هذا أخٌ لي لم تلده أمّي ... وليس من نسل أبي وعمّي
فديته من مخولٍ معمّ ... فأنمه اللهمّ فيما تنمي
وتقول أيضاً رضي الله تعالى عنها:
محمدٌ خير البشر ... ممّن مضى ومن غبر
من حجّ منهم أو اعتمر ... أحسن من وجه القمر
من كلّ أنثى وذكر ... من كلّ مشبوب أغرّ
جنّبني الله الغير ... فيه وأوضح لي الأثر
стр. 422
الباب الثالث في إسلام السيدة حليمة وزوجها رضي الله تعالى عنهما
قال الحافظ عماد الدين بن كثير رحمه الله تعالى: الظاهر أن حليمة لم تدرك البعثة.
قال الحافظ في شرح الدّرر: وهو غير مسلّم، فقد روى أبو يعلى والطبراني وابن حبّان، عن عبد الله بن جعفر رضي الله تعالى عنهما قال: حدثتني حليمة. وعبد الله إنما ولد بعد البعثة بمدة، بل لم يتهيأ له السّماع من حليمة إلا بعد الهجرة بسبع سنين أو أكثر، لأنه قدم من الحبشة مع أبيه وهو صغير ليلة الغزوة في خيبر سنة سبع، وحليمة إنما قدمت في هذه المدة أو بعدها بسنة في الجعرانة.
ومستند ابن كثير كثير الاختلاف على ابن إسحاق في حديث حدّثه عبد الله، فمنهم من قال: عبد الله بن جعفر، عن حليمة. ومنهم من قال: عن عبد الله بن جعفر حدثتني حليمة.
قلت: ليس هذا مستنده إنما مستنده قول من قال: عن عبد الله بن جعفر حدّثت عن حليمة. والله تعالى أعلم.
قال الحافظ: فرأى ابن كثير أن هذه علّة تمنع من الجزم بإدراك عبد الله بن جعفر لها، وليست هذه في التحقيق علة، فإن الشواهد التي تدل على إدراك عبد الله بن جعفر لها كثيرة وأسانيدها جيدة.
وروى ابن سعد بسند رجاله رجال الصحيح، عن محمد بن المنكدر- مرسلا- قال: استأذنت امرأةٌ على النبي ﷺ . قد كانت ترضعه فلما دخلت عليه قال: أمّي أمي! وعمد إلى ردائه فبسطه لها فقعدت عليه
انتهى.
قلت: ويجاب عن رواية: «حدّثت عن حليمة» أنه سمع منها بعض القصة وبعضها عمن سمع منها أو أنه سمع ممن روى عنها. ثم سمع منها. والله تعالى أعلم.
وقد ألف الحافظ مغلطاي رحمه الله تعالى جزءاً في إيمانها وهذه خلاصته مع زيادة:
روى البخاري في الأدب وأبو داود والطبراني وابن حبان في صحيحه عن أبي الطفيل رضي الله تعالى عنه قال: رأيت رسول الله ﷺ يقسم لحماً بالجعرانة- وأنا يومئذ غلام أحمل عظم الجزور- إذ أقبلت امرأة حتى دنت إلى رسول الله ﷺ فبسط لها رداءه فجلست عليه فقلت: من هذه؟ قالوا هذه أمه ﷺ التي أرضعته.
وقول الذهبي: يجوز أن تكون هذه ثويبة مردود بما ثبت أنها توفيت سنة سبع من الهجرة.
стр. 423
ثم ذكر الحافظ مغلطاي حديث الرضاع ثم قال: فإن قيل: ما وجه الاستدلال من هذين الحديثين؟ قلنا: من وجوه: الأول: دفع شبهة من زعم أن القادمة في حنين أخته ﷺ لأنه يستبعد أن تكون عمّرت إلى ذلك الحين تخرّصاً من غير يقين، لأن رواية هذين الصحابيين عنها مشافهةً مع صغرهما يقرّب ذلك الاستبعاد.
قلت: قال الحافظ بعد أن أورد عدة آثار في مجيء أمه ﷺ من الرضاعة إليه ثم قال:
ففي تعدد الطرق ما يقتضي أن لها أصلاً أصيلاً، وفي اتفاق الطرق على أنها أمّه ردّ على من زعم أن التي قدمت عليه أخته، وزاعم ذلك هو الحافظ الدمياطي رحمه الله تعالى والله تعالى أعلم.
وقد ذكرها في الصحابة جماعة. قال أبو بكر أحمد بن أبي خيثمة في تاريخه: ذكر ما انتهى إلينا من سند النساء اللاتي رويّن عن النبي ﷺ ثم قال: باب الحاء: حليمة بنت أبي ذؤيب وقال الحافظ أبو محمد المنذريّ في مختصر سنن أبي داود: حليمة أمه ﷺ أسلمت وجاءت إليه وروت عنه ﵊.
قال الحافظ أبو الفرج بن الجوزي رحمه الله تعالى في الحدائق: قدمت حليمة ابنة الحارث على النبي ﷺ بعد ما تزوج خديجة فشكت إليه جدب البلاد فكلّم خديجة فأعطتها أربعين شاة وبعيراً، ثم قدمت عليه بعد النبوة فأسلمت وبايعت وأسلم زوجها الحارث.
وقال القاضي أبو الفضل عياض رحمه الله تعالى: لما وردت حليمة السعدية على رسول الله ﷺ فبسط لها رداءه وقضى حاجتها فلما توفي قدمت على أبي بكر فصنع لها مثل ذلك.
قلت: هذا كلام القاضي في الشفاء وروى ابن سعد عن عمر بن سعد مرسلاً قال:
جاءت ظئر النبي ﷺ فبسط لها رداءه وقضى حاجتها ثم جاءت أبا بكر ففعل ذلك، ثم جاءت عمر ففعل ذلك والله تعالى أعلم.
الوجه الثاني: أن لفظ الأمّ لا ينطلق عرفاً ولغة إلاّ على الأم الحقيقية، ولم نر من يسمي الأخت أمّا، على أنه قد جاء ما يدفع هذا لو قيل به.
وروى أبو داود بسند صحيح عن عمرو بن السائب رحمه الله تعالى إنه بلغه أن رسول الله ﷺ كان جالساً يوماً فأقبل أبوه من الرضاعة فوضع له بعض ثوبه فقعد عليه، ثم أقبلت أمّه فوضع لها شقّ ثوبه من جانبه الآخر فجلست إليه، ثم أقبل أخوه من الرضاعة فقام رسول الله ﷺ وأجلسه بين يديه.
وذكر أبو عمر عن زيد بن أسلم رحمه الله تعالى عن عطاء بن يسار قال: جاءت حليمة
стр. 424
ابنة عبد الله أم النبي ﷺ ، فقام لها النبي ﷺ ، وبسط لها رداءه فجلست عليه. وهو مرسل جيّد الإسناد.
الوجه الثالث: ليس لقائل أن يقول: سلّمنا أن القادمة أمّه ﷺ ، فما الدليل على إسلامها حينئذ؟ ولعل الدليل من قول من قال أسلمت وبايعت. وقول من قال: روت عن النبي ﷺ .
وروى عنها.
قال الحافظ مغلطاي [ (١) ] رحمه الله تعالى: ورأيت ليلة الأحد ثاني وعشرين شهر ربيع الآخر سنة ثمان وثلاثين وثمانمائة في المنام عيسى ابن مريم عليهما الصلاة والسلام وسألته عنها فقال مجيباً: رضي الله تعالى عنها. ثم قال الحافظ مغلطاي: أنشدنا الإمام العالم العلامة أبو الحسن علي بن جابر الهاشميّ رحمه الله تعالى لنفسه:
أمّا حليمة مرضع المختار ... فبه غدت تزهى على الأخيار
في جنة الفردوس دار مقامها ... أكرم بها يا صاحبي من دار
قال الحافظ مغلطاي رحمه الله تعالى ورضي عنه: ومما قلته فيها من الأبيات رضي الله تعالى ونفعنا بها:
أضحت حليمة تزدهي بمفاخر ... ما نالها في عصرها إثنان [ (٢) ]
منها الكفالة والرّضاع وصحبةٌ ... والغاية القصوى رضا الرحمن
وأما زوج حليمة أبو عبد الله الحارث فلم يذكره كثير ممن ألّف في الصحابة.
وذكره ابن إسحاق في رواية يونس بن بكير فقال: حدثني والدي إسحاق بن يسار عن رجال من بني سعد بن بكر قالوا: قدم الحارث بن عبد العزّى أبو رسول الله ﷺ من الرضاعة على رسول الله ﷺ بمكة فقالت له قريش، حين نزل عليه: ألا تسمع يا حارث ما يقول ابنك هذا؟
قال ما يقول: قالوا يزعم أن الناس يبعثون بعد الموت وأن لله داراً من نار يعذّب فيها من عصاه وداراً يكرم فيها من أطاعه، شتّت أمرنا وفرّق جماعتنا. فأتاه فقال: أي بنيّ ما لك ولقومك يشانئونك ويزعمون أنك تقول إن الناس يبعثون بعد الموت ثم يصيرون إلى جنةٍ ونار. فقال رسول الله ﷺ : «أنا أزعم ذلك، ولو قد كان ذلك اليوم يا أبت لقد أخذت بيدك حتى
стр. 425
أعرفك حديثك اليوم» .
فأسلم الحارث بعد ذلك فحسن إسلامه وكان يقول حين أسلم: لو قد أخذ ابني بيدي فعرّفني ما قال لم يرسلني إن شاء الله تعالى حتى يدخلني الجنة.
قال ابن إسحاق رحمه الله تعالى: وبلغني أن الحارث إنما أسلم بعد وفاة النبي ﷺ .
стр. 426
الباب الرابع في سياق قصة الرضاع وما وقع فيها من الآيات
روى ابن إسحاق وابن راهوية وأبو يعلى والطبراني وابن حبان ﵃ عن عبد الله بن جعفر رضي الله تعالى عنهما قال: حدثتني حليمة، والبيهقي وابن عساكر عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وفي سنده من تكلّم فيه لكن لأكثره شاهد قويّ والبيهقي عن الزهري وأبو يعلى وأبو نعيم عن شداد بن أوس مرفوعاً مختصراً، والإمام أحمد والدارميّ عن عتبة بن عبد الله مرفوعاً مختصراً، وأبو نعيم عن بريدة، وابن سعد وأبو نعيم وابن عساكر عن يحيى بن يزيد السعدي وابن سعد عن زيد بن أسلم- ﵃ أن حليمة قالت:
قدمت على أتان لي قمراء قد أزمّت بالرّكب حتى شقّ ذلك عليهم ضعفاً وعجفاً ومعي صبيّ لنا وشارف لنا والله ما تبضّ بقطرة، وما ننام ليلنا أجمع، [من] [ (١) ] صبيّنا ذاك لا يجد في شارفنا ما يكفيه ولا في ثديي ما يغنيه فقدمنا مكة.
وذكر العوفي رحمه الله تعالى أن عبد المطلب سمع وقت دخول حليمة مكة هاتفاً يقول:
إن ابن آمنة الأمين محمّداً ... خير الأنام وخيرة الأخيار
ما إن له غير الحليمة مرضعٌ ... نعم الأمينة هي على الأبرار
مأمونةٌ من كلّ عيبٍ فاحش ... ونقيّة الأثواب والأزرار
لا تسلمنه إلى سواها إنّه ... أمرٌ وحكمٌ جا من الجبّار
قالت: فو الله ما علمت امرأةً منا إلا وقد عرض عليها رسول الله ﷺ فتأباه إذا قيل لها بأنه يتيم، وذلك أنّا إنما كنا نرجو المعروف من أبي الصبيّ، فكنا نقول يتيم ما عسى تصنع أمه وجده. فكنا نكرهه لذلك. فو الله ما بقي من صواحبي امرأة إلا أخذت رضيعاً غيري، فلما لم أجد غيره قلت لزوجي: والله إني لأكره أن أرجع من بين صواحبي ليس معي رضيع، لأنطلقن إلى ذلك اليتيم فلآخذنّه. فذهبت فأخذته فجئت به رحلى. فقالت آمنة: يا حليمة قيل لي ثلاث ليال: استرضعي ابنك في بني سعد بن بكر ثم في آل أبي ذؤيب. قالت حليمة:
فإنّ زوجي أبو ذؤيب. وإنها أخبرتها بما رأت في حمله ﷺ وحين وضعته.
قالت حليمة: فلما وضعته في حجري أقبل عليه ثدياي. بما شاء الله من لبن، فشرب حتى روي ثم شرب أخوه حتى روي ثم ناما. وقام زوجي إلى شارفنا فإذا إنها لحافل، فحلب
стр. 427
فشرب وشربت حتى انتهينا، وبتنا بخير ليلة. فقال صاحبي: تعلّمي يا حليمة والله إني لأراك قد أخذت نسمةً مباركة ألم ترى إلى ما بتنا فيه الليلة من الخير والبركة حين أخذناه؟ قلت:
والله إني لأرجو ذلك.
