«الملجأ» :
بالجيم مهموز: الملاذ.
«الملحمة» :
بفتح الميم المعركة واحدة الملاحم، مأخوذة من لحمة الثوب لاشتباك الناس في الحرب واختلاطهم كاشتباك اللحمة بالسّدي. وقيل: من اللحم لكثرة لحوم القتلى في المعركة. وسمي به ﷺ بذلك لأنه بعث بالسيف والجهاد.
«ملقّي القرآن» :
أي الملقّي لما تلقّاه على لسان جبريل ﵊ من القرآن وغيره من الوحي على أمته، أي المبلّغ ذلك إليهم، أو بمعنى المتلقي أي المتصدّي لسماعه حين ينزل.
قال تعالى: وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ أي يلقى إليك وحياً.
«المليك» :
«د» فعيل من الملك بضم الميم أو بكسرها كما سيأتي من أن زيادة البناء تدل على زيادة المعنى، وهو من أسمائه تعالى، ومعناه في حقه تعالى: القادر على الإيجاد والاختراع، أو هو ضابط الأمور المتصرّف في الجمهور.
«الملك» :
بكسر اللام وهو الذي يسوس الناس ويدبّر أمرهم. أو هو ذو العز والسلطان وهو من أسمائه تعالى، ومعناه في حقه تعالى: المستغني في ذاته وصفاته عن الكون وموجوداته وليس يستغنى عن جوده أحدٌ من مخلوقاته، وقيل: هو القادر على الاختراع والإبداع من العدم إلى الوجود.
«المليء»
«عا» باللام مهموزاً: الغني بالله عما سواه أو الحسن حكمه وقضاؤه.
«الممنوح» :
«عا» : الذي منح من ربه كلّ خير دنيوي وأخروي، أو الذي منح أمته ذلك وساقه إليها من المنحة أي العطية لأنه، أي الله، منحه ذلك، أو أنه ﷺ منح أمته ذلك.
«الممنوع» :
«عا» الذي له منعة وقوة تمنعه من الشيطان وتحميه من الأعداء. أو الذي منعه الله تعالى من العدا وحماه من السوء والرّدى.
«المنادي» :
بكسر الدال المهملة: الداعي إلى الله تعالى أو إلى توحيده. قال الله تعالى:
رَبَّنا إِنَّنا سَمِعْنا مُنادِياً يُنادِي لِلْإِيمانِ قال ابن جريج ﵀: هو سيدنا رسول الله ﷺ رواه ابن أبي حاتم.
«المنادى» :
«عا» بفتح الدال المهملة أي المدعوّ إلى الله تعالى ليلة الإسراء على لسان جبريل صلى الله عليهما وسلم
«المنتجب بالجيم»
«المنتخب» :
بالخاء المعجمة، كلاهما بمعنى المختار
стр. 562
«المنتصر»
«المنجد» :
المعين الناصر، أو المرتفع القدر، اسم فاعل من أنجد إذا ارتفع وأعان
«المنحمنّا» :
قال ابن إسحاق: هو اسمه في الإنجيل ومعناه بالسريانية: محمد. وضبطه الإمام الشّمنيّ بضم الميم وسكون النون وفتح الحاء المهملة وكسر الميم بعدها نون مشددة مفتوحة وألف. وقال ابن دحية: إنه بفتح الميمين
«المنذر» :
قال تعالى: إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ وهو من الحصر الخاص، أي لست بقادر على هداية الكفار، وليس من الحصر العام، لأنه ﵊ له أوصاف أخرى كالبشارة، وهو وصفٌ من الإنذار وهو الإبلاغ، ولا يكون إلا مع تخويف
«المنزّل عليه»
«المنصف» :
بضم الميم وسكون النون وكسر الصاد المهملة: العادل. وكان ﷺ أشد الناس إنصافاً
«المنصور» :
المؤيّد. اسم مفعول من النصر وهو التأييد
«المنقذ» :
بنون فقاف فذال معجمة: اسم فاعل من الإنقاذ وهو التخليص من ورطة الشدائد، وسمي بذلك لأنه ينقذنا بالشفاعة يوم القيامة، قال حسان رضي الله تعالى عنه يرثيه:
يدل على الرحمن من يقتدي به ... وينقذ من هول الخزايا ويرشد
[ (١) ] وأما قوله تعالى: أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ فالمراد: إنك لا تقدر على إنقاذ من يستحق العذاب وإن اجتهدت في دعائه إلى الإيمان.
«منّة الله» :
قال الله تعالى: لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ وإنما خصّهم بالذكر لأنهم المنتفعون بمبعثه، ووجه المنة به عليهم. أنه لمّا بعث سهل أخذ ما يجب عليهم أخذه عنه
«المنيب» :
تقدم في الأوّاه، وهو اسم فاعل من الإنابة وهي الإقبال على الطاعة، والفرق بينه وبين التائب والأوّاب: أن التائب من رجع عن المخالفات خوفاً من عذاب الله.
والمنيب: من رجع عنها حياء من الله. والأوّاب: من رجع تعظيماً للأوصاف المحمودة. ويقال الإنابة صفة الأولياء والمقرّبين. قال تعالى: وَجاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ والتوبة صفة المؤمنين قال تعالى: وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ والأوبة: صفة الأنبياء والمرسلين. قال تعالى:
نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ
стр. 563
«المنير» :
اسم فاعل من أنار إذا أضاء. أي المنوّر قلوب المؤمنين بما جاء به
«المهاب» :
بالضم: الذي يهابه الناس أي تخافه لعظم بأسه وسلطانه، اسم مفعول من الهيبة وهي الخوف والرّهبة.
قال في الإحياء: الهيبة: خوف مصدره الإجلال والتعظيم، فهي أخص من الخوف لوجوده بدون التعظيم، كالخوف من العقرب ونحوها من الأشياء الخسيسة، وعدم صدقها بدونه كالخوف من سلطانٍ معظم.
وسمي بذلك لأنه كان من مهابته أنه كان أعداؤه إذا كان بينه وبينهم مسيرة شهر هابوه وفزعوا منه، ولهذا مزيد بيان في الخصائص
«المهاجر» :
«ع» «ح» : لأنه ﷺ هاجر من مكة إلى المدينة، ولهذا مزيد بيان في أبواب الهجرة
«المهداة» :
بضم الميم وفتح الدال: اسم مفعول من أهدى الشيء يهديه فهو مهدىً.
قال ﷺ : «إنما أَنا رحمة مهداة»
«المهدي» :
بضم الميم وكسر الدال اسم فاعل من أهدى بمعنى هدى، وهو المرشد والدالّ على طريق الخير، قال تعالى: وَيَهْدِيَكَ صِراطاً مُسْتَقِيماً. قال حسان رضي الله تعالى عنه يرثيه:
جزعاً على المهدي أصبح ثاويا ... يا خير من وطئ الحصا لا تبعد
[ (١) ]
«المهذّب» :
بالمعجمة: المطهّر الأخلاق الخالص من الأكدار اسم مفعول من التهذيب وهو الخلوص أيضاً
«المهيمن» :
قال «يا» سمّاه به عمّه العباس في الأبيات التي امتدحه بها ومنها:
حتّى احتوى بيتك المهيمن من ... خندف علياء تحتها النّطق
قال ابن قتيبة: قوله: «حتى احتوى بيتك المهيمن» أي يا أيها المهيمن «ط» : وقد ورد تسميته به في قوله تعالى: وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ.
روى ابن جرير عن مجاهد رحمه الله تعالى قال: «ومهيمناً عليه» محمد ﷺ مؤتمن على القرآن.
стр. 564
قال ابن جرير: وتأويل الكلام على هذا وأنزلنا الكتاب مصدّقاً الكتب قبله إليك «مهيمناً عليه» فيكون «مصدّقاً» حال من الكتاب ومهيمناً حال من الكاف التي في «إليك» وهي كناية عن النبي ﷺ عائدة على الكاف «ط» .
وعلى هذا في الآية لفّ ونشر غير مرتب، فمصدّقاً الحال الأول راجع إلى الكاف في إليك ومهيمناً الحال الثاني راجع إلى الكتاب المفعول الثاني «عا» .
ونوقش ابن جرير في ذلك بأنه معطوف على مصدّقاً الذي هو حال من الكتاب لا من الكاف، وإلا لقيل مصدقا لما بين يديك، وحمل ذلك على أنه من قبيل الالتفات من الخطاب إلى الغيبة بعيدٌ من نظم القرآن كما قاله أبو حيّان، لكن جوّز ابن عطية أن يكون مصدّقاً ومهيمناً حالين من الكاف ولا يختص هذا بقراءة مجاهد لما مر عن ابن جرير بل يأتي على قراءة الجمهور.
ولفظ مهيمن عربي عند الأكثر وهو بكسر الميم الثانية اسم مفعول من هيمن يهيمن فهو مهيمن أي مراقب كما قرأ به الجمهور في الآية. فهاؤه على هذا أصلية وقيل إنها مبدلة من همزة وأصله مؤأمن بهمزتين، اسم فاعل من أمن فأبدلت الثانية ياء لكراهة اجتماع همزتين في كلمة، وقلبت الأولى هاء لاتحاد مخرجهما، وضعّف بأنه تكلّف لا حاجة إليه مع سماع أبنية تلحق بها.
قال ثعلب: وقول من قال: أصله مؤيمن تصغير مؤمن اسم فاعل من آمن بمعنى صدّق قلبت همزته هاء، رأي باطل لأن أسماء الله تعالى وما في معناها من الأسماء العظيمة لا يناسبها التصغير لأنه ينافي التعظيم.
أو بفتحها مبنيّاً للمفعول كما قرأ به مجاهد وابن محيصن في الآية.
وهذا الاسم من أسمائه تعالى، ومعناه: الشاهد والحافظ، وقيل الرّقيب، وقيل القائم على خلقه، وقيل المؤمن، وقيل الأمين.
والنبي ﷺ مهيمن بالمعنى الأول والرابع والخامس
«المورود حوضه» :
اسم مفعول من الورود أي الذي يرد الناس حوضه يوم القيامة وسيأتي الكلام عليه في الخصائص، وفي أبواب بعثه وحشره ﷺ
«الموصل» :
قال «عا» هو اسمه ﷺ في التوراة ومعناه: مرحوم
«المؤتى جوامع الكلم» :
يأتي الكلام على ذلك في الخصائص إن شاء الله تعالى
«الموحى إليه» :
«خا» سيأتي الكلام عليه في أبواب بعثته صلى الله عليه وسلم
стр. 565
«المولى» :
«يا» : قال الله تعالى: النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ
روى البخاري أن رسول الله ﷺ قال: «ما من مؤمن إلا وأنا أولى به في الدنيا والآخرة فمن ترك مالاً فلعصبته من كانوا، فإن ترك ديناً أو ضياعاً فليأتني فأنا مولاه»
[ (١) ] .
قال ابن الأثير: المولى يقع على ستة عشر معنى: الأقرب، والمالك، والسيّد، والمعتق والمنعم والناصر والمحب، والتابع، والخال، وابن العم، والحليف، والعقيل، والصّهر والعبد، والمنعم عليه والمعتق وكل من ولي أمراً أو قام به فهو مولاه ووليه. قال: وأكثر هذه المعاني جاءت في الأحاديث فيضاف كل معنى إلى ما يليق به. واللائق بهذا «المحلّ» : السيّد والمنعم والناصر والمحب.
