← Сира

Сира · id 1693

سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد

الصالحي الشامي

Полный текст (5 757 стр.). Показаны 3221–3260 · переход к 3226.

стр. 3221

هو الملواح أيضا، روى أبو داود عن الهذلي والنّسائي عن الزّهري أن رسول الله ﷺ ابتاع فرسا من أعرابي فاستتبعه النبي ﷺ ليقضيه ثمن فرسه فأسرع النبي ﷺ في المشي، وأبطأ الأعرابي، فطفق رجال يساومون بالفرس، ولم يشعروا أن النبي ﷺ ابتاعه حتى زاد بعضهم الأعرابي في السوم على ثمن الفرس الذي ابتاعه به النبي فنادى الأعرابي النبي ﷺ أن كنت مبتاعا هذه الفرس فابتعه، وإلا بعته، فقال النبي ﷺ : «بل قد ابتعته» ، فطفق الناس يلوذون بالنبي ﷺ وبالأعرابي وهما يتراجعان فجاء خزيمة بن ثابت فسمع مراجعة النبي ﷺ ومراجعة الأعرابي فطفق الأعرابي يقول: هلمّ شهيدا يشهد أني قد بعتك، فقال خزيمة: أنا أشهد، فقال النبي ﷺ لخزيمة: «بم تشهد؟» فقال: بتصديقك يا رسول الله، وفي رواية، فقال النبي ﷺ : «أحضرتنا يا خزيمة؟» فقال: لا، فقال: «كيف شهدت بذلك؟» قال بأبي أنت وأمي أصدّقك على أخبار السماء، وما يكون في ابتياعك هذا الفرس؟ فقال ﷺ : «إنك لذو الشهادتين يا خزيمة» [ (١) ] . السادس عشر: الطّرف بكسر الطاء المهملة، وتقدم في الظرب. السابع عشر: الضّرس: بفتح الضاد المعجمة المشددة: الصّعب، السيء الخلق، روى ابن سعد أنه أول فرس ملكه رسول الله ﷺ ، وتقدم بتمامه أول الباب. الثامن عشر: مندوب، روى الشيخان عن حماد بن زيد، والنسائي عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنهما. التاسع عشر: المرواح بكسر الميم، من أبنية المبالغة، مثل الملقام والمقدام، وهو مشتق من الريح، وأصلها الواو، وإنما جاءت الياء لانكسار ما قبلها، فيحتمل أنه سمي بذلك لسرعته كالريح، أو لتوسعه في الجري كالرّوح، وهو السعة أو لأنه يستراح به من الراحة، أو قولهم راح الفرس يراح راحة: إذا تحصّن، أي صار فحلا. وروى ابن سعد عن زيد بن طلحة أن وفد الرّهاويين أهدوا لرسول الله ﷺ هدايا منها فرس يقال لها: المرواح فسر به فشور بين يديه، فأعجبه وذكر ابن الكلبي في الجمهرة أن مرداس بن مؤيلك بن واقد رضي الله تعالى عنه وفد إلى رسول الله ﷺ وأهدى له فرسا. وروى الطبراني في الصّغير أن عياض بن حمار المجاشعي أهدى لرسول الله ﷺ فرسا قبل أن يسلم، فقال: «إني أكره زبد المشركين وقال إن المهدي له نجيبة وكان صديقا له، إذا قدم عليه مكة لا يطوف إلا في ثيابه» ، فقال: أسلمت، قال: «إن الله تعالى نهاني عن زبد

стр. 3222

المشركين» ، فأسلم فقبلها منه، وقال يا رسول الله: الرجل من قومي أسفل مني يشتمني، فأنتصر منه، فقال ﵊: «المستبّان شيطانان يتهاتران يتكاذبان» . وقد نظم الحافظ الكبير أبو الفضل عبد الرحيم بن الحسين العراقي رحمه الله تعالى أسماء ما وقف عليه من أسماء خيله ﷺ وصدر بالسبعة المتفق عليها فقال. خيل النبيّ عدّة لم تختلف ... في السّبع الأولى كلّها مركوب سكب لزاز ظرب مرتجز ... ورد لحيف سبحة مندوب أبلق ذو العقّال بحر ضرس ... مرتجل ذو اللّمّة اليعسوب أدهم سرحان الشّحا مراوح ... سجل نجيب طرف اليعبوب ملاوح عدّة أربعة تلي ... عشرين لم يحظ بها مكتوب وقد نظم بعض ذلك الحافظ أو الفتح بن سيد الناس [ (١) ] فقال: لم يزل في حربة ... ذا ثبات وثبات ومضاء قصرت عنه ... مواضي المرهفات كلفا بالطّعن والضّرب ... وحبّ الصّافنات من لزاز ولحيف ... ومن السّكب المؤات ومن المرتجز السّابق ... سبق الذّاريات ومن الورد ومن سبحة ... مثل العاديات تنبيه: في بيان غريب ما سبق: السّكب: الخفيف الجري السريعة ويسمى القضّ قال أبو منصور الثّعالبي: شبه بقض الماء وإسكابه، وبه سمّي أحد أفراس رسول الله ﷺ . فزارة: بفاء فزاي فألف فراء مفتوحات فتاء تأنيث. يتمطى: بتحتية ففوقية فميم فطاء مفتوحات: يتمدد. فهش، لذلك يهشّ هشّا إذا ارتاح له، وخف إليه، وكذلك هششت بفلان، بالكسر، أهشّ له هشاشة إذا خففت إليه وارتحت له ورجل هشّ. شوّر: بضم الشين المعجمة، وكسر الواو المشددة، من قولهم شوّرت الدابة شورا

стр. 3223

عرضتها على البيع، أقبلت بها وأدبرت، والمكان الذي تعرض فيه الدابة مشوّرا. سبحة: سمي بذلك من قولهم فرس سابح إذا كان حسن مدّ اليدين في الجري. المرتجز: قال ابن الأثير: كان أبيض وإنما سمي بذلك لحسن صهيله. اللّزاز: تقدم تفسير ابن بنين، وقال الدّمياطي: اللّزاز من لاززته أي لاصقته، كان يلتزق بالمطلوب لسرعته، وقيل لاجتماع خلقه، ولملزّز المجتمع الخلق الشديد الأسر. الظّرب: إنما سمي بذلك لكبره وسمنه، وقيل لقوته وصلابة حافره.

стр. 3224

الباب الرابع في بغاله، وحميره ﷺ وفيه نوعان: الأول: في بغاله ﷺ وهن سبع: الأولى: دلدل لم يمت ﷺ عن شيء سواها. وروى ابن سعد عن الزهري قال: أهدي دلدل لرسول الله ﷺ فروة بن عمرو الجذامي انتهى، كذا في هذه الرواية، والمشهور أن الذي أهداها له المقوقس كما سيأتي. وروى أيضا عن علقمة بن أبي علقمة قال: بلغني والله أعلم أن اسم بغلة النبي ﷺ الدّلدل، وكانت شهباء، وكانت بينبع حتى ماتت. وروى أيضا عن موسى بن محمد بن إبراهيم عن أبيه قال: كانت دلدل بغلة النبي ﷺ أول بغلة رئيت في الإسلام، أهداها له المقوقس، بقيت حتى كانت زمن معاوية. وروى أيضا عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه قال: أهدى لرسول الله ﷺ بغلة شهباء، فهي أول بغلة كانت في الإسلام، فبعثني رسول الله ﷺ إلى زوجته أم سلمة، فأتته بصوف، وليف ثم فتلت أنا ورسول الله ﷺ لها رسنا وعذارا، ثم دخل البيت، فأخرج عباءة مطرّفة فثناها، ثم ربّعها على ظهرها، ثم سمى وركب، وردفني خلفه. وروى ابن عساكر- من طرق- أنها بقيت حتى قاتل عليها علي بن أبي طالب في خلافته الخوارج، وذكر ابن إسحاق إنها كانت في منزل عبد الله بن جعفر يجشّ، أو يدق لها الشعير، وقال الحافظ عبد الغني بن عبد الواحد القدسي أن رسول الله ﷺ كان يركب دلدل في الأسفار، وعاشت بعده حتى كبرت، رأيت أسنانها، وكان يجش لها الشعير، وماتت بينبع [ (١) ] ، والدّلدل: عظيم القنافذ والدّلدال: الاضطراب وقد تدلدل الشيء: أي تحرك متدليا. الثانية: فضّة. روى ابن سعد عن زامل بن عمرو إن فروة بن عمرو الجذامي أهدى لرسول الله ﷺ بغلة يقال لها فضّة، فوهبها لأبي بكر. وروى عبد بن حميد عن كثير بن العباس رضي الله تعالى عنهما قال: لزمنا

стр. 3225

رسول الله ﷺ فلم نفارق يعني يوم حنين، وهو على بغلة شهباء، وفي لفظ: بيضاء أهداها له فروة بن نعامة الجذامي. وروى ابن أبي شيبة عن ابن أبي حميد الساعدي رضي الله تعالى عنه أن ملك أيلة أهدى لرسول الله ﷺ بغلة بيضاء، وكساه رسول الله ﷺ بردة وكتب له رسول الله ﷺ . وروى عمر بن عبد الله الأنصاري في جزئه عن أبي موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه قال: كنا مع رسول الله ﷺ في سفر فأخذ القوم في عقبة، أو ثنية قال: فكان الرجل إذا ما علاها قال: لا إله إلا الله والله أكبر، فقال رسول الله ﷺ : «أيها الناس إنكم لا تدعون أصم، ولا غائبا» ، وهو على بغلة يعرضها، فقال: «يا أبا موسى» ، أو «عبد الله بن قيس، ألا أعلمك كلمة من كنوز الجنة؟» قلت: بلى، قال: «لا حول ولا قوة إلا بالله» [ (١) ] . الثالثة: بغلة أهداها ابن العلماء وهو بفتح العين المهملة، وإسكان اللام، وبالمد، قاله النووي، والقرطبي، وزاد وهو تأنيث الأعلم، مشقوقة الشفة العليا. وروى مسلم أول الفضائل والبخاري في كتاب الجزية والموادعة بعد الجهاد عن أبي حميد الساعدي رضي الله تعالى عنه قال: غزونا مع رسول الله ﷺ بتبوك فذكر الحديث، وقال فيه وجاء رسول ابن العلماء صاحب أيلة إلى رسول الله ﷺ بكتاب، وأهدى له بغلة بيضاء، فكتب إليه رسول الله ﷺ ، وأهدى له بردة رواه أبو نعيم في المستخرج، ولفظه وأهدى ملك أيلة إلى رسول الله ﷺ بغلة بيضاء، فكساه برداء، وقال أبو نعيم: بردة، وكتب له ببحرهم، قال علي بن محمد بن الحسين بن عبدوس: كانت طويلة محذوفة، كأنما تقوم على رمال، حسنة السير فأعجبته، ووقعت منه، وهي التي قال له فيها علي بن أبي طالب حين خرج عليها: كأن هذه البغلة قد أعجبتك يا رسول الله، قال: «نعم» ، قال: «لو شئت لكان لك مثلها» ، قال: وكيف؟ قال: «هذه أمها عربية، وأبوها حمار ولو أنزينا حمارا على فرس لجاءت بمثل هذه» ، فقال: إنما يفعل ذلك الذين لا يعلمون. وروى ابن سعد عن علي رضي الله تعالى عنه قال: أهديت لرسول الله ﷺ بغلة، فقلنا: يا رسول الله إنا أنزينا الحمر على خيلنا فجاءتنا بمثل هذه، فقال رسول الله ﷺ : «إنما يفعل ذلك الذين لا يعلمون» . الرابعة: بغلة أهداها له كسرى، فركبها بحبل من شعر، ثم أردف ابن العباس خلفه رواه في تفسير قوله تعالى: وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ من سورة الأنعام، قال

