النغير: بنون مضمومة، فغين معجمة مفتوحة، فتحتية ساكنة، فراء: طائر يشبه العصفور أحمر المنقار، ويجمع على نغران.
الحزقّة: المقارب الخطا، والقصير الذي تقرب خطاه.
عين بقّة: إشارة إلى البقة التي تطير، ولا شيء أصغر من عينها، قال الحاكم: في علوم الحديث، وأخبرني بعض الأدباء أن النبي ﷺ أراد بالبقة فاطمة رضي الله تعالى عنه فقال للحسن: يا قرّة عين بقة.
يدلع: بتحتية مفتوحة، فدال مهملة ساكنة، فلام، فعين مهملة: يخرج.
يهش: بتحتية مفتوحة، فهاء مكسورة فشين معجمة: يفرح، ويستبشر، ويرتاح ويخف للشيء.
الزاملة: بزاي، فألف، فميم مكسورة، فلام مفتوحة، فتاء تأنيث: البعير الذين يحمل عليه الطعام والمتاع، وأكثر ما يستعمل في حمل البغل والحمار.
وقر بعير: بواو مكسورة، فقاف ساكنة، فراء: حمل جمل.
стр. 2942
الباب الثالث والعشرون في ضحكه ﷺ ، وتبسّمه ﷺ
وروى التّرمذي- وصححه- وابن سعد عن الحارث بن جزء رضي الله تعالى عنه قال:
ما رأيت أحداً أكثر تبسما من رسول الله ﷺ ، وفي رواية ما كان ضحك رسول الله ﷺ إلا تبسما [ (١) ] .
وروى الشيخان وسعيد بن منصور، وأحمد وعبد وأبو داود وابن المنذر عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: ما رأيت رسول الله ﷺ مستجمعا ضاحكا حتى ترى لهواته إنما كان يبتسم [ (٢) ] .
وروى الترمذي والبيهقي عن هند بن أبي هالة رضي الله تعالى عنه قال: كان جل ضحك رسول الله ﷺ التبسم ويفتر عن مثل حب الغمام [ (٣) ] .
وروي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: كان رسول الله ﷺ إذا ضحك يتلألأ في الجدر [ (٤) ] .
وروى الخرائطي عن عمرة قالت: سألت عائشة رضي الله تعالى عنها كيف كان رسول الله ﷺ إذا خلا؟ قالت: كان كالرجل من رجالكم، إلا أنه كان أكرم الناس خلقا، كان ضاحكا بساما، ورواه أبو الحسن بن الضحاك بلفظ- قالت: كان ألين الناس، وأكرم الناس، ضحاكا بساما.
وروى أبو نعيم وابن عساكر عن حصين بن يزيد الكلبي رضي الله تعالى عنه قال: ما رأيت رسول الله ﷺ ضاحكا، ما كان إلا مبتسما.
وروى الإمام أحمد عن أمّ الدرداء رضي الله تعالى عنها قالت: كان أبو الدرداء رضي الله تعالى عنه لا يحدث بحديث إلا تبسم فيه، فقلت: إني أخشى أن يحمقك الناس فقال: كان رسول الله ﷺ لا يحدث بحديث إلا تبسم [ (٥) ] .
وروى ابن المبارك عن عون بن عبد الله بن عتيبة بن مسعود ﵀ كان النبي ﷺ لا يضحك إلا تبسما، ولا يلتفت إلا جميعا [ (٦) ] .
стр. 2943
وروى مسلم عن أنس رضي الله تعالى عنه في قوله تعالى: الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلى أَفْواهِهِمْ [يس ٦٥] قال: كنا عند رسول الله ﷺ فضحك، حتى بدت نواجذه، ثم قال:
«أتدرون مم ضحكت؟» فذكر الحديث.
وروى أبو بكر بن أبي شيبة عن أبي ذر رضي الله تعالى عنه عن رسول الله ﷺ قال: «إني لأعلم أول رجل يدخل الجنة، وآخر رجل يخرج من النار، يؤتى بالرجل يوم القيامة فيقال: أعرضوا عليه صغار ذنوبه، ويخبّا عنه كبارها، فيقال له: عملت كذا وكذا، وهو يقرّ، لا ينكر، وهو يشفق من كبارها، فيقال: أعطوه مكان كل سيئة عملها حسنة، قال: فيقول أي ربّ، إن لي ذنوبا ما أراها ههنا» ،
قال أبو ذر رضي الله تعالى عنه: فلقد رأيت رسول الله ﷺ ضحك، حتى بدت نواجذه.
وروى ابن أبي شيبة وأبو نعيم عن جرير رضي الله تعالى عنه قال: ما حجبني رسول الله ﷺ منذ أسلمت، ولا رآني قط إلا تبسم في وجهي [ (١) ] .
وروى ابن عساكر عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: بينا أنا جالس عند رسول الله ﷺ فجاء رجل إلى رسول الله ﷺ ، فقال: هلكت، قال: «ويحك، وما شأنك؟» قال: وقعت على أهلي في رمضان، قال: «أعتق رقبة» ، قال: لا أجد، قال: «فصم شهرين متتابعين» ، قال: ما أطيقه، قال: «فأطعم ستين مسكينا» ، ثم قال: ما بين ظهري المدينة أحوج إليه مني، فضحك رسول الله ﷺ حتى بدت أنيابه، ثم قال: «خذه، واستغفر ربك» [ (٢) ] .
وروى البخاري عن أنس رضي الله تعالى عنه أن رسول الله كان يدخل على أم حرام بنت ملحان، فتطعمه، وكانت أم حرام تحت عبادة بن الصامت فدخل عليها رسول الله ﷺ يوما فأطعمته، وجعلت تفلي رأسه [ (٣) ] .
وروى ابن أبي الدّنيا عنه قال: بينما رسول الله ﷺ جالس إذ رأيناه ضحك حتى بدت ثناياه، فقال عمر رضي الله تعالى عنه: ما أضحكك بأبي أنت وأمي؟ قال: «رجلان من أمتي جثيا بين يدي رب العزة، ﵎، فقال أحدهما: يا رب، خذلي مظلمتي من أخي، قال الله تعالى: أعط أخاك مظلمته، فيقول: يا رب لم يبق من حسناتي شيء، قال: يا رب فليحمل من أوزاري، ففاضت عينا رسول الله ﷺ بالبكاء، فقال: إن ذلك اليوم يوم عظيم، يوم يحتاج الناس فيه أن يحمل عنهم من أوزارهم، قال: فيقول الله تعالى: ارفع رأسك فانظر إلى الجنان،
стр. 2944
فرفع رأسه فقال: يا رب، أرى مدائن من فضة، وقصورا من ذهب، مكلّلة باللؤلؤ، لأي نبي هذا؟
لأي صدّيق هذا؟ قال الله تعالى: هذا لمن أعطاني الثمن، قال: يا رب ومن يملك ذلك؟ قال:
أنت تملكه، قال: بماذا؟ قال: بعفوك عن أخيك، قال: يا رب قد عفوت عنه، قال الله : خذ بيد أخيك فادخله الجنة» ، قال النبي ﷺ : «اتقوا الله، وأصلحوا ذات ببينكم، فإن الله تعالى يصلح بين المؤمنين يوم القيامة» .
وروى عن العباس بن مرداس رضي الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ دعا ربّه عشية عرفة لأمته.
وروى ابن عدي، وأبو بكر الشافعي عن حميد الطويل عن أبي الورد رضي الله تعالى عنه قال: رآني رسول الله ﷺ فرآني رجلا أحمر، فقال: «أنت أبو الورد» . وقال لخادمه أنس ابن مالك يمازحه: «يا ذا الأذنين» .
وروى قاسم بن ثابت في دلائله عن صهيب رضي الله تعالى عنه قال: دخلت على رسول الله ﷺ بقباء وبين أيديهم تمر وبسر تمر، وأنا أشتكي إحدى عيني، فرفعت التمر آكله، فقال رسول الله ﷺ : «أتأكل التمر على عينيك وأنت رمد؟» فقلت: إنما آكل على شقي الصحيح، وأنا أمزح مع رسول الله ﷺ ، فضحك رسول الله ﷺ حتى نظرت إلى نواجذه.
وروي عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: أغفى رسول الله ﷺ إغفاءة فرفع رأسه متبسما فقيل.
وروى ابن أبي شيبة، والإمام أحمد في الزهد عن صالح أبي الخليل قال: لما نزلت:
أَفَمِنْ هذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ وَتَضْحَكُونَ وَلا تَبْكُونَ [النجم ٥٩، ٦٠] فما ضحك رسول الله ﷺ بعد ذلك إلا تبسّما، ولفظ عبد بن حميد: فما رؤي رسول الله ﷺ ضاحكا، ولا مبتسما حتى ذهب من الدنيا.
وروى أبو الشيخ وابن حبان عن صهيب قال: ضحك رسول الله ﷺ حتى بدت نواجذه.
وروى ابن أبي شيبة وأبو نعيم عن جرير بن عبد الله قال: ما حجبني رسول الله ﷺ منذ أسلمت ولا رآني إلا ضحك [ (١) ] .
стр. 2945
تنبيهات
الأول: تقدم في أسمائه ﷺ أن منها الضّحوك.
روى ابن الفارس عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: اسمه في التوراة أحمد الضحوك، قال ابن الفارس: وإنما سمي الضحوك لأنه ﷺ كان طيّب النّفس فكهاً، على كثرة من ينتابه ويفد عليه من جفاة العرب، وأجلاف أهل البوادي، لا يراه أحد ذا ضجر، ولا قلق، ولا جفاء، ولكن لطيفاً في المنطق، رفيقا في المساءلات.
الثاني: وروى أبو الحسن بن الضحاك عن ابن مسعود، وأبو الحسن بن الضحاك عن ... قالا: كان رسول الله ﷺ إذا أخذه، وفي لفظ، إذا جرى به الضحك وضع يده على فيه
وروى ابن عدي عن علي رضي الله تعالى عنه قال: كان رسول الله ﷺ إذا تبسم وضع يده على فيه، ويقول: «سمعت جبريل ﵇ يقول ما ضحكت منذ خلقت جهنم» ، قال:
فما رأيت نواجذ رسول الله ﷺ من ضحك بعد ذلك، حتى قبضه الله .
وروى أيضا عن أبي برزة رضي الله تعالى عنه قال: أكثر ما كان يضحك رسول الله ﷺ حتى تبدو رباعيته أو ترى.
