← Сира

Сира · id 1693

سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد

الصالحي الشامي

Полный текст (5 757 стр.). Показаны 3606–3645 · переход к 3611.

стр. 3606

الباب الخامس في سيرته- ﷺ في الجنازة وفيه أنواع: الأول: في مشيه- ﷺ مع الجنازة . وروى ابن أبي شيبة برجال ثقات- عن أبي هريرة- رضي الله تعالى عنه- قال: «كنت مع رسول الله- ﷺ في جنازة أمشي فإذا مشيت سبقني فأهرول فأسبقه، فالتفت إلى رجل إلى جنبي، فقلت: تطوى له الأرض، وخليل الرحمن إبراهيم» . وروى الطيالسي، ومسدد، عن أنس- رضي الله تعالى عنه. «أن النبي- ﷺ مرّ عليه بجنازة، وهي يسرع بها، وهي تمخض مخض الزّق، فقال رسول الله- ﷺ : «عليكم بالقصد في المشي بجنائزكم» قالها مرتين» [ (١) ] . وروى أبو داود، والترمذي. والبيهقي- بسند ضعيف- عن عبادة بن الصامت- رضي الله تعالى عنه- قال: «كان رسول الله- ﷺ إذا تبع الجنازة لم يقعد حتّى توضع في اللحد، فعرض له حبر فقال: هكذا نصنع يا محمد، فجلس رسول الله- ﷺ وقال: «خالفوهم» [ (٢) ] . وروى الإمام أحمد، وأبو يعلى- برجال ثقات- عن عثمان- رضي الله تعالى عنه- قال: «رأيت رسول الله- ﷺ رأى جنازة فقام لها» [ (٣) ] . وروى الإمام أحمد، عن أبي سعيد بن زيد- رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله- ﷺ مرت عليه جنازة فقام» [ (٤) ] . وروى الشيخان، عن جابر- رضي الله تعالى عنه- قال: مرت جنازة فقام لها رسول الله- ﷺ وقمنا معه فقلنا يا رسول الله: إنها يهودية، فقال: «إن للموت فزعا، فإذا رأيتم الجنازة فقوموا» [ (٥) ] .

стр. 3607

وروى الإمام أحمد، والشيخان، والنسائي، عن سهل بن حنيف، وقيس بن سعد- رضي الله تعالى عنهما- «أن رسول الله- ﷺ مرت به جنازة فقام، فقيل يا رسول الله: إنها جنازة يهودية، فقال: «أليس نفسا؟» [ (١) ] . وروى النسائي، عن أنس- رضي الله تعالى عنه- قال: «مرت جنازة برسول الله- ﷺ فقيل يا رسول الله: إنها جنازة يهودي، فقال: «إنما قمنا للملائكة» [ (٢) ] . وروى الإمام أحمد، ومسلم، عن علي- رضي الله تعالى عنه- قال: رأيت رسول الله- ﷺ قام فقمنا، وقعد فقعدنا، يعني في الجنازة» [ (٣) ] . وروى الإمام مالك، والشافعي عنه، قال: قام رسول الله- ﷺ فأمرنا بالقيام ثم جلس فأمرنا بالجلوس» [ (٤) ] . وروى الإمام أحمد، والنسائي عن ابن سيرين قال: مر بجنازة على الحسن بن علي، وابن عباس- فقام الحسن ولم يقم ابن عباس، فقال الحسن لابن عباس: أما قام رسول الله- ﷺ ؟ قال ابن عباس: قام ثم قعد» [ (٥) ] . وروى الطحاوي، عن أبي سعيد الخدري- رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله- ﷺ مرت عليه جنازة فقام» [ (٦) ] . وروى النسائي، عن أبي هريرة- رضي الله تعالى عنه- وأبي سعيد، قالا: «ما رأينا رسول الله- ﷺ . شهد جنازة قط فجلس حتى توضع» [ (٧) ] . الثاني: في مشيه- ﷺ . أمام الجنازة وهيئة مشيه . وروى الترمذي، وابن ماجه، عن أنس- رضي الله تعالى عنه- قال: «كان رسول الله- ﷺ يمشي أمام الجنازة وأبو بكر وعمر وعثمان» [ (٨) ] . وروى الإمامان الشافعي، وأحمد، والأربعة، عن ابن عمر- رضي الله تعالى عنهما- قال:

стр. 3608

«رأيت رسول الله- ﷺ وأبا بكر، وعمر يمشون أمام الجنازة» [ (١) ] . وروى أبو داود عن ثوبان- رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله- ﷺ أتي بدابّة وهو مع الجنازة فأبى أن يركبها، فلما انصرف أتي بدابّة فركب، فقيل له، فقال: «إن الملائكة كانت تمشي فلم أكن لأركب وهم يمشون، فلما ذهبوا ركبت» [ (٢) ] . وروى مسلم، والإمام أحمد، وأبو داود، والترمذي، وقال: حسن، عن جابر بن سمرة- رضي الله تعالى عنه- قال: «أتى رسول الله- ﷺ بفرس معرورى فركبه حين انصرف من جنازة ابن الدّحداح وفي لفظ «فركب حين انصرف من جنازة ابن الدّحداح نمشي حوله» . وفي لفظ، ثم أتي بفرس عري فعقله رجل فركبه فجعل يتوقّص، ونحن نتبعه نسعى حوله» [ (٣) ] . وروى ابن سعد، عن معمر، عن الزهري- رحمه الله تعالى- قال: «ما ركب رسول الله- ﷺ في جنازة قط» [ (٤) ] . وروى الطبراني، عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنهما- «أن رسول الله- ﷺ كان إذا شهد جنازة رئيت عليه كآبة، وأكثر حديث النفس» [ (٥) ] . الثالث: في ردّه- ﷺ النساء عن اتباع الجنازة ومن معه نار: روى أبو يعلى، عن أنس- رضي الله تعالى عنه قال: خرجنا مع رسول الله- ﷺ في جنازة فرأى نسوة، فقال: «أتحملنه؟» قلن: لا قال: أتدفنّه؟ قلن لا قال «فارجعن مأزورات غير مأجورات» [ (٦) ] . وروى ابن ماجه، عن علي- رضي الله تعالى عنه- قال: خرج رسول الله- ﷺ فإذا نسوة جلوس، فقال: «ما يجلسكنّ؟» قلن: ننتظر الجنازة قال: «هل تغسلنه؟» قلن: لا، قال: «هل تحملنه؟» قلن: لا، قال «هل تدلّين فمن يدلي؟» قلن: لا. قال «فارجعن مأزورات غير مأجورات» [ (٧) ] . وروى الطبراني، وأبو نعيم، عن ابن المعتمر حنش بن المعتمر، عن أبيه قال: «صلى

стр. 3609

رسول الله- ﷺ على جنازة فأبصر امرأة معها مجمرة، فلم يزل يصيح بها حتى تغيبت في آجام المدينة يعني قصورها» [ (١) ] . الرابع- في زيادة خشوعه- ﷺ إذا رأى جنازة . روى ابن سعد، عن عبد العزيز بن أبي داود- رحمه الله تعالى- قال: «كان رسول الله- ﷺ إذا شهد جنازة أكثر الصّمات، وأكثر حديث نفسه، فكانوا يرون أنّما يحدّث نفسه بأمر الميّت، وما يرد عليه، وما هو مسؤول عنه» [ (٢) ] . الخامس: فيما كان يقوله- ﷺ إذا مرّ عليه بجنازة . روى الإمامان: مالك، وأحمد، والشيخان، والنسائي، عن أبي قتادة- رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله- ﷺ مر عليه بجنازة فقال: «مستريح ومستراح منه» ، فقالوا: يا رسول الله: ما المستريح؟ وما المستراح منه؟ فقال: «العبد المؤمن يستريح من تعب الدنيا، وأذاها إلى رحمه الله تعالى، والعبد الفاجر يستريح منه العباد والبلاد، والشجر والدواب» ، [ (٣) ] والله تعالى أعلم. تنبيهات الأول: قال أكثر الصحابة، والتابعين باستحباب القيام للجنازة، كما نقله ابن المنذر، وهو قول الأوزاعي، وأحمد، وإسحاق، ومحمد بن الحسن. وقال الشعبي، والنخعي: يكره القعود قبل أن توضع. فقد روى البخاري، عن عامر بن ربيعة- رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله- ﷺ قال: «إذا رأى أحدكم جنازة، فإن لم يكن ماشيا معها فليقم حين يراها حتى يخلّفها أو تخلّفه، أو توضع قبل أن تخلّفه» . وروى أيضا عن أبي سعيد- رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله- ﷺ «إذا رأيتم الجنازة فقوموا، فمن تبعها فلا يقعد حتى توضع» [ (٤) ] . الثاني: قوله إن للموت فزعا: قال القرطبي: أي: إنّ الموت يفزع منه، إشارة إلى استعظامه، ومقصود الحديث أن لا يستمرّ الإنسان على الغفلة بعد رؤية الموت لما يشعر ذلك من التساهل بأمر الموت، فمن ثمّ

стр. 3610

استوى فيه كون الميت مسلما، أو غير مسلم. وقال غيره فجعل نفس المؤمن فزعا مبالغة، كما يقال: «رجل عدل» ، قال البيضاوي: هو مصدر جرى مجرى الوصف للمبالغة، وفيه تقدير. أي: الموت ذو فزع. انتهى. ويؤيد الثاني رواية أبي سلمة، عن أبي هريرة بلفظ «إن للموت فزعا» ، رواه ابن ماجة وعن ابن عباس مثله عند البزار، وفيه تنبيه على أن تلك الحالة ينبغي لمن رآها أن يقلق من أجلها ويضطرب، ولا يظهر منه عدم الاحتفال والمبالاة. وقوله في الرواية الأخرى أليست نفسا؟ لا يعارض التعليل المتقدم حيث قال: «إن للموت فزعا، وقد أتى أن الرواية الأخرى إنما قمنا للملائكة ونحوه لأحمد من حديث أبي موسى ولأحمد، وابن حبان، والحاكم، من حديث عبد الله بن عمرو مرفوعا: «إنما تقومون إعظاما للذي يقبض النفوس، ولفظ ابن حبان «إعظاما لله» يقبض الأرواح فإن ذلك أيضا لا ينافي التعليل السابق، لأن القيام للفزع من الموت فيه تعظيم لأمر الله تعالى، وتعظيم للقائمين بأمره في ذلك، وهم الملائكة. الثالث: روى الإمام أحمد من حديث الحسن بن علي، قال: «إنما قام رسول الله- ﷺ تأذيا بريح اليهودي» [ (١) ] زاد الطبراني من حديث عبد الله بن عياش بالتحتية والمعجمة. فأذاه ريح بخورها فقام حتى جازته [ (٢) ] . وللطبراني، والبيهقي من وجه آخر عن الحسن: كراهية أن تعلو رأسه وهذه الأحاديث لا تعارض الأخبار الأولى الصحيحة. أما أولا: فلأن إسنادها لا تقاوم تلك في الصحة. وأما ثانيا: فلأن التعليل بذلك راجع إلى ما فهمه الراوي، والتعليل الماضي صريح من حديث النبي- ﷺ فكان الراوي لم يسمع التصريح بالتعليل منه، فعلل باجتهاده، وقد روى ابن أبي شيبة من طريق خارجة بن زيد بن ثابت عن عمه يزيد بن ثابت قال: «كنا مع رسول الله- ﷺ فطلعت جنازة، فلما رآها قام وقام أصحابه حتى بعدت، والله ما أدري من شأنها أو من تضايق المكان، وما سألناه عن قيامه» . الرابع: اختلف أهل العلم في هذه المسألة: فذهب الشافعي إلى أنه غير واجب، فقال: هذا إما أن يكون منسوخا أو يكون قام لعلة،