стр. 3226

الحافظ أبو محمد الدّمياطي: وهو بعيد، لأنه مزّق كتاب رسول الله ﷺ ، وأمر عامله باليمن بقتله، وبعث رأسه إليه فأهلكه الله تعالى بطغيانه وكفره، وأخبر ﵊ عامله بقتله ليلة قتل، قلت: فيحتمل- إن صح ما ذكره الثعلبي- أن يكون الذي أرسل بالبغلة ولد المقتول وفي سند الثّعلبي عبد الله بن ميمون القداح- أبو حاتم متروك، وقال البخاري ذاهب الحديث. الخامسة: من دومة الجندل [ (١) ] . روى ابن سعد في آخر غزوة بني قريظة: بعث صاحب دومة الجندل لرسول الله ﷺ بغلة وجبّة من سندس، فجعل أصحاب رسول الله ﷺ يتعجبون من حسن الجبة فقال رسول الله ﷺ «لمناديل سعد بن معاذ في الجنة أحسن من هذه» . وروى الإمام إبراهيم الحربي في كتاب الهدايا عن علي رضي الله تعالى عنه قال: أهدى يوحنا بن رؤبة بغلة بيضاء. السادسة: من عند النجاشي. السابعة: تسمى حمارة شامية. روى ابن السكن عن بسر والد عبد الله المازني أن النبي ﷺ أتاهم، وهو راكب على بغلته البيضاء، ولم يمت ﷺ عن شيء منهن سوى الشهباء. النوع الثاني: في حميره ﷺ وهي أربعة: الأول: عفير، بضم العين المهملة، وفتح الفاء، وقيل بالغين المعجمة، قال النووي والحافظ: وهو غلط، مأخوذ من العفرة، وهو لون التراب، كأنه سمي بذلك لكون العفرة حمرة يخالطها بياض، أهداه له المقوقس قال ابن عبدوس: كان أخضر، قال أبو محمد الدّمياطي: عفير تصغير عفر مرخما مأخوذ من العفرة، وهو لون التراب، كما قالوا في تصغير أسود أسيود، وتصغيره غير مرخم أعيفر كأسيود. وروى أبو داود الطيالسي وابن سعد عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: كانت الأنبياء يلبسون الصوف، ويحلبون الشاة ويركبون الحمير، وكان لرسول الله ﷺ حمار يقال له عفير. وروى ابن أبي شيبة، والبخاري، والبرقي عن معاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه قال:

стр. 3227

كنت ردف رسول الله ﷺ على حمار يقال له عفير، وكان يسمى به تشبيها في عدوه باليعفور، وهو الظبي، وقيل: الخشيف: ولد البقرة الوحشية أيضا، العفير من الظباء التي يعلو بياضها حمرة، وهو أضعف الظباء عدوا، وعفير أهداه له المقوقس، وأما يعفور فأهداها له فروة ابن عمرو الجذامي، ويقال: إن حمار المقوقس يعفور، وحمار فروة عفير. الثاني: يعفور بسكون العين المهملة وضم الفاء، وهو اسم ولد الظبي، سمي بذلك لسرعته، أهداه له فروة بن عمرو الجذامي. روى ابن سعد عن زامل بن عمرو قال: أهدى فروة بن عمرو الجذامي لرسول الله ﷺ حماره يعفورا، ويقال: بل أهدى الأول، وأهدى المقوقس الثاني، قال الحافظ: وهو عفير المتقدم، قال محمد بن عمر: نفق يعفور منصرف رسول الله ﷺ من حجة الوداع، وذكر السّهيلي أن اليعفور طرح نفسه في بئر يوم مات النبي ﷺ فمات. الثالث: حمار أعطاه له سعد بن عبادة رضي الله تعالى عنه، وذكر أبو زكريا بن مندة في كتاب أسامي من أردفه ﷺ من طريق عمرو بن سرجيس. الرابع: حمار أعطاه له بعض الصحابة. روي عن بريدة رضي الله تعالى عنه قال: بينا رسول الله ﷺ يمشي إذ جاء رجل معه حمار فقال: يا رسول الله ﷺ اركب فتأخر الرجل فقال رسول الله ﷺ : «لا، أنت أحق بصدر دابتك مني إلا أن تجعله لي» قال: فإني قد جعلته لك، قال: فركب [ (١) ] .

стр. 3228

الباب الخامس في لقاحه وجماله ﷺ وفيه أنواع: الأول: في لقاحه ﷺ . روى ابن مسعود عن معاوية بن عبد الله بن أبي رافع قال: كانت لرسول الله ﷺ لقاح وهي التي أغار عليها القوم بالغابة وهي عشرون لقحة، وكانت التي يعيش بها أهل محمد ﷺ ، يراح إليه كل ليلة بقربتين من لبن، وكان فيها لقائح لها غرز كما في الهدى- خمس وأربعون، لكن المحفوظ من أسمائهن سنذكره. الأولى: الحناء. الثانية: السّمراء. الثالثة: العريس. الرابعة: السعدية. الخامسة: البعوم، بالباء الموحدة، والعين المعجمة. السادسة: اليسيرة كانت هي والسمراء والعريس يحلبن، ويراح إليه لبنهن كل ليلة، وكان فيها غلام لرسول الله ﷺ يسمى يسارا، فاستاقها العيّرنون وقتلوا يسارا ونحروا الحناء. السابعة: الرّيّاء. الثامنة: بردة كانت تحلب كما تحلب لقحتان غزيرتان، أهداها له الضحّاك بن سفيان الكلابي. التاسعة: الحفدة. العاشرة: مهرة أرسل بها سعد بن عبادة من نعم بن عقيل. الحادية عشرة: الشقراء أو الرّيّاء ابتاعها بسوق النّبط من بني عامر، وقيل كانت له لقحة تدعى سورة. روى ابن سعد عن أم سلمة رضي الله تعالى عنها قالت: كان عيشنا مع رسول الله ﷺ ، أو قالت: كان أكثر عيشنا مع رسول الله ﷺ لقائح بالغابة، كان قد فرقها على نسائه، فكانت لي منها لقحة تسمى العريس فكان لنا منها ما شئنا من اللبن، وكانت لعائشة لقحة تسمى السّمراء غزيرة، ولم تكن كلقحتي، فقرب راعيهن اللّقاح إلى مرعى الغابة

стр. 3229

تصيب من أثلها وطرفائها فكانت تروح على أبياتنا، فنؤتى بها فيحلبان فيأخذ لقحته يعني رسول الله ﷺ أغزر منها بمثل لبنها أو أكثر [ (١) ] . وروى عنها أيضا قالت: أهدى الضحّاك بن سفيان الكلابي لرسول الله ﷺ لقحة تدعى بردة لم أر من الإبل شيئا قط أحسن منها، وتحلب ما تحلب لقحتان غزيرتان، فكانت تروح على أبياتنا ترعاها هند وأسماء يعتّقانها بأحد مرة وبالبيضاء مرة ثم تأوي إلى منزلنا معه وقد ملأ ثوبه بما يسقط من الشجر، ومما يهشّ من الشجر فتبيت في علق حتى الصباح، فربما أتى عليّ الضيافة، فيشربون حتى ينهلوا غبوقا، ويفرّق علينا بعض ما فضل، وحلابها صبوحا حسن. وروى أيضا عن عبد السلام بن جبير عن أبيه قال: كانت لرسول الله ﷺ سبع لقائح تكون بذي الجدري، وتكون بالحمى، وكان لبنها يأتي إلينا، لقحة تسمى: مهرة، وأخرى تدعى: الشّقراء، وأخرى تدعى الرّيّاء، وأخرى: تدعى بردة، والسمراء والعريس والحناء. النوع الثاني: في ركائبه ﷺ . روى ابن سعد عن موسى بن محمد بن إبراهيم التيمي عن أبيه قال: كان القصواء من نعم بني الحريش ابتاعها أبو بكر بأربعمائة، وكانت عنده حتى نفقت، وهي التي هاجر عليها، وكانت حين قدم رسول الله ﷺ المدينة رباعية، وكان اسمها القصواء والجدعاء والعضباء. وروى أيضا عن ابن المسيب قال: كان اسمها العضباء، وكان في طرف أذنها جدع وكانت تسبق كلما وقعت في سباق. وروى الإمام أحمد، والبخاري، وأبو داود، والنسائي وابن سعد عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال: كانت لرسول الله ﷺ ناقة تسمى العضباء، لا تسبق، فقدم أعرابي على قعود له فسبقها، فسبقت، فشق ذلك على المسلمين حتى عرفه رسول الله ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ : «حقّ على الله تعالى أن لا يرفع شيئا في الدنيا إلا وضعه» ، ورواه الدّارقطني ولفظه قال: سابق رسول الله ﷺ أعرابيّ فسبقه، وكأن أصحاب رسول الله ﷺ وجدوا في أنفسهم من ذلك، فقيل له في ذلك، فقال: «حقّ على الله تعالى أن لا يرفع شيء نفسه في الدنيا إلا وضعه» ، ورواه أيضاً عن أبي هريرة، لكنه قال: القصواء وفي رواية العضباء [ (٢) ] . وروى ابن سعد نحوه عن سعيد بن المسيّب وفيه فقال رسول الله ﷺ : «إن الناس إذا