وهذا الاسم من أسمائه تعالى ويزيد على هذه المعاني: المالك
«موذ موذ» :
قال «ع» : هو اسمه ﷺ في صحف إبراهيم ﷺ
«الموعظة» :
ما يتّعظ ويتذكر به من الوعظ وهو كما مر عن الخليل التذكير بالخير بما [ (٢) ] ترق له القلوب. وسمي ﷺ بذلك لأن الله تعالى وعظ بمبعثه العباد حيث جعله دليلاً على اقتراب يوم التّناد
«الموقّر» :
ذو الحلم والرزانة. وقد كان ﷺ أوقر الناس في مجلسه لا يكاد يخرج شيء من أطرافه وتقدم في «المعزّر»
«الموقن» :
اسم فاعل من أيقن الأمر وتيقّنه واستيقنه إذا فهمه وثبت في ذهنه وارتفع عنه الشكّ. قال الراغب: وهو أعلى من المعرفة والدراية ولأنه من صفات العلم قال تعالى عِلْمَ الْيَقِينِ بخلافهما، فلا يقال معرفة اليقين ولا دراية اليقين.
وسمي ﷺ بذلك لأنه عقد قلبه بتوحيد الله تعالى والعلم به وبصفاته والإيمان بذلك وبما أوحي إليه على غاية المعرفة ووضوح المعرفة واليقين وانتفاء الشك والريب في كل شيء من ذلك والعصمة من كل ما يضاد المعرفة أو ينافيها. وهذا كما قال القاضي: ما وقع عليه إجماع المسلمين
«ميذ ميذ» :
قال «ع» هو اسمه ﷺ في التوراة
«الميزان»
«ط» : قيل في قوله تعالى: اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزانَ أنه سيدنا محمد ﷺ حكاه الإمام محمود بن حمزة الكرماني- رحمه الله تعالى- في غريبه.
стр. 566
فإن قيل: كيف يصح عطفه على الكتاب المنصوب بأنزل؟ فالجواب: هو كقوله تعالى: قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْراً رَسُولًا
«الميسّر» :
«ع» «ط» : المسهّل للدين اسم فاعل من اليسر ضد العسر وهو السهولة.
روى مسلم عن جابر- رضي الله تعالى عنه- في حديث تخييره نساءه ﷺ أنه قال: «إِنَّ الله بَعَثني ميسِّراً»
وقالت عائشة- ﵂: «ما خيّر رسول الله ﷺ بين أمرين إلا اختار أيسرهما»
«الميمّم» :
بفتح التحتية كمعظّم: المقصود اسم مفعول من التيمم وهو القصد، وأصله التعمّد والتوخّي من قولهم: يمّمتك وأممتك. وسمّي بذلك سيدنا رسول الله ﷺ لأن الخلق تؤمّ حماه يوم القيامة وتقصد جاهه لنيل السلامة. والله تعالى أعلم.
حرف النون
«النابذ» :
اسم فاعل من النّبذ بسكون الباء وفتحها وهو إلقاء الشيء وطرحه لقلة الاعتداد به. قال الله ﵎: فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ أي اطرح عهدهم على طريق مستوٍ بأن تظهر لهم نبذ العهد بحيث يعلمون أنه قطع ما بينك وبينهم، ولا تناجزهم بالحرب وهم يتوهّمون بقاء العهد، لأن مثل ذلك خيانة
«الناجز» :
«خا» : المنجز لما وعد، اسم فاعل من نجز الوعد كأنجزه إذا وفى به ولم يخلفه. وكان ﷺ من ذلك بمكان
«الناس» :
قال الله تعالى: أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ روى عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم، عن عكرمة- رضي الله تعالى عنه- في الآية قال:
الناس في هذا الموضع النبي ﷺ . وروى ابن جرير عن مجاهد- رحمه الله تعالى- نحوه ويسمى ﷺ بذلك من تسمية الخاص باسم العام لأنه ﷺ أعظمهم وأجلّهم أو لجمعه ﷺ ما في الناس من الخصال الحميدة
«الناسخ» :
اسم فاعل من النّسخ وهو لغةً: إزالة شيء بشيء يعقبه. ومنه: نسخ الظلّ الشمس وعكسه. واصطلاحاً: رفع الحكم الشرعي بخطاب.
سمّي به ﷺ لأنه نسخ بشريعته كلّ الشرائع «ط» . ومن ثم كان المختار في الأصول:
أن شرع من قبلنا ليس شرعا لنا مطلقا ولو لم يرد ناسخ له. وقيل: إذا لم يرد ناسخ في شرعنا له فهو شرع لنا. قال: وسمعت شيخنا شيخ الإسلام أبا زكريا المناويّ- رحمه الله تعالى- يقول في تقرير هذا القول: القول الذي يجب اعتقاده أن شريعة نبينا ﷺ نسخت كلّ الشرائع مطلقاً
стр. 567
ولا يمترى في ذلك. ومن قال شرع من قبلنا شرع لنا إذا لم يرد ناسخ فمعناه أنه شرع لنا بتقرير شرعنا له، لا أنّا متعبّدون بالشريعة الأولى.
تنبيه:
وصف الله تعالى نفسه بالنّسخ في قوله تعالى: ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها.
«الناسِك» :
العابد، اسم فاعل من النّسك وهو العبادة.
«الناشر» :
المظهر للشيء بعد طيّه اسم فاعل من النشر وهو البسط ومنه نشر الصحيفة والحديث والسحاب، وسمّي به ﷺ لأنه نشر الإسلام وأظهر شعائر الأحكام، أو بمعنى الحاشر، وقد تقدم.
«الناصب» :
ذكره «د» . قال «ط» ويحتمل أن يكون معناه المبيّن لأحكام الدّين من النّصب بضم النون وفتح الصاد المهملة وهي العلامات التي في الطريق يهتدى بها، أو المقيم لدين الإسلام من نصبت الشيء: إذا أقمته. ويحتمل أن يكون مأخوذاً من قوله تعالى: فَإِذا فَرَغْتَ فَانْصَبْ أي اتعب في الدعاء والتضرّع. «عا» ، الناصب المرتفع يقال: رجل ناصب أي مرتفع الصدر أو الناصب للحرب أي المقيم لها. والمجتهد المجدّ في الطاعة قال تعالى:
فَإِذا فَرَغْتَ فَانْصَبْ أي إذا قضيت صلاتك فاجتهد في الدعاء كما قاله ابن عباس- رضي الله تعالى عنهما- وعن الحسن- رحمه الله تعالى-: فإذا فرغت من جهادك فاجتهد في العبادة.
ولما عدد الله تعالى علي نبيه ﷺ نعمه السالفة ووعده رفع الآلام والمشقة من انشراح الصّدر ووضع الوزر وإعقاب العسر باليسر إلى غير ذلك، حثّه على الشكر وحضّه على الاجتهاد في العبادة والنّصب أي كدّ النفس فيها وأعقبها بأخرى وهلم جرا.
«الناصح» :
«د» مأخوذ من قول الأنبياء ليلة الإسراء مرحباً بالنبيّ الأميّ الذي بلّغ رسالة ربه ونصح لأمته.
قال الإمام الخطابي- رحمه الله تعالى-: النصيحة كلمة يعبر بها عن جملة إرادة الخير للمنصوح له، وليس يمكن أن يعبّر عنه بكلمة واحدة بخصوصها. ومعناه في اللغة: الإخلاص.
وقال غيره: النصح فعل الشيء الذي به الصلاح والسلامة، مأخوذ من النصاح وهو الخيط الذي يخاط به الثوب. وقال آخر: النّصح سدّ ثلم الرأي للمنصوح مأخوذ من نصح الثوب إذا خاطه.
قال في النهاية: أصل النصح الخلوص: يقال نصحت العسل إذا خلصته من شمعة،
стр. 568
فكأنهم شبّهوا فعل الناصح فيما يتحرّاه من صلاح المنصوح له وخلاصه من الغش بتخليص العسل من الخلط.
«ناصر الدين» :
«عا» بالإضافة أي مانعه ومنقذه من طعن الكفرة الجاحدين والفجرة المعاندين وجمعه نصراء كعالم وعلماء. والدّين مضاف إليه في الأصل: الطاعة والجزاء والملّة والعهد والشريعة والمراد به هنا: دين الإسلام وهو أشرف الأديان. قال تعالى: إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ. وقال بعضهم هو تخصيص إلهي سائق لذوي العقول باختيارهم المحمود إلى الخيرات بالذات.
«الناضر»
«عا» بالضاد المعجمة الساقطة: الحسن، من النضارة وهي الحسن والرّونق.
«الناطق بالحق»
«خا» .
«الناظر من خلفه» :
بفتح الميم على أن من موصولة بمعنى الذي ونصب خلفه على الظرف أي ينظر الذي يكون وراءه. أو بكسرها فتكون من حرف جرّ للابتداء وخلفه بالكسر متعلّقها، أي يبصر من ورائه كما يبصر من أمامه. ولهذا مزيد بيان في باب صفة عينيه ﷺ وفي الخصائص.
«الناهي» :
اسم فاعل من النهي وهو الزجر عن الشيء والأمر به وتقدم في الآمر.
«النبي»
ﷺ . يأتي الكلام عليه في أبواب البعثة.
«نبيّ الراحة» :
بمهملتين رجوع النفس بعد الإعياء والتعب وسكونها أو السهولة.
سمي ﷺ بذلك لأنه أراح أمته من نصب الشّرك أو لأنه خفّف بشريعته ما كان مشدّداً في شريعة غيره من التكاليف الشاقة كقتل النفس في التوبة وقرض موضع النجاسة لطهارة المحل إلى غير ذلك.
«نبيّ الرحمة» :
تقدم تفسير الرحمة.
«النبيّ الصالح» :
في حديث المعراج أن الأنبياء والملائكة قالوا له ليلتئذ: «مرحبا بالنبي الصالح» وتقدم الكلام على الصالح في الصاد.
«نبي الأحمر» .
«نبي الأسود» :
أي الإنس والجن أو العجم والعرب.
«نبيّ التوبة» :
وهي الرجوع والإنابة. وقال سهل- رحمه الله تعالى-: هي ترك التسويف وقال إمام الحرمين- رحمه الله تعالى-: «إذا أضيفت إلى العبد أريد بها الرجوع من الزلاّت إلى الندم عليها، وإذا أضيفت إلى الرب ﵎ أريد بها رجوع نعمه. وآلائه عليهم» .
стр. 569
«نبيّ الحرمين» :
أي مكة والمدينة.
«نبيّ زمزم» :
تقدم الكلام على زمزم في أبواب فضائل البيت الشريف.
«نبيّ المرحمة» :
تقدم في الرحمة.
«نبيّ الملحمة» :
الحرب وموضع القتال مأخوذ من اشتباك الناس واختلاطهم فيها كاشتباك لحمة الثوب بالسّدى. وقيل: هو كثرة لحوم القتلى فيها، ومعنى نبي الملحمة نبي القتال، وهو كقوله الآخر:
«بعثت بالسيف» .
«نبيّ الملاحم» :
جمع ملحمة وسبق بيانها.
«النبأ» :
«عا» بنون فموحّدة مهموز: الشأن العظيم والخطب الجسيم قال تعالى: عَمَّ يَتَساءَلُونَ، عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ قيل المراد القرآن وقيل النبي ﷺ .
«النّجم» :
«خا» معروف، وسمي به ﷺ لأنه يهتدي به السالك في طريق الإيمان كما يهتدي بالنجم، قال الإمام جعفر بن محمد- رضي الله تعالى عنهما وعن آبائهما- في قوله تعالى: وَالنَّجْمِ إِذا هَوى محمد ﷺ وهويّه: نزوله ليلة الإسراء.
«النجم الثاقب» :
المضيء الذى يثقب بنوره وإضاءته ما يقع عليه. قال السلمي- رحمه الله تعالى- في تفسير قوله تعالى النَّجْمُ الثَّاقِبُ: هو محمد ﷺ .
«النجيب» :
الكريم الحسيب أو المنتخب المختار.