الثالث: قال أبو الحسن بن الضحاك رحمه الله تعالى: صحت الأخبار، وتظاهرت، بضحك رسول الله ﷺ بغير موطن، حتى تبدو نواجذه، وثبت عنه ﷺ أنه كان لا يضحك إلا تبسما، ويمكن الجمع بينهما بأن يقال: إن التبسم كان الأغلب عليه، فيمكن أن يكون الناقل عنه أنه كان لا يضحك إلا متبسما لم يشاهد من النبي ﷺ غير ما أخبر عنه، ويكون من روي أنه ضحك، حتى بدت نواجذه قد شاهد ذلك في وقت ما فنقل ما شاهد، فلا اختلاف بينهما، لاختلاف المواطن والأوقات ويمكن أن يكون في ابتداء أمره كان يضحك حتى تبدو نواجذه في الأوقات النادرة، وكان آخر أمره لا يضحك إلا متبسما، وقد وردت عنه ﷺ أحاديث تدل على ذلك، ويمكن أن يكون من روى عنه أنه كان لا يضحك إلا متبسما شاهد ضحكه، حتى بدت نواجذه نادرا، فأخبر عن الأكثر، وغلبته على القليل النادر، على أن أهل اللغة قد اختلفوا في النواجذ ما هي؟ فقال جماعة: إن النواجذ أقصى الأضراس من الفم، موضعا، فعلى هذا تتحقق المعارضة، ويمكن الجمع بين الأحاديث بما قلناه، ومنهم من قال:
النواجذ: هي الأنياب، وقال آخرون: هي الضواحك، فعلى هذا لا يكون في ظاهر الأخبار معارضة، لأن المتبسم يلزمه ذلك، قال في النهاية: النواجذ بكسر الجيم، وبالذال المعجمة، وهي من الأسنان الضواحك، وهي التي تبدو عند الضحك، والأكثر الأشهر أنها أقصى الأسنان، والمراد الأول لأنه ما كان يبلغ به الضحك حتى تبدو أضراسه، كيف وتقدم أن جل
стр. 2946
ضحكه التبسم؟ وإن أريد به الأواخر فالوجه فيه أن يراد به مبالغة مثله في ضحكه، من غير أن يراد ظهور نواجذه في الضحك، وهو أقيس القولين، لاشتهار النواجذ بأواخر الأسنان.
الرابع: في بيان غريب ما سبق:
الضحك: بضاد معجمة مفتوحة، فحاء مهملة، فكاف: التبسم.
مستجمعا: أي ما رأيته مستجمعا من جهة الضحك بحيث يضحك ضحكا تاما، مقبلا بكليته على الضحك.
اللهوات: بفتح اللام: جمع لهاة، وهي اللحمة التي بأعلى الحنجرة من أقصى الفم، وهذا لا ينافيه، ما في حديث أبي هريرة من قصة المواقع أهله في رمضان بضحك رسول الله ﷺ حتى بدت نواجذه، رواه البخاري وهي بالجيم والذال المعجمة: الأضراس، ولا تكاد تظهر إلا عند المبالغة في الضحك، لأن عائشة رضي الله تعالى عنها إنما نفت رؤيتها، وأبو هريرة رضي الله تعالى عنه أخبر بما شاهد، والمثبت مقدم على النافي، وقد قال أهل اللغة: التبسم: مبادئ الضحك، والضحك: انبساط الوجه، حتى تظهر الأسنان من السرور، فإن كان بصوت، وكان بحيث يسمع من بعيد فهو: القهقهة، وإلا فالضحك، وإن كان بلا صوت فهو: التبسم.
يفترّ: أي يتبسم.
حب الغمام: البرد، شبه ثغره الشريف به.
نختم: الختم التغطية على الشيء، والاستيثاق من أن لا يدخله شيء.
الجدر: بجيم، ودال مضمومتين: جمع جدار وهو الحائط، والله تعالى أعلم
стр. 2947
الباب الرابع والعشرون في معرفة رضاه، وسخطه ﷺ
وروى أبو الشيخ عن كعب بن مالك رضي الله تعالى عنه قال: كان رسول الله ﷺ إذا سرّ استنار وجهه، كأنه دارة القمر [ (١) ] .
وروى أيضا عن أم سلمة رضي الله تعالى عنها قالت: كان رسول الله ﷺ إذا غضب احمر وجهه [ (٢) ] .
وروى عن عمران بن حصين رضي الله تعالى عنهما قال: كان رسول الله ﷺ ، إذا كره شيئا عرف ذلك في وجهه.
وروى أيضا عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: كان رسول الله ﷺ إذا اشتد وجده أكثر من مس لحيته [ (٣) ] .
وروى قاسم بن ثابت في غريبه عنها أيضا قالت: كان رسول الله ﷺ إذا اشتد وجده مسح بيده على رأسه ولحيته، وتنفس الصّعداء، وقال: «حسبي الله ونعم الوكيل» فيعرف بذلك شدة غمه.
وروى البيهقي عن هند بن أبي هالة قال: كان رسول الله ﷺ واسع الجبينين، أزج الحواجب، في غير قرن، بينهما عرق يدرّه الغضب، إذا غضب أعرض وأشاح، وإذا فرح غض طرفه [ (٤) ] .
وروى أبو الحسن بن الضحاك عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: خرج علينا رسول الله ﷺ ، ونحن نتنازع في القدر فغضب حتى احمر وجهه، كأنما ألقي على وجهه حبّ الرمّان، حتى أقبل علينا فقال: «أبهذا أمرتم؟ أم بهذا أرسلت إليكم؟ هلك من كان قبلكم حين تنازعوا في هذا الأمر، عزمت عليكم أن لا تفعلوا» .
وروى أبو الشيخ عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: دخل علي رسول الله ﷺ مسرورا تبرق أسارير وجهه [ (٥) ] .
стр. 2948
وروى أبو بكر بن أبي شيبة عن عمر بن شعيب عن أبيه عن جده قال: كنا جلوسا بباب رسول الله ﷺ فقال بعضهم لبعض: ألم يقل الله تعالى: كذا وكذا، فسمع رسول الله ﷺ بذلك فخرج فكأنما عصر على وجهه حبّ الرمان، فقال: «أبهذا أمرتم؟ أو لهذا خلقتم؟ لا تضربوا كتاب الله تعالى بعضه ببعض، إنما ضلت الأمم قبلكم في مثل هذا وانظروا إلى الذين نهيتم عنه فانتهوا عنه» [ (١) ] .
وروى الإسماعيلي عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: كان رسول الله ﷺ إذا أمرهم بما يستطيعون من العمل قالوا: يا رسول الله، إنا لسنا كهيأتك، أن الله تعالى قد غفر لك ما تقدم من ذنبك، وما تأخر، فيغضب حتى يعرف ذلك في وجهه، ثم يقول: «أنا أتقاكم، وأعلمكم بالله» .
وروى الترمذي عن عبد الله بن أبي بكر عن أبيه أن رسول الله ﷺ استعمل رجلا من بني عبد الأشهل على الصدقة فلما قدم سأله إبلا من الصدقة، فغضب رسول الله ﷺ حتى عرف الغضب في وجهه- أن تحمر عيناه- ثم قال: «إن الرجل ليسألني ما لا يصلح لي ولا له، فإن منعته كرهت المنع، وإن أعطيته أعطيته ما لا يصلح لي، ولا له» ، فقال الرجل: يا رسول الله لا أسألك شيئا منها [ (٢) ] .
وروي عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: ما رأيت رسول الله ﷺ منتصرا لنفسه قط، وكان إذا انتهك من محارم الله كان أشدهم في ذلك.
تنبيه: في بيان غريب ما سبق:
الرضا: مصدر رضي وهي في حق المخلوق: ميل النفس وانبساطها، وفي حق القديم:
عبارة عن إرادته تنعّم المرضي عنه.
السّخط: بضم السين المهملة، وسكون الخاء المعجمة، والقياس ضمها: تغير النفس، وانقباضها لأخذ الثأر، وفي حق الخالق تعالى: عبارة عن إرادته لتعذيب المغضوب عليه، فإرادته تعالى واحدة، قديمة متعلقة بما يتناهى من الإرادات، كما أن علمه واحد، ومعلوماته لا تتناهى.
الوجد: الغم: بغين معجمة مفتوحة فميم.
стр. 2949
المس: التغطية.
الصّعداء: بضم الصاد، وفتح العين والدال المهملات: تنفس طويل.
الحواجب: تقدم الكلام عليه.
أشاح: بهمز وشين معجمة، وحاء مهملة بعد الألف: إذا بالغ في الإعراض، وجدّ فيه، ويقال أشاح إذا عدل بوجهه، وهذا معنى هذا الحرف في هذا الموضع وقيل الشيح البالغ في كل أمر أي إذا بلغ لم يكن ينتقم، ويؤاخذ، بل يقنع بالإعراض عمن أغضبه، وغض الطرف عند الفرح على نفي البطر والأشر.
غض طرفه بغين وضاد معجمتين: أي خفضه، ولم يرفعه من الحياء والخفر.
стр. 2950
جماع أبواب سيرته في كلامه وتحريكه يده حين يتكلم، أو يتعجب ونكشه الأرض بعود، وتشبيكه أصابعه وتسبيحه، وتحريكه رأسه، وعض شفتيه، وضربه بيده على فخذه عند التعجب ﷺ
الباب الأول في صفة كلامه ﷺ
وفيه أنواع:
النوع الأول: في ترتّله .
روى أبو داود، وابن سعد عن جابر رضي الله تعالى عنه قال: كان كلام رسول الله ﷺ ترتيلا أو ترسيلا [ (١) ] .
وروى الترمذي، وابن سعد، والشيخان عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: لم يكن رسول الله ﷺ يسرد الحديث كسردكم هذا، ولكنه كان يتكلم بكلام فصل، يحفظه من يجلس إليه، لو عده العادّ لأحصاه [ (٢) ] .
وروى أبو داود عنها قالت: كان كلام رسول الله ﷺ فصلا، يفهمه كل من يسمعه [ (٣) ] .
وروى الخلعي عنها قالت: كان رسول الله ﷺ إذا تكلم تكلم نزرا، وأنتم تنثرون الكلام نثرا [ (٤) ] .
النوع الثاني: في إعادته ﷺ الكلمة ثلاثا لتعقل، وصح .
عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: كان رسول الله ﷺ يعيد الكلمة ثلاثا لتعقل عنه.
وروى أبو داود عن رجل خدم رسول الله ﷺ أن النبي ﷺ كان إذا حدث حديثا أعاده ثلاث مرات [ (٥) ] .
وروى الإمام أحمد والبخاري عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: كان رسول الله ﷺ إذا سلم سلم ثلاثا، وإذا تكلم بكلمة أعادها ثلاثا [ (٦) ] .
стр. 2951
وروى ابو سعد النيسابوري في شرف النبي ﷺ عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: كان رسول الله ﷺ إذا تحدث بالحديث، أو سئل عنه كرره ثلاثا ليفهم عنه.