стр. 3611

وأيهما كان فقد ثبت أنه تركه بعد فعله، والحجة في الآخر من أمره والقعود أحب إليّ. وأشار بالترك إلى حديث علي بن أبي طالب- رضي الله تعالى عنه-، «أنه- ﷺ قام للجنازة، ثم قعد» رواه مسلم، ورواه البيهقي، بلفظ «أن عليا أشار إلى قوم قاموا: أن اجلسوا، ثم حدثهم بالحديث» ومن ثم قال بكراهة القيام جماعة، منهم: سليم الرازي، وغيره، وقد ورد النهي عنه، روى أحمد، وأصحاب السنن، إلا النسائي قال: «كان النبي- ﷺ يقوم للجنازة فمر به حبر من اليهود فقال: هكذا نفعل: فقال: «اجلسوا وخالفوهم» ، وإسناده ضعيف. قال القاضي ذهب جمع من السلف: إلى أن الأمر بالقيام منسوخ بحديث علي وتعقبه النووي بأن النسخ لا يصار إليه إلا إذا تعذر الجمع، وهو هنا ممكن، قال: والمختار أنه مستحب وبه قال المتولي وقال ابن الماجشون: «كان قعوده- ﷺ لبيان الجواز، فمن جلس فهو في سعة، ومن قام فله أجر» . الخامس في بيان غريب ما سبق. الزقّ- بزاي مكسورة، فقاف: وعاء من جلد- يجز شعره، ولا ينتف نتف الأديم. القصد- بقاف، فصاد، فدال مهملتين: عدم الإفراط والتفريط. معرور- بميم مفتوحة، فعين مهملة ساكنة، فراءين بينهما واو: لا سرج عليه، ولا غيره. عقله بعين مهملة، فقاف، فلام مفتوحات. يتوقّص- بفوقية فواو، فقاف مفتوحات فصاد مهملة: ينزو. الكآبة- بكاف- فألف، فهمزة ممدودة، فموحدة، فتاء تأنيث. مأزورات- بميم مفتوحة فهمزة ساكنة فزاي، فواو فراء فألف فتاء: آثمات. الآجام: بهمزة ممدودة فجيم مفتوحة فألف. الصّمات- بصاد مهملة مضمومة، فميم فتاء: السكوت.

стр. 3612

الباب السادس في سيرته- ﷺ في الصلاة على الميت وفيه أنواع: الأول: في موقفه- ﷺ -. روى الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذي، وقال: حسن، وابن ماجة، عن أنس- رضي الله تعالى عنه- صلّى على جنازة رجل فقام حيال رأسه، ثم جاءوا بجنازة امرأة من قريش، فقالوا: يا أبا حمزة صل عليها فقام حيال وسط السرير. فقال له العلاء بن زياد: «هكذا رأيت رسول الله- ﷺ قام على الجنازة مقامك منها، ومن الرجل مقامك منه؟ قال: نعم» [ (١) ] . وروى الجماعة، عن سمرة بن جندب- رضي الله تعالى عنه- قال: «صليت وراء رسول الله- ﷺ على امرأة ماتت في نفاسها، فقام عليها رسول الله- ﷺ عند وسطها» [ (٢) ] . الثاني: في تكبيره- ﷺ أربعا أو خمسا ورفع يديه في الجنازة . روى الترمذي، والدارقطني، عن أبي هريرة- رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله- ﷺ كبر على جنازة فرفع يديه مع أول تكبيرة، ووضع اليمنى على اليسرى» [ (٣) ] . وروى ابن ماجه، عن عثمان بن عفان: «أن النبي- ﷺ صلّى على عثمان بن مظعون فكبر [عليه] أربعا» [ (٤) ] . وروى الدارقطني عن أبي هريرة «أن رسول الله- ﷺ صلى على جنازة فكبر عليها أربعا، وسلّم تسليمة واحدة [ (٥) ] . وروى ابن ماجه، عن عبد الله بن أبي أوفى- رضي الله تعالى عنه- قال: «كان رسول الله- ﷺ يكبر أربعا، ثم يمكث ساعة يقول ما شاء الله أن يقول ثم يسلم» [ (٦) ] .

стр. 3613

وروى الدارقطني، عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنهما- قال: «آخر ما كبر رسول الله- ﷺ على الجنازة أربعا، وكبر عمر على أبي بكر أربعا» [ (١) ] . وروى الدارقطني، عن مسروق، قال: «صلّى عمر- ﵁ على بعض أزواج رسول الله- ﷺ فسمعته يقول: لأصلّين عليها مثل آخر صلاة صلاها رسول الله- ﷺ على مثلها فكبر عليها أربعا» [ (٢) ] . وروى الإمام أحمد، ومسلم، والأربعة، والدارقطني، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى ﵀ قال: «كان زيد بن أرقم- رضي الله تعالى عنه- يكبر على جنائزنا أربعا وأنه كبّر على جنازة خمسا فسألته فقال: كان رسول الله- ﷺ يكبرها» [ (٣) ] . وروى الطبراني، عن ابن عمر- رضي الله تعالى عنهما-: «أن رسول الله- ﷺ كان يرفع يديه عند كل تكبيرة في كل صلاة، وعلى الجنازة» [ (٤) ] . الثالث: في قراءته- ﷺ الفاتحة، ودعائه للميت وسلامه: روى الإمام الشافعي والشيخان، والنسائي، والترمذي، عن طلحة بن عبد الله بن عوف- رحمه الله تعالى- قال: صليت خلف ابن عباس- رضي الله تعالى عنهما- فقرأ بفاتحة الكتاب وجهر حتى أسمعنا، فلما سلم سألته عن ذلك، فقال: «إنها سنة وحق» [ (٥) ] . وروى الترمذي- وقال: إسناده ليس بالقوي-، والصحيح أنه موقوف وابن ماجة عنه، «أن رسول الله- ﷺ قرأ على جنازة بفاتحة الكتاب» [ (٦) ] . وروى الشافعي، عن جابر- رضي الله تعالى عنه- «أن رسول الله- ﷺ كبر على الميت أربعا، وقرأ بأم القرآن بعد التكبيرة الأولى» [ (٧) ] . وروى الطبراني- برجال ثقات، غير ناهض بن القاسم فيحرّر حاله- عن أبي هريرة

стр. 3614

- رضي الله تعالى عنه- «أن رسول الله- ﷺ قرأ على الجنازة أربع مرات بالحمد لله رب العالمين» [ (١) ] . وروى الطبراني- بسند ضعيف- عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنهما- «أن رسول الله- ﷺ قد تقدم فكبر على جنازة خالد بن عتيك، أو قال: سهل بن عتيك وكان أول من صلى عليه في موضع الجنائز فتقدم فكبر عليه رسول الله- ﷺ فقرأ بأم القرآن فجهر بها، ثم كبر الثانية فصلى على نفسه، وعلى المسلمين، ثم كبر الثالثة، فدعا للميت، فقال: «اللهم اغفر له وارحمه، وارفع درجته» ، ثم كبر الرابعة فدعا للمؤمنين والمؤمنات ثم سلم» [ (٢) ] . وروى الإمام أحمد، عن عبد الله بن أبي أوفى- رضي الله تعالى عنه- أنه صلى على جنازة فكبر عليها أربعا، ثم قام بعد الرابعة قدر ما بين التكبيرتين، يدعو ثم قال: «كان رسول الله- ﷺ يصنع بالجنازة هكذا» [ (٣) ] . وروى الإمام أحمد، وأبو داود، وابن ماجة عن واثلة بن الأسقع- رضي الله تعالى عنه- قال: صلى بنا رسول الله- ﷺ علي رجل من المسلمين فسمعته يقول: «ألا إن فلانا بن فلان في ذمّتك وحبل جوارك، فقه فتنة القبر، وعذاب النّار، وأنت أهل الوفاء والحق، اللهم اغفر له، وارحمه، فإنك أنت الغفور الرحيم» [ (٤) ] . وروى الإمام أحمد، والترمذي، وصححه، والنسائي، عن إبراهيم الأشهلي- رحمه الله تعالى- عن أبيه- رضي الله تعالى عنه- قال: «كان رسول الله- ﷺ إذا صلى على جنازة قال: «اللهم اغفر لحينا وميتنا، وشاهدنا وغائبنا وصغيرنا وكبيرنا، وذكرنا وأنثانا» [ (٥) ] . وروى الإمام أحمد- برجال ثقات- عن أبي قتادة، والإمام أحمد، وأبو داود، وابن ماجه، عن أبي هريرة- رضي الله تعالى عنهما- قالا: «كان رسول الله- ﷺ إذا صلى على جنازة قال: «اللهم اغفر لحينا وميّتنا، وشاهدنا وغائبنا وصغيرنا وكبيرنا وذكرنا وأنثانا، اللهم من أحييته منا فأحيه على الإسلام، ومن توفيته منا فتوفه على الإيمان» زاد أبو داود وابن ماجة «اللهم لا تحرمنا أجره، ولا تضلّنا بعده» [ (٦) ] . وروى الإمام أحمد، وأبو داود، عن ابن سماح، وقيل: شمّاخ قال: شهدت مروان يسأل

стр. 3615

أبا هريرة كيف سمعت رسول الله- ﷺ يصلي على الجنازة؟ قال أبو هريرة: «اللهم أنت ربّها وأنت خلقتها وأنت هديتها للإسلام، وأنت قبضت روحها وأنت أعلم بسرها، وعلانيتها، جئنا شفعاء [فاغفر لها] » [ (١) ] . وروى مسلم، والترمذي، وابن ماجة، عن عوف بن مالك- رضي الله تعالى عنه- قال: «صلى رسول الله- ﷺ على جنازة فحفظت منه دعائه» . «اللهم اغفر له وارحمه، وعافه واعف عنه، وأكرم نزله، ووسع مدخله، واغسله بالماء والثلج والبرد، ونقّه من الخطايا، كما نقيت الثوب الأبيض من الدنس، وأبدله دارا خيرا من داره، وأهلا خير من أهله، وزوجا خيرا من زوجه، وأدخله الجنّة، وأعذه من عذاب القبر [ (٢) ] أو من عذاب النار» . وفي لفظ «وقه فتنة القبر، وعذاب النار» [ (٣) ] حتى تمنيت أن أكون أنا ذلك الميت لدعاء رسول الله- ﷺ له» [ (٤) ] . وروى أبو يعلى بإسناد حسن، عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- قالت: «سمعت رسول الله- ﷺ يقول في الصلاة على الميت: «اللهم اغفر له وصل عليه، وأورده حوض رسولك» [ (٥) ] . وروى أبو يعلى، وأحمد بن حنبل، والبيهقي- بسند صحيح- عن أبي قتادة- رضي الله تعالى عنه- «أنه شهد رسول الله- ﷺ صلّى على جنازة قال فسمعته يقول: «اللهم اغفر لحينا وميتنا، وشاهدنا وغائبنا، وصغيرنا وكبيرنا، وذكرنا وأنثانا» [ (٦) ] . وحدث أبو سلمة بها، وزاد فيهن «اللهم من أحييته منا فأحيه على الإسلام، ومن توفيته منا فتوفه على الايمان» . وروى الطبراني- بسند حسن- عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنهما- «أن