стр. 3230

رفعوا شيئا أو أرادوا رفع شيء وضعه الله تعالى» [ (١) ] . وروى ابن سعد عن قدامة بن عبد الله رضي الله تعالى عنه قال: رأيت رسول الله ﷺ في حجّته يرمي على ناقة صهباء. وروى أبو الحسن بن الضحاك عن أبي كاهل رضي الله تعالى عنه قال: رأيت رسول الله ﷺ يخطب بالناس يوم عيد على ناقة مخضرمة ورقاء، وحبشي يمسك بخطامها، قال وكيع: مخضرمة يقول: مقطوع طرف أذنها. وروى أيضا عن أبي أمامة رضي الله تعالى عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول وهو يخطب الناس على ناقته الجدعاء في حجة الوداع. وروى ابن عبدوس: وكانت العضباء شهباء. النوع الثالث: في جماله ﷺ . روى ابن سعد عن سلمة بن نبيط عن أبيه قال: رأيت رسول الله ﷺ في حجته بعرفة على قعود أحمر. وروى ثابت بن قاسم- في دلائله- عن عبد الملك بن عمير رضي الله تعالى عنه قال: كان اسم جمل رسول الله ﷺ عسكرا، وذكر أبو إسحاق التّغلبي في تفسيره أن النبي ﷺ بعث يوم الحديبية خراش بن أميّة الخزامي قبل عثمان إلى قريش بمكة، وحمله على جمل له يقال له الثّعلب ليبلغ أشرافهم عنه ما أجاء به، فعقروا جمل رسول الله ﷺ ، وأرادوا قتله، فمنعته الأحابيش فخلوا سبيله. وروى الطبري في غزوة بدر أن رسول الله ﷺ غنم جمل أبي جهل، وكان سهريا أي منسوبا إلى سهرة بن حيدان، فكان يغزو عليه، ويضرب في لقاحه. وروى ابن إسحاق عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ أهدى عام الحديبية في هداياه جملا لأبي جهل، في رأسه برة من فضة ليغيظ بذلك المشركين. تنبيه: في بيان غريب ما سبق: اللّقاح: جمع لقحة بالكسر والفتح: الناقة القريبة العهد بالنّتاج، وناقة لقوح إذا كانت غزيرة اللبن. الغابة: بغين معجمة، فموحدة، فتاء: موضع بالحجاز.

стр. 3231

الحناء العريس السّعدية الرّيّاء الحفدة: أسماء لقاح الرسول. ينهلوا: بتحتية، فنون ساكنة، فهاء، فلام: يشربوا حتى يرووا لبنا منها. الرّيّان والعطشان من الأضداد. غبوقا: بغين معجمة مفتوحة، فموحدة مضمومة، فواو فقاف. صبوحا: بصاد مهملة مفتوحة، فموحدة مضمومة، فواو فحاء. العضباء: كحمراء: المقطوع من طرف أذنها، قال الجوهري: ولم يكن بها عضب ولا جذع. ذي الجدر. نفقت: بنون، ففاء، فقاف مفتوحات: ماتت. العضباء: بعين مهملة، فضاد معجمة، فموحدة: المشقوقة الآذان. الجذعاء: بجيم، فذال معجمة: المقطوعة الأنف أو اليد أو الشفة، ولم تكن عضباء، وإنما كان ذلك اسما لها، قال الجوهري: ولم تكن مقطوعة الأذن. القعود: بقاف مفتوحة، فعين مهملة مضمومة، فواو، فدال مهملة: هي الإبل ما أمكن أن يركب، وأدناه أن يكون له سنتان، ثم قعود إلى أن يدخل في السنة السادسة ثم هو جمل.

стр. 3232

الباب السادس في شياهه، ومنائحه، ﷺ وفيه نوعان: الأول: في فضل الغنم . روى أبو يعلى برجال ثقات عن البراء رضي الله تعالى عنه قال: الغنم بركة. وروى الطبراني عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أن رسول الله ﷺ قال: «عليكم بالغنم، فإنها من دواب الجنة، فصلوا في مراحها، وامسحوا رعامها» قلت: ما الرّعام؟ قال: «المخاط» . وروى البزار عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه قال: افتخر أهل الإبل والغنم عند رسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ : «الفخر، والخيلاء في أهل الإبل، والسكينة، والوقار في أهل الغنم» ، وقال رسول الله ﷺ : «بعث موسى، وهو يرعى غنما على أهله، وبعثت أنا، وأنا أرعى غنما لأهلي بجياد» . وروى الإمام أحمد برجال الصحيح والطبراني عن وهب بن كيسان قال: مر أبي على أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: أين تريد؟ قال: غنيمة لي قال: نعم، امسح رعامها، وأطب مراحها، وصل في جانب مراحها، فإنها من دواب الجنة، وأيسر بها. وروى الإمام أحمد، وابن ماجة عن أم هانئ رضي الله تعالى عنها أن رسول الله ﷺ قال لها: «اتخذ غنما يا أم هانئ، فإنها تروح، وتغدو بخير» . وروى البزار عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ قال: «أكرموا المعز، وامسحوا رعامها، فإنها من دواب الجنة» . وروى أيضاً عنه قال: قال رسول الله ﷺ : «أحسنوا إلى المعز، وأميطوا عنها الأذى، فإنها من دواب الجنة» . وروى أيضاً بإسناد لا بأس به عنه أن رسول الله ﷺ قال: «السكينة في أهل الشاة، والبقر» . وروى أيضا مرفوعا وموقوفا عن علي رضي الله تعالى عنه قال: ما من قوم في بيتهم، أو عندهم شاة إلا قدّسوا كلّ يوم مرتين، وبورك عليهم مرتين، يعني شاة لبن.

стр. 3233

وروى الطبراني عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ : «استوصوا بالمعز خيرا، فإنها مال رقيق، وهو في الجنة، وأحب المال إلى الله تعالى الضأن» . وروى أيضا عن أبي أمامة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : «ما أتقاه، ما أنقاه، راعي غنم على رأس جبل، يقيم الصلاة» . الثاني: في عدد شياهه، ومنائحه ﷺ . روى الإمامان الشافعي، وأحمد، وأبو داود عن لقيط بن صبرة رضي الله تعالى عنه قال: كنت وافد بني المنتفق أو في وفد بني المنتفق، فأتينا رسول الله ﷺ ، فلم نصادفه في منزله وصادفنا عائشة، فأوتينا بقناع فيه تمر، والقناع الطّبق، وأمرت لنا بخزيرة، فصنعت لنا، ثم أكلنا، فلم نلبث أن جاء رسول الله ﷺ ، فقال: «هل أكلتم شيئا؟ هل أمر لكم بشيء؟» فقلنا: نعم، فلم نلبث أن دفع الراعي غنمه إلى المراح فإذا شاة تيعر، فقال: «هيه يا فلان ما ولّدت؟» قال: بهمة، قال: «فاذبح لنا مكانها شاة» ، ثم انحرف إلي فقال: «لا تحسبنّ أن من أجلك ذبحناها، لنا غنم مائة، لا نريد أن تزيد، فإذا ولّد الراعي بهمة ذبحنا مكانها شاة» . وروى ابن سعد عن إبراهيم بن عبد، من ولد عتبة بن غزوان قال: كانت منائح رسول الله ﷺ من الغنم عشرا. الأولى: عجوة. الثانية: زمزم. الثالثة: سقيا. الرابعة: بركة. الخامسة: ورسة. السادسة: إطلال. السابعة: إطراف. الثامنة: قمرة. التاسعة: غوثة أو غوثيّة، قال ابن الأثير: كانت له ﷺ شاة تسمى غوثة، وقيل غيثة، وعنز تسمى اليمن. روى ابن سعد عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: كانت لرسول الله ﷺ أعنز

стр. 3234

منائح، ترعاهن أم أيمن. وروى أيضا عن محمد بن عبد الله بن الحصين قال: كانت منائح رسول الله ﷺ ترعى بأحد وتروح كل ليلة على البيت الذي يدور فيه رسول الله ﷺ منها شاة تسمى قمرا، ففقدها يوما، فقال: «ما فعلت؟» فقالوا: ماتت يا رسول الله، قال: «ما فعلتم بإهابها؟» قالوا ميتة، قال: «دباغها طهورها» . تنبيهان الأول: قال في العيون: وأما البقر فلم ينقل أن النبي ﷺ ملك منها شيئا قلت: قد ورد أنه ﷺ ضحى عن نسائه بالبقر، فيحتمل إن يكون اشتراها حين إرادة الأضحية. الثاني: في بيان غريب ما سبق: تيعر: بفوقية مفتوحة، فتحتية ساكنة، فعين مهملة مكسورة. هيه بهمة: بموحدة مفتوحة، فهاء ساكنة، فميم: الذكر والأنثى من ولد الضائنة.