وروى أبو بكر الشافعي عن أبي أمامة رضي الله تعالى عنه قال: كان رسول الله ﷺ إذا تكلم تكلم ثلاثا [ (١) ] .
النوع الثالث: في تبسمه ﷺ في حديثه .
روى أبو بكر بن أبي خيثمة عن أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه قال: ما رأيت رسول الله ﷺ يتحدث حديثا إلا وهو يتبسم في حديثه [ (٢) ] .
وروى البخاري وابن الجوزي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: كان رسول الله ﷺ إذا تكلم يرى كالنور من بين ثناياه.
النوع الرابع: في رفعه ﷺ بصره إلى السماء إذا حدث .
روى أبو داود وقاسم بن إصبع، وبقيّ بن مخلد عن عبد الله بن سلام رضي الله تعالى عنه قال: كنا مع رسول الله ﷺ فإذا حدّث، وفي لفظ: إذا جلس يتحدث، يكبر ويرفع طرفه إلى السماء [ (٣) ] .
النوع الخامس: في طول صمته، وقلة تكلمه لغير حاجة .
وروى التّرمذي وأبو الشيخ والبيهقي عن هند بن أبي هالة رضي الله تعالى عنه قال:
كان رسول الله ﷺ لا يتكلم في غير حاجة، طويل السّكت، يفتتح الكلام، ويختتمه بأشداقه، ويتكلم بجوامع الكلم، فصلا لا فضول فيه، ولا تقصير [ (٤) ] .
وروى الحارث بن أبي أسامة والبيهقي عن أم معبد رضي الله تعالى عنها قالت: كان رسول الله ﷺ إذا صمت فعليه الوقار، وإذا تكلم سماه وعلاه البهاء، كان حسن المنطق.
وروى الإمام أحمد وأبو بكر الشافعي عن جابر بن سمرة رضي الله تعالى عنه قال: كان رسول الله ﷺ كثير الصمت وفي لفظ طويل الصمت [ (٥) ] .
النوع السادس: في كنايته ﷺ عما يستقبح ذكره .
وروى ابن ماجه ومسلم عن عائشة رضي الله تعالى عنها أن امرأة رفاعة القرظي جاءت
стр. 2952
إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله أن رفاعة طلقني، وإني نكحت بعده عبد الرحمن بن الزّبير، وإنما معه مثل الهدبة، فقال رسول الله ﷺ : «لعلك تريدين أن ترجعي إلى رفاعة،؟ لا حتى تذوقي عسيلته، ويذوق عسيلتك» [ (١) ] .
النوع السابع: في قوله ﷺ مرحبا .
روى البخاري في الأدب عن علي رضي الله تعالى عنه قال: استأذن عمّار على النبي ﷺ فعرف صوته، فقال: «مرحبا بالطّيّب المطيّب» [ (٢) ] .
وروى فيه أيضاً عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: أقبلت فاطمة رضي الله تعالى عنها تمشي- مشيتها مشية رسول الله ﷺ فقال: «مرحبا» ، ثم أجلسها عن يمينه، أو عن شماله [ (٣) ] .
تنبيهات
الأول: أراد هند رضي الله تعالى عنه بكونه ﷺ يفتح الكلام بأشداقه: رحب شدقيه، وأما ما جاء عنه ﷺ في المتشدّقين، فإنه أراد به الذين يتشدقون إذا تكلموا فيميلون أشداقهم يمينا وشمالا، ويتنطعون في القول.
الثاني: قال في زاد المعاد: كان ﷺ أفصح خلق الله وأعذبهم كلاما وأسرعهم أداء، وأحلاهم منطقا، حتى كان كلامه يأخذ بالقلوب، وينعش الأرواح، وشهد له بذلك أعداؤه، وكان إذا تكلم تكلم بكلام فصل مفصل.
الثالث: في بيان غريب ما سبق:
الترتيل: بفوقية مفتوحة، فراء ساكنة، ففوقية، فتحتية، فلام: التأني.
الترسيل: بفوقية مفتوحة، فراء ساكنة، فسين مهملة، فتحتية، فلام: الهنة والرفق والتأني.
يسرد الحديث: يسوق سياقا جيدا.
بكلام فصل: بفاء فصاد مهملة: بيّن ظاهر محكم، لا يعاب قائله، وحقيقته الفاصل بين الحق والباطل، والخطأ والصواب.
стр. 2953
النزر: بنون فزاي: القليل.
السّكت: بفتح السين المهملة: السكون.
جوامع الكلم: القليلة الألفاظ، الكثيرة المعاني، جمع جامعة: وهي اللفظة الجامعة للمعاني، لا فضول فيه، والفضول من الكلام ما زاد على الحاجة وفضل، ولذلك عطف ولا تقصير.
الهدبة: بهاء مضمومة، فدال مهملة ساكنة، فموحدة: خمل الثوب.
عسيلته: بعين مهملة مضمومة، فسين مهملة مفتوحة، فتحتية ساكنة، فلام، فتاء تأنيث، وإنما أنث لأنه أراد قطعة من العسل، شبه لذة الجماع بذوق العسل، فاستعار لها ذوقا، وقيل على إعطائها معنى النّطفة، وقيل العسل في الأصل مذكر ومؤنث، فمن صغّره مؤنّثا قال عسيلة كقويسة وسمينة، وإنما صغره إشارة إلى النّزر القليل الذي يحصل به الحبل.
مرحبا: بميم مفتوحة، فراء ساكنة، فحاء مهملة، فباء موحدة: لقيت سعة.
стр. 2954
الباب الثاني في تكليمه بغير لغة العرب ﷺ
روى البخاري رحمه الله تعالى في باب من تكلم بالفارسية والرّطانة وأبو الشيخ وابن حبّان في باب تكلمه ﷺ بالفارسية من كتاب أخلاق النبوة [ (١) ] .
عن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما قال: قلت يا رسول الله: ذبحنا بهيمة لنا، وطحنت صاعا من شعير، فتعال أنت، ونفر، فصاح رسول الله ﷺ : «يا أهل الخندق إن جابرا قد صنع سورا فحيّ هلا بكم» [ (٢) ] .
وروى أيضا عن أم خالد بنت خالد بن سعيد رضي الله تعالى عنهما قالت: قال: أتيت رسول الله ﷺ مع أبي، وعليّ قميص أصفر، فقال رسول الله ﷺ : «سنه سنه» ، وفي لفظ:
«سناه سناه» ، وهي بالحبشية حسنة قالت فذهبت ألعب بخاتم النبوة فزبرني أبي، فقال رسول الله ﷺ : «دعها» ، ثم قال رسول الله ﷺ : «أبلي وأخلقي، ثم أبلي وأخلقي»
قال عبد الله بن خالد بن سعيد- أحد رواته- فبقيت حتى ذكر [ (٣) ] .
وروى أيضا عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه إن الحسن بن علي رضي الله تعالى عنهما أخذ تمرة من تمر الصدقة فجعلها في فيه، فقال النبي ﷺ : «كخ كخ، ألقها، أما تعرف أنا لا نأكل الصدقة؟» .
وروى الإمام أحمد وابن ماجه، وأبو الشيخ، بسند ضعيف، عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: دخل رسول الله ﷺ المسجد وأنا أشتكي بطني فقال: «يا أبا هريرة أشكنب درد» ، قلت: نعم، قال: «قم فصل فإن في الصلاة شفاء» [ (٤) ] .
تنبيهات
الأول: قال الإمام النووي، والطبري، والطيبي، وأبو الحسن بن الضحاك رحمهم الله تعالى: إن سورا لفظة فارسية، وقد تظاهرت أحاديث صحيحة بأن رسول الله ﷺ تكلم بألفاظ فارسية، وهو يدل على جوازه، قال الطبري: السّور بغير همز الصنيع من الطعام الذي يدعى
стр. 2955
إليه، وقيل الطعام مطلقا، وهو بالفارسية، وقيل بالحبشية، وبالهمز بقية الشرب، والأول: هو المراد هنا، قال الإسماعيلي: السّور كلمة بالفارسية والعربية فقيل له: أليس هو الفضلة؟ فإن لم يكن هناك شيء فضل ذلك منه إنما هو بالفارسية من أتى دعوة.
الثاني: قال الحافظ رحمه الله تعالى: أشار البخاري رحمه الله تعالى إلى ضعف ما ورد من الأحاديث في كراهة الكلام بالفارسية كحديث: كلام أهل النار بالفارسية، وكحديث من تكلم بالفارسية زادت، أو نقصت مروءته، رواه الحاكم في مستدركه، وروى عنه أيضاً عن عمر مرفوعا من أحسن العربية فلا يتكلم بالفارسية وسنده واه.
الثالث: نازع الكرماني رحمه الله تعالى في كون هذه الألفاظ الثلاثة عجمية، لأن الأول يجوز أن يكون من توافق اللغتين، والثاني يجوز أن يكون أصله حسنة، فحذف أوله إيجازا والثالث من أسماء الأصوات.
وأجاب ابن المنير عن الآخر فقال: وجه مناسبته أنه ﷺ خاطبه بما يفهمه مما لا يتكلم به الرجل مع الرجل فهو كمخاطبة الأعجمي بما لا يفهم مما لا يكلمه من لقيه، قال الحافظ:
وبهذا يجاب عن الباقي، ويزاد بأن تجويز حذف أول جزء من كلمة لا يعرف.
الرابع: قوله لأبي هريرة رضي الله تعالى عنه: أشكنب درد قال الشّمنّي في حاشيته الشفا: بفتح الهمزة، وسكون المعجمة، وفتح الكاف بعدها نون ساكنة، فموحدة، كذلك، فدالين مهملتين، أولاهما مفتوحة وبينهما راء: وأشكنب معناه بالفارسية البطن ودرد الوجع، لم يتعرض ابن الملقّن، ولا شيخنا الجلال الأسيوطي، في تعليقهما على سنن ابن ماجه بصحة ذلك، ولا ذكر له في النهاية لابن الأثير.
الخامس: قال أبو الفرج بن الجوزي في الجامع حديث أبي هريرة أي الأخير قد روي من طريق لا يعرف مدارها على ليث بن سليم، وكان قد اختلط في آخر عمره.
قال ابن الإصبهاني: ليس له، بل أبو هريرة لم يكن فارسيا، وإنما مجاهد فارسي، فعلى هذا يكون المتكلم بالفارسية أبو هريرة مع مجاهد، وقوله أشكنب درد فارسية ومعناها اشتكيت بطنك؟ انتهى، قلت: فيما قاله نظر، لأن في قوله أن أبا هريرة، لم يكن فارسيا، ثم قال: فعلى هذا يكون المتكلم بالفارسية أبا هريرة مع مجاهد تناقض فليتأمل.