«النّجيد» :
بالجيم: الدليل الماهر، أو الشجاع الماضي فيما يعجز غيره عنه، فعيل بمعنى فاعل من نجد ككرم نجادة ونجدة فهو نجيد ومنجد ونجد محركاً ونجد ككتف.
«نجيّ الله تعالى» :
قال الراغب- رحمه الله تعالى-: النجيّ. المناجي: ويقال للواحد والجمع. قال تعالى: وَقَرَّبْناهُ نَجِيًّا وخَلَصُوا نَجِيًّا وانتجيت فلاناً: استخلصته لسرّي.
وناجيته: ساررته، وأصله أن تخلو في نجوة من الأرض، وقيل أصله من النجاة وهو أن يعاونه على ما فيه خلاصة وأن تنجو بسرّك ممن يطلّع عليه.
«الندب» :
«عا» بنون مفتوحة فدال مهملة ساكنة فموحدة. النّجيب الظريف وجمعه ندوب وندباء.
«النذير» :
فعيل بمعنى فاعل وهو التخويف من عواقب الأمور، وبينه وبين الرسول من عموم من وجه لاجتماعهما في مخبر عن غيره بما يخاف منه وانفراد الرسول في مخبر عن غيره بغير تخويف: وانفراد النذير في المنذر عن نفسه بما يخاف منه، وسمّي ﷺ بذلك لأنه يخوّف الناس العذاب ويحذّرهم من سوء الحساب. وقد سمّي بذلك كلّ مبلّغ لأحكام شرعته
стр. 570
كما قال تعالى: فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ وقد يسمّى ذلك رسولاً أيضاً. قال تعالى: وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً أي مبشّراً للطائعين ونذيراً للعاصين.
«النسيب» :
ذو النّسب العريف، من النّسبة. وهي الاشتراك من جهة أحد الأبوين.
ونسبه ﷺ أشرف الأنساب، وتقدم بيان ذلك.
النّصيح فعيل بمعنى فاعل من النّصح.
«النعمة» :
بكسر النون، الحالة الحسنة، وبناء النّعمة بالكسر بناء الحالة التي يكون عليها الإنسان كالجلسة، والنّعمة بالفتح التنعم، وبناؤها بناء المرّة من الفعل كالضّربة، والنّعمة للجنس يقال للقليل والكثير، والإنعام إيصال الإحسان إلى الغير ولا يقال إلا إذا كان الموصّل إليه من الناطقين فإنه لا يقال: أنعم فلان على فرسه.
«نعمة الله» .
روى البخاري عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنهما- في قوله تعالى: الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْراً قال: هم والله كفار قريش. قال عمر: هم قريش، ومحمد ﷺ نعمة الله.
وروى ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي في قوله تعالى: يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَها النعمة هنا: محمدٌ ﷺ يعرفون أنه نبي مرسل.
«النَّقِيّ» :
الخالص من الأدناس المنزّه عن الأرجاس، من نقي بالكسر فهو نقيّ أي نظيف.
«النقيب» :
ذكره جماعة أخذاً من
قوله ﷺ لبني النجّار لما مات نقيبهم أبو أمامة أسعد بن زرارة وقالوا له: يا رسول الله اجعل لنا رجلاً مكانه. فقال لهم: «أنتم أخوالي وأنا نقيبكم»
«د» : وفيه أقوال: أحدها: الشهيد على قومه. والثاني: الأمين والثالث: الضمين وأصله في اللغة النقب الواسع، فنقيب القوم هو الذي ينقّب عن أحوالهم فيعلم ما خفي منها.
«النّور» :
قال الله تعالى: قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتابٌ مُبِينٌ قال جماعة: النور هنا محمد ﷺ . قال تعالى: اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ قال ابن عباس- رضي الله تعالى عنهما- فيما رواه ابن مردويه: المراد بالنور هنا سيدنا محمد ﷺ وروى ابن جرير وابن المنذر إن ابن عباس- رضي الله تعالى عنهما- سأل كعباً عن تفسير هذه الآية فقال:
مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ هي الكوّة ضربها الله تعالى مثلاً لقلب محمد ﷺ «فيها مصباح» المصباح قلبه «في زجاجة» الزجاجة صدره «كأنها كوكب دري» يشبه صدر النبي ﷺ بالكوكب الدري وهو المضيء يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ يكاد محمد ﷺ يتبين للناس ولو لم يتكلم كما يكاد الزيت يضيء بلا نار.
стр. 571
وروى الطبراني وابن عساكر عن ابن عمر- رضي الله تعالى عنهما-: قال: المشكاة:
جوف النبي ﷺ . والزجاجة: قلبه. والمصباح: النور الذي في قلبه يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ الشجرة: إبراهيم «زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ» لا يهودية ولا نصرانية. ثم قرأ: ما كانَ إِبْراهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرانِيًّا وَلكِنْ كانَ حَنِيفاً مُسْلِماً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ.
رواه ابن أبي حاتم عن مقاتل بن حيان. وقال عبد الله بن رواحة- رضي الله تعالى عنه-:
لو لم تكن فيه آياتٌ مبيّنةٌ ... لكان منظره ينبيك بالخبر
قال القاضي: وسمّي بالنور لوضوح أمره وبيان نبوّته وتنوير قلوب المؤمنين والعارفين بما جاء به.
وهو من أسمائه تعالى ومعناه ذو النور أي خالقه، ومنوّر السموات والأرض بالأنوار ومنوّر قلوب المؤمنين بالهداية. والنور في الأصل: كيفية قائمة بالنفس لمقابلة المضيء لذاته. وفسّره الجوهري بالضياء وهو أشدّ منه. وقال: هو الضوء المنتشر الذي يعيّن على الإبصار. وهو ضربان: مدرك بعين البصيرة وهو ما انتشر من النور الإلهي كنور العقل والقرآن والنبي ﷺ .
ومدرك بعين البصر وهو ما كان منتشراً من الأجسام كالقمر والشمس ونحوهما. وقد ذكر الفرق بينه وبين الضوء فيما مرّ. وأما الفرق بينهما وبين الشعاع والبريق فهو كما في شرح المواقف أنهما شيء يتلألأ على الأجسام المستنيرة حتى كأنه يفيض منها ويكاد يستر لونها بخلاف الضوء والنور فإن الأول كيفية قائمة بالجسم لذاته والثاني كيفية قائمة به لغيره كما مر. ثم هذا التلألؤ واللمعان إن كان ذاتياً للجسم كالحاصل للشمس فهو الشعاع أو غير ذاتي للجسم بل مستفاداً من غيره كالحاصل للمرآة عند محاذاتها للشمس بالبريق، فعلم من ذلك أن الشعاع كالضوء ذاتي للجسم، وأن البريق كالنور ليس ذاتاً بل مستفاد من غيره.
فإن قيل: فإن كان الضياء أشدّ من النور فلم شبه الله تعالى به في قوله ﵎:
اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ولم يشبهه بالضياء؟.
فالجواب: أنه لو شبهه به لم يضل أحد من العقلاء، وقد سبق في علمه تعالى أن منهم:
شقيّ وسعيد ألا ترى أن النهار لا يضل فيه أحد لضوء الشمس الحاصل به، وربما ضل الطريق السائر ليلاً مع وجود القمر ومن هنا تؤخذ حكمة تسميته ﷺ بالنور دون الضّوء، وإنما مثّله بنور المصباح ولم يمثّله بنور الشمس مع أن نورها أتمّ وأكمل وغير محتاج إلى مدد بخلاف نور المصباح لأن المقصود كما قال الإمام الرازي: تمثيل النور في القلب. والقلب في الصدر والصدر في البدن كالمصباح وهو الضوء في الفتيلة وهي في الزجاجة، والزجاجة في الكوّة
стр. 572
التي لا منفذ لها. ولا يتمّ ذلك إلا بما ذكر، أو لأن نور المعرفة له آلات يتوقف على اجتماعها كالفهم والعقل واليقظة، كما أن نور المصباح يتوقف على اجتماع الزيت والزجاجة والفتيلة، ولأن نور الشمس يشرق متوجها إلى العالم السفلي ونور المعرفة يشرق متوجها إلى العالم العلوي كنور المصباح، ولأن نور الشمس يشرق نهاراً فقط، ونور المعرفة يشرق ليلاً كنور المصباح في وقت الحاجة إليه ولأن نور الشمس يعم جميع الخلق ونور المعرفة لا يصل إليه إلا بعضهم كنور المصباح.
«نور الأمم» :
«خا» : أي هاديها.
«نور الله الذي لا يطفأ» :
«خا» .
«نون» :
ذكر ابن عساكر في مهماته أن بعضهم قال في قوله تعالى: ن وَالْقَلَمِ وَما يَسْطُرُونَ أنه اسم من أسماء النبي ﷺ . وقيل: من أسماء الله، والله تعالى أعلم.
حرف الهاء
«الهادي» :
«يا» اسم فاعل من هدى هداية وهي الدلاية إن تعدّت بحرف الجر.
والوصول إن تعدّت بنفسها قال تعالى: وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ وهو من أسمائه تعالى، ومعناه الذي بصّر عباده طريق معرفته حتى أقرّوا بربوبيته، أو هادي كل أحد من خليقته إلى ما لا بد له من معيشته. والهداية تطلق على خلق الاهتداء وذلك من وصفه تعالى خاصة وهو المنفيّ في قوله تعالى: إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وعلى البيان والدلالة بلطف وهذه يتصف بها الله تعالى والنبي ﷺ وتطلق أيضاً على الدعاء. ومنه: وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ أي داع.
«الهاشمي» :
نسبة إلى جد أبيه هاشم بن عبد مناف، وتقدم الكلام عليه في النّسب.
«الهجود» :
كصبور: الكثير التهجّد وهو مجانبة الهجود بضم الهاء وقيام الليل في طاعة الملك المعبود، قال تعالى: وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ أي زيادة على ما فرض الله تعالى عليك، قاله البغويّ- رحمه الله تعالى- ولهذا مزيد بيان في الخصائص.
«الهدى» :
الرشاد والدلالة، قال تعالى: وَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدى وهو مصدر سمّي به ﷺ مبالغة.
وروى الإمام أحمد عن أبي أمامة- رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الله بعثني رحمة للعالمين وهدى للمؤمنين»
[ (١) ] .
«هدية الله» .
стр. 573
«الهمام» :
«عا» بضم الهاء: الملك العظيم.
«الهمّة» :
بالكسر وتفتح واحدة الهمّ وهي ما هم به الشخص من أمر يفعل، يقال:
هممت بالشيء أهمّ همّاً إذا أردت فعله، ولا همّة لي بالفتح، وهمام كقطام أي أفضله أو السيد الشجاع أو السخيّ.
«الهيّن» :
«عا» : بفتح الهاء وسكون التحتية مخفّف هيّن بوزن سيّد: الساكن المتّئد، فيعل من الهون وهو بالفتح: السّكينة والوقار، أو بالضم وهو السهولة فعينه واو.
قال ابن الأعرابي: العرب تمدح بالهين اللّين مخفّفين، وتذم بهما مثقّلين «عا» : ولعل ذلك لكون المثقّلين يدلان على كثرة اللّين والسهولة المفضي ذلك إلى ارتكابهما فيما يطلب فيه الغلظة والشدة كما قال الله تعالى: وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ بخلاف المخفّفين فإنهما لا يقتضيان ذلك وإنما يدلان على حصول أصل الوصف وذلك يحصل بأن يأتي بهما في محلهما، كما قال تعالى: وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ أو لأن المخفّف من الهون بمعنى السهولة والمثقل من الهون وهو الذلة والمهانة والله تعالى أعلم.
