الباب الثالث في رماحه ﷺ وحرابه وعنزته ومحجنه وقضيبه ومخصرته
وفيه أنواع:
الأول: في عدد رماحه وهي خمسة:
الأول: المثوي من المثوي أي المطعون به.
الثاني: المنثني.
الثالث والرابع والخامس: ثلاثة رماح أصابها ﷺ من سلاح بني قينقاع، ذكره ابن أبي خيثمة في تاريخه.
فائدة:
روى الإمام أحمد بسند جيد عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ : «جعل رزقي تحت ظل رمحي، وجعل الصّغار على من خالف أمري» .
النوع الثاني: في عدد الحراب وهي خمس:
الأولى: حربة يقال لها النّبعة.
وروى الطبراني عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: كان لرسول الله ﷺ حربة تسمى النّبعة.
الثانية: البيضاء، وهي أكبر من الأولى.
روى النسائي عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: كان يركز لرسول الله ﷺ الحربة في العيد فيصلي إليها.
الثالثة: العنزة، وهي صغيرة شبه العكّازة يمشي بها بين يديه في الأعياد، حتى تركز أمامه، فتتخذ سترة يصلي إليها، وكان يمشي بها أحيانا.
وروى البلاذري عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله تعالى عنهما قالت: لما هاجر الزبير إلى أرض الحبشة خرج النجاشي يقاتل عدوا له، فأعطاه النجاشي يومئذ عنزة يقاتل بها، فطعن بها عدّة حتى ظهر النجاشي على عدوه، وقدم الزبير بها فشهد بها بدرا، وأحدا وخيبر، ثم أخذها رسول الله ﷺ منذ منصرفه من خيبر، فكانت تحمل بين يديه يوم العيد، يحملها بلال ابن رباح، ويخرج بها في أسفاره، فتركز بين يديه يوم العيد، يحملها بلال بن رباح يصلي إليها.
وروى ابن أبي شيبة عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: كان رسول الله ﷺ تغرز له العنزة، ويصلي إليها قال عبد الله: وهي الحربة.
стр. 3187
الرابعة: الهدّ.
الخامسة: القمرة.
روى عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: كان لرسول الله ﷺ حربة تسمى القمرة [ (١) ] .
النوع الثالث: في محجنه وقضيبه ومخصرته وعصاته .
روى الطبراني عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن رسول الله ﷺ كان له محجن يسمى الدّقن قدر ذراع، أو أطول، يمشي به، ويركب، ويلقى بين يديه على بعيره [ (٢) ] .
وروى ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: كان لرسول الله ﷺ قضيب يسمى الممشوق قيل: وهو الذي كان يتداوله الخلفاء.
وروى الترمذي عن قيلة بنت مخرمة رضي الله تعالى عنها أنها رأت مع رسول الله ﷺ عسيب نخلة.
وروى البخاري عن علي رضي الله تعالى عنه قال: كنا في جنازة في بقيع الغرقد فأتانا رسول الله ﷺ فقعد، وقعدنا حوله، ومعه مخصرة فجعل ينكث بمخصرته ... الحديث.
وروى أبو الحسن بن الضحاك عن عبد الله رضي الله تعالى عنه قال: كنت أمشي مع رسول الله ﷺ بالمدينة، وهو يتكئ على عسيب له.
وروى أبو مسلم الكجّي عن عوف بن مالك رضي الله تعالى عنه قال: أتى النبي ﷺ وبيده عصا فرأى أقناء معلّقة فطعن في قنو منها فإذا فيه حشف- الحديث.
وروى النسائي عن البراء بن عازب رضي الله تعالى عنه أن رجلا كان جالسا عند رسول الله ﷺ وعليه خاتم من ذهب، وفي يد رسول الله ﷺ مخصرة أو جريدة فضرب بها نبي الله ﷺ أصبعه- الحديث.
وروي أيضاً عن أبي ثعلبة الخشني رضي الله تعالى عنه أن النبي ﷺ رأى في يده خاتما من ذهب فجعل يقرعه بقضيب في يده معه فلما غفل النبي ﷺ ألقاه، قال: «ما أرانا إلا أوجعناك وأغرمناك» .
وروى الحميدي عن أبي سعيد رضي الله تعالى عنه قال: كان رسول الله ﷺ يعجبه هذه العراجين، يمسكها في يده، ويدخل المسجد، وهي في يده- الحديث.
стр. 3188
وروى أبو أحمد بن عدي عن أم سلمة رضي الله تعالى عنها أن رسول الله ﷺ ألقى سوطه في السفر فصلى عليه.
تنبيهان
الأول:
حديث جعفر بن نسطور الرومي قال: كنا مع رسول الله ﷺ في غزوة تبوك فسقط منه السوط فدفعته إليه فقال لي رسول الله ﷺ : «مد الله في عمرك» ،
ومد بها صوته- حديث باطل، ونسطور هذا ادعى الصحبة بسنة فكذبوه.
وروى الترمذي عن قيلة بنت مخرمة رضي الله تعالى عنها أنها رأت مع رسول الله ﷺ عسيب نخلة.
وروى الطبراني عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: كان لرسول الله ﷺ قضيب وسط يسمى الممشوق.
وروى أبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: التوكؤ على العصاة من أخلاق الأنبياء، وكان لرسول الله ﷺ عصاة يتوكأ عليها، ويأمر بالتوكؤ عليها.
وروى أبو داود والحاكم عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه قال: كان رسول الله ﷺ يحب العراجين، ولا يزال في يده منها.
وروى البزار والطبراني- بسند ضعيف- عن معاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه قال: خرج علينا رسول الله ﷺ فقال: «إن أتخذ العصا فقد اتّخذها أبي إبراهيم» .
وروى ابن ماجه عن أبي أمامة رضي الله تعالى عنه قال: خرج علينا رسول الله ﷺ وهو متكئ على عصاه.
وروى الطبراني عن عبد الله بن أنيس رضي الله تعالى عنه أنه أقبل على رسول الله ﷺ ومع رسول الله ﷺ عصا يتخصّر بها فناوله إياها.
الثاني: في بيان غريب ما سبق:
المحجن: بكسر الميم، وسكون الحاء المهملة، بعدها جيم مفتوحة: عصى ثخينة الرأس وهي العنزة.
стр. 3189
الباب الرابع في دروعه، ومغفره، وبيضته، ومنطقته ﷺ
كانت دروعه ﷺ سبعا:
الأولى: السّغديّة بضم السين المهملة، وسكون الغين المعجمة: وهي درع داود التي لبسها حين قتل جالوت.
الثانية: فضّة.
روى ابن سعد عن مروان بن أبي سعد بن المعلّى أن رسول الله ﷺ أصابها والتي قبلها من سلاح بني قينقاع.
الثالثة: ذات الفضول: بالضاد المعجمة: سميت بذلك لطولها، أرسل بها إليه سعد بن عبادة حين سار إلى بدر، وكانت من حديد، وهي التي رهنها عند أبي الشّحم اليهودي على شعير، وكان ثلاثين صاعا، وكان الدين إلى سنة.
وروى الطبراني عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن رسول الله ﷺ كان له درع موشّحة بنحاس، تسمى ذات الفضول.
وروى قاسم بن ثابت عن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنه وأبو الحسن الخلعي عن علي رضي الله تعالى عنه قالا: كان لرسول الله ﷺ درع يقال له ذات الفضول.
الرابعة: ذات الوشاح.
الخامسة: ذات الحواشي.
السادسة: البتراء سميت بذلك لقصرها.
السابعة: الخرنق.
روى الإمامان الشافعي وأحمد، وأبو داود، وابن ماجة، عن السائب بن يزيد أن رسول الله ﷺ ظاهر بين درعين يوم أحد.
وروى ابن سعد، وقاسم بن ثابت في غريبه عن الشعبي قال أخرج إلينا علي بن الحسين درع رسول الله ﷺ ، وكانت يمانية رقيقة، ذات ذرافتين، إذا علقت بذرافتها شمّرت، وإذا أرسلت مست الأرض.
وروى ابن سعد عن محمد بن مسلمة رضي الله تعالى عنه قال: رأيت على رسول الله ﷺ يوم أحد درعين إحداهما ذات الفضول، ورأيت عليه يوم حنين درعين: ذات الفضول والسّغديّة.
стр. 3190
وروى الترمذي عن الزبير بن العوام رضي الله تعالى عنه قال: كان على رسول الله ﷺ درعان يوم أحد.
وروى ابن سعد عن جعفر بن محمد عن أبيه قال: كان درع رسول الله ﷺ حلقتان من فضة عند موضع الصدر، وفي لفظ الصدر، وحلقتان خلف ظهره من فضة، قال جعفر:
فلبستها فخبطت في الأرض.
وروى أيضاً عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: قبض رسول الله ﷺ وإن درعه لمرهونة في ثلاثين صاعا، وفي رواية بستين صاعا من شعير رزقا لعياله.
وروى ابن سعد عن أسماء بنت يزيد قالت: توفي رسول الله ﷺ يوم توفي ودروعه مرهونة عند رجل من اليهود بوسق من شعير، وكان له ﷺ مغفر، وهو ما يلبسه الدّارع على رأسه من الزّرد وغيره، كان له ﷺ مغفر يقال له: السّبوغ أو ذا السّبوغ بالسين المهملة، ثم باء موحدة، ثم واو وغين معجمة، وآخر يسمى الموشّح وبيضة.
وروى الإمام مالك، والشيخان، وابن ماجه، وأبو الحسن بن الضحاك، وغيرهم عن أنس رضي الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ دخل مكة عام الفتح، وعلى رأسه مغفر من حديد- الحديث وله طرق كثيرة.
وروى الإمامان الشافعي وأحمد، وأبو داود، وابن ماجة عن السائب بن يزيد أن رسول الله ﷺ ظاهر بين درعين يوم أحد، وكان له ﷺ منطقة، وهي التي يشد بها الوسط من أديم منشور، فيها ثلاث حلق من فضة، والإبزيم الذي في رأس المنطقة من فضة، والطرف من فضة، ذكر ذلك الحافظ الدّمياطي.
стр. 3191
الباب الخامس في أتراسه وجعبته وسهامه ﷺ كان له ثلاثة أتراس
الأول: الزّلوق.
الثاني: الفتق.
الثالث: كان فيه تمثال كبش أو عقاب.
روى البيهقي عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: أهدى لرسول الله ﷺ ترس فيه تمثال عقاب، أو كبش، فكرهه ﷺ ، فأصبح وقد أذهبه الله تعالى.
وروى ابن سعد وابن أبي شيبة عن مكحول قال: كان لرسول الله ﷺ ترس فيه رأس كبش فكره ﷺ مكانه، فأصبح وقد أذهبه الله تعالى.
وروى أبو الحسن بن الضحاك رضي الله تعالى عنه عن حصين رحمه الله تعالى قال:
كان ترس رسول الله ﷺ تمثال عقاب فطمس.
وروى ابن داود عن عبد الرحمن بن حسنة رضي الله تعالى عنه قال: انطلقت أنا وعمرو ابن العاص إلى رسول الله ﷺ ومعه درقة استتر بها.
وروى الطبراني عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن رسول الله ﷺ كان له ترس يسمى الجمع.
وروى الشيخان عن عروة بن الزبير عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم يصدق- كل منهما حديث صاحبه- قال: خرج رسول الله ﷺ زمن الحديبية وذكر الحديث بكماله، وفيه نزل أقصى الحديبية على ثمد قليل الماء يتربضه الناس تربضا، فلم يلبث الناس حتى نزحوه، وشكوا إلى رسول الله ﷺ العطش، فانتزع سهما من كنانته، ثم أمرهم أن يجعلوه فيه، فو الله ما زال يجيش بالرّيّ حتى صدروا.
وروى أبو القاسم البغوي عن أنس رضي الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ كان يصلي فجاء رجل فاطلع في بيته، فأخذ سهما من كنانته، فسدده إليه، وانصرف الرجل.
تنبيه: في بيان غريب ما سبق:
الزّلوق: بزاي مفتوحة، فلام مضمومة، فواو، فقاف أي يزلق عنه السلاح فلا يخرقه.
الفتق.