السادس: في بيان غريب ما سبق:
الفارسية: بفاء، فألف، فراء، فسين مهملة مكسورة، فتحتية مفتوحة: لغة منسوبة إلى
стр. 2956
فارس، وهم جيل من الناس معروف.
الرّطانة: براء بفتح وبكسر، فطاء مهملة، فألف، فنون، فتاء تأنيث: كلام لا يفهمه الجمهور، إنما هو ملصق بين اثنين، أو جماعة، والعرب تحقق به كلام العجم.
سورا: بسين مهملة مضمومة، فواو، فألف: طعاما لفظة فارسية.
زبرني: بزاي، فموحدة، فراء مفتوحات، فنون، فتحتية، انتهرني، وأغلظ لي في القول.
أبلي وأخلقي كخ كخ: بفتح الكاف وكسرها، وسكون المعجمة، مثقّلا، ومخففا، وبكسرها منونة، وغير منونة فيخرج من ذلك ست لغات، والثاني، وهي كلمة تقال لردع الصبي عند تناوله ما يستقذر، وقيل: عربية، وقيل: أعجمية وزعم بعضهم أنها معربة، أوردها البخاري في باب من تكلم بالفارسية.
стр. 2957
الباب الثالث في تحريكه يده حين يتكلم، أو يتعجب، وتسبيحه، وتحريكه رأسه، وعضه شفتيه، وضربه يده على فخذه عند التعجب، ونكشه الأرض بعود، ومسحه الأرض بيده وتشبيكه أصابعه
وفيه أنواع:
الأول: في تحريكه يده حين يتكلم أو يتعجب .
روى الترمذي في الشّمائل وابن سعد، والبيهقي عن هند بن أبي هالة رضي الله تعالى عنه قال: كان رسول الله ﷺ إذا أشار أشار بكفه كلها، وإذا تعجب قلبها، وإذا تحدث اتصل بها، وضرب براحته اليمنى بطن إبهامه اليسرى، وفي رواية: يضرب بإبهامه اليمنى باطن راحته اليسرى [ (١) ] .
الثاني: في تسبيحه عند التعجب .
روى البخاري عن أم سلمة رضي الله تعالى عنها قالت: استيقظ رسول الله ﷺ فقال:
«سبحان الله ماذا أنزل من الخزائن؟ وماذا أنزل من الفتن؟ من يوقظ صواحب الحجر» - يريد به أزواجه، حتى يصلين؟ «رب كاسية في الدنيا عارية في الآخرة» [ (٢) ] .
الثالث: في تحريكه رأسه وعضه شفته عند التعجب .
الرابع: في ضربه يده على فخذه عند التعجب .
روى الشيخان وابن المنذر وابن أبي حاتم عن علي رضي الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ طرقه، وفاطمة بنت رسول الله ﷺ فقال: «ألا تصلون؟» فقلت: يا رسول الله فإذا شاء الله أن يبعثنا بعثنا، فانصرف رسول الله ﷺ حين قلت ذلك، ولم يرجع إلي شيئا، ثم سمعته وهو مدبر يضرب فخذه، ويقول: وَكانَ الْإِنْسانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا [الكهف ٥٤] .
الخامس: في نكشه الأرض بعود .
روى البخاري عن أبي موسى رضي الله تعالى عنه قال: كنا مع رسول الله ﷺ في حائط من حوائط المدينة، وفي يد رسول الله ﷺ عود يضرب به في الماء، وفي لفظ: بين الماء والطين، فذكر الحديث.
وروي أيضاً عن علي رضي الله تعالى عنه قال: كنا مع رسول الله ﷺ في جنازة فجعل ينكش الأرض بعود، فقال: «ليس منكم من أحد إلا وقد فرغ من مقرّه في الجنة أو النار»
стр. 2958
فقالوا: أفلا نتكل؟ قال: «اعملوا فكلّ ميسّر لما خلق له فَأَمَّا مَنْ أَعْطى وَاتَّقى الآية [ (١) ]
[الليل ٥] .
السادس: في مسحه الأرض بيده .
روي عن أبي قتادة رضي الله تعالى عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من كذب عليّ فليشهد بجنبيه مضجعا من النار» وجعل رسول الله ﷺ يقول ذلك، ويمسح الأرض بيده.
السابع: في إشارته ﷺ بإصبعيه السبابة والوسطى .
وروى الطبراني برجال ثقات عن ابن مسعود، والإمام أحمد برجال الصحيح، والبزّار عن بريدة، والإمام أحمد، والبزار، والطبراني برجال ثقات عن وهب السّوائي والطبراني عن سهل ابن سعد، والطبراني عن أنس والطبراني بسند جيد عن أبي جبيرة الأنصاري رضي الله تعالى عنهم أن رسول الله ﷺ قال: «بعثت أنا والسّاعة جميعا كهاتين وفي لفظ كهذه من هذه» ، وجمع بين السبابة والوسطى، وأشار بهما، «وإن كادت تسبقني» [ (٢) ] .
الثامن: في تشبيكه أصابعه ﷺ .
روى البخاري عن أبي موسى رضي الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ قال: «إن المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا» وشبك بين أصابعه [ (٣) ] .
روى الشيخان والبيهقي، والبخاري عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: صلى بنا رسول الله ﷺ صلاة العشاء، فصلى بنا ركعتين، فقام إلى خشبة معروضة في المسجد، فاتكأ عليها كأنه غضبان، ووضع يده اليمنى على اليسرى، وشبك بين أصابعه.
وروى مسلم أيضا قال: شبّك بيدي أبو القاسم، وفي لفظ أخذ بيدي رسول الله ﷺ وقال: «خلق الله الأرض يوم السبت، والجبال يوم الأحد، والشجر يوم الاثنين والمكروه يوم الثلاثاء، والنّور يوم الأربعاء، والدواب يوم الخميس، وآدم يوم الجمعة» .
وروى البخاري في رواية حمّاد بن شاكر والبيهقي عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما
стр. 2959
قال: رأيت رسول الله ﷺ بفناء الكعبة محتبيا بيده هكذا- زاد البيهقي وشبك بين أصابعه.
وروى أبو داود عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أن رسول الله ﷺ قال: «كيف بكم وبزمان يغربل الناس فيه غربلة، ويبقى حثالة من الناس قد مرجت عهودهم وأماناتهم، واختلفوا، وكانوا هكذا؟» وشبك بين أصابعه [ (١) ] .
وروى البزار عن ثوبان رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : «كيف أنتم في قوم مرجت عهودهم وأيمانهم وأماناتهم وصاروا هكذا؟» وشبك بين أصابعه [ (٢) ] .
وروى الطبراني عن سهل بن سعد الساعدي رضي الله تعالى عنه قال: خرج علينا رسول الله ﷺ يوما فقال: «كيف ترون إذا أخرجتم في زمان حثالة من الناس قد مرجت عهودهم ونذورهم فاشتبكوا فكانوا هكذا؟» وشبك بين أصابعه، قالوا: الله ورسوله أعلم، قال:
«تأخذون ما تعرفون، وتدعون ما تنكرون، ويقبل أحدكم على خاصّة نفسه، ويذر أمر العامة» [ (٣) ] .
وروى الطبراني عن عبادة بن الصامت رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : «كيف أنت إذا كنت في حثالة من الناس، واختلفوا حتى يكونوا هكذا؟» وشبك بين أصابعه، قال: الله ورسوله أعلم، قال: «خذ ما تعرف ودع ما تنكر» [ (٤) ] .
وروى الإمام الشافعي وأحمد وأبو داود والنسائي بسند صحيح على شرط مسلم عن جبير بن مطعم رضي الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ قال: «إنا نحن وبنو المطلب شيء واحد» ، وشبك بين أصابعه.
وروى البيهقي في الزهد عن أبي ذر رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : «كيف أنت إذا كنت في حثالة من الناس؟» وشبك بين أصابعه، قلت: يا رسول الله ما تأمرني؟
قال: «اصبر اصبر اصبر» ثلاثا، «خالقوا الناس بأخلاقهم، وخالفوهم في أعمالهم» .
وروى الترمذي عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا دفن العبد الكافر يقول له القبر لا مرحبا ولا أهلا، ثم يلتئم عليه حتى تختلف أضلاعه» ، وقال رسول الله ﷺ بأصابع يديه فشبكها [ (٥) ] .
وروى مسلم وأبو داود عن جابر رضي الله تعالى عنه جاء في حديث الحج قال: قام
стр. 2960
سراقة فقال: يا رسول الله ألعامنا هذا أم للأبد؟ قال: فشبك رسول الله ﷺ أصابعه في الأخرى، وقال: «دخلت العمرة في الحج مرتين» [ (١) ] .
وروى ابن عساكر عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : «أي المؤمنين أحلم؟» قلت: الله ورسوله أعلم، قال: «إذا اختلفوا» ، - وشبك بين أصابعه- «وأبرّهم أبصرهم بالحق، وإن كان في عمله تقصير، وإن كان يزحف زحفا» [ (٢) ] .
تنبيهات
الأول:
وروى الإمام أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجة عن كعب بن عجرة رضي الله تعالى عنه قال: إذا توضأ أحدكم فأحسن وضوءه ثم خرج عامدا إلى المسجد فلا يشبكن يده فإنه في صلاة،
وفي رواية للإمام أحمد عن كعب بن عجرة قال: دخل علي رسول الله ﷺ في المسجد وقد شبكت بين أصابعي، فقال لي: «يا كعب إذا كنت في المسجد فلا تشبك بين أصابعك، فأنت في صلاة ما انتظرت الصلاة» .
الثاني: قال الحافظ حديث أبي موسى دال على جواز التشبيك مطلقا، وحديث أبي هريرة دال على جوازه في المسجد، وإذا جاز في المسجد فهو في غيره أجوز، وبسط الكلام على ذلك، وقد ذكرته مع كلام غيره في كتاب سفينة السلامة.
