← Сира

Сира · id 1693

سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد

الصالحي الشامي

Полный текст (5 757 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

عقبه: وهب وضّاع كذّاب. الثالث: روى البخاري في الصحيح والتاريخ، والنسائي والبيهقي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : «ألا تعجبون» [ (١) ] ولفظ البخاري في التاريخ: «يا عباد الله انظروا. وفي لفظ له: ألم تروا كيف يصرف الله عني شتم قريش ولعنهم، يشتمون مذمّماً ويلعنون مذمّماً. وأنا محمد» . قال الشيخ عز الدين بن عبد السلام في أماليه: كيف يستقيم ذلك وهم ما كانوا يسبّون الاسم بل المسمّى، والمسمّى واحد؟ والجواب المراد: كفى الله اسمي الذي هو محمد يستهزأ بالسب. وقال الحافظ رحمه الله تعالى: كان الكفار من قريش من شدة كراهتهم في النبي ﷺ لا يسمّونه باسمه الدال على المدح فيعدلون إلى ضده فيقولون: مذمّم وإذا ذكروه بسوء قالوا: فعل الله بمذمّم. ومذمّم، ليس هو اسمه ولا يعرف به، فكان الذي يقع منهم في ذلك مصروفاً إلى غيره. [حرف الالف] «أحمد» : قال الله تعالى حاكياً عن السيد عيسى ﵇ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ قال العلماء: لم يسمّ به أحد قبل نبينا ﷺ منذ خلق الله تعالى الدنيا، ولا تسمّى به أحد في حياته ﷺ وأول من تسمّى به بعده على الصواب والد الخليل بن أحمد شيخ سيبويه. قال المبرد رحمه الله تعالى: فتّش المفتشون فما وجدوا بعد نبينا ﷺ من اسمه أحمد قبل أبي الخليل بن أحمد. قال الحافظ أبو الفضل العراقي: واعترض على هذه المقالة بأبي النضر سعيد بن أحمد فإنه أقدم وأجيب بأن أكثر أهل العلم قالوا فيه يحمد بالياء. وقال ابن معين: أحمد. قال ابن دحية رحمه الله تعالى: وهو علم منقول من صفة لا من فعل، وتلك الصفة أفعل التي يراد بها التفضيل. وقال ابن القيم في كتابيه «جلاء الأفهام» «وزاد المعاد» واللفظ له: اختلف الناس فيه: هل هو. بمعنى فاعل أو مفعول. فقالت طائفة: هو بمعنى فاعل. أي حمد الله أكثر من حمد غيره له، فمعناه أحمد الحامدين لربه. وقالت طائفة أخرى: هو بمعنى مفعول أي أحق الناس وأولاهم بأن يحمد. فيكون

стр. 457

كمحمد في المعنى، إلا أن الفرق بينهم أن محمداً هو المحمود حمداً بعد حمد، فهو دال على كثرة حمد الحامدين له، وذلك يستلزم كثرة الخصال التي يحمد عليها وأحمد هو الذي يحمد أفضل ما يحمده غيره. فمحمد في الكثرة والكمية وأحمد في الصّفة وفي الكيفية يستحق من الحمد أكثر مما يستحقه غيره فحمده أكثر حمدٍ وأفضل حمدٍ حمده بشر، والاسمان واقعان على المفعول، وهذا أبلغ في مدحه ﷺ وأكمل معنى. قال: وهو الراجح المختار ولو أريد به معنى الفاعل لسمّي الحمّاد أي كثير الحمد، فإنه ﷺ كان أكثر الناس حمداً لربه، فلو كان اسمه أحمد باعتبار حمده لربه لكان الأولى به الحمّاد كما سمّيت أمته ﷺ بذلك. وأيضاً فإن هذين الاسمين إنما اشتقّا من أخلاقه وخصاله ﷺ التي لأجلها استحق أن يسمّى محمداً وأحمد. وبسط الكلام على ذلك وتحقيق هذا المحل يطول به الكلام فليطلب من كتب النحو المطولة. قال ابن القيم رحمه الله تعالى: سمّي النبي ﷺ بمحمد وأحمد لما اشتمل عليه من مسمّاهما وهو الحمد، فإنه ﷺ محمود عند الله ومحمود عند الملائكة ومحمود عند الأنبياء، ومحمود عند أهل الأرض كلهم وإن كفر به بعضهم فإن ما فيه من صفات الكمال محمودة عند كل عاقل، وإن كابر عقله جحوداً وعناداً [أو جهلا باتصافه بها] ولو علم اتصافه بها لحمده، فإنه يحمد من اتصف بصفات الكمال ويجهل وجودها فيه، فهو في الحقيقة حامد له. وقال القاضي والسّهيلي وابن القيم رحمهم الله تعالى: واختصّ ﷺ من مسمّى الحمد بما لم يجمع لغيره، فإن اسمه ﷺ : أحمد ومحمد، وأمته الحمادون يحمدون الله تعالى علي السراء والضراء، وصلاته وصلاتهم مفتتحة بالحمد. وخطبه مفتتحة بالحمد، وكتابه مفتتح بالحمد، وشرع له الحمد بعد الأكل والشرب، وبعد الدعاء. وبعد القدوم من السفر، وبيده ﷺ لواء الحمد يوم القيامة، ولما يسجد بين يدي ربه للشفاعة ويؤذن له فيها يحمد ربه بمحامد يفتحها عليه حينئذ، وهو صاحب المقام المحمود الذي يغبطه فيه الأولون والآخرون، وإذا قام في ذلك المقام حمده حينئذ أهل الموقف كلهم مسلمهم وكافرهم أولهم وآخرهم إلى غير ذلك. تنبيه: قال القاضي رحمه الله تعالى: كان ﷺ أحمد قبل أن يكون محمداً كما وقع في الوجود، لأن تسميته ﷺ أحمد وقعت في الكتب السالفة، وتسميته محمداً وقعت في القرآن، وذلك أنه ﷺ حمد ربه قبل أن يحمده الناس. وقال السّهيلي: لم يكن ﷺ محمداً حتى كان أحمد، حمد ربه فنبّأه وشرّفه، فلذلك تقدّم اسم أحمد على الاسم الذي هو محمد، فذكره عيسى صلى الله عليهما وسلم فقال: «اسمه أحمد» وذكره موسى ﷺ حين قال له ربه:

стр. 458

تلك أمة أحمد فقال اللهم: اجعلني من أمة أحمد، فبأحمد ذكر قبل أن يذكر بمحمد، لأن حمده لربه قبل حمد الناس له، فلما وجد وبعث كان محمداً بالفعل، وكذلك في الشفاعة يحمد ربه بالمحامد التي يفتحها عليه، فيكون أحمد الحامدين لربه، ثم يشفع فيحمد على شفاعته ﷺ . فانظر كيف ترتّب هذا الاسم قبل الاسم الآخر في الذّكر وفي الوجود في الدنيا والآخرة تلح لك الحكمة الإلهية في تخصيصه ﷺ بهذين الاسمين. انتهى. فصرّح القاضي والسهيلي رحمهما الله تعالى بأن أحمد سابقٌ على محمد. وأقرّهما الحافظ في الفتح وغيره. وردّ ذلك ابن القيم في كتابيه «جلاء الأفهام» و «زاد المعاد» ونسب قائل ذلك إلى الغلط، ثم نقل عن لفظ التوراة التي يقرأها مؤمنو أهل الكتاب أن فيها عند ذكر إسماعيل ﷺ بماذماذ. وذكر بعد هذا: وإنه سيلد اثني عشر عظيماً، منهم عظيم يكون اسمه ماذماذ. قال ابن القيم رحمه الله تعالى: وهذا عند علماء المؤمنين من أهل الكتاب صريح في اسم النبي ﷺ . قال: ورأيت بعض شروح التوراة كما حكيناه بعد هذا المتن قال في الشرح: هذان الحرفان في الموضعين يتضمنان اسم السيد الرسول محمد ﷺ وبسط الشارح الكلام والدليل على ذلك. ثم نقل ابن القيم عن شارح آخر أن اسمه في التوراة أظهر مما ذكره الشارح السابق وذكر ابن القيم كلامه. فليراجعه من أراده من «جلاء الأفهام» . وقد وردت آثار كثيرة تشهد لما قاله ابن القيم. قال: وإنما سمّاه المسيح أحمد كما حكاه الله تعالى في القرآن لأن تسميته بأحمد وقعت متأخرة عن تسميته محمداً في التوراة ومتقدّمة على تسميته محمداً في القرآن، فوقعت بين التسميتين محفوفة بهما. وقد تقدّم أن هذين الاسمين صفتان في حقه ﷺ ، والوصفية فيهما لا تنافي العلمية وأن معناهما مقصود، فعرف عند كل أمة بأعرف الوصفين عندها. انتهى ملخصاً. قال الراغب رحمه الله تعالى: وإنما خصه عيسى ﵊ بذلك ولم يصفه بغيره تنبيه اً على أنه أحمد منه وممن قبله، لما اشتمل عليه من الخصال الجميلة والأخلاق الحميدة التي لم تكمل لغيره ﷺ . تنبيه: لم يصح في فضل التسمية به حديث. وأما حديث أنس بن مالك مرفوعاً: «يوقف

стр. 459

عبدان بين يدي الله تعالى فيؤمر بهما إلى الجنة فيقولان: ربنا بم استأهلنا الجنة ولم نعمل عملاً تجازينا به الجنة؟ فيقول الله تعالى: عبديّ ادخلا الجنة فإني آليت على نفسي ألاّ يدخل النار من اسمه أحمد ولا محمد» فهو حديث باطل كما قال الذهبي رواه ابن بكير من طريق أحمد بن عبد الله الدارع وهو كذاب، وشيخه صدقة بن موسى وأبوه لا يعرفان. فائدة: أحمد في العربية ممنوع من الصرف لا ينوّن ولا يكسر للعلمية ووزن الفعل. وألغز فيه بعضهم رحمه الله تعالى فقال: وراكعةٍ في ظلّ غصن منوطة ... بلؤلؤةٍ نيطت بمنقار طائر فالراكعة: الدال. والغصن التي هي في ظله: الألف. واللؤلؤة: الميم. ومنقار الطائر: الحاء. «الأبر» : أفعل تفضيل من بررت فلاناً بالكسر أبرّه برّاً فأنا برّ وبارّ: أي محسن. والبرّ: اسم جامع للخير. ويطلق أيضاً على الصّدق لحديث: «لا يزال الرجل يصدق حتى يكتب عند الله بارّاً، ولا يزال يكذب حتى يكتب عند الله كاذباً» وإنه يقال صدق وبرّ وكذب. وفجر. وجمع البرّ: أبرار والبارّ: بررة. وهو ﷺ حريّ بأن يكون أبرّ الناس، لما جمع فيه من الخصال الجميلة التي لم تجمع في مخلوق والإحسان والصدق. قال أبو علي الحاتميّ ﵀: اتفق أهل الأدب على أن أصدق بيت قالته العرب قول أبي إيّاس الدّؤلي: وما حملت من ناقةٍ فوق رحلها ... أبرّ وأوفى ذمة من محمد وهذا الاسم مما سماه الله تعالى به من أسمائه الحسنى. والبرّ في حقه تعالى معناه: المحسن أو الصادق الوعد أو خالق البرّ. أقوال. والنبي ﷺ بر بالمعنيين الأولين كما سيأتي في صفاته المعنوية. «الأبطحي» : نسبة إلى الأبطح وهو مسيل الماء، وفيه دقاق الحصى، والمراد هنا أبطح مكة، وهو مسيل واديها، وهو ما بين مكة ومنى ومبتدأه المحصّب. وأصله في اللغة: ما انحدر من الجبال وارتفع عن المسيل. قال حسان بن ثابت ﵁ يمدح النبي ﷺ :

стр. 460

وأكرم صيتا في البيوت إذا انتمى ... وأكرم جدا أبطحيا يسوّد [ (١) ] وسمّي ﷺ بذلك لأنه من قريش البطاح، وذلك أن قصيّاً جده الخامس لما ولي البيت وأمر مكة أقطعها أرباعاً بين قومه، فلما كثرت بنو كعب بن لؤي وبنو عامر بن لؤي أخرجوا بني محارب وبني الحارث بن فهر من البطحاء إلى الظّواهر وبني خارجة الحرم حول مكة. فقريش البطاح: بنو كعب بن لؤي وبنو عبد مناف وبنو عبد الدار وبنو مرّة بن كلاب، وبنو مخزوم بن يقظة، وبنو تميم بن مرة وبنو جمح وسهم بن عمرو بن هصيص بن كعب، وبنو عديّ بن مالك وبنو عامر بن لؤي. وقريش الظواهر: بنو محارب، وبنو الحارث بن فهر، وبنو الأدرم بن غالب، وعامة بني عامر بن لؤيّ وكان يقال لعبد المطلب: سيّد الأبطح والأباطح. «الأبلج» : بالموحدة وآخره جيم. وهو الطّلق الوجه أو المشرقه، أو ذو الكرم والسماحة والمعروف، أو الواضح أمره، ومنه صباحٌ أبلج، وانبلجت الشمس انبلاجاً وانبلج الفجر وتبلّج: أنار ووضح. «الأبيض» : صفة مشبهة من البياض ضد السّواد، وهو السخيّ الجواد ومنه قول ذي الرّمّة: وأبيض مرتاح النّحيزة للنّدى ... له نائلٌ بالمكرمات يفيض أو المبارك الميمون ومنه قول الجعدي: كم بتّ أرقب منك يوماً أبيضاً ... في شبه وجهك بالنّدى متهلّل أو المتصف بالبياض وهو نظافة العرض، يقال رجل أبيض وامرأة بيضاء أي نقية العرض من الأدناس، ويقال ابيضّ ابيضاضاً وبياضاً وهو مبيضّ، وقال أبو طالب: وأبيض يستسقى الغمام بوجهه ... ثمال اليتامى عصمة للأرامل [ (٢) ] وسيأتي تمامه في ثمال.