حرف الواو
«الواجد» :
«عا» بالجيم: العالم أو الغني، اسم فاعل من الجدة وهو الاستغناء وهو من أسمائه تعالى، ومعناه العالم أو الغنيّ الذي لا يفتقر [إلى أحد] وكل أحد إلى معروفه ينتظر.
«الواسط» :
«د» قال في الصحاح: فلان وسيط في قومه إذا كان أوسطهم نسبا وأرفعهم محلاً. والواسط: الجوهر الذي وسط القلادة. وتقدم بيان شرف نسبه ﷺ .
«الواعد» :
«د» اسم فاعل من الوعد وهو إذا أطلق كان في الخير. والوعيد في الشر إلاّ بقرينة على حد البشارة والنّذارة.
«الواسع» :
الجواد الكثير العطاء، من الوسع، مثلثة الواو، كالسّعة وهي الجدة والطاقة.
وهو من أسمائه تعالى، ومعناه: المحيط بكل شيء. أو الذي وسع رزقه جميع خلقه. أو الذي وسعت رحمته كلّ شيء أو المعطي عن غنى أو العالم أو الغني.
«الواضع» :
«عا» المزيل والقاطع، اسم فاعل من الوضع وهو أعم من الحطّ، قال تعالى:
وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ أي يزيله ويقطعه عنهم. والإصر: الثّقل الذي يأصر صاحبه أي يحسبه عن الحركة وهو مثل ثقل تكليف بني إسرائيل وصعوبته، نحو اشتراط قتل النفس في صحة التوبة وقطع الأعضاء الخاطئة كما سيأتي في الخصائص.
стр. 574
«الواعظ» :
«د» قال تعالى: إِنَّما أَعِظُكُمْ بِواحِدَةٍ قال ابن فارس: والوعظ التخويف.
وقال الخليل هو التذكير بالخير وما ترق له القلوب. وقال الجوهري: هو النّصح والتذكير بالعواقب.
«الوافي» :
بمعنى الوفيّ من قولهم: درهم واف وكيل واف أي تامّ. وسمي ﷺ بذلك لكماله خلقاً وخلقاً ورجحانه على غيره عقلاً. قال حسان- رضي الله تعالى عنه- يمدحه ﷺ :
وافٍ وماضٍ شهابٌ يستضاء به ... بدرٌ أنار على كلّ الأناجيل
«الوالي» :
المالك أو الملك أو الحاكم، اسم فاعل من الولاية وهي بالكسر فقط:
الإمارة. أو الشريف القريب من معالي الأمور، من الولاء بمعنى القرب كالولاية بالكسر والفتح.
وهو من أسمائه تعالى والمعنى ما مرّ.
«الوجيه» :
ذو الوجاهة والجاه عند الله تعالى.
«الورع» :
بكسر الراء: التقيّ، اسم فاعل من الورع وهو اتّقاء الشبهات، يقال: ورع الرجل يرع بالكسر فيهما ورعاً ووراعة فهو ورع أي متّقٍ وقال ابن يونس- رحمه الله تعالى-:
الورع: الخروج من كل شبهة ومحاسبة النفس مع كل طرفة ولهذا مزيد بيان في باب ورعه ﷺ .
«الوسيم» :
بالمهملة والتحتية كأمير: الحسن الوجه الجميل.
«الوسيلة» :
ما يتقرب به ويتوسّل إلى ذي قدر. وهو ﷺ وسيلة الخلق إلى ربهم.
«الوصيّ» :
«عا» بالمهملة: الخليفة القائم بالأمر من بعد غيره. سمّي ﷺ بذلك لأنه قام بأمر التبليغ والرسالة من بعد عيسى صلى الله عليهما وسلم الذي بشر به وأخبر برسالته وحضّ على اتباعه.
«الوفيّ» :
«د» : الكامل الخلق التام الخلق. وهو فعيل صيغة مبالغة من الوفاء.
وكان ﷺ أوفى الناس بالعهد وأوفاهم ذمةً. وتقدّم قول القاضي في «الأبرّ» . وفي حديث هرقل قوله لأبي سفيان: فهل يغدر؟ قال: لا.
وهذا الاسم من أسمائه تعالى.
«وليّ الفضل» :
«عا» أي موليه وهو الإحسان والبرّ.
«الولي» :
الناصر أو الوالي أو المتولّي مصالح الأمة القائم بها، قال تعالى: إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أو المحب لله أو المتصف بالولاية وهي عبارة عن كشف الحقائق وقطع العلائق وتصرّف في باطن الخلائق. قال القشيري: الوليّ له معنيان أحدهما: فعيل
стр. 575
بمعنى مفعول وهو من يتولى الله تعالى أموره ولا يكله إلى نفسه لحظة.
الثاني: فعيل بمعنى فاعل، وهو الذي يتولى عبادة الله تعالى وطاعته فيجري بها على التوالي ولا يتخلل بينها عصيان.
وهو من أسمائه تعالى، قال الله : وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ وقال تعالى: اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا أي يتولى نصرهم ومعونتهم وكفايتهم ومصالحهم.
«الوهّاب» :
صيغة مبالغة من الهبة وهي بذل المال بغير عوض يقال: وهب يهب هبةً وموهبا. ولهذا مزيد بيان في باب كرمه وجوده ﷺ .
وهو من أسمائه تعالى، ومعناه: الذي يعطي على قدر الاستحقاق ولا يغيض ما في يمينه من كثرة الإنفاق. والله تعالى أعلم.
حرف الياء
«اليتيم» :
اسم مفعول من اليتم وهو انقطاع الولد قبل بلوغه عن أبيه بموته وفي سائر الحيوانات الانقطاع من قبل الأمّ. وكل منفرد يتيمٌ، يقال درّة يتيمة تنبيه ا على أن قد انقطعت مادتها التي خرجت منها. وقد قيل بذلك في الآية. والمعنى عليه: ألم يجدك واحداً في قريش عديم النظير فيهم.
«يس» :
ذكره جماعة في أسمائه ﷺ ، وورد في حديث أبي الطفيل عن ابن مردويه، ورواه البيهقي عن محمد بن الحنفية- رحمه الله تعالى-. قال السّهيلي: لو كان اسماً له ﷺ لقال: يا يس بالضم كما قال: يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ قال تلميذه ابن دحية: وهذا غير لازم فإن الكلبي قرأه بالضم، أي على حذف حرف النداء.
«اليثربيّ» :
نسبة إلى يثرب، اسم المدينة الشريفة في الجاهلية. وقد ورد النهي عن تسميتها بذلك كما سيأتي في باب أسمائها في أبواب فضلها.
تنبيه:
قد علم مما تقدم أن الله سمي النبي ﷺ بعده أسماء من أسمائه . وسيأتي سردها في الخصائص أن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم.
стр. 576
الباب الرابع في كناه ﷺ وزاده شرفا وفضلاً لديه
قال الإمام العلامة أبو السعادات مجد الدين المبارك بن الأثير- رحمه الله تعالى- في كتابه «المرصع» : أما الكنية فأصلها من الكناية، وهي أن يتكلم بالشيء ويريد غيره، تقول كنيت وكنوت بكذا وعن كذا كنية وكنية والجمع الكنى، وآكتنى فلانٌ بأبي فلان وفلان يكنى بأبي الحسن، وكنيته أبا زيد وبأبي زيد، يخفّف ويثقل والتخفيف أكثر. وفلان كنّي فلان، كما تقول: سميّه: إذا اشتركا في الاسم والكنية. وإنما جيء بالكنية لاحترام المكنّى بها وإكرامه وتعظيمه كيلا يصرّح في الخطاب باسمه. ومنه قوله:
أكنيه حين أناديه لأكرمه ... ولا ألقّبه والسّوأة اللقب
هذا مختص بالإنسان دون غير وهو الأصل.
ولقد بلغني أن أصل سبب الكنى في العرب أنه كان ملك من ملوكهم الأول ولد له ولد توسّم فيه أمارة النّجابة فشغف به فلما نشأ وترعرع وصلح لأن يؤدّب أدب الملوك أحب أن يفرد له موضعاً بعيداً من العمارة يكون فيه مقيماً يتخلّق بأخلاق مؤدّبيه ولا يعاشر من يضيع عليه بعض زمانه، فبنى له في البريّة منزلاً ونقله إليه ورتب له من يؤدبه بأنواع من الآداب العلمية والملكية وأقام له ما يحتاج إليه من أمر دنياه، ثم أضاف إليه من هو من أقرانه وأضرابه من أولاد بني عمه وأمرائه ليؤنسوه ويتأدبوا بآدابه ويحبّبوا إليه الأدب بموافقتهم له عليه. وكان الملك في رأس كل سنة يمضي إلى ولده ويستصحب معه من أصحابه من له عند ولده ولد ليبصروا أولادهم، فكانوا إذا وصلوا إليهم سأل ابن الملك عن أولئك الذين جاءوا مع أبيه ليعرفهم فيقال له: هذا أبو فلان وهذا أبو فلان، يعنون آباء الصبيان الذين عنده فكان يعرفهم بإضافتهم إلى أبنائهم، فمن هنالك ظهرت الكنى في العرب.
ثم ذكر ابن الأثير- رحمه الله تعالى- فوائد تتعلق بالكنى ليس هذا الكتاب محلاً لها وقد ذكرتها مع زيادات أخرى في كتابي «سفينة السلامة» .
إذا علمت ذلك: فللنبي ﷺ عدّة كنى وهي:
«أبو القاسم»
ﷺ . وهو أشهرها.
روى الشيخان عن أنس بن مالك- رضي الله تعالى عنه- قال: كان رسول الله ﷺ يمشي بالبقيع فسمع قائلاً يقول: يا أبا القاسم فرد رأسه إليه فقال الرجل: يا رسول الله إني لم أعنك إنما دعوت فلانا. فقال رسول الله ﷺ : «تسموا باسمي ولا تكنوا بكنيتي فإني
стр. 577
جعلت قاسماً أقسم بينكم»
[ (١) ] .
وظاهر هذا الحديث أنه إنما كني ﷺ أبا القاسم لذلك.
وقال العزفيّ والوزير أبو الحسن سلام بن عبد الله الباهليّ رحمهما الله تعالى في كتابه «الذخائر والأعلاق في آداب النفوس ومكارم الأخلاق» : لأنه ﷺ يقسم الجنة بين أهلها يوم القيامة. قال الشيخ- رحمه الله تعالى-: والذي جزم به الجماهير من أهل السير أنه إنما كني بابنه القاسم. وهو أول أولاده ﷺ ولادةً ووفاةً وسيأتي الكلام على تكنّي غير النبي ﷺ بأبي القاسم في الخصائص.
«أبو إبراهيم» :
روى البيهقي في الدلائل عن أنس- ﵁ أنه لما ولد إبراهيم ابن النبي ﷺ من مارية كاد يقع في نفس النبي ﷺ منه حتى أتاه جبريل فقال: السلام عليك يا أبا إبراهيم.
«أبو الأرامل» :
ذكره ابن دحية وقال: ذكره صاحب الذخائر والأعلاق.
«أبو المؤمنين:
قال الله تعالى: النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ وقرأ أبي بن كعب- رضي الله تعالى عنه-: «وهو أبٌ لهم» أي كأبيهم في الشفقة والرأفة والحنوّ والله تعالى أعلم.
стр. 578
[المجلد الثاني]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
جماع أبواب صفة جسده الشريف ﷺ
أفرد الحافظ أبو الخطاب ابن دحية كتاباً سماه: «الآيات البينات فيما في أعضاء رسول اللَّه ﷺ من المعجزات» وسأذكر خلاصته في المعجزات مع زوائد كثيرة، والمقصود منه هنا بيان صفة جسده الشريف ﷺ فقط وقد أذكر شيئاً من الآيات لزيادة الفائدة.