الثمد: بمثلثة مفتوحة، وميم ساكنة، وتحرك، وككتابه القليل لا مادّ له أو ما يبقى في الأرض وما يظهر في الشتاء، ويذهب في الصيف.
стр. 3192
الباب السادس في ألويته، وراياته، وفسطاطه، وقبّته ﷺ
كان له ﷺ لواء أبيض مكتوب عليه «لا إله إلا الله محمد رسول الله» وآخر أسود، وآخر أغبر، وكان له ﷺ راية سوداء ربعة من صوف، لونها لون النّمرة، وتسمى العقاب، وأخرى صفراء كما في سنن أبي داود عن سماك بن حرب عن رجل من قومه عن آخر منهم.
وروى الإمام أحمد، والترمذي بسند جيد والطبراني- برجال الصحيح- غير حبّان بن عبيد الله عن بريدة وابن عباس، وابن عدي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنهم قالوا: كانت راية رسول الله ﷺ سوداء، ولواؤه أبيض، زاد أبو هريرة وابن عباس- كما عند الطبراني- مكتوب فيه «لا إله إلا الله محمد رسول الله» ، رواه أبو الشّيخ عن ابن عباس.
وروى الترمذي وأبو داود، والنسائي، وابن ماجة عن جابر رضي الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ دخل مكة، ولواؤه أبيض.
وروى ابن عدي وأبو الحسن بن الضحاك عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال:
كانت راية رسول الله ﷺ سوداء، ولواؤه أبيض، مكتوب فيه «لا إله إلا الله محمد رسول الله» ورواه ابن عدي عن أبي هريرة أيضا.
وروى مسدد عن عون قال: حدثني شيخ أحسبه من بكر بن وائل قال: أخرج رسول الله ﷺ شقّة خميصة سوداء ذات يوم فعقدها على رمح، ثم هزها فقال: «من يأخذها بحقها» ، فهابها المسلمون من أجل الشرط، فقال إليه رجل فقال: أنا آخذها بحقها، فما حقها؟
قال: «تقاتل مقدما ولا تغرب بها من كافر» .
وروى الطبراني- برجال ثقات- غير شريك النّخعي، وثّق وضعّف، عن جابر رضي الله تعالى عنه أن راية رسول الله ﷺ كانت سوداء.
وروى أيضا برجال ثقات- غير محمد بن الليث الهدّاري فيجر رجاله- عن مزيدة العبدي رضي الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ عقد رايات الأنصار، فجعلهن صفرا.
وروى أيضا عن يزيد بن أسامة أن رسول الله ﷺ عقد راية لبني سليم حمراء.
وروى الإمام أحمد، برجال الصحيح، غير عثمان بن زفر الشّامي، وهو ثقة، عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن راية رسول الله ﷺ كانت تكون مع علي بن أبي طالب، وراية الأنصار مع سعد بن عبادة، وكان إذا استحر القتال كان رسول الله ﷺ مما يكون تحت راية الأنصار.
وروى البخاري عن الحارث بن حسان قال: دخلت المسجد فإذا هو غاص بالناس،
стр. 3193
وإذا رايته سوداء، قلت: ما شأن الناس اليوم؟ قالوا: هذا رسول الله ﷺ يريد أن يبعث عمرو بن العاص.
وروى البخاري عن نافع بن جبير قال: سمعت العباس يقول للزبير: يقول: هاهنا أمرك رسول الله ﷺ أن تركز الراية.
وروى أبو داود والترمذي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: كانت راية رسول الله ﷺ سوداء مربعة لون نمرة.
وروى أبو داود عن سماك عن رجل من قومه عن آخر منهم قال: رأيت راية رسول الله ﷺ صفراء.
وروى أبو الحسن بن الضحاك عن سعيد بن المسيب رحمه الله تعالى قال: كانت راية رسول الله ﷺ يوم أحد مرط أسود مرحّل كان لعائشة رضي الله تعالى عنها، وراية الأنصار يقال لها العقاب.
وروى الإمام أحمد والترمذي وابن ماجة عن الحارث بن حسان قال: قدمت المدينة فرأيت النبي ﷺ قائما على المنبر، وبلال بين يديه، متقلدا سيفا، وإذا راية سوداء فقلت: ما هذا؟ قالوا: هذا عمرو بن العاص، قدم من غزاة.
وروى الإمام أحمد عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن راية رسول الله ﷺ كانت تكون مع علي بن أبي طالب، وراية الأنصار مع سعد بن عبادة، وكان إذا استحرّ القتال كان رسول الله ﷺ مما يكون تحت راية الأنصار.
وروى أبو داود- وحسنه- عن يونس بن عبيد الله- مولى محمد بن القاسم- قال:
بعثني محمد بن القاسم إلى البراء عن عازب لأسأله عن راية رسول الله ﷺ ما كانت؟ فقال:
كانت سوداء مربعة.
وروى البخاري عن عون بن مالك رضي الله تعالى عنه قال: رأيت رسول الله ﷺ في غزوة تبوك وهو في قبة من آدم.
وروى أبو سعيد بن الأعرابي عن أبي جحيفة رضي الله تعالى عنه قال: رأيت رسول الله ﷺ في قبة حمراء مربعة.
وروى النسائي عن صفوان بن معلّى عن أبيه رضي الله تعالى عنه قال: ليس أرى رسول الله ﷺ ينزل عليه، فبينما نحن بالجعرّانة والنبي ﷺ في قبّة فأتاه الوحي، فأشار إلى عمران، فقال: فأدخلت رأسي في القبّة.
وروى ابن أبي شيبة عن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنه أن النبي أمر بقبة من شعر- الحديث.
стр. 3194
وروى الحاكم عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: انتهيت إلى رسول الله ﷺ وهو في قبّة من أدم حمراء في نحو من أربعين رجلا فقال: «إنه مفتوح لكم، وإنكم منصورون وممضيون، فمن أدرك ذلك منكم فليتق الله وليأمر بالمعروف وينه عن المنكر، وليصل رحمه، ومثل الذي يعين قومه على غير الحق كمثل البعير يتردى، فهو يمد بذنبه» .
وروى مسدد وابن أبي شيبة وابن حبان عن أبي جحيفة رضي الله تعالى عنه قال: دخلت على رسول الله ﷺ أنا ورجلان من بني عامر في الأبطح في قبة له حمراء فقال: «ممن أنتم؟» فقلنا من بني عامر، فقال: «مرحبا بكم أنتم مني» .
تنبيهات
الأول: قال الحافظ: الراية بمعنى اللواء، وهو العلم الذي يحمل في الحرب يعرف به صاحب الجيش، وقد يدفعه ليقدم العسكر، وصرح جماعة من أهل اللغة بترادفهما، والأحاديث السابعة تدل على التغاير، فلعل التفرقة بينهما عرفية.
الثاني: ذكر عروة في رواية أبي الأسود، وابن إسحاق، ومحمد بن عمرو وابن سعد أن أول ما وجدت الرايات يوم خيبر، وما كانوا يعرفون قبل إلا الألوية.
الثالث:
روى الطبراني برجال ثقات عن محارب قال: كتب معاوية إلى زياد أن رسول الله ﷺ قال: «إن العدو لا يظهر على قوم أراهم» ، أو قال: «رأيتهم مع رجل من بني بكر بن وائل» .
الرابع: روى أبو الحسن بن الضحاك عن زهير بن محمد قال: راية رسول الله ﷺ العقاب، وفرسه المرتجز، وناقته العضباء والقصواء والجدعاء، وحماره: يعفور والسيف: ذو الفقار، والدرع: ذات الفضول، والرداء: الفتح والقدح: الغمر.
الخامس: في بيان غريب ما سبق:
اللواء: بلام مكسورة، فواو، فألف ممدودة: الراية.
الجعرّانة: ماء بين الطائف ومكة.
النمر: ككتف، وبكسر فسكون: سبع معرف.
مرحّل: فيه صور الرحال.
استحر القتال: بهمزة وصل، فسين مهملة ساكنة، فمثناة فوقية، فحاء مهملة، فراء مفتوحات: اشتد وكثر.
стр. 3195
الباب السابع في سرجه وإكافه وميثرته وغرزه ﷺ
روى الإمام أحمد وأبو داود وابن الجوزي عن أبي عبد الرحمن الفهري رضي الله تعالى عنه أنه سمع رسول الله ﷺ يقول لبلال: «اسرج لي الفرس» ،
قال: فأخرج سرجا دفتاه من ليف، ليس فيه أشر ولا بطر.
وروى الطبراني رضي الله تعالى عنه قال: كان لرسول الله ﷺ سرج الدّاج الموجز.
وروى الطبراني بسند جيد عن جريز أو حريز رضي الله تعالى عنه قال: انتهيت إلى رسول الله ﷺ وهو يخطب، فوضعت يدي على ميثرة رحله، فوجدته من جلد شاة ضائنة.
وروى ابن سعد والبغوي عن أبي ليلى الكندي قال: حدثني صاحب هذا الدار جريز أو حريز قال: انتهيت إلى النبي ﷺ وهو يخطب بمنى فوضعت يدي على رحله فإذا ميثرته جلد ضائنة.
تنبيه في بيان غريب ما سبق:
الدّفّة: الجنب من كل شيء.
الأشر: بهمزة فشين معجمة، مفتوحتين فراء: المرح.
البطر: بفتحات: النشاط والأشر، وقلة احتمال النعمة، والدّهش، والحيرة، والطغيان بالنعمة، وكراهة الشيء من غير أن يستحق الكراهة.
الداج الموجز: اسم سرج الرسول.
الميثرة.
الغرز: بفتح الغين المعجمة، وسكون الراء، بعدها زاي: ركاب كور الجمل إذا كان من جلد أو خشب وقيل بل من أي شيء كان.
стр. 3196
جماع أبواب سيرته ﷺ في ركوبه
الباب الأول في آدابه في ركوبه ﷺ وفيه أنواع والله أعلم
الباب الثاني في حمله ﷺ معه على الدابة واحدا أمامه والآخر خلفه
روى ابن أبي شيبة، وابن منده عن عبد الله بن جعفر رضي الله تعالى عنهما قال: كان رسول الله ﷺ إذا قدم من سفر تلقّي بصبيان أهل بيته، وأنه قدم من سفر فسبق بي إليه، فحملني بين يديه ثم جيء بأحد ابني فاطمة، فأردفه خلفه فدخلنا المدينة ثلاثة على دابة.
وروى مسدد عن مورّق عن مولى لهم أن رسول الله ﷺ قدم من سفره فاستقبله عبد الله بن جعفر، والحسين بن علي، فحمل أكبرهما خلفه، وحمل أصغرهما بين يديه.
وروى الإمام أحمد، والشيخان عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: أتى رسول الله ﷺ ، وقد حمل قثما بين يديه، والفضل خلفه.
وروى ابن المبارك في الزهد عن عكرمة رضي الله تعالى عنه قال: ركب رسول الله ﷺ دابة وأركب قثما بين يديه وأردف الفضل خلفه، والله تعالى أعلم.
стр. 3197
الباب الثالث فيمن حمله ﷺ وهم نحو الخمسين أفرد أسماءهم الحافظ أبو زكريا يحيى بن عبد الوهاب ابن الحافظ الكبير ابن عبد الله بن مندة رحمهم الله تعالى في جزء لطيف وبلغ بهم أني زدت إليهم جماعة مزجت أسماءهم بصورة
وروى الإمام أحمد والبخاري وأبو يعلى عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: كان رسول الله ﷺ إذا سافر، وغزا أردف كل يوم رجلا من أصحابه.
الأول: جبريل.
الثاني: أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه.
وروى الإمام أحمد والبخاري عن محمد بن يحيى بن عمر وابن أبي شيبة عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: أقبل رسول الله ﷺ إلى المدينة، وهو مردف أبا بكر فذكر حديث الهجرة وتقدم.
الثالث: أبو ذر رضي الله تعالى عنه.
وروى أبو داود عنه قال: كنت مع رسول الله ﷺ وهو على حمار، والشمس عند غروبها فقال: «هل تدري أين تذهب» قلت: الله ورسوله أعلم، قال: «فإنها تغرب في عين حمئة» .
الرابع: عثمان.