стр. 461

الأتقى» : أفعل تفضيل من تقى يتقي كقضى يقضي لا من اتقى يتّقي الذي هو الأصل، فخفف لأن أفعل التفضيل لا يبنى من غير ثلاثي على ثلاثة. روى مسلم عن جابر رضي الله تعالى عنه قال قال رسول الله ﷺ : «قد علمتم أنّي أتقاكم وأبرّكم وأصدقكم حديثاً» . قال الجوهري: التّقيّ: المتّقي. والتّقى والتقوى واحد. وواوها مبدلة عن ياء لقولك: اتقيت والتاء من واو لأنه من وقيت. وأصل التقوى في اللغة: قلة الكلام. حكاه ابن فارس. وقال غيره: هي الخوف والحذر وأصلها: اتقاء الشّرك ثم المعاصي، ثم الشبهات، ثم ترك الفضلات. وحقيقتها: التحرّز بطاعة الله تعالى من مخالفته. وقال رجل لأبي هريرة رضي الله تعالى عنه: ما التقوى؟ قال: أخذت طريقاً ذا شوك؟ قال: نعم. قال: كيف صنعت؟ قال: إذا رأيت الشوك عدلت عنه أو جاوزته أو قصرت عنه. قال: ذاك التقوى. رواه ابن أبي الدنيا في كتاب التقوى. وقد أشار إلى هذا المعنى ابن المعتز رحمه الله تعالى فقال: خلّ الذّنوب صغيرها ... وكبيرها ذاك التّقى واصنع كماش فوق أر ... ض الشّوك يحذر ما يرى لا تحقرنّ صغيرةً ... إنّ الجبال من الحصا وأما إضافتها إلى الله تعالى في قوله تعالى: هُوَ أَهْلُ التَّقْوى فمعناه أهل لأن يتّقى عقابه ويحذر عذابه. وسئل علي رضي الله تعالى عنه عنها قال: هي الخوف من الجليل، والعمل بالتنزيل والقناعة بالقليل، والاستعداد ليوم الرّحيل. قال النبي ﷺ : «لا يبلغ العبد أن يكون من المتقين حتى يدع ما لا بأس به حذراً مما به بأس» [ (١) ] . رواه الإمام أحمد، وحسّنه الترمذي. تنبيه: قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ أمرٌ بالدوام على التقوى. كقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ [ (٢) ] أي داوموا على الإيمان.

стр. 462

«أتقى الناس» : تقدم معناه في الذي قبله. «الأجود» : أفعل تفضيل من الجود وهو الكرم. يقال جاد يجود جوداً فهو جواد بتخفيف الواو، وقومٌ جودٌ وأجواد وأجاود وجوّاد. قال النّحاس رحمه الله تعالى: الجواد: الذي يتفضل على من لا يستحق ويعطي من لا يسأل ويعطي الكثير ولا يخاف الفقر. من قولهم: مطر جواد: إذا كان كثيراً. وفرس جواد: يعدو كثيراً قبل أن يطلب منه. ثم قيل: هو مرادفٌ للسّخاء. والأصحّ أن السخاء أدني منه. والسخاء: اللّين عند الحاجات، ومنه: أرضٌ سخاوية: لينة التراب. وفي رسالة القشيري رحمه الله تعالى: قال القوم: من أعطى البعض فهو سخيّ ومن أعطى الأكثر وبقّى لنفسه شيئاً فهو جواد ومن قاسى الضرر وآثر غيره بالبلغة فهو مؤثر. وقال بعضهم: السخاء سهولة الإنفاق وهو الجود، وضده التقتير، والسماحة: التجافي عما يستحقه المرء من غيره بطيب نفسه، وضد الشّكاسة. والكرم: الإنفاق بطيب النّفس فيما يعظم خطره ويسمى حرّية، وضده: النذالة. وروى الشيخان عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: «كان رسول الله ﷺ أجود الناس وكان أجود ما يكون في شهر رمضان» الحديث. وروى أبو يعلى عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : «ألا أخبركم عن الأجود؟ الله الأجود، وأنا أجود بني آدم» [ (١) ] . ولهذا مزيد بيان في باب كرمه وجوده ﷺ . «أجود الناس» : تقدم الكلام عليه في الذي قبله. «الأجلّ» : بالجيم وتشديد اللام: الجليل العظيم أي الأكثر إجلالاً وعظمة عند الله وعند عباده. «الأجير» : بالجيم نقله «ع» عن بعض الصحف المنزّلة: لأنه يجير أمته من النار. قال الشيخ رحمه الله تعالى: ولم أر من ذكره غيره، وأخشى أن يكون تصحّف بأحيد الآتي. «أحاد» : كذا ورد في السّفر الخامس من التوراة، وليس بين الحاء والدال ألف إنما يفخّمون الحاء، وتفسيره عندهم: واحد.

стр. 463

ومعناه فيه صحيح من وجوه، منها: أنه واحد بمعنى آخر الأنبياء وخاتمهم، ومنها: أنه واحد في السيادة على من سواه، ومنها أنه واحد في شريعته أكمل الشرائع، ومنها: أنه واحد في خصائص خصّ بها من أحكام دينه وأمور رفيعة غير دينه، كالشّفاعة العامّة والحوض المورود والمقام المحمود: وقال الشيخ رحمه الله تعالى: أحاد في العربية بضم الهمزة: اسم عدد معدول عن واحد واحد، ولا يبعد أن يكون اسمه ﷺ في التوراة هو هذا الاسم العربيّ المعدول، ووجه العدل فيه عن واحد واحد المتكرر: أنه ﷺ في أمور متعددة، فعدل عنها إلى أحاد ليدل على ذلك باختصار كما هو فائدة العدل أن لا يؤتى باللفظ مكرراً، فيكون هذا الاسم مما سماه الله تعالى به من أسمائه. ومعنى الواحد في حق الله تعالى: الذي لا شريك له في ذاته وصفاته. «الأحد» : المنفرد بصفات الكمال عن الخلق أو بالقرب من الحق، وهو من الصفات المشبّهة وأصله: وحد بفتح بالحاء وبكسرها أيضاً، فأبدلت الواو المفتوحة همزةً شذوذاً، لأن قياس المفتوحة أول الكلمة أن تبقى على حالها. وهو من أسمائه تعالى ومعناه: المنفرد بصفات الكمال. وسيأتي الفرق بينه وبين الواحد بأنه يقال باعتبار الذات، والأحد باعتبار الصّفات. وقيل: الواحد للوصل والأحد للفصل. فمن الواحد وصل إلى عباده النّعم. ومن الأحد انفصلت عنهم النّقم. «الأحسن» : ذكره أبو حفص النسفي رحمه الله تعالى في تفسيره، وهو أفعل: من الحسن، وهو تناسب الأعضاء على ما ينبغي، والمراد به: المستجمع صفات الكمال. قال تعالى: وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعا إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ قال عبد الرزاق في تفسيره عن معمر عن الحسن البصري رحمه الله تعالى: أنه تلا هذه الآية فقال: هذا حبيب الله تعالى، هذا صفوة الله، هذا أحبّ أهل الأرض إلى الله أجاب الله تعالى في دعوته، ودعا الناس إلى ما أجاب الله تعالى فيه. وفي حديث أنس عند عبد بن حميد: كان النبي ﷺ أحسن الناس، وكان أجود الناس وكان أشجع الناس. وسيأتي الكلام على ذلك في باب حسنه ﷺ . ويرحم الله تعالى الشرف البوصيري حيث قال: فهو الذي تم معناه وصورته ... ثم اصطفاه حبيبا بارئ النسم منزّهٌ عن شريكٍ في محاسنه ... فجوهر الحسن فيه غير منقسم

стр. 464

والشرف ابن الفارض حيث قال: وعلى تفنن واصفيه بحسنه ... يفنى الزمان وفيه ما لم يوصف قال النّسفي رحمه الله تعالى: وهذا الاسم مما سماه الله تعالى به من أسمائه. قال تعالى: فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ. «الأحشم» : بالحاء المهملة والشين المعجمة: أفعل تفضيل من الحشمة وهي الوقار والسكينة أي أحشم الناس، أي أكثرهم وقاراً. «أحيد» : عزاه القاضي للتوراة لأنه يحيد أمّته عن النار. ويروى عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما مرفوعا: «اسمي في القرآن محمد وفي الإنجيل أحمد، وفي التوراة أحيد لأني أحيد أمّتي عن النار» رواه ابن عدي وابن عساكر بسند واهٍ، وضبطه الشيخ تقي الدين الشّمنّي بضم الهمزة والحلبي بفتحها وسكون الحاء المهملة وفتح المثناة التحتية وكسرها في آخره دال مهملة وضبطه الماوردي رحمه الله تعالى بمد الألف وكسر الحاء المهملة. وقال في الشرح: يحتمل أن يكون أفعل: من حاد عن الشيء إذا عدل عنه ونفر منه، وسمّي به لأنه حاد عن طريق الباطل وعدل بأمته إلى سبيل الحق. وهو غير منصرف للعجمة والعلمية، أو وزن الفعل مع العلمية. «الآخذ الحجزات» : بالإضافة: اسم فاعل من الأخذ وهو التناول. روى الشيخان عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه إن رسول الله ﷺ قال: «إنما مثلي ومثل أمتي كمثل رجل استوقد ناراً فجعلت الدوابّ والفراش يقعن فيها، فأنا آخذ بحجزكم وأنتم تقحّمون فيها» [ (١) ] . وروى الإمام أحمد عن جابر رضي الله تعالى عنه أنه قال: قال رسول الله ﷺ : «مثلي ومثلكم كمثل رجل أوقد ناراً فجعل الفراش والجنادب يقعن فيها وهو يذبّهن عنها وأنا آخذ بحجزكم وأنتم تفلتون من يدي» [ (٢) ] . الحجزات بضم المهملة وفتح الجيم ثم زاي. والحجز جمع حجزه وهو حيث يثنى طرف الإزار وهو النيفق من السراويل ومحلها الوسط، فكأنه ﷺ قال: أنا آخذ بأوساطكم لأنّجيكم من النار والأخذ بالوسط أمكن، فعبّر عنها بالحجزات استعارة بعد استعارة. «الآخذ الصدقات» : قال تعالى: خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها الآية

стр. 465

وإن نزلت في المخلّفين عن غزوة تبوك، وفي صدقة التطوع التي هي من تمام توبتهم، لكنها عامّة لغيرهم وفي الزكاة المفروضة. ولهذا قال مانعو الزكاة: لا ندفعها إلا لمن صلواته سكنٌ لنا، وقد كان ﷺ يأخذ الزكاة من أربابها ويفرّقها على مستحقيها كما هو معلوم معروف. «أخرابا» : هو اسمه ﷺ في الإنجيل، ومعناه آخر الأنبياء، روى ابن أبي شيبة في المصنّف عن مصعب بن سعد، عن كعب رحمه الله تعالى قال: أول من يأخذ حلقة باب الجنة فيفتح له محمد ﷺ ، ثم قرأ علينا آية من التوراة أخراباً قدمابا الأوّلون الآخرون. «الأخشى لله» : أخذه الشيخ رحمه الله تعالى من حديث أبي داود: «والله إني لأرجو أن أكون أخشاكم لله» . قال الشيخ عز الدين بن عبد السلام رحمه الله تعالى: وفيه إشكال لأن الخوف والخشية حالةٌ تنشأ عن ملاحظة شدّة النّقمة الممكن وقوعها بالخائف، وقد دلّ الدليل القاطع على أنه ﷺ غير معذّب. وقال تعالى: يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ فكيف يتصوّر منه الخوف، فكيف أشد الخوف؟. قال: والجواب أن النسيان جائز عليه ﷺ فإذا حصل النسيان عن موجبات نفي العقاب حدث له الخوف، لا يقال أن إخباره ﷺ بشدة الخوف وعظم الخشية عظم بالنوع لا بكثرة العدد، أي إذا صدر منه الخوف ولو في زمن فرد كان أشدّ من خوف غيره. والخشية: الخوف وقيل أعظمه والهيبة أعظم منها. وقال سعيد بن جبير رحمه الله تعالى: هي أن تخشاه حتى يحول بينك وبين المعصية، وعلى قدر علمه ﷺ بالله تعالى كان خوفه. كما سيأتي في باب: «خوفه ﷺ » . وقال الأستاذ أبو علي الدقاق رحمه الله تعالى: الرهبة على مراتب: أولها: الخوف وهي من شرط الإيمان. قال الله تعالى: وَخافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ثانيها: الخشية وهي من شرط العلم، قال الله تعالى: إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ ثالثها الهيبة، وهي من شرط المعرفة. وقيل هي حركة القلب من جلال الرب. وأما وصفه تعالى بها في قوله تعالى: إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ [] برفع الاسم الكريم ونصب العلماء عكس القراءة المشهورة كما قرأ به أبو حيوة وعمر بن العزيز وأبو حنيفة فهو على سبيل المجاز، والمراد غايتها التي هي التعظيم والإجلال فقط على حد قوله: أهابك إجلالاً وما بك قدرةٌ ... عليّ ولكن ملء عينٍ حبيبها «آخر ماخ» : عزاه «ع» لصحف شيث ﷺ قال: ومعناه صحيح الإسلام.