الثالث: قال ابن المنير: التحقيق أنه ليس بين الأحاديث تعارض إذا النهي عن فعله على وجه العبث، جمع الإسماعيلي بأن النهي يقيد بما إذا كان في صلاة، أو قاصدا إليها، إذ منتظر الصلاة في حكم المصلى، وقيل إن حكمة النهي عنه لمنتظر الصلاة أن التشبيك يجلب النوم، وهو من نظام الحديث، وقيل: إن صورته تشبه صورة الاختلاف، فكره ذلك لمن هو في حكم الصلاة حتى لا يقع في النهي، وهو
قوله ﷺ للمصلين: «ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم» ،
وقال الحافظ مغلطاي في شرح البخاري: زعم بعضهم أن هذه الأحاديث التي أوردها البخاري في هذا الباب معارضة بحديث النهي قال ابن بطال: إن حديث النهي يساوي هذه الأحاديث في الصحة، قال: الأكثر حديث النهي مخصوص بالصلاة، وهو قول مالك، روي عنه أنه قال: إنهم ينكرون تشبيك الأصابع في المسجد، وما به بأس، وإنما يكره في الصلاة، ورخص فيه ابن عمر، وسالم ابنه، وكانا يشبكان بين أصابعهما في الصلاة، ثم قال مغلطاي: والتحقيق أنه ليس بين حديث النهي عن التشبيك وبين تشبيكه ﷺ بين أصابعه معارضة، لأن النهي إنما ورد
стр. 2961
فعله في الصلاة أو في المضي إليها، وفعله ﷺ ليس في صلاة، ولا في المضي إليها، ويبقى كل حديث على حياله انتهى.
الرابع: في بيان غريب ما سبق:
براحته: براء فألف فحاء مهملة مفتوحة فتاء تأنيث.
السّبّابة: بسين مهملة فموحدتين بينهما ألف مفتوحات فتاء تأنيث: الإصبع التي بين الوسطى والإبهام، سميت بذلك لأن العرب تشير بها عند السب.
فناء الكعبة: بفاء مكسورة فنون فألف: المتسع أمامها.
الاحتباء: بحاء مهملة فمثناة فوقية فموحدة فألف ممدودة، قال القاضي عياض: الاحتباء الجلوس قائم الركبتين جامعا يديه على ركبتيه، مشبكا بين أصابعهما، أو جامعا إحداهما بالأخرى، زاد غيره: أو بسيف أو بثوب أو غير ذلك.
الحثالة: بحاء مهملة مضمومة فمثلثة فألف فلام فتاء تأنيث الرديء من كل شيء.
مرجت عهودهم: بميم مفتوحة فراء مكسورة فجيم فتاء تأنيث: اختلطت.
стр. 2962
الباب الرابع في بعض ما ضربه من الأمثال ﷺ
وروى الإمام أحمد برجال ثقات عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ غرز بين يديه غرزا، ثم غرز إلى جنبه آخر، ثم غرز إلى جنبه الثالث فأبعده، ثم قال: «هل تدرون ما هذا؟» قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: «هذا الإنسان، وهذا أجله، وهذا أمله، يتعاطى الأمل يختلجه الآجل دون ذلك» [ (١) ] .
وروى الإمام أحمد عن أبي رزين العقيلي رضي الله تعالى عنه قال: أتيت رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله كيف يحيي الله الموتى؟ قال: «أمررت بأرض من أرضك مجدبة ثم مررت بها مخصبة؟» قال: نعم، قال: «كذلك النشور» [ (٢) ] .
وروى الإمام أحمد برجال ثقات عن أبي ذر رضي الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ سار في الشتاء، والورق يتهافت فقال: «يا أبا ذر» ، فقلت: لبّيك يا رسول الله قال: «إن العبد المسلم ليصلي الصلاة يريد بها وجه الله فتهافت عنه ذنوبه كما تهافت هذا الورق عن هذه الشجرة» [ (٣) ] .
وروى الطبراني بسند جيد عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ ضرب مثل الرزق كمثل حائط له باب فما حول الباب سهولة، وما حول الحائط وعر وعث فمن أتاه من قبل بابه أصابه كلّه وسلّم، ومن أتاه من قبل حائطه وقع في الوعر والوعث حتى إذا انتهى إليه لم يكن له إلا الرزق الذي يسره الله تعالى له.
وروى الإمام أحمد عن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: علقت عن رسول الله ﷺ ألف مثل.
تنبيه: في بيان غريب ما سبق:
يختلجه الأجل: بتحتية مفتوحة فخاء معجمة ساكنة ففوقية فلام فجيم فهاء: أي يقتطعه، بمعنى أنه ينقطع وينقضي سريعا.
стр. 2963
الغصن: بغين معجمة مضمومة فصاد مهملة ساكنة فنون: واحد الأغصان، ويجمع أيضا على غصن، وهي أطراف الشجر ما دامت فيها ثابتة.
وعر: بواو مفتوحة فعين مهملة فراء ضد السهل.
وعث: بواو فعين مهملة مفتوحتين فمثلثة المكان السهل الدّهس تغيب فيه الأقدام والطريق العسر ككتف كالوعث.
стр. 2964
الباب الخامس في قوله ﷺ لبعض أصحابه، ويحك وويلك، وتربت يداك، وأبيك، وغير ذلك مما يذكر
وروى البخاري في الأدب عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ مر برجل يسوق بدنة فقال: «اركبها» ، فقال: يا رسول الله إنها بدنة فقال: «اركبها» ، فقال: إنها بدنة، فقال في الثالثة والرابعة: «اركبها ويحك» [ (١) ] .
وروى البخاري في الأدب عن حمنة بنت جحش رضي الله تعالى عنها قالت: قال النبي ﷺ : «ما هي يا هنتاه؟» [ (٢) ] .
وروى البخاري في الأدب عن أبي عقرب [ (٣) ] رضي الله تعالى عنه أنه سأل النبي ﷺ عن الصوم قال: «صم يوما من كل شهر» ، قلت: بأبي أنت وأمي زدني، زدني قال: «صم يومين من كل شهر» ، قلت: بأبي أنت وأمي زدني، فإني أجدني قويا، قال: «إني أجدني قويا، إني أجدني قويا فأفحم حتى ظننت أنه يردّني» ، ثم قال: «صم ثلاثة من كل شهر» [ (٤) ] .
وروى البخاري في الأدب عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله أيّ الصدقة أفضل أجرا؟ قال: «أمّك، وأبيك لتنبأنّ أن تصدّق وأنت صحيح شحيح تخشى الفقر، وتأمل الغنى، ولا تمهل حتى إذا بلغت الحلقوم قلت: لفلان كذا، ولفلان كذا، وقد كان لفلان» [ (٥) ] .
تنبيه: في بيان غريب ما سبق:
حمنة: بحاء مفتوحة فميم ساكنة فنون فتاء تأنيث.
يا هنتاه: بهاء مفتوحة فنون تفتح وتكسر ففوقية فألف فهاء تسكن وتضم: أي يا هذه قاله الجوهري، وهذه التحتية للنداء وقيل معناها يا بلهاء.
شحيح: بخيل.
стр. 2965
جماع أبواب سيرته ﷺ في الاستئذان والسلام والمصافحة والمعانقة والتقبيل- زاده الله شرفاً وفضلاً لديه
الباب الأول في آدابه في الاستئذان
وفيه أنواع:
الأول: في أنه لم يكن يستقبل الباب بوجهه:
روى الإمام أحمد وأبو داود والبخاري في الأدب عن عبد الله بن بسر المازني رضي الله تعالى عنه قال: كان رسول الله ﷺ إذا أتى باب قوم يمشي مع الجدار، ولم يستقبل الباب من تلقاء وجهه، ولكن من ركنه الأيمن أو الأيسر، ويقول: «السلام عليكم» ، فإن أذن له وإلا انصرف، وذلك أن الدور لم يكن عليها يومئذ ستور [ (١) ] .
الثاني: في تعليمه من لا يحسن الاستئذان، وكراهته قول المستأذن أنا فقط .
وروى الإمام أحمد وأبو داود عن زيد بن حراش قال: جاء رجل من بني عامر فاستأذن على رسول الله ﷺ وهو في البيت فقال: أألج؟ فقال رسول الله ﷺ لخادمه: «اخرج إلى هذا فعلمه الاستئذان، فقل له: قل السلام عليكم أأدخل؟» فسمع الرجل ذلك من رسول الله ﷺ فقال: السلام عليكم أأدخل؟ فأذن له رسول الله ﷺ فدخل [ (٢) ] .
وروى الإمام أحمد والشيخان وأبو داود والترمذي وابن ماجة عن جابر رضي الله تعالى عنه قال: أتيت رسول الله ﷺ في أمر دين كان على أبي، فدفعت الباب فقال: «من ذا؟» فقلت: أنا، فخرج وهو يقول: «أنا أنا» كأنه يكرهه [ (٣) ] .
وروى الترمذي- وحسنه- والنّسائي عن كلدة بن حنبل أن صفوان بن أمية بعثه في الفتح بلبن وجذابة وضعابيس، والنبي ﷺ بأعلى الوادي، قال: فدخلت ولم استأذن فقال النبي ﷺ : «ارجع فقل السلام عليكم أأدخل؟» [ (٤) ] .
الثالث: في إرادته ﷺ فقأ عين من اطلع من خصاصة الباب من غير استئذان .
روى البخاري في الأدب عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه أن أعرابيا أتى بيت
стр. 2966
رسول الله ﷺ فاستفتح من خصاصة الباب، فأخذ رسول الله ﷺ سهما أو عودا محدّدا فتوخّى الأعرابي ليفقأ عين الأعرابي، فذهب فقال: «أما إنك لو ثبت لفقأت عينك» [ (١) ] .
وروى البخاري في الأدب عن سهل بن سعد رضي الله تعالى عنه أن رجلا اطلع من جحر في باب النبي ﷺ ، ومع النبي ﷺ مدرى يحك به رأسه فلما رآه النبي ﷺ قال: «لو أعلم أنك تنظر لطعنت به في عينك» ، وقال النبي ﷺ : «إنما جعل الاستئذان من أهل البصر» [ (٢) ] .
الرابع: في كيفية استئذانه .
روي عن قيس بن سعد بن عبادة رضي الله تعالى عنهما قال: زارنا رسول الله ﷺ في منزلنا فقال: «السلام عليكم ورحمة الله وبركاته» ، فرد سعد ردا خفيّا قال: فقلت: ألا تأذن لرسول الله ﷺ فقال: ذره يكثر علينا من السلام، ثم قال رسول الله ﷺ : «قضينا ما علينا» [ (٣) ] .
الخامس: في رجوعه إذا استأذن ثلاثا فلم يؤذن له .
روى ابن أبي شيبة والإمام أحمد عن أم طارق مولاة سعد رضي الله تعالى عنه قالت: جاء النبي ﷺ إلى سعد فاستأذن فسكت سعد، ثم أعاد فسكت سعد، ثم أعاد فانصرف رسول الله ﷺ قالت: فأرسلني سعد إليه وقال إنه لم يمنعنا أن نأذن لك إلا أردنا أن تزيد الحديث.
السادس: في قوله ﷺ لبيك لمن استأذن عليه .
وروى أبو يعلى عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أن رجلا نادى رسول الله ﷺ ثلاثا، كل ذلك يرد عليه: «لبيك لبّيك» [ (٤) ] .