стр. 579
الباب الأول في حسنه ﷺ
أعلم رحمني اللَّه وإياك أن اللَّه أنشأ النفوس مختلفة، فمنها الغاية في جودة الجوهر، ومنها المتوسط، ومنها الكدر. وفي كل مرتبة درجات. فالأنبياء صلى اللَّه عليهم وسلم هم الغاية، خلقت أبدانهم سليمة من العيب فصلحت لحلول النفس الكاملة، ثم يتفاوتون. فكان نبينا ﷺ أصلح الأنبياء مزاجا وأكملهم بدنا وأصفاهم روحا، وبمعرفة ما نذكره من صفاته ﷺ وأخلاقه يتبين ذلك إن شاء اللَّه تعالى.
روى الشيخان عن البراء بن عازب رضي اللَّه تعالى عنهما قال: لم أر شيئاً أحسن من رسول اللَّه ﷺ . البراء بفتحتين مخففا.
وقال رجل من الصحابة رضي اللَّه تعالى عنهم: رأيت رسول اللَّه ﷺ فإذا هو رجل حسن الجسم.
وقالت أم معبد رضي اللَّه تعالى عنها: كان رسول اللَّه ﷺ أجمل الناس [وأبهاه] من بعيد وأحلاه وأحسنه من قريب.
رواهما البيهقي.
وقال جابر بن سمرة- بسين مهملة مفتوحة فميم مضمومة فراء- رضي اللَّه تعالى عنه:
رأيت رسول اللَّه ﷺ في ليلة إضحيان وعليه حلة حمراء فجعلت أنظر إليه والقمر فلهو أحسن في عيني من القمر.
رواه الترمذي والنسائي.
وقال البراء رضي اللَّه تعالى عنه: ما رأيت من ذي لمة في حلة حمراء أحسن من رسول اللَّه ﷺ [ (١) ] .
رواه مسلم وأبو داود.
وقال أبو هريرة رضي اللَّه تعالى عنه: كان رسول اللَّه ﷺ أحسن الناس صفة وأجملها.
رواه أبو الحسن بن الضحاك.
وقال طارق بن عبيد [ (٢) ] رضي اللَّه تعالى عنه: أقبلنا ومعنا ظعينة حتى نزلنا قريبا من
стр. 580
المدينة، فأتانا رسول اللَّه ﷺ ، فقالت الظعينة: ما رأيت وجها أشبه بالقمر ليلة البدر من وجهه ﷺ .
رواه إبراهيم الحربي [ (١) ] في غريبه وأبو الحسن بن الضحاك في الشمائل وابن عساكر.
وقال أبو إسحاق الهمداني- وهو بفتح الهاء وسكون الميم ودال مهملة- لامرأة حجت مع رسول اللَّه ﷺ : شبهيه لي: قالت: كالقمر ليلة البدر ولم أر قبله ولا بعده مثله.
رواه يعقوب بن سفيان.
وقال أبو عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر للربيع بنت معوذ [ (٢) ] رضي اللَّه تعالى عنها:
صفي لي رسول اللَّه ﷺ قالت: يا بني لو رأيته لقلت الشمس طالعة.
رواه الدرامي ويعقوب.
قال الطيبي رحمه اللَّه تعالى: قولها: «لقلت الشمس طالعة» أي لرأيت شمسا طالعة، جردت من نفسه الشريفة شمسا وهي هي، نحو قولك: لئن لقيته لتلقين أسدا، وإذا نظرت إليه لم تر إلا أسدا.
وقال أبو هريرة رضي اللَّه تعالى عنه: ما رأيت شيئاً قط أحسن من رسول اللَّه ﷺ كأن الشمس تجري. وفي لفظ: تخرج من وجهه.
رواه الإمام أحمد والترمذي وابن حبان وبقي بن مخلد. وسنده على شرط صحيح مسلم [ (٣) ] .
قال الطيبي: شبه جريان الشمس في فلكها بجريان الحسن في وجهه ﷺ . ومنه قول الشاعر:
стр. 581
يزيدك وجهه حسنا ... إذا ما زدته نظرا
[ (١) ] وفيه أيضاً عكس التشبيه للمبالغة. ويجوز أن يقدر الخبر الاستقرار، فيكون من باب تناسي التشبيه، فجعل وجهه ﷺ مقرا ومكانا لها. ويحتمل أن يكون فيه تناهي التشبيه جعل وجهه مقرا ومكانا للتشبيه.
وللَّه در القائل:
لم لا يضيء بك الوجود وليله ... فيه صباح من جمالك مسفر
فبشمس حسنك كل يوم مشرق ... وببدر وجهك كلّ ليل مقمر
وقال ابن عباس رضي اللَّه تعالى عنهما: لم يقم رسول اللَّه ﷺ مع شمس قط إلا غلب ضوؤه ضوء الشمس، ولم يقم مع سراج قط، إلا غلب ضوؤه ضوء السراج.
رواه ابن الجوزي.
وقالت أم معبد رضي اللَّه تعالى عنها: كان رسول اللَّه ﷺ وسيما قسيما.
رواه الحارث بن أبي أسامة.
وقال أنس رضي اللَّه تعالى عنه: كل شيء حسن قد رأيت، فما رأيت شيئاً قط أحسن من رسول اللَّه ﷺ .
رواه ابن عساكر.
وقال أبو قرصافة- بكسر القاف وسكون الراء بعدها مهملة وفاء- واسمه جندرة- بفتح أوله ثم نون ساكنة ثم مهملة مفتوحة- ابن خيشنة بمعجمة ثم تحتانية ثم معجمة ثم نون رضي اللَّه تعالى عنه: كان رسول اللَّه ﷺ حسن الوجه ولم يكن رسول اللَّه ﷺ بالفارع الجسم.
رواه ابن عساكر.
تنبيهان
الأول: قال ابن المنير والزركشي وغيرهما في قوله ﷺ في يوسف: أعطي شطر الحسن: يتبادر إلى أفهام بعض الناس إن الناس يشتركون في الشطر الآخر. وليس كذلك، بل المراد أنه أعطي شطر الحسن الذي أوتيه نبينا ﷺ ، فإنه بلغ النهاية ويوسف بلغ شطرها.
ويحققه ما رواه الترمذي عن قتادة والدارقطني عن أنس رضي اللَّه تعالى عنهما قال: ما بعث اللَّه نبيا إلا حسن الوجه حسن الصوت، وكان نبيكم أحسنهم وجها وصوتا» .
стр. 582
وقال نفطويه [ (١) ] رحمه اللَّه تعالى في قوله تعالى: يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ [النور ٣٥] هذا مثل ضربه اللَّه تعالى لنبيه ﷺ يقول: يكاد نظره يدل على نبوته وإن لم يتل قرآنا. كما قال ابن رواحة رضي اللَّه تعالى عنه:
لو لم تكن فيه آيات مبينة ... كانت بداهته تنبيك بالخبر
وقال القرطبي رحمه اللَّه تعالى: قال بعضهم، لم يظهر لنا تمام حسنه ﷺ لأنه لو ظهر لنا تمام حسنه لما طاقت أعيننا رؤيته ﷺ . ويرحم اللَّه تعالى الشرف البوصيري حيث قال:
فهو الذي تم معناه وصورته ... ثم اصطفاه حبيبا بارى النسم
منزّهٌ عن شريكٍ في محاسنه ... فجوهر الحسن فيه غير منقسم
إلى أن قال رحمه اللَّه تعالى:
أعيا الورى فهم معناه فليس يرى ... للقرب والبعد فيه غير منفحم
كالشمس تظهر للعينين من بعدٍ ... صغيرة وتكل الطرف من أمم
وهذا مثل قوله رحمه اللَّه تعالى:
إنما مثلوا صفاتك للناس ... كما مثل النجوم المساء
ويرحم اللَّه تعالى الشرف ابن الفارض حيث قال:
وعلى تفنن واصفيه بحسنه [ (٢) ] ... يفنى الزمان وفيه ما لم يوصف
[ (٣) ] وسيدي علي بن أبي وفا حيث قال رحمه اللَّه تعالى:
كم فيه للأبصار حسن مدهش ... كم فيه للأرواح راح مسكر
سبحان من أنشاه من سبحاته ... بشرا بأسرار الغيوب يبشر
стр. 583
قاسوه جهلا بالغزال تغزلا ... هيهات يشبهه الغزال الأحور
هذا وحقّك ماله من مشبه ... وأرى المشبه بالغزالة يكفر
يأتي عظيم الذنب في تشبيهه ... لولا لربّ جماله يستغفر
فخر الملاح بحسنهم وجمالهم ... وبحسنه كل المحاسن تفخر
فجماله مجلى لكل جميلة ... وله منار كل وجه نير
جنات عدن في جنى وجناته ... ودليله أن المراشف كوثر
هيهات ألهو عن هواه بغيره ... والغير في حشر الأجانب يحشر
كتب الغرام علي في أسفاره ... كتبا تؤول بالهوى وتفسر
فدع الدعي وما أدعاه من الهوى ... فدعيه بالهجر فيه يهجر
وعليك بالعلم العليم فإنه ... لخطيبه في كل خطب منبر
الثاني: في تفسير غريب ما سبق.
إضحيان [ (١) ]- بهمزة مكسورة فضاد معجمة ساكنة فحاء مهملة مكسورة فمثناة تحتية:
أي مقمرة مضيئة من أولها إلى آخرها.
اللمة: بالكسر شعر الرأس المجاوز شحمة الأذن فإذا بلغ المنكبين فهو الجمة والجمع لمم. الظعينة: قال في النهاية: أصل الظعينة الراحلة التي ترحل ويظعن عليها أي يسار. وقيل للمرأة ظعينة لأنها تظعن مع الزوج حيثما ظعن، أو لأنها تحمل على الراحلة إذا ظعنت. وقيل:
الظعينة المرأة في الهودج، ثم قيل للهودج بلا امرأة، أو للمرأة بلا هودج: ظعينة.
الربيع: بالتصغير والتشديد. معوذ: بضم الميم وفتح العين المهملة وكسر الواو.
الوسيم: المشهور بالحسن كأن الحسن صار له علامة. وقال في النهاية: رجل قسيم.
الوجه أي جميل كله كأن كل موضع منه أخذ قسما من الجمال.
والوسيم: الحسن الوضيء الثابت.
стр. 584
الباب الثاني في صفة لونه ﷺ
قال أنس رضي اللَّه تعالى عنه: كان رسول اللَّه ﷺ أزهر اللون ليس بالآدم ولا بالأبيض الأمهق. متفق عليه.
وفي رواية لمسلم: كان ﷺ مشربا بحمرة.
وقال أبو هريرة رضي اللَّه تعالى عنه: كان رسول اللَّه ﷺ أبيض كأنما صيغ من فضة.
رواه الترمذي ورواه ابن عساكر من حديث أنس.
وقال علي رضي اللَّه تعالى عنه: كان رسول اللَّه ﷺ أبيض مشربا بحمرة.
رواه الإمام أحمد والترمذي والبيهقي من طرق.
وقال أبو هريرة رضي اللَّه تعالى عنه: كان رسول اللَّه ﷺ أبيض مشربا بحمرة.
رواه ابن عساكر.
وقال علي رضي اللَّه تعالى عنه: كان رسول اللَّه ﷺ أزهر اللون ليس بالأبيض الأمهق.
رواه ابن عساكر من طرق.
وقال عمر بن الخطاب رضي اللَّه تعالى عنه: كان رسول اللَّه ﷺ أبيض اللون مشربا حمرة. رواه ابن عساكر.
وقال أبو هريرة رضي اللَّه تعالى عنه: كان رسول اللَّه ﷺ أحسن الناس لونا.