стр. 466

«الأدعج» : بدال وعين مهملتين أي أدعج العينين من الدّعج محرّكاً كالدّعجة بالضم وهو شدة سواد العين مع سعتها. كما سيأتي في باب صفاته الحسية ﷺ . «الأدوم» : بفتح الهمزة وسكون الدال المهملة، أفعل تفضيل من المداومة وهي المواظبة على الشيء. وأصل الدوام السكون يقال: دام الماء: إذا سكن، ومنه حديث الشيخين ﵄ عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه عن النبي ﷺ : «لا يبولنّ أحدكم في الماء الدائم ثم يغتسل فيه» [ (١) ] . وسمي ﷺ بذلك لملازمته طاعة ربه ﵎. وروى الشيخان عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: «كان عمله ﷺ ديمةً وأيكم يستطيع ما كان يستطيع ﷺ » . ولا ينافي ذلك عدم مواظبته ﷺ على صلاة الضحى، كما رواه الترمذي وحسنه عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه: أنه ﷺ كان يصلي الضحى حتى نقول لا يدعها، ويدعها حتى نقول لا يصلّيها، لأن المواظبة على العمل كانت غالب أحواله ﷺ وقد يتركها لحكمة كما ترك المواظبة على قيام رمضان لمّا علم به أناس فقاموا بقيامه خشية أن تفرض عليهم فيحرجهم. فإن قيل: لم واظب ﷺ علي قضاء سنّة الظّهر لمّا فاتته لاشتغاله مع الوفد بعد العصر ولم يواظب على قضاء سنة الفجر لمّا فاتته مع الصبح في الوادي مع أن سنّة الفجر آكد ووقت قضائها ليس وقت كراهة بخلاف سنة الظهر؟ أجيب: بأن سنّة الفجر فاتته ﷺ مع جمع من الصحابة فلو واظب على قضائها لتأسّى به كلّ من فاتته إذا كان من عادتهم الحرص على اقتفاء آثاره ﷺ والمتابعة له في أفعاله فيشق ذلك عليهم، بخلاف سنة الظهر أو لأنه كان في سفر فلم يواظب عليها لذلك بخلاف سنة الظهر. «أذن خير» : سمي ﷺ بالجارحة التي هي آلة السمع كأن جملته إذن كما يقال للرّبيئة: عين. قال تعالى: وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ. قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قائل هذه اللفظة نبتل بن الحارث بن مروة المنافق، كان يأتي النبي فيجلس إليه فيسمع منه، ثم ينقل حديثه إلى المنافقين، رواه ابن أبي حاتم. وقيل هو الجلاس بن سويد.

стр. 467

قال الحسن ومجاهد رحمهما الله تعالى: ومعنى هو أذن: يسمع منا معاذيرنا وينصت لنا، أي نحن لا نبالي عن أذاه والوقوع فيه، إذ هو سماّع لكل ما يقال له من اعتذار ونحوه ويقال للسمّاع لكل قول: أذن، لكثرة سماعه، سمّي بمحلّه. وقيل هو على حذف مضاف وتقديره ذو أذن أي ذو سماع، وقيل هو من قولهم أذن للشيء بمعنى استمع، ومنه الحديث: «ما أذن الله لشيء كأذنه لنبي متغن بالقرآن» . وصفه الله تعالى بذلك إلا أنه تعالى فسّره بما هو مدح لنبيه ﷺ وثناء عليه وإن كان قصدوا بذلك ذمّه. والمشهور ضم ذال أذن. وقرأ نافع بسكونها، قال ابن عطية رحمه الله تعالى: أذن خير: سمّاع خير وحقّ لا غيره، والمشهور إضافته وقرأ عاصم برفع «خير» وتنوين «أذن» قال: وهو يوافق تفسير الحسن أي من يقبل معاذيركم خير لكم. قال العزفيّ رحمه الله تعالى: وأما اسمه ﷺ «أذن خير» فهو مما أعطاه من فضيلة الإدراك لبيان الأصوات فلا يبقى من ذلك خير ولا يسمع من القول إلا أحسنه. فائدة: قال في الصحاح: الأذن مؤنثة وتصغيرها أذينة. ورجل أذن يستوي فيه الواحد والجمع. «الأرجح» : الزائد على غيره علماً وفضلاً، وفي حديث شق الصدر ثم قال أحدهما- أي الملكين- لصاحبه: زنه بعشرة من أمته فوزنني بهم فرجحتهم. ثم قال: زنه بمائة من أمته فوزنني بهم فوزنتهم. ثم قال زنه بألف من أمته فوزنني بهم فوزنتهم. فقال: دعه عنك فلو وزنت بأمته لوزنهم. أي لرجح عليهم في الفضل. وقال زهير بن صرد رضي الله تعالى عنه يمدحه ﷺ وزاده شرفا وفضلا لديه: إن لم تداركهم نعماء تنشرها ... يا أرجح النّاس حلماً حين يختبر «أرجح الناس عقلا» : روى أبو نعيم عن وهب بن منبه رحمه الله تعالى قال: قرأت في أحد وسبعين كتاباً فوجدت في جميعها أن الله تعالى لم يعط جميع الناس من بدء الدنيا إلى انقضائها من العقل في جنب عقل محمد ﷺ إلا كحبّة رمل من بين جميع رمال الدنيا، وإن محمدا ﷺ أرجح الناس عقلاً. وسيأتي لهذا مزيد بيان إن شاء الله تعالى في الكلام على عقله ﷺ . «الأرحم» : أفعل: من الرّحمة أي أكثر الناس رحمة، وسيأتي بيانها إن شاء الله تعالى. «أرحم الناس بالعيال» : وسيأتي الكلام عليه في باب شفقته ﷺ . «الأزجّ» : بفتح الزاي وتشديد الجيم أي أزجّ الحاجبين أي المقوّس الحاجب الوافر شعره. كما سيأتي بيان ذلك في باب صفاته ﷺ .

стр. 468

«الأزكى» : بالزاي: الطاهر، أفعل من الزكاة وهي الطهارة أي أزكى العالمين. أي أطهرهم «الأزهر» : من الزهارة وهي الرونق. روى مسلم عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: كان رسول الله ﷺ أزهر اللون، قال الإمام النووي: معناه أبيض مستنير فهو بمعنى ما رواه ابن حبان عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت كان رسول الله ﷺ أبيض. ولهذا مزيد بيان في باب صفة لونه ﷺ «الأسد» : بفتح الهمزة والسين وتشديد الدال المهملتين: المستقيم وهو أفعل: من السّدد محركة كالسداد وهو الاستقامة والتوفيق للصواب من القول والعمل، يقال: سدّده تسديداً: إذا قوّمه ووفقه للسداد. وسدّ يسدّ، كفرّ يفرّ: صار سديداً أي مستقيماً واستدّ: استقام. وأسدّ أصاب السداد أو طلبه. وسدّ الثلمة: أصلحها وأوثقها. وقد كان النبي ﷺ أكثر الناس ملكاً وأنساً وجمعاً وسداداً أي استقامة وتوفيقاً وإصلاحاً لثلم الرأي وإصابةً للصواب، لأن جميع ما يصدر منه ﷺ ولو على سبيل الاجتهاد مستند إلى الوحي، ولهذا كان اجتهاده ﷺ لا يخطئ كما صوّبه السّبكي، ولهذا مزيد بيان في أبواب عصمته ﷺ «أشجع الناس» : من الشجاعة وهي شدة القلب عند البأس، وتقدم في أحسن، وسيأتي الكلام عليه في باب شجاعته ﷺ «الأشدّ حياءً من العذراء في خدرها» : أي أكثر حياء. والحياء يمدّ ويقصر وهي انقباض النفس عن القبيح مخافة الذم، وسيأتي الكلام على ذلك في باب حيائه ﷺ «الأشنب» : بالمعجمة وفتح النون فموحدة من الشّنب محركاً وهو رونق الأسنان ورقة مائها. وقيل رقتها وعذوبتها، وسيأتي بيانه إن شاء الله تعالى في باب صفة فمه وأسنانه ﷺ «الأصدق» : أفعل تفضيل. للمبالغة وأصله الثبوت والقوة يقال رجل صدق إذا كان قوياً على الطعن ثابتاً فيه، لا أحد أقوى من رسول الله ﷺ ولا أثبت على الحق منه، فهو ﷺ أصدق الناس لهجة وأثبت على الحق وأقوى في الله. وفي حديث علي رضي الله تعالى عنه عند الترمذي في الشمائل: هو أصدق الناس لهجة. وهذا الاسم مما سماه الله تعالى به من أسمائه قال الله تعالى: وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا «أصدق الناس لهجة» : وتقدّم معناه. واللهجة بفتح الهاء وسكونها لغةً: اللسان. وقيل

стр. 469

طرفه أي أصدق الناس لساناً «الأطيب» : أي الأفضل والأشرف، أو الأكثر طيباً. أي أفعل: من الطيب وهو حسن الرائحة «الأعزّ» : بمهملة فمعجمة: أفعل: من العز أي الكثير العزّة وهي الغلبة والقوة «الأعظم» : أي أحسن الناس خلقا وخلقاً لأنه أفعل: من العظمة وهي ترجع إلى كمال الذات وتمام الصفات، وذلك غاية الحسن وكماله «الأعلى» : أفعل: من العلوّ وهو الرفعة، أي الأكثر علوّاً أي رفعة على غيره. قال أبو حفص النسفي رحمه الله تعالى في تفسيره: وهو مما سماه الله تعالى به من أسمائه، وأورد فيه قوله تعالى: وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلى وفي الأخذ من الآية نظر. قال الشيخ رحمه الله تعالى: ولم يظهر لي وجه الأخذ منه لأنّا وإن جعلنا الضمائر في «استوى» و «هو» و «دنا» «فتدلى» «فكان» للنبي ﷺ وهو قولٌ مرجوح في التفسير لم يصحّ أيضاً جعل الأعلى صفةً له لأن الضمير لا يوصف كما تقرر في النحو إلا على رأي ضعيف وكأنّه جعله حالاً من ضمير استوى. وجملة «وهو بالأفق» مبتدأ وخبر حالاً أيضاً. والتقدير: فاستوى الأعلى أي عليّاً حالة كونه بالأفق وهو بعيد جداً ولم يظهر لي فيه غير ذلك «الأعلم بالله» : والمراد العلم بالله تعالى وصفاته وما يجب له كما قال في حديث ضعيف رواه الإمام أحمد: «أنا أتقاكم لله وأعلمكم بحدود الله» يأتي بيانه في شرح اسمه العالم «الأغرّ: بالغين المعجمة والراء: الشريف الكريم الخيار. قال حسان بن ثابت- رضي الله تعالى عنه- يمدحه ﷺ زاده الله فضلاً وشرفاً: أغرّ عليه للنّبوّة خاتم ... من الله مشهودٌ يلوح ويشهد [ (١) ] «أفصح العرب» : كذا ورد في حديث ذكره أصحاب الغريب بهذا اللفظ. قال الحافظ العلامة عماد الدين بن كثير والشيخ- رحمهما الله تعالى-: ولم نقف على سنده. وروى أيضاً: «أنا أفصح من نطق بالضاد بيد أنّي من قريش» أي من أجل أني منهم. ومعنى أفصح من نطق بالضاد: أي أفصح العرب لأنهم هم الذين ينطقون بها، وليست

стр. 470

في لغة غيرهم. وأفصح: أفعل تفضيل من فصح الرجل: جادت لغته لا من أفصح إذا تكلم بالعربية، لأن أفعل التفضيل لا يبنى إلا من ثلاثي. وفي الصحاح: رجل فصيح وكلام فصيح أي بليغ. ولسانٌ فصيح أي طلق. ومرجع الفصاحة إما إلى الوضوح، ومنه: أفصح الصبح إذا بدا ضوءه. ويقال لكل واضح: مفصح. أو إلى الخلوص. ومنه: أفصح اللبن إذا أخذت منه الرغوة ولهذا مزيد بيان في باب بيان صفاته الحسية ﷺ «أكثر الأنبياء تبعاً» : بفتح التاء الفوقية والموحّدة: جمع تابع كخدم جمع خادم. روى مسلم عن أنس بن مالك- رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله ﷺ : «أن من الأنبياء من يأتي يوم القيامة ما معه مصدّق غير واحد» وقوله ﷺ في حديث أبي هريرة «وأرجو أن أكون أكثرهم تبعاً» لعله قبل أن يكشف له عن أمته ويراهم. وقد حقق الله تعالى رجاءه ﷺ كما سيأتي بيان ذلك في الخصائص «الأكرم» : المتصف بزيادة الكرم على غيره. وقال بعض العلماء: الكرم كالحرية إلا أنها تقال في صغير المحاسن وكبيرها، والكرم لا يقال إلا في كبيرها فقط ولذا قال تعالى: إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ. روى الدارميّ عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنهما- قال: قال رسول الله ﷺ : «أنا أكرم الأوّلين والآخرين على الله ولا فخر» [ (١) ] . ومن كرامته ﷺ علي ربه أنه أقسم بحياته وأشفق عليه فيما كان يتكلفه من العبادة وطلب منه أن يقلّلها، ولم يطلب ذلك من غيره بل حضّهم الله على الزيادة. وأقسم له أنه من المرسلين وأنه ليس بمجنون وأنه لعلى خلق عظيم وأنه ما ودّعه وما قلاه. وولد ﷺ مختوناً لئلا يرى أحدٌ عورته، واستأذن عليه ملك الموت في الدخول وفي قبض روحه الزكية ولم يفعل ذلك بأحد قبله. وهذا الاسم مما سماه الله تعالى به من أسمائه قال تعالى: وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ ومعناه: الذي له الكمال في زيادة الكرم على كل كريم. أو الذي أنعم على عباده بالنعم التي لا تحصى ويحلم عليهم فلا يعاجلهم بالعقوبة على كفرانها «أكرم الناس» . «أكرم ولد آدم» : كما سيأتي إن شاء الله تعالى في حديث الشفاعة

