ، فبعته واستثنيت حملانه إلى أهلي، فلما قدمنا المدينة أتيته بالجمل، ونقد لي ثمنه، ثم انصرفت، فأرسل إلي فقال: «ما كنت لآخذ جملك، هو لك» وفي لفظ البخاري قال ﷺ لجابر في سفر: «بعني جملك» ، فقال: هو لك يا رسول الله، بأبي وأمي، فقال: «بعنيه» فباعه إياه، وأمر بلالا أن ينقده ثمنه، فأنقده ثم قال ﷺ : «اذهب بالثمن والجمل بارك الله لك فيهما» ، انتهى، فعل ذلك رسول الله ﷺ مكافأة لقوله: بل هو لك، فأعطاه الثمن، ورد عليه الجمل، وزاد الدعاء بالبركة. وروى الشيخان عن أبي عباس رضي الله تعالى عنهما قال: كان رسول الله ﷺ أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان، حين يلقى جبريل، وكان يلقاه كل ليلة من رمضان،

стр. 2873

فيدارسه في القرآن. فرسول الله ﷺ أجود بالخير من الريح المرسلة [ (١) ] . وروى التّرمذي والخرائطي عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: ما عندي شيء أعطيك، ولكن استقرض، حتى يأتينا شيء فنعطيك، فقال عمر: ما كلفك الله هذا، أعطيت ما عندك، فإذا لم يكن عندك فلا تكلف، قال: فكره رسول الله ﷺ قول عمر، حتى عرف في وجهه، فقال الرجل: يا رسول الله، بأبي وأمي أنت، فأعط، ولا تخش من ذي العرش إقلالا، فتبسم وجه رسول الله ﷺ وقال: «بهذا أمرت» . وروى ابن سعد عن أنس والتّرمذي عن علي قالا: كان رسول الله ﷺ أجود الناس [ (٢) ] . وروى بقي بن مخلد وأبو يعلى عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : «ألا أخبركم عن الأجود؟ الله الأجود، وأنا أجود ولد آدم، وأجودهم من بعدي رجل تعلم علما فنشر علمه، يبعث يوم القيامة أمة وحده، ورجل جاهد في سبيل الله حتى يقتل» [ (٣) ] . وروى ابن أبي خيثمة عن علي رضي الله تعالى عنه أنه كان إذا نعت رسول الله ﷺ قال: كان أجود الناس كفا. وروى ابن أبي شيبة عن أنس قال: كان رسول الله ﷺ أجود الناس [ (٤) ] . وروى بزّار عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: كان رسول الله ﷺ إذا دخل شهر رمضان أطلق كل أسير وأعطى كل سائل [ (٥) ] . وروى ابن أبي الدّنيا وغيره عن أبي سعيد رضي الله تعالى عنه قال: دخل رجلان على رسول الله ﷺ يسألانه عن ثمن بعير فأعانهما بدينارين، فخرجا من عنده، فلقيا عمر بن الخطاب، فأثنيا خيرا، وقالا معروفا، وشكرا ما صنع رسول الله ﷺ بهما، فدخل عمر على النبي ﷺ فأخبره بما قالا، فقال رسول الله ﷺ : «لكن فلانا أعطيته ما بين العشرة والمائة فلم يقل ذلك، إن أحدهم يسألني فينطلق بمسألته يتأبّطها، وما هي إلا نار» ، فقال عمر يا رسول الله، فلم تعطهم ما هو نار؟ فقال: «يأبون إلا أن يسألوني ويأبى الله لي البخل» [ (٦) ] . وروى الإمام والخمسة عن أبي سعيد رضي الله تعالى عنه إن ناسا من الأنصار سألوا رسول الله ﷺ فأعطاهم، ثم سألوه فأعطاهم، وقال: «ما يكون عندي من خير فلن أدّخره