تنبيه: في بيان غريب ما سبق:
الجدار: بجيم مكسورة فدال مهملة فألف فراء: الحائط.
الستر: بسين مهملة مفتوحة فمثناة فوقية ساكنة فراء: التغطية.
الجذابة: بجيم فذال فموحدة مفتوحات فتاء تأنيث الجذب، وهو شحم النخل أحدها جذبة.
ضعابيس: بضاد معجمة فعين مهملة فألف فموحدة مكسورة فتحتية فسين مهملة:
صغار القثّاء واحدها ضعبوس.
الخصاصة: بخاء معجمة فصادين مهملتين بينهما ألف فتاء تأنيث: الفرجة.
توخى: بفوقية فواو فخاء مفتوحات فتحتية: قصد.
стр. 2967
الباب الثاني في آدابه ﷺ
وفيه أنواع:
الأول: في تكريره السلام .
روى البخاري والترمذي عن أنس رضي الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ كان إذا سلم سلم ثلاثا حتى يفهم عنه [ (١) ] .
الثاني: في سلامه على الأطفال والنساء .
وروى الشيخان عن أنس رضي الله تعالى عنه أنه مر على صبيان فسلم عليهم وقال:
كان رسول الله ﷺ يفعله [ (٢) ] .
وروى أبو داود عنه قال: أتى رسول الله ﷺ على غلمان يلعبون فسلم عليهم [ (٣) ] .
وروي أيضا عنه قال: انتهى إلينا رسول الله ﷺ وأنا غلام في غلمان فسلم علينا، فأخذ بيدي، فأرسلني برسالة، وقعد في جدار، أو قال إلى جدار حتى رجعت [ (٤) ] .
وروى أيضاً وابن ماجة عن أسماء بنت يزيد قالت: مر علينا رسول الله ﷺ في نسوة فسلم علينا [ (٥) ] .
وروى التّرمذي والبخاري في الأدب عنها قالت: مر علينا رسول الله ﷺ في المسجد يوما ونحن عصبة من النساء قعود فألوى بيده في التسليم [ (٦) ] .
وروى الإمام أحمد وابن أبي شيبة وأبو يعلى عن جرير بن عبد الله رضي الله تعالى عنه قال: أن رسول الله ﷺ مر بنساء فسلم عليهن [ (٧) ] .
وروى البخاري في الأدب عن أسماء بنت يزيد الأنصارية رضي الله تعالى عنها قالت:
مر بي رسول الله ﷺ وأنا في جوار أتراب لي فسلم علينا.
الثالث: فيما كان يقوله إذا بلّغ السلام عن أحد .
стр. 2968
وروى الإمام أحمد وأبو داود عن غالب القطّان عن رجل من بني نمير عن أبيه عن جده أنه أتى رسول الله ﷺ فقال: إن أبي يقرأ عليك السلام فقال رسول الله ﷺ : «عليك وعلى أبيك السلام» [ (١) ] .
الرابع: في كيفية رده على اليهود .
وروى الشيخان عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: دخل رهط من اليهود على رسول الله ﷺ فقالوا: السام عليك، فقال: «عليكم» ، فقالت عائشة: السّام عليكم، ولعنكم الله، وغضب عليكم، فقال رسول الله ﷺ : «يا عائشة عليك بالرفق، وإياك والفحش» ، قالت:
أو لم تسمع ما قالوا؟ قال: «أو لم تسمعي ما قلت؟ أنا رددت عليهم فيستجاب لي فيهم ولا يستجاب لهم في» [ (٢) ] .
وروى البخاري في الأدب عن أسماء أن النبي ﷺ مر في المسجد وعصبة من النساء قعود قال بيده اليمنى بالسلام- الحديث [ (٣) ] .
وروى مسدد مرسلا برجال ثقات عن أبي برزة رحمه الله تعالى إن رجلا من المشركين كتب إلى رسول الله ﷺ بالسلام فكتب إليه النبي ﷺ يرد ﵇.
الخامس: في إشارته بيده بالسلام .
روى البخاري في الأدب عن أسماء رضي الله تعالى عنها أن النبي ﷺ مر في المسجد وعصبة من النساء قعود قال بيده اليمنى بالسلام.
السادس: في تركه السلام وعدم رده على من اقترف ذنبا حتى يتبين توبته .
وروي عن أبي برزة رحمه الله تعالى إن رجلا من المشركين كتب إلى رسول الله ﷺ بالسلام فكتب إليه النبي ﷺ يرد ﵇.
وروى البخاري عن كعب بن مالك رضي الله تعالى عنه قال في حديث تخلفه عن تبوك قال: نهى رسول الله ﷺ عن كلامنا، وكنت أتى رسول الله ﷺ وأسلم عليه فأقول في نفسي هل حرك شفتيه برد السلام أو لا؟ حتى قال حين ليلة، وأعلم رسول الله ﷺ بتوبة الله علينا حين صلى الصبح.
وروى أبو داود والترمذي عن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: مر رجل عليه ثوبان أحمران فسلم على رسول الله ﷺ فلم يرد عليه.
стр. 2969
وروى الإمام أحمد وأبو داود عن عمار بن ياسر رضي الله تعالى عنه قال: قدمت على أهلي ليلا وقد تشققت يداي فضمّخوني بالزعفران فعدوت إلى رسول الله ﷺ فسلمت عليه، فلم يرد علي، ولم يرحب بي، وقال: «اغسل هذا عنك» ، قال: فذهبت فغسلته، ثم جئت فسلمت عليه فرد علي ورحب بي، وقال: «إن الملائكة لا تحضر جنازة الكافر ولا المتضمّخ بالزعفارن ولا الجنب» .
وروى البخاري في الأدب عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه قال: أقبل رجل من البحرين إلى النبي ﷺ فسلم فلم يرد عليه، وفي يده خاتم ذهب وعليه جبة حرير، فانطلق الرجل محزونا فشكا إلى امرأته فقالت: لقد رأى رسول الله ﷺ جبتك وخاتمك فألقها، ثم عد، ففعل فرد ﵇ فقال جئتك آنفا فأعرضت عني، قال: «كان في يدك جمر من نار» .
الحديث.
وروي أيضاً في الأدب عن علي رضي الله تعالى عنه قال: مر رسول الله ﷺ على قوم فيهم رجل متخلّق بخلوق فنظر إليهم وسلّم عليهم وأعرض عن الرجل، فقال الرجل: أعرضت عني، فقال: «بين عينك جمرة» .
السابع: في تبلغيه السلام .
وروى مسلم عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ «أتاني جبريل فقال: يا رسول الله هذه خديجة قد أتتك ومعها إناء فيه طعام وإدام وشراب فإذا هي أتتك فاقرأ عليها من ربها السلام ومني، وبشرها ببيت في الجنة من قصب لا صخب فيه. ولا نصب» .
وروى النسائي والحاكم عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: جاء جبريل إلى رسول الله ﷺ فقال: أن الله تعالى يقرأ على خديجة السلام، فقالت: إن الله هو السلام وعلى جبريل السلام ورحمة الله وبركاته.
الثامن: في رده من دخل ولم يسلم .
روى البخاري في الأدب عن كلدة بن حنبل [ (١) ] أن صفوان بن أمية [ (٢) ] بعثه إلى رسول الله ﷺ في الفتح بلبن وجذابة وضعابيس، قال أبو عاصم، يعني البقل، والنبي ﷺ بأعلى الوادي قال: فدخلت ولم أسلم، ولم أستأذن، فقال: «ارجع فقل: السلام عليكم أأدخل؟» وذلك بعد ما أسلم صفوان [ (٣) ] .
стр. 2970
التاسع: في رجوعه إذا سلم ثلاثا فلم يؤذن له .
روى ابن أبي شيبة والإمام أحمد عن أم طارق مولاة سعد رضي الله تعالى عنهما قالت:
جاء النبي ﷺ إلى سعد فاستأذن فسكت سعد ثم أعاد فسكت سعد ثم أعاد فسكت سعد فانصرف رسول الله ﷺ قالت: فأرسلني سعد إليه أنه لم يمنعنا أن نأذن لك إلا أنا أردنا أن تزيد الحديث.
وروى البخاري في الأدب عن أبي موسى وابن مسعود وأبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنهم قالوا: خرجنا مع رسول الله ﷺ وهو يريد سعيد بن عبادة حتى أتاه فسلم فلم يؤذن له ثم سلم الثانية ثم الثالثة فلم يؤذن له فقال: قضينا ما علينا ثم رجع فأذن له سعد فقال: يا رسول الله والذي بعثك بالحق نبيا ما سلمت من مرة إلا وأنا أسمع وأرد عليك، ولكن أحببت أن تكثر من السلام عليّ وعلى أهل بيتي.
العاشر: في صفة سلامه على المستيقظ بحضرة النائم .
روى البخاري في الأدب عن المقداد بن الأسود [ (١) ] رضي الله تعالى عنه قال: كان رسول الله ﷺ يجيء من الليل فيسلم تسليما لا يوقظ نائما، ويسمع اليقظان [ (٢) ] .
تنبيه: في بيان ما سبق:
العصبة: بعين مضمومة، فصاد ساكنة مهملتين، فموحدة: الجماعة من العشرة إلى الأربعين.
تراب: بكسر المثناة الفوقية وأتراب جمع ترب بكسر المثناة الفوقية وسكون الراء: اللّدة والسن: أي كلهم من عمر واحد.
السّام: بفتح المهملة وسكون الألف: الحجارة.
ضمّخوني: بضاد معجمة فميم مفتوحتين، فخاء معجمة فواو فنون: نفحه أهله بالطيب.
آنفا: بهمزة ممدودة وكسر النون: أي الساعة أي في أول وقت يقرب منا.
القصب: بفتح القاف والمهملة بعدها موحدة أي قصب اللؤلؤ.
الصّخب: بفتح الصاد المهملة والخاء المعجمة فموحدة الصياح والمنازعة برفع الصوت.
النّصب: بفتح النون والصاد المهملة فالموحدة التعب.
стр. 2971
الباب الثالث في آدابه في المصافحة والمعانقة والتقبيل
وفيه أنواع:
الأول: في مصافحته .
روى الإمام أحمد عن أبي إسحاق قال: لقيت البراء بن عازب فسلم علي وأخذ بيدي وضحك في وجهي، وقال: أتدري لم فعلت هذا بك؟ قلت: لا أدري، ولكن لا أراك فعلت إلا الخير، قال: إنه لقيني رسول الله ﷺ ففعل بي مثل الذي فعلت بك، فسألني فقلت مثل الذي قلت لي،
فقال: «ما من مسلمين يلتقيان فسلم أحدهما على صاحبه ويأخذ بيده لا يأخذ بيده إلا الله، فلا يفترقان حتى يغفر لهما» [ (١) ] .