روى ابن منده عن خالد الزياد عمن أخبره أن عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه تلقى رسول الله ﷺ بالروحاء عند مقدمه من بدر فأخرج رسول الله ﷺ رجله من غرز الرّكاب، وقال لعثمان: «اركب فردفه» ، فنفخ عثمان، فقال رسول الله ﷺ : «اسكت» ،
قال يوسف البهلول أحد رواته أي اسكت، فإن الله تعالى زوجك أختها.
الخامس: علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه.
روى عن عرفة بن الحارث رضي الله تعالى عنه قال: شهدت رسول الله ﷺ في حجة الوداع، وأتي بالبدن فقال: «ادعوا لي أبا الحسن» ، فدعى علي رضي الله تعالى عنه فقال: خذ بأسفل الحربة، وأخذ رسول الله ﷺ بأعلاها، فطعن بها البدن، فلما فرغ ركب البغلة، وأردف عليا رضي الله تعالى عنه.
وروى عن عمرو بن رافع المزني قال: رأيت رسول الله ﷺ يخطب بعد الظهر على بغلة، ورديفه علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه.
стр. 3198
السادس: عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما.
وروى الإمام أحمد رحمه الله تعالى قال: أردفه رسول الله ﷺ على دابته، فلما استوى عليها كبر رسول الله ﷺ ثلاثا، وحمد ثلاثا، وسبح ثلاثا. وهلل الله تعالى واحدة.
السابع: أسامة بن زيد رضي الله تعالى عنهما.
روى البخاري عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أن رسول الله ﷺ أقبل يوم الفتح من أعلى مكة على راحلة مردفا أسامة بن زيد وذكر الحديث.
وروى الإمام أحمد والشيخان عن أسامة بن زيد رضي الله تعالى عنهما أن رسول الله ﷺ ركب على حمار عليه إكاف تحته قطيفة فركبه، وأردف أسامة بن زيد وراءه يعود عبادة بن الصامت في بني الحارث من الخزرج- الحديث.
الثامن: أبو المليح بن أسامة رضي الله تعالى عنه
وروى الحاكم في المستدرك والنّسائي واللفظ له عن أبي المليح بن أسامة رضي الله تعالى عنه، قال: كنت رديف رسول الله ﷺ فعثر بعيرنا فقلت: تعس الشيطان، فقال النبي ﷺ : «لا تقل تعس الشيطان، فإنه يعظم حتى يصير مثل البيت، ويقول: بقوتي صرعته ولكن قل: باسم الله، فإنه يصغر حتى يصير مثل الذباب.»
التاسع: زيد بن ثابت.
العاشر: سهيل بن بيضاء رضي الله تعالى عنه وهو وهب بن ربيعة بن هلال بن وهب ابن ضبة توفي على عهد رسول الله ﷺ في المسجد رضي الله تعالى عنه.
وروى الإمام أحمد والطبراني في الكبير، وابن أبي شيبة، وابن مندة، وعبد بن حميد وابن حبّان عنه قال: بينما نحن في سفر مع رسول الله ﷺ ، وأنا رديفه فقال رسول الله ﷺ :
«يا سهيل بن بيضاء» ورفع صوته مرتين أو ثلاثا، كل ذلك يجيبه سهيل، فسمع الناس صوت رسول الله ﷺ فظنوا أنه يريدهم فحبس من كان بين يديه، ولحقه من كان خلفه حتى إذا اجتمعوا قال رسول الله ﷺ : «إنه من شهد أن لا إله إلا الله حرمه الله على النار، ووجبت له الجنة» .
الحادي عشر: معاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه.
وروى البزار بسند رجاله ثقات عن أبي هريرة، والإمام أحمد، والشيخان عن أنس، والإمام أحمد، والشيخان، والترمذي عن معاذ رضي الله تعالى عنهم أن معاذا كان ردف رسول الله ﷺ على حمار يقال له عفير، ليس بينه، وبينه شيء إلا مؤخرة الرحل، فقال: «يا
стр. 3199
معاذ» فقال: لبيك يا رسول الله ﷺ وسعديك، ثم سار ساعة، ثم قال: «يا معاذ بن جبل» : قال لبيك يا رسول الله، وسعديك، ثم سار ساعة ثم قال: «يا معاذ بن جبل» : فقال: لبيك يا رسول الله وسعديك قال: هل تدري ما حق الله تعالى على العباد؟ قال معاذ: الله ورسوله أعلم قال رسول الله ﷺ : «فإن حق الله على العباد أن العباد أن يعبدوه، ولا يشركوا به شيئا» ، ثم سار ساعة ثم قال: «يا معاذ بن جبل» قال: لبيك يا رسول الله وسعديك، قال: «هل تدري ما حق العباد على الله؟» قال: الله ورسوله أعلم قال: «حق العباد على الله ألا يعذبهم» قال: يا رسول الله أفلا أبشر الناس؟ قال: «لا تبشرهم فيتكلوا» ، فأخبر بها معاذ عند موته تأثما.
الثاني عشر: حذيفة بن اليمان رضي الله تعالى عنهما.
روى البزار برجال ثقات عنه رضي الله تعالى عنه قال: كنت ردف رسول الله ﷺ قال: «يا حذيفة: أتدري ما حق الله تعالى على العباد» قلت: الله ورسوله أعلم قال: «يعبدوه، ولا يشركوا به شيئاً» ، ثم قال: «يا حذيفة» قلت: لبيك يا رسول الله، قال: أتدري ما حق العباد على الله تعالى إذا فعلوا ذلك؟ قلت الله ورسوله أعلم، قال: «يغفر لهم» .
الثالث عشر: الفضل بن العباس رضي الله تعالى عنهما.
روى الإمام أحمد عن أبي أمامة الباهلي رضي الله تعالى عنه قال: لما كان في حجة الوداع قام رسول الله ﷺ وهو مردف الفضل بن العباس، فقال: «يا أيها الناس خذوا مني العلم، قبل أن يقبض العلم، أو قبل أن يرفع العلم» .
وروى الأئمة عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: كان الفضل بن العباس رديف رسول الله ﷺ فجاءته امرأة من خثعم- الحديث ويأتي بتمامه في حجّة الوداع وفي النكاح إن شاء الله تعالى.
الرابع عشر: عبد الله بن جعفر رضي الله تعالى عنهما.
وروى الإمام أحمد، ومسلم وأبو داود، وابن ماجه عنه قال: أردفني رسول الله ﷺ ذات يوم خلفه فأسر إليّ حديثا، لا أحدث به أحدا من الناس.
الخامس عشر: أبو هريرة رضي الله تعالى عنه،
ذكر المحب الطبري في سيرته أن رسول الله ﷺ ركب حمارا عربا إلى قباء، وأبو هريرة معه، فقال: «يا أبا هريرة أحملك؟» فقال: ما شئت يا رسول الله، قال: «اركب» ، فوثب أبو هريرة ليركب فلم يقدر، فاستمسك برسول الله ﷺ ، فوقعا جميعا، ثم ركب رسول الله ﷺ ، ثم قال: «يا أبا هريرة أحملك؟» فقال: ما شئت يا رسول الله، قال: «اركب» ، فوثب أبو هريرة ليركب، فلم يقدر أبو هريرة على
стр. 3200
ذلك، وتعلق برسول الله ﷺ فوقعا جميعا، ثم قال: «يا أبا هريرة أحملك؟» ، فقال: لا، والذي بعثك بالحق نبيا، لا أرميك ثلاثا.
روى عنه قال: كنت ردف النبي ﷺ فقال: «يا أبا هريرة» ، أو «يا أبا هرّ هلك الأكثرون، إن الأكثرين هم الأقلون يوم القيامة إلا من قال: بالمال هكذا وهكذا» .
السادس عشر: قثم كما تقدم في باب حمله ﷺ واحدا أمامه، وواحدا خلفه، عن ابن عباس في رواية الإمام أحمد والشيخان حيث قال: أو قثم خلفه، والفضل بين يديه.
السابع عشر: زيد بن حارثة رضي الله تعالى عنه.
روي عن أسامة بن زيد عن أبيه زيد بن حارثة رضي الله تعالى عنهما قال: خرج رسول الله ﷺ وهو مردفني إلى نصب من الأنصاب وركب رسول الله ﷺ ناقته، وهو مردفني خلفه، فلما كان بأعلى مكة لقيه زيد بن عمرو بن نفيل فذكر الحديث.
الثامن عشر: ثابت بن الضحاك بن خليفة الأنصاري الأشهلي أبو زيد رضي الله تعالى عنه [قال] أبو زرعة الرازي- وهو من أهل الصفة، وممن بايع تحت الشجرة، وكان رديف رسول الله ﷺ يوم الخندق، ودليله إلى حمراء الأسد.
التاسع عشر: الشّريد بن سويد الثقفي أبو عمرو رضي الله تعالى عنه.
روى البخاري في الأدب عنه قال: أردفني رسول الله ﷺ فقال: «أما تروي لأمية بن أبي الصّلت» قلت: بلى قال: «هيه» .
العشرون: سلمة بن عمرو بن وهب بن سنان، وهو الأكوع الأسلمي رضي الله تعالى عنه قال: أردفني رسول الله ﷺ على ناقته حتى دخلنا المدينة.
وروى الطبراني، برجال ثقات، عن سلمة رضي الله تعالى عنه قال: أردفني رسول الله ﷺ مرارا، ومسح رأسي مرارا، واستغفر لي، ولذريتي عدد ما بيدي من الأصابع.
الحادي والعشرون: علي بن أبي العاص بن الربيع، قال مصعب الزبيري: أردفه رسول الله ﷺ يوم فتح مكة، وقال الزبير بن بكّار: حدثني عمر بن أبي بكر الموصلي: أن رسول الله ﷺ أردف علي بن أبي العاص على راحلته يوم الفتح.
الثاني والعشرون: غلام من بني عبد المطلب.
عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: لما قدم رسول الله ﷺ مكة يوم الفتح استقبله غلامان من بني عبد المطلب، فحمل أحدهما بين يديه والآخر خلفه.
الثالث والعشرون: عبد الله بن الزبير رضي الله تعالى عنهما عن أبي مليكة أن ابن
стр. 3201
الزبير قال لعبد الله بن جعفر رضي الله تعالى عنهما: أتذكر يوم تلقانا رسول الله ﷺ فحملني وتركك.
الرابع والعشرون: أسامة بن عمير الهذلي رضي الله تعالى عنه.
وروى الطبراني، برجال الصحيح، عنه قال: كنت رديف رسول الله ﷺ ، فعثر بعيرنا فقلت: تعس الشيطان فقال: «لا تقل تعس الشيطان، فإنه يعظم حتى يصير مثل البيت، ويقول:
بقوتي صرعته ولكن قل: باسم الله، فإنه يصير مثل الذباب» .
الخامس والعشرون: رجل لم يسمّ يحتمل أنه أسامة الذي قبله، ويحتمل أنه غيره.
وروى الإمام أحمد برجال الصحيح عنه قال: كنت رديف النبي ﷺ علي حمار فعثر فقلت تعس الشيطان- الحديث.
السادس والعشرون: رجل آخر لم يسم.
روى أبو داود عن عبد الرحمن بن يعمر الدّيلي قال: أتينا رسول الله ﷺ وهو بعرفة فجاءه ناس.
السابع والعشرون: جابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام رضي الله تعالى عنه.
روى عنه قال: أردفني رسول الله ﷺ خلفه، فجعلت فمي على خاتم النبوة، فجعل ينفخ عليّ مسكا، ولقد حفظت منه تلك الليلة سبعين حديثا، ما سمعها أحد معي.
الثامن والعشرون: عبيد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: كنت رديف رسول الله ﷺ وأتاه رجل فقال: يا رسول الله أن أمه عجوز كبيرة إن حرمها خشي أن يقتلها، وإن حملها لم تستمسك فأمره رسول الله ﷺ أن يحج عنها.
التاسع والعشرون: عقبه بن عامر.
الثلاثون: أبو أمامة صدي بن عجلان الباهلي رضي الله تعالى عنه
قال: كنت ردف النبي ﷺ ، وقال: «إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث، الولد للفراش وللعاهر الحجر، وحسابهم على الله » .
الحادي والثلاثون: أبو الدرداء عويمر بن مالك، ويقال ابن ثعلبة ابن مالك، ويقال غير ذلك رضي الله تعالى عنه
قال: كنت ردف رسول الله ﷺ فقال: «يا أبا الدّرداء، من شهد أن لا إله إلا الله مخلصا وجبت له الجنة» .