стр. 3616

رسول الله- ﷺ كان إذا صلّى على الميت قال: «اللهم اغفر لحينا وميتنا وشاهدان وغائبنا ولأنثانا وذكورنا من أحييته منا فأحيه على الإسلام، ومن توفيته منا فتوفه على الإيمان، اللهم عفوك عفوك عفوك» [ (١) ] . وروى الطبراني، عن أبي موسى- رضي الله تعالى عنه- قال: «صلينا مع رسول الله- ﷺ على جنازة فسلم عن يمينه وعن شماله» [ (٢) ] . وروى الطبراني برجال ثقات عن ابن مسعود- رضي الله تعالى عنه- قال: «خلال كان رسول الله- ﷺ يفعلهنّ فتركهن الناس. إحداهن تسليم الإمام في الجنازة مثل تسليمة الصلاة» [ (٣) ] .

стр. 3617

الباب السابع فيمن كان- ﷺ يصلي عليه وفيه أنواع: الأول: في صلاته- ﷺ علي من ليس عليه دين، وعلى الأطفال . روى الطبراني برجال ثقات، عن أنس- رضي الله تعالى عنه- «أن رسول الله- ﷺ صلى على جنازة صبي أو صبية فقال: «لو كان أحد نجا من ضمة القبر لنجا هذا الصبي» [ (١) ] . الثاني: في صلاته- ﷺ علي القبر . روى الإمام أحمد، والدارقطني- شطره-: أن أسود كان ينظف المسجد فمات فدفن ليلا، فأتى النبي- ﷺ فأخبر فقال: «انطلقوا إلى قبره» ، فانطلق إلى قبره، فقال: «إن هذه القبور مملوءة على أهلها ظلمة، وإن الله- ينورها بصلاتي عليهم» ، فأتى القبر فصلى عليه، فقال رجل من الأنصار: يا رسول الله إن أخي مات ولم تصل عليه قال فأتى قبره، فانطلق مع الأنصاري فصلى» [ (٢) ] . وروى الإمامان: مالك، والشافعي، والنسائي، وابن أبي شيبة عن أبي أمامة: سهل بن حنيف- رضي الله تعالى عنه- قال: «كان رسول الله- ﷺ يعود فقراء أهل المدينة ويشهد جنائزهم إذا ماتوا، فاشتكت امرأة مسكينة فأخبر رسول الله- ﷺ بمرضها وطال سقمها، وكان رسول الله- ﷺ يعود المساكين ويسأل عنهم، فكان رسول الله- ﷺ يسأل عنها، وقال: «إن ماتت فلا تدفنوها حتى أصلي عليها» ، فتوفيت. فجاؤوا بها إلى المدينة بعد العتمة فوجدوا رسول الله- قد نام، فكرهوا أن يوقظوه، فصلوا عليها، ودفنوها ببقيع الغرقد، فلما أصبح رسول الله- ﷺ جاءوا فسألهم عنها فقالوا: قد توفيت يا رسول الله قال: «ألم آمركم أن تؤذنوني بها؟» فقالوا يا رسول وجدناك نائما، فكرهنا أن نوقظك ونخرجك ليلا، فخرج رسول الله- ﷺ إلى قبرها فصلّى بهم على قبرها وكبر أربع تكبيرات» [ (٣) ] . وروى الشيخان، وابن حبان، عن أبي هريرة- رضي الله تعالى عنه- أن امرأة سوداء كانت تقم المسجد ففقدها رسول الله- ﷺ فسأل عنها فقالوا: ماتت فقال: «أفلا آذنتموني؟» قال: فكأنهم صغروا أمرها، فقال: «دلّوني على قبرها» ، فدلّوه فصلى على قبرها» [ (٤) ] .

стр. 3618

وروى مسدد، والحارث، عن حميد بن هلال، «رحمه الله تعالى» أن البراء بن معرور توفي قبل قدوم رسول الله- ﷺ المدينة فلما قدم صلّى على قبره وكبر عليه أربع تكبيرات. وروى الإمام أحمد، والنسائي، وابن ماجة، عن يزيد بن ثابت- زاد ابن ماجة، وكان أكبر من زيد ثم اتفقوا- قال: خرجنا مع رسول الله- ﷺ فلما وردنا البقيع إذا هو بقبر جديد، فسأل عنه، فقالوا: فلانة، فعرفها، فقال «ألا آذنتموني بها؟ فإن صلاتي عليها رحمة» قالوا: كنت قائلا صائما، فكرهنا أن نؤذيك، فقال: «لا تفعلوا لا يموتن فيكم ميت ما كنت بين أظهركم إلا آذنتموني به» ثم أتى القبر فصفّنا خلفه» [ (١) ] . وروى الدارقطني عن ابن عباس «أن رسول الله- ﷺ صلى على قبر بعد شهر» [ (٢) ] . وروى الترمذي مرسلا، عن ابن المسيب، رحمه الله تعالى «أن أم سعد- رضي الله تعالى عنها- ماتت والنبي- ﷺ غائب فلما قدم صلى عليها، وقد مضى لذلك شهر» [ (٣) ] . وروى الطبراني في «الأوسط» - قال الضياء المقدسي في «أحكامه» لا بأس بإسناده- عن أنس بن مالك- رضي الله تعالى عنه- «أن رسول الله نهى أن يصلى على الجنازة بين القبور» [ (٤) ] . الثالث. في صلاته- ﷺ علي الغائب . روى الإمام أحمد، والشيخان، والنسائي، عن جابر، ومسلم، والترمذي، وابن ماجة، عن عمران بن حصين، والإمام أحمد، عن ابن عباس وابن ماجة، عن مجمع بن جارية، والإمام أحمد، وابن ماجة عن حذيفة بن أسيد، والإمام أحمد عن جرير، وابن ماجة عن ابن عمر، وأبو يعلى عن سعيد بن زيد والطبراني برجال ثقات عن أنس، والطبراني عن أبي سعيد الخدري، والطبراني عن وحشي بن حرب- ﵃ أن رسول الله- ﷺ قال: «قد توفي اليوم رجل صالح من الحبش» وفي رواية: «أخ لكم مات بغير بلادكم» قالوا: من هو يا رسول الله؟ قال: «أصحمة النجاشي فهلم فصلوا عليه» فقمنا فصففنا صفين فصلى عليه كما يصلي على الميت، وكبر أربعا، وقال: «استغفروا لأخيكم» [ (٥) ] .

стр. 3619

وروى أبو يعلى، من طريق محمد بن إبراهيم بن العلاء، والطبراني من طريق محبوب بن هلال، عن أنس، والطبراني عن أبي أمامة من طريق نوح بن عمر، والطبراني عن معاوية من طريق صدقة بن أبي سهل، وبقية رجاله ثقات أن رسول الله- ﷺ كان غازيا بتبوك فأتاه جبريل- ﷺ فقال: «مات معاوية بن معاوية الليثي» وفي رواية: المزني: اشهد جنازته يا محمد، فخرج رسول الله- ﷺ ونزل جبريل في سبعين ألف ملك من الملائكة، فضرب بجناحه الأرض فلم تبق شجرة، ولا أكمة إلا تصعصعت فرفع سريره فنظر إليه، فصلى عليه رسول الله- ﷺ وجبريل والملائكة فلما فرغ رسول الله- ﷺ قال: «يا جبريل بم نال معاوية هذه المنزلة؟» قال: «قال بكثرة قراءته قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ وقراءته إياها قائما، وقاعدا، وراكبا، وماشيا، وعلى كل حال» [ (١) ] . تنبيهات الأول: كذا أورد هذا الحديث الحافظ أبو الحسن الهيثمي- رحمه الله تعالى- في «مجمع الزوائد» في باب الصلاة على الغائب، وفي ذكر هذا الحديث في هذا الباب نظر لما ذكر في غالب طرقه أنه- ﷺ شاهد سريره. الثاني: في الكلام على حكم هذا الحديث علم من أعلام النبوة، وله طرق يقوي بعضها بعضا ذكرتها في ترجمة معاوية في الصحابة. وقال في الفتح في باب الصفوف على الجنازة، إنه خبر قوي بالنظر إلى مجموع طرقه. وقال في اللسان في ترجمة نوح بن عمران: طرقه أقوى طرق الحديث. انتهى. وأورد الحديث النووي في الأذكار في باب الذكر في الطريق. الثالث: في الكلام على رجاله التي أعلّ بها محبوب بن هلال، قال الحافظ، لم أر لهذا الرجل ذكرا في تاريخ البخاري وذكره ابن أبي حاتم: وقال: سألت أبي عنه قال: ليس بالمشهور، وذكره ابن حبّان في الثقات. ونوح بن عمر. قال ابن حبان يقال: إنه سرق هذا الحديث، كذا في «الميزان» قال

стр. 3620

الحافظ لم يترجم ابن حبان نوحا هذا في الضعفاء ولا سماه، وإنما قال في ترجمة العلاء بن محمد الثقفي، بعد أن أورد هذا الحديث في ترجمته، وسرقه شيخ من أهل الشام، فرواه عن بقيّة عن محمد بن زياد، عن أبي أمامة، قال الحافظ: والظاهر أنه غير هذا، لكن لا يحسن الجزم بهذا، قال شيخه أبو الحسن الهيثمي في «مجمع الزوائد» بعد كلام ابن حبان السابق، قلت: ليس هذا بضعف، وبقيّة مدلس ليس فيه علة غير هذا.