رواه ابن عساكر.
وقال جابر بن عبد اللَّه رضي اللَّه تعالى عنهما: كان رسول اللَّه ﷺ أبيض مشربا بحمرة.
رواه ابن سعد وابن عساكر.
وقال أبو أمامة رضي اللَّه تعالى عنه: كان رسول اللَّه ﷺ رجلا أبيض تخالطه حمرة.
رواه ابن عساكر.
وقال أبو الطفيل رضي اللَّه تعالى عنه: كان رسول اللَّه ﷺ أبيض مليح الوجه.
رواه البخاري وأحمد ومسلم ويعقوب بن سفيان.
стр. 585
وفي رواية لأحمد: كان رسول اللَّه ﷺ أبيض مليحا مقصدا.
وقال علي رضي اللَّه تعالى عنه: كان رسول اللَّه ﷺ أزهر اللون.
رواه البيهقي.
وقال أنس رضي اللَّه تعالى عنه: كان رسول اللَّه ﷺ أحسن الناس لونا.
رواه ابن الجوزي.
وقالت أم معبد رضي اللَّه تعالى عنها: كان رسول اللَّه ﷺ ظاهر الوضاءة.
رواه البيهقي.
وقال هند بن أبي هالة [ (١) ] رضي اللَّه تعالى عنه: كان رسول اللَّه ﷺ أنور المتجرد.
رواه الترمذي والبيهقي.
وقالت عائشة رضي اللَّه تعالى عنها أهدي لرسول اللَّه ﷺ شملة سوداء فلبسها، وقال:
كيف ترينها علي يا عائشة؟ قلت، ما أحسنها عليك يا رسول اللَّه! يشوب سوادها بياضك وبياضك سوادها [ (٢) ] .
رواه ابن عساكر.
تنبيهات
الأول: روى الإمام أحمد ويعقوب بن سفيان والبزار وابن حبان والحاكم وصححه الحافظ عن أنس رضي اللَّه تعالى عنه قال: كان رسول اللَّه ﷺ أسمر اللون.
ورواه البيهقي من وجه آخر بلفظ: كان بياضه إلى سمرة وعند الإمام أحمد بسند حسن: أبيض إلى سمرة.
وروى ابن أبي شيبة عن شيخه هوذة والإمام أحمد عن شيخه محمد بن جعفر وأبو نعيم عن روح قالوا: أنبأنا عوف بن أبي جميلة [ (٣) ] عن يزيد الفارسي رحمه اللَّه تعالى قال: رأيت رسول اللَّه ﷺ في المنام فذكرت ذلك لابن عباس رضي اللَّه تعالى عنهما فقال: صفه لي.
стр. 586
فذكر الحديث: وفيه: أسمر إلى البياض. قال ابن عباس: لو رأيته في اليقظة ما استطعت أن تنعته فوق هذا.
وروى أبو بكر بن أبي خيثمة عن شيخه هوذة، وأبو نعيم من طريق الحارث بن أبي أسامة عن شيخه روح، كلاهما عن عوف عن يزيد. وذكر الحديث ولفظه: أحمر إلى البياض.
قال الحافظ: وتبين من مجموع الروايات أن المراد بالسمرة: الحمرة التي تخالط البياض، وأن المراد بالبياض المثبت: ما تخالطه الحمرة. والمنفي ما لا تخالطه، وهو الذي تكره العرب لونه وتسميه أمهق.
وقال ابن أبي خيثمة: ولونه ﷺ الذي لا شك فيه: الأبيض الأزهر، المشرب من حمرة وإلى السمرة ما ضحى منه للشمس والريح، وأما ما تحت الثياب فهو الأبيض الأزهر.
وتعقبه بعضهم بأن أنسا لا يخفى عليه أمره حتى يصفه بغير صفته اللازمة له لقربه منه، ولم يكن ﷺ ملازما للشمس. نعم لو وصفه بذلك بعض القادمين ممن صادفه في وقت غيرته الشمس لأمكن، فالأولى حمل السمرة في هذه الرواية على الحمرة التي تخالط البياض، أي كما سبق في كلام الحافظ.
قلت: قوله أن أنسا لا يخفى عليه. إلخ يقال عليه: قد وصفه أنس بأنه ﷺ أزهر اللون ليس بالآدم، كما تقدم أول الباب، وهو حديث أصح من هذه الروايات. وتابعه غيره على هذه الرواية.
وقال الحافظ أبو الفضل العراقي: في قوله: «أسمر اللون» : هذه اللفظة تفرد بها حميد عن أنس ورواها غيره عنه بلفظ «أزهر اللون» ثم نظرنا من روى صفة لونه ﷺ غير أنس، فكلهم وصفوه ﷺ بالبياض دون السمرة، وهم خمسة عشر صحابيا.
قلت: سمى أبو الحسن بن الضحاك في كتاب الشمائل منهم: أبا بكر وعمر وعليا وأبا جحيفة وابن عمر وابن عباس وهند بن أبي هالة والحسن بن علي وأبا الطفيل ومخرش الكعبي وابن مسعود والبراء بن عازب وسعد بن أبي وقاص وعائشة وأبا هريرة وذكر أحاديثهم وأسانيدهم العشرة. ثم قال: وما رواه أنس مما يوافق الجمهور أولى وأصح وهو الذي ينبغي أن يرجع إليه ويعول عليه.
وأما رواية أبي يزيد الفارسي: أنه ﷺ أسمر إلى البياض: فخطأ في الرواية، والصواب الرواية الثانية.
стр. 587
الثاني:
وقع في زيادات المسند لعبد الله ابن الإمام أحمد بن حنبل [ (١) ] ، عن علي رضي اللَّه تعالى عنه: أبيض شديد الوضح.
وفي حديث أبي هريرة عند البزار ويعقوب بن سفيان بسند قوي: كان ﷺ شديد البياض. وهذا مخالف لقول أنس أول الباب: وليس بالأمهق. ولرواية مسلم عنه: أبيض مشرباً بحمرة: وهما أصح منهما. ويمكن الجمع بحمل ما ذكر على ما تحت الثياب مما لا يلقى الشمس.
الثالث: وقع عند أبي زيد المروزيّ أحد رواة الصحيح عن أنس: أمهق ليس بالأبيض واعترض الداودي الشارح هذه الرواية. وقال القاضي إنها وهم. وقال: لعل الصحيح رواية من روى أنه ليس بالأبيض ولا بالآدم.
قال الحافظ: وهذا ليس بجيد لأن المراد أنه ليس بالأبيض الشديد البياض ولا الآدم الشديد الأدمة وإنما يخالط بياضه الحمرة. والعرب قد تطلق على من كان كذلك أسمر.
ولهذا جاء في حديث أنس أي السابق: كان ﷺ أسمر.
قال الحافظ: وتبين من مجموع الروايات أن رواية المروزي: «أمهق ليس بالأبيض» مقلوبة على انه يمكن توجيهها بأن المراد بالأمهق الأخضر اللون الذي ليس بياضه في الغاية ولا سمرته ولا حمرته. فقد نقل عن رؤبة أن المهق خضرة الماء فهذا التوجيه على تقدير ثبوت الرواية وقد جاء في عدة طرق أنه ﷺ كان أبيض.
الرابع: نقل القاضي عن أحمد بن أبي سليمان صاحب سحنون رحمهما اللَّه تعالى أن من قال: كان النبي ﷺ أسود. يقتل. انتهى.
قال بعضهم: وهذا يقتضي أن مجرد الكذب عليه في صفة من صفاته كفر يوجب القتل. وليس كذلك، بل لا بد من ضميمة ما تشعر بنقص كما في مسألتنا هذه فإن السواد مفصول.
الخامس: في بيان غريب ما سبق: الأزهر: الأبيض المستنير المشرق وهو أحسن الألوان أي ليس بالشديد البياض.
الآدم: الشديد السمرة.
الأمهق: الشديد البياض الذي لا يخالطه شيء من الحمرة وليس بنير كلون الجص أو نحوه.
стр. 588
الإشراب [ (١) ] : خلط لون بلون كأن أحد اللونين سقى الآخر لونه، يقال: بياض مشرب حمرة بالتخفيف. فإذا شدد كان للتكثير والمبالغة.
المقصد: من الرجال الذي ليس بجسيم ولا طويل.
ظاهر الوضاءة: أي الحسن والجمال.
أنور المتجرد: بجيم وراء مشددة مفتوحتين: ما كشف عنه الثوب من البدن، يعني أنه ﷺ كان مشرق الجسد نير اللون فوضع الأنور موضع النير. واللَّه أعلم.
стр. 589
الباب الثالث في صفة رأسه وشعره ﷺ
قال أنس رضي اللَّه تعالى عنه: كان رسول اللَّه ﷺ ضخم الرأس.
رواه البخاري. ورواه أبو الحسن بن الضحاك عن جبير بن مطعم. ورواه أبو الحسن بن الضحاك وابن عساكر من طرق عن علي رضي اللَّه تعالى عنه. ورواه من طريق عنه بلفظ:
عظيم الرأس.
وروى الترمذي عن هند بن أبي هالة والبيهقي عن علي رضي اللَّه تعالى عنهما قالا: كان رسول اللَّه ﷺ عظيم الهامة رجل الشعر إن افترقت عقيقته فرق وإلا فلا يجاوز شعره شحمة أذنه إذا هو وفره.
وقال أنس رضي الله تعالى عنه: لم يكن رسول اللَّه ﷺ بجعد قطط ولا بسبط، كان رجلا.
رواه الشيخان والترمذي والنسائي.
وقال جبير بن مطعم رضي اللَّه تعالى عنه: كان رسول اللَّه ﷺ كثير شعر الرأس رجله.
رواه ابن أبي خيثمة.
وقالت أم معبد رضي اللَّه تعالى عنها في صفته ﷺ : ولا تزريه صعلة.
رواه الحارث بن أبي أسامة.
وقال ابن عباس رضي اللَّه تعالى عنهما: كان رسول اللَّه ﷺ يحب موافقة أهل الكتاب فيما لم يؤمر فيه لشيء وكان أهل الكتاب يسدلون شعورهم وكان المشركون يفرقون رؤوسهم. فسدل رسول اللَّه ﷺ ثم فرق بعده.
رواه الستة.
وقال أنس رضي اللَّه تعالى عنه: كان شعر رسول اللَّه ﷺ شعرا بين شعرين، ولا رجل سبط ولا جعد قطط، وكان بين أذنيه وعاتقه.
وفي رواية: كان شعر رسول اللَّه ﷺ إلى أنصاف أذنيه.
متفق عليه.
وقال علي بن حجر رضي اللَّه تعالى عنه: لم يكن شعر رسول اللَّه ﷺ بالجعد القطط ولا بالسبط كان جعدا رجلا.
стр. 590
رواه مسلم والبيهقي.
وقالت عائشة رضي اللَّه تعالى عنها: «أنا فرقت لرسول اللَّه ﷺ رأسه صدعت فرقه عن يافوخه وأرسلت ناصيته بين عينيه.
رواه ابن إسحاق وأبو داود، وابن ماجة ولفظه: «كنت أفرق خلف يافوخ رسول اللَّه ﷺ ثم أسدل ناصيته» .
وقال البراء رضي اللَّه تعالى عنه: كان شعر رسول اللَّه ﷺ إلى منكبيه.
رواه الشيخان.
وقالت عائشة رضي اللَّه تعالى عنها: كان شعر رسول اللَّه ﷺ فوق الوفرة ودون الجمة.
رواه أبو داود والترمذي.
وقالت أم هانئ رضي اللَّه تعالى عنها: قدم رسول اللَّه ﷺ وله أربع غدائر: يعني ضفائر.
رواه الترمذي وأبو داود بسند جيد.