الثاني والثلاثون: أبو إياس رضي الله تعالى عنه.
روى ابن مندة، والحارث بن أبي أسامة رضي الله تعالى عنه قال: كنت ردف
стр. 3202
رسول الله ﷺ فقال: «قل» ، فقلت: ما أقول؟ فقال: «قل هو الله أحد» حتى ختمها، وقال:
«قل أعوذ برب الفلق» وقال: «قل أعوذ برب النّاس» ثم قال: «يا أبا إياس ما قرأ الناس بمثلهن» .
الثالث والثلاثون: قيس بن سعد بن عبادة رضي الله تعالى عنهما
قال: أتى النبي ﷺ دار سعد فقام على بابها فسلم فرد سعد وخافت، ثم سلم فرد سعد وخافت، ثم سلم فرد سعد وخافت، فلما رأى رسول الله ﷺ ذلك انصرف راجعا، وخرج سعد يسعى في أثره، فقال:
بأبي أنت وأمي يا رسول الله، ما منعني أن أرد عليك إلا لتكثر لنا من السلام، فأدخل يا رسول الله فدخل فوضع له ماء يستبرد به، فاغتسل، ثم جلس فقال: «اللهم صلي على الأنصار، وعلى ذرية الأنصار، وعلى ذرية ذرية الأنصار» ، فلما أراد أن يرجع أتي بحمار وجعلت عليه قطيفة- ما هي بخز- وقرام عربي فأرسل ابنه معه ليرد الحمار، قال: «احمله بين يدي» ، فقال:
سبحان الله يا نبي الله أحمله بين يديك؟ قال: «نعم، هو أحق بصدر حماره» ، قال: هو لك يا رسول الله قال: «احمله إذا خلفي» .
الرابع والثلاثون: خوّات بن جبير الأنصاري رضي الله تعالى عنه، قال ابن مندة كان ردف رسول الله ﷺ لما خرج إلى بدر، فرده من الرّوحاء لأنه اشتكى هذا آخر ما أورده ابن منده رحمه الله تعالى.
الخامس والثلاثون: الحسن أو الحسين رضي الله تعالى عنهما.
السادس والثلاثون: معاوية.
روي أن رسول الله ﷺ أردف معاوية بن أبي سفيان رضي الله تعالى عنهما فقال له:
«ما يليني منك يا معاوية؟» قال: بطني، قال: «اللهم املأه حلما» ،
قال ابن عائذ: فذاكرت به أبا مسهر فقال: نعم فيه من صدقه أنه حشي حلما.
وروي عن جابر رضي الله تعالى عنه قال: كان معاوية رضي الله تعالى عنه ردف النبي ﷺ فقال: «ما يليني منك؟» قال: بطني قال: «ملأ الله بطنك حلما» .
السابع والثلاثون: صفية بنت حيي رضي الله تعالى عنها زوج النبي ﷺ .
وروي عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: أقبلنا من خيبر، وأقبل رسول الله ﷺ بصفيّة بنت حييّ قد حازها، وكنت أراه يجري، وأراه بعباءة، أو بكساء، ثم يردفها.
وروي عنه: أنه كان مع رسول الله ﷺ هو وأصحابه فعثرت برسول الله ﷺ ناقته وصفيّة رديفة رسول الله ﷺ ، فوثب أبو طلحة فقال: «أضررت؟ فقال: «لا» ، عليك بالمرأة» ، قال: فألقيت على وجهي ثوبا، فألقيته عليها.
стр. 3203
الثامن والثلاثون: امرأة من بني غفار رضي الله تعالى عنها.
روى الإمام أحمد وأبو داود عنها رضي الله تعالى عنها قالت: أردفني رسول الله ﷺ على حقيبة رحله، فو الله لا نزل رسول الله ﷺ إلى الصبح فأناخ وتوليت من حقيبة رحله وإذا بها دم، وكانت أول حيضة حضتها قالت: فتقبّضت إلى الناقة، واستحيت، فلما رأى رسول الله ﷺ ما بي ورأى الدم، قال: «لعلك نفست؟» قلت: نعم، قال: «فأصلحي من شأنك، ثم خذي إناء من ماء فاطرحي فيه ملحا، ثم اغسلي ما أصاب الحقيبة من الدم، ثم عودي لمركبك»
قالت: فلما فتح رسول الله ﷺ خيبر وهب لنا من الفيء.
التاسع والثلاثون ...
الأربعون: بريرة.
الحادي والأربعون: خولة بنت قيس.
الثاني والأربعون: آمنة كما ذكر في النظم الآتي.
وقد نظم أسماءهم بعضهم فقال:
وإردافه جمّ غفير فمنهم ... عليّ وعثمان سويد وجبريل
أسامة والصّدّيق ثمّ ابن جعفر ... وزيد وعبد الله ثمّ سهيل
معاوية قيس بن سعد صفيّة ... وسبطاه ماذا عنهم سأقول
معاذ أبو الدّرد بريدة عقبة ... وآمنة إن قام ثمّ دليل
وأولاد عبّاس كذا قال شارح ... أسامة والدّوسيّ فهو نبيل
كذلك خوّات حذيفة سلمة ... كريم وأمّا وجهه فجميل
كذا بنت قيس خولة وابن أكوع ... وقدرهم في العالمين جليل
كذلك غلمان ثلاث وزاد أبا ... إياس وحسبي الله فهو وكيل
كذلك زيد جابر ثمّ ثابت ... فعن حبّهم والله لست أحول
وقد ذيلها بعضهم فقال:
هناك رجال لم يسمّوا حذيفة ... غفاريّة فاعلمه ثمّ أقول
صدي بن عجلان سويد أبو ذر ... فذلك حاز الفضل وهو جزيل
كذاك أبو هر رووه فكن له ... سميعا رواة النّقل ثمّ عدول
وعقبة بن عامر لم يروا له ... عليك بها يدعى لديّ نبيل
стр. 3204
جماع أبواب دوابّه ﷺ
الباب الأول في محبته للخيل وإكرامه إياها ومدحه لها ووصيته بها ونهيه عن جز نواصيها وأذنابها، وما حمده أو ذمه من صفاتها
وفيه أنواع:
الأول: في محبته للخيل وإكرامه إياها.
روى النّسائي عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: لم يكن شيء أحب إلى رسول الله ﷺ بعد النساء من الخيل، ولفظ من الخيل اللهم إلا النساء [ (١) ] .
وروى ابن أبي شيبة والإمام أحمد، وأبو يعلى- برجال ثقات- عن معقل بن يسار رضي الله تعالى عنه قال: لم يكن شيء أحب إلى رسول الله ﷺ من الخيل اللهم إلا الإبل والنساء [ (٢) ] .
وروى الإمام مالك في الموطأ، عن يحيى بن سعيد، عن أنس، ووصله أبو عبيدة في كتاب الخيل من طريق يحيى بن سعيد، عن شيخ من الأنصار، ورواه أبو داود وفي المراسيل عن نعيم بن أبي هند: أن رسول الله ﷺ كان يمسح وجه فرسه بردائه، فسئل عن ذلك فقال:
«إن عوتبت الليلة في الخيل» .
وروى ابن أبي سعد عن عبد الله بن واقد: أنه بلغه أن رسول الله ﷺ نام فرسه فمسح وجهه بكم قميصه.
وروى أبو داود عن نعيم بن أبي هند رحمه الله تعالى قال: أتى رسول الله ﷺ بفرس، فقام إليه، فمسح وجهه، وعينيه، ومنخريه بكم قميصه، فقيل يا رسول الله: تمسح بكم قميصك؟ فقال: «إن جبريل عاتبني في الخيل» .
وروى الحارث بن أبي أسامة عن جرير بن عبد الله رضي الله تعالى عنه قال: رأيت رسول الله ﷺ يمسح وجه فرسه بكمه.
وروى أبو داود الطيالسي برجال ثقات، عن عروة البارقي رضي الله تعالى عنه قال: إن رسول الله ﷺ رئي يمسح خد فرسه، فقيل له ذلك، فقال: «إن جبريل عاتبني في الفرس» .
وروى أبو عبيدة عن عبد الله بن دينار رحمه الله تعالى: أن رسول الله ﷺ رئي يمسح
стр. 3205
وجه فرسه بردائه فقيل له ذلك، فقال: «إن جبريل بات الليلة يعاتبني في إذالة الخيل» ، أي امتهانها.
وروى الإمامان مالك وأحمد والشيخان والنسائي وابن ماجه عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أن رسول الله ﷺ قال: «الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة» .
وروى مسلم عن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما قال: رأيت رسول الله ﷺ ليلوي ناصية فرسه بإصبعه، ويقول: «الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة» .
وروى الطبراني عن سوادة بن الربيع الجرمي قال: أتيت رسول الله ﷺ فأمر لي بزود وقال: «عليك بالخيل» قال: «الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة» .
وروى أبو مسلم الكجّي [ (١) ] في سننه عن عيينة بن عبد الله السّلمي رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : «الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة» .
وروى أبو مسلم والنّسائي عن سلمة قال: قال رسول الله ﷺ : «الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة، وأهلها معانون عليها» ، ولفظ ابن مندة: «الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة، والمنفق عليها كباسط كفيه بالصدقة» .
وروى أحمد عن أسماء بنت يزيد أن رسول الله ﷺ قال: «الخيل معقود في نواصيها الخير أبدا إلى يوم القيامة، فمن ربطها عدة في سبيل الله، وأنفق عليها إحسانا في سبيل الله فإن شبعها، وجوعها وريّها، وظمأها، وأرواثها، وأبوالها حسنات في ميزانه يوم القيامة» .
وروى ابن أبي عاصم في الجهاد والقاضي عمر بن حسن الأشناني [ (٢) ] ، في بعض تخاريجه- واللفظ له- عن علي رضي الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ قال: «الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة، وأهلها معانون عليها، فخذوا بنواصيها، وادعوا لها بالبركة وقلدوها، ولا تقلدوها الأوتار» .
وروى أبو عبيدة بن عطاء قال: قال رسول الله ﷺ : «الغنم بركة موضوعة، والإبل
стр. 3206
جمال لأهلها، والخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة» .
وروى البزار عن حذيفة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : «الغنم بركة، والإبل عز لأهلها، والخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة، وعبدك أخوك، فأحسن إليه، وإن وجدته مغلوبا فأعنه» .
وروى الشيخان والنسائي عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : «البركة في نواصي الخيل» .
وروى الطبراني عن أبي أمامة رضي الله تعالى عنه قال: كان لرسول الله ﷺ فرس فوهبه لرجل من بني الأنصار، وكان يسمع صهيله ثم إنه فقده فقال له رسول الله ﷺ : «ما فعل فرسك؟» قال: يا رسول الله ﷺ خصيته، فقال رسول الله ﷺ : «الخيل في نواصيها الخير، والمغنم إلى يوم القيامة، نواصيها وفاؤها، وأذنابها مذابّها» .
وروى عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما قال: أصاب رسول الله ﷺ فرسا جروش من جرش- حيّ من اليمن- فأعطاه رجلا من الأنصار فقال: «إذا نزلت فانزل قريبا مني فإني أنشرح إلى صهيله» ، فقعد ليلة يسأله عنه فقال: يا رسول الله إنا خصيناه، فقال:
«فعلت به، الخيل في نواصيها الخير إلى يوم القيامة، أعرافها أدفاؤها، وأذنابها مذابّها التمسوا نسلها، وباهوا بصهيلها المشركين» .
وروى أبو عبيدة عن مكحول قال: نهى رسول الله ﷺ عن جزّ أذناب الخيل، وأعرافها، ونواصيها، وقال: «أما أذنابها فمذابّها، وأما أعرافها فأدفاؤها، وأما نواصيها ففيها الخير» .
وروى أبو نعيم عن أنس رضي الله تعالى عنه عن رسول الله ﷺ قال: «لا تهلّبوا أذناب الخيل، ولا تجزوا أعرافها ونواصيها، فإن البركة في نواصيها وأذنابها مذابّها» .
وروى الطبراني برجال الصحيح عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : «الخيل معقود بنواصي الخير إلى يوم القيامة، ومثل المنفق عليها كالمستكفّ بالصدقة» .