стр. 3621

الباب الثامن فيمن ترك- ﷺ الصلاة عليه وفيه أنواع: الأول. في تركه- ﷺ الصلاة على المحدود وصلاته عليهم . روى أبو داود، عن أبي بردة الأسلمي- ﵁ «أن رسول الله- ﷺ لم يصل على ماعز بن مالك، ولم ينه عن الصلاة عليه» [ (١) ] . وروى الإمام أحمد، والبخاري وأبو داود، والنسائي، عن جابر بن عبد الله- رضي الله تعالى عنهما- «إن رجلا من أسلم جاء إلى رسول الله- ﷺ فاعترف بالزنا فأعرض عنه، ثم اعترف فأعرض عنه، ثم اعترف فأعرض عنه، حتى شهد على نفسه أربع مرات، فقال النبي- ﷺ «أبك جنون؟» قال: لا، قال: «أحصنت؟» قال: نعم فأمر به النبي- ﷺ فرجم بالمصلى، فلما أزلقته الحجارة فر، فأدرك فرجم حتى مات، فقال النبي- ﷺ خيرا، ولم يصل عليه» [ (٢) ] . وروى مسلم عن عمران بن حصين- رضي الله تعالى عنهما- أن امرأة من جهينة أتت رسول الله- ﷺ وهي حبلى من الزّنا، فقالت يا رسول الله: أصبت حدا فأقمه عليّ، فدعا نبي الله- ﷺ وليها، فقال: «أحسن إليها فإذا وضعت فأتني بها» ففعل فأمر نبي الله- ﷺ فشكّت عليها ثيابها ثم أمر بها فرجمت، ثم صلى عليها، فقال له عمر: تصلي عليها يا رسول الله وقد زنت؟ قال: «لقد تابت توبة لو قسمت بين سبعين من أهل المدينة لو سعتهم، وهل وجدت توبة أفضل من أن جادت بنفسها لله » [ (٣) ] . الثاني: في تركه- ﷺ الصلاة على أهل المعاصي . روى الإمام أحمد، ومسلم، والنسائي، والترمذي، عن جابر بن سمرة- رضي الله تعالى عنه-: قال: «أتى النبي- ﷺ برجل قتل نفسه بمشاقص فلم يصل عليه» [ (٤) ] . وروى الحارث من طريق بشر بن نمير- وهو ضعيف- عن أبي أمامة- رضي الله تعالى عنه- قال: «قال رسول الله- ﷺ في غزوة خيبر: «من كان مضعفا معنا فليرجع» ، وأمر مناديا

стр. 3622

فنادى بذلك، فرجع ناس، وفي القوم رجل على بكر صعب، فمر من الليل على سواد فنفر به، فصرعه فوقصه، فلما جيء به إلى رسول الله- ﷺ قال: «ما شأن صاحبكم؟» ، قالوا: من أمره كذا وكذا، قال: «يا بلال: ما كنت أذّنت في الناس: من كان مضعفا معنا فليرجع» ، قال: بلى فأبى أن يصلي عليه» ورواه الطبراني- بسند جيد- ورواه أيضا الإمام أحمد، وسنده حسن عن ثوبان- رضي الله تعالى عنه- وفيه ثم «أمر مناديا ينادي في الناس، إن الجنة لا تحل لعاص ثلاث مرات» [ (١) ] . وروى الإمام أحمد برجال الصحيح، وهو فيه باختصار عن عمران بن حصين- رضي الله تعالى عنهما- أن رجلا أعتق عند موته ستة رجلة له وفي لفظ ستة مملوكين له وليس له مال غيرهم، فجاء ورثته من الأعراب فأخبروا رسول الله- ﷺ بما صنع، فقال: «أو فعل ذلك؟» ، وقال: «لو أعلمتنا إن شاء الله ما صلينا عليه» وفي لفظ «لقد هممت ألا أصلي عليه» [ (٢) ] . وروى الإمام أحمد- برجال الصحيح- عن أبي قتادة- رضي الله تعالى عنه- قال: «كان رسول الله- ﷺ إذا دعي إلى جنازة سأل عنها، فإن أثنوا عليها خيرا قام فصلى عليها وإن أثني عليها غير ذلك، قال لأهلها: «شأنكم بها» ، ولم يصل عليها» [ (٣) ] . وروى الطبراني- برجال ثقات- عن أبي أمامة- رضي الله تعالى عنه- قال: توفي رجل على عهد رسول الله- ﷺ فقال: انظروا داخلة إزاره «فأصيبت دينار أو ديناران» ، فقال لنا «صلوا على صاحبكم» [ (٤) ] . الثالث: في تركه- ﷺ في أول الأمر الصلاة على من عليه دين، ولم يخلف وفاء . روي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: «كان رسول الله- ﷺ يؤتى بالرجل الذي عليه دين فيسأل» [ (٥) ] . وروى أحمد بن منيع، عن أبي أمامة- رضي الله تعالى عنه- أن رجلا توفي على عهد رسول الله- ﷺ وترك دينارين دينا عليه وليس له وفاء، فأبى رسول الله- ﷺ أن يصلي عليه وقال: «صلوا على صاحبكم» ، فقام إليه أبو قتادة، فقال: أنا أقضي عنه، فقام رسول الله- ﷺ فصلى عليه» [ (٦) ] .

стр. 3623

الباب التاسع في هديه- ﷺ في دفن الميت وما يلتحق بذلك وفيه أنواع: الأول: في جلوسه على شفير القبر، وأمره باتساع القبر وتحسينه . روى ابن ماجة، عن هشام بن عامر قال: «قال رسول الله- ﷺ : «احفروا، وأوسعوا، وأحسنوا» [ (١) ] . وروى الإمام أحمد، وأبو داود، والدارقطني، عن رجل من الأنصار، - رضي الله تعالى عنهم أجمعين- قال: «خرجت في جنازة رجل من الأنصار مع رسول الله- ﷺ وأنا غلام مع أبي فجلس رسول الله- ﷺ على حفيرة القبر فجعل يوصي الحافر ويقول: «أوسع من قبل الرأس، وأوسع من قبل الرجلين، لرب عذق له في الجنة» [ (٢) ] . وروى البيهقي، وابن ماجة، والبغوي، وابن مندة- قال: غريب لا يعرف إلا من هذا الوجه-، وأبو نعيم، وفي سنده موسى بن عبيدة الربذي ضعيف عن الأدرع السّلمي- رضي الله تعالى عنه- قال: جئت ليلة أحرس رسول الله- ﷺ فإذا رجل قراءته عالية فخرج النبي- ﷺ فقلت يا رسول الله هذا مراء فقال: «هذا عبد الله ذو البجادين» ، فمات بالمدينة، ففرغوا من جهازه فحملوا نعشه فقال النبي- ﷺ : «أرفقوا به رفق الله به إنه كان يحب الله ورسوله» وحفر حفرته فقال: «أوسعوا له أوسع الله عليه» فقال بعض أصحابه: يا رسول الله لقد حزنت عليه، فقال: «أجل إنه كان يحب الله ورسوله» [ (٣) ] . الثاني: في أمره- ﷺ بتعجيل الدفن . روى أبو داود، عن الحصين بن وحوح أن طلحة بن البراء- رضي الله تعالى عنه- مرض فأتاه رسول الله- ﷺ يعوده فقال: «إني لا أرى طلحة إلا قد حدث فيه الموت فآذنوني به وعجلوا، فإنه لا ينبغي لجيفة مسلم أن تحبس بين ظهراني أهله» [ (٤) ] . الثالث: في انتظاره- ﷺ في المقبرة حفر القبر .

стр. 3624

روى الإمام أحمد- برجال الصحيح- عن البراء بن عازب- رضي الله تعالى عنهما- قال: «خرجنا مع رسول الله- ﷺ في جنازة رجل من الأنصار فانتهينا إلى القبر ولما يلحد بعد، فجلس رسول الله- ﷺ وجلسنا حوله، كأنما على رؤوسنا الطير، وبيده عود ينكث به الأرض فرفع رأسه، فقال: «نعوذ بالله من عذاب القبر» مرتين أو ثلاثا الحديث» [ (١) ] . الرابع: في اختياره- ﷺ اللحد . روى الأربعة عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنهما- أن رسول الله- ﷺ قال: «اللحد لنا، والشق لغيرنا» [ (٢) ] . الخامس: في هديه- ﷺ في إدخال الميت القبر ونزوله قبر بعض أصحابه، ودفنه الميت ليلا ونهارا . روى الإمام أحمد، والبخاري، عن أنس- رضي الله تعالى عنه- قال: «شهدنا بنت رسول الله- ﷺ تدفن ورسول الله- ﷺ جالس على القبر، فرأيت عينيه تدمعان، فقال: «لعل فيكم أحد لم يقارف الليلة؟» فقال أبو طلحة أنا قال «فانزل» فنزل في قبرها» [ (٣) ] . روى ابن ماجة عن أبي رافع- رضي الله تعالى عنه- «أن رسول الله- ﷺ سلّ سعدا ورشّ على قبره ماء؟» [ (٤) ] . وروى أبو داود، والطبراني في الكبير، عن جابر- رضي الله تعالى عنه- قال: «رأى الناس نارا في المقبرة فأتوها فإذا رسول الله- ﷺ في القبر يقول: «ناولوني صاحبكم» ، وإذا هو الرجل الذي كان يرفع صوته بالذكر» [ (٥) ] . وروى عمر بن شبة عن عبد العزيز بن عمران، والطبراني، عن كثير بن عبد الله عن أبيه، عن جده- رحمهما الله تعالى- قال: «لم يدخل رسول الله- ﷺ في قبر أحد إلا خمسة منهم: عبد الله المزني ذو البجادين قلت ويأتي حديثه في غزوة تبوك» [ (٦) ] . وروى الطبراني، من طريق بسطام بن عبد الوهاب- فيحرر حاله- عن واثلة- رضي الله تعالى عنه- قال: «كان رسول الله- ﷺ إذا وضع الميت في قبره قال: «بسم الله، وعلى سنة رسول الله- ﷺ » ووضع خلف قفاه مدرة، وبين كتفيه مدرة وبين ركبتيه مدرة ومن ورائه

стр. 3625

رسول الله- ﷺ » ووضع خلف قفاه مدرة، وبين كتفيه مدرة وبين ركبتيه مدرة ومن ورائه أخرى» [ (١) ] . ورواه الطبراني برجال الثقات وعن عبد الله بن خراش مختلف فيه. وروى أبو داود، والترمذي، وحسنه، وابن حبان عن ابن عمر- رضي الله تعالى عنهما- قال: «كان إذا دخل الميت القبر» وفي لفظ وضع الميت في لحده، قال: «بسم الله، وبالله وعلى ملة رسول الله» وفي لفظ «سنة رسول الله- ﷺ » [ (٢) ] . وروى ابن أبي شيبة، من طريق عطاء بن السائب، وبقية رجاله ثقات: دخل رسول الله- ﷺ قبره فاحتبس، فلما خرج قيل له يا رسول الله ما حبسك قال: «ضمّ سعد في القبر ضمة فدعوت الله أن يكشف عنه» [ (٣) ] . وروى الإمام أحمد عن أبي أمامة- رضي الله تعالى عنه- قال: «لما وضعت أم كلثوم بنت رسول الله في القبر، قال رسول الله- ﷺ : مِنْها خَلَقْناكُمْ وَفِيها نُعِيدُكُمْ وَمِنْها نُخْرِجُكُمْ تارَةً أُخْرى ثم قال لا أدري أقال: بسم الله وفي سبيل الله وعلى ملة رسول الله- ﷺ أم لا؟ فلما بنى عليها لحدها طفق يطرح إليهم الحبوب ويقول سدوا خلال اللبن ثم قال: «أما إن هذا ليس بشيء ولكنه يطيب نفس الحي» [ (٤) ] . وروى ابن ماجه عن سعيد بن المسيّب- رحمه الله تعالى- عن أبيه قال حضرت ابن عمر في جنازة فلما وضعها في اللحد قال: باسم الله وفي سبيل الله وعلى ملة رسول الله- ﷺ فلما أخذ في تسوية اللبن في اللحد قال: «اللهم أجرها من الشّيطان، ومن عذاب القبر، اللهم جاف الأرض عن جنبيها وصعّد روحها، ولقّها منك رضوانا، فقلت له: أشيء سمعته من رسول الله- ﷺ أم قلته برأيك؟ قال: إني إذا لقادر على القول، بل شيء سمعته من رسول الله- ﷺ [ (٥) ] . وروى الطبراني- برجال ثقات- عن عبد الرحمن بن العلاء بن اللجلاج قال لي أبي: يا بني إذا أنا متّ فاتخذ لي لحدا فإذا وضعتني في لحدي فقل: بسم الله، وعلى ملة رسول الله- ﷺ ثم سن علي التراب سنّا، ثم اقرأ عند رأسي بفاتحة البقرة وخاتمتها فإني