وقالت عائشة رضي اللَّه تعالى عنها: كان رسول اللَّه ﷺ إذا امتشط بالمشط كأنه حبل الرمال.
رواه أبو نعيم.
وقال أنس رضي اللَّه تعالى عنه: كان شعر رسول اللَّه ﷺ بين أذنيه وعاتقه.
رواه مسلم.
وروى عبد المجيد بن جعفر عن أبيه أن خالد بن الوليد فقد قلنسوة له يوم اليرموك فطلبها حتى وجدها وقال: اعتمر رسول اللَّه ﷺ فحلق رأسه فابتدر الناس جوانب شعره فسبقتهم إلى ناصيته فجعلتها في هذه القلنسوة فلم أشهد قتالا وهي معي إلا رزقت النصر.
رواه سعيد بن منصور.
وقال أنس رضي اللَّه تعالى عنه: إن رسول اللَّه ﷺ لما رمى جمرة العقبة نحر نسكه ثم ناول الحالق شقه الأيمن فحلقه فأعطاه أبا طلحة ثم ناوله شقه الأيسر فقال: اقسمه بين الناس.
رواه الشيخان.
وفي رواية لمسلم: «فلقد رأيته والحلاق يحلقه فطاف به أصحابه فما يريدون أن تقع شعرة إلا في يد رجل.
وقال عمر بن الخطاب رضي اللَّه تعالى عنه: كان رسول اللَّه ﷺ ذا وفرة.
رواه ابن عساكر.
стр. 591
وقال علي رضي اللَّه تعالى عنه: كان رسول اللَّه ﷺ حسن الشعر.
رواه ابن عساكر.
وقال سعد بن أبي وقاص رضي اللَّه تعالى عنه: كان رسول اللَّه ﷺ شديد سواد الرأس واللحية.
رواه ابن عساكر. ورواه أبو الحسن بن الضحاك وغيره عن رجل من الصحابة من بني كنانة.
وروى إسرائيل [ (١) ] عن عثمان بن عبد اللَّه بن موهب [ (٢) ] : أرسلني أهلي إلى أم سلمة زوج النبي ﷺ بقدح من ماء- وقبض إسرائيل ثلاث أصابع- فجاءت بجلجل من فضة فيها شعر من شعر رسول اللَّه ﷺ ، وكان إذا أصاب أحدا من الناس عين أو شيء بعث إليها بخضه، فاطلعت في الجلجل فرأيت شعرا حمرا.
رواه البخاري واللفظ للحميدي في جمعه.
تنبيهات
الأول: حاصل الأحاديث السابقة: أن شعره ﷺ كان جمة وفرة لمة، فوق الجمة ودون الوفرة عكسه. فالوفرة- بفتح الواو وإسكان الفاء: ما بلغ شحمة الأذن. واللمة- بكسر اللام: ما نزل عن شحمة الأذن، والجمة- بضم الجيم وتشديد الميم- قال الجوهري رحمه اللَّه تعالى: هي مجتمع شعر الرأس وهي أكثر من الوفرة ما نزل عن ذلك إلى المنكبين.
هذا قول جمهور أهل اللغة وهو الذي ذكره أصحاب المحكم والنهاية والمشارق وغيرهم. واختلف فيه كلام الجوهري. فذكره على الصواب في مادة «لمم» فقال: واللمة- بالكسر: الشعر، المتجاوز شحمة الأذن، فإذا بلغت المنكبين فهي الجمة. وخالف ذلك في مادة «وفر» فقال: والوفرة إلى شحمة الأذن ثم الجمة ثم اللمة. وهي التي ألمت بالمنكبين [ (٣) ] .
انتهى.
وقال الحافظ أبو الفضل العراقي رحمه اللَّه تعالى: ما قاله في باب الميم هو الصواب
стр. 592
وهو الموافق لقول غيره من أهل اللغة. ولا جمع بين رواية: (فوق الجمعة، ودون الوفرة) وهي عند الترمذي، والعكس رواية أبي داود وابن ماجة، وهي الموافقة لقول أهل اللغة، إلا على المحمل الذي تؤول عليه رواية الترمذي، وذلك أنه قد يراد بقوله: «دون» بالنسبة إلى محل وصول الشعر. فرواية الترمذي محمولة على هذا التأويل: أن شعره كان فوق الجمة أي أرفع في المحل. فعلى هذا يكون شعره لمة، وهو ما بين الوفرة، والجمعة، وتكون رواية أبي داود وابن ماجة معناها: «كان شعره فوق الوفرة» أي أكثر من الوفرة ودون الجمة أي في الكثرة.
وعلى هذا فلا تعارض بين الروايتين. فروى كل راو ما فهمه من الفوق والدون.
وقال القاضي: والجمع بين هذه الروايات أن ما يلي الأذن هو الذي يبلغ شحمة أذنيه والذي يلي أذنيه وعاتقيه وما خلفه هو الذي يضرب منكبيه. وقيل بل لاختلاف الأوقات فإذا غفل عن تقصير شعره بلغ المنكب وإذا قصره كان إلى أنصاف أذنيه فكان يقصر ويطول بحسب ذلك.
الثاني: قال ابن القيم رحمه اللَّه تعالى في زاد المعاد: لم يحلق ﷺ رأسه الشريف إلا أربع مرات. ولهذا مزيد بيان في أبواب زينته ﷺ ويأتي الكلام على ما شاب من شعره ﷺ في الباب التاسع.
الثالث:
روى ابن عساكر من طريقين غير ثابتين عن علي رضي اللَّه تعالى عنه أنه قال: كان شعر رسول اللَّه ﷺ سبطا.
وقد تقدم من طريق صحيحة أنه لم يكن بالسبط ولا بالجعد القطط.
الرابع: قال ابن أبي خيثمة في تاريخه: إنما جعل شعر رسول اللَّه ﷺ ورأسه غدائر أربعا ليخرج الأذن اليمنى من بين غديرتين يكتنفانها ويخرج الأذن اليسرى من بين غديرتين يكتنفانها ويخرج الأذنان بياضهما من بين تلك الغدائر كأنهما توقد الكواكب الدرية بين سواد شعره وكان أكثر شيبه ﷺ في الرأس في فودي رأسه، والفودان خرفا الفرق، وكان أكثر شيبه ﷺ في لحيته فوق الذقن وكان شيبه كأنه خيوط الفضة يتلألأ بين ظهري سواد الشعر الذي معه، إذا مس ذلك الشيب الصفرة- وكان كثيرا ما يفعل- صار كأنه خيوط ذهب يتلألأ بين ظهري سواد الشعر الذي معه.
الخامس: في بيان غريب ما سبق.
الهامة- بالتخفيف: الرأس.
رجل الشعر- بفتح الراء وكسر الجيم وفتحها وسكونها، ثلاث لغات ذكرها في المفهم لا شديد الجعودة ولا شديد السبوطة بل بينهما. قال القرطبي: وكان شعره ﷺ بأصل الخلقة مسرحا.
стр. 593
العقيقة: بقافين على المشهور: شعر الرأس، سمي عقيقة تشبيها بشعر المولود قبل أن يحلق فإذا حلق ونبت ثانيا فقد زال عنه اسم العقيقة، وربما سمي الشعر عقيقة بعد الحلق على الاستعارة. ومنه هذا الحديث. والمراد إن انفرقت عقيقته من ذات نفسها وإلا تركها معقوصة.
وروي: عقيصته- بقاف وصاد مهملة- وهي اسم للشعر المعقوص، مشتق من العقص وهو اللي.
وفره: بفتح الفاء المشدّدة أي جعله وفرة.
الجعد- بفتح الجيم وسكون المهملة. والجعودة في الشعر أن لا يتكسر ولا يسترسل.
القطط- بفتحتين: الشديد الجعودة الشبيه بشعر السودان.
السبط [ (١) ]- بفتح السين المهملة وسكون الباء الموحدة وكسرها، المنبسط المسترسل الذي لا تكسير فيه، أي لم يكن شديد الجعودة ولا شديد السبوطة بل بينهما.
الصعلة- بصاد فعين مهملتين: صغر الرأس. ويروى بالقاف. ويأتي بيانه في صفة إبطه الشريف ﷺ .
يسدل- بفتح المثناة التحتية وسكون السين وكسر الدال المهملتين، ويجوز ضم الدال أي يترك شعر ناصيته على جبهته. قال النووي. قال العلماء: المراد إرساله على الجبين واتخاذه كالقصة أي بضم القاف وبعدها صاد مهملة وهو شعر الناصية.
يفرقون- بضم الراء وكسرها: أي يلقون شعر رؤوسهم إلى جانبيه ولا يتركون منه شيئاً على جبهتهم.
فرق- بفتح الفاء والراء: تقدم معناه قبله.
العاتق: ما بين المنكب والعنق وهو موضع الرداء يذكر ويؤنث، والجمع عواتق.
صدعت- بالتخفيف: نحيت. اليأفوخ: بهمز، وهو أحسن وأصوب، ولا يهمز، وهو وسط الرأس، ولا يقال يافوخ حتى يصلب ويشتد بعد الولادة.
الناصية والناصاة: منبت الشعر في مقدم الرأس، ويطلق على الشعر.
المنكب: مجتمع رأس العضد والكتف.
الغدائر: بغين معجمة ودال مهملة.
حبك الرمال- بضم أوله وثانيه جمع حبيكة وهي الطريق في الرمل وقال الفراء: الحبك
стр. 594
تكسر كل شيء كالرمل إذا مرت به الريح الساكنة والماء الدائم إذا مرت به الريح والشّعرة الجيدة تكسّرها حبك.
القلنسوة [ (١) ]- بفتح القاف واللام وسكون النون وضم السين وفتح الواو. والجمع:
القلانس والقلاسي.
اليرموك- بفتح الياء: مكان قرب دمشق.
قوله: «وقبض إسرائيل ثلاث أصابع» أشار بذلك إلى صغر القدح.
قصة- بضم القاف وصاد مهملة لأكثر الرواة الصحيح. قال ابن دريد: كل خصلة من الشعر قصة. قال ابن دحية والصحيح عند المتقنين: «من فضة» بالفاء بواحدة وضاد معجمة وهو الأشبه والأولى لقوله بعد ذلك: «فاطلعت في الجلجل» وقد بينه وكيع في مصنفه فقال:
كان جلجلا من فضة صنع صونا لشعر رسول اللَّه ﷺ واللَّه أعلم.
стр. 595
الباب الرابع في صفة جبينه وحاجبيه ﷺ
قال أبو هريرة رضي اللَّه تعالى عنه: كان رسول اللَّه ﷺ مفاض الجبين.
رواه البيهقي وابن عساكر.
وقال هند بن أبي هالة رضي اللَّه تعالى عنه: كان رسول اللَّه ﷺ واسع الجبين أزج الحواجب سوابغ في غير قرن، بينهما عرق يدره الغضب.
رواه الترمذي.
وقال رجل من الصحابة رضي اللَّه تعالى عنهم: كان رسول اللَّه ﷺ دقيق الحاجبين.
رواه البيهقي.
وقال سعد بن أبي وقاص رضي اللَّه تعالى عنه: كان جبين رسول اللَّه ﷺ صلتا.
رواه ابن ابن عساكر.
وقال الحافظ أبو أحمد بن أبي خيثمة رحمهما اللَّه تعالى: كان رسول اللَّه ﷺ أجلى الجبين إذا طلع جبينه من بين الشعر أو طلع من فلق الشعر أو عند الليل أو طلع بوجهه على الناس تراءى جبينه كأنه السراج المتوقد يتلألأ، كانوا يقولون هو ﷺ . كما قال شاعره حسان بن ثابت رضي اللَّه تعالى عنه:
متى يبد في الليل البهيم جبينه ... يلح مثل مصباح الدجى المتوقد
فمن كان أو من قد يكون كأحمد ... نظاما لحق أو نكالا لملحد
[ (١) ] .