стр. 3235

الباب السابع في ديكته ﷺ وفيه أنواع: الديك: بكسر جمعه ديوك، وأدياك، وديكة كقردة، وقد يطلق على الدجاجة. الأول: في نهيه ﷺ عن سب الديك . روى الإمام أحمد، وأبو داود، وابن ماجة بسند جيد عن زيد بن خالد الجهمي رضي الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ قال: «لا تسبوا الديك، فإنه يوقظ للصلاة» . وروى أبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن ديكا خرج عند رسول الله ﷺ ، فسبه رجل، فلعنه فقال رسول الله ﷺ : «لا تلعنه، ولا تسبّه، فإنه يدعو إلى الصلاة» . وروى الطيالسي برجال ثقات عن أبي قتادة رضي الله تعالى عنه أن النبي ﷺ قال: «لا تسبوا الديك، فإنه يدعو إلى الصلاة» . وروي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تسبوا الديك، فإنه يوقظ للصلاة» . الثاني: في أمره ﷺ بالدعاء عند صياح الديك . روى الشيخان، والثلاثة عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا سمعتم صياح الديك فاسألوا الله تعالى من فضله، فإنها رأت ملكا» . الثالث: في أمره ﷺ باتخاذ الديك . وروى البيهقي عن جابر رضي الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ أمر باتخاذ الديك الأبيض، فإن دارا فيها ديك أبيض لا يقربها شيطان، ولا ساحر، ولا الدّويرات حولها. وروى البيهقي عن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: الديك يؤذن للصلاة، من اتخذ ديكا أبيض حفظه الله تعالى من ثلاثة: من شرّ كلّ شيطان، وساحر وكاهن. أسانيد هذه الأحاديث ضعيفة. الرابع: في سبب صياح ديكة الأرض . روى ابن عدي، والبيهقي في الشعب من طريق ابن أبي عليّ المهلّبي- وهو متروك- عن جابر رضي الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ قال: «إن لله تعالى ديكا عنقه منطوية تحت العرش، ورجلاه تحت التّخوم، فإذا كانت هدأة من الليل صاح سبّوح قدّوس فصاحت الدّيكة» .

стр. 3236

وروى ابن عدي- من طريق يحيى بن رهم بن الحارث الغفّاري- قال ابن حبان: روى عن أبيه نسخة موضوعة لا يحل كتابتها إلا على جهة التعجب- وقال ابن عديّ: أرجو أنه لا بأس به، وقال أبو حاتم: أرجو أن يكون صدوقا، وقال الحافظ في حديث أعلّه به الذهبي: لعل الآفة من غيره- عن العرس بن عميرة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ قال: «إن لله تعالى ديكا براثنه في الأرض السفلى، وعرفه تحت العرش، يصرخ عند مواقيت الصلاة، ويصرخ له ديك السموات سماء سماء، ثم يصرخ بصراخ ديك السموات ديكة الأرض، سبّوح سبّوح قدّوس رب الملائكة والروح» . وروى أبو الشيخ في كتاب العظمة، بسند جيد قوي عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن لله ديكا، رجلاه تحت سبع أرضين، ورأسه قد جاوز سبع سموات، يسمع في أوان الصلوات، فلا يبقى ديك من ديكة الأرض إلا أجابه» . وروى الطبراني وأبو داود وأبو الشيخ في العظمة، وأبو نعيم في تاريخه عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أن رسول الله ﷺ قال: «إن لله تعالى ديكا أبيض، جناحاه مشوبان بالزبرجد، واللؤلؤ، جناح له بالمشرق، وجناح له بالمغرب، ورأسه تحت العرش، وقوائمه في الهواء» ، وفي لفظ «في الأرض السفلى، يؤذن في كل سحر» ، ولفظ أبي الشيخ «فإذا كان في السحر الأعلى خفق بجناحيه، ثم قال سبّوح قدّوس، ربنا الذي لا إله غيره، فيسمع تلك الصيحة أهل السموات وأهل الأرض إلا الثقلين الإنس والجن، فعند ذلك تجيبه ديوك الأرض، فإذا كان يوم القيامة قال الله تعالى: ضم جناحيك واخفض صوتك، فيعلم أهل السموات وأهل الأرض أن القيامة قد اقتربت» . وروى أبو الشيخ في العظمة عن أبي راشد الحبراني قال: إن لله ديكا- الحديث، فذكر من عظمة خلقه أمرا عظيما، سبح الله تعالى، يقول: سبحان الملك القدوس، الملك الدّيّان، فإذا انتفض صرخت الديوك في الأرض. وروى أبو الشيخ، والطبراني، برجال الصحيح، والحاكم- وصححه- عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : «أن الله أذن لي أن أحدث عن ديك قد مرقت رجلاه الأرض، ورأسه مثبتة تحت العرش، وهو يقول: سبحانك، ما أعظمك ربنا، فيرد عليه ما يعلم ذلك من حلف كاذبا» . وروى أبو الشيخ- من طريق أيوب بن سويد- ضعفه أحمد وجماعة، وتركه النّسائي، وقال أبو حاتم: لين الحديث، وقال الحافظ في التقريب: صدوق يخطئ، وبقية رجاله ثقات- عن ثوبان رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : «أن لله ديكا براثنه في

стр. 3237

الأرض السفلى، وعنقه مثنى تحت العرش، وجناحاه في الهواء يخفق بهما سحرا ويقول: القدوس ربنا الرحمن، لا إله غيره» . وروى أيضا من طريق رشدين بن سعد- قال الحافظ ضعيف، قال ابن يونس: كان صالحا في دينه، فأدركته غفلة الصالحين، فخلط في الحديث- عن ابن عمر رضي الله تعالى عنه أن لله ديكا جناحاه مشوبان بالزّبرجد، واللؤلؤ، والياقوت، جناح له بالمشرق، وجناح له بالمغرب، وقوائمه في الأرض السفلى، ورأسه منثنية تحت العرش- لا إله غيره- فإذا كان في السّحر الأعلى خفق بجناحيه، ثم قال سبّوح قدّوس، ربنا الذي لا إله غيره فعند ذلك تضرب الدّيكة بأجناحها وتصيح، فإذا كان يوم القيامة قال الله تعالى: ضمّ جناحك، وغضّ صوتك، فيعلم أهل السموات والأرض أن الساعة قد اقتربت. وروى أيضا الطبراني في الأوسط عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن رسول الله ﷺ قال: «إن مما خلق الله تعالى ديكا براثنه في الأرض السابعة وعرفه منطو، تحت العرش، قد أحاط جناحاه بالأفقين، فإذا بقي ثلث الليل الآخر ضرب بجناحيه، ثم قال: سبّوح، سبّحوا الملك القدّوس، سبحوا ربّنا الملك القدّوس، سبحان ربّنا الملك القدّوس، لا إله لنا غيره، فيسمعها من بين الخافقين إلا الثقلين، فيرون أن الدّيكة إنما تضرب بأجنحتها، وتصرخ إذا سمعت ذلك» ، قال شيخنا رحمه الله تعالى: في هذا الطريق أنه حسن صحيح، إذا علم ذلك تبين أن قول من قال: إن هذا الحديث موضوع ليس بصحيح، وقد بسطت الكلام على ذلك في كتاب الفوائد المجموعة، في بيان الأحاديث الموضوعة، أعان الله تعالى على إكماله وتحريره. الخامس: في محبته ﷺ الديك . روى الحارث بن أبي أسامة عن عائشة، والحارث العقيلي عن أنس بن مالك، وابن حبان في الضعفاء عن ابن عمر وأبو بكر البرقي عن أبي زيد الأنصاري، وأبو الشيخ عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنهم أن رسول الله ﷺ قال: «الديك الأبيض الأفرق صديقي، وصديق صديقي، وعدو عدوي» ، زاد أبو زيد الأنصاري: وكان رسول الله ﷺ يبيته معه في بيته- هذه الطرق كلها ضعيفة، وإذا ضم بعضها إلى بعض أفاد قوة، ولم يوافق ابن الجوزي على وضعه كما بينت ذلك في الفوائد. تنبيهات الأول: قال الحافظ: زعم أهل التجربة أن الرجل إذا ذبح الديك الأبيض الأفرق لم يزل ينكب في ماله.

стр. 3238

الثاني: روى أبو القاسم علي بن محمد بن عبدوس العوفي في فوائده، عن سالم بن عبد الله بن عمر قال: أخبرني واقد أن جنّيا عشق جارية لا أعلمه إلا قال: منهم أو من آل عمر، قال: وإذا في دراهم ديك، فلما جاءها صاح الديك، فهرب فتمثل في صورة إنسان، ثم خرج حتى لقي شيطانا من الإنس، فقال له: اذهب فاشتر لي ديك بني فلان بما كان، وأت به في مكان كذا، فذهب الرجل، فأغلى لهم في الديك فباعوه، فلما رآه الديك صاح فهرب وهو يقول: اخنقه، فخنقه خنقة صرعت الديك، فجاء، فحز رأسه، فلم يلبثوا يسيرا حتى صرعت الجارية. وروى أيضا عن عثمان بن الهيثم المؤذن، قال: خرجت سحرا أؤذن في المنارة فإذا فتى عليه ثياب بياض، فقال: يا عثمان لي حاجة، لم أجد لها أهلا غيرك، قال قلت: ما هي؟ قال: فإن عندنا عليلا، وقد وصف له ديك أفرق، وقد طفت الجدارين فما أصبت له ديكا أفرق، وقد بلغني أن عند جيران لك ديكا، فاشتره لي منهم، قلت: ومن أنت؟ وأين أراك؟ وأين أكون عندك في هذه الليلة؟ حتى أجيئك من هذا الوقت بواحد، فلما أصبحت جئت إلى القوم فقالوا: ما جاء بك، فأخبرتهم، فقالوا: أي وكرامة، فأخذته منهم، وجئت به إلى منزلي فأسقيته وأطعمته، فلما كان في الوقت الذي أخرج فيه أخذته، وخرجت، فلما صرت إلى باب المنارة لأصعد إذا هو قد وثب لي في تلك الصورة، فأخذت الديك، وسلمته إليه، فلما تناوله من يدي مال برأس الديك، فقطعها، ورمى به، فسمعت الصراخ في الدار التي كان فيها الديك، فدخلت المسجد فزعا لذلك، فلما صليت خرجت، فإذا الحصير على جدار القوم، والناس عليها، فقاموا لي فقالوا: كانت عندنا صبيّة مريضة فورثت الديك، فلما كان وقت أذانك طفيت. وقال أبو الفرج في كتاب العرائس: إن بعض طلبة العلم سافر فرافق شخصا في الطريق، فلما كان قريبا من الطريق التي قصدها قال له: صار لي عليك حق، وذمام، وأنا رجل من الجان، ولي إليك حاجة قال: ما هي؟ قال: إذا دخلت إلى مكان كذا فإنك تجد فيه دجاجا، بينهن ديك أبيض، فاسأل عن صاحبه، واشتره واذبحه، فهذه حاجتي، فقلت: يا أخي، وأنا أسألك حاجة، قلت: إذا كان الشّيطان ماردا لا تعمل فيه العزائم، وإذا ألح بالآدمي فما دواؤه؟ قال: يؤخذ له وتر جلد يحمور، فيشد به إبهام المصاب من يده شدّا وثيقا، ويؤخذ من دهن السّداب البري فيقطر في أنفه الأيمن أربعا وفي الأيسر ثلاثا، فإن السالك له يموت، ولا يعود إليه أحد بعده، قال: فلما دخلت المدينة أتيت إلى ذلك المكان فوجدت الديك لعجوز فسألتها بيعه، فأبت، فاشتريته بأضعاف ثمنه، فذبحته، فخرج عند ذلك رجال ونساء يضربوني،