стр. 3626

سمعت رسول الله- ﷺ يقول: ذلك [ (١) ] . وروى أبو داود عن جابر بن عبد الله- رضي الله تعالى عنهما- قال: «رأى ناس نارا في المقبرة فأتوها فإذا رسول الله- ﷺ في القبر، وإذا هو يقول: «ناولوني صاحبكم» وإذا هو الرجل الذي كان يرفع صوته بالذكر» [ (٢) ] . وروى الترمذي- وقال: حسن- عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنهما- «أن رسول الله- ﷺ دخل قبرا ليلا فأسرج له سراج فأخذه من قبل القبلة ثم قال: «رحمك الله إن كنت لأوّاها تلاء للقرآن» ، وكبر عليه أربعا» [ (٣) ] . وروى أبو يعلى- بسند ضعيف- عن أبي ذر- رضي الله تعالى عنه- قال: «كان رجل يطوف بالبيت ويقول في دعائه أوّه أوّه وقال رسول الله- ﷺ «إنه أواه» ، قال: فخرجت ليلة، فإذا رسول الله- ﷺ يدفن ذلك الرجل ليلا بمصباح» [ (٤) ] . السادس: في حثيه- ﷺ التراب على القبر وكراهته أن يزاد على تراب الحفر ورشه الماء عليه ووضعه عليه حصى . وروى الدارقطني، عن عامر بن ربيعة- رضي الله تعالى عنه- قال «رأيت رسول الله- ﷺ حين توفي عثمان بن مظعون صلّى عليه، وكبّر أربعا، وحثى على قبره بيده ثلاث حثيات من تراب وهو قائم عند رأسه» [ (٥) ] . وروى ابن ماجة، عن أبي هريرة- رضي الله تعالى عنه- «أن رسول الله- ﷺ صلى على جنازة، ثم أتى قبر الميت فحثى عليه من قبل رأسه ثلاثا» [ (٦) ] وروى الشافعي مرسلا عن جعفر بن محمد- رحمهما الله تعالى- عن أبيه أن رسول الله- ﷺ حثى على ميّت ثلاث حثيات بيديه جميعا» [ (٧) ] . وروى محمد بن يحيى بن أبي عمر عن رجل من أصحاب رسول الله- ﷺ «أن رسول الله- ﷺ حضر ميتا يدفن فقال: «لا تقتلوا صاحبكم» ، فقال سفيان: يعني لا يزاد

стр. 3627

على تراب الحفرة، وربما قال في الحديث: «خففوا عن صاحبكم» ، قال سفيان يعني من التراب في القبر» . وروى الطبراني، عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- «أن رسول الله- ﷺ رشّ على قبر ابنه إبراهيم» [ (١) ] ورواه الشافعي- مرسلا- عن جعفر بن محمد- رحمهما الله تعالى- عن أبيه، وزاد ووضع عليه حصباء» [ (٢) ] . وروى ابن ماجه عن أنس- رضي الله تعالى عنه- «أن رسول الله- ﷺ أعلم قبر عثمان بن مظعون بصخرة» [ (٣) ] . وروى مسلم، وأبو داود، والنسائي، عن فضالة بن عبيد- رضي الله تعالى عنه- قال: «سمعت رسول الله- ﷺ يأمر بتسوية القبور» [ (٤) ] . وروى مسلم، وأبو داود، والترمذي، عن أبي الهيّاج الأسدي- رحمه الله تعالى- قال: قال لي علي- رضي الله تعالى عنه-: «ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله- ﷺ اذهب فلا تدع تمثالا إلا طمسته ولا قبرا مشرفا إلا سويته» [ (٥) ] . السابع: في وقوفه- ﷺ ودعائه بعد الدفن للميت، وبكائه عند دفن بعض الصحابة وكراهته وطء القبور، ووضعه للجريدة الخضراء على قبر ووعظه عند القبر . روى أبو داود، عن عثمان- رضي الله تعالى عنه- قال: «كان رسول الله- ﷺ إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه وقال: استغفروا لأخيكم وسلوا له التثبيت فإنه الآن يسأل» [ (٦) ] . وروى ابن أبي شيبة، والإمام أحمد، وأبو يعلى من طريق أبي رجاء عبد الله بن واقد الهروي، وثقه الإمام احمد، وابن معين، وقال أبو زرعة الرازي: لم يكن به بأس، عن البراء- ﵁ قال: «بينما نحن مع رسول الله- ﷺ أبصر جماعة، فقال: «علام اجتمع هؤلاء؟» قيل على قبر يحفرونه قال ففزع رسول الله- ﷺ فبدر بين يدي أصحابه مسرعا حتى انتهى إلى القبر فحثا عليه، قال: فاستقبلته من بين يديه لأنظر ما يصنع، فبكى حتى بلّ

стр. 3628

الثرى من دموعه، ثم أقبل علينا فقال: «إخواني لمثل هذا فأعدوا» [ (١) ] . وروى أبو أحمد الحاكم في «الكنى» عن عمران بن حصين- رضي الله تعالى عنهما- قال: «كان رسول الله- ﷺ إذا تبع جنازة علاه كرب، وأقل الكلام، وأكثر حديث نفسه» [ (٢) ] . وروى أبو يعلى- بسند صحيح- عن عقبه بن عامر- رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله- ﷺ «لأن أجلس على جمرة تحرق ثوبي ثم تحرق جلدي، أو أخصف نعلي بيدي، أحب إلي من أن أطأ قبر رجل منكم، وما أبالي وسط السوق قضيت حاجتي، أو وسط القبور» ، ورواه ابن ماجة عن عمرو بن حزم [ (٣) ] . وروى الإمام أحمد، والترمذي، وابن ماجة، عن عثمان- رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله- ﷺ «ما رأيت منظرا إلا والقبر أفظع منه» [ (٤) ] . وروى الإمام أحمد، عن أبي بكرة، والطبراني، عن أبي أمامة، والإمام أحمد برجال الصحيح، عن أبي هريرة، والطبراني، وابن عمر، والإمام أحمد عن يعلى بن سيابة» [ (٥) ] . وروى الشيخان عن علي- رضي الله تعالى عنه- قال: «كنا في جنازة في بقيع الغرقد فأتانا رسول الله- ﷺ وقعدنا حوله، ومعه مخصرة» [ (٦) ] . وروى الشيخان، عن البراء بن عازب- رضي الله تعالى عنه- قال: «خرجنا مع رسول الله- ﷺ إلى جنازة، فجلس رسول الله- ﷺ على القبر، وجلسنا حوله، كأن على رؤوسنا الطير» [ (٧) ] والله أعلم. الثامن. في أمره- ﷺ أهله أن يصنعوا طعاما لمن مات لهم ميت، وسيرته في التعزية . وروى الإمام أحمد، وابن ماجة، عن أسماء بنت عميس- رضي الله تعالى عنهما- «أن رسول الله- ﷺ لما جاءه نعي جعفر خرج إلى أهله، فقال: «إن آل جعفر قد شغلوا بشأن

стр. 3629

ميّتهم فاصنعوا لهم طعاما» [ (١) ] . وروى الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجة، عن عبد الله بن جعفر- رضي الله تعالى عنهما- قال: «لما جاء نعي جعفر حين قتل قال النبي- ﷺ : «اصنعوا لآل جعفر طعاما فقد أتاهم ما يشغلهم» [ (٢) ] . وروى الإمام أحمد وابن ماجة عن جرير بن عبد الله- ﵁ قال: كنا نرى الاجتماع إلى أهل الميت وصنعة الطعام من النياحة [ (٣) ] . وروى البزار برجال الصحاح، عن بريدة- رضي الله تعالى عنه- «أن رسول الله- ﷺ بلغه أنّ امرأة من الأنصار مات ابن لها، فجزعت عليه، فقام رسول الله- ﷺ ومعه أصحابه فلما بلغ باب المرأة قيل للمرأة إنّ نبي الله- ﷺ يريد أن يدخل يعزّيها، فدخل رسول الله- ﷺ فقال: «أما إنّه قد بلغني أنك جزعت على ابنك» ، فقالت: يا رسول الله وما لي لا أجزع، وأنا رقوب لا يعيش لي ولد؟ فقال رسول الله- ﷺ «إنّما الرّقوب الذي يعيش ولدها، إنّه لا يموت لامرأة مسلمة، أو امرئ مسلم نسمة- أو قال: ثلاثة من ولده فيحتسبهم إلا وجبت له الجنة» ، فقال عمر وهو عن يمينه: بأبي أنت وأمي واثنين، قال نبي الله- ﷺ : «واثنين» [ (٤) ] . وروى الطبراني- بسند فيه ضعف- عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنهما-: «أن رسول الله- ﷺ لما عزي بابنته رقية قال: «الحمد لله «دفن» - وفي لفظ البزار: «موت» - البنات من المكرمات» [ (٥) ] .

стр. 3630

الباب العاشر في سيرته- ﷺ في زيارة القبور وفيه أنواع: الأول: في إذنه- ﷺ في زيارتها بعد منعه . روى الإمام أحمد، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، والدارقطني، عن بريدة- رضي الله تعالى عنه- قال: «قال رسول الله- ﷺ قد كنت نهيتكم عن زيارة القبور، فقد أذن لمحمد في زيارة قبر أمه فزوروها فإنها تذكركم الآخرة» [ (١) ] . وروى الإمام أحمد، عن أنس- رضي الله تعالى عنه أن رسول الله- ﷺ قال «ألا إني كنت نهيتكم عن زيارة القبور ثم بدا لي أنها ترق القلوب، وتدمع العين، فزوروها ولا تقولوا هجرا» [ (٢) ] . وروى الإمام أحمد- برجال الصحيح- عن أبي سعيد الخدري- رضي الله تعالى عنه- قال: «قال رسول الله- ﷺ «إني نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها فإن فيها عبرة» [ (٣) ] . الثاني: في زيارته- ﷺ القبور . روى الإمام أحمد ومسلم، وأبو داود والنسائي، وابن ماجة، عن أبي هريرة- رضي الله تعالى عنه- «أن رسول الله- ﷺ زار قبر أمه، فبكى وأبكى من حوله، ثم قال: «استأذنت ربي أن أستغفر لأمي، فلم يأذن لي، واستأذنته أن أزور قبرها فأذن لي، فزوروا القبور فإنها تذكر الموت» [ (٤) ] . وروى الإمام أحمد، وأبو داود، عن طلحة بن عبيد الله- رضي الله تعالى عنه- «خرجنا مع رسول الله- ﷺ يريد قبور الشهداء، حتى إذا أشرفنا على حرّة وأقم، فدنونا منها فإذا قبور بمحنيّة فقلت يا رسول الله: قبور إخواننا هذه، قال: «هذه قبور أصحابنا» ، فلما جئنا قبور الشهداء: قال: «هذه قبور إخواننا» [ (٥) ] .