وفي حديث إسحاق بن يحيى عند ابن سعد أن اليهود مرّوا على حليمة فقالت: ألا تحدّثوني عن ابني هذا فإني حملته كذا ووضعته كذا ورأيت كذا كما وصفت أمّه. فقال بعضهم لبعض: اقتلوه فقالوا أيتيم هو؟ قالت: لا هذا أبوه وأنا أمه فقالوا: لو كان يتيماً قتلناه.
قالت: ثم رجعنا وركبت أتاني وحملته عليها معي، فو الله لقد قطعت أتاني بالرّكب حتى ما يتعلق بها حمار، حتى إن صواحبي ليقلن لي يا بنت أبي ذؤيب ويحك! أربعي علينا أهذه أتانك التي خرجت عليها معنا؟ فأقول نعم والله إنها لهي فيقلن: والله إنّ لها لشأناً.
وفي حديث الزّهري أن حليمة نزلت به ﷺ سوق عكاظ فرآه كاهنٌ من الكهان فقال:
يا أهل سوق عكاظ: اقتلوا هذا الغلام فإن له ملكاً. فزاغت به حليمة فأنجاه الله تعالى منهم.
ثم قدمنا أرض بني سعد، وما أعلم أرضاً من أرض الله تعالى أجدب منها، فكانت غنمي تسرح ثم تروح شباعاً لبّنا فنحلب ونشرب وما يحلب إنسانٌ قطرة لبن ولا يجدها في ضرع، إن كان الحاضر من قومنا ليقولون لرعاتهم: ويحكم انظروا حيث تسرح غنم حليمة فاسرحوا معهم. فيسرحون مع غنمي حيث تسرح فتروح أغنامهم جياعاً ما فيها قطرة لبن وتروح غنمي شباعاً لبّناً.
قالت: ولما دخلت به إلى منزلي لم يبق منزل من منازل بني سعد إلا شممنا منه ريح المسك وألقيت محبته ﷺ في قلوب الناس حتى إنّ أحدهم كان إذا نزل به أذى في جسده أخذ كفه ﷺ فيضعها على موضع الأذى فيبرأ سريعاً بإذن الله تعالى. وكانوا إذا اعتلّ لهم بعير أو شاة فعلوا ذلك.
وروى أبو نعيم عن بعض من كان يرعى غنم حليمة أنهم كانوا يرون غنمها ما ترفع برؤوسها وترى الخضر في أفواهها وأبعارها، وما تزيد غنمنا على أن تربض ما تجد عوداً تأكله.
قالت حليمة: فلم يزل الله تعالى يرينا البركة ونتعرّفها، حتى بلغ ﷺ سنتين، فكان يشبّ شباباً لا يشبه الغلمان.
وفي حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: كان أول كلام تكلم به ﷺ به حين فطمته: الله أكبر كبيرا والحمد لله كثيرا وسبحان الله بكرة وأصيلا.
وروى أبو نعيم عن بعض رعاة حليمة قالوا: مكث رسول الله ﷺ سنتين حين فطم
стр. 428
وكأنه أبن أربع سنين فقدموا به على أمه زائرين لها، وهم أحرص شيء على ردّه مكانه لما رأوا من عظم بركته، فلما كانوا بوادي السّرر لقيت نفراً من الحبشة فرافقتهم فسألوها فنظروا إلى رسول الله ﷺ نظراً شديداً ثم نظروا إلى خاتم النبوة بين كتفيه وإلى حمرة في عينيه فقالوا:
هل يشتكي عينه؟ قالت: لا ولكن هذه الحمرة لا تفارقه. قالوا: والله نبي. انتهى.
قالت: فقدمنا به إلى أمه فلما رأته قلنا لها: اتركي ابننا عندنا هذه السّنة فإننا نخاف عليه وباء مكة. فو الله ما زلنا بها حتى قالت نعم فسرحته معنا.
وعند أبي نعيم عن بعض رعاة حليمة أنها مرت بذي المجاز وهي راجعة برسول الله ﷺ وبه عرّاف يؤتى إليه بالصبيان ينظر إليهم فلما نظر إلى رسول الله ﷺ وإلى الحمرة بين عينيه وإلى خاتم النبوة صاح: يا معشر العرب اقتلوا هذا الصبي فليقتلنّ أهل دينكم وليكسرن أصنامكم وليظهرن أمره عليكم. فانسلّت به حليمة.
زاد ابن سعد: فجعل الهذلي يصيح: يا لهذيل يا لهذيل وآلهته إنّ هذا لينتظر أمراً من السماء. وجعل يغري بالنبي ﷺ ، فلم ينشب أن دله فذهب عقله حتى مات كافراً.
فأقمنا شهرين أو ثلاثة، وكان ﷺ يخرج فينظر إلى الصبيان يلعبون فيجتنبهم.
وفي حديث الزهري عند ابن سعد قال: كانت حليمة لا تدع رسول الله ﷺ يذهب مكاناً بعيداً، فغفلت عنه يوما فخرج مع أخته الشّيماء في الظهيرة فخرجت حليمة تطلبه حتى وجدته مع أخته فقالت: في هذا الحر؟ فقالت أخته: يا أمّه ما وجد أخي حراراً رأيت غمامة تظلّ عليه إذا وقف وقفت وإذا سار سارت حتى انتهى إلي هذا الموضع. قالت: حقّاً يا بنية؟
قالت: إي والله. انتهى.
فقال لي يوما: يا أماه مالي لا أرى إخوتي بالنهار. قالت: يرعون بهماً غنماً لنا فيروحون من الليل إلى الليل. فقال: ابعثيني معهم. فكان ﷺ يخرج مسروراً ويعود مسروراً. فلما كان يوماً من ذلك خرج. فلما انتصف النهار إذ جاءنا أخوه يشتدّ فقال: يا أبة ويا أمّة إلحقا أخي محمداً فما تلحقانه إلا ميّتاً. قلت: وما قصته قال: بينا نحن قيام إذ أتانا رجل فاختطفه من أوساطنا وعلا به ذروة جبل ونحن ننظر إليه حتى شق من صدره إلى عانته. وعند ابن إسحاق:
ورجلان عليهما ثياب بيض فشقّا بطنه فهما يسوطانه انتهى. وما أدري ما فعل.
فأقبلت أنا وأبوه نسعى سعياً فإذا به قاعداً على ذروة الجبل شاخصاً ببصره إلى السماء فنجده منتقعاً لونه فأكببت عليه وقبّلت بين عينيه وقلت: فدتك نفسي ما دهاك؟ قال: خيراً يا أماه بينا أنا الساعة قائم إذ أتاني رهطٌ ثلاث بيد أحدهم إبريق فضة وفي يد الثاني طست من زمّردة خضراء ملآن ثلجاً فأخذوني وانطلقوا بي إلى ذروة الجبل فأضجعوني إضجاعاً لطيفاً،
стр. 429
ثم شق أحدهم من صدري إلى عانتي وأنا أنظر إليه فلم أجد لذلك حساً ولا ألماً ثم أدخل يده في جوفي فأخرج أحشاء بطني فغسلها بذلك الثلج فأنعم غسلها ثم أعادها. كذا في حديث ابن عباس عند البيهقي، وشدّاد بن أوس عند أبي يعلى، وأبي نعيم.
وفي صحيح مسلم: فأتاه جبريل فأخذه فصرعه فشق عن قلبه واستخرج القلب، ثم شق القلب فاستخرج منه علقة سوداء فقال: هذا حظ الشيطان منك يا حبيب الله. ثم حشاه بشيء كان معه وردّه مكانه ثم ختمه بخاتم النبوة من نور. فأنا الساعة أجد برد الخاتم في عروقي ومفاصلي. وقام الثالث فقال تنحّيا فقد أنجزتما ما أمركما الله تعالى به. ثم دنا مني فأمر يده من مفرق صدري إلى منتهى عانتي فالتأم الشق بإذن الله تعالى.
وفي حديث عبد الله بن عتبة: فأقبل إلي طائران أبيضان كأنهما نسران فقال أحدهما لصاحبه أهو هو؟ قال: نعم فأقبلا يبتدراني فأخذاني فبطحاني للقفا فشقا بطني ثم استخرجا قلبي فشقاه فأخرجا منه علقتين سوداوين فقال أحدهما لصاحبه: إيتني بماء ثلج فغسلا به جوفي. ثم قال: إيتني بماء برد فغسلا به قلبي. ثم قال إيتني بالسكينة فذراها في قلبي. ثم أخذ بيدي فأنهضني إنهاضاً لطيفاً ثم قال الأول: زنه بعشرة من أمته فوزنوني بهم فرجحتهم. ثم قال: زنه بمائة فوزنوني بهم فرجحتهم ثم قال: زنه بألف من أمته. فوزنوني بهم فجعلت أنظر إلى الألف فوقي أشفق أن يخرّ عليّ بعضهم فرجحتهم، فقال: دعوه فلو وزنتموه بأمته كلها لرجحهم. ثم ضمّوني إلى صدورهم وقبّلوا رأسي وما بين عينيّ ثم قالوا: يا حبيب الله لم ترع إنك لو تدري ما يراد بك من الخير لقرّت عيناك.
قالت حليمة: فأتيت به منازل بني سعد فقال الناس: اذهبوا به إلى الكاهن حتى ينظر إليه ويداويه. فقال: ما بي شيء مما تذكرون إني أرى نفسي سليمة، وفؤادي صحيح. فقال الناس أصابه لمم أو طائف من الجن. فغلبوني على أمري فانطلقت به إلى الكاهن فقصصت عليه القصة فقال: دعيني أنا أسمع منه فإن الغلام أبصر بأمره منكم، تكلّم يا غلام. فقصّ قصته عليه. فوثب الكاهن قائماً على قدميه ونادى بأعلى صوته: يا للعرب من شر قد اقترب اقتلوا هذا الغلام واقتلوني معه فإنكم إن تركتموه وأدرك مدارك الرجال ليسفّهنّ أحلامكم وليكذّبن أربابكم وليدعونكم إلى ربّ لا تعرفونه ودين تنكرونه قالت: فلما سمعت مقالته انتزعته من يده وقلت لأنت أعته منه وأجنّ، ولو علمت هذا من قولك ما أتيتك به، اطلب لنفسك من يقتلك فإنا لا نقتل محمداً.
فأتيت به منزلي فما أتيت منزلا من منازل بني سعد إلا وقد شممنا منه ريح المسك، فقال الناس: يا حليمة ردّيه إلى جدّه واخرجي من أمانتك. وقال زوجي: أرى أن نردّه على أمه
стр. 430
لتعالجه، فو الله إن أصابه ما أصاب إلا حسداً من آل فلان لما يرون من عظيم بركته يا حليمة أخذناه ولنا أعنزٌ عجاف فهن اليوم ثلاثمائة.
قالت: فعزمت على ذلك. فسمعت منادياً ينادي: هنيئا لك يا بطحاء مكة اليوم يردّ إليك النّور والدّين والبهاء والكمال فقد أمنت أن تخذلي أو تخزي أبد الآبدين.
قال ابن إسحاق رحمه الله تعالى: وزعم الناس فيما يتحدثون- والله تعالى أعلم- أن أمه السعدية لمّا قدمت به مكة أضلّها في الناس وهي مقبلة نحو أهله، فألتمسته فلم تجده فأتت عبد المطلب فقالت: إني قدمت بمحمد هذه الليلة فلما كنت بأعلى مكة أضلّني، فو الله ما أدري أين هو. فقام عبد المطلب عند الكعبة يدعو الله تعالى أن يردّه ﷺ عليه. زاد البيهقي رحمه الله تعالى: فقال عبد المطلب:
يا رب إن محمّداً لم يوجد ... فجمع قومي كلّهم مبدّد
زاد ابن سعد وابن الجوزي فقال عبد المطلب:
لا همّ ردّ راكبي محمدا ... اردده لي ثمّ اتّخذ عندي يدا
أنت الذي جعلته لي عضدا ... لا يبعد الدّهر به فيبعدا
أنت الذي سمّيته محمدا
فسمع هاتفاً من السماء: أيها الناس لا تضجّوا إن لمحمد ﷺ ربّا لن يخذله ولن يضيعه. فقال عبد المطلب: من لنا به؟ فقال: إنه بوادي تهامة عند الشجرة اليمنى. فركب عبد المطلب نحوه وتبعه ورقة بن نوفل وسار فإذا النبي ﷺ قائم تحت شجرة يجذب غصناً من أغصانها فقال له جده: من أنت يا غلام؟ قال: أنا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب.
قال: وأنا جدّك فدتك نفسي. واحتمله وعانقه وهو يبكي ثم رجع إلى مكة وهو قدّامه على قربوس فرسه فاطمأنت قريش، ونحر عبد المطلب عشرين جزوراً وذبح الشّياه والبقر وأطعم أهل مكة من ذلك. انتهى.
قالت حليمة: فقالت أمه: ما ردّكما به يا ظئر فقد كنتما عليه حريصين؟ قلنا: نخشى الأتلاف والأحداث فقالت: ما ذاك بكما أصدقاني شأنكما. فلم تدعنا حتى أخبرناها خبره.
فقالت: أخشيتما عليه الشيطان؟ كلا والله ما للشيطان عليه سبيل، والله إنه لكائن لا بني هذا شأن، ألا أخبركما خبره؟ قلنا: بلى. قالت: حملت به فما حملت حملاً قط أخفّ منه، فأريت في النوم حين حملت به خرج منّي نور أضاءت له قصور بصرى من أرض الشام، ثم وقع حين ولدته وقعاً ما يقعه المولود، معتمداً على يديه رافعاً رأسه إلى السماء.
قالت حليمة: وحدثت عبد المطلب حديثه كله فقال: يا حليمة إن لابني هذا شأناً
стр. 431
وددت أني أدرك ذلك الزمان، ثم جهّزني عبد المطلب أحسن جهاز وصرفني إلى منزلي بكل خير.
وذكر ابن المعلّى الأزدي رحمه الله تعالى في كتاب «الترقيص» إن من شعر حليمة مما كانت ترقّص به النبي ﷺ :
يا ربّ إذ أعطيته فأبقه ... وأعله إلى العلا ورقّه
وادحض أباطيل العدا بحقّه
وذكر ابن سبع رحمه الله تعالى أن حليمة قالت: كنت أعطيه ﷺ الثدي فيشرب منه ثم أحوّله إلى الثدي الأيسر فيأبى أن يشرب منه. قال بعضهم: وذلك من عدله ﷺ لأنه علم أن له شريكاً في الرضاعة. وكان ﷺ مفطوراً على العدل مجبولاً على جميل المشاركة والفضل صلى الله عليه وزاده فضلا وشرفا لديه.
قال العزفيّ: رحمه الله تعالى: كان النساء يرين إرضاع أولادهن عاراً عليهن. وقال غيره: لينشأ غريباً فيكون أنجب للغلام وأفصح له. وقال آخر: كان عادة العرب أن تفعل ذلك لتفرغ النساء للأزواج وهو منتفٍ هنا لأن أباه توفي وهو حمل على الصحيح.
قال الواقدي رحمه الله تعالى: وكان ابن عباس رضي الله تعالى عنهما يقول: رجع ﷺ إلى أمه وهو أبن خمس سنين. وكان غيره يقول: رجع إليها وهو ابن أربع سنين.
وذكر الأموي- رحمه الله تعالى- أنه ﷺ رجع وهو ابن ست سنين تزيره جدّه في كل عام، ولم تره بعد أن ردّته إلا مرتين إحداهما بعد تزويج خديجة، جاءته ﷺ تشكو إليه السّنة وأن قومها قد أسنتوا فكلّم لها خديجة فأعطتها عشرين رأساً من غنم وبكرات. والمرة الثانية يوم حنين.
لقد بلغت بالهاشميّ حليمةٌ ... مقاماً علا في ذروة العزّ والمجد
وزادت مواشيها وأخصب ربعها ... وقد عمّ هذا السّعد كلّ بني سعد
ويرحم الله تعالى العلامة بن جابر حيث قال:
بخير الخلق يشرح كلّ صدرٍ ... وعند الله حاز أجلّ قدر
بشقّ الصّدر خص كشقّ بدرٍ ... كما خصّ الكليم بشقّ بحر
وسعي الدّوح جاء لدفع شكٍ ... كسعي عصا الكليم لدفع سحر
له الشّرفان من عمٍّ وخال ... ففاق المرسلين بكلّ عصر
بدا من خير بيتٍ في قريشٍ ... وأرضع في بني سعد بن بكر
فضمّ إلى فصاحة آل سعدٍ ... سماحة هاشمٍ وجلال فهر
стр. 432
لقد سعدت حليمة حيث حازت ... رضاعته ونالت كلّ فخر
فدرّ عليه منها الثّدي حالاً ... ولم يك قبل ذا يشفي بدّرّ
وأعلم أنّه لأخيه حقٌّ ... فغادر ثديها الثّاني بوفر
وشارفها جرت لبناً فأروت ... وكانت لا تبضّ [ (١) ] لهم بقطر
وأسرعت الأتان [ (٢) ] به نهوضاً ... فأعجب كل من في الرّكب يسري
وكانت من وراء القوم ضعفاً ... فصارت عن أمام القوم تجري
فقالوا إنّ لابنك ذا لشأناً ... أخذت مباركاً فثقي بيسر
وكان يشبّ في شهرٍ كعامٍ ... إذا اعتبروا وفي يومٍ كشهر
ويصبح دون صبيتهم دهيناً ... كحيلاً طيّباً من غير عطر
وكانوا في أشدّ الأرض جدباً ... فعمّ القطر منها كل قطر
وخلف بيوتهم جبريل وافى ... فشقّ الصّدر منه بغير ضرّ
وألقى مغمز الشّيطان منه ... فطهّره فنال أتمّ طهر
حشا منه الحشا علماً وحلماً ... وإيماناً على ورعٍ وصبر
وأكرمه الإله بشقّ صدر ... ووضع الوزر عنه ورفع ذكر
فكان رضاً بلا سخطٍ وبذلاً ... بلا بخلٍ وخيراً دون شرّ
له خلق الملائك وهو خلقٌ ... من البشر الخصيص بكلّ بشر
إله العرش أرسله بشيراً ... نذيراً داعياً لهدىً ويسر
فأبدلنا بهديٍ بعد جهلٍ ... وعوّضنا بيسرٍ بعد عسر
عليه صلاة ربّ العرش تندى ... كما تندى الرّياض بكلّ فجر
يواصل عرفها [ (٣) ] آلاً وصحباً ... كأنّ ثناهم نفحات زهر
والشرف البوصيري حيث قال:
وبدت في رضاعه معجزاتٌ ... ليس فيها عن العيون خفاء
إذ أبته ليتمه مرضعاتٌ ... قلن ما في اليتيم عنّا غناء
فأتته من آل سعدٍ فتاةٌ ... قد أبتها لفقرها الرّضعاء
أرضعته لبانها فسقتها ... وبنيها ألبانهنّ الشّياء
стр. 433
أصبحت شوّلاً [ (١) ] عجافاً وأمست ... ما بها شائلٌ ولا عجفاء
أخصب العيش عندها بعد محل ... إذ غدا للنبيّ منها غذاء
يا لها منّة لقد ضوعف الأج ... ر عليها من جنسها والجزاء
حيث أنبتت سنابل والضّع ... ف لديه يستشرف الضّعفاء
وإذا سخّر الإله أناساً ... لسعيدٍ فإنّهم سعداء
وأتت جدّه وقد فصلته ... وبها من فصاله البرحاء
إذ أحاطت به ملائكة اللّ ... هـ فظنّت بأنّهم قرناء
ورأى وجدها به ومن الوج ... د لهيبٌ تصلى به الأحشاء
فارقته كرهاً وكان لديها ... ثاوياً لا يملّ منه الثّواء
شقّ عن صدره وأخرج منه ... مضغةً عند غسله سوداء
ختمته يمنى الأمين وقد أو ... دع ما لم يذع له أنباء
صان أسراره الختام فلا ال ... فضّ ملمٌّ به ولا الإفضاء
ألف النّسك والعبادة وال ... خلوة طفلاً وهكذا النجباء
وإذا حلّت الهداية قلباً ... نشطت في العبادة الأعضاء
تنبيهات
الأول: قال بعض العلماء: المراد بالوزن في قوله: «زنه بعشرة» إلى آخره: الوزن الاعتباري. فيكون المراد بالرّجحان [الرجحان] في الفضل وهو كذلك. وفائدة فعل الملكين ذلك ليعلم رسول الله ﷺ ذلك حتى يخبر به غيره ويعتقده، إذ هو من الأمور الاعتقادية.
وسألت شيخنا شيخ الإسلام برهان الدين بن يوسف- رحمه الله تعالى- عن ذلك فكتب لي بخطه: هذا الحديث يقتضي أن المعاني جعلها الله تعالى ذواتا، فعند ذلك قال الملك لصاحبه: أجعله في كفة وأجعل ألفا من أمته في كفة. ففعل فرجح ما له ﷺ رجحانا طاش معه ما للألف بحيث يخيل للرائي أنه يسقط عليه بعضهم. ولما عرف الملكان منه الرجحان وأنه معنى لو اجتمعت المعاني كلها التي للأمة ووضعت في كفة ووضع ماله ﷺ في كفة لرجح على الأمة قالا: لو أن أمته وزنت به ﷺ مال بهم لأن مآثر خير الخلق وما وهبه الله تعالى له من الفضائل يستحيل أن يساويها غيرها. انتهى.
стр. 434
الثاني:
قال السهيلي- رحمه الله تعالى-: التماس الأجر على الرضاع لم يكن محموداً عند أكثر العرب، حتى جرى المثل: «تجوع الحرّة فلا تأكل بثديها» .
وتعقبه في الزهر بأن المثل غير مسوق لذلك. قال المفضل الضبّي- رحمه الله تعالى- في كتاب «الفاخر» : تجوع الحرّة ولا تأكل بثديها أي ولا تهتك نفسها وتبدي منها ما لا ينبغي أن تبدي. وذكر مثله محمد بن سعد العراقي- رحمه الله تعالى- في «نزهة الأنفس» في الأمثال.
قلت: قال الميداني [ (١) ] تبعاً لأبي عبيد- رحمهما الله تعالى-: أي لا تكون ظئراً وإن آذاها الجوع.
ثم قال السّهيلي: وكان عند بعضهم لا بأس به فقد كانت حليمة وسيطةً في بني سعد كريمة من كرائم قومها بدليل اختيار الله تعالى إياها لإرضاع نبيه ﷺ كما اختار له أشرف البطون والأصلاب، والرّضاع كالنسب. قال: ويحتمل أن تكون حليمة ونساء قومها طلبن الرضاع اضطراراً للأزمة التي أصابتهم والسّنة الشهباء التي أقحمتهم [ (٢) ] . والله تعالى أعلم.
الثالث:
قول آمنة: «فلم أر حملاً كان أخفّ عليّ منه» يفهم منه أنها حملت بغيره ﷺ . وقد ورد ما هو أصرح منه. قال ابن سعد أخبرنا عمرو بن عاصم أخبرنا همّام عن إسحاق بن عبد الله، قال: قالت أم النبي ﷺ : قد حملت الأولاد فما حملت أخفّ منه. قال ابن سعد- رحمه الله تعالى: قال محمد بن عمر يعني الواقديّ- وهذا مما لا يعرف عندنا ولا عند أهل العلم، لم تلد آمنة ولا عبد الله غير النبي ﷺ .
قال الواقدي: وحدثني محمد وعبد الله بن أخي الزهري، عن الزهري- رحمه الله تعالى- قال: قالت آمنة: لقد علقت به فما وجدت له مشقةً حين وضعته.
وأخرجه عن الواقدي من وجه آخر مطوّلاً وفيه: ما شعرت به ولا وجدت- له ثقلةً كما تجد النساء.
قال الحافظ: أن كان إسحاق بن عبد الله هو ابن أبي طلحة فهو مرسل رجاله رجال
стр. 435
الصحيح. فلا يمتنع أن تكون آمنة أسقطت من عبد الله سقطاً فأشارت بذلك إليه فتجتمع الروايات إن قبلنا كلام الواقديّ.
بل جازف سبط ابن الجوزي- رحمه الله تعالى- كعادته فقال: أجمع علماء النقل على أن آمنة لم تحمل بغير رسول الله ﷺ ومعنى قولها: لم أحمل حملاً أخفّ منه خرّج على وجه المبالغة، أو على أنه وقع اتفاقاً. كذا قال: ولا يخفى وهي كلامه. والذي جمعت به أقرب.
قلت: وقد تقدم الجمع بين أحاديث وجود النقل وأحاديث عدمه في أبواب المولد فليراجع. والله تعالى أعلم.
الرابع: في بيان غريب ما تقدم:
نلتمس: نطلب. ووقع في سيرة ابن إسحاق: والتمس لرسول الله ﷺ الرّضعاء. قال ابن هشام- رحمه الله تعالى- إنما هو المراضع جمع مرضع. والرّضعاء جمع رضيع. ولكن لرواية ابن إسحاق مخرج من وجهين: أحدهما: حذف المضاف: كذوات الرضعاء. والثاني أن يكون أراد بالرضعاء الأطفال على حقيقة اللفظ لأنهم إذا وجدوا له مرضعة ترضعه فقد وجدوا له رضيعاً يرضع معه. فلا بدّ أن يقال: التمسوا له رضعاء علماً بأن الرضيع لا بد له من مرضع.
سنة شهباء: يعني سنة القحط والجدب، لأن الأرض تكون فيها بيضاء.
الأتان: بفتح الهمزة والمثناة الفوقية: الأنثى من الحمير. قال في القاموس، والأتانة لغة سليمة.
أذمّت بالركب: بذال معجمة. كما ذكره في الجمهرة والصحاح والنهاية. وفيها: قال في الجمهرة: أذمّت الراحلة إذا أعيت ولم يكن بها حراك. وقال في الصحاح: أذمّت الركاب القوم: أي أعيت وتأخرت عن جماعة الإبل ولم تلحق بها.
عجفاء: بفتح العين المهملة والجيم وبالفاء: العجف: الهزال. والأعجف: المهزول والأنثى عجفاء والجمع عجاف. قمراء: في لونها بياض.
الشارف: بالشين المعجمة والراء المكسورة والفاء: الناقة المسنّة.
تبضّ: بفتح المثناة الفوقية وبكسر الموحدة وبضاد مشددة أي لا تقطر ولا ترشح ويروى بالمهملة: أي لا يبرق عليها أثر اللبن.
ما يغذّيه: بمعجمتين: من الغذاء.
وفي قولها: إنه يتيم إلى آخره ردٌّ لقول من ذكر إن عبد الله أباه استأجر له حليمة، كما رواه عثمان بن عبد الرحمن الوقّاصي أحد الضعفاء.
стр. 436
الرحل: بحاء مهملة: سكن الشخص وما يستصحبه من الإناث. والرحل: المنزل والمأوى.
الحافل: الممتلئة الضّرع من اللبن، والحفل: اجتماع اللبن في الضرع. ريا: بكسر الراء وتشديد المثناة التحتية.
تعلّمي: بمثناة فوقية فعين مهملة فلام مشددة مفتوحات: أي اعلمي. النّسمة محرّكة:
الإنسان والبدن والروح والنّفس. قطعت بالرّكب: خلّفتهم وراءها.
يتعلق بها حمار: يلحقها. ويحك بالنصب بإضمار فعل: كلمة ترحّم وتوجّع تقال لمن وقع في هلكة لا يستحقها وقد تقال بمعنى المدح والتعجب.
أربعي: إذا ابتدأت به كسرت همزته وهي همزة وصل وبالموحدة المفتوحة: أي أقيمي وانتظري. يقال ربع فلانٌ على فلان إذا أقام به وانتظره.
عكاظ بالضم: سوق بمكة وراء قرن المنازل يصرف ويمنع. قال ابن حبيب- رحمه الله تعالى-: قريب من عرفات.
الكاهن: الذي يدّعي علم الغيب.
راغت: براء وغين معجمة: مالت عنه.
أجدب بجيم فدال مهملة فموحدة: ضد الخصب بكسر الخاء المعجمة.
تروح: ترجع بعشيّ. لبّنا: بضم اللام وتشديد الباء الموحدة: أي كثيرة اللبن، قلت:
وبضم اللام وكسرها لغتان.
الحاضر: جماعة القوم المجتمعون على الماء.
يريحون: يرجعون من المرعى.
يشبّ: بكسر الشين المعجمة.
جفراً: غليظاً شديداً ومنه الجفر والجفرة من المعز، ويقال هو الصبي ابن أربعة أعوام ونحوها.
الوباء: بالهمزة والقصر: كثرة الأمراض والموت.
فسرحته: أرسلته.
ذو المجاز بالجيم والزاي: سوق كانت تقام في الجاهلية على فرسخ من عرفات.
العرّاف: مشدد بمعنى المنجم والكاهن. والعراف: الذي يخبر بالماضي، والكاهن بالماضي والمستقبل.
الهذلي: بضم الهاء وفتح الذال المعجمة.
يغري به: يولع.
стр. 437
ينشب: يلبث.
دله: بدال مهملة وتقديم اللام على الهاء قاله في النهاية أي ذهب عقله ودهش.
بهم: بفتح الموحدة جمع بهمة وهي ولد الضأن. قاله في النهاية. ذروه الجبل بكسر الذال المعجمة: أعلاه.
يسوطانه: يقال: سطت اللبن والدم وغيرهما: إذا ضربت بعضه في بعض وحركته، واسم العود الذي يحرّك به: المسوط.
منتقعاً لونه: بنون ومثناة فوقية وقاف مفتوحة أي متغيراً، يقال انتقع وجه الرجل: إذا تغيّر، ويقال امتقع بالميم وبالباء الموحدة أيضاً. يقال انتقع لونه فهو منتقع وامتقع فهو ممتقع. وابتقع فهو مبتقع بفتح القاف في الكل. أحشاء بطني: جمع حشا بالقصر: المعى.
لأمه بوزن ضربه: شدّه. لم ترع: لا ترع ولا خوف عليك. اللّمم: طيف من الجن أو طرف من الجنون.
طائف: عرض له شيطان.
أعته: أنقص عقلاً.
الظّئر بهمزة ساكنة ويجوز تخفيفها: الناقة تعطف على ولد غيرها، ومنه قيل للمرأة الأجنبية تحضن ولد غيرها: ظئر. والرجل الحاضن: ظئر أيضاً.
الرّبع بفتح الراء وسكون الموحدة: محلة القوم ومنزلهم، وقد أطلق على القوم مجازاً.
الدّوح: جمع دوحة، وهي الشجرة العظيمة.
القطر بفتح القاف: المطر.
القطر بضم القاف: الناحية.
مغمز الشيطان بفتح الميم الأولى وإسكان الغين المعجمة وكسر الميم الثانية وآخره زاي: وهو الذي يغمزه الشيطان من كل مولود إلا عيسى ابن مريم وأمه، لقول أمها حنّة: إِنِّي أُعِيذُها بِكَ وَذُرِّيَّتَها مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ.
قال السهيلي: ولا يدل هذا على أفضلية عيسى على نبينا ﷺ لأنه عند ما نزع ذلك منه ملئ حكمة وإيمانا- بعد أن غسله روح القدس بالثلج والبرد، ولهذا مزيد بيان يأتي في باب شق صدره الشريف.
بدت: ظهرت.
стр. 438
أبى: امتنع.
الغناء بالفتح: النّفع.
الفتاة: الشابة من الإناث.
الرّضعاء: جمع رضيع.
اللّبان بالكسر: كالرضاع، يقال هو أخوه بلبان أمه. قال في الصحاح: قال ابن السّكّيت: ولا يقال بلبن أمه إنما اللبن: الذي يشرب.
الشّياه: جمع شاة في الكثرة.
الشّوّل بالتشديد جمع شائل من غيرها وهي في الأصل الناقة التي تشول بذنبها للّقاح ولا لبن لها أصلاً، كراكع وركّع وساجد وسجّد. واستعمل الناظم ذلك في الشياه.
الخصب بالكسر نقيض الجدب.
المحل: الجدب وهو انقطاع المطر ويبس الأرض من الكلأ.
العيش: الحياة.
الغذاء بالغين والذال المعجمتين: ما يغتذى به من الطعام.
الأناس: لغة في الناس.
يا لها: كلمة تعجب.
من عليه: أنعم.
تضعيف الشيء: أن يزاد عليه مثله أو أكثر.
الأجر: الثواب.
الجزاء: المجازاة.
السّعد: اليمن والبركة.
السعادة: خلاف الشقاوة.
العصف: ورق النبات اليابس. يستشرف: يتطلع. الفصال: انتهاء الرضاع بالفطام.
البرحاء بضم الباء وفتح الراء وفتح الحاء المهملة: شدة الأذى.
أحاطت: أحدقت به.
القرناء: الشياطين.
الوجد: شدة الحبّ.
стр. 439
الأحشاء: جمع حشاً، وهو ما انضمت عليه الضلوع.
ثوى بالمكان: أقام به، يثوي ثواء وثويّاً.
الأمين هنا: جبريل.
يذع: بالذال المعجمة: من ذاع الخبر: انتشر.
الأنباء: جمع نبأ وهو الخبر.
صان: كتم.
الختام: ما يختم به من طين ونحوه.
الفضّ بالفاء والضاد المعجمة: الكسر والتفرق.
الإفضاء: إشاعة السّرّ.
ألف الشيء: اعتاده. النّسك والعبادة بمعنى.
الخلوة: المكان الذي لا أحد فيه.
النجباء: جمع نجيب وهو الكريم البيّن النجابة.
النشاط: ضد الكسل.
والله أعلم بالصواب.
стр. 440
جماع أبواب أسمائه ﷺ وكناه
قد افردها بالتصنيف خلائق، ونظمها جماعة منهم الشيخ الإمام العلامة أبو عبد الله القرطبي المفسّر والعلامة الزّيني عبد الباسط بن الإمام العلامة بدر الدين البلقيني أحد السادة العدول بخط الجمالية- رحمه الله تعالى- في قصيدة ميمية طنّانة بديعة لم ينسج على منوالها ناسج، وشرحها شرحاً مبدعاً كثير الفوائد فرداً في بابه، فشكر الله تعالى سعيه وتقبّل منه، سماها «الاصطفاء» وشرحها بالوفاء في شرح الاصطفاء.
وحيث قلت: ذكر في الشرح أو النظم. أو شرح النظم: فهما المرادان.
غير أنه- رحمه الله تعالى- لم يرتب الأسماء على حروف المعجم، بل بحسب ما اتفق فعسر الكشف فيها وأحسن ما عمل في ذلك: «الرياض الأنيقة في شرح أسماء خير الخليقة» للشيخ- رحمه الله تعالى-.
ولخّصت مقاصد الكتابين هنا مع زوائد كثيرة من كتاب «جلاء الأفهام» وكتاب «زاد المعاد» - كلاهما للعلامة ابن القيّم. والقول البديع للحافظ أبي الخير السّخاوي، والمواهب لشيخنا العلامة أبي الفضل أحمد بن الخطيب القسطلاّني ومن غير ذلك.
وانحصر لي الكلام على الأسماء والكنى في أربعة أبواب:
الباب الأول في فوائد كالمقدمة للأبواب الآتية
قال العلماء رضي الله تعالى عنهم: كثرة الأسماء دالّة على عظم المسمّى ورفعته، وذلك للعناية به وبشأنه، ولذلك ترى المسمّيات في كلام العرب أكثرها محاولةً واعتناء.
قال الإمام النووي- رحمه الله تعالى-: وغالب هذه الأسماء التي ذكروها إنما هي صفات، كالعاقب والحاشر فإطلاق الاسم عليها مجاز.
وقال في الاصطفاء: فإن قيل: غالب هذه الأسماء صفات مثل الماحي والمختار ونحوهما قلت: كثيراً ما يطلق الأسماء على الصفات لاشتراكهما في تعريف الذات وتمييزها عن غيرها، وذلك من باب التغليب. انتهى.
стр. 441
وقال ابن عساكر- رحمه الله تعالى-: وإذا اشتقت أسماؤه ﷺ من صفاته كثرت جدّاً.
وقال ابن القيم- رحمه الله تعالى-: أسماؤه ﷺ إذا كانت أوصاف مدح، فله من كل وصف اسم، لكن ينبغي أن يفرق بين الوصف المختص به أو الغالب عليه ويشتق له منه اسم، وبين الوصف المشترك فلا يكن له منه اسم يخصه.
وقال الشيخ: وكثير من هذه الأسماء لم يرد بلفظ الاسم، بل أتى بصيغة المصدر والفعل وقد اعتبر ذلك القاضي وابن دحية وغيرهما، واعتبره الجمهور خصوصاً أصحاب الحديث في أسماء الله تعالى. انتهى.
وقال ابن القيم: لما كانت الأسماء قوالب المعاني ودالة عليها اقتضت الحكمة أن يكون بينها وبينها ارتباط وتناسب، وأن لا تكون معها بمنزلة الأجنبي المحض الذي لا تعلق له بها فإن حكمة الحكيم تأبى ذلك والواقع يشهد بخلافة، بل للأسماء تأثير في المسمّيات وللمسميات تأثير في أسمائها في الحسن والقبح والثقل واللطافة والكثافة كما قيل:
وقلّ أن أبصرت عيناك ذا لقب ... إلا ومعناه إن فكّرت في لقبه
إذا علمت ذلك تأمل كيف اشتقت للنبي ﷺ من صفاته أسماء مطابقة لمعناها، فضمن الله تعالى أسماء رسوله ﷺ ثناءه وطوى أثناء ذكره عظيم شكره.
وقال غيره: الأسماء جمع اسم وهو كلمة وضعتها العرب بإزاء مسمّى متى أطلقت فهم منها ذلك المسمى. فعلى هذا لا بد من مراعاة أربعة أمور: الاسم والمسمّى بفتح الميم والمسمّي بكسرها والتسمية. فالاسم: هو اللفظ الموضوع على الذات لتعريفها أو لتخصيصها عن غيرها كلفظ زيد. والمسمَّى هو الذات المقصود تمييزها بالاسم كشخص زيد. والمسمى هو الواضع لذلك اللفظ. والتسمية هي اختصاص ذلك اللفظ بتلك الذات. والوضع: تخصيص لفظ بمعنى إذا أطلق أو أحسّ فهم ذلك المعنى.
تنبيه:
نقل الغزالي- رحمه الله تعالى- الاتفاق، وأقره الحافظ في الفتح على أنه لا يجوز لنا أن نسمّي رسول الله ﷺ باسم لم يسمّه به أبوه ولا سمّى به نفسه الشريفة والله تعالى أعلم.
стр. 442
الباب الثاني
في الكلام على
قوله ﷺ : «لي خمسة أسماء»
[ (١) ] وطرقه اعلم أنه ورد من حديث جبير بن مطعم، وجابر بن عبد الله وعوف بن مالك وأبي موسى وحذيفة بن اليمان وابن مسعود وابن عباس، وأبي الطفيل- رضي الله تعالى عنهم-.
حديث جبير رواه عنه ابنه محمد، ونافع. ورواه عن محمد الزهري، وعنه خلق منهم سفيان بن عيينة وشعيب بن أبي حمزة، ومعمر بن راشد، ومالك بن أنس، ومحمد بن ميسرة- ﵏ أجمعين-.
ذكر رواية سفيان لفظ روايته فيما
رواه الإمام أحمد ومسلم والتّرمذي في الجامع والشمائل: «إنّ لي خمسة أسماء: أنا محمد، وإنا أحمد، وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر، وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي، وأنا العاقب الذي ليس بعده نبي»
[ (٢) ] .
ولفظ رواية شعيب فيما رواه الشيخان والدارمي كلفظ رواية سفيان. ولفظ رواية معمر فيما رواه الشيخان والطبراني كلفظ رواية سفيان، لم يذكروا خمسة وإنما وقعت هذه اللفظة في رواية الإمام مالك ومحمد بن ميسرة.
ولفظ
رواية مالك فيما رواه يحيى بن بكير عنه، عن ابن شهاب، عن محمد بن جبير- رحمهم الله تعالى- إن النبي ﷺ قال: «إن لي خمسة أسماء أنا محمد، وإنا أحمد، وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر، وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على عقبي، وأنا العاقب» .
قال ابن عبد البر- رحمه الله تعالى-: وهو مرسل في رواية يحيى ووصله عنه معن بن عيسى وغيره. وقد ذكره الدارقطني في أوهام مالك.
قال الشيخ: وقد رواه البخاري من طريقه موصولاً.
قلت: قال الحافظ: كذا وقع موصولاً من عند معن بن عيسى عن مالك. وقال الأكثر:
عن مالك، عن الزهري، عن محمد بن جبير مرسلاً. ووافق معناً على وصله، عن مالك جويرية بن أسماء عند الإسماعيلي ومحمد بن المبارك عن عبد الله بن نافع عن أبي عوانة
стр. 443
وأخرجه الدارقطني في الغرائب عن آخرين عن مالك، وقال إن أكثر أصحاب مالك أرسلوه.
قال الحافظ: وهو معروف الاتصال عن غير مالك وصله يونس بن زيد وعقيل، ومعمر وحديثهم عند مسلم. وشعبة وحديثه عند المصنّف في التفسير، يعني البخاري، وابن عيينة عند مسلم، والترمذي، كلهم عن الزهري.
ولفظ
رواية محمد بن ميسرة: «إن لي خمسة أسماء أنا محمد، وإنا أحمد، وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر، وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي، وأنا العاقب يعني الخاتم»
[ (١) ] . رواه البيهقي.
ذكر
رواية نافع بن جبير عن أبيه: «أنا محمد وأنا أحمد والحاشر والماحي والخاتم والعاقب» .
رواه الإمام أحمد والبيهقي وأبو نعيم.
قال الشيخ- رحمه الله تعالى-: هكذا عدّها وهي ستة وفيها دلالة على أنه لم يقع له لفظ خمس من النبي ﷺ ، وإنما قال: لي أسماء. فذكر منها جبير ما ذكر أو ذكرها كلها وحفظ منه بعضها.
وقال عبد الملك بن مروان لنافع: أتحصي أسماء رسول الله ﷺ التي كان جبير بن مطعم يعدّها؟. قال: نعم هي ستة: محمد وأحمد وخاتم وحاشر وعاقب وماحي.
فأما حاشر: فيبعث مع الساعة نذيراً لكم بين يدي عذاب شديد. وأما عاقب فإنه عقب الأنبياء وأما ماحي فإن الله محا به سيئات من اتبعه. رواه يعقوب بن سفيان بسند رجاله ثقات، والحاكم وصححه، والبيهقي وأبو نعيم.
وقال ابن دحية: هو مرسل حسن الإسناد.
وقال الشيخ: بل هو متصل، فإن نافعاً رواه عن أبيه وإنما لم يذكره لتقدم قول عبد الملك: التي كان جبير يعدها.
حديث جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما
قال: قال رسول الله ﷺ : «أنا أحمد، وأنا محمد، وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي، وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر، وإذا كان يوم القيامة كان لواء الحمد بيدي وكنت إمام المرسلين وصاحب شفاعتهم» .
стр. 444
رواه الطبراني في الأوسط وأبو نعيم من طريقه.
طريق أخرى وفيه حديث عائشة وأنس وعلي وأسامة بن زيد وابن عباس رضي الله تعالى عنهم.
روى ابن عدي عنهم أن رسول الله ﷺ قال: إنّ لي عند ربي عشرة أسماء: «أنا محمد، وإنا أحمد، وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر، وأنا العاقب الذي ليس بعدي نبيّ، وأنا الحاشر الذي يحشر الخلائق معي على قدمي، وأنا رسول الرحمة، ورسول التوبة، ورسول الملاحم، وأنا المقفّي قفّيت النبيين، وأنا قثم» . قال: والقثم: الكامل.
في سنده: أبو البختري وهب بن وهب وهو متّهم
[ (١) ] .
حديث عوف بن مالك رضي الله تعالى عنه:
قال: انطلق النبي ﷺ ذات يوم وأنا معه، حتى دخلنا كنيسة اليهود يوم عيدهم فكرهوا دخولنا عليهم فقال لهم رسول الله ﷺ : «يا معشر اليهود والله لأنا الحاشر وأنا العاقب وأنا المقفّي آمنتم أو كذّبتم» ثم انصرف وأنا معه [ (٢) ] .
رواه أبو نعيم.
حديث أبي موسى رضي الله تعالى عنه:
قال: سمّى لنا رسول الله ﷺ أسماء فمنها ما حفظناه قال: «أنا محمد وأنا أحمد والمقفّي والحاشر، ونبيّ التوبة، ونبي الرحمة» رواه أبو نعيم والمحامليّ.
ورواه الإمام أحمد ومسلم بلفظ: منها ما حفظناه ومنها ما لم نحفظ، قال: «أنا محمد وإنا أحمد وأنا الحاشر وأنا العاقب والمقفي. ونبي الرحمة والتوبة والملحمة»
ولفظ مسلم: ونبيّ الملحمة.
حديث حذيفة بن اليمان رضي الله تعالى عنهما.
قال: لقيت رسول الله ﷺ في بعض طرق المدينة فقال: «أنا محمد وإنا أحمد وأنا نبيّ الرحمة ونبيّ التوبة وأنا المقفّي وأنا الحاشر ونبيّ الملاحم» .
رواه الإمام أحمد والترمذي في الشمائل ورجاله ثقات
[ (٣) ] .
حديث ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول في سكّة
стр. 445
من سكك المدينة: «أنا محمد وإنا أحمد والحاشر والمقفّي ونبي الرحمة» .
رواه ابن حبان.
حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما:
قال: قال رسول الله ﷺ : «أنا أحمد ومحمد والحاشر والمقفّي والخاتم» .
رواه الطبراني من طريق الضحاك عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ولم يلقه
[ (١) ] .
حديث أبي الطفيل رضي الله تعالى عنه:
قال: قال رسول الله ﷺ : «لي عشرة أسماء» قال أبو الطّفيل: حفظت ثمانية وأنسيت اثنتين: «أنا محمد وأحمد والفاتح والخاتم وأبو القاسم والحاشر والعاقب والماحي الذي يمحو الله بي الكفر» قال سيف بن وهب: فحدثت الحديث أبا جعفر فقال:
يا سيف ألا أخبرك بالاسمين؟ قلت: بلى. قال: طه ويس [ (٢) ] .
رواه ابن مردويه وأبو نعيم والديلمي.
قال ابن دحية رحمه الله تعالى: هذا سندٌ لا يساوي شيئاً يدور على وضّاع وهو أبو يحيى وضعيف وهو سيف. وأقرّه الشيخ على ذلك. وليس كذلك فإن أبا يحيى التميمي اثنان أحدهما إسماعيل بن يحيى بن عبيد الله بن طلحة بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق، فهذا هو الوضاع المجمع على تركه، وليس هو الذي في سند هذا الحديث. والثاني أبو يحيى إسماعيل بن إبراهيم التيمي. كذا سمّي هو وأبوه وفي رواية ابن عساكر وهو كما قال الحافظ في التقريب ضعيف. والله تعالى أعلم.
فصل
قال الإمام المحدث أبو عبد الله أحمد بن محمد العزفي- وهو بفتح العين المهملة والزاي وقبل ياء النسب فاء وهو من تلامذة القاضي، وأبو العباس القرطبي شارح مسلم:
أنه ﷺ قال: «لي خمسة أسماء قبل أن يطلعه الله تعالى علي بقية أسمائه» .
ولابن عساكر في ذلك احتمالان أحدهما أن يكون ذلك العدد فيه لبس من لفظ النبي ﷺ وفيه كما قال ابن دحية والحافظ نظر. زاد الحافظ: لتصريحه في الحديث بقوله:
«إن لي خمسة أسماء» .
стр. 446
الثاني: أن يكون ذلك من لفظ النبي ﷺ ، ولا يقتضي ذلك الحصر. وخصّ هذه الخمسة بالذكر إمّا لعلم السامع بما سواها، فكأنه قال لي خمسة أسماء فاضلة معظّمة، أو لشهرتها كأنّه قال لي: خمسة أسماء مشهورة أو لغير ذلك مما يحتمله اللفظ من المعاني، وهذا الاحتمال استظهره ابن دحية والحافظ وزاد: أو:
«إن لي خمسة أسماء أختصّ بها لم يسمّ بها أحد قبلي» .
وقال القاضي: إنما خصت هذه الأسماء بالذّكر لأنها موجودة في الكتب المتقدمة وعند أولي العلم من الأمم السابقة.
وتعقّب بأن أسماءه الموجودة في الكتب المتقدمة أكثر من ذلك.
وقال الشيخ: إن قوله لي خمسة أسماء لا ينافي أن له أكثر من ذلك لأن قواعد الأصول أن العدد لا يخصّص، وكم ورد في الأحاديث ذكر أعداد لم يقصد الحصر منها، كحديث «سبعة يظلّهم الله في ظل عرشه» وقد وردت أحاديث بزيادة عليها ويحضرني الآن منها سبعون. وغير ذلك مما هو مشهور. قلت يأتي بيانها في الخصائص مع زيادة إن شاء الله تعالى.
стр. 447
الباب الثالث في ذكر ما وقفت عليه من أسمائه الشريفة ﷺ وشرحها وما يتعلق بها من الفوائد
قال القاضي أبو بكر بن العربي رحمه الله تعالى: قال بعض الصوفية: لله تعالى ألف اسم، وللنبي ﷺ اسم شريف.
قلت: والذي وقفت عليه من ذلك خمسمائة اسم، مع أن في كثير منها نظراً وها أنا ذاكر ما رأيته معزياً كلّ اسم لم يرد في القرآن ولا في السنة برموز فللقاضي «يا» وللعزفي «ع» ولابن دحية «د» ولأبي الفتح ابن سيد الناس «ح» ولشيخنا الأسيوطي «ط» وللسّخاوي «خا» وللشيخ عبد الباسط البلقيني «عا» ومن عداهم صرّحت به.
«محمّد»
قال الله : وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قال ابن القيم رحمه الله تعالى: هو علم وصفة اجتمع فيه الأمران في حقه ﷺ وإن كان علما محضا في حق كثير ممن يسمّى به غيره ﷺ . وهذا شأن أسماء الرب ﵎ وأسماء نبيه ﷺ ، هي أعلام دالة على معان هي بها أوصاف مدح فلا تضادّ فيها العلمية الوصفية بخلاف غيرها من أسماء المخلوقين. فهو الله الخالق البارئ المصوّر القهّار. فهذه أسماء له تعالى دالة على معان له هي صفات.
وكذلك أسماء النبي ﷺ وإلا لو كانت أعلاماً محضة لا معنى لها لم تدلّ على مدح.
وهي في الأصل اسم مفعول منقول من صفة الحمد وهو بمعنى محمود، وهو يتضمن الثناء على المحمود ومحبته وإجلاله وتعظيمه، وهذا هو حقيقة الحمد وبني على زنة مفعّل بتشديد العين مثل معظّم ومبجّل لأن هذا البناء موضوعٌ للتكثير فإن اشتق منه اسم فاعل فمعناه من كثر صدور الفعل منه مرةً بعد مرة كمعلّم ومفهّم ومفرّح وإن اشتقّ منه اسم مفعول فمعناه من تكرر وقوع الفعل عليه مرة بعد أخرى، أو الذي يستحق له الحمد إما استحقاقاً أو وقوعاً.
فمحمد هو الذي كثر حمد الحامدين له. مرةً بعد مرة، كالممدوح كما قال الأعشى:
إليك أبيت اللّعن كان وجيفها ... إلى الماجد القرم الجواد المحمّد
[ (١) ]
стр. 448
أي الذي حمد مرةً بعد مرة أو الذي تكاملت فيه الخصال المحمودة. انتهى.
وهو أشهر أسمائه ﷺ وأجلّها، ولذلك اختص بأمور منها: أنه لا يصح إسلام الكافر حتى يتلفظ به بأن يقول: محمد رسول الله. فلا يكفي أحمد. وجوّزه الإمام الحليمي بشرط أن يضم إليه: أبا القاسم.
ومنها: أنه يتعين الإتيان به في التشهد لا يكفي غيره من أسمائه ولا أحمد. كما في شرح المهذّب والتحقيق. وكذلك الخطبة.
ومنها: أنه على أربعة أحرف ليوافق اسم الله تعالى، فإن الاسم الكريم على أربعة أحرف.
ومنها: أن الله تعالى قرنه مع اسمه كما تقدم بيان ذلك في كتابة اسمه على العرش.
ويأتي له تتمة.
ومنها: أن الله تعالى اشتقه من اسمه المحمود، كما قال حسان بن ثابت رضي الله تعالى عنه:
وضمّ الإله اسم النبيّ إلى اسمه ... إذا قال في الخمس المؤذّن أشهد
وشقّ له من اسمه ليجلّه ... فذو العرش محمودٌ وهذا محمّد.
[ (٢) ]
وروى البخاري في تاريخه الصغير، عن علي بن زيد رحمه الله تعالى قال: كان أبو طالب يقول:
فشقّ له من اسمه ليجلّه ... فذو العرش محمودٌ وهذا محمّد
ومنها: أنه يخرج منه بالضرب مع الكسر والبسط عدد المرسلين، وهم ثلاثمائة وثلاثة عشر، وذلك أن فيه الميم الأولى والثانية المشددة بحرفين والميم إذا كسرت فهي م ي م وكل ميم بتكسيرها في الحساب تسعون، إذ الميم بأربعين والياء بعشرة فالثلاثة مائتان وسبعون والدال خمسة وثلاثون لأن الدال بأربعة والألف بواحد واللام بثلاثين والحاء بثمانية ولا تكسير فيها.
ومنها: أن آدم يكنى به في الجنة دون سائر بنيه كما سيأتي.
ومنها: قال ابن العماد رحمه الله تعالى في كتاب «كشف الأسرار» : سخّرت الشياطين لسليمان بذكره ﷺ .
стр. 449
ومنها: جرت سفينة نوح باسمه ﷺ . قال: وقال قوم: إن معنى الميم محق الكفر بالإسلام. أو محى سيئات من اتبعه. وقيل الميم: منّ الله على المؤمنين. بمحمد ﷺ . دل عليه قوله تعالى: لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ. وقيل: الميم: ملك أمته به ﷺ . وقيل:
المقام المحمود. وأما الحاء فقيل: حكمه بين الخلق بحكم الله تعالى. وقيل إحياء الله تعالى أمته به. وأما الميم الثانية فمغفرة الله تعالى لأمته. وأما الدال: فهو الداعي إلى الله تعالى، قال الله تعالى: وَداعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ.
وأما وقوع الأحرف على هذا الشكل الخاص فقيل: لأن الله تعالى خلق الخلق على صورة محمد ﷺ ، فالميم بصورة رأس الإنسان والحاء بمنزلة اليدين، وباطن الحاء كالبطن وظاهرها كالظهر ومجمع الإليتين والمخرج كالميم، وطرف الدال كالرجلين. وفي ذلك أنشدوا رحمهم الله تعالى:
له اسم صوّر الرّحمن ربّي ... خلائقه عليه كما تراه
له رجلٌ وفوق الرّجل ظهرٌ ... وتحت الرّأس قد خلقت يداه
وفيه تكلّف.
قال القاضي رحمه الله تعالى: وفي تسميته ﷺ محمد وأحمد من بدائع الآيات وعجائب الخصائص: أن الله تعالى حمى أن يسمّى بمحمد وأحمد غيره ﷺ قبل زمانه.
أما أحمد الذي في الكتب وبشّرت به الأنبياء فمنع الله بحكمته أن يسمى به أحد غيره ولا يدعى به مدعو قبله، حتى لا يدخل لبس على ضعيف القلب أو شكّ. وكذلك محمد أيضاً لم يسمّ به أحد من العرب ولا من غيرهم، إلى أن شاع قبيل وجوده ﷺ أن نبياً يبعث اسمه محمد. كما روى الطبراني والبيهقي عن محمد بن عدي بن ربيعة أنه سأل أباه: لم سمّاه محمداً في الجاهلية؟ فقال: خرجت مع جماعة من بني تميم فنزلنا على غدير ماء، فأشرف علينا الدّيراني فقال لنا: إنه يبعث منكم وشيكا نبي فسارعوا إليه. فقلنا له: ما اسمه؟
قال: محمد. فلما انصرفنا ولد لكلّ منا ولد فسماه محمداً لذلك.
الغدير: النهر: والجمع غدران. وشيكاً: سريعاً وقريباً.
والذين سمّوا بهذا الاسم في الجاهلية دون العشرين. وحمى الله تعالى هؤلاء أن يدّعى أحد منهم النبوة أو يدعيها أحد له أو يظهر عليه شيء من سماتها، حتى تحققت لنبينا ﷺ .
محمد بن أحيحة، بضم الهمزة وفتح الحاءين المهملتين بينهما تحتية ساكنة، ابن الجلاح بضم الجيم وتخفيف اللام وآخره مهملة، ابن الحريش بفتح الحاء المهملة وكسر الراء ثم مثناة تحتية، ثم شين معجمة. وقال ابن هشام رحمه الله تعالى: إنها مهملة.
стр. 450
ونقل الدارقطني عن بكير بن أبي بكر رحمه الله تعالى إن كل ما في الأنصار فهو حريس، أي بسين مهملة، إلا هذا فإنه بالمعجمة.
ابن جحجبى. بجيم مفتوحة فحاء ساكنة مهملة فجيم أخرى مفتوحة، فموحدة فألف مقصورة.
قال ابن دريد عفا الله تعالى عنه: والجحجبة: المجيء والذهاب والتردّد في المشي.
ابن كلفة ووقع في نسخه من العيون ابن كلدة. والذي ذكره السهيلي والأمير: كلفة بالفاء: ابن عوف بن عمرو، بن عوف، بن مالك بن الأوس، الكناني ثم اللّيثي.
قال عبدان بن عثمان الحافظ رحمه الله تعالى: بلغني إنه أول من سمّي بذلك.
محمد بن أسامة بن مالك بن حبيب بن العنبر.
محمد بن البرّ بتشديد الراء من غير ألف بعدها، كما نقل الحافظ عن ضبط البلاذريّ ويقال: البرّ بن طريف بن عتوارة بضم المهملة وكسرها ثم مثناة فوقية ساكنة ثم واو مفتوحة وبعد الألف راء ثم هاء: ابن عامر بن ليث، بن بكر، بن عبد مناة، بن كنانة البكري. العتواري.
محمد بن الحارث بن حديج بمهملتين فمثناة تحتية فجيم مضمومة، مصغر، ابن حويص.
محمد بن حرماز بكسر الحاء المهملة وسكون الراء وآخره زاي. واسم الحرماز:
الحارث بن مالك بن عمرو بن تميم.
محمد بن حمران بن أبي حمران. واسمه ربيعة بن مالك الجعفيّ المعروف بالشويعر.
محمد بن خزاعيّ بضم الخاء وفتح الزاي المعجمتين وبعد الألف عين مهملة فتحتية فياء نسب، ابن علقمة بن خزاية السّلمي من بني ذكوان.
محمد بن خولي بالخاء المعجمة وسكون الواو الهمداني.
محمد بن سفيان بن مجاشع جدّ جدِّ الفرزدق الشاعر المشهور، ووقع في نسخه من العيون: جدّ الفرزدق من غير تكرير جّد، والصحيح ما في غيرها ونسخة الرّوض: جدّ جدّ بالتكرير.
محمد بن عدي بن ربيعة بن سواد بن جشم بن سعد بن زيد مناة بن تميم السّعدي.
محمد بن عقبة بن أحيحة بن الجلاح الأوسي ذكره البلاذريّ. قال الحافظ: لا أدري أهو الأول نسب مرةً إلى جده أم هما اثنان.
محمد بن عمر بن مغفل بضم أوله وسكون المعجمة وكسر الفاء ثم لام. هو والد هبيب مصغّر.
محمد بن اليحمد بضم المثناة التحتية وسكون المهملة وكسر الميم وفتحها قال في القاموس كيمنع وكيعلم آتي أعلم، الأزدي. ونسّاب اليمن تزعم إنه أول من سمّي بذلك.
стр. 451
محمد بن يزيد بن عمرو بن ربيعة.
محمد الأسديّ بضم الهمزة وفتح السين المهملة. وتشديد المثناة التحتية المكسورة.
محمد الفقيمي بضم الفاء وفتح القاف وسكون المثناة التحتية. ذكرهما ابن سعد ولم ينسبهما بأكثر من ذلك.
واقتصر السّهيلي على ثلاثة والقاضي على سبعة منهم محمد بن مسلمة بفتح أوله وسكون ثانيه، وليس منه كما سيأتي.
وعدّ ابن دحية فيهم محمد بن عتوارة وهو محمد بن البر نسب لجدّه الأعلى.
والذي أدرك الإسلام منهم وأسلم: محمد بن ربيعة. ذكره ابن سعد والبغوي والبلاذري وابن السكن وابن شاهين وغيرهم في الصحابة.
ولا وجه لتوقّف ابن الأثير في ذلك لما تقدم. ومحمد بن مسلمة هو محمد بن الحارث ذكره الحافظ في القسم الثالث من الإصابة.
وقد نظم أسماءهم العلامة الشيخ عبد الباسط البلقيني رحمه الله تعالى في الشرح فقال:
إن الذين سموا باسم محمّد ... من قبل خير الخلق ضعف ثمان
ابنٌ لبرّ مجاشع بن ربيعةٍ ... ثم ابن مسلم محمدي حزمان
ليثي هو السّلميّ وابن أسامة ... سعديّ وابن سوادةٍ همدان
وابن الجلاح مع الأسيدي يا فتى ... ثم الفقيمي هكذا الحمران
وقوله: «ثم ابن مسلم» بفتح الميم أي ابن مسلمة رخّمه للضرورة. وتبع في ذكره القاضي، وتعقّبه في الفتح والزهر بأنه ولد بعد مولد النبي ﷺ بأكثر من خمس عشرة سنة.
وأجاب بعضهم بأن مراد القاضي: من ولد في الجاهلية وسمّي بمحمد، وابن مسلمة منهم، وفات الشيخ عبد الباسط ذكر محمد بن الحارث بن حديج السابق.
وقوله: حزمان بزاي معجمة أراد محمد بن حزمان كما ذكره في الشرح وكأنه تبع نسخة سقيمة من حاشية الشفاء للحلبي فإنه نقل ذلك عنها عن الإشارة للمغلطاي. والذي رأيته في عدة نسخ من الإشارة: محمد بن حرماز بحاء مهملة فراء وآخره زاي. وكذا رأيته بخط مغلطاي في الزهر والحافظ ابن حجر والعلاّمة العيني في شرحيهما على البخاري.
والسبب في تسميته ﷺ محمداً ما رواه البيهقي وأبو عمر عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: أن عبد المطلب قيل له: لم سمّيته محمداً ورغبت عن أسماء آبائه؟ قال: أردت أن يحمده الله في السماء ويحمده الناس في الأرض.
وتقدم ذكر المنام الذي رآه جدّه في باب فرحه به ﷺ ومن بركات هذا الاسم ما رواه أبو نعيم في الحلية عن وهب بن منبه رحمه الله تعالى قال: كان في بني إسرائيل رجلٌ عصى
стр. 452
الله تعالى مائة سنة ثم مات فأخذوه فألقوه على مزبلة فأوحى الله تعالى إلى موسى ﵊: إن اخرج فصلّ عليه قال: يا رب إن بني إسرائيل يشهدون أنه عصاك مائة سنة فأوحى الله تعالى إليه: هكذا كان إلا أنه كان كلما نشر التوراة ونظر إلى اسم محمد ﷺ قبّله ووضعه على عينيه فشكرت له ذلك وغفرت له وزوّجته سبعين حوراء.
وورد إن آدم ﷺ تكنّى في الجنة بهذا الاسم. روى ابن عدي وأبو الشيخ وابن عساكر عن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما، وابن عدي والبيهقي وابن عساكر عن علي رضي الله تعالى عنه مرفوعا، وابن عساكر عن كعب رحمه الله تعالى وأبو الشيخ عن بكر بن عبد الله المزني، وابن عساكر عن غالب بن عبد الله العقيلي رحمهما الله تعالى أنه ليس أحد من أهل الجنة إلا يدعى باسمه إلا آدم ﷺ فإنه يدعى أبا محمد. تعظيما وتوقيراً للنبي ﷺ . زاده الله تعالى فضلاً وشرفاً وجزاه عن المسلمين خيراً.
ذكر ما وجد من هذا الاسم مكتوباً في الأزل منقوشاً في خواتم الأنبياء والحجارة والنبات والحيوان .
روى عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه فيما رواه أبو يعلى والطبراني، وعن ابن عمر فيما رواه البزّار إن رسول الله ﷺ قال: «لما عرج بي إلى السماء ما مررت بسماء إلا وجدت اسمي فيها مكتوبا: لا إله إلا الله محمد رسول الله» [ (١) ] .
له طرق أسانيدها واهية.
وقال الشيخ رحمه الله تعالى: إنه حديث حسن لكثرة طرقه، وقد بينت ما في ذلك في «إتحاف اللبيب ببيان ما وضع في معراج الحبيب» .
ويروى عن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ : «مكتوب على باب الجنة: لا إله إلا الله محمد رسول الله»
[ (٢) ] .
ويروى عن عبادة بن الصامت فيما رواه الطبراني، وعن جابر رضي الله تعالى عنهما فيما رواه العقيلي، وابن عدي رفعاه أن فصّ خاتم سليمان بن داود عليهما الصلاة والسلام كان سماويّاً ألقي إليه فوضعه في إصبعه وكان نقشه أنا الله لا إله إلا أنا، محمد عبدي ورسولي.
стр. 453
ولفظ جابر: لا إله إلا الله محمد رسول الله.
ويروى عن أبي الزبير عن جابر فيما رواه ابن عساكر قال: بين كتفي آدم مكتوب:
محمد رسول الله خاتم النبيين.
ويروى عن أبي ذر مرفوعاً فيما رواه البزّار، وعن عمر فيما رواه البيهقي، وعن ابن عباس فيما رواه الخرائطي في كتاب «قمع الحرص» وعن علي رضي الله تعالى عنهم فيما رواه البيهقي أن الكنز الذي ذكره الله تعالى في كتابه لوح من ذهب مصمت مكتوب فيه بسم الله الرحمن الرحيم عجبت لمن أيقن بالقدر ثم ينصب، عجبت لمن ذكر النار ثم يضحك، عجبت لمن ذكر الموت ثم غفل. لا إله إلا الله محمد رسول الله.
أسانيد هذه الأحاديث واهية.
وذكر ابن ظفر رحمه الله تعالى: أنه وجد بالخط العبراني على حجر: باسمك اللهم جاء الحق من ربك بلسان عربي مبين. لا إله إلا الله محمد رسول الله. وكتبه موسى بن عمران.
ونقل ابن طغربل رحمه الله تعالى في كتابه «النطق المفهوم» عن بعضهم أنه رأى في جزيرة شجرة عظيمة لها ورق كبير طيب الرائحة مكتوب فيها بالحمرة والبياض في الخضرة كتابةً بيّنة واضحة خلقة ابتدعها الله تعالى بقدرته في الورقة ثلاثة أسطر: الأول: لا إله إلا الله.
والثاني: محمد رسول الله. والثالث: إنّ الدين عند الله الإسلام.
ونقل ابن مرزوق رحمه الله تعالى في شرح البردة عن عبد الله بن مرجان رحمه الله تعالى قال: عصفت بنا ريحٌ ونحن في لجج بحر الهند فأرسينا في جزيرة فوجدنا فيها ورداً أحمر ذكيّ الرائحة وفيه مكتوب بالأبيض لا إله إلا الله محمد رسول الله. وورد أبيض مكتوب عليه بالأصفر: براءةٌ من الرحمن الرحيم إلى جنات النعيم لا إله إلا الله محمد رسول الله.
ونقل أيضاً عن بعضهم أنه أتي بسمكة فرأى في أحد لحمتي أذنيها لا إله إلا الله. وفي الأخرى محمد رسول الله.
وعن جماعة أنهم وجدوا بطيخة صفراء فيها خطوط شتى بالأبيض خلقة، ومن جملة الخطوط كتب بالعربي في أحد جنبيها: الله. وفي الأخرى: عزّ أحمد بخط بيّن لا يشك فيه عالمٌ بالخط.
وأنه وجد في سنة سبع أو تسع وثمانمائة حبة عنب فيها بخط بارع بلون أسود: محمد.
وقد تقدم في باب كتابة اسمه ﷺ على العرش وسائر ما في الملكوت ما فيه مقنع.
ويرحم الله تعالى القائل حيث قال:
стр. 454
بدا مجده من قبل نشأة آدمٍ ... وأسماؤه في العرش من قبل تكتب
تنبيهات
الأول: لم يصح في فضل التسمية به حديث، بل قال الحافظ أبو العباس تقي الدين بن تيمة الحراني رحمه الله تعالى: كل ما ورد فيه فهو موضوع، ولابن بكير جزء معروف في ذلك كل أحاديثه تالفة.
قال الحافظ: وأصحّها ما
رواه ابن بكير عن أبي أمامة رضي الله تعالى عنه مرفوعا: «من ولد له مولود فسمّاه محمداً حبّاً لي وتبرّكاً باسمي كان هو ومولوده في الجنة» [ (١) ] .
قال: وإسناده لا بأس به وحسّنه في موضع آخر.
قلت: وليس كذلك فإن في سنده أبا الحسن حامد بن حمّاد بن المبارك بن عبد الله العسكري، شيخ ابن بكير، قال الذهبي في الميزان والحافظ في اللسان: خبره هذا موضوع وهو آفته انتهى وشيخه هذا إسحاق بن سيّار مجهول.
والوارد في ذلك
حديث عبد الله بن أبي رافع عن أبيه رضي الله تعالى عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إذا سميتموه محمدا فلا تضربوه ولا تحرموه» رواه البزار من طريق أبي غسّان بن عبد الله وفيه ضعف. وبقية رجاله ثقات
[ (٢) ] .
وحديث أنس مرفوعاً: «تسمّونهم محمداً ثم تسبّونهم» [ (٣) ] .
رواه أبو داود والطيالسي من طريق الحكم بن عطية. قال البزّار: لا بأس به وقال الحافظ في التقريب: صدوق له أوهام.
وحديث جابر بن عبد الله مرفوعاً: «ما أطعم الطعام على مائدة ولا جلس عليها وفيها اسمي إلا قدّسوا كل يوم مرتين» [ (٤) ] .
رواه ابن عدي من طريق أحمد بن كنانة الشامي
وقال: منكر الحديث. وقال الذهبي في الميزان وأقره الحافظ في اللسان إنه حديث مكذوب.
قال الشيخ رحمه الله تعالى: وقد وجدت للحديث طريقاً آخر ليس فيه أحمد بن كنانة
стр. 455
قال أبو سعيد النقاش في معجم شيوخه: أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الخالق البندنيجي، حدثنا أبو صالح شعيب بن الخصيب، حدثنا العباس بن زيد البحراني، حدثنا سفيان بن عيينة، عن محمد بن المنكدر، عن جابر به. قال الشيخ رحمه الله تعالى: رجاله ثقات.
وحديث ابن عباس: «من ولد له ثلاثة أولاد فلم يسمّ أحدهم محمدا فقد جهل» .
رواه ابن عدي والطبراني من طريق ليث بن سعيد، حدثنا موسى بن أعين عن ليث، عن مجاهد، عن ابن عباس به. ومصعب ضعيف وليث كذلك. ورواه الحارث ابن أبي أسامة من طريق إسماعيل بن أبي إسماعيل. قال الدارقطني: وهو ضعيف لا يحتج به.
وهذان الحديثاًن أمثل ما روي في هذا الباب وإسناداهما واهيان.
وفي الإصابة ما نصه جشيب بعد الجيم شين معجمة ثم تحتانية ثم موحدة. روى ابن أبي عاصم من طريق ابن أبي فديك، عن جهم بن عثمان عن ابن جشيب، عن أبيه، عن النبي ﷺ قال: «من تسمى باسمي يرجو بركتي غدت عليه بركتي وراحت إلى يوم القيامة» .
قال ابن منده رحمه الله تعالى: أن كان جشيب هذا الذي يروي عن سعيد بن سويد فهو تابعيّ قديم من أصحاب أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه [ (١) ] .
الثاني: قال الحافظ أبو الخير السّخاوي في فتاويه: لم يرد في المرفوع: «من أراد أن يكون حمل زوجته ذكراً فليضع يده على بطنها وليقل: إن كان هذا الحمل ذكراً فقد سمّيته محمداً فإنه يكون ذكراً» . إنما روى أبو شعيب عبد الله بن حسن الحرّاني في جزأيه عن عطاء قال: «ما سمّي مولودٌ في بطن أمه محمداً إلا كان ذكراً» . قلت: وقد رفعه بعضهم كما رواه ابن الجوزي في الموضوعات عن عائشة بنت سعد عن أبيها. وفي سنده [عثمان] بن عبد الرحمن كذبه ابن معين. وقال ابن حبان: يروى عن الثّقات الموضوعات.
وروى ابن النجار في تاريخ بغداد عن محمد بن سلام بن مسكين البغدادي قال: حدثنا وهب بن وهب، حدثنا جعفر بن محمد بن علي، حدثنا علي بن الحسين، حدثنا الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنهما قال: من كان له حمل فنوى أن يسمّيه محمداً جعله الله ذكراً وإن كان أنثى.
قال وهب: فنويت سبعةً كلهم سميته محمداً. انتهى.
قلت: وهب هذا أبو البختريّ [ (٢) ] متّهم. وقد أورد أثره هذا الشيخ في الموضوعات وقال
стр. 456
عقبه: وهب وضّاع كذّاب.
الثالث:
روى البخاري في الصحيح والتاريخ، والنسائي والبيهقي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : «ألا تعجبون» [ (١) ] ولفظ البخاري في التاريخ: «يا عباد الله انظروا. وفي لفظ له: ألم تروا كيف يصرف الله عني شتم قريش ولعنهم، يشتمون مذمّماً ويلعنون مذمّماً. وأنا محمد» .
قال الشيخ عز الدين بن عبد السلام في أماليه: كيف يستقيم ذلك وهم ما كانوا يسبّون الاسم بل المسمّى، والمسمّى واحد؟ والجواب المراد: كفى الله اسمي الذي هو محمد يستهزأ بالسب.
وقال الحافظ رحمه الله تعالى: كان الكفار من قريش من شدة كراهتهم في النبي ﷺ لا يسمّونه باسمه الدال على المدح فيعدلون إلى ضده فيقولون: مذمّم وإذا ذكروه بسوء قالوا:
فعل الله بمذمّم. ومذمّم، ليس هو اسمه ولا يعرف به، فكان الذي يقع منهم في ذلك مصروفاً إلى غيره.
[حرف الالف]
«أحمد» :
قال الله تعالى حاكياً عن السيد عيسى ﵇ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ قال العلماء: لم يسمّ به أحد قبل نبينا ﷺ منذ خلق الله تعالى الدنيا، ولا تسمّى به أحد في حياته ﷺ وأول من تسمّى به بعده على الصواب والد الخليل بن أحمد شيخ سيبويه. قال المبرد رحمه الله تعالى: فتّش المفتشون فما وجدوا بعد نبينا ﷺ من اسمه أحمد قبل أبي الخليل بن أحمد. قال الحافظ أبو الفضل العراقي: واعترض على هذه المقالة بأبي النضر سعيد بن أحمد فإنه أقدم وأجيب بأن أكثر أهل العلم قالوا فيه يحمد بالياء. وقال ابن معين: أحمد.
قال ابن دحية رحمه الله تعالى: وهو علم منقول من صفة لا من فعل، وتلك الصفة أفعل التي يراد بها التفضيل.
وقال ابن القيم في كتابيه «جلاء الأفهام» «وزاد المعاد» واللفظ له: اختلف الناس فيه:
هل هو. بمعنى فاعل أو مفعول. فقالت طائفة: هو بمعنى فاعل. أي حمد الله أكثر من حمد غيره له، فمعناه أحمد الحامدين لربه.
وقالت طائفة أخرى: هو بمعنى مفعول أي أحق الناس وأولاهم بأن يحمد. فيكون
стр. 457
كمحمد في المعنى، إلا أن الفرق بينهم أن محمداً هو المحمود حمداً بعد حمد، فهو دال على كثرة حمد الحامدين له، وذلك يستلزم كثرة الخصال التي يحمد عليها وأحمد هو الذي يحمد أفضل ما يحمده غيره. فمحمد في الكثرة والكمية وأحمد في الصّفة وفي الكيفية يستحق من الحمد أكثر مما يستحقه غيره فحمده أكثر حمدٍ وأفضل حمدٍ حمده بشر، والاسمان واقعان على المفعول، وهذا أبلغ في مدحه ﷺ وأكمل معنى. قال: وهو الراجح المختار ولو أريد به معنى الفاعل لسمّي الحمّاد أي كثير الحمد، فإنه ﷺ كان أكثر الناس حمداً لربه، فلو كان اسمه أحمد باعتبار حمده لربه لكان الأولى به الحمّاد كما سمّيت أمته ﷺ بذلك. وأيضاً فإن هذين الاسمين إنما اشتقّا من أخلاقه وخصاله ﷺ التي لأجلها استحق أن يسمّى محمداً وأحمد. وبسط الكلام على ذلك وتحقيق هذا المحل يطول به الكلام فليطلب من كتب النحو المطولة.
قال ابن القيم رحمه الله تعالى: سمّي النبي ﷺ بمحمد وأحمد لما اشتمل عليه من مسمّاهما وهو الحمد، فإنه ﷺ محمود عند الله ومحمود عند الملائكة ومحمود عند الأنبياء، ومحمود عند أهل الأرض كلهم وإن كفر به بعضهم فإن ما فيه من صفات الكمال محمودة عند كل عاقل، وإن كابر عقله جحوداً وعناداً [أو جهلا باتصافه بها] ولو علم اتصافه بها لحمده، فإنه يحمد من اتصف بصفات الكمال ويجهل وجودها فيه، فهو في الحقيقة حامد له.
وقال القاضي والسّهيلي وابن القيم رحمهم الله تعالى: واختصّ ﷺ من مسمّى الحمد بما لم يجمع لغيره، فإن اسمه ﷺ : أحمد ومحمد، وأمته الحمادون يحمدون الله تعالى علي السراء والضراء، وصلاته وصلاتهم مفتتحة بالحمد. وخطبه مفتتحة بالحمد، وكتابه مفتتح بالحمد، وشرع له الحمد بعد الأكل والشرب، وبعد الدعاء. وبعد القدوم من السفر، وبيده ﷺ لواء الحمد يوم القيامة، ولما يسجد بين يدي ربه للشفاعة ويؤذن له فيها يحمد ربه بمحامد يفتحها عليه حينئذ، وهو صاحب المقام المحمود الذي يغبطه فيه الأولون والآخرون، وإذا قام في ذلك المقام حمده حينئذ أهل الموقف كلهم مسلمهم وكافرهم أولهم وآخرهم إلى غير ذلك.
تنبيه:
قال القاضي رحمه الله تعالى: كان ﷺ أحمد قبل أن يكون محمداً كما وقع في الوجود، لأن تسميته ﷺ أحمد وقعت في الكتب السالفة، وتسميته محمداً وقعت في القرآن، وذلك أنه ﷺ حمد ربه قبل أن يحمده الناس. وقال السّهيلي: لم يكن ﷺ محمداً حتى كان أحمد، حمد ربه فنبّأه وشرّفه، فلذلك تقدّم اسم أحمد على الاسم الذي هو محمد، فذكره عيسى صلى الله عليهما وسلم فقال: «اسمه أحمد» وذكره موسى ﷺ حين قال له ربه:
стр. 458
تلك أمة أحمد فقال اللهم: اجعلني من أمة أحمد، فبأحمد ذكر قبل أن يذكر بمحمد، لأن حمده لربه قبل حمد الناس له، فلما وجد وبعث كان محمداً بالفعل، وكذلك في الشفاعة يحمد ربه بالمحامد التي يفتحها عليه، فيكون أحمد الحامدين لربه، ثم يشفع فيحمد على شفاعته ﷺ . فانظر كيف ترتّب هذا الاسم قبل الاسم الآخر في الذّكر وفي الوجود في الدنيا والآخرة تلح لك الحكمة الإلهية في تخصيصه ﷺ بهذين الاسمين. انتهى.
فصرّح القاضي والسهيلي رحمهما الله تعالى بأن أحمد سابقٌ على محمد. وأقرّهما الحافظ في الفتح وغيره.
وردّ ذلك ابن القيم في كتابيه «جلاء الأفهام» و «زاد المعاد» ونسب قائل ذلك إلى الغلط، ثم نقل عن لفظ التوراة التي يقرأها مؤمنو أهل الكتاب أن فيها عند ذكر إسماعيل ﷺ بماذماذ. وذكر بعد هذا: وإنه سيلد اثني عشر عظيماً، منهم عظيم يكون اسمه ماذماذ. قال ابن القيم رحمه الله تعالى: وهذا عند علماء المؤمنين من أهل الكتاب صريح في اسم النبي ﷺ . قال: ورأيت بعض شروح التوراة كما حكيناه بعد هذا المتن قال في الشرح: هذان الحرفان في الموضعين يتضمنان اسم السيد الرسول محمد ﷺ وبسط الشارح الكلام والدليل على ذلك.
ثم نقل ابن القيم عن شارح آخر أن اسمه في التوراة أظهر مما ذكره الشارح السابق وذكر ابن القيم كلامه. فليراجعه من أراده من «جلاء الأفهام» .
وقد وردت آثار كثيرة تشهد لما قاله ابن القيم.
قال: وإنما سمّاه المسيح أحمد كما حكاه الله تعالى في القرآن لأن تسميته بأحمد وقعت متأخرة عن تسميته محمداً في التوراة ومتقدّمة على تسميته محمداً في القرآن، فوقعت بين التسميتين محفوفة بهما.
وقد تقدّم أن هذين الاسمين صفتان في حقه ﷺ ، والوصفية فيهما لا تنافي العلمية وأن معناهما مقصود، فعرف عند كل أمة بأعرف الوصفين عندها. انتهى ملخصاً.
قال الراغب رحمه الله تعالى: وإنما خصه عيسى ﵊ بذلك ولم يصفه بغيره تنبيه اً على أنه أحمد منه وممن قبله، لما اشتمل عليه من الخصال الجميلة والأخلاق الحميدة التي لم تكمل لغيره ﷺ .
تنبيه:
لم يصح في فضل التسمية به حديث. وأما حديث أنس بن مالك مرفوعاً: «يوقف
стр. 459
عبدان بين يدي الله تعالى فيؤمر بهما إلى الجنة فيقولان: ربنا بم استأهلنا الجنة ولم نعمل عملاً تجازينا به الجنة؟ فيقول الله تعالى: عبديّ ادخلا الجنة فإني آليت على نفسي ألاّ يدخل النار من اسمه أحمد ولا محمد» فهو حديث باطل كما قال الذهبي رواه ابن بكير من طريق أحمد بن عبد الله الدارع وهو كذاب، وشيخه صدقة بن موسى وأبوه لا يعرفان.
فائدة:
أحمد في العربية ممنوع من الصرف لا ينوّن ولا يكسر للعلمية ووزن الفعل. وألغز فيه بعضهم رحمه الله تعالى فقال:
وراكعةٍ في ظلّ غصن منوطة ... بلؤلؤةٍ نيطت بمنقار طائر
فالراكعة: الدال. والغصن التي هي في ظله: الألف. واللؤلؤة: الميم. ومنقار الطائر:
الحاء.
«الأبر» :
أفعل تفضيل من بررت فلاناً بالكسر أبرّه برّاً فأنا برّ وبارّ: أي محسن. والبرّ:
اسم جامع للخير. ويطلق أيضاً على الصّدق لحديث: «لا يزال الرجل يصدق حتى يكتب عند الله بارّاً، ولا يزال يكذب حتى يكتب عند الله كاذباً» وإنه يقال صدق وبرّ وكذب. وفجر.
وجمع البرّ: أبرار والبارّ: بررة.
وهو ﷺ حريّ بأن يكون أبرّ الناس، لما جمع فيه من الخصال الجميلة التي لم تجمع في مخلوق والإحسان والصدق.
قال أبو علي الحاتميّ ﵀: اتفق أهل الأدب على أن أصدق بيت قالته العرب قول أبي إيّاس الدّؤلي:
وما حملت من ناقةٍ فوق رحلها ... أبرّ وأوفى ذمة من محمد
وهذا الاسم مما سماه الله تعالى به من أسمائه الحسنى. والبرّ في حقه تعالى معناه:
المحسن أو الصادق الوعد أو خالق البرّ. أقوال.
والنبي ﷺ بر بالمعنيين الأولين كما سيأتي في صفاته المعنوية.
«الأبطحي» :
نسبة إلى الأبطح وهو مسيل الماء، وفيه دقاق الحصى، والمراد هنا أبطح مكة، وهو مسيل واديها، وهو ما بين مكة ومنى ومبتدأه المحصّب. وأصله في اللغة: ما انحدر من الجبال وارتفع عن المسيل.
قال حسان بن ثابت ﵁ يمدح النبي ﷺ :
стр. 460
وأكرم صيتا في البيوت إذا انتمى ... وأكرم جدا أبطحيا يسوّد [ (١) ]
وسمّي ﷺ بذلك لأنه من قريش البطاح، وذلك أن قصيّاً جده الخامس لما ولي البيت وأمر مكة أقطعها أرباعاً بين قومه، فلما كثرت بنو كعب بن لؤي وبنو عامر بن لؤي أخرجوا بني محارب وبني الحارث بن فهر من البطحاء إلى الظّواهر وبني خارجة الحرم حول مكة.
فقريش البطاح: بنو كعب بن لؤي وبنو عبد مناف وبنو عبد الدار وبنو مرّة بن كلاب، وبنو مخزوم بن يقظة، وبنو تميم بن مرة وبنو جمح وسهم بن عمرو بن هصيص بن كعب، وبنو عديّ بن مالك وبنو عامر بن لؤي.
وقريش الظواهر: بنو محارب، وبنو الحارث بن فهر، وبنو الأدرم بن غالب، وعامة بني عامر بن لؤيّ وكان يقال لعبد المطلب: سيّد الأبطح والأباطح.
«الأبلج» :
بالموحدة وآخره جيم. وهو الطّلق الوجه أو المشرقه، أو ذو الكرم والسماحة والمعروف، أو الواضح أمره، ومنه صباحٌ أبلج، وانبلجت الشمس انبلاجاً وانبلج الفجر وتبلّج:
أنار ووضح.
«الأبيض» :
صفة مشبهة من البياض ضد السّواد، وهو السخيّ الجواد ومنه قول ذي الرّمّة:
وأبيض مرتاح النّحيزة للنّدى ... له نائلٌ بالمكرمات يفيض
أو المبارك الميمون ومنه قول الجعدي:
كم بتّ أرقب منك يوماً أبيضاً ... في شبه وجهك بالنّدى متهلّل
أو المتصف بالبياض وهو نظافة العرض، يقال رجل أبيض وامرأة بيضاء أي نقية العرض من الأدناس، ويقال ابيضّ ابيضاضاً وبياضاً وهو مبيضّ، وقال أبو طالب:
وأبيض يستسقى الغمام بوجهه ... ثمال اليتامى عصمة للأرامل
[ (٢) ] وسيأتي تمامه في ثمال.