وروى النسائي عن حذيفة رضي الله تعالى عنه قال: كان رسول الله ﷺ إذا لقي الرجل من أصحابه مسحه ودعا له [ (٢) ] .
وروى الإمام أحمد عن رجل من عنزة أنه قال لأبي ذر حين سيّر من الشام: إني أريد أن أسألك عن حديث من حديث رسول الله قال أبو ذر: إذن أخبرك إلا أن يكون سرا، قلت: إنه ليس بسر، هل كان رسول الله ﷺ يصافحكم إذا لقيتموه؟ قال: ما لقيته قط إلا صافحني، وبعث إلى يوما ولم أكن في البيت فلما جئت أخبرت برسول الله ﷺ ، فأتيته وهو على سرير، فالتزمني فكأنه تلك أجوب أجود [ (٣) ] .
الثاني: في تقبيله وتقبيل يده ورجله .
روى ابن ماجة عن صفوان بن عسّال أن قوما من اليهود قبلوا يد النبي ﷺ ورجليه [ (٤) ] .
وروى الإمام أحمد والشيخان وأبو داود والترمذي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قبل رسول الله ﷺ الحسن بن علي [ (٥) ] .
وروى الإمام أحمد والشيخان وابن ماجه عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: قدم ناس من الأعراب على رسول الله ﷺ فقالوا: أتقبلون صبيانكم؟ قالوا: نعم قالوا: لكنا والله ما نقبل، فقال النبي ﷺ : «ولذلك أن الله تعالى نزع منكم الرحمة» [ (٦) ] .
стр. 2972
وروى الشيخان في الأدب عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: ما رأيت أحدا كان أشبه حديثاً برسول الله ﷺ من فاطمة كانت إذا دخلت عليه قام إليها ورحب بها وقبلها، وأجلسها في مجلسه، وكان إذا دخل عليها قامت إليه فأخذت بيده، ورحبت به، وقبلته وأجلسته في مجلسها، فدخلت عليه في مرضه الذي توفي فيه فرحب بها وقبلها [ (١) ] .
وروى البخاري في الأدب وأبو يعلى وابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: كنا في غزاة فحاص الناس حيصة قلنا: كيف نلقى رسول الله ﷺ وقد فررنا؟ فنزلت: إِلَّا مُتَحَرِّفاً لِقِتالٍ [الأنفال ١٦] فقلنا: لا نقدم المدينة، فلا يرانا أحدا، فقلنا: لو قدمنا فخرج النبي ﷺ من صلاة الفجر
فقلنا: يا رسول الله نحن الفرارون، قال: «أنتم العكارون» فقلنا: بلى قال: «أنا فئتكم» [ (٢) ] .
وروى البخاري في الأدب عن الوازع بن عامر رضي الله تعالى عنه قال: قدمنا فقبل ذلك رسول الله ﷺ فأخذنا بيديه ورجليه نقبلهما [ (٣) ] .
تنبيه: في بيان غريب ما سبق:
المصافحة: بميم مضمومة فصاد مهملة فألف ففاء فحاء مهملة: الأخذ باليد.
التّرمني: اعتنقني.
التقبيل: القبلة اللّثمة والجمع قبل وفعله التقبيل.
حاص: بحاء فصاد مهملتين بينهما ألف: جال جولة عظيمة.
المتحرف: تقدم الكلام عليه في باب المغازي.
الناس: الجماعة.
стр. 2973
جماع أبواب سيرته ﷺ في جلوسه واتكائه وقيامه ومشيه
الباب الأول في آداب جلوسه واتكائه ﷺ
وفيه أنواع:
النوع الأول: في جلوسه حيث انتهى به المجلس .
روى أبو نعيم رضي الله تعالى عنه قال: كان رسول الله ﷺ إذا انتهى به المجلس جلس حيث انتهى به المجلس، ويأمر بذلك النبي ﷺ .
النوع الثاني: في صفة جلسته واحتبائه وآدابه في ذلك
وفيه أنواع:.
الأول: في قعوده القرفصاء.
روى البخاري في الأدب وأبو يعلى عن قيلة- بفتح القاف وسكون المثناة التحتية بعدها لام- بنت مخرمة رضي الله تعالى عنها قالت: رأيت رسول الله ﷺ قاعدا القرفصاء [ (١) ] .
وروى أبو نعيم عن أبي أمامة رضي الله تعالى عنه قال: كان رسول الله ﷺ إذا جلس جلس القرفصاء.
الثاني: في تربعه.
روى البخاري في الأدب عن حنظلة بن خذيم رضي الله تعالى عنه قال: أتيت رسول الله ﷺ فرأيته جالسا متربعا [ (٢) ] .
وروى ابن أبي شيبة عن جابر بن صخرة قال: كان رسول الله ﷺ إذا صلى الفجر تربع في مجلسه حتى تطلع الشمس حسنا.
الثالث: في احتبائه.
روى البخاري في الأدب عن سليم بن جابر الهجيمي رضي الله تعالى عنه قال: «أتيت رسول الله ﷺ وهو محتب في بردة فإن هدّابها لعلى قدميه» الحديث.
وروى البخاري في الأدب والنسائي والبزار عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن
стр. 2974
رسول الله ﷺ دخل يوما المسجد، وأنا معه، فجلس فاحتبى الحديث.
وروى أبو داود والترمذي عن أبي سعيد رضي الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ كان إذا جلس احتبى بيديه، زاد البزّار ونصب ركبتيه.
وروى البخاري عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: رأيت رسول الله ﷺ بفناء الكعبة محتبيا بيده هكذا.
وروى الحسن بن سفيان عن أبي بن كعب رضي الله تعالى عنه قال: كان رسول الله ﷺ يحتبي على ركبتيه، وكان لا يتكئ.
وروى ابن عدي عن أبي سعيد رضي الله تعالى عنه قال: كان رسول الله ﷺ إذا جلس في مجلس احتبى بيديه.
وروى أبو نعيم عنه قال: كان رسول الله ﷺ إذا جلس احتبى بيديه، وقال بعض رواته بثوبه.
وروى الطبراني برجال ثقات غير أبي عروبة محمد بن موسى فيجر رجاله عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: رأيت رسول الله ﷺ في وجه الكعبة محتبيا بيديه.
الرابع: في رفعه بصره إلى السماء إذا جلس يتحدث.
روى البيهقي عن عبد الله بن سلام رضي الله تعالى عنه قال: كان رسول الله ﷺ إذا جلس كثيرا يتحدث رفع طرفه إلى السماء.
النوع الثالث: في اتكائه .
روى ابن سعد عن زر بن حبيش قال: جاء رجل من مراد يقال له صفوان بن عسّال إلى رسول الله ﷺ وهو متكئ على برد له أحمر.
وروى الدارمي والترمذي وصححه وأبو عوانة وابن حبان وابن سعد وابن عدي عن جابر ابن سمرة رضي الله تعالى عنه قال: دخلت على رسول الله ﷺ فرأيته متكئا على وسادة على يساره.
وروى أبو الشيخ عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: رأيت رسول الله ﷺ متكئا على وسادة فيها صور.
النوع الرابع: في توسده ﷺ ببردته .
روى ابن أبي شيبة عن خبّاب رضي الله تعالى عنه قال: أتينا رسول الله ﷺ وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة. الحديث.
الخامس: في جلوسه ﷺ على شفير البئر، وإدلائه رجليه في البئر، وكشفه عن ساقيه .
стр. 2975
وروى البخاري في الأدب عن أبي موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه قال: خرج رسول الله ﷺ يوما إلى حائط من حوائط الحاجة وخرجت في أثره، فلما دخل الحائط جلست على بابه، وقلت لأكونن اليوم بواب رسول الله ﷺ فقضى حاجته، وجلس على قفّ البئر وكشف عن ساقيه، وأدلاهما في البئر.
وروى الطبراني في الأوسط برجال موثّقين عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه قال: وقف رسول الله ﷺ بالأعواف وبلال معه، فدلى رجليه في البئر وكشف عن فخذيه، فجاء أبو بكر يستأذن، فقال: يا بلال ائذن له، وبشره بالجنة، فجلس عن يمين رسول الله ﷺ ، ودلى رجليه في البئر، وكشف عن فخذه، ثم جاء عمر يستأذن، فقال: يا بلال ائذن له، وبشره بالجنة، فدخل، فجلس عن يسار رسول الله ﷺ ودلى رجليه في البئر، وكشف عن فخذه، ثم جاء عثمان، فقال: ائذن له يا بلال، وبشره بالجنة، على بلوى تصيبه، فدخل عثمان فجلس، فعدله رسول الله ﷺ ، ودلى رجليه في البئر وكشف عن فخذه.
السادس: في جلوسه ﷺ مع أصحابه .
روى ابن أبي شيبة عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال: ما أخرج رسول الله ﷺ ركبتيه بين يدي جليس له قط، ولا يبادر يده أحد قط فيتركها حتى يكون هو يدعها، وما جلس إلى رسول الله ﷺ أحد قط فقام حتى يقوم، وما وجدت شيئا قط أطيب ريحا من رسول الله ﷺ .
السابع في أين يجلس من أصحابه ﷺ ؟.
روى أبو الحسن بن الضحاك عن كعب بن زهير رضي الله تعالى عنه قال: كان يجلس رسول الله ﷺ في أصحابه مكان المائدة من القوم حلقة ثم حلقة، وهو في وسطهم، فيقبل على هؤلاء فيحدثهم، ثم على هؤلاء، ثم على هؤلاء.
وروى النسائي عن أبي هريرة، وأبي ذر رضي الله تعالى عنهما قالا: كان رسول الله ﷺ يجلس بين ظهراني أصحابه فتجيء العرب فلا تدري أين هو؟ حتى تسأل، فطلبنا إلى رسول الله ﷺ أن نجعل له محلا فتعرفه العرب إذا رأوه، فبنينا له دكّانا من طين فكان يجلس عليه، وكنا نجلس بجانبه سماطين.
وروى أبو الحسن بن الضحاك رضي الله تعالى عنه قال: كنا في جنازة في بقيع الغرقد فأتانا رسول الله ﷺ فقعد وقعدنا حوله.
الثامن: في استلقائه ﷺ .
روى الإمام أحمد عن عباد بن تميم عن عمه رضي الله تعالى عنه أنه رأى رسول الله ﷺ مستلقيا في المسجد، واضعا إحدى رجليه على الأخرى.
стр. 2976
التاسع: فيما كان يقوله في مجلسه .