стр. 3631

الثالث: في آدابه في زيارة القبور . وروى الإمام أحمد، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجة، عن أبي هريرة- رضي الله تعالى عنه- قال: «قال رسول الله- ﷺ لأن يجلس أحدكم على جمر فيحرق ثيابه فيخلص إلى جلده خير له من أن يجلس على قبر» [ (١) ] . وروى الإمام أحمد، ومسلم، والثلاثة، عن أبي مرثد الغنوي- رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله- ﷺ قال: «لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا عليها» [ (٢) ] . وروى الإمام أحمد والنسائي، عن عمرو بن حزم، - رضي الله تعالى عنه- قال: رآني رسول الله- ﷺ وأنا أتكّئ على قبر، فقال: «لا تؤذ صاحب القبر» [ (٣) ] . وروى الطبراني، عن ابن عمر- رضي الله تعالى عنهما- «أن رسول الله- ﷺ كان يذهب إلى الجبان ماشيا، وأبو بكر وعمر» [ (٤) ] . الرابع: فيما كان يقوله- ﷺ إذا زار القبور . روى الإمام أحمد والترمذي، وحسنه، عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنهما- «أن رسول الله- ﷺ مر بقبور أهل المدينة فأقبل عليهم بوجهه فقال: «السلام عليكم يا أهل القبور، ويغفر الله لنا ولكم، أنتم السلف، ونحن بالأثر» [ (٥) ] . وروى الإمام أحمد، ومسلم، والنسائي، وابن ماجة، عن بريدة- رضي الله تعالى عنه- «أن رسول الله- ﷺ كان يعلمهم إذا خرجوا إلى المقابر فكان قائلهم يقول: «السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، أسأل الله لنا ولكم العافية» [ (٦) ] . وروى مسلم، وأبو داود، عن أبي هريرة- رضي الله تعالى عنه- «أن رسول الله- ﷺ خرج إلى المقبرة فقال: «السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون» [ (٧) ] . زاد الطيالسي: «اللهم لا تحرمنا أجرهم، ولا تفتنا بعدهم» .

стр. 3632

وروى الطبراني- بسند جيد- عن مجمع بن جارية- رضي الله تعالى عنه- قال: «خرج رسول الله- ﷺ إلى المقبرة فلما انتهى إليها قال: «السلام على أهل القبور- ثلاث مرات- من كان منكم من المؤمنين والمسلمين، أنتم لنا فرط، ونحن لكم تبع، عافانا الله وإياكم» [ (١) ] . وروى مسلم، عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- قالت: «كان رسول الله- ﷺ كلّما كان ليلتها من رسول الله- ﷺ يخرج من آخر الليل إلى البقيع، فيقول: «السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وأتاكم ما توعدون غدا مؤجّلون وإنّا إن شاء الله بكم لاحقون، اللهم اغفر لأهل بقيع الغرقد» [ (٢) ] . وروى ابن ماجه، عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- قالت: «فقدته يعني رسول الله- ﷺ فإذا هو بالبقيع، فقال: «السلام عليكم دار قوم مؤمنين، أنتم لنا فرط، وإنا بكم لاحقون، اللهم لا تحرمنا أجرهم، ولا تفتنا بعدهم» [ (٣) ] .

стр. 3633

الباب الحادي عشر في سيرته- ﷺ في الشهداء في الموت روى الإمامان: الشافعي، وأحمد، والبخاري، والأربعة، والدارقطني، عن جابر- ﵁ «أن رسول الله- ﷺ كان يجمع بين الرجلين من قتلى أحمد في ثوب واحد، ثم يقول: «أيهما أكثر أخذا للقرآن، فإذا أشير إلى أحدهما قدمه في اللحد» ، وقال: «أنا شهيد على هؤلاء يوم القيامة» وأمر بدفنهم في دمائهم، ولم يغسلهم، ولم يصل عليهم» [ (١) ] . وروى الثلاثة عنه، قال: «كنا حملنا القتلى يوم أحد لندفنهم فجاء منادي رسول الله- ﷺ أن رسول الله- ﷺ يأمركم أن تدفنوا القتلى في مضاجعهم فرددناهم» [ (٢) ] . وروى الإمام أحمد، عن هشام بن عامر الأنصاري- رضي الله تعالى عنه- قال: «قتل أبي يوم أحد، فقال رسول الله- ﷺ : «احفروا وأوسعوا، وادفنوا الاثنين والثلاثة في القبر، وقدموا أكثرهم قرآنا» ، وكان أبي أكثرهم قرآنا فقدم» [ (٣) ] . وروى أبو داود عنه قال: جاءت الأنصار إلى رسول الله- ﷺ يوم أحد، فقالوا أصابنا قرح وجهد، فكيف تأمرنا؟ فقال: «احفروا وأوسعوا القبر وعمقوا واجعلوا الرجلين والثلاثة في القبر» ، قيل: فأيهم يقدم؟ قال «أكثرهم قرآنا» [ (٤) ] ورواه النسائي بلفظ: «شكونا إلى رسول الله- ﷺ فقلنا يا رسول الله الحفر علينا بكل إنسان شديد فقال رسول الله- ﷺ : «احفروا وأوسعوا وأحسنوا، وادفنوا الاثنين والثلاثة في قبر» إلى آخره» [ (٥) ] . وروى أبو داود وابن ماجه عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنهما- قال: أمرنا رسول الله- ﷺ بقتلى أحد أن تنزع عنهم الجلود والحديد، وأن يدفنوا بثيابهم ودمائهم [ (٦) ] . وروى النسائي، عن عبد الله بن معيّة قال: «أصيب رجلان من المسلمين يوم الطائف فحملا إلى رسول الله- ﷺ فأمر أن يدفنا حيث أصيبا» [ (٧) ] .

стр. 3634

جماع أبواب سيرته- ﷺ في الصّدقة الباب الأول في بعثة- ﷺ العمال لأخذها من الأغنياء وردها على الفقراء ووصيته عماله بالعدل وآدابه في الصدقة روى البخاري، عن عقبة بن الحارث [ (١) ]﵁ قال: «صلى بنا رسول الله- ﷺ العصر فأسرع ثم دخل البيت، فلم يلبث أن خرج، فقلت، أو قيل له، فقال: «كنت خلّفت في البيت تبرا من الصدقة فكرهت أن أبيته فقسمته» [ (٢) ] . وروى الشيخان، عن أنس بن مالك- رضي الله تعالى عنه- قال: «غدوت إلى رسول الله- ﷺ بعبد الله بن أبي طلحة ليحنكه، فوافيته في يده الميسم يسم إبل الصّدقة» [ (٣) ] . وروى الإمام أحمد عنه: قال: «دخلت على رسول الله- ﷺ وهو يسم غنما في آذانها» [ (٤) ] . وروى أبو داود، والطبراني- برجال الصحيح- عن أبي مسعود- رضي الله تعالى عنه- قال بعثني رسول الله- ﷺ ساعيا فقال: «انظر» وفي لفظ: «انطلق أبا مسعود، ولا ألقينّك تجيء يوم القيامة على ظهرك بعير من إبل الصدقة له رغاء [قد] غللته» ، قال: ما أنا بسائر في وجهي هذا، قال: «إذن لا أكرهك» [ (٥) ] . وروى الطبراني- برجال الصحيح- عن عبادة بن الصامت- رضي الله تعالى عنه- والإمام الشافعي، عن طاوس- ﵁ «أن رسول الله- ﷺ بعثه على الصدقة فقال: «يا أبا الوليد اتق الله، لا تأت يوم القيامة ببعير تحمله له رغاء، أو بقرة لها خوار، أو شاة لها يعار» ،

стр. 3635

ولفظ الشافعي «تيعر لها ثؤاج قال يا رسول الله: «إن ذلك لكذلك، قال: «إي والذي نفسي بيده» زاد الشافعي «إلا من رحم الله» قال: «والذي بعثك بالحق لا أعمل لك على شيء أبدا» ولفظ الشافعي «لا أعمل على اثنين أبدا» [ (١) ] . وروى البزار- برجال الصحيح- عن ابن عمر- رضي الله تعالى عنهما- قال: «بعث رسول الله- ﷺ سعد بن عبادة مصدقا فقال يا سعد: «اتق الله أن تجيء يوم القيامة ببعير تحمله له رغاء» قال: «لا آخذه أعفني، فأعفاه» [ (٢) ] . وروى عبد الله ابن الإمام أحمد، في زوائد المسند وأبو داود، عن أبي بن كعب، - رضي الله تعالى عنه- «أن رسول الله- ﷺ بعثه مصدقا على بني عذرة، وجميع بني سعد بن هذيم بن قضاعة. قال: فصدقتهم الحديث» [ (٣) ] . وروى الإمام أحمد عن عقبة بن عامر الجهني- رضي الله تعالى عنه- قال: «بعثني رسول الله- ﷺ ساعيا فاستأذنته أن آكل من الصدقة، فأذن لي» [ (٤) ] . وروى الترمذي، وحسنه، والدارقطني، عن أبي جحيفة- رضي الله تعالى عنه- قال: بعث فينا رسول الله- ﷺ ساعيا فأخذ الصدقة من أغنيائنا فردها على فقرائنا، فكنت غلاما يتيما لا مال لي فأعطاني قلوصا» [ (٥) ] . وروى الإمام الشافعي، عن ابن سعر عن سعر أخي بني عدي- رضي الله تعالى عنه- قال: «جاءني رجلان فقالا: أن رسول الله- ﷺ بعثنا نصدّق أموال الناس قال فأخرجت لهما شاة ماخضا أفضل ما وجدت فرداها علي وقالا أن رسول الله- ﷺ نهانا أن نأخذ الشاة الحبلى، فأعطيتهما شاة من وسط الغنم فأخذاها» [ (٦) ] . وروى الطبراني- بسند ضعيف- عن ابن عمر- رضي الله تعالى عنهما- أن رسول الله- ﷺ كان إذا بعث السعاة على الصدقات أمرهم بما أخذوا من الصدقات أن تجعل في ذوي قرابة من أخذ منهم الأول فالأول أن لم يكن له قرابة، فلأولى العشيرة، ثم لذي الحاجة من الجيران وغيرهم» [ (٧) ] .