стр. 471

«الإكليل» : التاج. ويقال التاج المدوّر. وهو ﷺ تاج الأنبياء ورأس الأصفياء، وسمّي به ﷺ لشرفه وعلوه، أو لإحاطة رسالته وشمولها كما سمي الإكليل لإحاطته بالرأس «الأمجد» : أفعل من المجد وهو الشرف «الآمر الناهي» : اسما فاعل من الأمر والنهي قال تعالى: يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وكان ذلك في حقه ﷺ فرض عين كما قاله الجرجاني في شافيته وفي حق غيره فرض كفاية. قال الشرف البوصيري رحمه الله تعالى: نبيّنا الآمر الناهي فلا أحدٌ ... أبرّ في قول «لا» منه ولا «نعم» قال العزفيّ: وهذا الوصف على الحقيقة لله تعالى، ولكنه لمّا كان الواسطة بين الله تعالى وعبيده أضيف إليه ذلك هو الذي يشاهد آمراً وناهياً ويعلم بالدليل أن ذلك واسطة ونقل من الذي له ذلك الوصف حقيقةً. انتهى. والأمر له معان، المقصود منها هنا: طلب إيجاد الشيء. والنّهي: طلب تركه ويعتبر فيهما العلوّ على الأصح عند الشيخ أبي إسحاق الشيرازي- رحمه الله تعالى- وجماعة من أهل الأصول أي كون الطالب عالي الرّتبة على المطلوب منه والاستعلاء بأن يكون الطلب بعظمة على الأصح عند الإمام الرازي والآمديّ وابن الحاجب. إذا علم ذلك ففي وصف الله تعالى له ﷺ بالآمر والناهي دلالة على علوّ شأنه واستعلاء منصبه ورفع قدره على جميع الأنام، وينشأ من هذا وجوب امتثاله ﷺ وطاعته فيما أمر به ونهى عنه كما قال تعالى: وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا الإمام: المقتدى به في الخير أو غيره يطلق على الواحد نحو إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً والجمع نحو وَاجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إِماماً قال حسان- رضي الله تعالى عنه- يمدحه ﷺ : إمامٌ لهم يهديهم الحق جاهدا ... معلم صدقٍ إن يطيعوه يهتدوا [ (١) ] وسمي به ﷺ لاقتداء الخلق به ورجوعهم إلى قوله وفعله- زاده الله تعالى شرفا وفضلاً «إمام الخير» : روى ابن ماجة عن ابن مسعود- رضي الله تعالى عنه- قال: إذا صلّيتم

стр. 472

على رسول الله ﷺ فأحسنوا الصلاة عليه فإنكم لا تدرون لعل ذلك يعرض عليه. قالوا له: علّمنا. قال: قولوا: «اللهم اجعل صلواتك ورحمتك وبركاتك على سيد المرسلين و إمام المتقين وخاتم النبيين محمد عبدك الأمين ورسولك إمام الخير وقائد الخير ورسول الرحمة، اللهم ابعثه المقام المحمود الذي يغبطه فيه الأولون والآخرون» «إمام العالمين» : العالم بفتح اللام اسم جنس غير علم يجمع على عوالم وعلى عالمين أيضاً إن قلنا باختصاصه بمن يعقل وأنه اسم للثّقلين خاصة كما ذهب إليه الزمخشري- رحمه الله تعالى- لاشتقاقه من العلم، وإن قلنا بعدم اختصاصه بهم وأنه اسم لما سوى الله تعالى- وهو الصحيح- لأنه مشتق- من العلامة بمعنى أن كل موجود يدل على وجود الباري ، فليس العالمون جمعاً له لأنه عامّ والعالمون خاص بمن يعقل، والجمع لا يكون أخصّ من المفرد، ولذا قال سيبويه- رحمه الله تعالى-: ليس الأعراب الذين هم من أهل البادية جمعاً للعرب الذين يطلقون عليهم وعلى أهل القرى. قال الإمام البغويّ رحمه الله تعالى: «وقد اختلف في مبلغ العوالم فعن سعيد بن المسيب. ألف: ستمائة في البحر، وأربعمائة في البرّ. وقال مقاتل: ثمانون ألف عالم: أربعون في البر، وأربعون في البحر. وقال كعب: لا يحصي عدد العوالم إلا الله تعالى وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ» إمام العاملين: جمع عامل أي العبّاد إمام المتّقين: أي الذين يقتدون به ويتبعون هديه: جمع متّق، وهو من اتقى الشرك وتجنّب الشّكّ والمخالفات. وتقدّم في إمام الخير «إمام النبيين» «إمام الناس» : روى الإمام أحمد والترمذي عن أبي بن كعب- رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا كان يوم القيامة كنت إمام النبيين وخطيبهم وصاحب شفاعتهم غير فخر» ولفظ الإمام أحمد: كنت إمام الناس [ (١) ] . ونكتة تخصيصه بيوم القيامة يأتي في اسمه ﷺ : «سيد الناس» «الأمان» : روى الإمام أحمد والترمذي عن أبي موسى- رضي الله تعالى عنه- قال: أمانان كانا على عهد رسول الله ﷺ رفع أحدهما وبقي الآخر وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ.

стр. 473

ولفظ الترمذي: قال: قال رسول الله ﷺ : «أنزل الله عليّ أمانين لأمّتي» فذكره وزاد: «فإذا مضيت تركت فيكم الاستغفار إلى يوم القيامة» [ (١) ] . وكان رسول الله ﷺ أماناً لأمته وقومه من العذاب، إذ درأه الله تعالى عنهم بسبب كونه فيهم. قال بعضهم: النبي ﷺ هو الأمان الأعظم ما عاش وما دامت سنّته باقية فهو باق، فإذا أميتت فانتظروا البلاء والفتن! «الأمنة» : روى البيهقي عن أبي موسى- رضي الله تعالى عنه- قال: رفع رسول الله ﷺ رأسه إلى السماء فقال: «النجوم أمنة السماء فإذا ذهبت النجوم أتى السماء ما توعد، وأنا أمنة أصحابي فإذا ذهبت أتى أصحابي ما يوعدون، وأصحابي أمنةٌ لأمتي فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي ما يوعدون» [ (٢) ] . والأمنة بضم الهمزة وفتح الميم وبفتح الهمزة أيضاً: الوافر الأمانة الذي يؤتمن على كل شيء. وسمي ﷺ بذلك لأن الله تعالى استأمنه على وحيه. أو الحافظ أي حافظ لأصحابه يدفع به الله قيل من البدع وقيل من الاختلاف والفتن، ولا ينافي هذا قوله ﷺ : «إذا أراد الله بأمة رحمة قبض نبيها قبلها» لاحتمال أن يكون المراد برحمتهم أمنهم- من المسخ والخسف ونحو ذلك من أنواع العذاب، وبإتيان ما يوعدون من الفتن بينهم بعد أن كان بابها منسدّاً عنهم بوجوده ﷺ أو معنى الأمن كما في قوله تعالى: إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وسمي به ﷺ لأنه أمان المؤمنين من العذاب والكافرين من الخسف والعقاب «الأمّة» : الجامع للخير المقتدى به أو المعلّم للخير. وأصل الأمة: الجماعة. وسمي به ﷺ كما سمّي به إبراهيم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام لأنه اجتمع فيه ﷺ من الأوصاف الحميدة والخصال الجميلة ما لم يجتمع في أمة كثيرة من الناس الم. المر. المص ذكرها «د» والمشهور أنها من أسماء الله تعالى فإن صح ما قاله كانت مما سماه الله تعالى به من أسمائه وقد بسطت الكلام على ذلك في كتاب «القول الجامع الوجيز الخادم للقرآن العزيز «الألمعي» : بالهمز أوله والياء آخره: الحديد القلب واللسان، الذكيّ المتوقّد، مأخوذ من لمع النار وهو لهبها وإضاءتها كأنه لفرط ذكائه إذا لمع أول الأمر عرف آخره كما قال أوس بن حجرٍ [ (٣) ] :

стр. 474

الألمعي الذي يظن بك الظن ... كأن قد رأى وقد سمعا ومثله الألمع بلا ياء. واليلمع بالتحتية أوله كيسمع. واليلمعي بياءين أوله وآخره. هذا هو الصحيح المشهور، الموجود في نسخ القاموس المعتمدة وغيره من كتب اللغة. وأما ما في بعض نسخه تبعاً لقول الليث: اليلمع: الكذّاب مأخوذ من اليلمع وهو السّراب فخطأ باطل. كما قال الأزهري وغيره من أئمة اللغة، مستدلاً بأن العرب لم تضعه إلا في موضع المدح. قال: وما علمت أحداً من أئمة اللغة قال كما قاله الليث رحمه الله تعالى «الآمن» : بالمد وكسر الميم كصاحب: الخالص التقي والشريف النقي، وهو اسم فاعل من الأمن وهو طمأنينة النفس وزوال الخوف كالأمان والأمانة. يقال أمن كفرح أمناً وأماناً بفتحهما وأمناً وأمنةً محركين وإمناً بالكسر فهو آمن وأمن كفرح، وأمين كأمير. وسمي به ﷺ لأن الله تعالى أمّنه يوم القيامة فقال تعالى: يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ والحكمة في ذلك أن يفرغ إلى شفاعة أمته إذا قال سائر النبيين: نفسي نفسي، ولو لم يؤمنه كان مشغولاً كغيره من الأنبياء. انتهى. وقد ورد في تأمينه ﷺ حديث رواه الطبراني في الأوسط بسند واهٍ. ولأنه ﷺ كان آمناً من شر الخلق وكيدهم، لأن الله تعالى عصمه من الناس وحماه منهم. كان ﷺ إذا خرج بعث معه عمّه أبو طالب من يكلأه حتى نزلت وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ فذهب ليبعث معه فقال: يا عم قد عصمني الله فلا حاجة لي بذلك. كذا في شرح النظم، وفيه نظر لقوله بعد: إن الآية نزلت في عام تبوك وأبو طالب- مات قبل الهجرة. والله تعالى أعلم. ولا يستشكل ذلك بقوله ﷺ : «ما زالت أكله خيبر تعادّني فقطعت أبهري» لأن الآية نزلت عام تبوك والسم قبلها بخيبر، ولا ما وقع له من الأذى يوم أحد [ (١) ] لأن المراد يعصمك من القتل وعليه أن يحتمل ما دون النفس. وأما أمره بعد ذلك بالحراسة فللتشريع. قوله: «تعادّني» قال في الصحاح: العداد: اهتياج وجع اللديغ وذلك إذا تمت له سنة مذ يوم لدغ اهتاج به الألم، يقال عادّته اللسعة: إذا اشتد العداد «الأمين» : ذكره ابن فارس. ومعناه: القوي الحافظ الذي يوثق بأمانته ويرغب في ديانته، فعيل بمعنى فاعل من أمن ككرم فهو أمين وأمّان كرمّان. قال الله تعالى: إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ مُطاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ في أحد القولين، ونسبه القاضي لأكثر المفسرين، أن الرسول المذكور: محمد ﷺ .

стр. 475

وقد كان يدعى بذلك في صغره لوقاره وصدق لهجته وهديه واجتناب القاذورات والأدناس. قال كعب بن مالك فيه ﷺ : أمينٌ محبٌّ في العباد مسوّم ... بخاتم ربٍّ قاهرٍ للخواتم وسيأتي قول قريش عند إرادة بناء البيت [ (١) ] : هذا الأمي ن إن شاء الله. روى مسلم عن أبي سعيد الخدري- رضي الله تعالى عنه- مرفوعاً: «ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء يأتيني خبر من في السماء صباحاً ومساء» [ (٢) ] وسمي ﷺ بذلك لأنه حافظ الوحي قوي على الطاعة. أو: المأمون. أي المؤتمن بفتح الميم، فعيل بمعنى مفعول من الائتمان وهو الاستحفاظ والوثوق بالأمانة، يقال: أمنه كسمعه وأمنه وائتمنه واستأمنه أي استحفظه ووثق بأمانته فهو أمين ومأمون، أي موثق به. وسمي ﷺ بذلك لأن الله تعالى ائتمنه على وحيه وجعله واسطة بينه وبين خلقه وكساه من الأمانة التي هي ضد الخيانة حلّة وافرة وتوّجه بتاج الصدق المرصّع بدررها الفاخرة. والمراد في قوله تعالى: إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الفرائض المفروضة. وقيل: النية القلبية لأن الله تعالى ائتمن العباد عليها، ولم يظهرها لأحد من خلقه، فمن أضمر التوحيد مثل ما أظهره فقد أدى الأمانة، ومن لا فلا. وقيل: المراد بها العقل. وقيل: العدالة. وقيل غير ذلك «الأميّ» : قال تعالى: الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ وهو الذي لا يحسن الكتابة، كما في الحديث: «إنا أمة أمية لا نحسب ولا نكتب» نسبة إلى الأمّ كأنه على الحالة التي ولدته أمّه. وكانت الأمية في حقه ﷺ معجزةً وإن كانت في حق غيره ليست كذلك. قال القاضي- ﵀: لأن معجزته العظمى القرآن العظيم إنما هي متعلقة بطريق المعارف والعلوم مع ما منح ﷺ وفضّل به من ذلك. ووجود مثل ذلك ممن لا يقرأ ولا يكتب ولا يدارس ولا لقّن مقتضى العجب ومنتهى العبر ومعجزة البشر، وليس فيه إذ ذاك نقيصة، إذ المطلوب من القراءة والكتابة المعروفة ليست المعارف والعلوم إلى آخر ما تقدم، وإنما هي آلة ووساطة موصّلة إليها غير مرادة في نفسها، فإذا حصلت الثمرة والمطلوب استغني عن الواسطة. تنبيه: قال القاضي- ﵀: من وصف النبي ﷺ بالأمّية أو نحوها من اليتم وما جرى