стр. 2874

عنكم، ومن يستعفف يعفه الله، ومن يستغن يغنه الله، ومن يتصبر يصبره الله، وما أعطي أحد عطاء هو خير، وأوسع من الصبر» . وروى ابن عدي عن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما أن رسول الله ﷺ قال: «لو أن لي مثل جبال تهامة ذهبا لقسمته بينكم، ثم لا تجدوني كذوبا ولا بخيلا» [ (١) ] . وروى البخاري عن جبير بن مطعم رضي الله تعالى عنه أنه بينما هو مع رسول الله ﷺ ، ومعه الناس، مقبلا من حنين علقت برسول الله ﷺ الأعراب يسألونه، حتى اضطروه إلى سمرة فخطفت رداءه، فوقف رسول الله ﷺ فقال: «أعطوني ردائي، فلو كان لي عدد هذه العضاة نعم لقسمته عليكم لا بخيلا، ولا كذابا، ولا جبانا» [ (٢) ] . وروى أبو جعفر بن جرير الطبري عن سهل بن سعد الساعدي رضي الله تعالى عنه قال: حكيت لرسول الله ﷺ حلّة أنمار صوف أسود، فجعل حاشيتها بيضاء، وقام فيها إلى أصحابه، فضرب بيده إلى فخذه فقال: «ألا ترون إلى هذه ما أحسنها!» فقال أعرابي: يا رسول الله بأبي أنت وأمي هبها لي وكان رسول الله ﷺ لا يسأل شيئاً أبدا فيقول: لا، فقال: «نعم» ، فأعطاه الجبة. وروى مسلم عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قال: قسم رسول الله ﷺ قسما لأناس، فقلت: يا رسول الله لغير هؤلاء كانوا أحقّ بهذا القسم، فقال: «إنهم خيروني أن يسألوني بالفحش، أو يبخلوني، ولست بباخل» [ (٣) ] . وروى ابن الأعرابي عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ عام حنين سأله الناس، فأعطاهم من البقر والغنم والإبل، حتى لم يبق من ذلك شيء، فقال رسول الله ﷺ : «ماذا تريدون؟ أتريدون أن تبخّلوني؟ فو الله ما أنا ببخيل، ولا جبان، ولا كذوب» ، فجذبوا ثوبه حتى بدت رقبته، فكأنما أنظر- حين مدّ يدا من منكبه- شقة القمر من بياضه [ (٤) ] . تنبيهات الأول: قال الحافظ: قوله: ما قال: لا، ليس المراد أنه يعطي ما طلب منه جزما، بل المراد أنه لا ينطق بالرد بلا، إن كان عنده أعطاه، إن كان إلا إعطاء سابغا، وإلا سكت، قال:

стр. 2875

وقد روينا بيان ذلك في حديث مرسل لابن الحنفية عند ابن سعد ولفظه: إذا سئل فأراد أن يفعل قال: نعم، وإن لم يرد أن يفعل سكت،. وقال الشيخ عز الدين بن عبد السلام لم يقل: لا، منعا للإعطاء، ولا يلزم من ذلك أن يقولها اعتذارا كما في قوله تعالى: «لا أَجِدُ ما أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ [التوبة ٩٢] ولا يخفى الفرق بين قوله: (لا أَجِدُ ما أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ وهو نظير ما في حديث أبي موسى الأشعري لما سأله الأشعريون الحملان فقال ﷺ : «ما عندي ما أحملكم» لكن يشكل عليه أنه ﷺ حلف لا يحملهم فقال: «والله لا أحملكم» ، فيمكن أن يخص من عموم حديث جابر ما إذا سئل ما ليس عنده، والسائل يتحقق أنه ليس عنده ذاك، حيث كان المقام لا يقتضي الاقتصار على السكوت من الحالة الواقعة، أو من حال السائل كأن لم يعرف العادة، فلو اقتصر على السكوت مع حاجة السائل تمادى في السؤال ويكون القسم على ذلك تأكيدا لقطع طمع السائل، والسر في قوله: «لا أجد ما أحملكم» وقوله: «والله لا أحملكم» أن الأول لبيان أن الذي سأله لم يكن موجوداً عنده، والثاني أنه يتكلف الإجابة إلى ما سئل بالقرض مثلا، أو بالاستيهاب، إذ لا اضطرار حينئذ. الثاني: قوله ﷺ : فخصها فلانا أفاد المحب الطبري في كتاب الأحكام له أن الرجل السائل عبد الرحمن بن عوف، وعزاه للطّبراني، قال الحافظ: ولم أجد ذلك في معجمه الكبير، لا في مسند سهل، ولا في عبد الرحمن، نعم رواه الطبراني، وقال في آخره: قال قتيبة هو سعد بن أبي وقاص، وقد يقال: تعددت القصة، وفيه بعد. الثالث: قوله ﷺ : الأجود أفعل تفضيل من جاد يجود، جوداً فهو جواد، بتخفيف الواو، وقومٌ جودٌ، وأجاود، وأجواد. قال النحاس: الجواد: الذي يتفضل على من يستحقّ، ويعطي من لا يسأل، ويعطي الكثير، ولا يخاف الفقر، من قولهم مطر جواد إذا كان كثيراً، وفرس جواد يعدو كثيراً، قبل أن يطلب منه، ثم قيل: هو مرادفٌ للسّخاء، والأصحّ أن السخاء أدنى منه، ولذا يوصف الله تعالى به، والسخي اللّين عند الحاجات، من أرضٌ سخاوية: لينة التراب، قال الأستاذ أبو القاسم القشيري رحمه الله تعالى: قال القوم من أعطى البعض فهو سخيّ، ومن أعطى الأدنى، وأبقى لنفسه شيئاً، فهو جواد، ومن قاسى الضر، وآثر غيره بالبلغة فهو مؤثر، وقال السّهروردي في عوارفه: السخاء صفة غريزية، وفي مقابله الشّح. والشح من لوازم صفة النفس قال تعالى: وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [التغابن ١٦] فحكم بالفلاح لمن وقي الشّحّ، وحكم بالفلاح أيضا لمن أنفق وبذل فقال: وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [البقرة ٥] والفلاح اسم لسعادة الدارين، وليس الشح من الآدمي بعجيب لأنه جبليّ فيه، وإنما العجب وجود السخاء في الغريزة، والسخاء أتم وأكمل من الجود. وفي مقابله البخل، وفي مقابلة السخاء الشح، والجود
следующие страницы →