стр. 3636

وروى الأئمة: إلا مالكا، عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنهما- «أن رسول الله- ﷺ بعث معاذا إلى اليمن، فقال إنك تقدم على قوم أهل الكتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه عبادة الله ، فإذا عرفوا الله فأخبرهم إن الله قد فرض عليهم خمس صلوات في يومهم وليلتهم، فإذا فعلوا ذلك فأخبرهم إن الله- قد فرض عليهم زكاة تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم، فإذا أطاعوا فخذ منهم وتوقّ كرائم أموالهم، واتق دعوة المظلوم، فإنّها ليس بينها وبين الله حجاب» [ (١) ] . وروى الإمام أحمد، والشيخان، وأبو داود، والدارقطني، عن أبي هريرة- رضي الله تعالى عنه- قال: «بعث رسول الله- ﷺ عمر على الصّدقة، فقيل: منع ابن جميل وخالد بن الوليد، والعباس عم رسول الله- ﷺ «فقال رسول الله- ﷺ : «ما ينقم ابن جميل إلا أنه كان فقيرا فأغناه الله، وأمّا خالد فإنكم تظلمون خالدا قد احتبس أدراعه وأعتده في سبيل الله، وأما العباس فعم رسول الله- ﷺ فهي علي ومثلها معها» وفي رواية «فهي عليه ومثلها معها صدقة» ، ثم قال: «يا عمر: أما علمت أن العم صنو أبيه» [ (٢) ] . وروى الدارقطني، عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنهما- قال: «بعث رسول الله- ﷺ عمر ساعيا، فأتى العباس يطلب صدقة ماله، فأغلظ له العباس فخرج إلى النبي- ﷺ فأخبره، فقال رسول الله- ﷺ «أن العباس قد أسلفنا زكاة ماله العام، والعام المقبل» [ (٣) ] ورواه ابن مسعود- رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله- ﷺ تعجل من العباس صدقة سنتين» [ (٤) ] . وروى الحارث، والطبراني- بسند جيد- عن قرة بن دعموص- رضي الله تعالى عنه- قال: «بعث رسول الله- ﷺ الضحاك بن قيس ساعيا على قومي فلما رجع فجاء بإبل جلة فقال النبي- ﷺ «أتيت هلال بن عامر، ونمير بن عامر، وعامر بن ربيعة، فأخذت جلّة أموالهم» ، فقال: يا رسول الله إني سمعتك تذكر الغزو فأردت أن آتيك بإبل تركبها، وتحمل أصحابك، فقال: «والله للذي تركت أحب إلي من الذي جئت به، اذهب فارددها عليهم، وخذ من حواشي أموالهم» [ (٥) ] .

стр. 3637

وروى الإمامان الشافعي، وأحمد، والشيخان، وأبو داود، عن أبي حميد الساعدي- رضي الله تعالى عنه- قال: «استعمل رسول الله- ﷺ رجلا من الأزد يقال له ابن الأتبية» وفي لفظ «يدعي ابن اللتبية على صدقات بني سليم- فلما جاء حاسبه، فقال: هذا مالكم وهذا هدية فقال رسول الله- ﷺ : «فهلا جلست في بيت أمك وأبيك حتى تأتيك هديتك- إن كنت صادقا» ثم قام خطيبا، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: «أما بعد: فإني أستعمل الرجل منكم على العمل مما ولاني الله، فيأتي فيقول: «هذا لكم وهذا هدية أهديت إليّ أفلا جلس في بيت أبيه وأمه حتى تأتيه هديته؟ إن كان، والله لا يأخذ أحد منكم شيئا بغير حقه إلا لقي الله تعالى يحمله يوم القيامة فلأعرفنّ أحدا منكم لقي الله تعالى يوم القيامة يحمل بعيرا له رغاء أو بقرة لها خوار، أو شاة تيعر» ثم رفع يديه حتى رئي بياض إبطيه، قال: «اللهم هل بلغت؟» [ (١) ] . وروى مسلم، عن عديّ بن عميرة الكندي- رضي الله تعالى عنه- قال: «سمعت رسول الله- ﷺ يقول: «من استعملناه منكم على عمل فكتمنا مخيطا فما فوقه كان غلولا يأتي به يوم القيامة» فقام إليه رجل أسود من الأنصار، كأني أنظر إليه، فقال يا رسول الله: اقبل عنّي عملك، قال: «وما لك؟» قال: سمعتك تقول كذا وكذا قال: «وأنا أقوله الآن، من استعملناه منكم على عمل فليجئ بقليله وكثيره، فما أوتي منه أخذ وما نهي عنه انتهى» [ (٢) ] . وروى ابن ماجة عن العلاء الحضرمي- رضي الله تعالى عنه- قال: «بعثني رسول الله- ﷺ إلى البحرين- أو إلى هجر- فكنت آتي الحائط يكون بين الإخوة يسلّم أحدهم فآخذ من المسلم العشر، ومن المشرك الخراج» [ (٣) ] . تنبيه: في بيان غريب ما سبق . الميسم بميم مكسورة، فتحتية ساكنة، فسين مهملة مكسورة، فميم: حديدة يكوى بها. رغاء- براء مضمومة، فغين معجمة، فألف: صوت الإبل. الغلول- بغين معجمة، فلام مضمومتين فواو فلام: الخيانة في الغنيمة.

стр. 3638

خوار- بضم الخاء المعجمة، وواو، وألف، وراء. يعار- بتحتية، فعين مهملة، فألف، فراء: صياح. القلوص- بقاف مفتوحة فلام، فواو، فصاد مهملة. الشّابة من البقر والغنم والظباء. أعتاده- بهمزة مفتوحة، فعين مهملة ساكنة. صنو أبيه- بصاد مهملة، فنون ساكنة، فواو: مثله. اللّتبية: بلام مضمومة، وفوقية ساكنة، فموحدة مكسورة، فتحتية فتاء تأنيث.

стр. 3639

الباب الثاني في وصيته- ﷺ لأرباب الأموال ودعائه لمن أحسن، وعلى من أساء في الصدقة روى مسلم عن جرير بن عبد الله- رضي الله تعالى عنه- قال: «قال رسول الله- ﷺ «إذا أتاكم المصدّق فليصدر عنكم وهو عنكم راض» [ (١) ] . وروى أبو داود، والبزار، برجال ثقات، عن جابر بن عتيك- رضي الله تعالى عنه- «أن رسول الله- ﷺ قال: «سيأتيكم ركب مبغضون، فإذا جاءوكم فرحّبوا بهم، وخلّوا بينهم وبين ما يتبعون، فإن عدلوا فلأنفسهم، وإن ظلموا فعليهم وارضوهم فإن تمام زكاتكم رضاهم، وليدعوا لكم» [ (٢) ] . وروى ابن ماجة، عن أبي هريرة- رضي الله تعالى عنه- قال «قال رسول الله- ﷺ إذا أعطيتم الزكاة فلا تنسوا ثوابها، أن تقولوا: اللهم اجعلها مغنما، ولا تجعلها مغرما» [ (٣) ] . وروى الإمام أحمد، والشيخان، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجة، عن عبد الله بن أبي أوفى- رضي الله تعالى عنهما- قال: «كان رسول الله- ﷺ إذا أتاه قوم بصدقتهم قال: «اللهم صل على آل فلان» ، فأتاه أبي بصدقته فقال: «اللهم صلى على آل أبي أوفى» [ (٤) ] . وروى النسائي، عن وائل بن حجر- رضي الله تعالى عنه- قال: «بعث رسول الله- ﷺ ساعيا فأتى رجلا فأتاه فصيلا مخلولا، فقال النبي- ﷺ «بعثنا مصدّق الله ورسوله، وإن فلانا أعطاه فصيلا مخلولا اللهم لا تبارك فيه، ولا في إبله» فبلغ ذلك الرجل، فجاء بناقة حسناء، فقال: أتوب إلى الله، وإلى نبيه، فقال رسول الله- ﷺ : «اللهم بارك فيه وفي إبله» [ (٥) ] . وروى أبو يعلى عن جمرة- رضي الله تعالى عنها- قال: «أتيت رسول الله- ﷺ بإبل الصدقة، فمسح برأسي ودعا لي بخير» [ (٦) ] .

стр. 3640

الباب الثالث في فرضه- ﷺ الزكاة المالية وأنواعها على التعيين وفيه أنواع: الأول: في زكاة النعم، وفيه فروع . الأول: في أحاديث مشتركة. روى الإمام أحمد، والبخاري، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، والبيهقي، والدارقطني عن أنس- رضي الله تعالى عنه- أن أبا بكر الصديق- رضي الله تعالى عنه- لما استخلف كتب له حين وجهه إلى البحرين هذا الكتاب، وكان نقش الخاتم ثلاثة أسطر: محمد سطر، ورسول سطر، والله سطر، «بسم الله الرحمن الرحيم هذه فريضة الصدقة التي فرضها رسول الله- ﷺ على المسلمين والتي أمر الله- بها رسوله- ﷺ فمن سألها من المسلمين على وجهها فليعطها، ومن سئل فوقها فلا يعط» . في أربع وعشرين من الإبل فما دونها من الغنم من كل خمس شاة فإذا بلغت خمسا وعشرين إلى خمس وثلاثين ففيها بنت مخاض أنثى. فإذا بلغت ستا وثلاثين إلى خمس وأربعين ففيها بنت لبون أنثى، فإذا بلغت ستا وأربعين إلى ستين، ففيها حقة طروقة الجمل. فإذا بلغت واحدة وستين إلى خمس وسبعين ففيها جذعة. فإذا بلغت ستا وسبعين إلى تسعين ففيها بنتا لبون، فإذا بلغت إحدى وتسعين إلى عشرين ومائة ففيها حقتان طروقتا الجمل. فإذا زادت على عشرين ومائة، ففي كل أربعين بنت لبون، وفي كل خمسين حقة. وإن تباين أسنان الإبل في فرائض الصدقات فمن بلغت عنده من الإبل صدقة الجذعة وليست عنده جذعة، وعنده حقة، فإنها تقبل منه الحقة، ويجعل معها شاتين إن استيسرتا له أو عشرين درهما. ومن بلغت عنده صدقة الحقة وليست عنده، وعنده بنت لبون، فإنها تقبل منه ويجعل معها شاتين، إن استيسرتا له، أو عشرين درهما، ومن بلغت عنده صدقة ابنة لبون وليست عنده إلا حقة، فإنها تقبل منه، ويعطيه المصدق عشرين درهما أو شاتين، ومن بلغت عنده صدقة ابنة لبون، وليست عنده بنت لبون وعنده بنت مخاص، فإنها تقبل منه، ويجعل معها شاتين إن