стр. 476

عليه من الأذى، فإن قصد بذلك مقصده من التعظيم والدلالة على نبوته ﷺ ونحو ذلك كان حسناً، ومن أراد ذلك على غير وجهه وعلم منه سوء قصده لحق بما تقدم، أي بالسابّ فيقتل أو يؤدّب بحسب حاله. ولهذا مزيد بيان يأتي في الخصائص أن شاء الله تعالى. الأمّيّ: بفتح الهمزة قرئ بها. قال ابن عطية- ﵀: هو منسوب به إلى الأمّ بمعنى القصد، أي إن هذا النبي مقصد للناس وموضع أمّ، يؤمونه في أفعالهم وشرعهم. فعلى هذا يكون اسماً آخر. وقال ابن جنّي: يحتمل أنه بمعنى الأميّ غيّر تغيير النّسب فيكون لغة أخرى لا اسماً آخر. «أنعم الله» : بفتح الهمزة وضم المهملة، جمع نعمة في الأصل وهي الإحسان وسمي بذلك لأنه نعمة من الله تعالى على عباده وبعثته رحمة لهم، وحصل بوجوده للخلق نعم كثيرة منها الإسلام والإنقاذ من الكفر والأمن من الخسف «أنفس العرب» : قال الله تعالى: لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ على قراءة الفتح، وقد روى الحاكم عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما إن رسول الله ﷺ قرأ: «أنفسكم» بفتح الفاء أي من أعظمكم قدراً. وأنفس: أفعل من النّفاسة وهي الشّرف والعلوّ والعز، ومنه: درّ نفيس أي عزيز المثل. والجمهور أن المخاطب بهذه الآية العرب، وإذا كان ﷺ أنفسهم كان أنفس الخلق، لأنهم أفضل من غيرهم ولكن إنما فضلهم برسول الله ﷺ لكونه منهم قال الشاعر: وكم أبٍ قد علا بابنٍ ذرى شرفٍ ... كما علت برسول الله عدنان «أوفى الناس ذماماً» : بكسر الذال المعجمة أي أكثرهم حرمة وأشدهم مهابة قال حسان- رضي الله تعالى عنه-: وما حملت من ناقةٍ فوق رحلها ... أبرّ وأوفى ذمة من محمد «الأنور المتجرّد» : أي المشرق. والمتجرّد بفتح الراء: كل ما يتجرد عنه من بدنه فيرى. «الأوّاه» : بتشديد الواو. قال ابن عباس- رضي الله تعالى عنهما-: كان رسول الله ﷺ يدعو: «ربّ اجعلني شكّاراً لك ذكّاراً لك رهّاباً لك مطواعاً لك مخبتاً لك أوّاهاً منيباً» [ (١) ] الحديث. قد اختلف في معنى الأوّاه على أقوال حاصلها: أنه الخاشع المتضرع في الدعاء المؤمن التوّاب والموقن المنيب الحفيظ بلا ذنب، المسبّح المستغفر بلا خطأ، الحليم

стр. 477

الرحيم المطيع المستكّن إلى الله تعالى، الخائف الوجل الذاكر التالي للقرآن، وهو ﷺ متصف بجميع ذلك. «الأوسط» : العادل أو الخيار من كل شيء ويرحم الله تعالى القائل: يا أوسط النّاس طرّاً في تفاخرهم ... وفي تفاضلهم يا أشرف العرب وقد وصف الله تعالى أمته ﷺ بذلك فقال: وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً أي عدولاً خياراً وأهل دين وسط بين الغلوّ والتقصير. «الأول ى» : أي الأولى بالمؤمنين من أنفسهم أي أجدر وأحرى في كل شيء من أمور الدنيا والدين من أنفسهم. وسيأتي لهذا مزيد بيان في الخصائص إن شاء الله تعالى «الأوّل» : السابق المتقدم على غيره، أو الذي يقتدى به، وهو هنا غير مصروف لكونه جعل علماً له ﷺ ولوزن الفعل، ثم هو عند البصريين صفة جارية في اللفظ مطلقاً مجرى أسبق الذي هو أفعل تفضيل من السبق فيلزم إفراده وتذكيره وإيلاؤه من حيث جرّد من اللام، وإن نويت إضافته بني على الضم «الآخر» : ضد الأول: اسم فاعل من التأخر ضد التقدم. وفي حديث أنس عند البيهقي في قصة الإسراء: ثم لقي خلقاً من خلق الله تعالى فقالوا: السلام عليك يا أوّل، السلام عليك يا آخر، السلام عليه يا حاشر، فقال له جبريل: اردد السلام يا محمد. وفي حديث أبي هريرة في الإسراء عند البزار: «وجعلتك أول النبيين خلقا وآخرهم بعثاً» . روى مسلم عنه قال: قال رسول الله ﷺ : «أنا سيد ولد آدم يوم القيامة وأول من تنشق عنه الأرض، و أول شافع ، و أول مشفّع» [ (١) ] . وهذان الاسمان من أسمائه تعالى. ومعنى الأول في حقه: السابق للأشياء قبل وجودها بلا بداية والآخر للأشياء بعد فنائها بلا نهاية. قال القاضي: وتحقيقه أنه ليس له أوّل ولا آخر «أول الرسل خلقاً» «أول شافع» : أي طالب للشفاعة «أول مشفع» : بفتح الفاء: الذي يشفع فتقبل شفاعته وهي السؤال في التجاوز عن المذنبين ويأتي الكلام عليه في أبواب حشره ﷺ

стр. 478

«أول المسلمين» : أي المقتدى به في الإسلام «أول من تنشق عنه الأرض» : يأتي الكلام عنه في أبواب حشره ﷺ «أول المؤمنين» : أي المقتدى به في الإيمان «آية الله» : ذكره الشيخ رحمه الله تعالى ولم يزد فيه. روى ابن المنذر عن مجاهد رحمه الله تعالى في قوله تعالى: سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ قال: محمد ﷺ لأنه العلامة الظاهرة. قال الراغب رحمه الله تعالى: واشتقاقها من أي لأنها تبين شيئاً من شيء أو من أوى إليه لأنه يؤوي إليها ليستدل بها على المطلوب. وسمي بذلك لأن الله تعالى جعله علماً على طريق الهدى، وعلماً يستدل به على الفوز الأبدي ويقتدى به وقرئ «إن الذين كفروا بآيةِ الله لهم عذابٌ شديد» قيل المراد بها سيدنا محمد ﷺ . حرف الباء «البارع» : من برع الشيء مثلث الراء براعةً وبروعاً: إذا فاق أقرانه فضلاً وعلماً ورجح عليهم حلماً وحكماً «البارقليط» : بباء موحّدة فألف فراء مكسورة فقاف ساكنة فلام فمثناة تحتية فطاء مهملة. قال القاضي: هو اسمه ﷺ في الإنجيل، ومعناه روح القدس وقال ثعلب: الذي يفرق بين الحق والباطل، وقيل: الحامد، وقيل الحمّاد، وقال الشيخ تقي الدين الشمني رحمه الله تعالى: وأكثر أهل الإنجيل على أن معناه المخلص «الباطن» : المطّلع على بواطن الأمور بالوحي، وهو من أسمائه تعالى، ومعناه المستتر عن الأبصار فلا نراه، والمطّلع على بواطن الأمور فلا يعتريه فيها اشتباه. وقيل الباطن بذاته والظاهر بآياته. وقيل: الذي لا تدرك كنهه العقول ولا تدركه الحواس. وكان معناه في حقه ﷺ : الذي لا تدرك غاية مقامه وعظم شأنه الذي خصه الله تعالى به لقصر العقول عن ذلك. وقد أشار إلى ذلك صاحب البردة رحمه الله تعالى بقوله: أعيا الورى فهم معناه فليس يرى ... للقرب والبعد فيه غير منفحم كالشمس تظهر للعينين من بعدٍ ... صغيرة وتكل الطرف من أمم [ (١) ] وكيف يدرك في الدّنيا حقيقته ... قومٌ نيامٌ تسلّوا عنه بالحلم

стр. 479

فمبلغ العلم فيه أنّه بشرٌ ... وأنّه خير خلق الله كلّهم ﷺ وزاده شرفا وفضلاً لديه «البالغ» «البيان» : ذكرهما شيخنا أبو الفضل القسطلاّني رحمه الله تعالى «الباهر» : بالموحدة آخره راء في قصص الأنبياء للكسائيّ أن الله قال لموسى ﷺ : إن محمداً هو البدر الباهر، أي لأنه بهر بنوره نور الأنبياء أي غلبه في الإضاءة لكثرة الانتفاع به والاقتباس منه، مأخوذ من قولهم بدرٌ باهرٌ أي غالب نوره نور الكواكب أو لأنه ﷺ غلب بحسنه جميع الخلائق من قولهم بهرت فلانة النساء أي غلبتهن حسناً أو لأنه ظاهر الحجة من قوله: لقد بهرت فلا تخفى على أحد ... إلا على أكمهٍ لا يعرف القمرا «الباهي» : الحسن الجميل. اسم فاعل من البهاء والحسن. والرونق، يقال: بهي كرضي فهو باهٍ وبهيّ وإعلاله كإعلال قاض «البحر» : في الأصل: خلاف البر ثم غلب على الماء الكثير الواسع العمق، ويطلق على كل نهر عظيم، ويقال للفرس الواسع الجري بحر. وسمي به ﷺ كما في قصص الأنبياء للكسائيّ لأن الله قال لبعض أنبيائه إنّ محمداً البحر الزاخر. أي لعموم نفعه لأنه طاهر في نفسه مطهّر لغيره ممن اتبعه، ولسعة كرمه، فقد قال أنس رضي الله تعالى عنه: ما سئل رسول الله ﷺ على الإسلام شيئاً إلا أعطاه. قال: فسأله رجل غنماً بين جبلين فأعطاه إياها، فأتى قومه فقال: يا قوم أسلموا فو الله إن محمداً ليعطى عطاء من لا يخاف الفقر [ (١) ] . ولهذا مزيد بيان يأتي في باب كرمه ﷺ «البدء» : بدال مهملة مهموز: السيد الذي يبدأ به إذا عدّت السادات لكونه أجلّهم «البديع» : صفة مشبهة من «أبدع» المتعدي بجعله لازماً منقولاً إلى فعل أي المبدع في الحسن والجمال أي المستقل بذلك والمنفرد به، وهو من أسمائه تعالى. ومعناه موجد الشيء بغير آلة ولا مادة «البدر» : القمر المستكمل، سمي بدراً لتمامه ﷺ ولكماله وعلو شرفه. وفي قصص

стр. 480

الكسائي أن الله ﵎ قال لموسى في مناجاته: أن محمدا هو البدر الباهر والنجم الزاهر والبحر الزاخر «البرّ» : بفتح الموحدة اسم فاعل من البرّ بالكسر وهو الإحسان أو الطاعة أو الصدق. ومثله المبرّة، يقال بررت والدي بالكسر أبرّه برّاً فأنا برّ وبارّ وجمع البرّ: الأبرار. وجمع البارّ البررة. وفلان يبرّ خالقه أي يطيعه، وبرّ في يمينه أي صدق. وعن إدريس النبي ﷺ : من أفضل البر ثلاثة: الصدق في الغضب، والجود في العسرة، والعفو عند المقدرة. وقال النبي ﷺ : «البرّ حسن الخلق» . وسمي ﷺ به لأنه كان من ذلك بمكان [ (١) ] . وهو من أسمائه تعالى ومعناه البالغ في الإحسان والصادق فيما وعد البرقليطس: قال ابن إسحاق ومتابعوه رحمهم الله تعالى: هو محمد ﷺ بالرومية. قال الشيخ رحمه الله تعالى ورأيته مضبوطا بفتح الباء الموحدة وكسرها وفتح القاف وكسر الطاء «البرهان» : روى ابن أبي حاتم عن سفيان بن عيينة رحمه الله تعالى في قوله تعالى: قَدْ جاءَكُمْ بُرْهانٌ مِنْ رَبِّكُمْ قال: هو محمد ﷺ وجزم به ابن عطية والنسفي ولم يحكيا غيره. والبرهان في اللغة: الحجة. وقيل: الحجة النيّرة الواضحة التي تعطي اليقين التام. والنبي ﷺ برهان بالمعنيين لأنه حجة الله تعالى علي خلقه وحجة نيّرة واضحة لما معه من الآيات والمعجزات الدالة على صدقه. وهذا الاسم مما سماه الله تعالى به من أسمائه فإنه منها، كما ورد في حديث ابن ماجة «البشر» : بشين معجمة محركة في الأصل: الإنسان لظهور بشرته وهي ظاهر الجلد من الشعر، بخلاف سائر الحيوانات لأنها مستترة الجلد بالشّعر والصوف والوبر. وسمّي به ﷺ لأنه أعظم البشر وأجلّهم كما سمّي بالناس من تسمية الخاص باسم العام قال تعالى: قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ نبّه تعالى بذلك على أن الناس متساوون في البشرية غير متفاضلين في الإنسانية، وإنما يتفاضلون بما يتخصصون به من المعارف الجليلة، ولذا قال بعده «يُوحى إِلَيَّ» تنبيهاً على الجهة التي حصل بها الفضل عليهم، أي أني تميّزت عليكم وخصصت من بينكم بالوحي والرسالة