قال أبو الحسن بن قانع عن سويد بن غفلة رضي اللَّه تعالى عنه قال: رأيت رسول اللَّه ﷺ واضح الجبين أهدب مقرون الحاجبين.
تنبيهات
الأول: في حديث أم معبد: كان رسول اللَّه ﷺ أزج أقرن. قال ابن قتيبة وابن عساكر:
ولا أراه إلا كما وصف هند وصححه ابن الأثير والقطب رحمه للَّه تعالى.
قلت: وروى البيهقي وابن عساكر عن مقاتل بن حيان رحمه اللَّه تعالى قال: أوحى اللَّه تعالى إلى عيسى ابن مريم عليهما الصلاة والسلام: جد في أمري ولا تهزل إلى أن قال: صدقوا النبي العربي الصلت الجبين المقرون الحاجبين.
стр. 596
وروى ابن عساكر من طرق عن علي رضي اللَّه تعالى عنه قال: كان رسول اللَّه ﷺ مقرون الحاجبين.
ويمكن الجمع بأنه ﷺ كان أولا بغير قرن أو من جهة الرائي من قرب ومن بعد، وبأنه لم يكن بالأقرن حقيقة ولا بالأزج حقيقة بل كان بين الحاجبين فرجة يسيرة لا تتبين إلا لمن دقق النظر إليها. كما ذكر في صفة انفه الشريف ﷺ فقال: يحسبه من لم يتأمله أشم ولم يكن أشم.
الثاني: في بيان غريب ما سبق.
مفاض الجبين- بميم مضمومة ففاء فألف فضاد معجمة مخففة أي واسعة، يقال درع مفاضة أي واسعة. الجبين ما فوق الصدغ. والصدغ ما بين العين إلى الأذن، ولكل إنسان جبينان يكتنفان الجبهة.
الزجج: تقوس في الحاجب مع طول في طرفه وامتداد. قاله في النهاية. وقال غيره:
الزجج دقة الحاجبين وسبوغهما إلى محاذاة آخر العين مع تقوس.
سوابغ- حال من المجرور وهو الحواجب جمع سابغ وهو التام الطويل أي أنها دقت في حال سبوغها. وضع الحواجب موضع الحاجبين لأن التثنية جمع.
القرن- بالتحريك: اتصال شعر الحاجبين.
يدره- بضم أوله وكسر ثانيه وتشديد ثالثه: أي يحركه ويظهره، كان ﷺ إذا غضب امتلأ ذلك العرق دما كما يمتلئ الضرع لبنا إذا در فيظهر ويرتفع.
الصلت الجبين: أي واسعة، وقيل الصلت الأملس وقيل البارز. واللَّه أعلم.
стр. 597
الباب الخامس في صفة عينيه ﷺ وبعض ما فيهما من الآيات
قال علي رضي اللَّه تعالى عنه: كان رسول اللَّه ﷺ أدعج العينين.
وقال علي رضي اللَّه تعالى عنه: كان رسول اللَّه ﷺ عظيم العينين أهدب الأشفار.
رواه الإمام أحمد ومسلم.
وقال أيضاً: كان رسول اللَّه ﷺ عظيم العينين أهدب الأشفار مشرب العين بحمرة.
رواه البيهقي وأبو الحسن بن الضحاك وابن عساكر من طرق.
وقال سماك بن حرب [ (١) ] : قال جابر بن سمرة رضي اللَّه تعالى عنه: كان رسول اللَّه ﷺ عليه وسلم أشكل العين.
قال الرواي له عن سماك: ما أشكل العين؟ قال: طويل شق العين.
رواه مسلم وغيره. ورواه أبو داود بلفظ: أشهل العين.
وقالت أم معبد رضي اللَّه تعالى عنها: في أشفاره عطف وفي لفظ: وطف.
رواه الحارث بن أبي أسامة.
وقال أنس بن مالك رضي اللَّه تعالى عنه: كان رسول اللَّه ﷺ أبحر العينين.
وقال أبو هريرة رضي اللَّه تعالى عنه: كان رسول اللَّه ﷺ أبرج العينين.
رواهما أبو الحسن بن الضحاك.
وقال أبو هريرة رضي اللَّه تعالى عنه: كان رسول اللَّه ﷺ أكحل العينين أهدب الأشفار.
رواه محمد بن يحيى الذهلي [ (٢) ] في الزهريات.
وقال جابر بن سمرة رضي اللَّه تعالى عنه: كنت إذا نظرت إلى رسول اللَّه ﷺ قلت أكحل وليس بأكحل.
رواه الإمام أحمد بن حنبل ويعقوب بن سفيان.
стр. 598
وقال مقاتل بن حيان رحمه اللَّه تعالى: أوحى اللَّه تعالى إلى عيسى أبن مريم جد في أمري ولا تهزل إلى أن قال: صدقوا النبي العربي الأنجل العينين.
رواه البيهقي وابن عساكر.
وقال علي رضي اللَّه تعالى عنه: كان رسول اللَّه ﷺ أسود الحدقة أهدب الأشفار.
رواه الترمذي.
وقال أيضاً: كان رسول اللَّه ﷺ عظيم العينين مشرب العين حمرة أهدب الأشفار كث اللحية.
رواه ابن عساكر.
وقال عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه: كان رسول اللَّه ﷺ أدعج العينين.
رواه ابن عساكر.
فصل:
روى ابن عدي والبيهقي وابن عساكر عن عائشة رضي اللَّه تعالى عنها، والبيهقي وابن عساكر عن ابن عباس رضي اللَّه تعالى عنهما قالا: كان رسول اللَّه ﷺ يرى بالليل في الظلمة كما يرى بالنهار في الضوء.
وقال أبو هريرة رضي اللَّه تعالى عنه: قال رسول اللَّه ﷺ : هل ترون قبلتي ها هنا، فواللَّه لا يخفى علي ركوعكم ولا سجودكم، إني لأراكم من وراء ظهري.
متفق عليه [ (١) ] .
قال الحافظ أبو بكر بن أبي خيثمة وتبعه أبو الحسن بن الضحاك في كتاب الشمائل له: كان فيه ﷺ شيء من صور. والصور: الرجل الذي كأنه يلمح الشيء ببعض وجهه.
وقال أنس رضي اللَّه تعالى عنه: قال رسول اللَّه ﷺ : أيها الناس إنه إمامكم فلا تسبقوني بالركوع ولا بالسجود فإني أراكم من أمامي ومن خلفي [ (٢) ] .
رواه مسلم.
وقال أبو هريرة رضي اللَّه تعالى عنه: قال رسول اللَّه ﷺ : «إني لأنظر إلى ما وراء ظهري كما أنظر إلى أمامي» [ (٣) ] .
رواه عبد الرزاق في الجامع وأبو زرعة الرازي في دلائله.
стр. 599
وقال مجاهد رحمه اللَّه تعالى: كان رسول اللَّه ﷺ يرى من خلفه من الصفوف كما يرى من بين يديه.
رواه الحميدي وأبو زرعة الرازي في دلائله.
فائدة: ذكر القاضي رحمه اللَّه تعالى إنه ﷺ كان يرى في الثريا أحد عشر نجما.
وذكر السهيلي رحمه اللَّه تعالى أنه ﷺ كان يرى فيها اثني عشر نجما. وبالأول جزم أبو عبد اللَّه القرطبي في كتاب «أسماء النبي ﷺ » حيث نظم ذلك فقال رحمه اللَّه تعالى:
وهو الذي يرى النجوم الخافية ... مبينات في السماء العالية
إحدى عشر قد عد في الثريا ... لناظر سواه ما تهيا
قال في: «القول المكرم» وهذا لم أقف له على أصل يستند إليه. والناس يذكرون أن الثريا لا تزيد على تسعة أنجم فيما يرون. انتهى.
تنبيهات
الأول: قال القاضي: إنما حدثت هذه الآية له ﷺ بعد ليلة الإسراء كما أن موسى ﷺ كان يرى النملة السوداء في الليلة الظّلماء من مسيرة عشرة فراسخ بعد ليلة الطور.
الثاني: هذه الرؤية رؤية إدراك، والرؤية لا تتوقف على وجود آلتها التي هي العين عند أهل الحق ولا شعاع ولا مقابلة، وهذا بالنسبة إلى الباري تعالى. أما المخلوق فتتوقف صفة الرؤية في حقه ﷺ ، وخالق البصر في العين قادر على خلقه في غيرها.
قال الحراني رحمه اللَّه تعالى: وهذه الآية قد جعلها اللَّه تعالى دالة على ما في حقيقة أمره من الاطلاع الباطن، لسعة علمه ومعرفته، لما عرف بربه لا بنفسه أطلعه اللَّه تعالى على ما بين يديه مما تقدم من أمر اللَّه وعلى ما وراء الوقت مما تأخر من أمر اللَّه تعالى. فلما كان على ذلك من الإحاطة في إدراك مدركات القلوب جعل اللَّه تعالى له ﷺ مثل ذلك في مدركات العيون، فكان يرى المحسوسات من وراء ظهره كما يراها من بين يديه.
ومن الغرائب ما ذكره بختيار محب بن محمود الزاهد شارح القدوري في رسالته الناصرية أنه ﷺ كان له بين كتفيه عينان كسم الخياط يبصر بهما لا تحجبهما الثياب. وقيل:
بل كانت صورهم تنطبع في حائط قبلته كما تنطبع في المرآة أمثلتهم فيها فيشاهد أفعالهم.
قال الحافظ: وهذا إن كان نقلا عن الشارع بطريق صحيح فمقبول وإلا فليس المقام مقام رأي، على أن الأقعد في إثبات كونها معجزة حملها على الإدراك من غير آلة.
وقال ابن المنير رحمه اللَّه تعالى: لا حاجة إلى تأويله لأنه في معنى تعطيل لفظ الشارع من غير ضرورة.
стр. 600
وقال القرطبي: حمله على ظاهره أولى، لأن فيه زيادة كرامة للنبي ﷺ وسيأتي ولهذا مزيد بيان في الخصائص.
الثالث: في بيان غريب ما سبق:
الدعج: شدة سواد العين في شدة بياضها.
الأهدب- بالدال المهملة: الطويل الأشفار.
الأشفار: جمع شفر وزن قفل وهو حرف الجفن الذي ينبت عليه الهدب. قال ابن قتيبة رحمه اللَّه تعالى: والعامة تجعل أشفار العين: الشعر وهو غلط، وإنما الأشفار حروف العين التي ينبت عليها الشعر.
الحدقة: بالتحريك، سواد العين والجمع حدق وحدقات. مثل قصبة، وقصب، وقصبات. وربما قيل حداق محل رقبة ورقاب.
قوله: مشرب العين بحمرة: هي عروق حمر رقاق وهي من علاماته ﷺ التي في الكتب السالفة.
وقول سماك رحمه اللَّه تعالى: إن الشكلة طول شق العين: قال القاضي: إنه وهم من سماك باتفاق العلماء وغلط ظاهر، فقد اتفق العلماء وأصحاب الغريب أن الشهلة حمرة في سواد العين كالشكلة في البياض.
الغطف: بغين معجمة وتهمل هو أن يطول شعر الأجفان ثم ينعطف. الوطف: الطويل أيضاً.
الكحل: بالتحريك: سواد يكون في مفاوز أجفان العين خلقة.
الأنجل: يقال عين نجلاء أي واسعة.
الأبرج [ (١) ] العين: بهمزة فموحدة فراء فجيم: من البرج بالتحريك بياض العين محدقا بالسواد كله لا يغيب من سوادها شيء. واللَّه تعالى أعلم.