стр. 3239

ويقولون: يا ساحر، فقلت: لست بساحر، فقالوا: إنك منذ ذبحت الديك أصيبت شابة عندنا بجني، فطلبت منه وترا من جلد يحمور، ودهن السّداب البرّي، فلما فعلت به ذلك صاح وقال: إنما علمتك على نفسي، ثم قطرت في أنفه الدهن فخر ميتا من ساعته، وشفى الله تلك المرأة، ولم يعاودها بعده شيطان. تنبيه: في بيان غريب ما سبق: التّخوم: بمثناة فوقية، فخاء معجمة مضمومة، فواو، فميم: مقابلها وحدودها واحدها تخم بفتح التاء، وسكون الخاء. هدأة: بهاء مفتوحة، فدال مهملة ساكنة، فهمزة مفتوحة، فتاء تأنيث: السكون عن الحركات بعد ما يسكن الناس عن المشي والاختلاف في الطريق. براثنه: بموحدة فراء مفتوحتين، فألف، فمثلثة، فنون: جمع برثن وهو المخلب. عرفه: عرف الديك والفرس والدابة: منبت الشعر والريش من العنق.

стр. 3240

جماع أبواب سيرته ﷺ في السفر والرجوع منه الباب الأول في اليوم الذي كان يختاره للسفر ﷺ وما كان يقوله إذا أراد السفر، وإذا ركب دابته روى البخاري والطبراني وأبو داود والخرائطي عن كعب بن مالك رضي الله تعالى عنه قال: خرج رسول الله ﷺ يوم الخميس في غزوة تبوك، وكان يحب أن يخرج يوم الخميس، وفي رواية عنه قال: فما كان رسول الله ﷺ يخرج في سفر إلا يوم الخميس، وفي رواية عن أبي طاهر المخلّص عنه أنه كان يقول: فما كان رسول الله ﷺ يخرج إلى سفر، ولا يبعث عنه بعثا إلا يوم الخميس. وروى الطبراني، وأبو الشيخ عن أم سلمة رضي الله تعالى عنها قالت: كان رسول الله ﷺ يستحب أن يسافر يوم الخميس. وروى أبو يعلى عن بريدة بن الحصيب رضي الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ كان يستحب إذا أراد سفرا أن يخرج يوم الخميس، رواه الطبراني بلفظ: كان رسول الله ﷺ إذا أراد سفرا خرج يوم الخميس. وروى الإمام أحمد، والشيخان عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أن رسول الله ﷺ ، كان إذا استوى على بعيره خارجا إلى سفر حمد الله ، وسبح، وكبر ثلاثا، ثم قال: «سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هذا وَما كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ وَإِنَّا إِلى رَبِّنا لَمُنْقَلِبُونَ» الّلهم إنا نسألك في سفرنا هذا البر والتقوى، ومن العمل ما ترضى اللهم هوّن علينا سفرنا هذا، واطو عنّا بعد الأرض، اللهم أنت الصاحب في السفر، والخليفة في الأهل والمال، وإذا رجع قالهن، وزاد فيهن: آئبون عابدون، لربنا ساجدون» . وروى التّرمذي عنه قال: إن النبي ﷺ وجيوشه إذا علوا الثّنايا كبروا، وإذا هبطوا سجدوا فوضعت الصلاة على هذا. وروى الإمام مالك بلاغا أن رسول الله ﷺ كان إذا وضع رجله في الغرز وهو يريد السفر يقول: «باسم الله، اللهم أنت الصاحب في السفر، والخليفة في الأهل، اللهم اطولنا

стр. 3241

الأرض، وهوّن علينا السفر، اللهم أعوذ بك من وعثاء السفر، ومن كآبة المنقلب، ومن سوء المنظر في الأهل والمال» . وروى البزّار، والإمام أحمد- برجال ثقات- عن علي رضي الله تعالى عنه قال: كان رسول الله ﷺ إذا أراد سفرا قال: «اللهم بك أصول، وبك أجول، وبك أسير» . وروى مسدد وابن أبي شيبة، والإمام أحمد، والطبراني، والبزار عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: كان إذا أراد رسول الله ﷺ أن يخرج في السفر قال: «اللهم أنت الصاحب في السفر، والخليفة في الأهل، اللهم إني أعوذ بك الضّبنة في السفر، اللهم إني أعوذ بك من وعث السفر، وكآبة المنقلب، اللهم اقبض لنا الأرض، وهون علينا السفر» . وروى أبو يعلى- برجال ثقات- عن البراء رضي الله تعالى عنه قال: كان رسول الله ﷺ إذا خرج إلى سفر قال: «اللهم بلّغ بلاغا يبلغ خيرا، ومغفرة منك ورضوانا، بيدك الخير، إنك على كل شيء قدير، اللهم أنت الصاحب في السفر، والخليفة في الأهل، اللهم هون علينا السفر، واطولنا الأرض، اللهم إني أعوذ بك من وعثاء السفر، وكآبة المنقلب» . وروى أبو يعلى عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال: لم يرد رسول الله ﷺ سفرا قط إلا قال حين ينهض من جلوسه: «اللهم بك انتشرت، وإليك توجهت، وبك اعتصمت، اللهم أنت رجائي، اللهم اكفني ما أهمّني، وما لا أهتم له، وما أنت أعلم به مني، وزودني التقوى، واغفر لي ذنبي، ووجهني للخير حيث ما توجهت» . وروى الإمام أحمد عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن رسول الله ﷺ أردفه على دابته، فلما استوى عليها كبر رسول الله ﷺ ثلاثا، وحمد ثلاثا، وسبح ثلاثا وهلل الله واحدة، ثم استلقى عليه يضحك، ثم أقبل عليه، فقال: «ما من راكب دابته فيصنع كما صنعت إلا أقبل الله يضحك إليه» . تنبيه: في بيان غريب ما سبق: بعد الأرض: بموحدة مضمومة، فعين ساكنة: ضد القرب. وعث: بواو مفتوحة، فعين مهملة ساكنة، وبالثاء المثلثة: الشدة. الضّبنة: بفتح الضاد المعجمة، وسكون الموحدة، وفتح النون: عيال لأنهم في ضبنة، والضّبن ما بين الكشح والإبط. الكآبة: بالمد: تغير النفس من حزن ونحوه. المنقلب: المرجع.

стр. 3242

الباب الثاني في صفة سيره، وشفقته على الضعيف روى الشيخان عن عروة بن الزبير قال: سئل أسامة وأنا جالس كيف كان رسول الله ﷺ يسير في حجة الوداع؟ قال: كان يسير العنق، فإذا وجد فجوة نصّ، قال هشام: والنص فوق العنق. وروى الإمام أحمد، عن أنس رضي الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ كان إذا صعد أكمة ونشزا قال: «اللهم لك الشّرف على كل شرف، ولك الحمد على كل حال» . وروى أبو داود عن جابر رضي الله تعالى عنه قال: كان رسول الله ﷺ يتخلف في السير فيرجئ الضيف، ويردفه ويدعو لهم. وروى أحمد، ومسلم، وأبو داود عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه قال: بينما نحن في سفر مع رسول الله ﷺ إذا جاء رجل على راحلة، فجعل يصرف بعيره يمينا وشمالا، فقال رسول الله ﷺ : «من كان معه فضل ظهر فليعد به على من لا ظهر له، ومن كان له فضل زاد فليعد به على من لا زاد له» ، فذكر من أصناف المال ما ذكره، حتى يرينا أنه لا حق لأحد منه في فضل. وروى الطبراني من طريق محمد بن علي المروزي عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: كان رسول الله ﷺ إذا صلى الفجر في السفر مشى. وروى النسائي عن عقبة رضي الله تعالى عنه قال: بينما أقود رسول الله ﷺ في نقب من تلك النّقاب إذا قال: «ألا تركب يا عقبة؟» فأجللت رسول الله ﷺ أن أركب مركبه، قال: «ألا تركب عقبة؟» فأشفقت أن يكون معصية، فنزل وركبت هنيهة، ونزلت، وركب رسول الله ﷺ الحديث. تنبيه: في بيان غريب ما سبق: العنق: بالتحريك: نوع من السير في إسراع. الفجوة: بفاء مفتوحة، فجيم ساكنة، فواو: المتسع من الأرض. النص: بنون مفتوحة: تحريك الدابة إلى أقصى سيرها. الأكمة: بهمزة، فكاف، فميم مفتوحات فتاء تأنيث [الموضع الذي هو أشد ارتفاعا مما حوله] . النّشز: مشددة فألف، فموحدة فتحتية. الرّابية: براء: المكان المرتفع.