стр. 3641

استيسرتا له، أو عشرين درهما، ومن بلغت عنده صدقة ابنة مخاض، وليس عنده إلا ابن لبون ذكر، فإنه يقبل منه، وليس معه شيء ومن لم يكن عنده إلا أربع من الإبل فليست فيها صدقة إلا أن يشاء ربّها فإذا بلغت خمسا من الإبل ففيها شاة. وصدقة الغنم في سائمتها إذا كانت أربعين إلى عشرين ومائة شاة، فإن زادت على عشرين ومائة إلى مائتين ففيها شاتان، فإن زادت على مائتين إلى ثلاثمائة ففيها ثلاث شياه فإن زادت على ثلاثمائة، ففي كل مائة شاة، «ولا يؤخذ في الصدقة هرمة، ولا ذات عوار، ولا تيس الغنم، إلا أن يشاء المصدّق وما كان خليطين فإنهما يتراجعان بينهما السوية فإن زادت على ثلاثمائة ففي كل مائة شاة فإذا كانت سائمة الرجل ناقصة من أربعين شاة، شاة واحدة فليس فيها صدقة إلا أن يشاء ربّها» . ولا يجمع بين مفترق ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة [ (١) ] . الفرع الثاني في فرضه- ﷺ زكاة البقر . روى الإمام أحمد، والترمذي، وابن ماجة، عن ابن مسعود- رضي الله تعالى عنه- قال: «كتب رسول الله- ﷺ في صدقة البقر إذا بلغ البقر ثلاثين، ففيها تبيع من البقر جذع أو جذعة، حتى تبلغ أربعين» . «فإذا بلغت أربعين ففيها بقرة مسنّة، فإذا كثرت البقر ففي كل أربعين من البقر مسنّة» [ (٢) ] . وروى الإمام أحمد، واللفظ له، والأربعة، والدارقطني، عن معاذ- رضي الله تعالى عنه- قال: «بعثني رسول الله- ﷺ أصدق أهل اليمن فأمرني أن آخذ من كل ثلاثين تبيعا، ومن كل أربعين مسنة، ففرضوا علي أن آخذ ما بين الأربعين أو الخمسين، وبين الستين والسبعين، وما بين الثمانين والتسعين، فأبيت ذلك وقلت لهم: حتى أسأل رسول الله- ﷺ عن ذلك فقدمت على رسول الله- ﷺ فأخبرته، فأمرني أن آخذ من كل ثلاثين تبيعا، ومن كل أربعين مسنّة، ومن الستين تبيعين، ومن السبعين مسنّة وتبيعا ومن الثمانين مسنتين، ومن التسعين ثلاثة أتباع ومن المائة مسنة وتبيعين ومن العشرة والمائة مسنّتين وتبيعا، ومن العشرين ومائة: ثلاث مسنات، أو أربعة أتباع، وأمرني ألّا آخذ فيما بين ذلك، وزعم أن الأوقاص لا فريضة فيها. والوقص ما بين الفريضتين [ (٣) ] .

стр. 3642

الثاني: في عفوه عن الخيل والرقيق . روى أبو داود، عن علي- رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله- ﷺ قال: «قد عفوت لكم عن الخيل، والرقيق» [ (١) ] . وروى الأئمة، عن أبي هريرة- رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله- ﷺ قال: «ليس على المسلم صدقة في فرسه، ولا في عبده، إلا في صدقة الفطر» [ (٢) ] . الفرع الثالث: في فرضه- ﷺ زكاة النقدين: الذهب والفضة . روى الدارقطني، عن أبي كثير مولى بني جحش «أن رسول الله- ﷺ أمر معاذ بن جبل- رضي الله تعالى عنه- حين بعثه إلى اليمين أن يأخذ من كل أربعين دينارا دينارا، ومن كل مائتي درهم خمسة دراهم» [ (٣) ] . وروى ابن ماجه، والدارقطني، عن ابن عمر، وعائشة- رضي الله تعالى عنهم- «أن رسول الله- ﷺ كان يأخذ من كل عشرين دينارا فصاعدا نصف دينار، ومن الأربعين دينارا» [ (٤) ] . الثالث: في فرضه- ﷺ زكاة الحلي . وروى الإمام أحمد، والأربعة، والدارقطني، عن ابن عمرو- رضي الله تعالى عنهما- «أن امرأة من أهل اليمن أتت رسول الله- ﷺ ومعها ابنة لها، وفي أيديهما مسكتان فقال: «أتعطين زكاة هذا؟» قالت: لا، قال: «أيسركما أن يسوركما الله بسوارين من نار؟» قلن: لا قال: «فأدّيا زكاته» فخلعتاهما، وقالتا: هما لله ورسوله» [ (٥) ] . الفرع الرابع: في فرضه- ﷺ زكاة المعشرات، والثمار والخضراوات . روى الإمام الشافعي، والبخاري، والأربعة، عن ابن عمر- رضي الله تعالى عنهما- أن رسول الله- ﷺ قال: «فيما سقت السماء، والعيون، والأنهار، أو كان بعلا» وفي لفظ «عثريا، العشر وما سقي بالسّواقي أو النضح نصف العشر» [ (٦) ] .

стр. 3643

وروى النسائي، والبيهقي، والدارقطني، عن معاذ- رضي الله تعالى عنه- قال: «بعثني رسول الله- ﷺ إلى اليمن وأمرني أن آخذ مما سقت السماء وما سقي بعلا العشر وما سقي بالدوالي نصف العشر» [ (١) ] . الفرع الخامس: في هديه- ﷺ في خرص العنب والرطب . روى الإمام الشافعي، والترمذي، وابن ماجة، عن عتّاب بن أسيد- رضي الله تعالى عنه- «أن رسول الله- ﷺ كان يبعث على الناس من يخرص عليهم كرمهم وثمارهم» [ (٢) ] . وروى الدارقطني عنه، قال: «أمرني رسول الله- ﷺ أن أخرص أعناب ثقيف كخرص النخل، ثم يؤدى زكاته، كما يؤدى زكاة النخل تمرا» [ (٣) ] . وروى الإمام أحمد، والثلاثة، عن سهل بن أبي حثمة- رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله- ﷺ قال: «إذا خرصتم فجدّوا ودعوا الثلث، فإن لن تدعوا الثلث فدعوا الربع» [ (٤) ] . وروى الإمام أحمد، عن ابن عمر- رضي الله تعالى عنهما- «أن رسول الله- ﷺ بعث ابن رواحة إلى خيبر، يخرص عليهم، ثم خيرهم أن يأخذوا أو يردّوا فقالوا هذا الحق، بهذا قامت السماء والأرض» [ (٥) ] . وروى الطبراني مرسلا- بسند صحيح- عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو ابن حزم قال «إنما خرص ابن رواحة على أهل خيبر عاما واحدا، فأصيب يوم مؤتة، ثم إن جبّار بن صخر بن خنساء كان يبعثه رسول الله- ﷺ بعد ابن رواحة فيخرص عليهم» [ (٦) ] . وروى الطبراني، عن رافع بن خديج- رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله- ﷺ كان يبعث فروة بن عمرو يخرص النخل، فإذا دخل الحائط حسب ما فيه من الأقناء ثم ضرب ببعضها على بعض على ما فيها ولا يخطئ [ (٧) ] . وروى الحارث بلفظ: «بعث رسول الله- ﷺ رجلا إلى قوم يطمس عليهم نخلهم،

стр. 3644

فأتوا إلى رسول الله- ﷺ فقالوا: أتانا فلان يطمس علينا نخلنا، فقال رسول الله- ﷺ لقد بعثته وإنه في نفسي لأمين، فإن شئتم أخذتم ما طمس عليكم، وإن شئتم أخذناه ورددناه عليكم، فقالوا هذا الحق، وبالحق قامت السموات والأرض» [ (١) ] . وروى الطبراني، والدارقطني، عن سهل بن أبي حثمة «أن رسول الله- ﷺ بعث أباه خارصا فجاء رجل فقال: يا رسول الله أن أبا حثمة زاد عليّ، فدعا رسول الله- ﷺ أبا حثمة، فقال رسول الله- ﷺ أن ابن عمك يزعم أنك قد زدت عليه، فقال: يا رسول الله قد تركت له عرية أهله وما تطعمه المساكين، وما يصيب الريح، فقال: قد زادك ابن عمك وأنصف» [ (٢) ] . وروى أبو داود، والدارقطني، عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- قالت «كان رسول الله- ﷺ يبعث ابن رواحة فيخرص النخل، حين تطيب الثمار، قبل أن يؤكل منه، ثم يخيّر يهود بذلك الخرص، أو يدفعوه إليه، لكي يحصي الزكاة قبل أن تؤكل الثمار، أو تفرّق» [ (٣) ] . وروى أبو داود، والنسائي، والبيهقي، والدارقطني، عن عوف بن مالك- رضي الله تعالى عنه- قال: «دخل علينا رسول الله- ﷺ المسجد وبيده عصا، وقد علق رجل منا حشفا فطعن بالعصا في ذلك القنو وقال: «لو شاء رب هذه الصدقة تصدق بأطيب منها، وقال: إن رب هذه الصدقة يأكل الحشف يوم القيامة» [ (٤) ] . وروى أبو داود، والدارقطني، عن جابر- رضي الله تعالى عنه- قال: «أفاء الله على رسول الله- ﷺ خيبر فأقرهم رسول الله- ﷺ كما كانوا وجعلها بينه وبينهم، فبعث عبد الله بن رواحة فخرصها» زاد الدارقطني فقال: «يا معشر يهود: أنتم أبغض الخلق إليّ، قتلتم أنبياء الله وكذبتم على الله» [ (٥) ] . السادس: في زكاة العروض والمعدن والركاز: روى أبو داود، عن سمرة بن جندب- رضي الله تعالى عنه- قال: «أن رسول الله- ﷺ كان يأمرنا أن نخرج الصدقة فيما نعده للبيع» [ (٦) ] .

стр. 3645

وروى الأئمة، إلا الدارقطني، عن أبي هريرة والإمام أحمد عن جابر وابن ماجة عن ابن عباس والإمام أحمد عن أنس والإمام الشافعي عن ابن عمرو: «أن رسول الله- ﷺ قال: «في الركاز الخمس» [ (١) ] . وروى أبو داود، والبيهقي، عن ضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب- ﵂ «وكانت تحت المقداد قالت: ذهب المقداد» [ (٢) ] . السابع: في زكاة مال اليتيم . روى الترمذي، والدارقطني، عن ابن عمرو- ﵁ «أن رسول الله- ﷺ خطب الناس فقال: ألا من ولي يتيما له مال فليتّجر فيه ولا يتركه حتى تأكله الصدقة» [ (٣) ] . وروى الإمام الشافعي، مرسلا، عن يوسف بن ماهك أن رسول الله- ﷺ قال: «ابتغوا في مال اليتامى لا تذهبها أو لا تستأصلها الصدقة» [ (٤) ] . تنبيه في بيان غريب ما سبق . الجذع- تقدم غير مرة. المسنّة- بميم مضمومة، فسين مهملة مكسورة، من البقر والغنم التي طلع سنها في السنة الثالثة. الوقص- بواو فقاف مفتوحتين فصاد، مهملة: ما بين الفريضتين كالزيادة على خمس من الإبل إلى تسع. المسكة- بميم فسين مهملة فكاف، فتاء تأنيث: السوار. السّواني- بسين مهملة، فواو مفتوحتين، فألف، فنون، فتحتية: جمع سانية، وهي الناقة التي يستقى عليها.
следующие страницы →