وروى البزار برجال ثقات عن سواد بن الربيع رضي الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ قال: «الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة» .
وروى الطبراني برجال ثقات عن أبي كبشة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ قال: «الخيل معقود في نواصيها الخير، وأهلها معانون، والمنفق عليها كالباسط يديه بالصدقة» .
وروى أبو داود وأبو طاهر المخلّص عن ابن الحنظلية رضي الله تعالى عنه قال: سمعت
стр. 3207
رسول الله ﷺ يقول: «الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة، وصاحبها معان عليها كالباسط يده بالصدقة، لا يقبضها» .
وروى مسلم وأبو مسلم الكجّي عن جرير بن عبد الله رضي الله تعالى عنه قال: رأيت رسول الله ﷺ يلوي ناصية فرسه بإصبعه وقال: «الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة» .
عن عمارة بن غزيّة رحمه الله تعالى قال: بلغني أن رسول الله ﷺ أصبح ذات ليلة فقام إلى فرسه، فمسح عنقه، ووجهه بطرف ردائه، أوبكم قميصه، فقال له بعض أصحابه: صنعت اليوم شيئا ما رأيناك تصنعه، قال: «إنني بت الليلة وجبريل يعاتبني في سياسة الخيل» .
وروى الطبراني عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: كان رسول الله ﷺ ربما فتل عرف فرس بيده.
وروى الإمام أحمد والشيخان والترمذي والنسائي وابن ماجة عن عروة بن الجعد ويقال ابن أبي الجعد البارقي رضي الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ قال: «الخيل معقود في نواصيها الخير، والأجر، والمغنم إلى يوم القيامة» .
وروى الإمام أحمد والطبراني باختصار برجال ثقات عن جابر رضي الله تعالى عنه قال:
قال رسول الله ﷺ : «الخيل في نواصيها الخير، والنّيل إلى يوم القيامة، وأهلها معانون عليها، فامسحوا بنواصيها، وادعوا لها بالبركة، وقلدوها، ولا تقلدوها الأوتار» .
وروى الإمام أحمد، والنسائي عن أبي وهب الجشمي رضي الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ قال: «ارتبطوا الخيل، وامسحوا بنواصيها وأعجازها» ، وقال: «وأكفالها، وقلدوها، ولا تقلدوها الأوتار» .
وروى أبو عبيدة في كتاب الخيل عن راشد بن سعد أن رسول الله ﷺ قال: «قلدوا الخيل، ولا تقلدوها أوتار القسيّ خوفا عليها من الاختناق بها» .
روى مالك في الموطأ، وأحمد في مسنده والشيخان رضي الله تعالى عنهم عن النبي ﷺ قال: «الخيل لثلاثة: لرجل أجر، ولرجل ستر، وعلى رجل وزر، أما الذي له أجر فرجل ربطها في سبيل الله، فأطال لها في مرج أو روضة، فما أصابت في طيلها ذلك من المرج والروضة كان له حسنات، ولو أنها قطعت طيلها فاستنّت شرفا أو شرفين كانت آثارها وأرواثها حسنات له فهي كذلك أجر له، ورجل ربطها تعففا ونفقة ثم لم ينس حق الله في رقابها ولا ظهورها، فهي له ستر، ورجل ربطها فخرا ورياء لأهل الإسلام، فهي عليه وزر» ،
وسئل رسول الله ﷺ عن الحمر فقال: «ما أنزل عليّ فيها شيء إلا هذه الآية الجامعة الفاذة
стр. 3208
فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ.
وروى مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ سئل عن الخيل فقال: «الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة، والخيل لثلاثة هي لرجل أجر، ولرجل ستر، وعلى رجل وزر، فأما الذي له أجر فالرجل يتخذها في سبيل الله، ويعدها له، فلا يغيّب شيئا في بطونها إلا كتب له بها أجر، ولو سقاها من نهر كان له بكل قطرة تغيبها في بطونها أجر حتى ذكر الأجر في أبوالها وأرواثها، ولو استنّت شرفا أو شرفين كتب له بكل خطوة تخطوها أجر، وأما الرجل الذي له ستر فالرجل يأخذها تعففا، وتكرما، وسترا، ولم ينس حق ظهورها وبطونها في عسرها ويسرها، وأما الذي عليه وزر فالذي يتخذها أشرا وبطرا وبذخا ورياء الناس فذاك الذي هي عليه وزر» ، قيل: يا رسول الله فالحمر قال: «ما أنزل الله فيها شيئا إلا هذه الآية الفاذّة فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ» .
وروى الطبراني بسند ضعيف عن خبّاب بن الأرت رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : «الخيل ثلاثة، ففرس للرحمن، وفرس للإنسان، وفرس للشيطان، فأما فرس الرحمن فما اتّخذ في سبيل الله، وقوتل عليه أعداء الله تعالى، وأما فرس الإنسان فما استبطن، ويحمل عليه، وأما فرس الشيطان فما روهن عليه وقومر عليه» .
وروى الإمام أحمد برجال الصحيح عن رجل من الأنصار رضي الله تعالى عنه عن رسول الله ﷺ قال: «الخيل ثلاثة، فرس يتربّطه الرجل في سبيل الله فثمنه أجر، وركوبه وعلفه أجر، وفرس يغالق عليه الرجل ويقامر عليه ويراهن عليه، فثمنه وزر وعلفه وزر، وركوبه وزر، وفرس للاستبطان فعسى أن يكون سترا من الفقر إن شاء الله تعالى» [ (١) ] .
وروى أيضا برجال ثقات عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه عن رسول الله ﷺ قال: «الخيل ثلاثة: فرس للرحمن، وفرس للإنسان، وفرس للشيطان، فأما فرس الرحمن فالذي يتربّط في سبيل الله ، فعلفه وبوله وروثه، وذكر ما شاء الله، وأما فرس الشيطان فالذي يقامر عليه، ويراهن عليه، وأما فرس الإنسان فالفرس يرتبطها يلتمس بطنها، فهي ستر من فقر» .
وروى ابن سعد في الطبقات، وابن أبي عاصم في الجهاد عن عريب المليكي رضي الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ قال: «المنفق على الخيل كباسط يده بالصدقة لا يقبضها، وأبوالها وأرواثها عند الله تعالى يوم القيامة كذكي المسك» .
وروى البخاري والنسائي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه عن النبي ﷺ : «من
стр. 3209
احتبسها في سبيل الله إيمانا وتصديقا بوعد الله كان سعيه وروثه حسنات في ميزانه يوم القيامة» .
وروى الواقدي عن زيد بن ثابت رضي الله تعالى عنه: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من حبس فرسا في سبيل الله كان ستره من النار» .
وروى ابن أبي عاصم في الجهاد عن يزيد بن عبد الله عن عريب المليكي عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله ﷺ في الخيل وأبوالها وأرواثها كفّ من مسك الجنة.
وروى ابن أبي عاصم وابن ماجة عن تميم الداري رضي الله تعالى عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من ارتبط فرسا في سبيل الله فعالج علفه بيده كان له بكل حبة حسنة» ، ورواه أحمد [ (١) ] وابن أبي عاصم بلفظ ما من امرئ مسلم ينقي لفرسه شعيرا ثم يعلفه عليه إلا كتب الله تعالى له بكل حبة حسنة.
وروى أبو عبيدة عن معاوية بن حديج قال: مر معاوية بأبي ذر بمصر وهو يمرغ فرسا له، فسلم عليه ووقف، ثم قال: ما هذا الفرس؟ قال: فرس لي لا أراه إلا مستجاب قال: وهل تدعو الخيل فتجاب؟ قال: ليس من ليلة إلا والفرس يدعو فيها ربه فيقول: رب إنك سخّرتني لابن آدم وجعلت رزقي في يده اللهم فاجعلني أحب إليه من أهله، وولده فمنها مستجاب ومنها غير المستجاب، ولا أرى فرسي هذا إلا مستجابا
ورواه النسائي عنه قال: قال رسول الله ﷺ : «ما من فرس عربي إلا يؤذن له عند كل سحر» ، وفي رواية- فجر- بدعوتين: اللهم خوّلتني من خولتني من بني آدم، وجعلتني له، فاجعلني أحب أهله وماله إليه، أو من أحب أهله وماله إليه.
وروى ابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة عن وهب بن منبه قال: بلغني أن الله تعالى لما أراد أن يخلق الفرس قال لريح الجنوب: إني خالق منك خلقا أجعله عزا لأوليائي، ومذلّة لأعدائي، هي لأهل طاعتي، فقبض من الريح قبضة، فخلق منها فرسا، فقال: سميتك فرسا عربيا، الخير معقود بنواصيك والغنائم مجموعة على ظهرك والغنى معك وعطفت عليك صاحبك حيث كنت أرعاك بسعة الرزق على غيرك من الدواب، وجعلتك لها شبها، أو جعلتك تطير بلا جناحين، فأنت للطلب، وأنت للرّهب، وسأجعل عليك رجالا يسبحوني فتسبح بحمدي معهم إذا سبحوا، ويهللوني فتهلل معهم إذا هللوا، ويكبروني فتكبر معهم إذا كبروا، فلما هلل الفرس، قال: باركت عليك أرهب بهيأتك المشركين، أملأ منك آذانهم، وأرعب منك قلوبهم، وأذل أعناقهم، فلما عرض الخلق على آدم وسماهم قال الله: يا آدم اختر من
стр. 3210
خلقي ما أحببت فاختار الخيل فقال الله تعالى: اخترت عزك وعز ولدك باقيا معهم ما بقوا، بركتي عليك وعليهم أولادا أولادا.
وروى محمد بن يعقوب الختلي في كتاب الفروسية أن رجلا أتى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله إني أرجم بالليل فقال له رسول الله ﷺ : «اربط فرسا عتيقا» قال فلم يرجم بعد ذلك.
الثاني: فيما حمده من صفاتها .
وروى الإمام أحمد وأبو داود والنسائي عن أبي وهب الجشمي رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : «عليكم بكل كميت أغرّ محجّل، أو أشقر أغرّ محجل أو أدهم أغرّ محجّل» .
وروى الإمام أحمد برجال ثقات عن أبي وهب الكلاعي رحمه الله تعالى أنه سئل لم فضل الأشقر؟ قال: لأن رسول الله ﷺ بعث سرية فكان أول من جاء بالفتح صاحب الأشقر.
وروى أبو داود والترمذي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا أردت أن تغزو فاشتر فرسا أغر محجلا مطلق اليمين، فإنك تسلم وتغنم» .
وروى الإمام أحمد والترمذي وصححه وابن ماجة والحاكم وصححه عن علي بن رباح عن أبي قتادة رضي الله تعالى عنه سئل رسول الله ﷺ عن الخيل فقال: «أحسنها الأدهم الأقرح الأرثم المحجّل ثلاثا، مطلق اليمين أو كميت على هذا الشبه» ، وفي لفظ عن النبي ﷺ قال: «خير الخيل الأدهم الأقرح الأرثم، ثم الأقرح المحجّل، طلق اليمين، فإن لم يكن أدهم فكميت» [ (١) ] .
وروى محمد بن عمر الأسلمي عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ : «خير الخيل الشّقر والأقارح أغر محجل ثلاثا طلق اليمين» .
وروى سليمان بن بنين النحوي المصري عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال:
كان رسول الله ﷺ بطريق تبوك، وقد قل الماء، فبعث الخيل في كل وجه يطلبون الماء فكان أول من طلع بالماء صاحب فرس أشقر، والثاني صاحب أشقر، وكذلك الثالث،
فقال رسول الله ﷺ : «اللهم بارك في الشّقر» .
وروى الخطّابي وأبو عبيدة، وأبو الحسن بن الضحاك عن عطاء رحمه الله تعالى قال:
قال رسول الله ﷺ : «خير الخيل الحوّ» .
стр. 3211
وروى ابن عرفة من طريق الواقدي عن نافع بن جبير رضي الله تعالى عنه عن رسول الله ﷺ : «اليمن في الخيل في كل أحوى أحمّ» .
وروى أبو عبيدة عن الشعبي مرسلا، وفي لفظ أن رسول الله ﷺ قال: «التمسوا الحوائج على الفرس الكميت الأرثم المحجّل الثلاث، المطلق اليد اليمنى» .
الثالث: فيما كرهه من صفاتها .
وروى مسلم وأبو داود والترمذي وابن ماجة عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال:
كان رسول الله ﷺ يكره الشّكال من الخيل، والشّكال أن يكون الفرس في رجله اليمنى بياض. وفي يده اليسرى، أو في يده اليمنى، وفي رجله اليسرى، قال أبو داود أي مخالف، رواه النسائي وقال: والشّكال من الخيل أن يكون ثلاث قوائم محجلة، وواحدة مطلقة، أو تكون الثلاث مطلقة، وواحدة محجلة، وليس يكون الشّكال إلا في الرجل، ولا يكون في اليد [ (١) ] .
وروى الإمام أحمد بسند جيد قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إياكم والخيل المنفّلة، فإنها إن تلق العدو تفر، وإن تغنم تغلل» [ (٢) ] .
وروى الحافظ أبو الحسن الهيثمي، وكأنه ﷺ أراد بالخيل أصحاب الخيل، والله تعالى أعلم.
الرابع: في آداب متفرقة .
روى أبو داود عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ كان يسمي الأنثى من الخيل فرسا [ (٣) ] .
روى الإمام أحمد والنسائي عن علي رضي الله تعالى عنه قال: أهديت لرسول الله ﷺ بغلة فركبها فقال: «لو حملت الحمير على الخيل لكانت لنا مثل هذه» ، فقال رسول الله ﷺ :
«إنما يفعل ذلك الذين لا يعلمون» [ (٤) ] .
روى أبو داود في مراسيله عن مكحول قال: قال رسول الله ﷺ : «أكرموا الخيل وجلّلوها» [ (٥) ] .
стр. 3212
وروى الحسن بن عرفة عن مجاهد قال: أبصر رسول الله ﷺ من ضرب وجه فرسه ولعنه، فقال: «هذه متع معك لتمسّنّك النار إلا أن تقاتل عليه في سبيل الله» ، فجعل الرجل يقاتل عليه، ويحمل عليه إلى أن كبر وضعف.
وروى الإمام أحمد عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أن رسول الله ﷺ نهى عن خصاء الخيل والبهائم [ (١) ] .
وروى أبو علي بن شاذان عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: نهى رسول الله ﷺ عن خصاء الخيل.
وروى البزار برجال الصحيح عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن رسول الله ﷺ :
نهى عن صبر الروح وعن خصاء البهائم، نهيا شديدا [ (٢) ] .
وروى أبو عبدة عن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: نهى رسول الله ﷺ عن خصاء الخيل، والإبل، والغنم [ (٣) ] .
وروى الإمام أحمد والطبراني برجال ثقات عن دحية رضي الله تعالى عنه قال: قلت لرسول الله ﷺ : ألا أحمل لك حمارا على فرس؟ قال: «إنما يفعل ذلك الذين لا يعلمون» .
وروى الطبراني بسند ضعيف عن أسامة، وابن منده عن جابر بن سمرة رضي الله تعالى عنهما قال صلى رسول الله ﷺ على أبي الدّحداح فلما رجع من الجنازة أتى بفرس، وفي لفظ، حصان معرور، وفي لفظ عري، فعقله رجل، فركبه رسول الله ﷺ فجعل يتوقّص، فأقبل نتابعه، وفي رواية ونحو نتبعه، نسعى خلفه.
وروى الشيخان والنسائي في اليوم والليلة عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: كان رسول الله ﷺ أشجع الناس قلبا، يخرج وقد فزع أهل المدينة، فركب فرسا لأبي طلحة عريا ثم رجع، وهو يقول: «لم تراعوا لم تراعوا» ثم قال «إني وجدته بحرا» .
تنبيهات
الأول: قال أبو الفرج بن الجوزي: في هذا- أي في حديث النهي عن تقليدها بالأوتار- ثلاثة أقوال:
أحدها: لا تقلدوها بالأوتار فتختنق.
стр. 3213
الثاني: أنهم كانوا يقلدونها بالأوتار لئلا تصيبها العين، فأعلمهم إن ذلك لا يرد القدر.
الثالث: لا تطلبوا عليها الذحول التي وترتم بها في الجاهلية.
الثاني: قال بعض العلماء: وإن كان الخير في نواصيها فيبعد أن يكون فيها شؤم، فأما
ما أخرجه مالك وعبد الرزاق في جامعه، والشيخان والنسائي عن ابن عمر، وأبو داود عن سعد ابن أبي وقاص، والشيخان عن سهل بن سعد، ومسلم والنسائي عن جابر رضي الله تعالى عنهم، أن رسول الله ﷺ قال: «الشؤم في ثلاثة: في الفرس والمرأة والدار، وإن كان الشؤم في شيء ففي الدار، والمرأة، والفرس» ، فحمله على ظاهره، قال: «سمعت من يقر هذا الحديث يقول: شؤم المرأة إذا كانت غير ولود، وشؤم الفرس إذا كان يغز عليها، وشؤم الدار جار السوء» ،
وكذلك حمله مالك منه، قال ابن القاسم: سئل مالك عن الشؤم في الفرس والدار، قال: كم دار سكنها ناس فهلكوا ثم سكنها آخرون فهلكوا.
الثالث: في بيان غريب ما سبق:
السياسة: بسين مهملة مكسورة، فتحتية، فألف، فسين مهملة، فتاء تأنيث: القيام على الشيء بما يصلحه.
الكميت: بضم الكاف، وفتح الميم: الفرس الذي ليس بأشقر، ولا أدهم، بل يخالط حمرته سواد.
الأغر: بهمزة، فغين معجمة، فراء: الأبيض من كل شيء.
المحجل: بميم مضمومة، فحاء مهملة، فجيم مفتوحتين، فلام: وهو بياض يسير دون الغرة.
الأدهم: بهمزة مفتوحة، فدال مهملة ساكنة، فهاء، فميم: الأسود.
الأشقر: بمعجمة، فقاف، من الدواب الأحمر حمرة يحمرّ منها السبيب والعرف والناصية.
الأقرح الحوّ: بالواو سواد ليس بالشديد والنّعت منه أحوى، وهو الكميت الذي يعلوه سواد.
الأحم بالحاء المهملة: أقل سوادا من الحوّ.
والأحوى الأحم: المشاكل للدهمة والخضرة.
الشّية: بمعجمة، فتحتية، كل لون يخالط لون الفرس.
стр. 3214
الباب الثاني في رهانه عليها ﷺ ومسابقته بها
روى الإمام أحمد برجال ثقات عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أن رسول الله ﷺ سابق بين الخيل وراهن [ (١) ] .
وروى أبو داود والدارقطني قال: سابق نبي الله ﷺ بين القرّح، وفضل القرّح في الغابة.
وروى الإمام أحمد وأبو داود والدّارقطني عنه أن رسول الله ﷺ كان يضمّر الخيل، زاد الأخير أن يسابق بها [ (٢) ] .
وروى الطبراني برجال الصحيح والختلي في كتاب الفروسية عنه أن النبي ﷺ سابق بين الخيل، وجعل بينها سبقا، وجعل فيها محلّا، وقال: «لا سبق إلا في حافر أو نصل» .
وروى الإمام مالك، وأبو داود والترمذي والنّسائي والإمام أحمد عنه قال: أجرى رسول الله ﷺ ما ضمّر من الخيل من الحفياء إلى ثنية الوداع، وأجرى ما لم يضمّر من الثنية إلى مسجد بني زريق، قال ابن عمر: وكنت فيمن أجرى قال سفيان: من الحفياء إلى الثّنيّة خمسة أميال، وفي رواية ستة أو سبعة، ومن الثنية إلى مسجد بني زريق ميل أو نحوه، وعند الإمام أحمد، قال عبد الله: وكنت فارسا يومئذ فسبقت الناس فطفّف، وفي لفظ: فطفر بي الفرس مسجد بني زريق، وفي لفظ: اقتحم بي جرفا فصرعني، وفي لفظ: وثب بي المسجد، وكان جداره قصيرا.
وروى أبو عبيدة عنه أن رسول الله ﷺ سبّق بين الخيل وأعطى السّبق وأمر بها أن تضمّر، وجعل غايته الرّبع والخداع من القائمة، وأجرى التخرج من الحفياء وجعل الغاية المعلّى.
وروى الإمام أحمد برجال ثقات، والدارقطني، والطبراني عن أنس رضي الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ راهن على فرس يقال لها سبحة فجاءت سابقة، فهش لذلك وأعجبه.
وروى الطبراني عن جابر رضي الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ ضمّر الخيل، وسابق بينها.
стр. 3215
وروى البزار عن بريدة رضي الله تعالى عنه قال: ضمّر رسول الله ﷺ الخيل، ووقت لإضمارها وقتا، وقال: «يوم كذا وكذا، وموضع كذا وكذا» ، وأرسل الخيل التي ليست مضمّرة من دون ذلك.
وروى الإمام أحمد، والطبراني- برجال ثقات- عن أبي لبيبة رضي الله تعالى عنه قال:
راهن رسول الله ﷺ على فرس يقال لها سبحة، فسبق الناس، فهش لذلك، وأعجبه.
وروى الطبراني عن عروة بن مضرّس، رضي الله تعالى عنه أنه كان يسوق فرسه بين يدي رسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ : «تبارك الذي كفت حوافرهن، وسوافلهن» .
وروى الطبراني عن أبي عن حثمة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ ركب فرسا فجرى به، فرجع إلينا فقال: «وجدناه بحرا» .
وروى أيضا عن عبد الله بن معقل رضي الله تعالى عنه قال: بينا نحن جلوس بالمدينة إذ خرج علينا رسول الله ﷺ على فرس له، فانطلق حتى خفي علينا، ثم أقبل وهي تعدو- الحديث.
وروى الحافظ أبو القاسم تمام بن محمد بن عبد الله الرازي في فوائده عن واثلة بن الأسقع رضي الله تعالى عنه قال: أجرى رسول الله ﷺ فرسه الأدهم في خيول المسلمين في المحصّب بمكة، فجاء فرسه سابقا، فجثا على ركبتيه حتى إذا سرّ به، قال: «إنه لبحر»
فقال ابن الخطاب في قوله: ولو كان صابرا أحد عن الخيل لكان رسول الله ﷺ أولى الناس بذلك حيث يقول:
وإنّ جياد الخيل لا تستفزّني ... ولا جاعلات العاج فوق المعاصم
تنبيهان
الأول: قال ابن عابدين: سابق ﷺ بين الخيل على حلل أثنية من اليمن، فأعطى السابق ثلاث حلل، والمصلّي حلّتين، والثالث حلّة، والرابع دينارا والخامس درهما، والسادس قطعة،
وقال: «بارك الله فيك، وفي كلكم» .
وروى أبو الحسن أحمد بن يحيى بن جابر البلاذري عن ابن سعد عن أبيه عن جده قال: أجرى رسول الله ﷺ الخيل، فسبقت على فرس رسول الله ﷺ الظّرب، فكساني بردا يمانيا، قال: «وقد أدركت بعضه عندنا» .
وروى أيضا من هذا الطريق عن الزبير بن المنذر أن أبا أسيد السّاعدي سبق على فرس رسول الله ﷺ لزاز فأعطاه حلّة يمانية.
стр. 3216
وروى الختلي عن أبي علقمة- مولى بني هاشم- أن رسول الله ﷺ أمر بإجراء الخيل، وسبقها ثلاثة أعذق، من ثلاث نخلات، أعطى السابق عذقا، وأعطى المصلّي عذقا، ثم أعطى الثالث عذقا، قال: «وذلك رطب» .
وروى أيضا عن مكحول أن رسول الله ﷺ أجرى الخيل يوما، فجاء فرس له أدهم سابقا، وأشرف على الناس،
فقالوا: الأدهم الأدهم مرتين، قبض رسول الله ﷺ على ركبته، ومر به وقد انتشر ذنبه، وكان معقودا فقال رسول الله ﷺ : «إنه لبحر» .
الثاني: في بيان غريب ما سبق:
القرّح: بضم القاف، وفتح الراء المشددة، وبالحاء المهملة: يقال قرح الحافر قروحا إذا انتهت أسنانه، وإنما تنتهي في خمس سنين، لأنه في السنة الأولى حولي ثم جذع ثم ثنى ثم رباع ثم قارح، يقال أجذع المهر وأثنى وقرّح وأربع هذا بغير ألف، والفرس قارح، والجمع قرّح.
راهن: يقال: راهنت فلانا على كذا مراهنة: خاطرته، وأرهنته به ولديّ إرهانا: أخطرته به خطرا.
السّبق: بسين مفتوحة مهملة فموحدة مفتوحة: وهو الجعل الذي يقع عليه السباق.
والسّبق بإسكان الموحدة: مصدر سبقه قال الخطابي: والرواية الصحيحة بفتح الموحدة، يريد أن العطاء والجعل لا يستحق إلا في سباق هذا الأشياء.
وحكى ابن دريد في الجمهرة لغتين في السبق بمعنى الجعل، فتح الباء، وإسكانها.
والخف: كناية عن الإبل والحافر كناية عن الخيل والنصل: كناية عن السهم، وذلك على حذف مضاف أي ذو خف، وذو حافر، وذو نصل.
والخطر بتحريك الطاء: السّبق الذي يتراهن عليه.
الحفياء: يمد ويقصر موضع بالمدينة.
اقتحم: بهمزة، فقاف ساكنة، فمثناة فوقية، فحاء مهملة.
الجرف: بجيم فراء مضمومتين: ما يجرفه السيل من الأودية.
стр. 3217
الباب الثالث في عدد خيله ﷺ
وفيه نوعان الأول المتفق عليه:
الأول: السكب بفتح السين المهملة وسكون الكاف وبالموحدة.
روى ابن سعد عن محمد بن يحيى بن سهل عن أبي حثمة- بحاء مهملة، فثاء مثلثة ساكنة، فميم فتاء تأنيث عن أبيه قال: أول فرس ملكه رسول الله ﷺ فرس ابتاعه بالمدينة من رجل من بني فزارة بعشر أواق، وكان اسمه عند الأعرابي: الضّرس، فسماه النبي ﷺ السّكب، فكان أول ما غزا عليه أحدا، ليس مع المسلمين فرس غيره، وفرس لأبي بردة بن نيار يقال له: ملاوح، وروى أيضا عن يزيد بن حبيب قال: كان لرسول الله ﷺ فرس يدعى السّكب.
وروى أيضا عن علقمة بن أبي علقمة قال: بلغني أن اسم فرس رسول الله ﷺ السّكب، وكان أغّر محجّلا طلق اليمين، قال محمد بن حبيب البغدادي في كتابه في أخبار قريش: كان السّكب أغرّ محجّلا، مطلق اليمين، وذكر هو وابن عبدوس أنه كان كميتا قال:
وكان هو الذي يتمطّى عليه ويركب، وقال الإمام عز الدين علي بن محمد الأثير: كان أدهم، ويؤيده ما رواه الطبراني عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: كان لرسول الله ﷺ فرس أدهم يسمى السّكب، قال أبو منصور عبد الملك بن محمد الثّعالبي: إذا كان الفرس خفيف الجري سريعه فهو فيض، وسكب، شبّه بفيض الماء وإسكابه، وبه سمي أحد أفراس رسول الله ﷺ .
الثاني: سبحة: بفتح السين المهملة، وسكون الموحدة، وبالحاء.
روى ابن سعد عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال: راهن رسول الله ﷺ على فرس يقال له السّبحة، فجاءت سابقة، فهش لذلك، وأعجبه.
قال ابن بنين: هي فرس شقراء ابتاعها من أعرابي من جهينة بعشر من الإبل، وسابق عليها يوم خميس، ورد الخيل بيده، ثم خلى عنها، وسبح عليها، فأقبلت الشقراء- حتى أخذ صاحبها العلم- وهي تغبّر في وجوه الخيل، فسميت سبحة قال: غيره سبحة من قولهم فرس سابح إذا كان حسن مد اليدين في الجري، وسبح الفرس جريه قال: سبحة من سبح إذا علا علوا في اتساع، ومنه سبحان الله، وسبحان الله عظمته وعلوه، لأن الناظر المفكر في سبحاته يسبح في بحر لا ساحل له.
стр. 3218
الثالث: المرتجز:
روى ابن سعد، والطبراني عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: كان لرسول الله ﷺ فرس يقال له: المرتجز.
وروى أبو الحسن الخلعي عن علي رضي الله تعالى عنه قال: كان فرس رسول الله ﷺ يقال له الرتجز.
وروى ثابت بن قاسم في دلائله عن عبد بن حميد قال: كان اسم فرس رسول الله ﷺ المرتجز.
وروى ابن سعد عن محمد بن يحيى بن سهل عن أبي حثمة قال: المرتجز هو الذي اشتراه رسول الله ﷺ من الأعرابي هو الذي شهد له فيه خزيمة بن ثابت، وكان الأعرابي من بني مرّة، رواه أبو بكر بن أبي حثمة عن يزيد بن أبي جبير، وذكر العلماء أن الأعرابي اسمه سواء بن الحارث أو المحارب بن خصفة- بخاء معجمة، فصاد مهملة، ففاء مفتوحات، من قيس عيلان، ومرّة هو ابن عوف بن سعد بن ذبيان- بضم الذال المعجمة وكسرها-، قال ابن الأثير: كان أبيض، وقال بعض العلماء إنما سمي المرتجز لحسن صهيله، وهو مأخوذ من الرّجز الذي هو ضرب من الشّعر يقال: رجز الرّاجز وارتجز. وقيل: شبه بارتجاز الرعد.
الرابع: لزاز.
روى أبو سعيد بن الأعرابي عن ربىّ بن عباس بن سهل بن حنيف عن أخيه مصدّق بن عباس عن أبيه هكذا قال: إنه كان للنبي ﷺ فرس يقال له الظّرب وآخر يقال له: اللّزاز وسيأتي، وفي اللّحيف أن المقوقس أهداه لرسول الله ﷺ قال ابن بنين: وكان رسول الله ﷺ به معجبا لشدة دموجه، وكان عليه في كثير من غزواته، وذكر أيضا أنه كان عليه يوم بدر، وهو غير منجد لأن غزاة بدر كانت في السنة الثانية، وبعثه ﷺ للمقوقس، وغيره من الملوك كان حين رجوعه من الحديبية من ذي الحليفة سنة ست وحينئذ بعث إليه المقوقس ممّا بعث اللّزاز بكسر اللام، وبزاءين، بينهما ألف: من قولهم لأززته أي لاصقته، كأنه يلتزق بالمطلوب لسرعته، وقيل لاجتماع خلقه، واللّزاز المجتمع والخلق الشديد الأسر، قال السهيلي: معناه لا يسابق شيئا إلا لزّه أي أثبته.
الخامس: الظّرب بكسر الظاء المعجمة، وسكون الراء، وبالباء: وهو الكريم من الخيل، يقال فرس ظرب وخيل ظروب قاله الأصمعي، وقال أبو زيد: هو نعت للذكر خاصة، والظّرب أيضا: الكريم من الفتيان ويقال: الظّرب أيضا بظاء معجمة مفتوحة مشددة، فراء مكسورة، فموحدة واحد الظراب، وهي الروابي الصغار سمي به لكبره وسمنه، وقيل: لقوته وصلابة
стр. 3219
حافره، وسيأتي في اللّحيف أن مهديه فروة بن عمرو الجذامي.
السادس: اللّحيف بفتح اللام المشددة المفتوحة، وكسر الحاء المهملة، وسكون التحتية وبالفاء، فعيل بمعنى فاعل، كان يلحف الأرض بذنبه لطوله أي يغطيها، ويقال بالخاء المعجمة، حكاه البخاري في الصحيح، ويقال فيه اللّحيف بضم اللام، وفتح الحاء، وروي بالنون بدل اللام من النحافة.
روى البخاري عن ابن عباس بن سهل بن سعد بن مالك عن أبيه عن جده قال: كان للنبي ﷺ في حائطنا فرس يقال له: اللّحيف.
وروى الطبراني عن سهل بن سعد رضي الله تعالى عنهما قال: كان لرسول الله ﷺ عند أبي ثلاثة أفراس: لزاز والظّرب واللّحيف، فأما لزاز فأهداه له المقوقس، وأما اللّحيف فأهداه له ربيعة بن أبي البراء، فأثابه عليه فرائض من نعم بني كلاب، وأما الظّرب فأهداه له فروة ابن عمرو الجذامي.
وروى ابن منده من طريق عبد المهيمن بن عباس بن سهل عن أبيه عن جده قال: كان لرسول الله ﷺ ثلاثة أفراس يعلفهن عن سهل بن سعد، فسمعت رسول الله ﷺ يسميهن اللّزاز والظّرب واللّحيف قال ابن بنين والظّرب أهداه له فروة بن عمرو، من أرض البلقاء، ثم حكى أن ابن أبي براء أهداه له.
السابع: الورد بفتح الواو، وسكون الراء، وبالدال المهملة: وهو بين الكميت الأحمر والأشقر.
روى ابن سعد عن ابن عباس بن سهل عن أبيه عن جده أن تميما الدّاري أهدى لرسول الله ﷺ فرسا يقال له الورد، فأعطاه عمر، فحمل عليه عمر في سبيل الله فوجده يباع برخص.
النوع الثاني: في المختلف فيه:
الأول: النّجيب كالكريم لفظا ومعنى.
الثاني: البحر عدّه ابن بنين في خيل النبي ﷺ وقال: اشتراه من شعراء قدموا من اليمن، فسبق عليه مرات فجثا رسول الله ﷺ على ركبتيه، ومسح وجهه، وقال: ما أنت إلا بحر، قال ابن الأثير: كان كميتا وقال الحافظ أبو محمد الدّمياطي: والظاهر أنه الأدهم، قال الثعالبي: إذا كان الفرس لا ينقطع ماؤه يسمى بحرا وأرمل من تكلم بذلك النبي ﷺ في وصف فرس ركبه.
стр. 3220
الثالث: ذو اللّمة بكسر اللام وفتح الميم المشددتين، وذكره ابن حبيب في خيله ﷺ واللّمّة: بين الوفرة والجمّة، فإذا وصل شعر الرأس إلى شحمة الأذن فهو وفرة، فإن زادت حتى ألمت بالمنكبين فهي لمّة، فإذا زادت: فهي حمّة.
الرابع: ذو العقّال بضم العين المهملة، وتشديد القاف، وتحقّق، ذكره بعض العلماء في خيله ﷺ والعقّال: طلع يوجد في قوائم الدابة.
الخامس: السّجل بكسر السين المهملة، وسكون الجيم، قال أبو محمد الدّمياطي:
كذلك ألفيته مضبوطا، فإن كان محفوظا غير مصحف فلعله مأخوذ من قولك سجلت الماء فانسجل أي صببته فانصب وأسجلت الحوض ملأته.
السادس: الشّحّاء بالشين المعجمة والحاء المهملة المشددة المفتوحتين عده ابن الأثير في خيله ﷺ ، مأخوذ من قولهم فرس بعيد الشّحوة أي بعيد الخطوة، وجاءت الخيل شواحي فاتحات أفواهها، وشحا فاه يشحو شحوا إذا انفتح، يتعدى ولا يتعدى، قال أبو محمد الدّمياطي: وأخاف أن يكون السّجل مصحفا من الشّحّاء.
السابع: السّرحان عده ابن بنين نقلا عن ابن خالويه في خيله ﷺ والسّرحان الذئب وهذيل تسمى الأسد سرحانا.
الثامن: المرتجل: بضم الميم، وسكون الراء وفتح الفوقية، وكسر الجيم، وباللام، ذكره ابن بنين نقلا عن ابن خالويه يقال: ارتجل الفرس ارتجالا إذا خلط العنق بشيء من الهملجة، فراوح بين شيء من هذا، وشيء من هذا، والعنق: بفتح العين، والنون: يباعد بين خطاه، ويتوسع في جريه، والهملجة: أن يقارب بين خطاه من الإسراع.
التاسع: الأدهم ذكره ابن بنين نقلا عن ابن خالويه.
العاشر: اليعسوب ذكره قاسم بن ثابت، وابن خالويه في خيله ﷺ واليعسوب: طائر أطول من الجرادة، ولا يضم جناحيه إذا وقع، تشبه به الخيل في الضّمر.
الحادي عشر: اليعبوب واليعبوب الفرس الجواد، وجدول يعبوب: شديد الجري، قال يعقوب هو البعيد العدو في الجري، قال النّخعي هو الطويل أيضا.
الثاني عشر: الأبلق حمل عليه بعض أصحابه، والبلق سواد في بياض.
الثالث عشر: الكميت.
الرابع عشر: النّجيب ككريم لفظا ومعنى.
الخامس عشر: ملاوح والضّامر الذي يسمن، والسريع العدو، والعظيم الألواح، وهذا
стр. 3221
هو الملواح أيضا،
روى أبو داود عن الهذلي والنّسائي عن الزّهري أن رسول الله ﷺ ابتاع فرسا من أعرابي فاستتبعه النبي ﷺ ليقضيه ثمن فرسه فأسرع النبي ﷺ في المشي، وأبطأ الأعرابي، فطفق رجال يساومون بالفرس، ولم يشعروا أن النبي ﷺ ابتاعه حتى زاد بعضهم الأعرابي في السوم على ثمن الفرس الذي ابتاعه به النبي فنادى الأعرابي النبي ﷺ أن كنت مبتاعا هذه الفرس فابتعه، وإلا بعته، فقال النبي ﷺ : «بل قد ابتعته» ، فطفق الناس يلوذون بالنبي ﷺ وبالأعرابي وهما يتراجعان فجاء خزيمة بن ثابت فسمع مراجعة النبي ﷺ ومراجعة الأعرابي فطفق الأعرابي يقول: هلمّ شهيدا يشهد أني قد بعتك، فقال خزيمة: أنا أشهد، فقال النبي ﷺ لخزيمة: «بم تشهد؟» فقال: بتصديقك يا رسول الله، وفي رواية، فقال النبي ﷺ :
«أحضرتنا يا خزيمة؟» فقال: لا، فقال: «كيف شهدت بذلك؟» قال بأبي أنت وأمي أصدّقك على أخبار السماء، وما يكون في ابتياعك هذا الفرس؟ فقال ﷺ : «إنك لذو الشهادتين يا خزيمة» [ (١) ] .
السادس عشر: الطّرف بكسر الطاء المهملة، وتقدم في الظرب.
السابع عشر: الضّرس: بفتح الضاد المعجمة المشددة: الصّعب، السيء الخلق، روى ابن سعد أنه أول فرس ملكه رسول الله ﷺ ، وتقدم بتمامه أول الباب.
الثامن عشر: مندوب، روى الشيخان عن حماد بن زيد، والنسائي عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنهما.
التاسع عشر: المرواح بكسر الميم، من أبنية المبالغة، مثل الملقام والمقدام، وهو مشتق من الريح، وأصلها الواو، وإنما جاءت الياء لانكسار ما قبلها، فيحتمل أنه سمي بذلك لسرعته كالريح، أو لتوسعه في الجري كالرّوح، وهو السعة أو لأنه يستراح به من الراحة، أو قولهم راح الفرس يراح راحة: إذا تحصّن، أي صار فحلا.
وروى ابن سعد عن زيد بن طلحة أن وفد الرّهاويين أهدوا لرسول الله ﷺ هدايا منها فرس يقال لها: المرواح فسر به فشور بين يديه، فأعجبه وذكر ابن الكلبي في الجمهرة أن مرداس بن مؤيلك بن واقد رضي الله تعالى عنه وفد إلى رسول الله ﷺ وأهدى له فرسا.
وروى الطبراني في الصّغير أن عياض بن حمار المجاشعي أهدى لرسول الله ﷺ فرسا قبل أن يسلم، فقال: «إني أكره زبد المشركين وقال إن المهدي له نجيبة وكان صديقا له، إذا قدم عليه مكة لا يطوف إلا في ثيابه» ، فقال: أسلمت، قال: «إن الله تعالى نهاني عن زبد
стр. 3222
المشركين» ، فأسلم فقبلها منه، وقال يا رسول الله: الرجل من قومي أسفل مني يشتمني، فأنتصر منه، فقال ﵊: «المستبّان شيطانان يتهاتران يتكاذبان» .
وقد نظم الحافظ الكبير أبو الفضل عبد الرحيم بن الحسين العراقي رحمه الله تعالى أسماء ما وقف عليه من أسماء خيله ﷺ وصدر بالسبعة المتفق عليها فقال.
خيل النبيّ عدّة لم تختلف ... في السّبع الأولى كلّها مركوب
سكب لزاز ظرب مرتجز ... ورد لحيف سبحة مندوب
أبلق ذو العقّال بحر ضرس ... مرتجل ذو اللّمّة اليعسوب
أدهم سرحان الشّحا مراوح ... سجل نجيب طرف اليعبوب
ملاوح عدّة أربعة تلي ... عشرين لم يحظ بها مكتوب
وقد نظم بعض ذلك الحافظ أو الفتح بن سيد الناس [ (١) ] فقال:
لم يزل في حربة ... ذا ثبات وثبات
ومضاء قصرت عنه ... مواضي المرهفات
كلفا بالطّعن والضّرب ... وحبّ الصّافنات
من لزاز ولحيف ... ومن السّكب المؤات
ومن المرتجز السّابق ... سبق الذّاريات
ومن الورد ومن سبحة ... مثل العاديات
تنبيه: في بيان غريب ما سبق:
السّكب: الخفيف الجري السريعة ويسمى القضّ قال أبو منصور الثّعالبي: شبه بقض الماء وإسكابه، وبه سمّي أحد أفراس رسول الله ﷺ .
فزارة: بفاء فزاي فألف فراء مفتوحات فتاء تأنيث.
يتمطى: بتحتية ففوقية فميم فطاء مفتوحات: يتمدد.
فهش، لذلك يهشّ هشّا إذا ارتاح له، وخف إليه، وكذلك هششت بفلان، بالكسر، أهشّ له هشاشة إذا خففت إليه وارتحت له ورجل هشّ.
شوّر: بضم الشين المعجمة، وكسر الواو المشددة، من قولهم شوّرت الدابة شورا
стр. 3223
عرضتها على البيع، أقبلت بها وأدبرت، والمكان الذي تعرض فيه الدابة مشوّرا.
سبحة: سمي بذلك من قولهم فرس سابح إذا كان حسن مدّ اليدين في الجري.
المرتجز: قال ابن الأثير: كان أبيض وإنما سمي بذلك لحسن صهيله.
اللّزاز: تقدم تفسير ابن بنين، وقال الدّمياطي: اللّزاز من لاززته أي لاصقته، كان يلتزق بالمطلوب لسرعته، وقيل لاجتماع خلقه، ولملزّز المجتمع الخلق الشديد الأسر.
الظّرب: إنما سمي بذلك لكبره وسمنه، وقيل لقوته وصلابة حافره.
стр. 3224
الباب الرابع في بغاله، وحميره ﷺ
وفيه نوعان:
الأول: في بغاله ﷺ وهن سبع:
الأولى: دلدل لم يمت ﷺ عن شيء سواها.
وروى ابن سعد عن الزهري قال: أهدي دلدل لرسول الله ﷺ فروة بن عمرو الجذامي انتهى، كذا في هذه الرواية، والمشهور أن الذي أهداها له المقوقس كما سيأتي.
وروى أيضا عن علقمة بن أبي علقمة قال: بلغني والله أعلم أن اسم بغلة النبي ﷺ الدّلدل، وكانت شهباء، وكانت بينبع حتى ماتت.
وروى أيضا عن موسى بن محمد بن إبراهيم عن أبيه قال: كانت دلدل بغلة النبي ﷺ أول بغلة رئيت في الإسلام، أهداها له المقوقس، بقيت حتى كانت زمن معاوية.
وروى أيضا عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه قال: أهدى لرسول الله ﷺ بغلة شهباء، فهي أول بغلة كانت في الإسلام، فبعثني رسول الله ﷺ إلى زوجته أم سلمة، فأتته بصوف، وليف ثم فتلت أنا ورسول الله ﷺ لها رسنا وعذارا، ثم دخل البيت، فأخرج عباءة مطرّفة فثناها، ثم ربّعها على ظهرها، ثم سمى وركب، وردفني خلفه.
وروى ابن عساكر- من طرق- أنها بقيت حتى قاتل عليها علي بن أبي طالب في خلافته الخوارج، وذكر ابن إسحاق إنها كانت في منزل عبد الله بن جعفر يجشّ، أو يدق لها الشعير، وقال الحافظ عبد الغني بن عبد الواحد القدسي أن رسول الله ﷺ كان يركب دلدل في الأسفار، وعاشت بعده حتى كبرت، رأيت أسنانها، وكان يجش لها الشعير، وماتت بينبع [ (١) ] ، والدّلدل: عظيم القنافذ والدّلدال: الاضطراب وقد تدلدل الشيء: أي تحرك متدليا.
الثانية: فضّة.
روى ابن سعد عن زامل بن عمرو إن فروة بن عمرو الجذامي أهدى لرسول الله ﷺ بغلة يقال لها فضّة، فوهبها لأبي بكر.
وروى عبد بن حميد عن كثير بن العباس رضي الله تعالى عنهما قال: لزمنا
стр. 3225
رسول الله ﷺ فلم نفارق يعني يوم حنين، وهو على بغلة شهباء، وفي لفظ: بيضاء أهداها له فروة بن نعامة الجذامي.
وروى ابن أبي شيبة عن ابن أبي حميد الساعدي رضي الله تعالى عنه أن ملك أيلة أهدى لرسول الله ﷺ بغلة بيضاء، وكساه رسول الله ﷺ بردة وكتب له رسول الله ﷺ .
وروى عمر بن عبد الله الأنصاري في جزئه عن أبي موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه قال: كنا مع رسول الله ﷺ في سفر فأخذ القوم في عقبة، أو ثنية قال: فكان الرجل إذا ما علاها قال: لا إله إلا الله والله أكبر، فقال رسول الله ﷺ : «أيها الناس إنكم لا تدعون أصم، ولا غائبا» ، وهو على بغلة يعرضها، فقال: «يا أبا موسى» ، أو «عبد الله بن قيس، ألا أعلمك كلمة من كنوز الجنة؟» قلت: بلى، قال: «لا حول ولا قوة إلا بالله» [ (١) ] .
الثالثة: بغلة أهداها ابن العلماء وهو بفتح العين المهملة، وإسكان اللام، وبالمد، قاله النووي، والقرطبي، وزاد وهو تأنيث الأعلم، مشقوقة الشفة العليا.
وروى مسلم أول الفضائل والبخاري في كتاب الجزية والموادعة بعد الجهاد عن أبي حميد الساعدي رضي الله تعالى عنه قال: غزونا مع رسول الله ﷺ بتبوك فذكر الحديث، وقال فيه وجاء رسول ابن العلماء صاحب أيلة إلى رسول الله ﷺ بكتاب، وأهدى له بغلة بيضاء، فكتب إليه رسول الله ﷺ ، وأهدى له بردة رواه أبو نعيم في المستخرج، ولفظه وأهدى ملك أيلة إلى رسول الله ﷺ بغلة بيضاء، فكساه برداء، وقال أبو نعيم: بردة، وكتب له ببحرهم، قال علي بن محمد بن الحسين بن عبدوس: كانت طويلة محذوفة، كأنما تقوم على رمال، حسنة السير فأعجبته، ووقعت منه، وهي التي
قال له فيها علي بن أبي طالب حين خرج عليها: كأن هذه البغلة قد أعجبتك يا رسول الله، قال: «نعم» ، قال: «لو شئت لكان لك مثلها» ، قال: وكيف؟ قال: «هذه أمها عربية، وأبوها حمار ولو أنزينا حمارا على فرس لجاءت بمثل هذه» ، فقال: إنما يفعل ذلك الذين لا يعلمون.
وروى ابن سعد عن علي رضي الله تعالى عنه قال: أهديت لرسول الله ﷺ بغلة، فقلنا: يا رسول الله إنا أنزينا الحمر على خيلنا فجاءتنا بمثل هذه، فقال رسول الله ﷺ : «إنما يفعل ذلك الذين لا يعلمون» .
الرابعة: بغلة أهداها له كسرى، فركبها بحبل من شعر، ثم أردف ابن العباس خلفه رواه في تفسير قوله تعالى: وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ من سورة الأنعام، قال