стр. 3243

الباب الثالث فيما كان يقوله إذا أدركه الليل في السفر، وما كان يقوله ويفعله إذا نزل منزلاً، وصفة نومه في السفر، وما كان يقوله في السحر، وفيه أنواع الأول: فيما كان يقوله إذا أدركه الليل . روى الخرائطي عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: كان رسول الله ﷺ إذا سافر، فأدركه الليل قال: «يا أرض: ربي وربّك الله، أعوذ بالله من شرك، وشر ما فيك، وشر ما خلق فيك، وشر ما دب عليك، أعوذ بالله من شرّ كلّ أسد، وأسود، وحيه، وعقرب، ومن شر ساكن البلد، ومن والد وما ولد» . وروى أبو يعلى برجال ثقات عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: كان رسول الله ﷺ إذا علا نشزا من الأرض يقول: «اللهم لك الشرف على كل شرف، ولك الحمد على كل حال» . الثاني: فيما كان يقوله ويفعله إذا نزل منزلا . وروى الإمام أحمد، وأبو داود، والطبراني بسند جيد عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أن رسول الله ﷺ كان إذا رأى قرية يريد دخولها قال: «اللهم بارك لنا فيها ثلاث مرات، اللهم ارزقنا جناها، وحببنا إلى أهلها، وحبب صالح أهلها إلينا» . وروى الطبراني بسند جيد عن أبي لبابة بن عبد المنذر، والطبراني برجال ثقات- فيهم راو لم يسم- عن أبي معتّب بن عمرو الطبراني- برجال ثقات- عن كعب الأحبار عن صهيب، وأبو يعلى والنسائي في الكبرى عن صهيب رضي الله تعالى عنهم أن رسول الله ﷺ كان إذا أراد أن يدخل قرية لم يدخلها حتى يقول- ولفظ أبي معتّب أن رسول الله ﷺ لما أشرف على خيبر قال لأصحابه وأنا معهم: «تقدموا فقال: ثم اتفقوا، اللهم رب السموات السبع وما أقلت- ولفظ الآخرين- وما أظللت، ورب الأرضين السبع وما أقلت- ولفظهما وما أقللن- ورب الشياطين وما أضلت- ولفظهما وما أضللن- ورب الرياح وما ذرت- ولفظهما وما ذرين- إني أسألك خير هذه القرية، وخير أهلها وأعوذ بك من شرها، وشر ما فيها زاد صهيب: اقدموا باسم الله» . وروى ابن أبي شيبة، وأبو يعلى، والبيهقي في الكبرى، والحاكم من طريقين، والخرائطي عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: كان رسول الله ﷺ إذا نزل منزلا لم يرتحل منه حتى يودّعه بركعتين.

стр. 3244

وروى الطبراني عن فضالة بن عبيد رضي الله تعالى عنه قال: كان رسول الله ﷺ إذا نزل منزلا في سفر أو دخل بيته لم يجلس حتى يركع ركعتين. وروى الإمام أحمد، وأبو داود عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال: كان رسول الله ﷺ لا يدخل حتى يصلي الظهر، قيل: يا أبا حمزة، وإن كان نصف النهار؟ قال: وإن كان نصف النهار. وروى البزار والطبراني، والإمام أحمد، ورجاله رجال الصحيح إلا محمد بن ربيعة- وهو ثقة- عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أن النبي ﷺ كان إذا دخل مكة قال: «اللهم منايانا بها حتى تخرجنا منها» ، كره ﷺ أن يموت في غير دار هجرته. الثالث: في صفة نومه في السفر . روى مسلم عن أبي قتادة قال: كان رسول الله ﷺ إذا سافر فعرّس بليل اضطجع على يمينه، وإذا عرّس قبل الصبح نصب ذراعيه، ووضع رأسه على كفيه. الرابع: فيما كان يقوله في السحر . روى مسلم عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي ﷺ كان إذا كان في سفر وأسحر يقول: «سمع سامع بحمد الله ونعمته وحسن بلائه علينا اللهم ربنا صاحبنا وأفضل علينا، عائذا بالله من النار» . تنبيه: في بيان غريب ما سبق: السحر: آخر الليل قبيل الصبح أو من ثلث الليل الآخر إلى طلوع الفجر. أقلّت: بهمزة مفتوحة، فقاف، فلام مفتوحتين: حملت. التّعريس: نزول المسافر بالليل للنوم والراحة، والله أعلم.

стр. 3245

الباب الرابع فيما كان يقوله إذا رجع من سفره، وما كان يفعله إذا قدم وما كان يقوله إذا دخل على أهله ﷺ وروى الإمام أحمد، والشيخان، والإمام مالك، وأبو داود، والترمذي وغيرهم بدل «ساجدون: سائحون» ، عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهم قال: كان رسول الله ﷺ إذا أقبل من سفر غزو أو حج، أو عمرة، يكبر على كل شرف من الأرض ثلاث تكبيرات، ثم يقول: «لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، آئبون تائبون، عابدون ساجدون، لربنا حامدون، صدق الله وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده» . وروى البزار- برجال ثقات- عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: كان رسول الله ﷺ يخرج من باب الشّجرة، ويخرج من طريق المعرّس. وروى الشيخان عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: كان رسول الله ﷺ لا يطرق أهله طروقا. وروى الإمام أحمد، والطّبراني، وزاد يدخل غدوة أو عشيّا. وروى أبو داود عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أن رسول الله ﷺ حين أقبل من حجّته دخل المدينة، وأناخ على باب مسجده، ثم دخل، فركع فيه ركعتين، ثم انصرف إلى بيته. وروى الطّبراني والبزّار والإمام أحمد عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن رسول الله ﷺ كان إذا أراد الرجوع قال: «تائبون عابدون لربنا حامدون» ، فإذا دخل على أهله قال: «توبا توبا لربنا أوبا لا يغادر علينا حوبا» . وروى أبو داود عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أن رسول الله ﷺ إذا قدم من سفر بات بالمعرّس حتى يتغدى. وروى البخاري، وأبو داود عن كعب بن مالك رضي الله تعالى عنه قال: دخل رسول الله ﷺ فلما دنا من المدينة قال: «آئبون تائبون عابدون لربنا حامدون، اللهم إني أعوذ بك من وعثاء السفر، وكآبة المنقلب، وسوء المنظر في الأهل والمال» . وروى البزار والطبراني عن سمرة بن جندب رضي الله تعالى عنه قال: كان رسول الله ﷺ إذا سافر فأقبل راجعا إلى المدينة يقول: «آئبون، لربنا حامدون، لربنا عابدون» .

стр. 3246

تنبيه: في بيان غريب ما سبق: باب الشجرة: موضع يضاف إليه مسجد ذي الحليفة. المعرّس: بميم مضمومة، فعين مهملة، فراء مفتوحتين، فسين مهملة: مكان بذي الحليفة عرس به النبي ﷺ وصلى فيه الصبح، ثم رحل، والتعريس نزول المسافر آخر الليل، والمعرّس مكان التّعريس. الطّروق: بطاء مهملة فراء مضمومة فواو فقاف. حوباء: بحاء مهملة مفتوحة فواو ساكنة فموحدة: إثما.

стр. 3247

الباب الخامس في آداب متفرقة تتعلق بالسفر وفيه أنواع: الأول: في وداعه من أراد سفرا . روى الإمام أحمد، وأبو يعلى- بسند جيد- عن معاذ رضي الله تعالى عنه قال: لما بعثني رسول الله ﷺ إلى اليمن خرج رسول الله ﷺ معه يوصيه، ومعاذ راكب، ورسول الله ﷺ تحت راحلته- الحديث. وروى مسدد عن رجل من الأنصار، عن أبيه رضي الله تعالى عنه، أن رسول الله ﷺ ودع رجلا، فقال: «زوّدك الله التقوى، وغفر لك، ويسر لك الخير حيث ما كنت. وروى الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذي- وقال حسن صحيح- والنسائي، والحاكم، والبيهقي عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، قال: كان النبي ﷺ يودعنا، وفي رواية عنه أرسلني رسول الله ﷺ في حاجة لي فأخذ بيدي، وقال: «أستودع الله دينك، وأمانتك، وخواتيم عملك» . وروى الطبراني برجال ثقات عن قتادة الرّهاوي رضي الله تعالى عنه، قال: لما عقد لي رسول الله ﷺ على قومي أخذت بيده فودعته، فقال رسول الله ﷺ : «جعل الله التقوى رداءك، وغفر ذنبك، ووجهك للخير حيث ما توجهت» . وروى أيضا عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: جاء غلام إلى رسول الله ﷺ فقال: إني أريد هذه الناحية للحج، قال: فمشى معه رسول الله ﷺ ، فرفع رأسه إليه، فقال: «يا غلام زودك الله التقوى، ووجهك في الخير» ، في رواية: «للخير، وكفاك الهم» . وروى ابن ماجه عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: ودعني رسول الله ﷺ ، فقال: «استودعك الله الذي لا تضيع وودائعه» . وروى الإمام أحمد، والترمذي- وحسنه- والنسائي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن رجلا قال لرسول الله ﷺ : إني أريد أن أسافر فأوصني، قال: «عليك بتقوى الله، والتكبير على كل شرف» ، فما ولّى الرجل قال: «اللهم أطوله البعيد، وهوّن عليه السفر» . وروى الترمذي- وحسنه- قال جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله ﷺ أريد سفرا فزوّدني قال: «زودك الله التقوى» ، قال: زوّدني قال: «وغفر ذنبك» ، قال: زودني، بأبي أنت وأمي، قال: «ويسر لك الخير حيث ما كنت» .

стр. 3248

الثاني: في سيرته ﷺ في سلامه على من قدم من سفر . وروى الترمذي عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: قدم زيد بن حارثة، ورسول الله ﷺ في بيتي، فأتى زيد، فقرع الباب، فقام إليه رسول الله ﷺ عريانا، يجر ثوبه، والله ما رأيته عريانا قبلها، ولا بعدها، فاعتنقه، وقبله. وروى أبو داود عن الشعبي مرسلا أن رسول الله ﷺ تلقى جعفر بن أبي طالب، فالتزمه، وقبل ما بين عينيه. وروى الطبراني عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أن غلاما حج، فلما قدم سلم على رسول الله ﷺ ، فرفع رأسه إليه، وقال: «يا غلام قبل الله حجك، وغفر ذنبك، وأخلف نفقتك» . الثالث: في سؤاله ﷺ الدعاء من بعض المسافرين . وروى الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذي- وقال حسن صحيح- وابن ماجة عن أنس وابن عمر رضي الله تعالى عنهما أن عمر استأذن رسول الله ﷺ في العمرة، فأذن له، وقال: «يا أخي: أشركنا في صالح دعائك، ولا تنسنا» . الرابع: في جعله ﷺ آخر عهده بفاطمة . وروى الإمام أحمد، والبيهقي في الشعب عن ثوبان قال: كان رسول الله ﷺ إذا سافر كان آخر عهده بإنسان من أهله فاطمة، وأول من يدخل عليه إذا قدم فاطمة- الحديث. الخامس: في اتخاذه الدليل، والحادي في السفر . وروى الطبراني عن حسن بن خارجة الأشجعي رضي الله تعالى عنه قال: قدمت المدينة في جلب أبيعه فأتى بي النبي ﷺ فقال: «أجعل لك عشرين صاعا من تمر، على أن تدل أصحابي على طريق خيبر» ، ففعلت فلما قدم رسول الله ﷺ خيبر وفتحها جئت فأعطاني العشرين، ثم أسلمت. السادس: في تنقله ﷺ على الراحلة . وروى أبو داود عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه أن النبي ﷺ كان إذا سافر فأراد أن يتطوع استقبل القبلة بناقته، ثم كبر، ثم صلى، وجه ركابه. وروى الشيخان عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أن رسول الله ﷺ كان يسبح على ظهر ناقته حيث كان وجهه، يومئ برأسه، وكان ابن عمر يفعله.