روى الترمذي- وحسنه- وابن السّنّي [ (١) ] والحاكم عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: ما كان رسول الله ﷺ يقوم من مجلسه حتى يدعو بهؤلاء الدعوات لأصحابه: اللهم اقسم لنا من خشيتك ما يحول بيننا وبين معاصيك، ومن طاعتك ما تبلّغنا به جنتك، ومن اليقين ما يهون علينا مصيبات الدنيا، ومتّعنا بأسماعنا وبأبصارنا وقوتنا ما أحييتنا، واجعله الوارث منا، واجعل ثأرنا على من ظلمنا، وانصرنا على من عادانا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، ولا تسلط علينا من لا يرحمنا» [ (٢) ] .
تنبيهان
الأول: قال القوساني استشكل العلماء هذا الحديث فقالوا: كيف يكون سمعه وبصره يرثانه بعده دون سائر أعضائه؟ فتأولوه على أنه أراد بذلك الدعاء لأبي بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما، بدليل أنهما من الدين بمنزلة السمع والبصر من الرأس، فكأنه دعا بأنه تمتع بهما في حياته، وأن يرثا خلافة النبوة بعد وفاته، ولم يجد العلماء رحمهم الله تعالى لهذا الحديث وجها ولا تأويلا غير هذا.
الثاني: في بيان غريب ما سبق:
الاحتباء: هو أن يضم الإنسان رجليه إلى بطنه إذا جلس، ويجمعهما بثوب إلى ظهره، ويشده عليه، وقد يكون الاحتباء باليدين عوض الثوب.
القرفصاء: بضم القاف والفاء، بينهما راء ساكنة، ثم صاد مهملة ومد. قال الفراء رحمه الله تعالى إذا ضممت القاف والفاء مددت أو كسرت قصرت، قال أبو عبيدة وهي جلسة المحتبي، ويدير ذراعيه ويديه على ساقيه، وجزم بذلك البخاري رحمه الله تعالى.
التربع: بفوقية فراء مفتوحتين فموحدة مضمومة فعين مهملة: معروف خلاف الجثي والإقعاء.
البردة: بموحدة مضمومة فراء ساكنة فدال مهملة مفتوحة فتاء تأنيث: الشملة المخططة وقيل كساء أسود مربع فيه صفرة تلبسها الأعراب جمعها برد.
الهدّاب: بهاء مضمومة فدال مهملة فألف فموحدة.
стр. 2977
الطّرف: بطاء مهملة فراء مفتوحتين ففاء وهو الآخر.
الوسادة: بكسر الواو، ما يوضع عليه الرأس وقد يتوكأ عليها وهو المراد هنا قال في الهدى ربما اتكأ على الوسادة على يساره، وربما اتكأ على يمينه، وكان إذا احتاج في خروجه توكأ على أصحابه من ضعف، قال في زاد المعاد وكان ﷺ يجلس على الأرض، وعلى الحصير وعلى البساط.
قف البئر: تقدم تفسيره.
مائدة: يأتي الكلام عليها.
الدّكّان: بدال مهملة مضمومة فكاف فألف فنون الدكة المبنية للجلوس عليها، واختلف: هل النون أصلية أم زائدة.
الخشية: بخاء معجمة مفتوحة، فشين معجمة ساكنة، فتحتية مفتوحة، فتاء تأنيث:
الخوف.
الثأر: بمثلثة فألف فراء: أصله طلب الدم، والمراد به هنا طلب الحق ممن ظلم.
السّماط: بسين مهملة مكسورة فميم فألف فطاء مهملة: الجماعة من الناس والنحل.
стр. 2978
الباب الثاني في قيامه
وفيه نوعان:
الأول: فيما كان يفعله إذا قام وأراد العود .
روى أبو يعلى بسند ضعيف وأبو داود والطبراني عن أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه قال:
كان رسول الله ﷺ إذا جلس جلسنا حوله فأراد أن يعود ترك نعليه أو بعض ما يكون معه فيعرف بذلك أصحابه، فيثبتون، وأنه قام وترك نعليه فأخذت ركوة ماء فتتبعته فرجع، ولم يقض حاجته،
قلت: يا رسول الله ألم تكن لك حاجة؟ قال: بلى، ولكن أتاني آت من ربي فقال: مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُوراً رَحِيماً [النساء- ١١٠]- وقد كانت شقّت عليهم الآية التي قبلها مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ-[النساء ١٢٣] فأردت أن أبشر أصحابي، قال: قلت: يا رسول الله ﷺ وإن زنا وإن سرق وإن زنا وإن سرق، ثم استغفر غفر له؟
قال: «نعم» ، قلت: يا رسول الله وإن زنا وإن سرق ثم استغفر غفر له؟ قال: «نعم» ، ثم ثلثت قال:
«نعم على رغم أنف عويمر» [ (١) ] .
الثاني: فيما كان يقوله ويفعله إذا قام من المجلس .
وروى عبد الرزاق في الجامع عن أبي عثمان الفقير، وابن أبي شيبة وأبو داود، والنسائي والحاكم، وابن مردويه عن أبي برزة الأسلمي، وابن أبي شيبة بإسناد صحيح عن رجل من الصحابة رضي الله تعالى عنهم، والطبراني برجال ثقات عن رافع بن خديج، وابن أبي شيبة عن أبي العالية، قال أبو عثمان وأبو العالية: إن جبريل علم النبي ﷺ إذا قام من مجلسه أن يقول
وقال أبو برزة: كان رسول الله ﷺ يقول بأخرة إذا أراد أن يقوم من المجلس: «سبحانك اللهم وبحمدك أشهد ألا إله إلا أنت، أستغفرك، وأتوب إليك»
[ (٢) ] زاد أبو برزة فقال رجل: يا رسول الله إنك تقول قولا ما كنت تقوله فيما مضى؟ أكفارة لما يكون في المجلس؟ زاد الرجل: كلمات علمنيهن جبريل كفارات لخطايا المجلس.
وروى محمد بن يحيى بن أبي عمر برجال ثقات وابن أبي الدّنيا والنسائي عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: كان رسول الله ﷺ إذا جلس مجلسا أو صلى تكلم بكلمات، فسألته عن الكلمات فقال: «إن تكلم بخير كان طابعا عليهن إلى يوم القيامة، وإن تكلم بشر كان كفارة له، سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك، وأتوب إليك» ،
وزاد الأخير: أن يقولها حين يقوم من مجلسه إلا غفر له ما كان منه في المجلس.
стр. 2979
الباب الثالث في مشيه ﷺ
وفيه أنواع:
الأول: في هيأته .
روى الإمام أحمد والترمذي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: ما رأيت أحدا أسرع مشية من رسول الله ﷺ فكأنما الأرض تطوى له: كنا إذا مشينا معه نجهد أنفسنا وأنه لغير مكترث [ (١) ] .
وروى أبو بكر بن أبي شيبة عنه قال: كنت أمشي مع رسول الله ﷺ في جنازة، أمشي فإذا مشيت سبقني فأهرول فأسبقه، فالتفت إلى رجل لجنبي فقلت: تطوى الأرض له وللخليل إبراهيم ﵉.
وروى أبو داود عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: كان رسول الله ﷺ إذا مشى يتوكأ.
وروى ابن سعد وأبو الحسن بن الضحاك عن أبي الحكم سيار بن أبي سيار قال: كان رسول الله ﷺ إذا مشى مشى مشي السّوقي، ليس بالعاجز ولا الكسلان [ (٢) ] .
وروى الإمام أحمد عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن رسول الله ﷺ كان إذا مشى مشى مجتمعا ليس فيه كسل [ (٣) ] .
وروى ابن سعد عن مرثد بن أبي مرثد قال: كان رسول الله ﷺ إذا مشى أسرع حتى يهرول الرجل فلا يدركه [ (٤) ] .
وروى ابن سعد عن علي رضي الله تعالى عنه قال: كان رسول الله ﷺ إذا مشى كأنما ينحدر من صبب وإذا مشى كأنما يتقلّع من صخرة [ (٥) ] .
وروى البخاري في الأدب وابن سعد عنه قال: كان رسول الله ﷺ إذا مشى كأنما ينحدر من صبب وإذا مشى فكأنما يمشي في صعد [ (٦) ] .
وروى ابن سعد عنه قال: كان رسول الله ﷺ إذا مشى تكفأ تكفؤا كأنما ينحطّ من صبب [ (٧) ] .
стр. 2980
وروي أيضا عنه قال: كان رسول الله ﷺ إذا مشى تقلّع كأنما ينحدر من صبب [ (١) ] .
وروى أيضا عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: كان رسول الله ﷺ إذا مشى تكفأ.
وروى أيضا عن أبي أمامة رضي الله تعالى عنه قال: كان رسول الله ﷺ إذا مشى تكفأ.
وروى أيضا عن أبي أمامة رضي الله تعالى عنه قال: كان رسول الله ﷺ إذا مشى تكفأ حين يمشي في صعود.
وروى البيهقي عن هند بن أبي هالة رضي الله تعالى عنه قال: كان رسول الله ﷺ إذا مشى مال تقلّعا يتكفّأ تكفّؤا، ويمشي هونا ذريع المشية كأنما ينحط من صبب، وفي لفظ كأنما يهوي في صبب، إذا التفت التفت جميعا، يسوق أصحابه ويبدر، وفي لفظ: يبدأ من لقيه بالسلام.
وروى ابن الضحاك في الشمائل عن علي رضي الله تعالى عنه قال: كان رسول الله ﷺ إذا مشى تقلّع كأنما يمشي في صعد.
وروى ابن سعد عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: كان رسول الله ﷺ إذا مشى مشى مجتمعا ليس فيه كسل.
وروى أيضا عن جابر رضي الله تعالى عنه قال: كان رسول الله ﷺ إذا مشى هرول الناس وراءه.
وروى الإمام أحمد والبيهقي عن عبد الله بن عمر [و] عمر رضي الله تعالى عنهما قال: صليت مع رسول الله ﷺ المغرب فرجع من رجع، وعقّب من عقّب، فجاء رسول الله ﷺ مسرعا قد حفزه النفس قد حسر عن ركبتيه، فقال: «أبشروا، هذا ربكم قد فتح بابا من أبواب السماء، يباهي بكم الملائكة» ، يقول: انظروا عبادي قد قضوا فريضة ربهم ينتظرون أخرى [ (٢) ] .
الثاني: في التفاته .
روى ابن سعد عن جابر رضي الله تعالى عنه قال: كان رسول الله ﷺ لا يلتفت إذا مشى، وكان ربما تعلق رداؤه بالشجرة أو بالشيء فلا يلفت، وكانوا يضحكون، وكانوا قد أمنوا التفاته.
وروى البخاري في الأدب، وابن سعد عن علي رضي الله تعالى عنه قال: كان رسول الله ﷺ إذا التفت التفت جميعا.