стр. 481

«بشرى عيسى» : بضم الموحدة وسكون الشين المعجمة فعلى من البشارة وهي الخبر السّار أي المبشّر به قال الله تعالى حاكياً عن عيسى ﷺ : وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ. وفي المستدرك إن النبي ﷺ قال: «أنا دعوة أبي إبراهيم وبشرى عيسى» [ (١) ] . فائدة: الأنبياء المبشّر بهم خمسة: محمد، وعيسى، وإسحاق، ويعقوب ويحيى صلى الله وسلم عليهم أجمعين. «بمأذبمأذ» : بكسر الباء وسكون الميم وضم الهمزة وسكون المعجمة. عزاه «د» للسّفر الأول من التوراة قال: فالباء باثنين، والميم بأربعين، والألف بواحد، والذال في حسابهم بأربعة كالدال المهملة، والميم الثانية بأربعين والألف بواحد، والذال بأربعة فتبلغ اثنين وتسعين وهو موافق في العدد بالجمل لاسم النبي ﷺ . وذكر القاضي في الشفاء «ماذماذ» بالميم أوله. قال الشيخ: وأخشى أن يكون هو هذا فتحرّف. قلت: ونقله ابن القيم في «جلاء الأفهام» عن نص التوراة وعن نص بعض شرّاحها من مؤمني أهل الكتاب، وذكر الكلام الذي ذكره «د» فيكون صوابه ماذماذ فصحّ ما قاله الشيخ رحمه الله تعالى «البليغ» : الفصيح الذي يبلغ بعبارته كنه ضميره «البهاء» : بالمد: العز والشرف. سمي به ﷺ لأنه شرف هذه الأمة وعزها «البهيّ» : بالموحدة كالعليّ: الحسن العاقل. تقول بهي الرجل بكسر الهاء وبهو بضمها فهو بهي بالكسر «البيّنة» : الحجة الواضحة. قال ﵎: لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ أي محمد ﷺ ، فرسول بدل أو عطف بيان للبيّنة. قال ابن عطية رحمه الله تعالى: والهاء في البيّنة للمبالغة كهاء علاّمة ونسابة «البيان» : الكشف والإظهار أو الفصاحة أو اجتماعها مع البلاغة وإظهار المقصود بأبلغ لفظ، يقال فلان أبين من فلان أي أفصح منه قيل: والفرق بينه وبين التّبيان الذي هو مفعال

стр. 482

بكسر التاء أن البيان إظهار بغير حجة: والتبيان الإظهار بالحجة. أو هو بمعنى المبيّن أي المظهر للناس ما أمروا به ونهوا عنه والموضّح لهم ما خفي عليهم من أمر دينهم. حرف التاء «التالي» : المتّبع لمن تقدمه. قال تعالى: ثُمَّ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً أو من التلاوة وهي القراءة، قال تعالى: كَما أَرْسَلْنا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آياتِنا أي القرآن «التّذكرة» : ما يتذّكر به الناسي وينتبه به الغافل، مصدر ذكّره مضاعفاً. قال الراغب وهي أعمّ من العلامة والدليل، لأنهما يختصان بالأمور الحسّية، والتذكرة لا تختص بذلك بل تكون للأمور الذهنية أيضاً. وسمي بذلك لما تقدم. قال تعالى: وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ قيل: المراد سيدنا محمد ﷺ «التقي» : قال القاضي: وجد على الحجارة القديمة مكتوب: «محمد تقي مصلح سيد أمين» وهو فعيل من التقوى. وسيأتي لهذا مزيد بيان في المتقي «التلقيط» : ذكره «ع» وقال: هو اسمه في كتب الروم «التنزيل» : هو بمعنى المنزّل أي المرسل أو المنزل إليه أي الموحى إليه القرآن. قال تعالى: تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ قيل هو محمد. وقيل القرآن، فعلى الأوّل هو بمعنى قوله تعالى: رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ «التّهامي» : بكسر التاء نسبة لتهامة «ع» وهو من أسماء مكة وتهامة من مكة. وتهامة: ما نزل عن نجد من بلاد الحجاز، سميت بذلك لتغير هوائها يقال تهم الدّهن. إذا تغيّر وقال ابن فارس: هي من تهم بفتحتين وهي شدة الحر وركود الريح. حرف الثاء «ثاني اثنين» : أخذ من الآية، أي أحد اثنين، وهما رسول الله ﷺ وأبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه: وفي هذه الآية الدليل الواضح على شدة مبالغته ﷺ في الأدب مع ربه تعالى ومحافظته عليه في حال يسره وعسره حيث قدّم في هذا المقام اسم ربه استلذاذاً به وإجلالاً له «الثّمال» : ذكره «ط» ولم يتكلّم عليه. وهو بكسر المثلثة وتخفيف الميم: العماد والملجأ والمغيث والمعين والكافي، قال جده يمدحه: وأبيض يستسقى الغمام بوجهه ... ثمال اليتامى عصمة للأرامل

стр. 483

وعصمة الأرامل أي يمنعهم بما يضرهم. قال ذلك جده والنبي ﷺ في حال الطفولية لما توسّمه فيه من الخير وتنسّمه من البركة. وقد يستدل بالظاهر على الباطن كما قال: وقل من ضمّنت خيراً طويّته ... إلاّ وفي وجهه للخير عنوان أو بضمها. ومعناه: المنقطع إلى الله تعالى الواثق بكفايته. حرف الجيم «الجامع» «الجبّار» : قال: «ياد» : سماه الله تعالى به في كتاب داود فقال: تقلّد سيفك أيها الجبار فإن ناموسك وشرائعك مقرونة وشرائعك مقرونة بهيبة يمينك. ومعناه في حق الله تعالى: المصلح للشيء، أو المصلح له بضرب من القهر، أو العلي العظيم الشأن وقيل المتكبّر. ومعناه في حقه ﷺ : إما لإصلاحه الأمة بالهداية والتعليم، أو القهر لأعدائه أو لعلوّ منزلته على البشر وعظم خطره، ونفى عنه تعالى جبرية التكبر التي لا تليق به فقال تعالى: وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ انتهى. وفي الصّحاح الجبر: أن تغني الرجل من فقر أو تصلح عظمه من الكسر، وأجبرته على الأمر أكرهته، وقال ابن دريد: الجبّار العظيم الخلق، والجبار المسلّط على الناس، وبه فسر ابن عباس: «وما أنت عليهم بجبار» أي بمسلّط. قال: وهو منسوخ بآية القتال. قال الشيخ رحمه الله تعالى: فيكون حينئذ جباراً بمعنى المسلّط بعد أمره بالقتال، وهو الذي يناسب سياق الزّبور. وقال في الشرح: أو المراد ما أنت بمكره لهم على الإيمان إنما أنت داع وهاد. «الجد» : بفتح الجيم وضمها: العظيم الحظّ الجليل القدر، أو بكسرها وفتحها أيضاً بمعنى الحظ والحظوة. أي صاحب الحظ العظيم عند الخلق والحظوة عند الحق. أو بكسرها فقط بمعنى الاجتهاد في الأمر أي ذو الاجتهاد في العبادة ودأب النفس في طلب السيادة «الجليل» : صفة مشبهة أي العظيم. وقيل هو من كملت صفاته. والعظيم: من جلّت صفاته وكبرت ذاته، وفرق بين الجلال والجمال بأنه صفة سلبية والجمال صفة ثبوتية وهو من أسمائه تعالى، ومعناه المنعوت بنعوت الجلال فهو راجع إلى كمال الصّفات، كما أن الكبير راجع إلى كمال الذات والعظيم راجع إلى كمالهما قاله ابن الأثير. قال الكرماني: فإن قيل: ما الفرق بين الجلال والعظمة والكبرياء؟ قيل: هي مرادفة. وقيل نقيض الكبير الصغير ونقيض الجليل الدقيق. ونقيض العظيم الحقير- وبضدها تتبيّن الأشياء.

стр. 484

وإذا أطلقت على البارئ تعالى فالمراد لوازمها بحسب ما يليق به. وقيل: الكبرياء ترجع إلى كمال الذات، والعظمة إلى كمالها. انتهى. والمراد بكمال الصفات الثبوتية: عدم ثبوت نقيضه، تعالى الله عن ذلك علوّاً كبيراً- كالجهل والفناء وغيرهما «الجهضم» : بالجيم والمعجمة الساقطة كجعفر: العظيم الهامة المستدير الوجه الرّحب الجبين الواسع الصّدر، وهذه الأوصاف مجتمعة فيه ﷺ «الجواد» : بالتشديد مبالغة في الجواد بالتخفيف. قال القشيري رحمه الله تعالى: حقيقة الجواد أن لا يصعب عليه البذل. وأول مراتب الكرم: السخاء، ثم الجود، ثم الإيثار. فمن أعطى البعض وأبقى البعض فهو السخيّ، ومن بذل الأكثر وأبقى شيئاً فهو الجواد، ومن قاسى الضر وآثر غيره فهو المؤثر. ولهذا مزيد بيان في باب كرمه وجوده ﷺ «الجواد» : بالتخفيف: الكريم السخي الطائع المليّ صفة مشبهة من الجود وهو سعة الكرم أو الطاعة. حرف الحاء المهملة «الحاتم» : قال: «يا» هو من أسمائه في الكتب السالفة. حكاه كعب الأحبار. قال ثعلب: ومعناه أحسن الأنبياء خلقاً. قال في الشرح: هو بفتح المثناة الفوقية كما رأيته مضبوطا بالقلم في نسخة معتمدة من الشفاء ورأيته في الصّحاح بالكسر. لكن قال: هو القاضي. قلت: لم يذكر في الصحاح أنه من أسماء النبي ﷺ وإنما قال: الحاتم القاضي. وكذا ذكره في الديوان في فاعل بكسر العين. والله تعالى أعلم «الحاشر» : ذكر في الأحاديث السابقة في الباب الثاني بلفظ «أنا الحاشر الذي يحشر الناس على عقبي» وفي لفظ «على قدمي» وبلفظ: «أنا الحاشر الذي يحشر الناس معي على قدمي» قال القاضي: واختلف في معنى: «على قدمي» فقيل: على زماني وعهدي، إذ ليس بعده نبي. وقيل: يحشر الناس بمشاهدتي كما قال تعالى: وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً وقال الخطّابي وابن دحية رحمهما الله: معناه على أثري أي أنه يقدمهم وهم خلفه، لأنه أول من تنشق عنه الأرض، ثم يحي كل نفس فيتبعونه. قال الخطابي: ويدل على هذا المعنى رواية [ (١) ] : «على عقبي» وقال العزفي: القدم عبارة عن الأثر لأنه منه، وقيل: المعنى على أثري، لأن الساعة على أثره أي قريبة من مبعثه. كما قال ﷺ : «بعثت أنا والساعة كهاتين» [ (٢) ] . قال الحافظ: ويحتمل أن يكون المراد بالقدم

стр. 485

الزمان أي وقت قيامي على قدمي تظهر علامات الحشر، إشارة إلى أنه ليس بعده نبي ولا شريعة. ويرجح هذا ما وقع في رواية نافع بن جبير: «وأنا الحاشر بعثت مع الساعة» وقيل: على مشاهدتي قائما لله على الأمم. واستشكل التفسير بأنه يقتضي أنه محشور، فكيف يفسر به حاشر وهو اسم فاعل؟ وأجيب بأن إسناد الفعل إلى الفاعل إضافة والإضافة تصح بأدنى ملابسة، فلما كان لا أمة بعد أمته، لأنه لا نبي بعده نسب الحشر إليه لأنه يقع بعده. وقوله «على عقبي» بكسر الموحدة على الإفراد، ولبعضهم بالتثنية والموحدة مفتوحة وكذلك قوله: «على قدمي» روي بالإفراد والتثنية. تنبيه: قد وصف الله تعالى نفسه بالحشر في قوله: وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَحَشَرْناهُمْ فيكون هذا الاسم مما سماه الله تعالى به من أسمائه. «حاط حاط» : قال «ع» : هو اسمه في الزبور «الحافظ» : وهو من أسمائه تعالى. ومعناه في حقه تعالى: صيانة جميع الموجودات عن العدم وصيانة المضادات بعضها من بعض. قال الغزالي رحمه الله تعالى: والحافظ من العباد: من يحفظ جوارحه وقلبه ويحفظ دينه عن سطوة الغضب وصلابة الشهوة وخداع النفس وغرور الشيطان، وهو اسم فاعل من احفظ، وسمي به لأنه الحافظ للوحي والأمة، ولا يقدح في وصفه بالحفظ وقوع النسيان منه ﷺ ، كما روى مسلم عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: كان رسول الله ﷺ يسمع قراءة رجل في المسجد فقال: «رحمه الله تعالى لقد أذكرني آية كذا كنت نسيتها» لندرة ذلك منه، والحكم إنما هو للأغلب، ولهذا مزيد بيان يأتي في أبواب عصمته ﷺ «الحاكم» : أخذه «د» من قوله تعالى: إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ «الحامد» : اسم فاعل من الحمد، وهو الثناء على الله تعالى بما هو أهله. قال «د» : ذكره كعب. وذكر ابن إسحاق رحمه الله تعالى قال: رأت أمه ﷺ في منامها قائلاً يقول: إنك حملت بخير البرية وسيد العالمين فإذا ولدتيه فسميه محمداً فإن اسمه في التوراة حامد [ (١) ] وفي الإنجيل أحمد. حامل لواء الحمد: روى الترمذي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ : «أنا حبيب الله ولا فخر، وأنا حامل لواء الحمد يوم القيامة ولا فخر» [ (٢) ] .

стр. 486

وسئل الشيخ رحمه الله تعالى عن لواء الحمد هل هو لواء حقيقي أو معنوي؟ فأجاب بأنه معنوي وهو الحمد، لأن حقيقة اللواء الراية ولا يمسكها إلا صاحب الجيش، فالمراد من الحديث أنه سيّد الناس وإمامهم يوم القيامة. وأنه يشهر بالحمد إذ ذاك. وقد ذكر ابن الأثير ﵀ نظير هذا في الحديث: «لكل غادر لواء» أي علامة يشهر بها في الناس لأن موضوع اللواء شهرة مكان الرئيس. ولهذا مزيد بيان في أبواب حشره ﷺ «الحامي» : بالمهملة: المانع لأمته من العدى والحافظ لها من الردى. أو حامي البيت والحرم ومبعده من أيدي ذي الجرم. أو سمي بذلك لأنه ﷺ كان له أن يحمي لنفسه وإن لم يقع ذلك منه «الحائد لأمته من النار» : اسم فاعل من حاد يحيد، أي يميل أمته عن النار «حبيب الله» : هو فعيل من المحبة بمعنى مفعول أو بمعنى فاعل. ورد ذكره في عدة أحاديث. قال القاضي: وأصلها الميل إلى ما يوافق المحب، ولكن هو في الحق من يصح منه الميل والانتفاع بالرفق وهي درجة المخلوق، فأما الخالق تعالى فمنزه عن الأعراض فمحبته لعبده تمكّنه من سعادته وعصمته وتوفيقه وتهيئة أسباب القرب له، وإضافة رحمته عليه، وقصواها كشف الحجب عن قلبه حتى يراه بقلبه وينظر إليه ببصيرته ولسانه فيكون كما في الحديث. «فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ولسانه الذي ينطق به» [ (١) ] . وقال في الاصطفاء: وقد يقال كما في شرح المواقف إن محبتنا له تعالى كيفية روحانية مترتبة على تصور الكمال المطلق له تعالى على الاستمرار ومقتضية للتوجه التام إلى حضرة قدسه بلا فتور وقرار، ومحبتنا لغيره كيفية تترتب على تخيّل كمال فيه من لذة أو شفقة أو مشاكلة كمحبة العاشق لمعشوقه والمنعم عليه للمنعم، والوالد للولد، ثم هي عندنا كالرضى والإرادة مع ترك الاعتراض كما مر، وقيل الإرادة فقط فيترتب على ذلك كما في «الإرشاد» أنه تعالى لا يتعلق به محبة على الحقيقة لأنها إرادة، والإرادة لا تتعلق إلا بمتجدد، وهو سبحانه لا أول له لأن المريد إنما يريد ما ليس بكائن أو إعدام ما يجوز عدمه وما ثبت قدمه واستحال عدمه لا تتعلق به إرادة. والفرق بينه وبين الخليل أن الخليل من امتحنه ثم أحبه والحبيب الذي أحبه بلا محنة. انتهى. واختلف في مقام المحبة والخلّة أيهما أرفع؟ فقيل: هما سواء، فلا يكون الخليل إلا

стр. 487

حبيباً ولا الحبيب إلا خليلاً. وقيل: درجة المحبة أرفع. ونقله القاضي عن الأكثر، لأن درجة الحبيب نبينا ﷺ أرفع من درجة الخليل صلى الله عليهما وسلم. وقيل إن درجة الخلّة أرفع، لحديث: «لو كنت متخذا خليلا غير ربي لاتخذت أبا بكر خليلاً» فلم يتخذه وقد أطلق المحبة لفاطمة وابنيها وأسامة وغيرهم. وسيأتي في الخليل أن المحققين على ذلك. وذكر أهل الإشارات في تفضيل المحبة كلاماً حسناً فقالوا: الخليل اتصل بواسطة وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ والحبيب بدونها فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى والخليل مغفرته في حد الطمع: وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ والحبيب مغفرته في حد اليقين: لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ والخليل قال في المحنة «حسبي الله» والحبيب قيل له: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ والخليل قال: وَاجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ والحبيب قيل له وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ فأعطى بلا سؤال. والخليل قال وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ والحبيب قيل له: إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً وحاصل ما ذكره القاضي يقتضي تفضيل ذات سيدنا محمد ﷺ على ذات سيدنا إبراهيم ﷺ لا يقال باعتبار ثبوت وصف الخلّة له فيلزم ذلك، لأنا نقول: كلّ منهما ثابت له وصف الخلة والمحبة، إذ لا يسلب عن إبراهيم وصف المحبة لا سيما والخلّة أخص من المحبة، ولا يسلب عن نبينا ﷺ وصف الخلّة لا سيّما وقد ثبت في حديث أبي هريرة ﵁ قوله تعالى له ليلة المعراج: قد اتخذتُك خَليلًا. وقد قام الإجماع على فضل نبينا ﷺ على جميع الأنبياء، بل هو أفضل خلق الله مطلقاً. وقوله إن الخليل اتصل بالواسطة لا يفيد غرضا في هذا المقام الذي هو بصدده وليس المراد به قطعاً إلا الوصول إلى المعرفة، إذ الوصول الحسّي يمتنع على الله تعالى. وأما قوله: والحبيب يصل إليه. فالوصول إلى الله تعالى لا يكون إلا به حبيباً كان أو خليلاً وأما قوله: «الخليل هو الذي يكون مغفرته في حد الطمع» إلى آخره فإنه لا يصلح أن يكون على وجه التفسير للخليل ولا تعلّق له بمعناه. وقصارى ما ذكره يعطي تفضيل نبينا ﷺ في حد ذاته من غير نظر إلى ما جعله علة معنوية في ذلك من وصف المحبة والخلّة. «حبيب الرحمن» : ورد في حديث المعراج عن أبي هريرة ﵁. رواه البزّار وغيره

стр. 488

«حبنطى» : قال «ع» هو من أسمائه في الإنجيل وتفسيره: يفرق بين الحق والباطل «الحجازي» : نسبة إلى الحجاز وهو مكة واليمامة وقراهما وسمّي حجازاً لأنه حجز بين تهامة ونجد «حجة الله على الخلائق» : في الفردوس بلا إسناد: «وأنا حجة الله» وهو بمعنى البرهان «الحجة البالغة» : الحجة: الدلالة المبينة للمحجّة أي القصد المستقيم. والبالغة: الكاملة التي لا نقصان فيها «حرز الأميين» : أي حافظهم ومانعهم من السوء. روى البخاري وغيره عن عطاء بن يسار قال: لقيت عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ فقلت: أخبرني عن صفة رسول الله ﷺ . قال: «أجل والله إِنه لموصوف في التوراة ببعض صفته في القرآن يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً وحرزا للأميين» الحديث. والحرز: المنع والأميون: العرب أي يمنعهم من العذاب والذل. فإن قيل: هو ﷺ حرز للعرب ولغيرهم من الخلق، فلم خصّهم بالذكر؟ أجيب: بأنه لما كان ﵊ منهم قصد بتخصيصهم بالذكر التنصيص عليهم زيادة في الاعتناء بهم وبشأنهم وتنبيهاً لبني إسرائيل على عظم شأنهم ورفعتهم بهذا النبي ﷺ الذي يخرج منهم وأن غيرهم كالتابع لهم «الحرميّ» : نسبة إلى الحرم المكي وقد تقدم بيانه «الحريص» : فعيل بمعنى فاعل من الحرص وهو شدة الإرادة للمطلوب. قال تعالى: حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ أي على إيمانكم وهدايتكم «الحريص على الإيمان» : وقد تقدم معناه في الذي قبله «حزب الله» : الحزب: الطائفة من الناس. وقيل: جماعة فيها غلظ. وحزب الله: عبيده المتقون وأنصار دينه «الحسيب» : فعيل: بمعنى مفعل من أحسبني الشيء: إذا كفاني. ومنه عَطاءً حِساباً أو الشريف الكريم من الحسب محركاً وهو ما يعدّ من مفاخر الآباء أو الدين أو الكرم، أو الشرف في الفعل أو الآباء والحسب كالكرم قد يكون لمن لا آباء له شرفاء، والشرف كالمجد لا يكون إلا بهم، يقال حسب حسابةً كخطب خطابةً وحسباً محركاً فهو حسيب من حسباء.

стр. 489

وهو بمعنى المحاسب أو المكافي من أسمائه تعالى. قال الغزالي رحمه الله تعالى: وليس للعبد مدخل في هذا الوصف إلا بنوع من المجاز بأن يكون كافياً لطفله بتعهده أو لتلميذه بتعليمه حتى لا يفتقر إلى غيره. انتهى. وهذا المعنى صحيح في حقه ﷺ لأنه كافٍ لأمته جميع ما تحتاج إليه من أمور الدنيا والآخرة بحيث لا يحتاجون إلى غيره ﷺ «الحفي ظ» : فعيل من الحفظ وهو صون الشيء عن الزوال فإن كان في الذهن فضده النسيان، أو في الخارج فضده التضييع. وهو من أسمائه تعالى، وكلا المعنيين يصح إطلاقه عليه تعالى، لأن الأشياء محفوظة في علمه لا يطرأ عليه نسيان ويحفظ الموجودات من الزوال. وقيل: معناه الذي يحفظ سرّك من الأغيار ويصّون ظاهرك عن مرافقة الفجّار. وأما قوله تعالى: وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ فمعناه: لست أحفظ أعمالكم وأجازيكم عليها. وقوله تعالى: فَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً أي لتحفظهم حتى لا يقعوا في الكفر والمعاصي أو لتحصي مساوئهم وذنوبهم فتحاسبهم عليها. وقد ذكر أن هذه الآية منسوخة بآية القتال فهو ﷺ بعد الأمر به حفيظ بالمعنى الأول بمعنى أن يردّهم عنه ويقاتلهم عليه. وبالمعنى الثاني لأنه يشهد عليهم يوم القيامة وهو أبلغ من الحافظ «الحفي» : البرّ اللطيف. يقال: حفيت بفلان وتحفّيت به إذا اعتنيت بكرامته «الحق» : الثابت، وأصله المطابقة للواقع أو المحقّ أو المظهر للحق قال تعالى: جاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ حَتَّى جاءَهُمُ الْحَقُّ وَرَسُولٌ مُبِينٌ فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جاءَهُمْ على أحد القولين أن الحق هنا هو النبي ﷺ وقيل هو القرآن قال تعالى: وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وفي حديث الشفاعة «ومحمدٌ حق» وهو الثابت وهذا الاسم من أسمائه تعالى ومعناه الموجود المتحقق أمره وألوهيته، أو الموجد للشيء حسب ما تقتضيه حكمته تعالى، وفي حقه ﷺ المتحقق صدقه ونبوته فائدة: فرّق الإمام فخر الدين رحمه الله تعالى بين الصدق والحق، بأن الصدق نسبة الشيء إلى الواقع، والحق نسبة ما في الواقع إلى الشيء. «الحكم» : بفتح أوله وثانيه: الحاكم أو المانع، وهو من أسمائه تعالى، ومعناه الحاكم

стр. 490

الذي لا رادّ لحكمه ولا معقّب لقضائه، قال تعالى: أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَماً أي مانعاً «الحكيم» : قال «ع» لأنه علم وعمل وأذعن لربه. قال الشيخ رحمه الله تعالى: وهو فعيل من الحكمة. قال تعالى: يُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ ذلِكَ مِمَّا أَوْحى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ والمتصف بالحكمة علماً وتعليماً حكيم. واختلف في المراد بالحكمة في قوله تعالى: يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشاءُ الآية. فقيل: النبوة. وقيل: المعرفة بالقرآن والفهم فيه. وقيل: الإصابة في القول وقيل: العلم المؤدي إلى العمل. وقيل: السنة. وقيل: خشية الله. لحديث: «رأس الحكمة مخافة الله» . رواه ابن مردويه. وقال الإمام مالك: إنه ليقع في قلبي أن الحكمة هو الفقه في دين الله تعالى وأمر يدخله الله تعالى في القلوب من رحمته وفضله. ومما يبين ذلك أنك تجد الرجل عاقلاً في أمر الدنيا إذا نظر فيها، وتجد آخر ضعيفا في أمر دنياه عالماً بأمر دينه بصيراً به يؤتيه الله إياه ويحرمه هذا. انتهى إلى هنا. وهو ﷺ حكيم بالمعاني المذكورة كلها. قال في الشرح: هو المتقن للأمور. وفعيل بمعنى مفعل من الإحكام وهو الإتقان، أو بمعنى فاعل من الحكم وهو المنع للإصلاح، وهو أعم من الحكمة، وكل حكمة حكم ولا عكس، لأن الحكم أن نقضي على شيء بشيء إيجاباً أو سلباً. أو ذو الحكمة وهي معرفة أفضل الأشياء بأفضل العلوم وإصابة الحق بالعلم والعقل. والمراد بها في حقه تعالى معرفة الأشياء وإيجادها على غاية الإحكام. وفي حق الإنسان: معرفة الموجودات وفعل الخيرات «الحليم» : قال «د» هو موصوف به بالتوراة، وهو اسم فاعل للمبالغة من حلم بالضم ككريم من كرم، يقال حلم فهو حليم إذا صار الحلم طبعاً له وسجيّة من سجاياه. قال أبو طالب يمدحه ﷺ : حليمٌ رشيدٌ عادلٌ غير طائش ... يوالي إلهاً ليس عنه بغافل والحلم بكسر المهملة وسكون اللام: الأناة في الأمور وهي بفتح الهمزة مقصورة كقناة: اسم للتأنّي وهو التثبت وترك العجلة، وأما عطفها عليه في قوله ﷺ كما رواه مسلم عن ابن عباس للأشج: أشجّ عبد القيس، واسمه المنذر بن عائذ بن الحارث العصري- بمهملات على الأصح: «إنّ فيك لخصلتين يحبّهما الله تعالى ورسوله: الحلم والأناة» [ (١) ] فعطف تفسير. والمراد به في الخبر: العقل خاصة. وقال القاضي: هو حالة تأنّ وثبات عند الأسباب والمحرّكات. قال غيره: هو ضبط النفس والطبع عند هيجان الغضب. قال القاضي:

стр. 491

والاحتمال: حبس النفس عند الآلام والمؤذيات، ومثله الصبر. قال غيره: وجمعه أحلام. قال الله تعالى: أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلامُهُمْ بِهذا أي عقولهم. وسمّي العقل حلماً لكونه سبباً عنه. قال ابن عطية: هو العقل إذا انضاف إليه أناة واحتمال. وقد كان ﷺ أحلم الناس، وكل حليم قد عرفت منه زلّة وحفظت منه هفوة، وهو ﷺ لا يزيد مع كثرة الأذى إلا صبراً، وعلى إشراف الجاهلية إلا حلماً. ولهذا مزيد بيان في بيان حلمه ﷺ . وهذا الاسم من أسمائه تعالى. ومعناه في حقه تعالى: الذي لا يعجل بالعقوبة. والفرق بينه وبين الحقود: أنه الذي يؤخر الانتقام لانتهاز الفرصة. والحليم يؤخره لانتظار التوبة. وسيأتي الفرق بينه وبين العفو وبينه وبين الصبر في تفسيرهما «الحلاحل» : بمهملتين الأولى مضمومة والثانية مكسورة: السيد الشجاع، أو كثير المروءة، والرئيس الرزين، كأنه مأخوذ من الحلول والاستقرار، لأن القلق وقلة الثبات في مجلس ليس من عادات السادات. قال بعضهم يمدح النبي ﷺ : وعربة أرضٍ ما يحلّ حلالها ... من الناس إلا اللوذعيّ [ (١) ] الحلاحل [ (٢) ] أراد بها مكة المشرفة، وأشار إلى قوله ﷺ : «إن الله حبس عن مكة الفيل وسلّط عليها رسوله والمؤمنين، وإنها لن تحل لأحد كان قبلي، وإنها أحلت لي ساعة من نهار، وإنها لن تحل لأحد بعدي» الحديث رواه الشيخان [ (٣) ] . والعربة- بمهملتين محركة: ناحية قرب المدينة أقامت بها قريش فنسبت العرب إليها وسكّن الشاعر راءها للضرورة، وهي باحة دار أبي الفصاحة دار إسماعيل ﷺ ، والباحة بالموحدة والمهملة: قال في الصحاح: الساحة «الحمّاد» : بتشديد الميم صيغة مبالغة من الحمد أي الحامد الكثير الحمد «حمّطايا» : روى أبو نعيم عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: كان رسول الله ﷺ يسمّى في الكتب القديمة: أحمد ومحمد والماحي والمقفّي ونبيّ الملاحم وحمّطايا وفارقليطا وماذماذ. قال أبو عمر الزاهد: سألت بعض من أسلم من اليهود فقال: معناه يحمي الحرم ويمنع الحرام.

стр. 492

قال شيخ الإسلام التقي الشّمنّي: وهو بفتح الحاء والميم المشددة وبالطاء المهملة بعدها ألف فمثناة تحتية. وقال الهرويّ في الغريب: هو بكسر الحاء وسكون الميم وتقديم الياء وألف بعدها طاء مهملة وألف. فعنده حمياطا. وفسّره بحامي الحرم. قال ابن دحية: ومعناه: أنه حمى الحرم مما كان فيه من النّصب التي تعبد من دون الله، والزنا والفجور الحمد «الحميد» : فعيل بمعنى حامد أو محمود: صيغة مبالغة من الحمد وهو الثناء أي الذي حمدت أخلاقه ورضيت أفعاله، أو الحامد لله تعالى بما لم يحمده به حامد، أو الكثير المحامد، وهو من أسمائه تعالى، ومعناه الذي حمد نفسه أزلاً وحمده عباده أبداً، أو المستحق للحمد لأنه الموصوف بكل كمال ومولٍ لكل نوال «حم. عسق» : ذكرهما «د» في أسمائه ﷺ ونقله الماوردي عن جعفر بن محمد، ونقل عن ابن عباس أنهما من أسماء الله تعالى «الحنان» : بالتخفيف: الرحمة «الحنيف» : المائل إلى دين الإسلام الثابت عليه، من الحنف محركاً، أو المائل عما عليه العامة إلى طريق الحق والاستقامة، أو المستقيم. قال تعالى: ثُمَّ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً جوّز بعضهم جعل حَنِيفاً حالاً من الضمير العائد عليه ﷺ ، وهو الطاهر. قال في النهاية: حديث «خلقت عبادي حنفاء» أي طاهرين من المعاصي لا أنهم كلهم مسلمون لقوله تعالى: فَمِنْكُمْ كافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ ولهذا مزيد بيان في الكلام على الفطرة في شرح غريب قصة الإسراء «الحي ي» : بمهملة وتحتيتين: الكثير الحياء وهو انقباض النفس وانكفافها عن القبائح. روى الدارمي عن سهل بن سعد رضي الله تعالى عنه قال: «كان رسول الله ﷺ حيياً لا يسأل شيئاً إلا أعطى» ولهذا مزيد بيان في باب حيائه ﷺ «الحيّ» : الباقي المتلذذ المتنعم في قبره. ولهذا مزيد بيان في باب حياته في قبره ﷺ . حرف الخاء المعجمة «الخاتم» : بكسر التاء المثناة فوق «الخاتم» بفتحها: ذكرهما «د» ونقل ذلك عن ضبط ثعلب وكذا في المهمات لابن عساكر قال: وأما الخاتم بالفتح فمعناه أنه أحسن الأنبياء خلقاً وخلقاً، ولأنه ﷺ جمال الأنبياء ﷺ كالخاتم الذي يتجمّل به.

стр. 493

وقيل: لما انقبضت النبوة وتمت كان كالخاتم الذي يختم به الكتاب عند الفراغ. وأما الخاتم بالكسر فمعناه آخر الأنبياء فهو اسم فاعل من قولك ختمت الشيء أي أتممته وبلغت آخره. خاتم النبيين: قال تعالى: ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ وَلكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخاتَمَ النَّبِيِّينَ وتقدم في حديث نافع بن جبير في الباب الثاني. وروى الشيخان عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : «مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بنى بيتا فأحسنه وأكمله إلا موضع لبنة من زاوية، فجعل الناس يطوفون به ويعجبون ويقولون هلا وضعت هذه اللبنة؟ فأنا تلك اللبنة وأنا خاتم النبيين» [ (١) ] . وسيأتي الكلام على هذا الحديث في باب: مثله ومثل الأنبياء من قبله في أبواب بعثته وفي الخصائص. وذكر العلماء في حكمة كونه ﷺ خاتم النبيين أوجهاً: منها: أن يكون الختم بالرحمة. ومنها: أن الله تعالى أراد أن لا يطول مكث أمته تحت الأرض إكراماً له. ومنها: أنّا اطلعنا على أحوال الأمم الماضية، فجعلت أمته آخر الأمم لئلا يطلع أحد على أحوالهم تكريماً له. ومنها: إنه لو كان بعده نبي لكان ناسخاً لشريعته. ومن شرفه أن تكون شريعته ناسخة لكل الشرائع غير منسوخة. ولهذا إذا نزل عيسى ﷺ فإنما يحكم بشريعة نبينا ﷺ لا بشريعته، لأنها قد نسخت كما سيأتي بيان ذلك في الخصائص. ومن هنا يعلم أن معنى كونه لا نبي بعده أي لا نبيّ يبعث أو ينبأ أو يخلق وإن كان عيسى موجوداً بعده «الخازن لمال الله» : أخذه «د» من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : «والله ما آتيكم من شيء ولا أمنعكم منه إن أنا إلا خازن أضع حيث أمرت» . رواه الإمام أحمد وغيره.

стр. 494

قال النووي: معناه: خازن ما عندي أقسم ما أمرت بقسمته على حسب ما أمرت به والأمور كلها بمشيئة الله تعالى «الخاشع» : والخشوع في اللغة: السكون. قال الأزهري: التخشع: التذلل، وفي المحكم: خشع الرجل: رمى ببصره إلى الأرض، وعرّفه أهل التصوف بأنه الانقياد للحق. وقال بعضهم: هو قيام القلب بين يدي الرب بهمٍّ مجموع. وقال الحسن: الخشوع: الخوف الدائم الملازم للقلب. وقال الجنيد: هو تذلل القلوب لعلاّم الغيوب. وقال محمد بن علي الترمذي: الخاشع: من خمدت نيران شهواته وسكن دخان صدره وأشرق نور التعظيم من قلبه، فماتت شهواته وحيي قلبه فخشعت جوارحه. قال القشيري: واتفقوا على أن محل الخشوع القلب. وهو قريب من التواضع «الخاضع» : في الصحاح: الخضوع: التطامن والتواضع. وقال الأزهري: الخضوع قريب من الخشوع، إلا أن الخشوع في البدن والصوت والبصر، والخضوع في الأعناق «الخافض» : أي خافض الجناح، اسم فاعل من الخفض وهو التواضع ولين الجانب. قال تعالى: وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أي تواضع لضعفائهم وفقرائهم وطب نفساً عن أغنيائهم. أو الذي يخفض الجبابرة بسطوته ويكسر الأكاسرة ببأسه. وهو من أسمائه تعالى. ومعناه: دافع البلايا ورافع الرزايا، أو الذي يخفض الأشقياء بالإبعاد ويرفع الأتقياء بالإسعاد «الخالص» : النقيّ من الدنس «الخبير» : أخذه «ياد» من قوله تعالى: فَسْئَلْ بِهِ خَبِيراً قال القاضي بكر بن العلاء: المأمور بالسؤال غير النبي ﷺ . والمسؤول الخبير: هو النبي ﷺ وسلم. قال: وهو مما سماه الله تعالى به من أسمائه، ومعناه في حقه تعالى: المطّلع بكنه الشيء، العالم بحقيقته. وقيل المخبر. والنبي ﷺ خبير بالوجهين، لأنه عالم غاية من العلم بما علمه الله تعالى من مكنون علمه وعظيم معرفته، ولأنه مخبر لأمته بما أذن الله له في إعلامهم به. والفرق بينه وبين العليم والشهيد يأتي في تعريف الشهيد «خطيب النبيين» : في حديث الشفاعة: «كنت إمام النبيين وخطيبهم» أي مقدّمهم وصاحب الكلام دونهم والخطيب الحسن الخطبة، وهي الكلام المنثور المسجع الذي يلقى على المنبر واشتقاقها من الخطب وهو الشأن، لأن العرب إذا دهمهم أمر اجتمعوا له وخطبت ألسنتهم فيه، أو من المخاطبة لأنه يخاطب فيه بالأمر والنهي، أو من الأخطب وهو ذو الألوان من كل شيء لأنها تشتمل على فنون الكلام

стр. 495

«خطيب الأمم» : «خطيب الوافدين على الله تعالى» : ذكرهما «ط» والأمم جمع أمة والوافدين جمع وافد «الخليل» «خليل الرحمن» : ذكرهما «خا» ويأتي الكلام على معنى الخلّة قريباً «خليل الله» : روى أحمد وغيره عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه إن رسول الله ﷺ قال: «لو كنت متخذا خليلا لاتخذت أبا بكر خليلاً وإن صاحبكم خليل الله» [ (١) ] والخليل: فعيل بمعنى فاعل، وهو من الخلة وهي الصداقة والمحبة التي تخلّلت القلب فصارت خلاله. قال بعضهم: قد تخلّلت مسلك الرّوح منّي ... ولذا سمّي الخليل خليلا فإذا ما نطقت كنت حديثي ... وإذا ما سكتُّ كنت العليلا وهذا صحيح بالنسبة إلى ما في قلب النبي ﷺ من حب الله تعالى. وأما إطلاقه في حق البارئ تعالى فعلى سبيل المقابلة. وقيل: الخلّة أصلها الاصطفاء وسمي بذلك لأنه يوالي ويعادي في الله تعالى. وخلة الله تعالى له نصره وجعله خير خلقه وقيل هو مشتق من الخلّة بفتح المعجمة وهي الحاجة وسمي بذلك لانقطاعه إلى ربه وقصر حاجته عليه. قال الإمام الواحدي: والقول الأول هو المختار، لأن الله تعالى خليل محمد ومحمد خليل الله، ولا يجوز أن يقال: الله تعالى خليل محمد من الخلّة التي هي الحاجة. تنبيه: الخلّة: أعلى وأفضل من المحبة. قال ابن القيم: وأما ما يظنه بعض الغالطين من أن المحبة أكمل من الخلّة، وأن إبراهيم خليل الله، ومحمد حبيب الله، فمن جهله بأن المحبة عامة والخلّة خاصة، وهي نهاية المحبة. قال: وقد أخبر النبي ﷺ إن الله تعالى اتّخذه خليلاً، ونفى أن يكون له خليل غير ربّه، مع إخباره بحبّه لعائشة ولأبيها ولعمر بن الخطاب وغيرهم. وأيضاً: فإن الله تعالى يحب التوابين ويحب المتطهرين ويحب الصابرين، وخلته خاصة بالخليلين. وبسط الكلام على ذلك. ثم قال: وإنما هي من قلّة العلم والفهم عن الله تعالى ورسوله.
следующие страницы →