стр. 3249

[المجلد الثامن] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ جماع أبواب سيرته ﷺ في الطهارة للصلاة الباب الأول في البئر التي توضأ أو اغتسل- ﷺ منها وفيه أنواع: الأول: في تطهّره [ (١) ] ﷺ من بئر بضاعة [ (٢) ] . وروى الشافعي، وأحمد والثلاثة، وصحّحه أحمد، وابن منيع، وابن حزم، والبغوي في شرح السنة، عن أبي سعيد الخدري- رضي الله تعالى عنه، وقاسم بن أصبغ [ (٣) ] في مصنّفه، وصحّحه هو وابن القطّان، وصحّحه في مواضع أخر، وصوّبه عن سهل القطب الخيضريّ [ (٤) ] في جزء جمعه في بئر بضاعة عن سهل بن سعد- ﵄ قالا: قيل لرسول الله- ﷺ إنّه يستسقى لك من بئر بضاعة، ويلقى فيه لحوم الكلاب، وخرق الحائض، وعذر النّساء، فقال رسول الله- ﷺ : «إنّ الماء طهور لا ينجّسه شيء» [ (٥) ] .

стр. 3250

وروى ابن ماجة، عن أبي أمامة الباهلي- رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله- ﷺ : «الماء لا ينجّسه شيء إلّا ما غلب على طعمه وريحه ولونه» [ (١) ] . ورواه الدارقطني بلفظ: «إلّا ما غيّر ريحه أو طعمه» . قال الشافعي: هذا الحديث لا يثبت أهل الحديث مثله: ولكنه قول العامة لا أعلم بينهم خلافا. قال أبو حاتم الرازي: الصحيح أنّه مرسل على راشد بن سعد [ (٢) ] . الثاني: في استعماله- ﷺ سؤر السّباع . روى الدارقطني بسند ضعيف، فيه محمد بن علوان عن ابن عمر- ﵄ قال: خرج علينا رسول الله- ﷺ في بعض أسفاره، فسار ليلا فمرّوا على رجل جالس عند مقراة له، فقال له عمر: [يا صاحب المقراة أو لغت السّباع عليك اللّيلة في مقراتك؟ فقال له النبي- ﷺ ] : «يا صاحب المقراة لا تخبره هذا متكلّف، لها ما حملت في بطونها، ولنا ما بقي شراب وطهور» [ (٣) ] . وروى الدارقطني عن أبي هريرة- رضي الله تعالى عنه- قال: سئل رسول الله- ﷺ عن الحياض الّتي تكون بين مكة والمدينة وقيل له: إنّ السّباع والكلاب ترد عليها، فقال: «لها ما أخذت في بطونها، ولنا ما بقي شراب وطهور» [ (٤) ] . وروى البيهقي عن أبي سعيد الخدري- رضي الله تعالى عنه- قال: سئل رسول الله- ﷺ عن الحياض الّتي تكون بين مكة والمدينة، [وقالوا]-: تردها السّباع

стр. 3251

والكلاب والحمر- وعن الطّهارة بها، فقال: «لها ما حملت في بطونها ولنا ما غبر» [ (١) ] . وروى الدارقطني- وضعفه- عن جابر رضي الله تعالى عنه قال: قيل يا رسول الله أنتوضّأ بما أفضلت الحمر؟ قال: «نعم. وما أفضلت السّباع» [ (٢) ] . الثالث: في وضوئه- ﷺ بسؤر الهرّة . روى ابن ماجة عن عائشة- رضي الله تعالى عنه- قالت: «كنت أتوضّأ أنا ورسول الله- ﷺ من إناء واحد، قد أصابت منه الهرّة قبل ذلك» [ (٣) ] . وروى الطبراني برجال ثقات، والدارقطني عنها قال: «كان رسول الله- ﷺ تمرّ به الهرّة فيصغى له الإناء فيشرب منه ويتوضّأ بفضله» ورواه الدّارقطنيّ بلفظ: تمرّ به فيصغي لها [ (٤) ] . وروى أحمد وابن منيع والبخاري وأبو داود وابن ماجة عن عائشة ومسدد وأصحاب السنن وابن حبان عن أبي قتادة- رضي الله تعالى عنهما- «أن رسول الله- ﷺ توضّأ من إناء شربت منه الهرّة» [ (٥) ] وروى أبو داود والدارقطني عنها قالت: «ليست بنجسة وإنما هي من الطّوّافين عليكم وقد رأيت رسول الله- ﷺ يتوضّأ بفضلها: يعني الهرّة» .

стр. 3252

الرابع: في استعماله فضل طهور المرأة: روى الإمام أحمد وأبو داود والترمذي عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنهما قال: اغتسل بعض أزواج النبي- ﷺ من جنابة في جفنة، فجاء رسول الله- ﷺ ليتوضّأ أو يغتسل، فقالت: إنّي كنت جنبا، فقال رسول الله- ﷺ : «إنّ الماء لا يجنب» [ (١) ] ، ورواه الإمام أحمد برجال ثقات، وعنده لا ينجّسه شيء. وروى عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- أنها اغتسلت في قصعة ثمّ جاء رسول الله- ﷺ فاغتسل فقالت: إنّي كنت جنبا فقال: «إنّ الماء لا يجنب» . وروى الشيخان عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنهما- أن رسول الله- ﷺ كان يغتسل من فضل ميمونة [ (٢) ] . وروى الإمام أحمد، وأبو داود، وابن ماجة، وأبو يعلى برجال ثقات عن أمّ صبيّة- خولة بنت قيس الجهنيّة- رضي الله تعالى عنها- قالت: «اختلفت يدي ويدي رسول الله- ﷺ في الوضوء من إناء واحد» [ (٣) ] «تنبيه» وروى الإمام أحمد عن رجل من الصحابة: أن رسول الله- ﷺ «نهى أن يغتسل الرّجل بفضل وضوء المرأة، والمرأة بفضل وضوء الرّجل» . الخامس: في وضوئه- ﷺ بما يقع فيه تمرات إن صح الخبر: روى الترمذي عن ابن مسعود- رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله- ﷺ [ (٤) ]

стр. 3253

ليلة الجنّ: «ما في إداوتك أو ركوتك» ؟، قلت: نبيذ، قال: «تمرة طيّبة وماء طهور، فتوضّأ منه» ، ورواه أبو داود ولم يذكر: فتوضّأ منه. السادس: في وضوئه من ماء زمزم: روى عبد الله ابن الإمام أحمد في زوائده في رواية المسند عن علي- رضي الله تعالى عنه: أن رسول الله- ﷺ أتى في حجة الوداع بسجل من ماء زمزم فشرب منه وتوضّأ [ (١) ] . السابع: في وضوئه- ﷺ بفضل سواكه: روى البزار بسند ضعيف عن أنس- رضي الله تعالى عنه-: «أن رسول الله- ﷺ كان يتوضّأ بفضل سواكه» [ (٢) ] . الثامن: فيما يحمل الخبث من الماء: روى الإمام الشافعي، وأحمد والأربعة وابن خزيمة وأبو داود والنسائي والحاكم وقال: على شرط البخاري ومسلم وصحّحه الخطّابيّ، والطحاوي والبيهقي، عن عبد الله بن عمر- رضي الله تعالى عنهما- قال: سمعت رسول الله- ﷺ يقول: وهو يسأل عن الماء يكون في الفلاة من الأرض وما ينوبه من الدّواب والسّباع فقال: «إذا كان الماء قلّتين لم يحمل الخبث» [ (٣) ] . وفي لفظ لابن ماجة «لم ينجّسه شيء» . ولأبي داود «ولم ينجس» . ورواه ابن عدي بلفظ [ (٤) ] : «إذا بلغ الماء قلّتين بقلال هجر لم ينجّسه شيء» وليس في إسناده سوى المغيرة بن صقلاب [ (٥) ] بكسر الصاد المهملة. وفي رواية الشافعي قال ابن جريج: وقد رأيت قلال هجر، فالقلّة تسع قربتين أو قربتين وشيئا.

стр. 3254

التاسع: في الماء المشمّس والمسخّن . روى الدارقطني من طريق خالد بن إسماعيل المخزومي- وهو متروك- عن عائشة- رضي الله تعالى عنهما- قالت: دخلت علي رسول الله- ﷺ وقد سخّنت ماء في الشّمس فقال: «لا تفعلي يا حميراء فإنّه يورث البرص» [ (١) ] . وروى أيضا من طريق عمرو بن محمد [ (٢) ] وقال: - منكر الحديث- عنها قالت: «نهى رسول الله- ﷺ أن يتوضّأ بالمشمّس أو يغتسل به، وقال: «إنّه يورث البرص» [ (٣) ] . وروى أيضا وصححه المحب الطبري عن عمر- رضي الله تعالى عنه- قال: «لا تغتسلوا بالماء المشمّس فإنّه يورث البرص» [ (٤) ] ، قال صاحب الغرام: وأنّى له بالصحة مع الجهل باتصاله إلى عمر، فإن حسّان بن أزهر راويه عنه، وإنه ذكره ابن حبان في الثقات فقد قال الحافظ أبو الحجّاج المزّيّ، كما نقله عد الزركشي: إنه يجهّل، وإنّه لم يدرك عمر. وروى أيضا وصححه عن أسلم رحمه الله تعالى، مولى عمر بن الخطاب، أنّ عمر كان يسخّن له الماء في قمقم ويغتسل به [ (٥) ] .

стр. 3255

العاشر: في الماء المستعمل ونية الاغتراف: روى الشيخان عن أبي هريرة- رضي الله تعالى عنه-: «أن رسول الله- ﷺ قال: «لا يغتسل أحدكم في الماء الدّائم وهو جنب» ، فقيل: كيف يفعل يا أبا هريرة؟ قال: يتناوله تناولا [ (١) ] . وروى الشيخان عن جابر- رضي الله تعالى عنه- قال: جاء رسول الله- ﷺ يعودني وأنا مريض، لا أعقل، فتوضّأ، وصبّ وضوءه عليّ [ (٢) ] . تنبيه في بيان غريب ما سبق: بئر بضاعة: حكى الجوهري وابن فارس كسر الموحدة وضمّها واقتصر. عذر النّساء: بعين مهملة مفتوحة، وكسر الذال المعجمة، وروي أيضا بكسر العين وفتح الذال، وضم العين تصحيف والمراد بذلك الغائط. مقراة: الحوض يجتمع فيه الماء. الإداوة: بكسر الهمزة ودال مهملة إناء صغير من جلد. السّجل- بفتح السين المهملة، وسكون الجيم. هو الدلو الممتلئ ماء. قلال هجر: بقاف مكسورة، فلام، فألف فلام: جمع قلة وهي الحب- بالحاء المهملة- العظيم. وسميت القلة لأنها تقلّ وتحمل. وهجر قرية من المدينة وليست هجر البحرين.

стр. 3256

الباب الثاني في آدابه- ﷺ عند قضاء الحاجة وفيه أنواع: الأول: في بعده عن الناس، في الصحراء: روى أبو داود، والنسائي، والحاكم بسند صحيح على شرط مسلم- وأقره الذهبي- عن المغيرة بن شعبة- رضي الله تعالى عنه- قال: «كان رسول الله- ﷺ إذا ذهب المذهب أبعد» [ (١) ] . وروى أبو داود وابن ماجة [عن جابر وابن ماجة عن يعلى بن مرة، وأبو يعلى عن أنس وابن ماجة] عن بلال بن الحارث والطبراني عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنهما- والإمام أحمد وأبو داود والترمذي- وقال: حسن صحيح- عن المغيرة بن شعبة وأبو داود والنسائي عن عبد الرحمن بن أبي قراد رضي الله تعالى عنهم، قالوا: «كان رسول الله- ﷺ إذا أنطلق لحاجته تباعد حتّى لا يراه أحد» [ (٢) ] . وروى أبو يعلى والطبراني برجال ثقات عن ابن عمر- رضي الله تعالى عنهما- قال: «كان رسول الله- ﷺ يذهب لحاجته إلى المغمّس» [ (٣) ] . قال نافع: «وهو نحو ميلين عند مكة» . وروى ابن ماجة عن جابر- رضي الله تعالى عنه- قال: خرجنا مع رسول الله- ﷺ في سفر وكان رسول الله- ﷺ لا يأتي البراز حتّى يتغيّب فلا يرى [ (٤) ] . الثاني: في تبوئه لبوله: روى ابن سعد والحارث بن أبي أسامة والطبراني برجال ثقات غير يحيى بن عبيد وأبيه فيحرر حالهما عن يحيى بن عبيد الجهضميّ عن أبيه قال: «كان رسول الله- ﷺ يتبوّأ لبوله كما يتبوّأ لمنزله» [ (٥) ] .

стр. 3257

وروى الحارث بن أبي أسامة وأبو داود في المراسيل عن طلحة بن أبي قنان [ (١) ] بقاف مفتوحة فنونين بينهما ألف: «أن رسول الله- ﷺ كان إذا أراد أن يتبوّأ [قرارا عزازا] من الأرض أخذ عودا فنكت به الأرض حتّى يثير التّراب ثمّ يبول فيه» [ (٢) ] . وروى الإمام أحمد وأبو داود عن أبي موسى- رضي الله تعالى عنه- قال: «كنت مع رسول الله- ﷺ ذات يوم فأراد أن يبول، فأتى دمثا في أصل جدار فبال، ثم قال: «إذا أراد أحدكم أن يبول، فليرتد لبوله» [ (٣) ] . الثالث: في لبسه نعله وتغطية رأسه، ووضعه خاتمه قبل الدخول وغير ذلك مما يذكر: روى ابن سعد عن حبيب بن صالح [ (٤) ]- رحمه الله تعالى- قال: «كان رسول الله- ﷺ إذا أراد دخول المرفق لبس حذاءه وغطّى رأسه» [ (٥) ] . وروى الاربعة وابن حبان والحاكم وصححه عن أنس- رضي الله تعالى عنه- قال: كان رسول الله- ﷺ «إذا دخل الخلاء وضع خاتمه» [ (٦) ] . وروى البيهقي بسند ضعيف، والترمذي- وقال: حسن صحيح غريب- عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- قالت: «كان رسول الله- ﷺ إذا دخل الخلاء غطّى رأسه، وإذا أتى أهله غطّى رأسه» [ (٧) ] .

стр. 3258

الرابع: فيما كان يستتر به: روى الإمام أحمد ومسلم وأبو داود عن عبد الله بن جعفر- رضي الله تعالى عنهما- قال: «كان أحبّ ما استتر به رسول الله- ﷺ لحاجته هدف أو حائش نخل. يعني حائط نخل» [ (١) ] . وروى أبو داود والنسائي وابن حبان عند عبد الرحمن بن حسنة [ (٢) ] رضي الله تعالى عنه- (وفي رواية الأوّلين عن عبد الرحمن عن أبي موسى) قال: «انطلقنا أنا وعمرو بن العاص إلى رسول الله- ﷺ فخرج ومعه درقة، ثمّ استتر بها ثمّ بال» [ (٣) ] . وروى الإمام أحمد وسنده جيد عن يعلى ابن سيابة- بسين مهملة مكسورة وتخفيف التحتية وهي أمه واسم أبيه مرّة بن وهب- رضي الله تعالى عنهما- قال: «كنت مع رسول الله- ﷺ في مسيرة له، فأراد أن يقضي حاجته فأمر ودبّتين فانضمّت (إحداهما) إلى الأخرى- ثمّ أمرهما فرجعتا إلى منابتهما» [ (٤) ] . وروى ابن ماجه عنه أيضا: عن أبيه قال: كنت مع رسول الله- ﷺ في سفر فأراد أن يقضي حاجته فقال: «ائت تلك الاشاءتين، فقل لهما: أن رسول الله- ﷺ يأمركما أن تجتمعا» ، فاجتمعتا، فاستتر بهما فقضى حاجته ثمّ قال: «ائتهما فقل لهما: لترجع كلّ واحدة منكما إلى مكانها» ، فقلت لهما فرجعتا [ (٥) ] . الخامس: فيما كان يقوله إذا أراد قضاء الحاجة وأراد به عند الجلوس: روى الجماعة عن أنس- رضي الله تعالى عنه- قال: كان رسول الله- ﷺ إذا دخل الخلاء قال: «اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث» [ (٦) ] . وروى الطبراني في الأوسط عن جابر والترمذي وأبو داود عن أنس وابن عمر- رضي الله

стр. 3259

تعالى عنهم- قالوا: «كان رسول الله- ﷺ إذا أراد قضاء الحاجة، لم يرفع ثوبه حتّى يدنو من الأرض» [ (١) ] . السادس: في استقبال القبلة واستدبارها في البنيان: روى الإمام أحمد وأبو داود والترمذي- وحسنه- وابن ماجة عن جابر- رضي الله تعالى عنه- قال: «نهى رسول الله- ﷺ أن نستقبل القبلة ببول فرأيته قبل أن يقبض بعام يستقبلها» [ (٢) ] . وروى الإمام أحمد، والترمذي- وضعّفه- عن أبي قتادة- رضي الله تعالى عنه- «أنه رأى رسول الله- ﷺ يبول مستقبل القبلة» [ (٣) ] . وروى الشيخان عن ابن عمر- رضي الله تعالى عنهما- قال: ارتقيت فوق بيت حفصة لبعض حاجتي، فرأيت رسول الله- ﷺ يقضي حاجته مستقبل الشّام، مستدبر القبلة [ (٤) ] . وفي رواية «رأيته على لبنتين مستقبلا بيت المقدس لحاجته» . وروى الإمام أحمد عن عبد الله بن الحارث الزبيدي قال: «رأيت رسول الله- ﷺ مستقبل القبلة، وأنا أول من حدّث النّاس بذلك» [ (٥) ] . وروى الإمام أحمد وابن ماجة والدارقطني، من عدة طرق عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- قالت: «ذكر عند رسول الله- ﷺ قوم يكرهون أن يستقبلوا بفروجهم القبلة، فقال: «أراهم قد فعلوها، حوّلوا بمقعدتي القبلة» [ (٦) ] .

стр. 3260

وروى الدارقطني عن ابن عمر- رضي الله تعالى عنهما- قال: رأيت رسول الله- ﷺ في كنيفه مستقبل القبلة [ (١) ] . وروى الطبراني بسند ضعيف عن عمار بن ياسر- رضي الله تعالى عنهما- قال: «رأيت رسول الله- ﷺ مستقبل القبلة بعد النّهي لغائط أو بول» [ (٢) ] . السابع: في بوله قاعدا وكذا قائما لعذر: روى ابن سعد والحاكم (وقال: على شرطهما) عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- قالت: «ما بال رسول الله- ﷺ قائما منذ أنزل [عليه] القرآن» [ (٣) ] . وروى الترمذي عنها قالت: «من حدّثكم أن رسول الله- ﷺ كان يبول قائما فلا تصدّقوه، ما كان يبول إلّا قاعدا» [ (٤) ] . ورواه النسائي بلفظ: «إلّا جالسا» [ (٥) ] . وروى الجماعة عن حذيفة- رضي الله تعالى عنه- قال: «أتى رسول الله- ﷺ سباطة قوم» وفي رواية: كناسة قوم فبال قائما فتنحّيت عنه فقال: «ادنه فدنوت حتّى قمت عند عقبه» [ (٦) ] . وروى الحاكم عن أبي هريرة- رضي الله تعالى عنه- قال: «بال رسول الله- ﷺ قائما من جرح بمأبضه» [ (٧) ] . وروى الطبراني عن سهل بن سعد- رضي الله تعالى عنه- «أنه رأى رسول الله- ﷺ يبول قائما» [ (٨) ] . وروى الإمام أحمد وابن ماجة عن المغيرة بن شعبة- رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله- ﷺ أتى سباطة بني فلان، وفي رواية سباطة قوم فبال قائما [ (٩) ] .
следующие страницы →