وروى ابن عساكر من طرق عن علي رضي اللَّه تعالى عنه قال: كان رسول اللَّه ﷺ مقرون الحاجبين.
ويمكن الجمع بأنه ﷺ كان أولا بغير قرن أو من جهة الرائي من قرب ومن بعد، وبأنه لم يكن بالأقرن حقيقة ولا بالأزج حقيقة بل كان بين الحاجبين فرجة يسيرة لا تتبين إلا لمن دقق النظر إليها. كما ذكر في صفة انفه الشريف ﷺ فقال: يحسبه من لم يتأمله أشم ولم يكن أشم.
الثاني: في بيان غريب ما سبق.
مفاض الجبين- بميم مضمومة ففاء فألف فضاد معجمة مخففة أي واسعة، يقال درع مفاضة أي واسعة. الجبين ما فوق الصدغ. والصدغ ما بين العين إلى الأذن، ولكل إنسان جبينان يكتنفان الجبهة.
الزجج: تقوس في الحاجب مع طول في طرفه وامتداد. قاله في النهاية. وقال غيره:
الزجج دقة الحاجبين وسبوغهما إلى محاذاة آخر العين مع تقوس.
سوابغ- حال من المجرور وهو الحواجب جمع سابغ وهو التام الطويل أي أنها دقت في حال سبوغها. وضع الحواجب موضع الحاجبين لأن التثنية جمع.
القرن- بالتحريك: اتصال شعر الحاجبين.
يدره- بضم أوله وكسر ثانيه وتشديد ثالثه: أي يحركه ويظهره، كان ﷺ إذا غضب امتلأ ذلك العرق دما كما يمتلئ الضرع لبنا إذا در فيظهر ويرتفع.
الصلت الجبين: أي واسعة، وقيل الصلت الأملس وقيل البارز. واللَّه أعلم.
стр. 597
الباب الخامس في صفة عينيه ﷺ وبعض ما فيهما من الآيات
قال علي رضي اللَّه تعالى عنه: كان رسول اللَّه ﷺ أدعج العينين.
وقال علي رضي اللَّه تعالى عنه: كان رسول اللَّه ﷺ عظيم العينين أهدب الأشفار.
رواه الإمام أحمد ومسلم.
وقال أيضاً: كان رسول اللَّه ﷺ عظيم العينين أهدب الأشفار مشرب العين بحمرة.
رواه البيهقي وأبو الحسن بن الضحاك وابن عساكر من طرق.
وقال سماك بن حرب [ (١) ] : قال جابر بن سمرة رضي اللَّه تعالى عنه: كان رسول اللَّه ﷺ عليه وسلم أشكل العين.
قال الرواي له عن سماك: ما أشكل العين؟ قال: طويل شق العين.
رواه مسلم وغيره. ورواه أبو داود بلفظ: أشهل العين.
وقالت أم معبد رضي اللَّه تعالى عنها: في أشفاره عطف وفي لفظ: وطف.
رواه الحارث بن أبي أسامة.
وقال أنس بن مالك رضي اللَّه تعالى عنه: كان رسول اللَّه ﷺ أبحر العينين.
وقال أبو هريرة رضي اللَّه تعالى عنه: كان رسول اللَّه ﷺ أبرج العينين.
رواهما أبو الحسن بن الضحاك.
وقال أبو هريرة رضي اللَّه تعالى عنه: كان رسول اللَّه ﷺ أكحل العينين أهدب الأشفار.
رواه محمد بن يحيى الذهلي [ (٢) ] في الزهريات.
وقال جابر بن سمرة رضي اللَّه تعالى عنه: كنت إذا نظرت إلى رسول اللَّه ﷺ قلت أكحل وليس بأكحل.
رواه الإمام أحمد بن حنبل ويعقوب بن سفيان.
стр. 598
وقال مقاتل بن حيان رحمه اللَّه تعالى: أوحى اللَّه تعالى إلى عيسى أبن مريم جد في أمري ولا تهزل إلى أن قال: صدقوا النبي العربي الأنجل العينين.
رواه البيهقي وابن عساكر.
وقال علي رضي اللَّه تعالى عنه: كان رسول اللَّه ﷺ أسود الحدقة أهدب الأشفار.
رواه الترمذي.
وقال أيضاً: كان رسول اللَّه ﷺ عظيم العينين مشرب العين حمرة أهدب الأشفار كث اللحية.
رواه ابن عساكر.
وقال عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه: كان رسول اللَّه ﷺ أدعج العينين.
رواه ابن عساكر.
فصل:
روى ابن عدي والبيهقي وابن عساكر عن عائشة رضي اللَّه تعالى عنها، والبيهقي وابن عساكر عن ابن عباس رضي اللَّه تعالى عنهما قالا: كان رسول اللَّه ﷺ يرى بالليل في الظلمة كما يرى بالنهار في الضوء.
وقال أبو هريرة رضي اللَّه تعالى عنه: قال رسول اللَّه ﷺ : هل ترون قبلتي ها هنا، فواللَّه لا يخفى علي ركوعكم ولا سجودكم، إني لأراكم من وراء ظهري.
متفق عليه [ (١) ] .
قال الحافظ أبو بكر بن أبي خيثمة وتبعه أبو الحسن بن الضحاك في كتاب الشمائل له: كان فيه ﷺ شيء من صور. والصور: الرجل الذي كأنه يلمح الشيء ببعض وجهه.
وقال أنس رضي اللَّه تعالى عنه: قال رسول اللَّه ﷺ : أيها الناس إنه إمامكم فلا تسبقوني بالركوع ولا بالسجود فإني أراكم من أمامي ومن خلفي [ (٢) ] .
رواه مسلم.
وقال أبو هريرة رضي اللَّه تعالى عنه: قال رسول اللَّه ﷺ : «إني لأنظر إلى ما وراء ظهري كما أنظر إلى أمامي» [ (٣) ] .
رواه عبد الرزاق في الجامع وأبو زرعة الرازي في دلائله.
стр. 599
وقال مجاهد رحمه اللَّه تعالى: كان رسول اللَّه ﷺ يرى من خلفه من الصفوف كما يرى من بين يديه.
رواه الحميدي وأبو زرعة الرازي في دلائله.
فائدة: ذكر القاضي رحمه اللَّه تعالى إنه ﷺ كان يرى في الثريا أحد عشر نجما.
وذكر السهيلي رحمه اللَّه تعالى أنه ﷺ كان يرى فيها اثني عشر نجما. وبالأول جزم أبو عبد اللَّه القرطبي في كتاب «أسماء النبي ﷺ » حيث نظم ذلك فقال رحمه اللَّه تعالى:
وهو الذي يرى النجوم الخافية ... مبينات في السماء العالية
إحدى عشر قد عد في الثريا ... لناظر سواه ما تهيا
قال في: «القول المكرم» وهذا لم أقف له على أصل يستند إليه. والناس يذكرون أن الثريا لا تزيد على تسعة أنجم فيما يرون. انتهى.
تنبيهات
الأول: قال القاضي: إنما حدثت هذه الآية له ﷺ بعد ليلة الإسراء كما أن موسى ﷺ كان يرى النملة السوداء في الليلة الظّلماء من مسيرة عشرة فراسخ بعد ليلة الطور.
الثاني: هذه الرؤية رؤية إدراك، والرؤية لا تتوقف على وجود آلتها التي هي العين عند أهل الحق ولا شعاع ولا مقابلة، وهذا بالنسبة إلى الباري تعالى. أما المخلوق فتتوقف صفة الرؤية في حقه ﷺ ، وخالق البصر في العين قادر على خلقه في غيرها.
قال الحراني رحمه اللَّه تعالى: وهذه الآية قد جعلها اللَّه تعالى دالة على ما في حقيقة أمره من الاطلاع الباطن، لسعة علمه ومعرفته، لما عرف بربه لا بنفسه أطلعه اللَّه تعالى على ما بين يديه مما تقدم من أمر اللَّه وعلى ما وراء الوقت مما تأخر من أمر اللَّه تعالى. فلما كان على ذلك من الإحاطة في إدراك مدركات القلوب جعل اللَّه تعالى له ﷺ مثل ذلك في مدركات العيون، فكان يرى المحسوسات من وراء ظهره كما يراها من بين يديه.
ومن الغرائب ما ذكره بختيار محب بن محمود الزاهد شارح القدوري في رسالته الناصرية أنه ﷺ كان له بين كتفيه عينان كسم الخياط يبصر بهما لا تحجبهما الثياب. وقيل:
بل كانت صورهم تنطبع في حائط قبلته كما تنطبع في المرآة أمثلتهم فيها فيشاهد أفعالهم.
قال الحافظ: وهذا إن كان نقلا عن الشارع بطريق صحيح فمقبول وإلا فليس المقام مقام رأي، على أن الأقعد في إثبات كونها معجزة حملها على الإدراك من غير آلة.
وقال ابن المنير رحمه اللَّه تعالى: لا حاجة إلى تأويله لأنه في معنى تعطيل لفظ الشارع من غير ضرورة.
стр. 600
وقال القرطبي: حمله على ظاهره أولى، لأن فيه زيادة كرامة للنبي ﷺ وسيأتي ولهذا مزيد بيان في الخصائص.
الثالث: في بيان غريب ما سبق:
الدعج: شدة سواد العين في شدة بياضها.
الأهدب- بالدال المهملة: الطويل الأشفار.
الأشفار: جمع شفر وزن قفل وهو حرف الجفن الذي ينبت عليه الهدب. قال ابن قتيبة رحمه اللَّه تعالى: والعامة تجعل أشفار العين: الشعر وهو غلط، وإنما الأشفار حروف العين التي ينبت عليها الشعر.
الحدقة: بالتحريك، سواد العين والجمع حدق وحدقات. مثل قصبة، وقصب، وقصبات. وربما قيل حداق محل رقبة ورقاب.
قوله: مشرب العين بحمرة: هي عروق حمر رقاق وهي من علاماته ﷺ التي في الكتب السالفة.
وقول سماك رحمه اللَّه تعالى: إن الشكلة طول شق العين: قال القاضي: إنه وهم من سماك باتفاق العلماء وغلط ظاهر، فقد اتفق العلماء وأصحاب الغريب أن الشهلة حمرة في سواد العين كالشكلة في البياض.
الغطف: بغين معجمة وتهمل هو أن يطول شعر الأجفان ثم ينعطف. الوطف: الطويل أيضاً.
الكحل: بالتحريك: سواد يكون في مفاوز أجفان العين خلقة.
الأنجل: يقال عين نجلاء أي واسعة.
الأبرج [ (١) ] العين: بهمزة فموحدة فراء فجيم: من البرج بالتحريك بياض العين محدقا بالسواد كله لا يغيب من سوادها شيء. واللَّه تعالى أعلم.
стр. 601
الباب السادس في سمعه الشريف ﷺ
كان ﷺ يسمع ما لا يسمعه الحاضرون مع سلامة حواسهم من مثل الذي سمعه.
وروى ابن عساكر عن أبي هريرة رضي اللَّه تعالى عنه قال: كان رسول اللَّه ﷺ تام الأذنين.
وروى الترمذي وابن ماجة عن أبي ذر، وأبو نعيم عن حكيم بن حزام رضي اللَّه تعالى عنهما قالا: قال رسول اللَّه ﷺ : «تسمعون ما أسمع؟» قالوا ما نسمع من شيء قال: إني لأرى ما لا ترون وأسمع ما لا تسمعون، إني أسمع أطيط السماء وما تلام أن تئط وما فيها موضع شبر إلا وعليه ملك ساجد أو قائم.»
وقال زيد بن ثابت [ (١) ] رضي اللَّه تعالى عنه: بينا النبي ﷺ على بغلة له إذ حادت به فكادت تلقيه وإذا أقبر ستة أو خمسة أو أربعة، فقال من يعرف أصحاب هذه الأقبر؟ فقال رجل:
أنا. فقال: متى مات هؤلاء؟ قال: ماتوا في الإشراك، فأعجبه ذلك فقال: «أن هذه الأمة تبتلى في قبورها، فلولا أن لا تدافنوا لدعوت اللَّه أن يسمعكم من عذاب القبر الذي أسمع» .
رواه مسلم
[ (٢) ] .
وقال أنس رضي اللَّه تعالى عنه: دخل رسول اللَّه ﷺ حائطا من حيطان المدينة لبني النجار فسمع أصوات قوم يعذبون في قبورهم فحاصت البغلة، فسأل النبي ﷺ : متى دفن هذا؟ قالوا: يا رسول اللَّه دفن هذا في الجاهلية فأعجبه ذلك وذكر نحو الذي قبله.
رواه الإمام أحمد.
وقد ثبت أن الوحي كان يأتي رسول اللَّه ﷺ أحيانا في مثل صلصلة الجرس ويسمعه ويعيه ولا يسمعه أحد من الصحابة.
تنبيهان
الأول: إن قيل: كيف يكون صوت مسموع لسامع في محل لا يسمعه آخر معه وهو
стр. 602
مثله سليم الحاسة عن آفة الإدراك؟
أجيب: بأن الإدراك معنى يخلقه اللَّه تعالى لمن يشاء ويمنعه لمن يشاء وليس بطبيعة ولا وتيرة واحدة.
الثاني: في بيان غريب ما تقدم:
الأطيط: صوت الأقتاب وأطيط الإبل أصواتها وحنينها، أي أن كثرة ما في السماء من الملائكة قد أثقلها حتى أطت.
قال في النهاية: وهذا مثل وإيذان بكثرة الملائكة وإن لم يكن ثم أطيط، وإنما هو كلام تقريب أريد به تقرير عظمة اللَّه تعالى.
قلت: وفيه نظر لقوله:
«إني لأسمع أطيط السماء» .
حادت: مالت عند نفارها عن سنن طريقها.
حاصت: بحاء فصاد مهملتين: نفرت وكرت راجعة من خوف ما سمعت.
стр. 603
الباب السابع في صفة انفه الشريف وخديه ﷺ
روى الترمذي عن هند بن أبي هالة وابن عساكر عن علي رضي اللَّه تعالى عنهما قالا: كان رسول اللَّه ﷺ أقنى العرنين.
زاد هند: له نور يعلوه، يحسبه من لم يتأمله أشم وليس بأشم.
وقال رجل من الصحابة رضي اللَّه تعالى عنهم: كان رسول اللَّه ﷺ دقيق الأنف. رواه البيهقي.
وقال هند بن أبي هالة رضي اللَّه تعالى عنه: كان رسول اللَّه ﷺ سهل الخدين. رواه الترمذي.
وقال أبو هريرة رضي اللَّه تعالى عنه: كان رسول اللَّه ﷺ أسيل الخدين.
رواه محمد بن يحيى الذهلي في الزهريات وابن عساكر.
وقال علي رضي اللَّه تعالى عنه: كان رسول اللَّه ﷺ سهل الخدين دقيق العرنين.
رواه ابن عساكر من طرق.
وقال أبو بكر رضي اللَّه تعالى عنه: كان رسول اللَّه ﷺ أبيض الخد.
رواه ابن عساكر.
وقال أبو هريرة رضي اللَّه تعالى عنه: كان رسول اللَّه ﷺ أبيض الخدين.
رواه أبو الحسن بن الضحاك.
تفسير الغريب
العرنين: بكسر العين وسكون الراء المهملة وكسر النون: الأنف. والقنى فيه: طوله ودقة أرنبته مع ارتفاع في وسطه.
الشمم: ارتفاع قصبة الأنف واستواء أعلاها وإشراف الأرنبة قليلا، والمعنى أنه ﷺ لحسن قنى أنفه واعتدال ذلك يحسب قبل التأمل أنه أشم وليس كذلك. قاله في النهاية.
السهل الخدين: أي ليس في خديه نتوء وارتفاع. وقيل أراد أن خديه ﷺ أسيلان قليلا اللحم رقيقا الجلد، كما في حديث أبي هريرة.
стр. 604
الباب الثامن في صفة فمه ﷺ وأسنانه وطيب ريقه وبعض الآيات فيه
قال هند بن أبي هالة رضي اللَّه تعالى عنه: كان رسول اللَّه ﷺ ضليع الفم، أشنب [ (١) ] ، مفلج الأسنان، يفتر عن مثل حب الغمام.
رواه الترمذي وأبو الشيخ.
وقال جابر بن سمرة رضي اللَّه تعالى عنه: كان رسول اللَّه ﷺ ضليع الفم.
رواه الإمام أحمد والبخاري ومسلم [ (٢) ] .
وقال علي رضي اللَّه تعالى عنه: كان رسول اللَّه ﷺ براق الثنايا.
رواه ابن عساكر.
وقال أبو هريرة رضي اللَّه تعالى عنه: كان رسول اللَّه ﷺ حسن الثغر.
رواه البيهقي.
وقال علي رضي اللَّه تعالى عنه: كان رسول اللَّه ﷺ مفلج الثنايا.
رواه ابن سعد وأبو الشيخ.
وقال أنس رضي اللَّه تعالى عنه: شممت العطر كله فلم أشم نكهة أطيب من رسول اللَّه ﷺ .
رواه ابن سعد وأبو الشيخ.
وقال وائل بن حجر رضي اللَّه تعالى عنه: أتى رسول اللَّه ﷺ بدلو من ماء فشرب من الدلو ثم صب في البئر أو قال ثم مج في البئر. ففاح منها مثل رائحة المسك.
رواه الإمام أحمد وابن ماجة.
ورواه الإمام أبو الحسن بن الضحاك بلفظ: أتي بدلو فتوضأ منه فتمضمض ومج مسكا أو أطيب من المسك وانتشر خارجا منه.
وقال أبو هريرة رضي اللَّه تعالى عنه: كان رسول اللَّه ﷺ إذا ضحك كاد يتلألأ في الجدر لم أر قبله ولا بعده مثله.
رواه محمد بن يحيى الذهلي في الزهريات. وأبو الحسن بن الضحاك وابن عساكر.
стр. 605
وقال أنس رضي اللَّه تعالى عنه: بزق رسول اللَّه ﷺ في بئر بدار نا فلم يكن بالمدينة بئر أعذب منها.
رواه أبو نعيم.
وقالت عميرة بنت سمعود الأنصارية [ (١) ] رضي اللَّه تعالى عنه: دخلت على رسول اللَّه ﷺ أنا وأخواتي وهن خمس فوجدنا يأكل قديدا فمضغ لهن قديدة ثم ناولني القديدة فقسمتها بينهن. وفمضغت كل واحدة قطعة فلقين اللَّه وما وجد لأفواههن خلوف.
رواه الطرانى.
وقالت أم عاصم امرأة عتبة بن فرقد رضي اللَّه تعالى عنها: كنا نتطيب ونجهد لعتبة بن فرقد أن نبلغه فما نبلغه وربما لم يمسّ عتبة طيبا، فقلنا له فقال: أخذني البثر على عهد رسول اللَّه ﷺ ، فأتيت، فتفل في كفه ثم مسح جلدي، فكنت من أطيب الناس ريحا.
رواه البخاري في التاريخ والطبراني وأبو الحسن بن الضحاك.
وقال أبو أمامة رضي اللَّه تعالى عنه: جاءت امرأة بذيئة اللسان إلى النبي ﷺ وهو يأكل قديداً، فقالت: ألا تطعمني؟ فناولها مما بين يديه، فقالت: لا إلا الذي في فيك. فأخرجه فأعطاها فألقته في فمها فأكلته فلم يعلم منها بعد ذلك الأمر الذي كانت عليه من البذاء والذرابة رواه الطبراني.
وقال محمد بن ثابت بن قيس بن شماس [ (٢) ] : أن أباه فارق أمه وهي حامل به، فلما ولدته حلفت أن لا تلبنه من لبنها. فدعا به رسول اللَّه ﷺ فبصق في فيه وقال اختلف به فإن اللَّه رازقه فأتيته به اليوم الأول والثاني الثالث.
رواه البيهقي.
ويرحم اللَّه تعالى القائل حيث قال:
стр. 606
بحر من الشهد في فيه مراشفه ... ياقوت من صدف فيه جواهره
ويرحم اللَّه تعالى القائل أيضا:
جني النّخل في فيه وفيه حياتنا ... ولكنه من لي بلثم لثامه
رحيق الثّنايا والثاني تنفست ... إذا قال عن فتح بطيب ختامه
وقال أبو جعفر محمد بن علي رحمه اللَّه تعالى: بينهما الحسن بن علي مع رسول اللَّه إذ عطش فاشتد ظمؤه فطلب له النبي ﷺ ماء فلم يجد فأعطاه لسانه فمصه حتى روي.
رواه ابن عساكر. وهو منقطع. ورواه عن أبي هريرة وزاد: الحسين.
وقال ابن عباس رضي اللَّه تعالى عنهما: كان رسول اللَّه ﷺ أفل الثنيتين. زاد أبو الحسن بن الضحاك: والرّباعيّتين. انتهى.
إذ تكلم رئي كالنور يخرج من بين ثناياه.
رواه أبو زرعة الرازي [ (١) ] في دلائله والدارمي والترمذي وأب الحسن بن لضحاك وسنده جيد.
وقال سهل بن سعيد رضي اللَّه تعالى عنه: قال رسول اللَّه ﷺ يوم خيبر: لأعطين الراية غدا رجلا يفتح اللَّه على يديه، يحب اللَّه ورسوله ويحبه اللَّه ورسلوه. فلما أصبح الناس غدوا على رسول اللَّه ﷺ كلهم يرجو أن يعطاها. قال:. ين بن أبي طالب؟ فقالوا: هو يشتكي عينيه. قال: فأرسلوا إليه. فأتي به فبصق رسول اللَّه ﷺ في عينيه فبرأ حتى كأن لم يكن به وجع. الحديث رواه الشيخان
[ (٢) ] .
وقال أبو قرصافة- بكسر القاف رضي اللَّه تعالى عنه: بايعنا رسول اللَّه ﷺ أنا وأمي وخالتي فلما رجعنا قال أمي وخالتي: يا بني ما رأينا مثل هذا الرجل لا أحسن وجها ولا أنقى ثوبا ولا ألين كلاما، ورأينا كالنو. ر يخرج من فيه.
رواه البيهقي.
تنبيه في بيان غريب ما سبق
الضليع: بضاد معجمة وعين مهملة- قالوا في النهاية: أي عظيم الفم وقيل واسعه
стр. 607
والعرب تمدح عظم الفم وتذم صغره.
قال الإمام النوري: وهذا قول الأكثر وهو الأظهر. والضليع: العظيم الخلق، الشديد وقال غيره: المهزول الذابل. وهو في صفته ﷺ ذبول شفتيه ورقتهما وحسنها.
الشنب: بشين معجمة فنون مفتوحة فموحدة: البياض والبريق والتحديد في الأسنان وقيل هو بردها وعذوبتها.
الفلج بالتحريك: تباعد ما بين الثنايا والرباعيات.
يفتر- بمثناة تحتية ففاء ففوقية مضمومة أي يظهر أسنانه.
حب الغمام: البر بفتحتين به ثغره في بياضه وصفائه وبرده. الثّغر هنا: الثايا.
مج الماء من فيه: محاز من باب رمي: الخلوف: كالقعود تغير رائحة الفم.
الذّاربة: الفحش.
البذاء في المنطق. بالفتح والمد والذال المعجمة: السفه والفحش.
تلبنه: بالمثناة الفوقية فلام فموحدة فنون: ترضعه.
الثنايا: جمع ثنية وهي أربع من الأسنان.
بصق بالصاد المهملة ويقال بالسين أيضاً.
стр. 608
الباب التاسع في صفة لحيته الشريفة وشيبه ﷺ
قال هند بن أبي هالد رضي اللَّه تعالى عنه: كان رسول اللَّه ﷺ كث اللحية.
رواه الترمذي ورواه ابن عساكر عن عمر بن الخطاب رضي اللَّه تعالى عنه.
وقال علي رضي اللَّه تعالى عنه كان رسول اللَّه ﷺ عظيم اللحية.
رواه البيهقي وابن عساكر وابن الجوزي
وقال جبير بن مطعم رضي الله تعالى عنه: كان رسول اللَّه ﷺ ضخم اللحية. رواه أَبو الحسن بن الضحاك.
وقال أَبو هريرة رضي اللَّه تعالى عنه: كان رسول اللَّه ﷺ أَسود اللحية.
رواه البيهقي وابن عساكر.
وقال سعد بن أبي وقاص رضي اللَّه تعالى عنه: كان رسول اللَّه ﷺ شديد سواد الرأس واللحية.
رواه ابن عساكر.
وقال أنس بن مالك رضي اللَّه تعالى عنه: كانت لحية رسول اللَّه ﷺ قد ملأت من هاهنا إلى هاهنا. رواه ابن عساكر.
وقال الحافظ أبو بكر أحمد بن أبي خيثمة رحمه اللَّه تعالى: كانت عنفقته ﷺ بارزة ونبكاه حول العنفقة كأنهما بياض اللؤلؤة، في أسف عنفقته شعر منقاد حتى يقع انقيادها على شعر اللحية حتى يكون كأنه منها.
وقال أبو ضمضم رحمه للَّه تعالى: نزلت بالرّجيجح [ (١) ] فقيل ها هنا رجل يقال له أسعد بن خالد رأى النبي ﷺ فأتيته فقلت: رأيت رسول اللَّه ﷺ ؟ قال: نعم رأيته كان رجلا مربوعا حسن السبلة.
رواه الدينوري وابن عساكر.
وقال. أيضاً كان رسول اللَّه ﷺ كثير شعر الرأس واللحية.
رواه مسلم وابن أبي خيثمة واللفظ له.
стр. 609
وقال جابر بن سمرة رضي اللَّه تعالى عنه: شمط مقدم رسول اللَّه ﷺ ولحيته وكان إذا ادهن لم يتبين فإذا لم يدهن تبين.
رواه مسلم.
وقال ربيعة بن أبي عبد الرحمن [ (١) ] عن أنس رضي اللَّه تعالى عنه: ليس في شعر رسول اللَّه ﷺ ولحيته عشرون شعرة بيضاء.
رواه الشيخان.
وقال ثابت عن أنس رضي اللَّه تعالى عنه: ما كان في رأس رسول اللَّه ﷺ ولا لحيته إلا سبع عشرة أو ثماني عشرة شعرة بيضاء.
رواه ابن سعد بسند صحيح.
ورواه أبو الحسن بن الضحاك بلفظ أربع عشرة بيضاء.
وقال حميد عنه: لم يكن في لحية رسول اللَّه ﷺ عشرون شعرة بيضاء.
قال حميد: كن سبع عشرة.
رواه ابن أبي خيثمة.
وقال قتادة عنه: لم يخضب رسول اللَّه ﷺ إنما كان في عنفقته وفي الصدغين وفي الر. س نبذ.
رواه مسلم.
وقال أبو بكر بن عياش [ (٢) ] رحمه اللَّه تعالى: قلت لربيعة: جالست أنساً؟ قال: نعم.
وسمعته يقول: شاب رسول اللَّه ﷺ عشرين شيبة هاهنا. يعني العنفقة.
رواه ابن خيثمة.
وقال ابن عمر رضي اللَّه تعالى عنهما: كان شيب رسول اللَّه ﷺ عليه نحوا من عشرين شعرة بيضاء في مقدمه رواه ابن إسحاق وابن حبان والبيهقي.
стр. 610
وقال أبو جحيفة رضي اللَّه تعالى عنه: رأيت رسول اللَّه ﷺ ورأيت بياضا تحت شفته السفلى العنفقة [ (١) ] .
رواه البخاري.
ورواه الإسماعيلي بلفظ: «من تحت شفته السفلى مثل موضع إصبع العنفقة» .
وفي لفظ له. رأيت النبي ﷺ شابت عنفقته.
وقال عبد اللَّه بن بسر- بضم الموحدة وسكون المهملة- المازني رضي اللَّه تعالى عنه: كان في عنفقة رسول اللَّه ﷺ شعرات بيض.
رواه البخاري.
وفي رواية عند الإسماعيلي: إنما كانت شعرات بيضا.
وقال أبو إياس رحمه اللَّه تعالى: سئل أنس عن شيب رسول اللَّه ﷺ فقال: ما شانه اللَّه تعالى بيضاء.
رواه ابن عساكر. وقال: لعل أنسا أراد بلحية بيضاء. فقد روى عنه وعن غيره من الصحابة رضي اللَّه تعالى عنهم أنه شاب بعض شعره ﷺ وأشار إلى العنفقة.
وروى ابن سعد وأبو نعيم عن ابن سيرين [ (٢) ] رحمه اللَّه تعالى قال: سئل أنس رضي اللَّه تعالى عنه عن خضاب رسول اللَّه ﷺ فقال: إن رسول اللَّه ﷺ لم يكن شاب إلا يسيرا ولكن أبا بكر وعمر خضابه بعد بالحناء والكتم.
وروى ابن عساكر عن أنس رضي اللَّه تعالى عنه إن رسول اللَّه ﷺ صفر لحيته وما فيها عشرون شعرة بيضاء.
وقال قتادة: سألت أنسا: هل خضب رسول اللَّه ﷺ ؟ قال: لا إنما كان شيء في صدغيه.
رواه البخاري ولفظه: قال: لم يخضب رسول اللَّه ﷺ إنما كان البياض في عنفقته وفي صدغيه. نبذ: أي متفرّق.
стр. 611
وقال محمد بن سيرين رحمه اللَّه تعالى: سألت أنسا أكان رسول اللَّه ﷺ يخضب؟
قال: لم يبلغ الخضاب.
رواه الشيخان.
ولمسلم عن أنس رضي اللَّه تعالى عنه: «ولو شئت أن أعد شمطات كن في رأس رسول اللَّه ﷺ لفعلت» [ (١) ] .
فائدة
روى ابن سعد عن يونس بن طلق بن حبيب رحمه اللَّه تعالى أن حجاما أخذ من شارب رسول اللَّه ﷺ فرأى شيبة في لحيته فأهوى إليها، فأمسك النبي- ﷺ بيده وقال: «من شاب شيبة في الإسلام كانت له نورا يوم القيامة» .
تنبيهات
الأول: قال الحافظ رحمه اللَّه تعالى: عرف من مجموع الروايات أن الذي شاب في عنفقته ﷺ أكثر من الذي شاب في غيرها. وقول أنس لما سأله قتادة هل خضب؟: «إنما كان شيء في صدغيه» أراد أنه لم يكن في شعره ما يحتاج إلى الخضاب. وقد صرح بذلك في رواية محمد بن سيرين السابقة.
الثاني: اختلف في عدد الشعرات التي شابت في رأسه ﷺ ولحيته. فمقتضى حديث عبد اللَّه بن بسر [ (٢) ] أن شيبه ﷺ كان لا يزيد على عشر شعرات لإيراده بصيغة القلة. وفي رواية ابن سعد: لم يبلغ ما في لحيته من الشعر عشرين شعرة. قال حميد: وأومأ إلى عنفقته سبع عشرة.
وروى أيضا عن ثابت عن أنس رضي اللَّه تعالى عنه قال: ما كان في رأس رسول اللَّه ﷺ ولحيته إلا سبع عشرة أو ثماني عشرة.
وروى ابن أبي خيثمة عن أنس رضي اللَّه تعالى قال: لم يكن في لحية رسول اللَّه ﷺ عشرون شعرة بيضاء. قال حميد: كن سبع عشرة.
وروى الحاكم من طريق عبد اللَّه بن محمد بن عقيل [ (١) ] عن أنس رضي اللَّه تعالى عنه
стр. 612
قال: لو عددت ما أقبل من شيبه ﷺ في رأسه ولحيته ما كنت أزيدهن على إحدى عشرة.
وجمع العلامة البلقيني بين هذه الروايات بأنها تدل على أن شعراته البيض لم تبلغ عشرين شعرة، والرواية الثانية توضح أن ما دون العشرين كان سبع عشرة، فيكون كما ذكرناه:
العشرة في عنفقته والزائد عليها يكون في بقية لحيته لأنه قال في الرواية الثالثة: لم يكن في لحية رسول اللَّه ﷺ عشرون شعرة بيضاء، واللحية تشمل العنفقة وغيرها. وكون العشرة في العنفقة بحديث عبد اللَّه [ (١) ] بن بسر والبقية بالأحاديث الأخر في بقية لحيته. وكون حميد أشار إلى عنفقته سبع عشرة ليس يعلم ذلك من نفس الحديث، والحديث لا يدل إلى على ما ذكرنا من التوفيق. وأما الرواية الرابعة فلا تنافي كون العشرة على العنفقة والزائد على غيرها. وهذا الموضع موضع تأمل. انتهى.
الثالث: سيأتي الكلام في خصائصه ﷺ في أبواب زينته.
الرابع: في بيان غريب ما سبق.
الكثه: بفتح الكاف وثاء مثلثة- أي فيها كثاثة واستدارة وليست بطويلة.
السبلة: بالتحريك- مقدم اللحية وما انحدر منها على الصدر. وقيل: هي الشعرات التي تحت اللحى الأسفل. وقيل: الشارب.
الرجيج [ (٢) ] :
شمط: بالكسر شمطا: خالط سواد لحيته بياض فهو أشمط. والمرأة في رأسها كذلك فهي شمطاء.
أبو جحيفة: بجيم مضمومة فحاء مهملة ومثناة تحتية ساكنة ففاء- واسمه وهب بن عبد اللَّه السوائي بضم السين.
العنفقة: ما بين الذقن والشفة السفلى، سواء كان عليه شعر أم لا. ويطلق على الشعر أيضاً. وقوله: «تحت شفته السفلى العنفقة» بجر العنفقة بدل من الشفة. وبنصبها وإعراب عنفقة كما تقدم.
الصدغ: بالضم: ما بين لحظ العين إلى أصل الأذن ويطلق على الشعر المتدلي عليه والجمع أصداغ، مثل قفل وأقفال.
стр. 613
الباب العاشر في صفة وجهه ﷺ
سئل البراء بن عازب رضي اللَّه تعالى عنه أكان وجه رسول اللَّه ﷺ مثل السيف؟ قال:
لا بل مثل القمر.
رواه البخاري والترمذي [ (١) ] .
وسئل جابر بن سمرة رضي اللَّه تعالى عنه: أكان وجه رسول اللَّه ﷺ مثل السيف؟
قال: لا بل مثل الشمس والقمر مستديرا.
رواه مسلم [ (٢) ] .
وقال البراء رضي اللَّه تعالى عنه: كان رسول اللَّه ﷺ أحسن الناس وجها وأحسنهم خلقا.
رواه الشيخان [ (٣) ] .
وقال علي رضي اللَّه تعالى عنه: لم يكن رسول اللَّه ﷺ بالمطهم ولا المكلثم، وكان في وجهه تدوير.
رواه البيهقي وابن عساكر من طرق.
وقال هند بن أبي هالة رضي اللَّه تعالى عنه: كان رسول اللَّه ﷺ فخما مفخما يتلألأ وجهه تلألؤ القمر ليلة البدر.
رواه الترمذي وغيره.
وقال علي رضي اللَّه تعالى عنه: كان في وجه رسول اللَّه ﷺ تدوير.
رواه مسلم والبيهقي.
وقال أبو عبيد: يريد ما كان في غاية التدوير بل كان فيه سهولة وهي أحلى عند العرب.
وقالت أم معبد رضي اللَّه تعالى عنها: رأيت رجلا ظاهر الوضاءة: متبلج الوجه.
رواه الحارث بن أسامة وغيره.
وقالت عائشة رضي اللَّه تعالى عنها: كان رسول اللَّه ﷺ أحسن الناس وجها وأنورهم لونا.
стр. 614
رواه ابن الجوزي.
وقال أبو بكر رضي اللَّه تعالى عنه: كان وجه رسول اللَّه ﷺ كدارة القمر.
رواه أبو نعيم.
وقال أبو هريرة رضي اللَّه تعالى عنه: ما رأيت أحسن من رسول اللَّه ﷺ كأن الشمس تخرج من وجهه.
رواه ابن الجوزي.
وقالت امرأة حجت مع رسول اللَّه ﷺ فقال لها أبو إسحاق الهمداني: شبهيه لي.
قالت: كالقمر ليلة البدر، لم أر قبله ولا بعده مثله.
رواه البيهقي.
ويروى عن عائشة رضي اللَّه تعالى عنها قالت: كنت أخيط الثوب فسقطت الإبرة فطلبتها فلم أقدر عليها، فدخل رسول اللَّه ﷺ فتبينت الإبرة بشعاع وجه رسول اللَّه ﷺ .
رواه ابن عساكر.
ويروى عن ابن عباس رضي اللَّه تعالى عنهما. قال: لم يكن لرسول اللَّه ﷺ ظل ولم يقم مع شمس إلا غلب ضوؤه ضوءة الشمس ولم يقم مع سراج إلا غلب ضوؤه ضوء السراج.
رواه ابن الجوزي.
وقال كعب بن مالك رضي اللَّه تعالى عنه: كان رسول اللَّه ﷺ إذا سر استنار وجهه كأنه قطعة قمر فكنا نعرف ذلك منه [ (١) ] .
رواه الشيخان وأبو داود والنسائي.
وقالت عائشة رضي اللَّه تعالى عنها: أقبل رسول اللَّه ﷺ مسرورا تبرق أسارير وجهه.
رواه الشيخان [ (٢) ] .
وقال أنس كان رسول اللَّه ﷺ إذا سر كأن وجهه المرآة، وكأن الجدر تلاحك وجهه.
أورده ابن الأثير في النهاية.
تنبيهات
الأول: قال الحافظ: قوله: «كأنه قطعة قمر» لعله ﷺ كان حينئذ متلثّما، والموضع
стр. 615
الذي يتبين فيه السرور هو جبينه وفيه يظهر السرور، وكأن الشبه وقع على بعض الوجه فناسب أن يشبه ببعض القمر.
وقال في المغازي في قصة توبة كعب: ويسأل عن السر في التقييد بالقطعة مع كثرة.
ما ورد في كلام البلغاء من تشبيه الوجه بالقمر بغير تقييد. وقد تقدم تشبيههم له بالشمس طالعة وغير ذلك. وكان كعب قائل هذا من شعراء الصحابة وحاله في ذلك مشهور، وما قيل في ذلك من الاحتراز من السواد الذي في القمر ليس بقوي، لأن المراد بتشبيهه ما في القمر من الضياء والاستنارة وهو في تمامه لا يكون فيها أقل مما في القطعة المجردة. ويحتمل أن يكون أراد بقوله «قطعة قمر» القمر نفسه.
وقد روى الطبراني حديث كعب بن مالك من طرق في بعضها: «كأنه دارة قمر» .
وروى النسائي عن ابن مسعود رضي اللَّه تعالى عنه في قصة صلاة النبي ﷺ يوم بدر وسؤاله ربه ﵎ قال: ثم التفت إلينا رسول اللَّه ﷺ كان شقة وجهه القمر فقال: هذه مصارع القوم العشية.
ووقع في حديث جبير بن مطعم عند الطبراني: التفت إلينا رسول اللَّه ﷺ بوجهه مثل شقة القمر. فهذا محمول على صفته ﷺ عند الالتفات.
الثاني: هذه التشبيهات الواردة في صفاته ﷺ إنما هي على عادة الشعراء والعرب، وإلا فلا شيء من هذه المحدثات يعادل صفاته ﷺ .
ويرحم اللَّه تعالى القائل حيث قال:
كالبدر والكاف إن أنصفت زائدة ... فلا تظننها كافا لتشبيه
ويرحم اللَّه تعالى القائل أيضاً:
يقولون يحكي البدر في الحسن وجهه ... وبدر الدجى عن ذلك الحسن منحط
كما شبهوا غصن النقا بقوامه ... لقد بالغوا بالمدح للغصن واشتطوا
وقد تقدم في أبيات سيدي على وفا إشارة إلى هذا.
الثالث: قال الحافظ أبو الخطاب بن دحية رحمه اللَّه تعالى: كان وجه رسول اللَّه ﷺ مستديرا فأراد البراء أن يزيل ما توهمه القائل من معنى الطول الذي في السيف إلى معنى الاستدارة التي في القمر، لأن القمر يؤنس كل من شاهده ويجمع النور من غير أذى حر ويتمكن من النظر إليه بخلاف الشمس التي تعشي البصر فتمنع من الرؤية.
وقال الحافظ في الفتح: ويحتمل أن يكون أراد مثل السيف في اللمعان والصقالة فقال
стр. 616
البراء: لا بل مثل القمر الذي فوق السيف في ذلك، لأن القمر يشمل التدوير واللمعان بل التشبيه به أبلغ وأشهر. وإنما قال جابر بن سمرة «كان مستديرا» لينبه على أنه جمع الصفتين لأن قوله مثل السيف يحتمل أن يريد به السائل الطول واللمعان، فرده المسؤول ردا بليغا، ولما جرى التعارف في أن التشبيه بالشمس إنما يراد به غالبا الإشراق، والتشبيه بالقمر إنما يراد به الملاحة دون غيرها أتى بقوله «وكان مستديرا» إشارة إلى أنه أراد التشبيه بالصفتين معا:
الحسن والاستدارة.
الرابع: في بيان غريب ما سبق:
المطهم: بميم مضمومة فطاء مهملة فهاء مشددة مفتوحتين: وهو المنتفخ الوجه.
المكلثم: بميم مضمومة فكاف مفتوحة فلام ساكنة فثاء مثلثة مفتوحة- وهي من الوجه القصير الحنك الداني الجبهة المستدير مع خفة اللحم.
فخما: بفاء مفتوحة فخاء معجمة ساكنة: أي عظيما.
مفخما: بميم مضمومة فخاء معجمة مفتوحة مشددة اسم مفعول: أي معظما في الصدور والعيون.
المتبلج والأبلج: الحسن المشرق المضيء، ولم ترد به بلج الحواجب لأنها وصفتها بالقرن.
دارة القمر: الهالة حوله.
سر: بضم أوله مبنيا للمفعول من السرور.
استنار: أضاء وتنور.
الأسارير: جمع أسرار، وهي جمع السرر، وهي الخطوط التي تكون في الجبهة.
وبرقانها يكون عند الفرح.
الملاحكة [ (١) ] بالفتح شدة الملاءمة، أي يرى شخص الجدر في وجهه ﷺ .
واللَّه تعالى أعلم.
стр. 617
الباب الحادي عشر في صفة عنقه ﷺ وبعد ما بين منكبيه وغلظ كتده
قالت أم معبد رضي اللَّه تعالى عنها: كان في عنق رسول اللَّه ﷺ سطع.
رواه الحارث بن أبي أسامة.
وقال هند بن أبي هالة رضي اللَّه تعالى عنه: كان عنق رسول اللَّه ﷺ كجيد دمية في صفاء الفضة.
رواه الترمذي.
وقال عمر بن الخطاب رضي اللَّه تعالى عنه فيما رواه ابن عساكر، وعلي بن أبي طالب فيما رواه ابن سعد وأبو نعيم والبيهقي: كأن عنق رسول اللَّه ﷺ إبريق فضة.
وروى الإمام أحمد والشيخان عن البراء بن عازب رضي اللَّه تعالى عنه: والإمام أحمد والبيهقي عن أبي هريرة، والترمذي عن هند رضي اللَّه تعالى عنهم قالوا: كان رسول اللَّه ﷺ بعيد ما بين المنكبين [ (١) ] .
وروى الترمذي عن علي رضي اللَّه تعالى عنه قال: كان رسول اللَّه ﷺ جليل المشاش والكتد.
وقال أنس رضي اللَّه تعالى عنه: أن رسول اللَّه ﷺ حين سأله الناس فأعطاهم الحديث وفيه: فجذبوا ثوبه حتى بدا منكبه فكأنما أنظر حين بدا منكبه إلى شقة القمر من بياضه ﷺ .
رواه أبو الحسن بن الضحاك.
وقال أبو هريرة رضي اللَّه تعالى عنه: كان رسول اللَّه ﷺ إذا وضع رداءه عن منكبيه فكأنه سبيكة فضة.
رواه البزّار والبيهقي وابن عساكر.
وقال الحافظ أبو بكر بن أبي خيثمة في تاريخه: كان رسول اللَّه ﷺ أحسن الناس عنقا، ما ظهر من عنقه للشمس والرياح فكأنه إبريق فضة مشرب ذهبا يتلألأ في بياض الفضة وحمرة الذهب. وما غيبت الثياب من عنقه فما تحتها فكأنه القمر ليلة البدر.
[تفسير الغريب]
السطع: بالتحريك طول العنق.
стр. 618
الجيد: بكسر الجيم وسكون المثناة التحتية: العنق.
الدمية- بضم الدال المهملة وإسكان الميم ومثناة تحتية مفتوحة- الصورة المصورة سميت بذلك، لأن الصانع يتفوق في صنعها وتحسينها، شبه عنقه ﷺ بالفضة في صفائها.
المنكب: بفتح أوله وسكون ثانيه وكسر ثالثه: مجتمع رأس العضد والكتف. وبعد ما بين المنكبين يدل على سعة الصدر والظهر.
المشاش: بضم الميم وشينين معجمتين: رؤوس العظام: كالمرفقين والكعبين والركبتين.
وقال الجوهري. رؤوس العظام اللينة التي يمكن مضغها.
الكتد: بكاف فمثناة مفتوحتين فدال مهملة مجتمع الكتفين.
واللَّه تعالى أعلم.
стр. 619
الباب الثاني عشر في صفة ظهره ﷺ وما جاء في صفة خاتم النبوة
قال محرش- بضم الميم وفتح المهملة وقيل معجمة وكسر الراء بعدها معجمة، ابن عبد اللَّه الكعبي رضي اللَّه تعالى عنه: اعتمر رسول اللَّه ﷺ من الجعرانة ليلا فنظرت إلى ظهره كأنه سبيكة فضة.
رواه الإمام أحمد ويعقوب بن سفيان.
فصل اختلف في صفة خاتم النبوة على أقوال كثيرة متقاربة المعنى .
أحدها: أنه مثل زر الحجلة.
روى الشيخان عن السائب بن يزيد رضي اللَّه تعالى عنه قال: قمت خلف ظهر رسول اللَّه ﷺ وسلم فنظرت إلى خاتم النبوة بين كتفيه مثل زر الحجلة [ (١) ] .
الثاني: أنه كالجمع:
روى مسلم عن عبد اللَّه بن سرجس [ (٢) ]- بفتح المهملة وسكون الراء وكسر الجيم بعدها مهملة- رضي اللَّه تعالى عنه قال: نظرت إلى خاتم النبوة بين كتفيه عند نغض كتفه اليسرى جمعا عليه خيلان كأمثال الثآليل [ (٣) ] .
الثالث: أنه كبيضة الحمامة.
روى مسلم والبيهقي عن جابر بن سمرة رضي اللَّه تعالى عنه قال: رأيت خاتم النبوة بين كتفي النبي ﷺ مثل بيضة الحمامة يشبه جسده [ (٤) ] .
وروى أبو الحسن بن الضحاك عن سلمان رضي اللَّه تعالى عنه قال: رأيت الخاتم بين كتفي رسول اللَّه ﷺ مثل بيضة الحمامة.
الرابع: أنه شعر مجتمع.
روى الإمام أحمد والترمذي والحاكم وصححه وأبو يعلى والطبراني من طريق علباء
стр. 620
بكسر المهملة وسكون اللام بعدها موحدة- ابن أحمر- بحاء مهملة وآخره راء- عن أبي يزيد عمرو بن أخطب، بالخاء المعجمة، الأنصاري رضي اللَّه تعالى عنه قال: قال رسول اللَّه ﷺ : اذن فامسح ظهري. فدنوت ومسحت ظهره ووضعت أصابعي على الخاتم. فقيل له: ما الخاتم؟ قال: شعر مجتمع عند كتفه [ (١) ] .
ورواه أبو سعد النيسابوري بلفظ شعرات سود.
الخامس: أنه كالسلعة.
روى الإمام أحمد وابن سعد والبيهقي من طرق عن أبي رمثة- بكسر الراء وسكون الميم فثاء مثلثة- رضي اللَّه تعالى عنه قال: انطلقت مع أبي إلى رسول اللَّه ﷺ فنظرت إلى مثل السلعة بين كتفيه [ (٢) ] .
السادس: أنه بضعة ناشزة.
روى الترمذي عن أبي سعيد الخدري رضي اللَّه تعالى عنه قال: الخاتم الذي بين كتفي رسول اللَّه ﷺ بضعة ناشزة.
وفي لفظ عند البخاري في التاريخ والبيهقي: لحمة نائتة ولأحمد: لحم ناشز بين كتفيه [ (٣) ] .
السابع: أنه مثل البندقة.
روى ابن حبان في صحيحه من طريق إسحاق بن إبراهيم قاضي سمرقند: حدثنا ابن جريج عن عطاء عن ابن عمر رضي اللَّه تعالى عنهما قال: كان خاتم النبوة على ظهر النبي ﷺ مثل البندقة من لحم مكتوب فيها: محمد رسول اللَّه.
قال الحافظ أبو الحسن الهيثمي في «مورد الظمآن إلى زوائد ابن حبان» بعد أن أورد الحديث: اختلط على بعض الرواة خاتم النبوة بالخاتم الذي كان يختم به الكتب. انتهى.
ومن خطه نقلت وبخط تلميذه الحافظ على الهامش: البعض المذكور هو إسحاق بن إبراهيم قاضي سمرقند. وهو ضعيف.
وذكر الحافظ ابن كثير نحو ما قال الهيثمي. ولهذا مزيد بيان يأتي في ثامن التنبيهات.
الثامن: أنه مثل التفاحة.
стр. 621
روى الترمذي عن أبي موسى رضي اللَّه تعالى عنه قال: كان خاتم النبوة أسفل من غضروف كتفه ﷺ مثل التفاحة.
التاسع: أنه كأثر المحجم.
روى الإمام أحمد والبيهقي عن التنوخي رسول اللَّه هرقل رضي اللَّه تعالى عنه في حديثه الطويل قال: فإذا أنا بخاتم في موضع غضروف الكتف مثل المحجمة الضخمة.
العاشر: أنه كشامة سوداء تضرب إلى الصفرة.
روي عن عائشة رضي اللَّه تعالى عنها قالت: كان خاتم النبوة كشامة سوداء تضرب إلى الصفرة حولها شعرات متراكبات كأنها عرف الفرس رواه أبو بكر بن أبي خيثمة من طريق صبح بن عبد اللَّه الفرغاني حدثنا عبد العزيز بن عبد الصمد [ (١) ] . وسيأتي في ثامن التنبيهات أنه غير ثابت أيضاً.
الحادي عشر: أنه كشامة خضراء محتضرة في اللحم، قليلا.
نقله ابن أبي خيثمة في تاريخه عن بعضهم. وسيأتي في ثامن التنبيهات أنه غير ثابت أيضاً.
الثاني عشر: أنه كركبة عنز:
روى الطبراني وأبو نعيم في المعرفة عن عباد بن عمر رضي اللَّه تعالى عنه قال: كان خاتم النبوة على طرف كتف النبي ﷺ الأيسر كأنه ركبة عنز، وكان رسول اللَّه ﷺ يكره أن يرى الخاتم.
سنده ضعيف.
الثالث عشر: أنه كبيضة حمامة مكتوب في باطنها: اللَّه وحده لا شريك له. وفي ظاهره: توجه حيث شئت فإنك منصور.
رواه الحكيم الترمذي وأبو نعيم، قال في المورد: وهو حديث باطل. ولهذا مزيد بيان في ثامن التنبيهات.
الرابع عشر: أنه كنور يتلألأ.
رواه ابن عائذ- بعين مهملة ومثناة تحتية وذال معجمة.
стр. 622
الخامس عشر: أنه ثلاث شعرات مجتمعات.
ذكره أبو عبد اللَّه محمد القضاعي- بضم القاف وبضاد معجمة وعين مهملة- رحمه اللَّه تعالى في تاريخه.
السادس عشر: أنه عذرة [ (١) ] كعذرة الحمامة. قال أبو أيوب: يعني قرطمة الحمامة.
رواه ابن أبي عاصم في سيرته.
السابع عشر: أنه كتينة صغيرة تضرب إلى الدهمة.
روي ذلك عن عائشة رضي اللَّه تعالى عنها.
الثامن عشر: أنه كشيء يختم به.
روى ابن أبي شيبة عن عمرو بن أخطب أبي زيد الأنصاري رضي اللَّه تعالى عنه قال:
رأيت الخاتم على ظهر رسول اللَّه ﷺ فقال هكذا بظفره. كأنه يختم.
التاسع عشر: أنه كان بين كتفيه ﷺ كدارة القمر مكتوب فيها سطران: السطر الأول: لا إله إلا اللَّه. وفي السطر الأسفل: محمد رسول اللَّه. رواه أبو الدحداح أحمد بن إسماعيل الدمشقي رحمه اللَّه تعالى في الجزء الأول من سيرته. قال في «المورد» و «الغرر» وهو باطل بين البطلان.
العشرون: أنه كبيضة نعامة. روى ابن حبان في صحيحه عن جابر بن سمرة رضي اللَّه تعالى عنه قال: رأيت خاتم النبوة بين كتفيه ﷺ كبيضة النعامة يشبه جسده [ (٢) ] .
قال الحافظ أبو الحسن الهيثمي في «مورد الظمآن» روى هذا في حديث الصحيح في صفته ﷺ ولفظه: مثل بيضة الحمامة وهو الصواب [ (٣) ] .
قال الحافظ: تبين من رواية مسلم «كركبة عنز» أن رواية ابن حبان غلط من بعض الرواة.
قلت: ورأيت في «إتحاف المهرة» للحافظ شهاب الدين البوصيري رحمه اللَّه تعالى بخطه: «كركبة البعير» وبيض لاسم الصحابي وعزاه لمسند أبي يعلى وهو وهم من بعض رواته كأنه تصحف عليه كركبة عنز بركبة بعير.
ثم رأيت ابن عساكر روى الحديث في تاريخه من طريق أبي يعلى وسمى الصحابي عباد بن عمرو.
стр. 623
وقال الحافظ في الإصابة في سنده من لا يعرف. قلت: وقد تقدم عنه في الثاني عشر أنه كركبة عنز. ولم أظفر به في مجمع الزوائد للهيثمي.
الحادي والعشرون: أنه غدة حمراء.
روى أبو الحسن بن الضحاك عن جابر بن سمرة رضي اللَّه تعالى عنه قال: كان خاتم رسول اللَّه ﷺ غدة حمراء مثل بيضة الحمامة.
تنبيهات
الأول: اختلف في موضع الخاتم من جسده ﷺ : ففي صحيح مسلم: أنه عند نغض كتفه الأيسر. وفي رواية شاذة عن سلمان أنه عند غضروف كتفه اليمنى عزى هذه الرواية الشيخ في الخصائص الكبرى والسخاوي في جمع طرق قصة سلمان من رواية أبي قرة الكندي [ (١) ] عنه لدلائل البيهقي ولم أر ذلك في نسختين منها، لا في الكلام على خاتم النبوة ولا في قصة سلمان، فكأنه في موضع آخر غيرهما.
الثاني: قال العلماء: هذه الروايات متقاربة في المعنى وليس ذلك باختلاف بل كل راو شبه بما نسخ له، فواحد قال كزر الحجلة وهو بيض الطائر المعروف أو زرار البشخاناه. وآخر كبيضة الحمامة. وآخر كالتفاحة وآخر بضعة لحم ناشزة. وآخر لحمة ناتئة. وآخر كالمحجمة.
وآخر كركبة العنز. وكلها ألفاظ مؤداها واحد وهو قطعة لحم.
ومن قال: شعر. فلأن الشعر حوله متراكب عليه كما في الرواية الأخرى.
قال أبو العباس القرطبي في «المفهم» : دلت الأحاديث الثابتة على أن خاتم النبوة كان شيئاً بارزا أحمر عند كتفه ﷺ الأيسر إذا قلل قدر بيضة الحمامة، وإذا كبر قدر جمع اليد.
وذكر نحوه القاضي وزاد: وأما رواية جمع اليد فظاهرها المخالفة، فتتأول على وفق الروايات الكثيرة، ويكون معناها: على هيئة جمع الكف لكنه أصغر منه في قدر بيضة الحمامة.
الثالث: قال السهيلي رحمه اللَّه تعالى: والحكمة في كون الخاتم عند نغض كتفه الأيسر أنه معصوم من وسوسة الشيطان، وذلك الموضع منه يوسوس لابن آدم.
قلت: روى أبو عمر بسند قوي عن عمر بن عبد العزيز رحمه اللَّه تعالى أن رجلا سأل ربه أن يريه موضع الشيطان من ابن أدم فأري جسدا ممهى يرى داخله من خارجه، وأري
стр. 624
الشيطان في صورة ضفدع عند كتفه حذاء قلبه له خرطوم كخرطوم البعوضة وقد أدخله في منكبه الأيسر إلى قلبه يوسوس إليه فإذا ذكر اللَّه تعالى العبد خنس.
قال السهيلي: والحكمة في وضع خاتم النبوة على جهة الاعتبار أنه ﷺ لما ملئ قلبه إيمانا ختم عليه كما يختم على الوعاء المملوء مسكا أو درا، فجمع اللَّه تعالى أجزاء النبوة لسيدنا رسول اللَّه ﷺ وتممه وختم عليه بختمه فلم تجد نفسه ولا عدوه سبيلا إليه من أجل ذلك الختم، لأن الشيء المختوم محروس، وكذلك تدبير اللَّه تعالى لنا في هذه الدار إذا وجد أحدنا الشيء بختمه زال الشك وانقطع الخصام فيما بين الآدميّين، فلذلك ختم رب العالمين في قلبه ختما يطمئن له القلب وألقى فيه النور ونفذت قوة القلب فظهر بين كتفيه كالبيضة.
الرابع: قال الحافظ: مقتضى الأحاديث أن الخاتم لم يكن موجودا عند ولادته ﷺ ، وإنما وضع لما شق صدره عند حليمة وفيه تعقب على من زعم أنه ﷺ ولد به، وهو قول نقله أبو الفتح بلفظ: قيل ولد به وقيل حين وضع. ونقله مغلطاي عن ابن عائذ.
قال الحافظ: وما تقدم أثبت.
قلت: وصححه في «الغرر» وتقدمت الأحاديث التي فيها ذكر الختم في باب شق صدره الشريف ﷺ فراجعها.
ومقتضاها والحديث السابق أول هذا الباب أن الختم تكرر ثلاث مرات: الأول وهو في بلاد بني سعد. والثانية: عند المبعث. والثالثة: ليلة الإسراء، ولم أقف في شيء من أحاديث شق صدره ﷺ وهو ابن عشر سنين على ذكر الخاتم. فاللَّه تعالى أعلم.
الخامس: سئل الحافظ برهان الدين الحلبي رحمه اللَّه تعالى: هل خاتم النبوة من خصائص النبي ﷺ ؟ أو كلّ نبي مختوم بخاتم النبوة؟ فأجاب: لا أستحضر في ذلك شيئاً ولكن الذي يظهر أنه ﷺ خص بذلك لمعان منها: أنه إشارة إلى أنه خاتم النبيين وليس كذلك غيره. ولأن باب النبوة ختم به فلا يفتح بعده أبدا.
وروى الحاكم عن وهب بن منبه رحمه اللَّه تعالى قال: لم يبعث اللَّه نبيا إلا وقد كانت عليه شامة النبوة في يده اليمنى، إلا أن يكون نبينا ﷺ ، فإن شامة النبوة كانت بين كتفيه ﷺ .
فعلى هذا يكون وضع الخاتم بظهر النبي ﷺ مما اختص به عن الأنبياء وجزم به الشيخ رحمه اللَّه تعالى في «أنموذج اللبيب» كما في النسخ الصحيحة خلافا لما وقع في غيرها مما يخالف ذلك.
стр. 625
السادس: قال القاضي رحمه اللَّه تعالى: إن الختم هو أثر شق الملكين لما بين كتفيه.
وتعقبه النووي فقال: هذا باطل لأن الشق إنما كان في صدره ﷺ وبطنه، وقال القرطبي أثره- أي الشق- إنما كان خطا واضحا من صدره إلى مراق بطنه كما في الصحيح. ولم يثبت قط أنه بلغ الشق حتى نفذ من وراء ظهره، ولو ثبت لزم عليه أن يكون مستطيلا من بين كتفيه إلى بطنه أي أسفل بطنه لأنه الذي يحاذي الصدر من مسربته إلى مراقّ البطن. قال: فهذه غفلة من القاضي.
قال الحافظ رحمه اللَّه تعالى: كذا قال. وقد وقفت على مستند القاضي وهو حديث عتبة بن عبد السلمي وفيه أن الملكين لما شقا صدره ﷺ قال أحدهما للآخر خطه فخاطه وختم عليه بخاتم النبوة. انتهى. فلما ثبت أن خاتم النبوة بين كتفيه كان ذلك أثر الختم.
وفهم النووي وغيره أن قوله: «بين كتفيه» متعلق بالشق، وليس كذلك بل هو متعلق بالختم ويؤيده ما في حديث شداد بن أوس عند أبي يعلى وأبي نعيم في الدلائل أن الملك لما أخرج قلبه وغسله ثم أعاده ختم عليه بخاتم في يده من نور فامتلأ نورا وذلك نور النبوة.
فيحتمل أن يكون ظهر من وراء ظهره عند كتفه الأيسر لأن القلب في تلك الجهة.
وفي حديث عائشة عند أبي داود الطيالسي وابن أبي أسامة وأبي نعيم في الدلائل أن جبريل وميكائيل لما تراءيا له عند المبعث «هبط جبريل فسلقني لحلاوة القفا ثم شق قلبي فاستخرجه ثم غسله في طست من ذهب بماء زمزم، ثم أعاده مكانه ثم لأمه ثم ألقاني وختم في ظهري حتى وجدت برد الخاتم في قلبي قال: اقرأ» [ (١) ] وذكر الحديث. هذا مستند القاضي رحمه اللَّه تعالى وليس بباطل.
قلت: وقد تقدم في التنبيه الثالث من كلام السهيلي ما يوضح ما ذكره القاضي فراجعه.
السابع: وقع في حديث شداد بن أوس [ (٢) ] في مغازي ابن عائذ في قصة شق صدره ﷺ وهو في بلاد بني سعد بن بكر «وأقبل وفي يده خاتم له شعاع فوضعه بين كتفيه وثدييه» وهذا قد يؤخذ منه أن الختم وقع في موضعين من جسده ﷺ والعلم عند اللَّه تعالى.
الثامن: قال الحافظ: ما قيل أن الخاتم كان كأثر المحجم أو كالشامة السوداء أو الخضراء مكتوب عليها: لا إله إلا اللَّه محمد رسول اللَّه أو سر فإنك المنصور. ونحو ذلك فلم يثبت من ذلك شيء ولا يغير بما وقع في صحيح ابن حبان فإنه غفل حيث صحح ذلك.
стр. 626
وقال القطب في «المورد» والمحب ابن الشهاب بن الهائم في «الغرر» : إنه حديث باطل. ونقل أبو الخطاب بن دحية رحمه اللَّه تعالى عن الحكيم الترمذي أنه قال: كان الخاتم الذي بين كتفي رسول اللَّه ﷺ كأنه بيضة حمامة مكتوب في باطنها: اللَّه وحده. وفي ظاهرها: توجه حيث شئت فإنك منصور. قال ابن دحية: وهذا غريب واستنكروه.
وتقدم لهذا مزيد بيان في فصل: اختلف في صفة خاتم النبوة فراجعه.
التاسع: قيل أن الخاتم النبوي الذي كان بين كتفيه ﷺ رفع عند وفاته فكان بهذا عرف موته ﷺ . فروى أبو نعيم والبيهقي من طريق الواقدي عن شيوخه قالوا: شكوا في موت النبي ﷺ فقال بعضهم: قد مات. وقال بعضهم: لم يمت. فوضعت أسماء بنت عميس [ (١) ] .
رضي اللَّه تعالى عنها يدها بين كتفي رسول اللَّه ﷺ فقالت: قد مات، قد رفع الخاتم من بين كتفيه. وكان بهذا عرف موته ﷺ .
ورواه ابن سعد عن الواقدي عن ام معاوية أنه لما مات رسول اللَّه ﷺ . فذكره.
والواقدي متروك بل كذبه جماعة.
وذكر في «الزهر» أن الحاكم روى في تاريخه عن عائشة رضي اللَّه تعالى عنها أنها لمست الخاتم حين توفي رسول اللَّه ﷺ فوجدته قد رفع. انتهى.
ووقع لي نصف تاريخ الحاكم فطالعته فلم أر فيه ذلك وكأنه فيما لم يقع لي. فلينظر سنده، وما أخاله صحيحا. وعلى تقدير كونه صحيحا قال في «الاصطفاء» فإن قيل: النبوة والرسالة باقيتان بعد موت النبي ﷺ حقيقة كما يبقى وصف الإيمان للمؤمن بعد موته لأن المتصف بالنبوة والرسالة والإيمان هو الروح وهي باقية لا تتغير بموت البدن كما صرح به النسفي فلم رفع ما هو علامة على ذلك؟
قلت: لأنه لما وضع لحكمة وهي تمام الحفظ والعصمة من الشيطان وقد تم الأمن منه بالموت فلم يبق لبقائه في جسده فائدة. وما ذكره النسفي من بقاء النبوة والرسالة بعد موت الأنبياء حقيقة هو مذهب أبي الحسن الأشعري رحمه اللَّه تعالى وعامة أصحابه، لا لما قال النسفي بل لأن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أحياء في قبورهم كما وردت به الأخبار وسيأتي تحقيق ذلك في باب حياته في قبره ﷺ .
العاشر: روى الحافظ إبراهيم الحربي في غريبه وابن عساكر في تاريخه، عن جابر
стр. 627
رضي اللَّه تعالى عنه قال: أردفني رسول اللَّه ﷺ خلفه فالتقمت خاتم النبوة بفيّ فكان ينم علي مسكا.
الحادي عشر: في بيان غريب ما سبق: زر الحجلة: اختلف في ضبط زر وفي الحجلة ومعنييهما. فقيل في «زر» إنه بتقديم الزاي على الراء المشددة والحجلة بفتح الحاء المهملة والجيم وعلى هذا فقيل المراد بالزر الذي يعقد به النساء عرى حجولهن كأزرار القميص والحجلة بيت من ثياب كالقبة يجعل بابه من جنبه يجعل فيه الزر والعروة. وقيل المراد بالزر البيض والحجلة الطائر المعروف. قال الترمذي رحمه اللَّه تعالى: ويساعده في ذلك رواية كبيضة حمامة. قال النووي: والصحيح المشهور هو الأول. وقيل المراد بالحجلة من حجل الفرس. نقله البخاري في الصحيح عن محمد بن عبيد اللَّه بن محمد بن أبي زيد [ (١) ] .
قال في المطالع وقيده بعضهم بضم الحاء وفتح الجيم. قال في المطالع: إن كان سمي البياض الذي بين عيني الفرس حجلة لكونه بياضا كما سمي بياض القوائم تحجيلا فما معنى الزر مع هذا؟ لا يتجه له فيه وجه.
وقال الحافظ رحمه اللَّه تعالى: واستبعد السهيلي قول ابن عبيد اللَّه بأنه من حجل الفرس الذي بين عينيه بأن التحجيل إنما يكون في القوائم وأما الذي في الوجه فهو الغرة وهو كما قال: إلا أن منهم يطلقه على ذلك مجازا وكأنه أراد قدر الزر وإلا فالغرة لا زر لها.
وضبطه بعضهم بتقديم الراء على الزاي. حكاه الخطابي وفسره بأنه البيض من قولهم.
أرزت الجرادة بفتح الراء وتشديد الزاي إذا أدخلت ذنبها في الأرض لتبيض. فاستعار له الطائر.
قال في «المفهم» : لا يسمى العرب البيضة «رزة» ولا تؤخذ اللغة بالقياس.
النغض- بنون تضم وتفتح فغين ساكنة فضاد معجمتين- قال الجمهور: النغض والناغض: أعلى الكتف. وقيل هو العظم الدقيق الذي على طرفه [ (٢) ] وقيل: ما يظهر عند التحرك.
السلعة. بكسر السين وسكون اللام وفتح العين: وهي هنا خراج كهيئة الغدة يتحرك بالتحريك.
البضعة: القطعة من اللحم والجمع بضع وبضعات. وبضع وبضاع. مثل تمرة وتمر وسجدات وبدر وصحاف.
стр. 628
ناشزة: بنون وشين مكسورة فزاي معجمتين: مرتفعة.
ناتئة- بالهمز وتركه: أي خارجة من موضعها من غير أن تبين.
جمع- بضم الجيم، وحكى ابن الجوزي وابن دحية كسرها وبه جزم في «المفهم» إسكان الميم أي مجمع الكف وهو صورته بعد أن تجمع الأصابع وتضمها يقال ضربه بجمع كفه.
خيلان- بخاء معجمة مكسورة فمثناة ساكنة: جمع خال وهو الشامة في الجسد.
الثآليل [ (١) ]- بالثاء المثلثة- جمع ثؤلول بهمزة ساكنة وزان عصفور ويجوز التخفيف:
حب يظهر في الجسد كالحمصة فما دونها. قال القرطبي في المفهم: نقط سود كانت على الخاتم شبهها بها لسعتها لا أنها كانت ثآليل.
الغضروف: رأس لوح الكتف. متراكبات: مجتمعات.
سلقني: ألقاني على ظهري. قال في النهاية ويروى بالصاد أيضاً وبالسين أكثر.
واللَّه أعلم.
стр. 629
الباب الثالث عشر في صفة صدره وبطنه ﷺ
قال هند بن أبي هالة رضي اللَّه تعالى عنه: كان رسول اللَّه ﷺ عريض الصدر سواء البطن والصدر مشيح الصدر.
رواه الترمذي.
وقالت أم معبد رضي اللَّه تعالى عنها: لم تعبه ثجلة ولا تزريه صعلة.
رواه الحارث بن أبي أسامة.
وقالت أم هانئ رضي اللَّه تعالى عنها: ما رأيت رسول اللَّه ﷺ إلا تذكرت القراطيس المثنى بعضها على بعض.
رواه أبو داود الطيالسي وابن سعد.
وقال الحافظ أبو بكر أحمد بن أبي خيثمة في تاريخه: كانت له ﷺ عكن ثلاث يغطي الإزار منها واحدة ويظهر اثنتان، ومنهم من قال: يغطي الإزار منها اثنتين ويظهر واحدة- تلك العكن أبيض من القباطي المطواة وألين مسا.
وقال أبو هريرة رضي اللَّه تعالى عنه: كان رسول اللَّه ﷺ مفاض البطن.
رواه الترمذي والبيهقي.
وقال هند بن أبي هالة رضي اللَّه تعالى عنه: كان رسول اللَّه ﷺ أنور المتجرد دقيق المشربة موصول ما بين اللبة والسرة بشعر يجري كالخط عاري الثديين والبطن مما سوى ذلك أشعر الذراعين والمنكبين وأعالي الصدر.
رواه الترمذي.
وقال أبو أمامة رضي اللَّه تعالى عنه كان رسول اللَّه ﷺ متفتق الخاصرة.
رواه ابن عساكر.
وقال أبو هريرة رضي اللَّه تعالى عنه كان رسول اللَّه ﷺ أبيض الكشحين.
رواه ابن عساكر.
وقال علي بن أبي طالب رضي اللَّه تعالى عنه كان رسول اللَّه ﷺ طويل المسربة.
رواه الترمذي وصححه.
وقال أيضاً: كان لرسول اللَّه ﷺ شعر يجري من لبته إلى سرته كالقضيب ليس في صدره ولا بطنه شعر غيره.
стр. 630
رواه ابن سعد وابن عساكر [ (١) ] .
وقال عمر بن الخطاب رضي اللَّه تعالى عنه: كان رسول اللَّه ﷺ دقيق المسربة له شعرات من لبته إلى سرته كأنهن قضيب مسك أذفر، ولم يكن في جسده ولا صدره شعرات غيرهن.
رواه ابن عساكر.
[تفسير الغريب]
سواء: بالمد أي مستوي البطن والصدر يعني أن يظنه غير خارج فهو مساو لصدره.
وصدره عريض فهو مساو لبطنه.
مشيح- بميم مضمومة فشين معجمة مكسورة فمثناة تحتية ساكنة فحاء مهملة. أي بادي الصدر غير قعس، والقعس: نتوء الصدر خلقة.
ويروى: فسيح الصدر بالفاء ومهملتين أي واسع الصدر.
الثّلجة- بثاء مثلثة وجيم ساكنة فلام مفتوحة: عظيم البطن ويروى بالنون والحاء المهملة وهو النحول وهو الدقة وضعف التركيب.
ولا تزريه [ (٢) ] . بضم أوله.
الصقلة. بالصاد المهملة والقاف: الدقة والنحول. وقيل أرادت أنه ﷺ لم يكن منتفخ الخاصرة جدا ولا ناحلا جدا.
القراطيس: جمع قرطاس.
مفاض البطن: أي واسعه. وقيل مستوى البطن مع الصدر.
أنور: من النور تريد شدة بياضه وحسنه.
المتجرد- بضم الميم وفتح التاء والجيم والراء المشددة: ما جرد عنه الثوب من بدنه وهو المجدد أيضاً.
المسربة- بفتح الميم وسكون السين المهملة وضم الراء وفتح الباء الموحدة فتاء تأنيث: الشعر المستدق ما بين اللبة إلى السرة.
اللبة- بفتح اللام وتشديد الموحدة المفتوحة: المنحر وهي التطامن الذي فوق الصدر
стр. 631
وأسفل الحلق بين الترقوتين وفيها تنحر الإبل.
عاري الثديين إلى آخره: أي أن ثدييه وبطنه- ليس عليهما شعر سوى المسربة المتقدم ذكرها الذي جعله جاريا كالخط.
الأشعر: الذي عليه الشعر من البدن.
الكشح: الخصر. واللَّه اعلم.
стр. 632
الباب الرابع عشر فيما جاء في شق صدره وقلبه الشريفين ﷺ
قال اللَّه تعالى: أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ [الشرح ١] قال في الكشاف: استفهم عن انتفاء الشرح على وجه الإنكار مبالغة في إثبات الشرح وإيجابه فكأنه قيل: شرحنا لك صدرك.
ولذلك عطف عليه «ووضعنا» اعتبارا للمعنى.
قال الطيبي: أي أنكر عدم الشرح فإذا أنكر ذلك ثبت الشرح لأن الهمزة للإنكار، والإنكار نفي، والنفي إذا دخل على النفي عاد إثباتا، ولا يجوز جعل الهمز للتقرير.
قال الراغب رحمه اللَّه تعالى: أصل الشرح بسط اللحم ونحوه يقال شرحت اللحم وشرحته ومنه شرح الصدر وهو بسطه بنور إلهي وسكينة من جهة اللَّه وروح منه.
النقاش [ (١) ] : الشرح التوسعة وكل ما وسعته فقد شرحته.
الراغب: الصدر الجارحة وجمعه صدور. قال بعض الحكماء: حيثما ذكر اللَّه تعالى القلب فإشارة إلى العقل والعلم نحو: إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ [ق ٣٧] وحيثما ذكر الصدر فإشارة إلى ذلك وإلى سائر القوى من الشهوة والهوى ونحوهما وقوله:
تعالى: رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي [طه ٢٥] سؤال لإصلاح قواه وكذا: وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ [التوبة ١٤] فإشارة إلى ذلك.
مكي: المراد بالصدر القلب، لأنه وعاء الفهم والعلم وإنما ذكر الصدر لقربه من القلب وامتزاجه به.
الحكيم الترمذي: ذكر الصدر دون القلب لأن محل الوسوسة في الصدر، فأزال اللَّه تلك الوسوسة وأبدلها بدواعي الخير وهي الشرح. وقيل القلب محل العقل والمعرفة وهو الذي
стр. 633
يقصده الشيطان فإن الشيطان يجيء الصدر الذي هو حصن القلب فإذا وجد مسلكا أغار عليه فيضيق القلب ولا يجد للطاعة لذة ولا للإسلام حلاوة فإذا طرد العدو في الابتداء حصل الأمن وزال الضيق وانشرح الصدر وتيسر له القيام بأداء العبودية.
الأستاذ أبو علي الدقاق رحمه اللَّه تعالى: كان موسى ﷺ مريدا إذ قال: رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي وكان نبينا ﷺ مرادا إذ قيل له أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ الإمام الرازي رحمه اللَّه تعالى: وإنما لم يقل: ألم نشرح صدرك دون «لك» لوجهين:
أحدهما: أراد شرحته لأجلك كما تفعل أنت الطاعة لأجلي. الثاني: أن فيه تنبيها على أن منافع الرسالة عائدة إليه ﵊، كأنه قيل إنما شرحنا لك صدرك لأجلك لا لأجلي.
وإنما قال «نشرح» بنون العظمة لأن عظمة المنعم تدل على عظمة النعمة، وكان ﷺ يضيق صدره من منازعة الجن والإنس فآتاه اللَّه تعالى من آياته ما اتسع لكل ما حمله ﷺ .
واختلف المفسرون في معنى الآية على أقوال: فقال الإمام البيضاوي رحمه اللَّه تعالى:
ألف نفسحه حتى وسع مناجاة الحق ودعوة الخلق وكان غائبا حاضرا أو: ألم نفسحه بما أودعنا فيه من الحكم وأزلنا عنه ضيق الجهل. أو: بما يسرناه لك من تلقي الوحي بعد ما كان يشق عليك.
وقيل: إنه إشارة إلى ما روي أن جبريل أتى رسول اللَّه ﷺ في صباه أو يوم أخذ الميثاق فاستخرج قلبه فغسله فملأه إيمانا وعلما ولعله إشارة إلى نحو ما سبق انتهى.
قال الشيخ رحمه اللَّه تعالى في حواشيه: إن أراد بقوله «يوم الميثاق» يوم أخذه في عالم الذر فلا أصل له. وإن أراد به يوم بعث ونبئ. وبيض الشيخ هنا. قلت: وكأنه أراد: فله أصل.
كما سيأتي في المرة الثالثة.
ولا منافاة بين هذه الأقوال السابقة وبين شق صدره ