← Сира

Сира · id 1693

سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد

الصالحي الشامي

Полный текст (5 757 стр.). Показаны 3431–3470 · переход к 3436.

стр. 3431

قالت: «ما رأيت رسول الله- ﷺ نائما قبل العشاء ولا لاغيا بعدها إمّا ذاكرا فيغنم وإمّا نائما فيسلم» [ (١) ] . وروى أبو يعلى عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنهما- «أن رسول الله- ﷺ كان يمس رأسه في الصلاة» [ (٢) ] . وروى أبو يعلى والحاكم والبيهقي عن الحسن- رحمه الله تعالى- مرسلاً، أن رسول الله- ﷺ كان يمس رأسه ولحيته في الصلاة [ (٣) ] . وروى أبو يعلى والحاكم والبيهقي، عن عمرو بن حريث- رضي الله تعالى عنه- قال: كان رسول الله- ﷺ ربما مسّ لحيته في الصلاة [ (٤) ] . وروى البزار بسند ضعيف عن ابن عمر- رضي الله تعالى عنهما- كان يمس لحيته في الصلاة من غير عبث فانظر صحته [ (٥) ] . وروى أبو يعلى عن أنس- رضي الله تعالى عنه- «أن نساء النبي- ﷺ كان بينهن شيء فجعل ينهاهن، فاحتبس عن الصلاة فناداه أبو بكر- رضي الله تعالى عنه- يا رسول الله احث في وجوههن التراب، واخرج إلى الصلاة» [ (٦) ] . وروى الطبراني بسند ضعيف، عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنه- قال: كان رسول الله- ﷺ يمسح العرق عن وجهه في الصلاة [ (٧) ] . وروى الطبراني بسند لا بأس به عن أبي هريرة- رضي الله تعالى عنه- «أن رسول الله- ﷺ تكلم في الصلاة ناسيا، فبنى على ما صلى» [ (٨) ] . وروى الإمام أحمد وأبو داود عن أنس- رضي الله تعالى عنه- «أن رسول الله- ﷺ كان يشير في الصلاة» [ (٩) ] .

стр. 3432

وروى مسلم عن جابر بن عبد الله- رضي الله تعالى عنهما- قال: بعثني رسول الله- ﷺ لحاجة له، ثم أدركته وهو يصلي، فسلمت عليه، فأشار إليّ، فلما فرغ، دعاني، فقال: «إنك سلمت عليّ آنفا وأنا أصلي» ، وهو موجّة حينئذ قبل المشرق [ (١) ] . وروى الإمام أحمد والنسائي عن صهيب- ﵁ قال: مررت برسول الله- ﷺ وهو يصلي، فسلمت عليه فرد علي إشارة بإصبعه [ (٢) ] . وروى البيهقي عن عبد الله بن مسعود- رضي الله تعالى عنه- قال: «لما قدمت من الحبشة أتيت رسول الله- ﷺ وهو يصلي فسلمت عليه فأومأ برأسه» [ (٣) ] . وروى أبو داود عن أم قيس بنت محصن- رضي الله تعالى عنها- «أن رسول الله- ﷺ لما أسنّ وحمل اللحم، اتخذ عمودا في مصلاة يعتمد عليه» [ (٤) ] . وروى الحكيم الترمذي عن جعفر بن كثير بن المطلب قال: «حدثني أبي أن رسول الله- ﷺ كان إذا صلى الفريضة تياسر فصلّى ما بدا له، ويأمر أصحابه أن يتياسروا ولا يتيامنوا» [ (٥) ] . وروى البيهقي عن جابر- رضي الله تعالى عنه- «أن رسول الله- ﷺ عاد مريضا فرآه يصلي على وسادة، فأخذها فرمى بها، فأخذ عودا ليصلي عليه، فأخذه فرمى به، وقال: «صل على الأرض إن استطعت وإلا فأومئ إيماء واجعل سجودك أخفض من ركوعك» [ (٦) ] . وروى البخاري عن عقبة بن الحارث- رضي الله تعالى عنه- قال: صليت مع رسول الله- ﷺ العصر، فلما سلم قام سريعا دخل على بعض نسائه، ثم خرج فرأى ما في وجوه القوم من تعجّبهم لسرعته فقال: «ذكرت وأنا في الصلاة تبرا عندنا، فكرهت أن يمسي أو يبيت عندنا فأمرت بقسمته» [ (٧) ] . وروى الإمام أحمد والنسائي وابن ماجة عن علي بن أبي طالب- رضي الله تعالى عنه- قال: كان لي من رسول الله- ﷺ ساعة آتيه فيها، فإذا أتيته فإن وجدته يصلي تنحنح دخلت عليه، وإن وجدته فارغا أذن لي [ (٨) ] .

стр. 3433

وروى الإمام أحمد وأبو داود والنسائي عن عبد الله بن عمرو- رضي الله تعالى عنهما- أن رسول الله- ﷺ نفخ في صلاة الكسوف [ (١) ] . وروى الإمام أحمد والترمذي وابن ماجة عن كعب بن عجرة- رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله- ﷺ رأى رجلا قد شبّك بين أصابعه في الصلاة، ففرج رسول الله- ﷺ بين أصابعه [ (٢) ] . تنبيهات الأول: وروى الدارقطني عن أبي هريرة [خلافا لما رواه] أنس وجابر وغيرهم- رضي الله تعالى عنهم- قال: قال: رسول الله- ﷺ «من أشار في صلاة إشارة تفهم عنه فليعد الصلاة» [ (٣) ] في سنده أبو غطفان، قال ابن أبي داود مجهول، والصحيح عن النبي- ﷺ أنه كان يشير في الصلاة» . الثاني: في بيان غريب ما سبق. تفل- بمثناة فوقية ففاء فلام مفتوحات. متوشحا- بميم فمثناة فوقية فواو فشين معجمة فحاء مهملة- متقلدا. الخميصة- بخاء معجمة مفتوحة، فميم مكسورة فتحتية فصاد مهملة فتاء تأنيث. الأنبجانيّة- بهمزة مفتوحة فنون ساكنة فموحدة تحتية مكسورة وروي بفتحها كساء من صوف له خمل ولا علم له من أدون الثياب الغليظة منسوب إلى منبج مفسرا بموحدة وابتدلت الميم همزة البلد المعروفة. فرّوج- بفاء مفتوحة فراء مشددة فواو فجيم قباء فيه شق من خلفه. القر- بقاف مضمومة، فراء البردة.

стр. 3434

الباب السابع عشر في سيرته- ﷺ في صلاة الجماعة . وفيه أنواع: الأول: في محافظته- ﷺ على صلاة الجماعة . وروى الطبراني برجال ثقات عن أبي بكرة- رضي الله تعالى عنه- «أن رسول الله- ﷺ أقبل من نواحي المدينة يريد الصلاة، فوجد الناس قد صلوا، فمال إلى منزله فجمع أهله فصلى بهم» [ (١) ] . وروى الإمام أحمد وأبو داود والترمذي بسند حسن عن أبي سعيد الخدري- رضي الله تعالى عنه- قال: «جاء رجل، وقد صلى رسول الله- ﷺ فقال: «أيكم يتّجر على هذا» ، فقام رجل فصلى معه» [ (٢) ] . وروى الدارقطني عن أنس- رضي الله تعالى عنه- أن رجلا جاء- وقد صلى رسول الله- ﷺ فقام يصلي وحده، فقال: «من يتّجر على هذا فيصلي معه» [ (٣) ] . الثاني: في تسويته- ﷺ الصفوف . روى الإمام أحمد وأبو داود والنسائي عن البراء بن عازب- رضي الله تعالى عنه- قال: «كان رسول الله- ﷺ يتخلل الصف من ناحية إلى ناحية يمسح صدورنا ومناكبنا، ويقول: «لا تختلفوا فتختلف قلوبكم، إن الله وملائكته يصلون على الصف الأول» [ (٤) ] . وروى البخاري عن أنس- رضي الله تعالى عنه- قال: أقيمت الصلاة، وأقبل علينا رسول الله- ﷺ بوجهه فقال: «أقيموا صفوفكم وتراصوا» [ (٥) ] . وروى أبو داود عن محمد بن مسلم بن السائب صاحب المقصورة قال: «صليت إلى جانب أنس بن مالك يوما، فقال: هل تدري لم صنع هذا العود؟ قلت: لا والله، قال: إن رسول الله- ﷺ كان إذا قام إلى الصلاة أخذه بيمينه، ثم التفت فقال: «اعتدلوا سووا، صفوفكم» ثم أخذه بيساره ثم قال: «اعتدلوا سووا صفوفكم» [ (٦) ] .

стр. 3435

وروى مسلم عن النعمان بن بشير- رضي الله تعالى عنه- قال: كان رسول الله- ﷺ يسوي صفوفنا حتى كأنما يسوي بها القداح حتى [رأى أنا] قد عقلنا عنه، ثم خرج [فقام حتى كاد يكبر، فرأى رجلا باديا صدره من الصف، فقال: «عباد الله لتسون صفوفكم، أو ليخالف الله بين وجوهكم» ] [ (١) ] . وروى أبو داود عنه، قال: «كان رسول الله- ﷺ يسوي صفوفنا إذا قمنا إلى الصلاة، فإذا استوينا كبر» [ (٢) ] . الثالث: في استخلافه- ﷺ في الإمامة إذا خرج- ﷺ من المدينة . روى الإمام أحمد وأبو داود عن أنس- رضي الله تعالى عنه- قال: «استخلف رسول الله- ﷺ ابن أم مكتوم يؤم الناس» [ (٣) ] . وروى الطبراني عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنهما- قال: «استخلف رسول الله- ﷺ ابن أم مكتوم على المدينة يصلي بالناس» [ (٤) ] . وروى أيضا عن عبد الله بن بحينة- رضي الله تعالى عنه- «أن رسول الله- ﷺ كان إذا سافر استخلف على المدينة ابن أم مكتوم، فكان يؤذن ويقيم فيصلي بهم» [ (٥) ] . الرابع: في تجوّزه في الصلاة إذا سمع بكاء الصغير . روى الإمام أحمد والبخاري وأبو داود والنسائي وابن ماجة، والدارقطني عن أنس- رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله- ﷺ قال: «إني لأدخل في الصلاة وأنا أريد أن أطيلها، فأسمع بكاء الصبي فأتجوّز في صلاتي مما أعلم من شدة وجد أمه، من بكائه» . ولفظ أبي قتادة: «كراهة أن أشق على أمه» [ (٦) ] . وروى الدارقطني، عن ابن سابط مرسلا، «أن رسول الله- ﷺ صلى الصبح فقرأ بستين آية فسمع صوت صبي فركع، ثم قام فقرأ بآيتين، ثم ركع» [ (٧) ] .

стр. 3436

وروى البخاري عن أنس بن مالك- رضي الله تعالى عنه- قال: «ما صليت وراء إمام قط أخف صلاة ولا أتم من صلاة رسول الله- ﷺ وإن كان ليسمع بكاء الصبي فيخفف مخافة أن تفتن أمه» [ (١) ] . وروى الإمام أحمد- برجال الصحيح- عن أبي هريرة- رضي الله تعالى عنه- «أن رسول الله- ﷺ سمع صوت صبي في الصلاة فخفف» [ (٢) ] . وروى البزار برجال ثقات عنه أن رسول الله- ﷺ قال: «إني لأسمع صوت الصبي وأنا في الصلاة فأخفف مخافة أن تفتن أمه» [ (٣) ] . الخامس: في صلاة النساء معه- ﷺ ، في المسجد . روى الطبراني، عن سليمان بن أبي حثمة، عن أمه، وعن أم سليم بنت أبي حكيم- رضي الله تعالى عنهما- قالتا: «أدركنا القواعد من النساء، وهن يصلين مع رسول الله- ﷺ الفرائض» [ (٤) ] . وروى الطبراني عن أبي هريرة- رضي الله تعالى عنه- قال: «كنّ النساء يصلين مع رسول الله- ﷺ الغداة، ثم يخرجن متلفعات بمروطهن» [ (٥) ] . السادس: في مقاربته خطاه- ﷺ إذا قصد الصلاة مع الجماعة . روى الطبراني مرفوعا وموقوفا- ورجال الموقوف رجال الصحيح- عن زيد بن ثابت- رضي الله تعالى عنه- قال: كنت أمشي مع رسول الله- ﷺ ونحن نريد الصلاة، فكان يقارب الخطا، فقال: «أتدري لم أقارب؟» قلت: الله ورسوله أعلم قال: «لا يزال العبد في صلاة ما دام في طلب الصلاة» . وفي رواية: «إنما فعلت ذلك لتكتب خطاي في طلب الصلاة» [ (٦) ] . السابع: في تطويله الركعة الأولى من الظهر . روى الإمام أحمد، وأبو داود، عن عبد الله بن أبي أوفى- ﵁ قال: «كان

стр. 3437

رسول الله- ﷺ يقوم في الركعة الأولى من الظهر حتى لا يسمع وقع قدم» [ (١) ] . الثامن: في انتظاره- ﷺ كثرة الجماعة . روى أبو داود مرسلا عن أبي النضر سالم بن أبي أمية- رحمه الله تعالى- قال: «كان رسول الله- ﷺ حين تقام الصلاة في المسجد إذا رآهم قليلا جلس لم يصل، وإذا رآهم جماعة صلى» [ (٢) ] . التاسع: في تذكره- ﷺ وهو في الصلاة أنه محدث ورجوعه إلى الإمامة . روى الشيخان، وابن ماجة، والدارقطني، عن أبي هريرة- رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله- ﷺ جاء إلى الصلاة، فلما كبر، انصرف، وأومأ إليهم كما أنتم، ثم خرج، ثم جاء ورأسه يقطر فصلى بهم. وفي لفظ «أقيمت الصلاة فسوى الناس صفوفهم» . وفي رواية: حتى إذا قام في مصلاه، انتظرنا أن يكبر انصرف. انتهى. فلما انصرف قال: «إني خرجت إليكم جنبا، فنسيت أن أغتسل، حتى قمت في الصلاة» [ (٣) ] . وروى الدارقطني عن البراء بن عازب- رضي الله تعالى عنهما- قال: «صلى رسول الله- ﷺ بقوم، وليس هو على وضوء، فتمّت للقوم وأعاد هو» [ (٤) ] . وروى الطبراني برجال الصحيح، عن أنس- رضي الله تعالى عنه- «أن رسول الله- ﷺ دخل في صلاته فكبر وكبرنا معه، فأشار إلى القوم كما أنتم فلم نزل قياما حتى أتانا رسول الله- ﷺ قد اغتسل ورأسه يقطر ماء» [ (٥) ] . وروى الإمام أحمد، والطبراني، واللفظ له. عن علي- رضي الله تعالى عنه- قال: صلى بنا رسول الله- ﷺ يوما فانصرف ونحن قيام، ثم جاء ورأسه يقطر ماء فصلى بنا، ثم قال: «إني كنت صليت بكم وأنا جنب، فمن أصابه مثل الذي أصابني، أو وجد في بطنه رزا فليصنع مثل الذي صنعت» .

стр. 3438

وفي لفظ فلينصرف وليغتسل، ثم ليأت فليستقبل صلاته [ (١) ] . وروى الطبراني، عن أبي هريرة- رضي الله تعالى عنه- «أن رسول الله- ﷺ كبر بهم في صلاة الصبح، فأومأ إليهم، ثم انطلق، ورجع ورأسه يقطر فصلّى بهم ثم قال: «إنما أنا بشر [مثلكم] وإني كنت جنبا فنسيت» [ (٢) ] . وروى الإمام أحمد، وأبو داود، عن أبي بكرة- رضي الله تعالى عنه- أن النبي- ﷺ استفتح الصلاة فكبر، ثم أومأ إليهم أن مكانكم، ثم دخل فخرج ورأسه يقطر ماء فلما قضى صلاته قال: «إنما أنا بشر وإني كنت جنبا» [ (٣) ] . العاشر: في صلاته- ﷺ خلف بعض أصحابه- رضي الله تعالى عنهم . روى الإمامان: مالك، وأحمد، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجة، عن المغيرة بن شعبة- رضي الله تعالى عنه- أنه غزا مع رسول الله- ﷺ تبوك، قال: فتبرز- رسول الله- ﷺ الغائط فحملت معه إداوة وذكر الحديث ووضوء النبي- ﷺ فأقبلت معه حين سجد الناس، قد قدموا عبد الرحمن بن عوف، وقد ركع بهم ركعة، فلما أحس بالنبي- ﷺ ذهب يتأخر، فأومأ إليه فصلى بهم [ (٤) ] . الحادي عشر: في إدارته- ﷺ من صلى على يساره- ﷺ . روى الشيخان، عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنهما- قال: صليت مع رسول الله- ﷺ فقمت عن يساره، فأخذ رسول الله- ﷺ برأسي من روائي فجعلني عن يمينه [ (٥) ] . وروى مسلم عن جابر بن عبد الله- رضي الله تعالى عنهما- قال: «صلى رسول الله- ﷺ في بعض أسفاره فجئت فقمت عن يساره، فأخذ بيدي فأدارني حتى أقامني عن يمينه، ثم جاء جابر بن صخر فقام عن يسار رسول الله- ﷺ فأخذ بأيدينا جميعا فأقامنا خلفه» [ (٦) ] .

стр. 3439

وروى الإمام أحمد والطبراني عن جابر بن صخر- رضي الله تعالى عنه- قال: «إن رسول الله- ﷺ وهو بطريق مكة، قال: «اتبعني بالإداوة» فتبعته بماء فتوضأ فأحسن وضوءه، وتوضأت معه، ثم قام يصلي فقمت عن يساره فأخذ بيدي فحولني عن يمينه فصلينا» [ (١) ] . وروى البزار برجال موثقين عن أنس- رضي الله تعالى عنه- قال: «صليت مع رسول الله- ﷺ فأقامني عن يمينه» [ (٢) ] . وروى البزار عن ابن عمر- رضي الله تعالى عنهما- «أنه لقي النبي- ﷺ وهو قائم يصلي في ثوب واحد، فقمت عن شماله، فأدارني حتى جعلني عن يمينه» [ (٣) ] . الثاني عشر: في صفّه الرجال ثم الصّبيان ثم النساء . روى الإمام أحمد، وأبو داود، عن أبي مالك الأشعري- رضي الله تعالى عنه- قال: كان النبي- ﷺ إذا أقام الصلاة صف الرجال، وصف الغلمان خلفهم، والنساء خلفهم [ (٤) ] . الثالث عشر: في صلاته- ﷺ في مكان أعلى من مكان المأمومين ليعلمهم . روى الإمام أحمد، والشيخان، وأبو داود، والنسائي، والبيهقي، عن سهل بن سعد الساعدي- رضي الله تعالى عنه- قال: «رأيت رسول الله- ﷺ أول يوم جلس على المنبر، فقام عليه فكبر، وكبر الناس وراءه، وهو على المنبر» [ (٥) ] . الرابع عشر: في أمره المؤذن إذا كانت ليلة مطيرة- أن يقول بعد الأذان، ألا صلوا في رحالكم . روى الإمام مالك والشافعي، وأحمد والشيخان وأبو داود والنسائي، وابن ماجة عن ابن عمر- رضي الله تعالى عنهما- أن رسول الله- ﷺ كان يأمر المؤذن إذا كانت ليلة باردة أو ذات مطر، أن يقول: ألا صلوا في رحالكم [ (٦) ] .

стр. 3440

الخامس عشر: في اقتدائه- ﷺ بغيره . وفيه نوعان: الأول: في اقتدائه- ﷺ بعبد الرحمن بن عوف . روى الإمام مالك، وأحمد، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجة، عن المغيرة بن شعبة- رضي الله تعالى عنه- أنه غزا مع رسول الله- ﷺ فتبرز النبي- ﷺ الغائط فحملت معه إداوة وذكر الحديث. ووضوء النبي- ﷺ وقال فيه وأقبلت معه حين سجد الناس، فقدموا عبد الرحمن بن عوف وقد ركع بهم ركعة، فلما أحس بالنبي- ﷺ ذهب يتأخر فأومأ إليه يصلي بهم فأدرك رسول الله- ﷺ إحدى الركعتين فصلى مع الناس الركعة الأخيرة، فلما سلم عبد الرحمن، قام رسول الله- ﷺ يتم صلاته، فأفزع ذلك المسلمين، فأكثروا التسبيح، فما قضى رسول الله- ﷺ صلاته، أقبل عليهم، ثم قال: «أحسنتم وأصبتم» يغبطهم أن صلوا الصلاة بوقتها [ (١) ] . وروى ابن سعد بسند صحيح عن المغيرة بن شعبة- رضي الله تعالى عنه- هل أم النبي- ﷺ أحد [من هذه الأمة] غير أبي بكر الصديق؟ قال: نعم، كنّا في سفر فلما كان عند السحر انطلق رسول الله- ﷺ وانطلقنا معه، حتى تبرزنا عن الناس، فنزل عن راحلته ثم انطلق فتغيب عني حتى ما أراه، فمكث طويلا، ثم جاء فصببت عليه فتوضّأ ومسح على خفيه، ثم ركبنا، فأدركنا الناس، وقد أقيمت الصلاة، فتقدمهم عبد الرحمن بن عوف وقد صلى بهم ركعة وهم في الثانية فذهبت أوذنه، فنهاني فصلينا الركعة التي أدركنا وقضينا التي سبقتنا، فقال النبي- ﷺ حين صلى عبد الرحمن بن عوف: «ما قبض نبي قط حتى يصلي خلف رجل صالح من أمته» [ (٢) ] . الثاني: في اقتدائه- ﷺ بأبي بكر الصديق- رضي الله تعالى عنه . روى الإمام أحمد، والترمذي- وقال: حسن صحيح- عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- قالت: «صلى رسول الله- ﷺ خلف أبي بكر الصديق في مرضه الذي مات فيه، قاعدا» [ (٣) ] . وروى الترمذي- وقال: حسن صحيح- والنسائي، عن أنس- رضي الله تعالى عنه-

стр. 3441

قال: «صلى النبي- ﷺ خلف أبي بكر قاعدا في ثوب متوشحا به» [ (١) ] . وروى البيهقي في المعرفة عن أنس- رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله- ﷺ صلى خلف أبي بكر في ثوب واحد برد مخالف بين طرفيه، فلما أراد أن يقوم قال: «ادع لي أسامة بن زيد» فجاء فأسند ظهره إلى نحره فكان آخر صلاة صلاها [ (٢) ] . وروى النسائي عنه أيضاً قال: آخر صلاة صلاها رسول الله- ﷺ مع القوم، صلى في ثوب واحد متوشحا به خلف أبي بكر- رضي الله تعالى عنه [ (٣) ] . وروى ابن حبان في صحيحه، عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- «أن أبا بكر- رضي الله تعالى عنه- صلى بالناس ورسول الله- ﷺ في الصف خلفه» [ (٤) ] . تنبيه: استشكلت هذه الأحاديث بما في الصحيح عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- قالت: لما مرض رسول الله- ﷺ مرضه الذي مات فيه فحضرت الصلاة فأذّن فقال: مروا أبا بكر فليصلّ بالناس، فخرج أبو بكر يصلي فوجد رسول الله- ﷺ من نفسه خفة، فخرج يهادي بين رجلين، كأني أنظر إلى رجليه تخطان الأرض من الوجع، فأراد أبو بكر أن يتأخر فأومأ إليه أن مكانك، ثم أتى إلى أن جلس إلى جنبه، فقيل للأعمش، فكان رسول الله- ﷺ يصلي وأبو بكر يصلي بصلاته، والناس بصلاة أبي بكر فقال: نعم. وعلم عن جابر نحوه، وفيه أن أبا بكر كان مأموما والنبي- ﷺ هو الإمام، وفيه وأبو بكر يسمع الناس تكبيره. والجواب أن هذه الأحاديث المختلفة، قد جمع بينها ابن حبان، والبيهقي، وابن حزم، فقال ابن حبان: نحن نقول بمشيئة الله وتوفيقه، إن هذه الأخبار كلها صحاح، وليس شيء منها معارض الآخر، ولكن النبي- ﷺ صلى في صلاته صلاتين في المسجد جماعة لا صلاة واحدة، وإحداها كان مأموما، وفي الأخرى كان إماما. قال: والدليل على أنها كانت صلاتين لا صلاة واحدة، أن في خبر عبيد الله بن عبد الله عن عائشة: أن النبي- ﷺ خرج بين رجلين، يريد بأحدهما العباس، والآخر عليا.

стр. 3442

وفي خبر مسروق عن عائشة: أن النبي- ﷺ خرج بين رجلين قال: فهذا يدلك على أنها كانت صلاتين، لا صلاة واحدة. وقال البيهقي- رحمه الله تعالى- في «المعرفة» : والذي نعرفه بالاستدلال بسائر الأخبار أن الصلاة التي صلاها رسول الله- ﷺ خلف أبي بكر هي صلاة الصبح يوم الاثنين، وهي آخر صلاة صلاها حتى مضى لسبيله، وهي غير الصلاة التي صلاها أبو بكر خلفه، قال ولا يخالف هذا ما ثبت عن أنس في صلاتهم يوم الاثنين وكشف رسول الله- ﷺ ستر الحجرة ونظره إليهم وهم صفوف في الصلاة، وأمره إيّاهم بإتمامها وإرخائه الستر، فإن ذلك إنما كان في الركعة الأولى، ثم إنه وجد في نفسه خفّة فخرج فأدرك معه الركعة الثانية، وقال: والذي يدلك على ذلك ما ذكره موسى بن عقبة في المغازي وذكره أبو الأسود عن عروة: «أن النبي- ﷺ أقلع عنه الوعك ليلة الاثنين، فغدا إلى صلاة الصبح يتوكأ على الفضل بن عباس وغلام له وقد سجد الناس مع أبي بكر في صلاة الصبح وهو قائم في الأخرى، فتخلص رسول الله- ﷺ حتى قام إلى جنب أبي بكر فاستأخر أبو بكر، فأخذ رسول الله- ﷺ بثوبه فقدمه في مصلاه، فصفّا جميعا، ورسول الله- ﷺ جالس وأبو بكر قائم يقرأ القرآن فلما قضى أبو بكر قراءته قام رسول الله- ﷺ فركع معه الركعة الأخيرة، ثم جلس أبو بكر حين قضى سجوده يتشهد، والناس جلوس، فلما سلّم أتمّ رسول الله- ﷺ الركعة الأخيرة، ثم انصرف إلى جذع من جذوع المسجد، فذكر قصة دعائه أسامة بن زيد، وعهده إليه فيما بعثه فيه، ثم في وفاة رسول الله- ﷺ ثم رواه بإسناده إلى ابن شهاب وعروة» . قال البيهقي: فالصلاة التي صلاها رسول الله- ﷺ وهو مأموم صلاة الظهر، وهي التي خرج فيها رسول الله- ﷺ بين الفضل بن عباس، وغلام له. قال: وفي ذلك جمع بين الأخبار التي وردت في هذا الباب. وقال ابن حزم- رحمه الله تعالى- أيضا إنهما صلاتان متغايرتان بلا شك، إحداهما التي رواها الأسود عن عائشة، وعبد الله عنها وعن ابن عباس صفتها أنه- ﷺ أم الناس والناس خلفه، وأبو بكر عن يمينه في موقف المأموم، يسمع الناس تكبيره. والصلاة الثانية التي رواها مسروق، وعبيد الله عن عائشة، وحميد عن أنس صفتها أنه- ﷺ كان خلف أبي بكر في الصف مع الناس، فارتفع الإشكال جملة، قال: وليست صلاة واحدة في الدهر فيحمل ذلك على التعارض، بل في كل يوم خمس صلوات، ومرضه- ﷺ كان مدة اثني عشر يوما، فيه ستون صلاة أو نحو ذلك انتهى والله تعالى أعلم.

стр. 3443

جماع أبواب سيرته- ﷺ في السجدات التي ليست بركن الباب الأول في سجوده- ﷺ للسهو وفيه أنواع: الأول: في سجوده- ﷺ قبل السلام . روى الأئمة، والشيخان، والترمذي، وابن خزيمة، عن عبد الله بن مالك [ (١) ] ابن بحينة- رضي الله تعالى عنه- «أن رسول الله- ﷺ قام عن اثنين من الظهر لم يجلس بينهما فسبحوا فمضى فقام الناس معه، فلما قضى صلاته، ونظرنا تسليمه كبّر قبل التسليم فسجد سجدتين يكبر في كل سجدة وهو جالس، وسجد الناس معه ثم سلم بعد ذلك» [ (٢) ] . وروى الترمذي- وقال: حسن غريب- عن عمران بن حصين- رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله- ﷺ صلى بهم فسها، فسجد سجدتين ثم تشهد ثم سلم [ (٣) ] . وروى الدارقطني عن المنذر بن عمرو- رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله- ﷺ سجد سجدتين قبل التسليم [ (٤) ] . الثاني: في سجوده- ﷺ بعد السلام . روى الإمام أحمد والنسائي وأبو داود والبيهقي وابن خزيمة في صحيحه عن معاوية بن حديج بضم الحاء المهملة آخره جيم- «أن رسول الله- ﷺ صلى يوما، فانصرف وقد بقي من الصلاة ركعة فرجع فدخل المسجد، فأمر بلال فأقام الصلاة وصلى بالناس ركعة، فأخبرت

стр. 3444

بذلك الناس فقالوا: أتعرف الرجل، فقلت: لا إلا أن أراه، فمر بي فقلت هو هذا، فقالوا: هذا طلحة بن عبيد الله. وعيّن ابن خزيمة الصلاة: المغرب، وقال: وهذه القصة غير قصة ذي اليدين، لأن المعلم للنبي- ﷺ طلحة بن عبيد الله مخبره، وفي تلك القصة ذو اليدين والسهو منه- ﷺ في قصة ذي اليدين إنما كان في الظهر أو العصر، وفي هذه القصة، إنما كان السهو في المغرب لا في الظهر ولا في العصر [ (١) ] . وروى الجماعة والإمام مالك والبزار برجال ثقات، عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة- رضي الله تعالى عنه- قال: «صلى بنا رسول الله- ﷺ إحدى صلاتي العشيّ: الظهر والعصر، وفي رواية قال محمد: وأكبر ظني أنها العصر، وفي رواية جزم بأنها الظهر وفي أخرى بأنها العصر- ركعتين ثم سلم، ثم قام إلى خشبة في مقدم، وفي لفظ في قبلة، ووضع خدّه الأيمن على ظهر كفه اليسرى، يعرف في وجهه الغضب، فخرج سرعان الناس وهم يقولون: قصرت الصلاة، وفي الناس أبو بكر وعمر فهاباه، أن يكلماه، فقال رجل طويل اليدين كان رسول الله- ﷺ يدعوه، وفي لفظ يسميه ذا اليدين، فقال: يا رسول الله أنسيت؟ أم قصرت الصلاة؟ فقال رسول الله- ﷺ : «كل ذلك لم يكن» وفي رواية: كان بعض ذلك، فأقبل رسول الله- ﷺ على القوم، وفي رواية، التفت يمينا وشمالا فقال وفي رواية ثم أقبل على أبي بكر فقال: «أصدق ذو اليدين؟» ، فقال الناس نعم صدق يا رسول الله، لم نصل إلا ركعتين، فرجع رسول الله- ﷺ إلى مقامه، فصلّى الركعتين الباقيتين، ثم سلم ثم كبر ثم سجد مثل سجوده أو أطول ثم رفع رأسه وكبر وسجد مثل سجوده أو أطول، ثم رفع وكبر [ (٢) ] . قيل لابن سيرين: أسلّم في السهو؟ قال: لم أحفظه من أبي هريرة ولكني نبئت عن عمران بن حصين- رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله- ﷺ صلى العصر فسلم من ثلاث ركعات، ثم دخل منزله فقام إليه رجل بسط اليدين يقال له الخرباق- وكان في يديه طول- فقال: يا رسول الله- فذكر به صنيعه، فخرج غضبان يجر رداءه، حتى انتحى الناس، فقال: «أصدق هذا؟» قالوا نعم، فصلى بهم ركعة، ثم سلّم. الثالث: في سجوده- ﷺ للزيادة . روى الأئمة، والشيخان، عن ابن مسعود- رضي الله تعالى عنه- قال: صلى بنا

стр. 3445

رسول الله- ﷺ الظهر خمسا، فلما سلّم قلنا يا رسول الله أزيد في الصلاة؟ فقال: «وما ذاك؟» قالوا صليت خمسا، فقال: فثنى رجله واستقبل وسجد سجدتين، ثم سلّم، وقال: «إنما أنا بشر مثلكم أتذكر كما تذكرون، وأنسى كما تنسون، فإذا نسيت فذكروني، وإذا شك أحدكم في صلاته، فليتحر الصواب فليبني عليه ثم يسجد سجدتين» [ (١) ] . وروى الطبراني عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنهما- «أن رسول الله- ﷺ صلى العصر خمسا فسجد سجدتين للسهو وهو جالس» [ (٢) ] . تنبيه: في بيان غريب ما سبق . سرعان الناس- بسين فعين مهملتين بينهما راء مفتوحات. الخرباق- بكسر الخاء المعجمة، وسكون الراء بعدها موحدة وآخره قاف.

стр. 3446

الباب الثاني في بيان سجداته- ﷺ التلاوة على سبيل الإجمال روى أبو داود، وابن ماجة، والدارقطني، عن عمرو بن العاص- رضي الله تعالى عنه- قال: أقرأني رسول الله- ﷺ خمس عشرة سجدة في القرآن، منها ثلاث في المفصل، وفي سورة الحج سجدتان [ (١) ] . وروى الإمام أحمد والترمذي واستغربه وأبو داود وضعفه عن أبي الدرداء- رضي الله تعالى عنه- أنه سجد مع رسول الله- ﷺ طحدى عشرة سجدة منهن النجم [ (٢) ] ، رواه ابن ماجة بلفظ: سجدت مع رسول الله- ﷺ إحدى عشرة سجدة ليس فيها من المفصل شيء: الأعراف، والرعد، والنحل، وبني إسرائيل، ومريم، والحج، وسجدة الفرقان، وسليمان سورة النمل، والسجدة وفي ص، وسجدة الحواميم [ (٣) ] . وروى الشيخان عن ابن عمر- رضي الله تعالى عنهما- قال: «كان رسول الله- ﷺ يقرأ السورة التي فيها السجدة فيسجد، ونسجد حتى ما يجد أحدنا مكان موضع جبهته» [ (٤) ] . وروى الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، عنه، قال: «كان رسول الله- ﷺ يقرأ علينا القرآن فإذا أمرنا بالسجدة كبر وسجد وسجدنا» [ (٥) ] .

стр. 3447

الباب الثالث في بيان عدد سجداته- ﷺ على سبيل التفصيل روى أبو داود والدارقطني، عن أبي سعيد الخدري- رضي الله تعالى عنه- قال: «قرأ رسول الله- ﷺ سورة (ص) وهو على المنبر، فلما بلغ السجدة نزل فسجد وسجد الناس معه، فلما كان يوم آخر قرأها [فلما بلغ السجدة] فتشزّن الناس للسجود، فقال: رسول الله- ﷺ : «إنما هي توبة نبي ولكني رأيتكم تشزنتم فنزل فسجد وسجدوا» [ (١) ] . وروى الإمام أحمد برجال الصحيح عنه، أنه رأى رؤيا أنه يكتب (ص) فلما بلغ إلى سجدتها رأى الدواة والقلم وكل شيء بحضرته انقلب ساجدا، قال: فقصها على رسول الله- ﷺ فلم يزل يسجد بها بعد [ (٢) ] . وروى أبو يعلى برجال ثقات والدارقطني عن أبي هريرة- رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله- ﷺ سجد في (ص) [ (٣) ] . وروى أبو يعلى والطبراني عن أبي سعيد- رضي الله تعالى عنه- قال: «رأيت فيما يرى النائم كأني تحت شجرة، وكأن الشجرة تقرأ سورة [ص] ، فلما أتت على السجدة سجدت، فقالت في سجودها: اللهم اغفر لي بها ذنبا، اللهم حط عني بها وزرا، وأورث لي بها شكرا وتقبلها مني كما تقبلت من عبدك داود سجدته، فجئت رسول الله- ﷺ فأخبرته، قال: «سجدت أنت يا أبا سعيد؟» قلت: لا، قال: «فإنك أحق بالسجود من الشجرة» ، ثم قرأ رسول الله- ﷺ سورة (ص) ثم أتى على السجدة وقال في سجوده ما قالت الشجرة في سجودها» [ (٤) ] . وروى البخاري عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنهما- قال: (ص) ليس من عزائم السجود، وقد رأيت رسول الله- ﷺ يسجد فيها [ (٥) ] . (النجم) . روى الإمام أحمد والشيخان وأبو داود والنسائي عن ابن مسعود، والبخاري والترمذي

стр. 3448

والدارقطني عن ابن عباس والإمام أحمد والنسائي عن المطلب بن وداعة والإمامان الشافعي وأحمد والدارقطني عن أبي هريرة- رضي الله تعالى عنهم- «أن رسول الله- ﷺ قرأ بمكة سورة النجم وسجد فيها، وسجد من كان معه، ولفظ ابن عباس وأبي هريرة- رضي الله تعالى عنه- وسجد معه المسلمون والمشركون والجن والإنس، زاد أبو هريرة: والشجر، قال ابن مسعود: غير أن شيخا من قريش أخذ كفا من حصى أو تراب فرفعه إلى جبهته فقال: يكفيني هذا، فلقد رأيته بعد قتل كافرا، وهو أميّة بن خلف، وقال المطلب فرفعت رأسي وأبيت أن أسجد، ولم يكن المطلب يومئذ أسلم- وكان بعد ذلك لا يسمع أحدا يقرؤها إلا سجد معه» [ (١) ] . وروى البزار برجال ثقات- غير مسلم بن أبي مسلم الجرمي فيحرر حاله- عن أبي هريرة- رضي الله تعالى عنه- قال: كتبت سورة النجم عند رسول الله- ﷺ فلما بلغ السجدة سجدنا معه وسجدت الدواة والقلم [ (٢) ] . وروى البخاري فيما ذكره أبو مسعود الدمشقي في أطرافه، قال الحميدي لم أجده فيما عندنا من النسخ. عن ابن عمر- رضي الله تعالى عنهما- أن رسول الله- ﷺ قرأ النجم فسجد فيها [ (٣) ] . وروى الإمامان الشافعي وأحمد والشيخان والثلاثة عن زيد بن ثابت- رضي الله تعالى عنه- قال: قرأت على رسول الله- ﷺ النجم فلم يسجد فيها [ (٤) ] . وروى الإمام أحمد عن أبي الدرداء- رضي الله تعالى عنه- أنه سجد مع رسول الله- ﷺ إحدى عشرة سجدة، منهن النّجم [ (٥) ] . إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ. وروى الإمامان مالك والشافعي، وأحمد والشيخان والنسائي عن أبي سلمة- ﵀

стр. 3449

تعالى- قال: رأيت أبا هريرة قرأ إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ فسجد بها، فقلت: يا أبا هريرة ألم أرك تسجد؟ لو لم أر النبي- ﷺ سجد لم أسجد [ (١) ] . وروى الشيخان وأبو داود والنسائي عن أبي رافع الصائغ قال: صليت مع أبي هريرة العتمة فقرأ إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ [فسجد] ، فقلت ما هذا؟ قال: سجدت بها خلف أبي القاسم- ﷺ [ (٢) ] . في إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ، واقْرَأْ. روى مسدد بسند صحيح عن أبي رافع قال: صليت خلف عمر- رضي الله تعالى عنه- العشاء فقرأ إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ فسجد فيها [ (٣) ] . تنبيهات الأول: روى ابن مردويه عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنهما- قال: «كان رسول الله- ﷺ يسجد في النجم بمكة- فلما هاجر إلى المدينة تركها» [ (٤) ] . وروى أبو داود من طريق عنه «أن رسول الله- ﷺ لم يسجد في شيء من المفصل منذ تحول إلى المدينة» [ (٥) ] . وروى الإمامان الشافعي وأحمد والشيخان والثلاثة عن زيد بن ثابت- رضي الله تعالى عنه- قال: «قرأت على رسول الله- ﷺ النجم فلم يسجد فيها» . وروى مسدد برجال ثقات عن عمر- رضي الله تعالى عنه- قال: «ليس في المفصل سجود» [ (٦) ] . الثاني: في بيان غريب ما سبق. التشزّن- بفوقية فشين فزاي معجمتين فنون التهيؤ والتأهب.

стр. 3450

الباب الرابع في سجوده- ﷺ لقراءة غيره- إذا سجد القارئ وسجوده للتلاوة في الصلاة المكتوبة وما كان يقوله في سجود التلاوة روى سعيد بن منصور عن إسماعيل بن عياش عن إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة عن أبي هريرة- رضي الله تعالى عنه- قال: قرأ رجل عند رسول الله- ﷺ فلم يسجد فقال رسول الله- ﷺ «أنت قرأتها ولو سجدت سجدنا معك» . وروى الإمام الشافعي والبيهقي من طريق إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى عن عطاء بن يسار- رحمه الله تعالى- قال: بلغني أن رجلا قرأ بآية من القرآن فيها سجدة، عند رسول الله- ﷺ [فسجد الرجل، وسجد النبي- ﷺ معه، ثم قرأ آخر آية فيها سجدة، وهو عند النبي- ﷺ ] فانتظر الرجل أن يسجد النبي- ﷺ فلم يسجد، فقال الرجل: يا رسول الله قرأت السجدة فلم تسجد، فقال رسول الله- ﷺ : «كنت أمامنا فلو سجدت سجدنا معك» [ (١) ] . وروى الإمام أحمد وأبو داود والترمذي بسند صحيح عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- قالت: «كان رسول الله- ﷺ يقول في سجود القرآن بالليل، يقول في السجدة مرارا: «سجد وجهي للذي خلقه وشق سمعه وبصره بحوله وقوته- زاد البيهقي فتبارك الله أحسن الخالقين» [ (٢) ] . وروى الترمذي والطبراني عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنهما- قال: «جاء رجل إلى رسول الله- ﷺ فقال: يا رسول الله. إني رأيت الليلة وأنا نائم كأني أصلي خلف شجرة فكأني قرأت سجدة، وفي رواية البيهقي فقرأت سورة (ص) فسجدت فسجدت الشجرة لسجودي فسمعتها تقول: اللهم اكتب لي بها عندك أجرا وضع وفي لفظ: احطط عني بها وزرا، واجعلها لي عندك ذخرا، وتقبلها كما تقبلتها من عبدك داود» ، فقال ابن عباس: فقرأ النبي- ﷺ سجدة، ثم سجد، فسمعته يقول مثل ما أخبره الرجل عن الشجرة» [ (٣) ] . وروى الإمام أحمد عن ابن عمر- رضي الله تعالى عنهما- قال: «صليت خلف رسول الله- ﷺ ثلاث مرات فقرأ السجدة في المكتوبة» [ (٤) ] .

стр. 3451

الباب الخامس في سجوده- ﷺ للشكر وصلاته ركعتين لذلك روى الإمام وأبو داود عن أبي بكرة- رضي الله تعالى عنه- «أنه شهد رسول الله- ﷺ أتاه بشير يبشره بظفر جند له على عدوهم، ورأسه في حجر عائشة فقام فخر ساجدا، ثم أنشأ يسأل البشير وأخبره بما أخبره أنه ولّي [أمرهم امرأة، فقال النبي- ﷺ : «الآن هلكت الرجال إذا أطاعت النساء» . ثلاثا [ (١) ]] . ورواه الإمام أحمد وأبو داود، والترمذي وابن ماجة ولفظهما: «أن رسول الله- ﷺ كان إذا أتاه أمر يسر به خر ساجدا شكراً لله تعالى» [ (٢) ] . وروى ابن ماجه عن أنس- رضي الله تعالى عنه- «أن رسول الله- ﷺ بشر بحاجة فخر ساجدا» [ (٣) ] . وروى البيهقي بسند صحيح عن البراء بن عازب- رضي الله تعالى عنهما- أن عليا- رضي الله تعالى عنه- لما وجهه رسول الله- ﷺ إلى اليمن وأسلمت همدان جميعا كتب إلى رسول الله- ﷺ بإسلامهم فلما قرأ رسول الله- ﷺ الكتاب خر ساجدا وقال: «السلام على همدان، السلام على همدان» . مرتين [ (٤) ] . وروى ابن ماجه عن عبد الله بن أبي أوفى- رضي الله تعالى عنه- «أن رسول الله- ﷺ يوم بشر برأس أبي جهل صلّى ركعتين» [ (٥) ] . وروى أبو داود عن سعد بن أبي وقاص قال: خرجنا مع رسول الله- ﷺ [من مكة نريد المدينة، فلما كنا قريبا من عزورا نزل ثم رفع يديه، فدعا الله ساعدة ثم خر ساجدا، فمكث طويلا، ثم قام فرفع يديه، فدعا الله ساعة، ثم خر ساجدا، فمكث طويلا ثم قام فرفع يديه ساعة، ثم خر ساجدا، ذكره أحمد ثلاثا. قال: إني سألت ربي وشفعت لأمتي فأعطاني ثلث أمتي، فخررت ساجدا شكرا لربي، ثم رفعت رأسي فسألت ربي لأمتي فأعطاني ثلث أمتي، فخررت

стр. 3452

ساجدا شكرا لربي، ثم رفعت رأسي فسألت ربي لأمتي، فأعطاني الثلث الآخر، فخررت ساجدا لربي] [ (١) ] . وروى الدارقطني بسند ضعيف عن ابن جعفر رضوان الله عليه وعلى آبائه «أن رسول الله- ﷺ رأى رجلا من النّغاشين فخرّ ساجدا» [ (٢) ] . النغاش- بنون فغين فشين معجمتين بينهما ألف القصير- ورواه ابن أبي شيبة عنه مرسلا بلفظ قال: مر علي رسول الله- ﷺ رجل قصير فسجد سجدة الشكر وقال: «الحمد لله الذي لم يجعلني مثل هذا» [ (٣) ] . وروى الطبراني عن عرفجة- رضي الله تعالى عنه- «أن رسول الله- ﷺ أبصر رجلا زمانة فسجد، ورواه أيضاً من حديث ابن عمر» [ (٤) ] . وروى الطبراني من طريق يوسف بن محمد بن المنكدر عن جابر- رضي الله تعالى عنه- «أن رسول الله- ﷺ كان إذا رأى رجلا متغير الخلق، سجد، وإذا رأى قردا سجد، وإذا قام من مقامه سجد فيه» [ (٥) ] . وروى الإمام أحمد برجال ثقات عن عبد الرحمن بن عوف- رضي الله تعالى عنه- قال: خرج رسول الله- ﷺ فتوجه نحو مشربته فدخل فاستقبل القبلة فخر ساجدا فأطال السجود حتى ظننت أن الله تعالى قد قبض نفسه فيها، فدنوت منه فرفع رأسه فقال: «من هذا؟» قلت: عبد الرحمن، قال: «ما شأنك؟» قلت: يا رسول الله، سجدت سجدة خشيت أن الله تعالى قد قبض نفسك فيها، قال: «إن جبريل- ﷺ أتاني فبشرني فقال: إن الله ﵎ يقول من صلّى عليك صليت عليه ومن سلّم عليك سلمت عليه، فسجدت لله شكرا» [ (٦) ] . وفي هذا المعنى أحاديث تأتي- إن شاء الله تعالى- في أبواب الصلاة عليه- ﷺ ، وزاده الله فضلا وشرفا لديه.

стр. 3453

جماع أبواب سيرته- ﷺ في يوم الجمعة وليلتها الباب الأول في آدابه- ﷺ قبل الصلاة وفيه أنواع: الأول: الغسل: روى عبد الله ابن الإمام أحمد، وابن ماجة، عن ابن عقبة [عن] الفاكه بن سعد الأنصاري- رضي الله تعالى عنه- «أن رسول الله- ﷺ كان يغتسل يوم الجمعة» [ (١) ] . الثاني: أخذه- ﷺ من شاربه وظفره . وروى البزار، والطبراني، من طريق إبراهيم بن قدامة [ (٢) ]- فيحرر حاله- عن أبي هريرة- رضي الله تعالى عنه- «أن رسول الله- ﷺ كان يقلم أظافره، ويقص شاربه، يوم الجمعة قبل أن يخرج إلى الصلاة» [ (٣) ] . وروى البيهقي من مرسل أبي جعفر الباقر قال: كان رسول الله- ﷺ يستحب أن يأخذ من أظافره وشاربه يوم الجمعة [ (٤) ] . في تجمّله- ﷺ - روى ابن عدي، عن علي- رضي الله تعالى عنه- قال كان رسول الله- ﷺ يلبس العمامة يوم الجمعة، وكان إذا ركب المنبر يوم الجمعة استقبل الناس، ويسلم عليهم، وكان يحتمل المخصرة، ويتوكأ على المنبر [ (٥) ] . وروى الإمام أحمد، ومسلم، وابن ماجه، عن عمرو بن حريث- رضي الله تعالى عنه-

стр. 3454

«أن رسول الله- ﷺ خطب الناس وعليه عمامة سوداء» [ (١) ] . وروى النسائي عن عمرو بن أمية- رضي الله تعالى عنه- قال: «كأني أنظر [الساعة] إلى رسول الله- ﷺ على المنبر وعليه عمامة سوداء قد أرخى طرفها بين كتفيه» [ (٢) ] . وروى الحميدي بإسناد صحيح، عن أم الحصين- رضي الله تعالى عنها- قالت: «رأيت رسول الله- ﷺ يخطب وهو متقنّع ببرده وعضلته ترتج» [ (٣) ] . وروى الحارث عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- قالت: «كان لرسول الله- ﷺ ثوبان يلبسهما يوم الجمعة، فإذا انصرف عن الجمعة طواهما ورفعهما» [ (٤) ] . وروى عن ابن عمر وأبي هريرة- رضي الله تعالى عنهم- قال: «ما خرج رسول الله- ﷺ في يوم جمعة قط إلا وهو معتم، وإن لم تكن عمامة وصل الخرق بعضها ببعض واعتمّ بها» [ (٥) ] . الثالث: فيما كان يقرؤه- ﷺ في مغرب ليلة الجمعة وعشائها . وروى ابن حبان، والبيهقي، في سننه، عن جابر بن سمرة- رضي الله تعالى عنه- قال: «كان رسول الله- ﷺ يقرأ في صلاة المغرب ليلة الجمعة قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ وقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، وكان يقرأ في صلاة العشاء الآخرة ليلة الجمعة سورة الجمعة والمنافقين» [ (٦) ] . الرابع: في إطالته صلاته- ﷺ قبل الجمعة وبعدها . وروى أبو داود، عن ابن عمر- رضي الله تعالى عنهما- «أنه كان يطيل الصلاة قبل الجمعة، ويصلي بعدها ركعتين في بيته ويحدّث أن رسول الله- ﷺ كان يفعل ذلك» [ (٧) ] . وروى البيهقي عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنهما- قال: «كان رسول الله- ﷺ يركع قبل الجمعة أربعا لا يفصل في شيء منهن» [ (٨) ] .

стр. 3455

تنبيه: في بيان غريب ما سبق . المنبر- بميم مكسورة، فنون ساكنة، فموحدة، فراء من النّبر. والمخصرة ما يختصره [الإنسان بيده فيمسكه من عصا أو عكازة] . عضلته- بعين مهملة، فضاد معجمة، فلام مفتوحات، فتاء، فهاء، كل لحمة في البدن صلبة مكتنزة، ومنه عضلة الساق.

стр. 3456

الباب الثاني في وقت صلاته- ﷺ الجمعة والنداء إليها روى الإمام أحمد، والبخاري، وأبو داود، والترمذي، عن أنس- رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله- ﷺ كان إذا اشتد البرد بكر بالصلاة وإذا اشتد الحر أبرد بالصلاة يعني الجمعة [ (١) ] . وروى الإمام أحمد، والشيخان، وأبو داود، وابن ماجة، والدارقطني، عن سلمة بن الأكوع- رضي الله تعالى عنه- قال: «كنا نصلي مع رسول الله- ﷺ ثم ننصرف وليس للحيطان فيء نستظل فيه» [ (٢) ] . وفي رواية «ظل نستظل به» . وروى الشيخان، والنسائي عنه، قال: «كنا نجمّع مع رسول الله- ﷺ إذا زالت الشمس ثم نرجع نتبع الفيء» [ (٣) ] . وروى مسلم، والنسائي عن جابر- رضي الله تعالى عنه- قال: «كنا نصلي الجمعة مع رسول الله- ﷺ ثم نرجع فنريح نواضحنا قال عليّ: فقلت: أية ساعة؟ قال زوال الشمس» [ (٤) ] . وروى الحارث عن سعد بن أبي وقاص- رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله- ﷺ «كان يصلي الجمعة حين تميل الشمس» [ (٥) ] . وروى البخاري عن أنس- رضي الله تعالى عنه- «أن رسول الله- ﷺ كان يصلي الجمعة حين تميل الشمس» [ (٦) ] . وروى ابن ماجه عن سعد مؤذن رسول الله- ﷺ «أنه كان يؤذن يوم الجمعة على عهد رسول الله- ﷺ إذا كان الفيء مثل الشّراك» [ (٧) ] .

стр. 3457

وروى الإمام الشافعي، عن المطلب بن حنطب- رضي الله تعالى عنه- «أن رسول الله- ﷺ كان يصلي الجمعة إذا مال الفيء قدر ذراع أو نحوه» [ (١) ] . وروى الإمامان الشافعي وأحمد، والبخاري، عن السائب بن يزيد- رضي الله تعالى عنه- قال: كان النداء يوم الجمعة أوله إذا جلس الإمام على المنبر، على عهد رسول الله- ﷺ . وفي رواية: كان يؤذّن بين يدي رسول الله- ﷺ إذا جلس على المنبر يوم الجمعة، على باب المسجد وأبي بكر وعمر، فلما كان عثمان وكثر الناس زاد النداء الثالث على الزوراء فثبت الأمر على ذلك [ (٢) ] . وروى الإمام أحمد، عن السائب بن يزيد- رضي الله تعالى عنه- قال: لم يكن لرسول الله- ﷺ إلا مؤذن واحد، في الصلوات كلها في الجمعة وغيرها، يؤذن ويقيم، فكان بلال يؤذن إذا جلس رسول الله- ﷺ على المنبر يوم الجمعة، ويقيم إذا نزل [ولأبي بكر وعمر- رضي الله تعالى عنهما- حتى كان عثمان] [ (٣) ] .

стр. 3458

الباب الثالث في موضع خطبته- ﷺ وفيه أنواع: الأول: في خطبته- ﷺ على الأرض مستندا إلى راحلته . وروى النسائي عن أبي سعيد الخدري- رضي الله تعالى عنه- قال: كان رسول الله- ﷺ عام تبوك يخطب الناس، وهو مسند ظهره إلى راحلته [ (١) ] . وروى الإمام أحمد- بسند جيد- عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنهما- «أن رسول الله- ﷺ خطب وظهره إلى الملتزم» [ (٢) ] . الثاني: في خطبته- ﷺ على البغلة وعلى ناقته . قال في «زاد المعاد» خطب- ﷺ على الأرض، وعلى المنبر، وعلى البعير، وعلى ناقته. قلت: وعلى البغلة. وروى الإمام أحمد وأبو داود عن هلال بن عامر المزني [ (٣) ] عن أبيه- رضي الله تعالى عنه- قال: «رأيت رسول الله- ﷺ بمنى يخطب على بغلة، وعليه بردّ أحمر، وعلي- رضي الله تعالى عنه- يعبر عنه» [ (٤) ] . وروى الإمام أحمد، والترمذي- بسند حسن صحيح- والنسائي، والبيهقي عن عمرو بن خارجة [ (٥) ] قال: خطبنا رسول الله- ﷺ بمنى وهو على راحلته، وهي تقصع بجرّتها، ولعابها يسيل بين كتفيه [ (٦) ] . وروى الطبراني عن الهرماس بن زياد- رضي الله تعالى عنه- قال: رأيت رسول الله- ﷺ يخطب على ناقته، فقال: «إياكم والخيانة فإنها بئست البطانة، إياكم

стр. 3459

والظلم فإنه ظلمات يوم القيامة، إياكم والشّح فإنما أهلك من كان قبلكم الشح حتى سفكوا دماءهم وقطعوا أرحامهم» [ (١) ] . الثالث: في اتخاذه- ﷺ المنبر . روى ابن إسحاق والبزار بسند ضعيف عن معاذ بن جبل- رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله- ﷺ قال: «أن أتّخذ المنبر، فقد اتّخذه أبي إبراهيم، وأن أتخذ العصا فقد اتّخذها أبي إبراهيم» [ (٢) ] . وروى الطيالسي عن جرير- رضي الله تعالى عنه- قال: «خطبنا رسول الله- ﷺ علي منبر صغير فحثنا على الصدقة» . وروى الطبراني عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنهما- «أن رسول الله- ﷺ كان يخطب يوم الجمعة، ويوم الفطر، ويوم الأضحى على المنبر، فإذا سكت المؤذن يوم الجمعة قام فخطب» [ (٣) ] . وروى الإمام أحمد عن ابن عمر وعبد الله ابن الإمام أحمد عن أبي بن كعب، وأبو يعلى عن أبي سعيد والبزار من طريق آخر عنه، وعبد بن حميد من طريق آخر واللفظ له، وأبو يعلى برجال ثقات، والطبراني عن جابر والطبراني عن عائشة، والطبراني برجال ثقات عن أم سلمة- رضي الله تعالى عنهم- «أن رسول الله- ﷺ كان يخطب يوم الجمعة إلى جذع نخلة» ، وفي لفظ: أسند ظهره إليه، إذا تكلم يوم الجمعة، أو حدث أمر يريد أن يكلم الناس، فقال له الناس: يا رسول الله قد كثر الناس، يعني المسلمين وإنهم ليحبون أن يروك، فلو اتخذت منبرا تقوم عليه فيراك الناس، قال: «نعم» ، قال: «من يجعل لنا هذا المنبر» ، فقام إليه رجل فقال: أنا قال: «تجعله» قال: نعم، ولم يقل إن شاء الله، قال: «ما اسمك» ؟ قال: فلان، قال: «اقعد» ، فقعد، ثم عاد فقال: «من يجعل لنا هذا المنبر؟» فقام إليه رجل فقال: قال: تجعله، قال: نعم، ولم يقل إن شاء الله، قال: «ما اسمك؟» قال: فلان، قال: «اقعد» فقعد، ثم عاد فقال: «من يجعل لنا هذا المنبر؟» فقام إليه رجل فقام: أنا، قال: «تجعله» قال: نعم إن شاء الله قال: «ما

стр. 3460

اسمك؟» قال إبراهيم قال: اجعله فصنع له ثلاث درجات، فلما كان يوم الجمعة، واستوى عليه، واستقبل القبلة حنّت النّخلة حتى أسمعتني وأنا في آخر المسجد. [وفي لفظ: «فخار الجذع كما تخور البقر جزعا على رسول الله- ﷺ » . وفي لفظ حنّ كما تحن الناقة على ولدها، فنزل رسول الله- ﷺ عن المنبر فاعتنقها فلم يزل حتى سكن. وفي لفظ «فقال له اسكن إن تشأ غرستك في الجنة فيأكل منك الصالحون، وإن شئت أعيدك كما كنت رطبا فاختار الآخرة على الدنيا فلما قبض رسول الله- ﷺ رفع إلى أبي بن كعب فلم يزل عنده حتى أكلته الأرضة. ثم عاد إلى المنبر فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: «إن هذه النخلة، إنما حنت شوقا إلى رسول الله- ﷺ فوالله لو لم أنزل إليها فأعتقها لما سكنت إلى يوم القيامة، فلما كان من الغد رأيتها قد حولت فقلنا ما هذا؟ قال: جاء أبو بكر وعمر فحولوها» [ (١) ] . وروى الشيخان عن سلمة بن الأكوع- رضي الله تعالى عنه- قال: كان جدار المسجد عند المنبر، ما كادت الشاة تجوزها [ (٢) ] .

стр. 3461

الباب الرابع في سيرته- ﷺ في خطبته- ﷺ وفيه أنواع: الأول: في استقباله- ﷺ وقت الخطبة . روى الترمذي عن ابن مسعود- رضي الله تعالى عنه- قال: «كان رسول الله- ﷺ إذا استوى على المنبر استقبله أصحابه بوجوههم» [ (١) ] . روى ابن ماجة عن عدي بن ثابت الأنصاري عن أبيه- رضي الله تعالى عنه- قال: كان رسول الله- ﷺ إذا قام على المنبر استقبله أصحابه بوجوههم [ (٢) ] . الثاني: في سلامه- ﷺ على الناس قبل صعوده المنبر، وإذا صعده . قال في «زاد المعاد» : كان- ﷺ إذا صعد المنبر، أقبل بوجهه على الناس، ثم قال: «السلام عليكم» . وروى البيهقي عن جابر بن عبد الله- رضي الله تعالى عنهما- قال: «كان رسول الله- ﷺ إذا صعد المنبر سلّم» [ (٣) ] . وروى الضياء في «المختارة» عن ابن عمر- رضي الله تعالى عنهما- قال: «كان رسول الله- ﷺ إذا دخل المسجد يوم الجمعة، سلم على من عند المنبر فإذا صعد المنبر سلّم على الناس» [ (٤) ] . الثالث: في خطبته- ﷺ قائما وجلوسه ثم خطبته وإشارته بإصبعه ورفع صوته . قال في «زاد المعاد» : «كان- ﷺ يخطب قائما، وكان إذا خطب احمرت عيناه، وعلا صوته واشتد غضبه كأنه منذر جيش يقول: صبحكم ومسّاكم» ويقول: «بعثت أنا والساعة كهاتين» ويقرن بين أصبعيه السبابة، والوسطى.

стр. 3462

ويقول: «أما بعد فإن خير الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة» [ (١) ] . وروى ابن سعد، عن جابر بن عبد الله- رضي الله تعالى عنهما- قال: كان رسول الله- ﷺ إذا خطب الناس احمرت عيناه، ورفع صوته، واشتد غضبه كأنه منذر جيش صبحتكم أو مسيتكم ثم يقول: «بعثت أنا والساعة كهاتين» وأشار بالسبابة والوسطى ثم يقول: «أحسن الهدي هدي محمد وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة، من مات وترك مالا فلأهله ومن ترك ديناً أو ضياعا فإليّ وعليّ» [ (٢) ] . وروى الإمام أحمد عن أبي سعيد- رضي الله تعالى عنه- قال: «كان رسول الله- ﷺ يخطب قائما على رجليه» [ (٣) ] . وروى الإمام أحمد، ومسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجة، عن جابر بن سمرة- رضي الله تعالى عنه- قال: «كان رسول الله- ﷺ يخطب قائما ثم يجلس، ثم يقوم فيخطب قائما يقرأ القرآن ويذكر الناس، فمن نبأك أنه كان يخطب جالسا فقد كذب، فقد والله صليت معه أكثر من ألفي صلاة [ (٤) ] . وروى الإمام أحمد، والطبراني، ورجاله ثقات، والبزار عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنهما- قال: «كان رسول الله- ﷺ يخطب يوم الجمعة قائما ثم يقعد ثم يقوم يخطب» [ (٥) ] . ولفظ البزار «كان- ﷺ يخطب يوم الجمعة خطبتين يفصل بينهما بجلسة» [ (٦) ] . وروى الشيخان، وأبو داود، والنسائي، عن ابن عمر- رضي الله تعالى عنهما- قال: كان رسول- ﷺ يخطب خطبتين، كان يجلس إذا صعد المنبر حتى يفرغ المؤذن ثم يقوم فيخطب، ثم يجلس فلا يتكلم ثم يقوم فيخطب [ (٧) ] . وروى النسائي، وابن ماجة عنه- رضي الله تعالى عنه- قال: «كان رسول الله- ﷺ

стр. 3463

يخطب قائما، يقعد قعدة، ثم يقوم» . زاد ابن ماجة: «فيقرأ آيات ويذكر الله، وكانت خطبته قصدا وصلاته قصدا» [ (١) ] . وروى سمويه في «فوائده» وابن المنذر، وابن مردويه عن سهل بن سعد- رضي الله تعالى عنه قال: «كان رسول الله- ﷺ إذا خطب الناس أو علمهم، لا يدع هذه الآية أن يتلوها» . وفي رواية: ما جلس على هذا المنبر قط إلا تلا هذه الآية: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيداً يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمالَكُمْ إلى قوله فَقَدْ فازَ فَوْزاً عَظِيماً [الأحزاب ٧] . وروى ابن أبي الدنيا في كتاب التقوى، عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- قالت: «ما قام رسول الله- ﷺ على المنبر إلا سمعته يقول: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيداً. ورواه الإمام أحمد، والثلاثة عن عمارة بن رويبة- براء وموحدة مصغرا، أنه رأى بشر بن مروان على المنبر رافعا يديه فقال: قبّح الله تيك اليدين، فقد رأيت رسول الله- ﷺ ما كان يزيد عن أن يقول بيديه هكذا وأشار بإصبعه السبابة [ (٢) ] . وروى أبو داود، وابن حبان، والحاكم عن سهل بن سعد- رضي الله تعالى عنه- قال: ما رأيت رسول الله- ﷺ شاهرا يديه قط يدعو على منبر ولا غيره، ولكن رأيته يقول هكذا، وأشار بالسبابة وعقد الوسطى بالإبهام [ (٣) ] . وروى الإمام أحمد، وأبو يعلى، والحاكم، والبيهقي، عن البراء بن عازب- رضي الله تعالى عنه- قال: خطبنا رسول الله- ﷺ حتى أسمع العواتق في بيوتهن، أو قال: في خدورها، فقال: «يا معشر من آمن بلسانه لا تغتابوا المسلمين ولا تتبعوا عوراتهم، فإن من تتبّع عورة أخيه تتبّع الله عورته ومن تتبّع الله عورته يفضحه في جوف بيته» [ (٤) ] . الرابع: في اعتماده- ﷺ في الخطبة على قوس أو عصا . قال في «زاد المعاد:» كان رسول الله- ﷺ إذا قام يخطب أخذ عصا فتوكأ عليها وهو على المنبر. كذا ذكر أبو داود، «وكان أحيانا يتوكأ على قوس. ولم يحفظ عنه أنه توكأ على سيف» . وروى أبو داود عن الحكم بن حزن الكلفي- ﵁ قال: «شهدنا الجمعة مع

стр. 3464

رسول الله- ﷺ فقام متوكئا على قوس أو عصا، فحمد الله وأثنى عليه كلمات خفيفات طيبات مباركات» [ (١) ] . وروى الإمام الشافعي عن ابن جريح قال: «قلت لعطاء: أكان رسول الله- ﷺ يقوم على عصا؟ قال: نعم يعتمد عليها اعتمادا» [ (٢) ] . وروى الإمام أحمد، وابن ماجة، عن سعد بن عائذ: سعد القرظ مؤذن رسول الله- ﷺ «أنه- ﷺ كان إذا خطب في الحرب خطب على قوس وإذ خطب في الجمعة خطب على عصا» [ (٣) ] . وروى الطبراني عن عبد الله بن الزبير- رضي الله تعالى عنهما- «أن رسول الله- ﷺ كان يخطب بمخصرة» [ (٤) ] . وروى الطبراني عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنهما- «أن رسول الله- ﷺ كان يخطبهم في السفر متكئا على قوس» [ (٥) ] . الخامس: في قطعه- ﷺ الخطبة ونزوله لأمر . قال في «زاد المعاد» : «كان- ﷺ إذا عرض له في خطبته عارض اشتغل به ثم رجع إلى خطبته، وكان يخطب فجاء الحسن والحسين يعثران في قميصين أحمرين فقطع كلامه فنزل، فحملهما ثم عاد إلى المنبر، ثم قال: «صدق الله تعالى: إذ يقول أَنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ رأيت هذين يعثران في قميصيهما فلم أصبر حتى قطعت كلامي فحملتهما» . وروى الإمام أحمد، والترمذي، وحسنه، والضياء، والحاكم في الأحكام- وقال إسناده على شرط مسلم- عن بريدة- رضي الله تعالى عنه- قال: خطبنا رسول الله- ﷺ فأقبل الحسن والحسين- رضي الله تعالى عنهما- عليهما قميصان أحمران يعثران ويقومان. وفي لفظ: يمشيان ويعثران فنزل فأخذهما. وفي لفظ: فحملهما ووضعهما بين يديه، فصعد بهما ثم قال: «صدق الله تعالى أَنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ رأيت هذين فلم أصبر حتى قطعت حديثي ورفعتهما» [ (٦) ] .

стр. 3465

وروى الإمام أحمد، ومسلم، والنسائي، عن أبي رفاعة العدوي، واسمه تميم بن أسيد- رضي الله تعالى عنه- قال: انتهيت ولفظ النسائي: دخلت على رسول الله- ﷺ وهو يخطب، فقلت: «يا رسول الله رجل غريب جاء يسأل عن دينه، لا يدري ما دينه؟ قال: فأقبل على رسول الله- ﷺ وترك خطبته حتى إذا انتهى إليّ، فأتي بكرسي حسبت قوائمه حديدا فقعد عليه وجعل يعلمني مما علمه الله ثم أتى الخطبة فأتمها» . زاد الإمام أحمد: «رأى خشبا أسود حسبه حديدا، وذكره النسائي لفظ: أتي بكرسي من خلب قوائمه من حديد، والخلب: الليف» [ (١) ] . السادس: في كلامه- ﷺ بعض أصحابه في أمر شرعي حال الخطبة . روى الجماعة، إلا الإمام مالك، عن جابر- رضي الله تعالى عنه- قال: دخل سليك الغطفاني يوم الجمعة ورسول الله- ﷺ يخطب، فقعد قبل أن يصلي، قال: «صليت؟» قال: لا قال: «فصل ركعتين» [ (٢) ] . وروى الدارقطني وضعفه عن أنس- رضي الله تعالى عنه- قال: دخل رجل من قيس المسجد- ورسول الله- ﷺ يخطب- فقال رسول الله- ﷺ : «قم فاركع ركعتين، وأمسك عن الخطبة حتى فرغ من صلاته» [ (٣) ] . وروى الإمام الشافعي- واللفظ له- والإمام أحمد، والترمذي، والنسائي، وابن ماجة، عن أبي سعيد- رضي الله [تعالى] عنه قال: رأيت رسول الله- ﷺ يخطب وجاء رجل [فدخل المسجد] بهيئة بذة فقال: «أصليت؟» قال: لا. قال: «فصل ركعتين» ، قال: فصلى ركعتين، قال: ثم حث الناس على الصدقة فألقوا ثيابا، فأعطى رسول الله- ﷺ منها الرجل ثوبين. فلما كانت الجمعة الأخرى جاء الرجل والنبي- ﷺ يخطب، فقال: له النبي- ﷺ «أصليت؟» قال: لا قال: «فصل ركعتين» ثم حث على الصدقة فطرح الرجل أحد ثوبيه، فصاح النبي- ﷺ : «خذه خذه» ، ثم قال: «انظروا إلى هذا، جاء تلك الجمعة بهيئة بذة، فأمرت الناس بالصدقة فطرحوا ثيابا فأعطيته منها ثوبين، فلما جاءت الجمعة الأخرى أمرت الناس بالصدقة فألقى أحد ثوبيه» ، ورجاله موثقون [ (٤) ] .

стр. 3466

وروى الطبراني في الكبير عن جابر- رضي الله تعالى عنه- قال: «دخل النعمان بن قوقل ورسول الله- ﷺ يخطب يوم الجمعة فقال له رسول الله- ﷺ : «صل ركعتين تجوز فيهما» [ (١) ] . وروى ابن ماجه، عن جابر بن عبد الله- رضي الله تعالى عنهما- أن رجلا دخل المسجد ورسول الله- ﷺ يخطب، فجعل يتخطى رقاب الناس، فقال له رسول الله- ﷺ : «اجلس فقد آذيت وآنيت» [ (٢) ] . وروى الإمام أحمد، وأبو داود، والنسائي، عن عبد الله بن بسر- رضي الله تعالى عنه- قال: جاء رجل ورسول الله- ﷺ يخطب فقال له رسول الله- ﷺ «اجلس فقد آذيت وآنيت» [ (٣) ] . وروى أبو داود عن جابر- رضي الله تعالى عنه- قال: لما استوى رسول الله على المنبر، قال: «اجلسوا» فسمع ذلك ابن مسعود فجلس على باب المسجد فرآه رسول الله- ﷺ فقال: «تعال يا عبد الله بن مسعود» [ (٤) ] . وروى الإمام أحمد عن قيس بن أبي حازم عن أبيه- رضي الله تعالى عنه- قال: «رآني رسول الله- ﷺ وهو يخطب وأنا في الشمس فأمرني فتحولت» [ (٥) ] . السابع: في شربه- ﷺ يوم الجمعة على المنبر ليرى الناس أنه لا يصومه . روى ابن أبي شيبة، وأحمد بن منيع، عن جنادة الأزدي [ (٦) ]- رضي الله تعالى عنه- قال: دخلت على رسول الله- ﷺ في سبعة من الأزد، أنا منهم يوم الجمعة وهو يتغدى فدعانا إلى طعامه، فقلنا: إنا صيام فأمرنا فقال: «أصمتم أمس؟» قلنا: لا. قال: «أفتصومون غدا؟» قلنا: لا، قال: «فأفطروا» ، فأكلنا مع رسول الله- ﷺ من طعامه، فلما خرج رسول الله- ﷺ وصعد المنبر، دعا بماء فشربه وهو على المنبر يرى الناس أنه لا يصوم يوم الجمعة» [ (٧) ] .

стр. 3467

الثامن: في وقوفه- ﷺ مع من يكلمه بعد نزوله من المنبر وقبل الصلاة . روى الإمام أحمد، والأربعة عن أنس- رضي الله تعالى عنه- قال: «كان رسول الله- ﷺ ينزل من المنبر يوم الجمعة، فيكلمه الرجل في حاجته، فيكلمه، ثم يتقدم إلى مصلاه» . وقال أبو داود: ليس بمتصل عن ثابت تفرد به جرير بن حازم. وقال الترمذي: سمعت محمدا يعني: البخاري يقول: «وهم جرير بن حازم في هذا الحديث. والصحيح ما روي عن ثابت عن أنس قال: أقيمت الصلاة فأخذ رجل بيدي رسول الله- ﷺ فما زال يكلمه حتى نعس بعض القوم» [ (١) ] .

стр. 3468

الباب الخامس في صفة خطبته وما وقفت عليه من خطبه- ﷺ قال في «زاد المعاد» : كان مدار خطبته- ﷺ على حمد الله، والثناء عليه بآلائه، وصفات كماله ومحامده وتعليم قواعد الإسلام وذكر الجنة والنار والمعاد والأمر بالتقوى، وتبيين موارد غضبه، ومواقع رضاه. وكان يقول في خطبه أيضا: «أيها الناس إنكم لن تطيقوا أو لن تفعلوا كل ما أمرتم به، ولكن سدّدوا وأبشروا» ، وكان يخطب في كل وقت بما تقتضيه حاجة المخاطبين ومصلحتهم، ولم يكن يخطب خطبة إلا افتتحها بحمد الله تعالى ويتشهد فيها بكلمتي الشهادة. كان يقصر خطبته أحيانا ويطيلها أحيانا بحسب حاجة الناس. كانت خطبته العارضة أطول من خطبته الراتبة، وكان يخطب النساء على حدة ويحثهن على الصدقة. ولم يكن له شاويش يخرج بين يديه إذا خرج من حجرته، ولم يكن يلبس ما يلبسه الخطباء اليوم، ولا طرحة ولا غيرها، وكان يخطب على الأرض، وعلى المنبر، وعلى البعير، وعلى الناقة. وكان إذا خطب احمرت عيناه وعلا صوته كأنه منذر جيش، وكان يخطب كثيرا بالقرآن، وكان أحيانا يتوكأ على قوس ولم يحفظ أنه على سيف. وكان منبره على ثلاث درجات، فإذا استوى عليه واستقبل الناس أخذ المؤذّن في الأذان فقط، ولم يقل شيئا قبله ولا بعده. فإذا أخذ في الخطبة واشتد غضبه، لم يرفع أحد صوته، بشيء البتة- لا مؤذن ولا غيره. وروى أبو داود، عن ابن مسعود- رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله- ﷺ كان إذا تشهد قال: «الحمد لله نستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيرا ونذيرا بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد ومن يعصهما فإنه لا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئا» . وفي رواية ابن شهاب مرسلا: «ومن يعصهما فقد غوى» .

стр. 3469

ونسأل الله تعالى أن يجعلنا ممن يطيعه، ويطيع رسوله ويتبع رضوانه، ويجتنب سخطه، فإنما نحن به وله [ (١) ] . وروى الطبراني برجال ثقات عنه قال: خطبنا رسول الله- ﷺ فقال: «أما بعد» [ (٢) ] . وروى الطبراني عن شداد بن أوس- رضي الله تعالى عنه- قال: سمعت رسول الله- ﷺ يقول: «أيها الناس إن الدنيا عرض حاضر، يأكل منها البرّ والفاجر، وإن الآخرة وعد صادق، يحكم فيها ملك قادر، يحق الحق، ويبطل الباطل، أيها الناس كونوا أبناء الآخرة ولا تكونوا أبناء الدنيا، فإن كل أم يتبعها ولدها» [ (٣) ] . وروى الإمامان الشافعي، وأحمد، ومسلم، وابن ماجه، عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنهما- «أن رسول الله- ﷺ خطب يوما فقال: «إن الحمد لله نستعينه ونستغفره ونستهديه ونستنصره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصي الله ورسوله فقد غوى حتى يفيء إلى أمر الله» [ (٤) ] . وروى ابن أبي الدنيا، والبيهقي في «الشعب» ، عن الحسن البصري- رحمه الله تعالى- قال: طلبت خطبة النبي- ﷺ في الجمعة فأعيتني، فلزمت رجلا من أصحاب النبي- ﷺ فسألته عن ذلك فقال: كان يقول في خطبته يوم الجمعة: «يا أيها الناس إن لكم علما فانتهوا إلى علمكم، وإن لكم نهاية فانتهوا إلى نهايتكم، فإن المؤمن بين مخافتين، بين أجل قد مضى لا يدري كيف صنع الله فيه، وبين أجل قد بقي لا يدري كيف الله بصانع فيه، فليتزود المؤمن لنفسه بنفسه، ومن دنياه لآخرته. الدنيا خلقت لكم، والذي نفس محمد بيده ما بعد الموت مستعتب وما بعد الدنيا دار إلا الجنة أو النار، واستغفروا الله لي ولكم [ (٥) ] . وروى البيهقي في «الأسماء والصفات» عن ابن شهاب قال: بلغنا عن رسول الله- ﷺ أنه كان يقول إذا خطب: «كل ما هو آتٍ قريب لا بعد لما هو آت، لا يعجل الله بعجلة أحد ولا يخف لأمر الناس، ما شاء الله كان ولو كره الناس، لا مبعد لما قرّب الله، ولا مقرب لما بعّد الله، ولا يكون شيء إلا بإذن الله بحق» [ (٦) ] .

стр. 3470

وروى الإمام أحمد برجال الصحيح عن النعمان بن بشير- رضي الله تعالى عنه- قال: سمعت رسول الله- ﷺ يخطب يقول: «أنذرتكم النار، أنذرتكم النار» ، حتى لو أن رجلا كان بالسوق لسمعه من مقامي هذا قال: حتى وقعت خميصة كانت على عاتقه عند رجليه. وفي رواية «وسمع أهل السوق صوته وهو على المنبر» [ (١) ] . وروى الإمام أحمد، وأبو داود، عن زيد بن أرقم- رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله- ﷺ خطبهم فقال: «أما بعد» [ (٢) ] . وروى الإمام أحمد، والنسائي، ومسلم، وابن ماجه، عن جابر- رضي الله تعالى عنه- قال: كان رسول الله- ﷺ «إذا خطب» . وفي رواية: إذا ذكر الساعة احمرت عيناه، وعلا صوته، واشتد غضبه، حتى كأنه منذر جيش يقول: «صبّحكم» . وفي رواية: كانت خطبة رسول الله- ﷺ يوم الجمعة يحمد الله، ويثني عليه بما هو أهله، ثم يقول بأثر ذلك وقد علا صوته انتهى. «أما بعد فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدى محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكلّ بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار» ، ثم يقول: «من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، ثم يقول: «بعثت أنا والساعة كهاتين، ثم يقول: من ترك مالا فلأهله، ومن ترك ضياعا فعليّ وإليّ فأنا أولى بالمؤمنين» [ (٣) ] . وروى الإمام أحمد، والطبراني، والبزار- على الشك- برجال الصحيح عن علي أو الزبير- رضي الله تعالى عنهما- قال: كان رسول الله- ﷺ يخطبنا فيذكرنا بأيام الله حتى يعرف ذلك في وجهه، وكأنّه نذير قوم يصبحهم الأمر غدوة، وكان إذا كان حديث عهد بجبريل لم يتبسم حتى يرتفع [ (٤) ] . وروى الإمام الشافعي، عن عمرو- رضي الله تعالى عنهما- أن رسول الله- ﷺ خطب يوما فقال في خطبته: «ألا إن الدنيا عرض حاضر يأكل منها البر والفاجر، ألا وإن الآخرة أجل صادق، يقضي فيها ملك قادر، ألا إن الخير كله بحذافيره في الجنة، إلا وإن الشّر كله
следующие страницы →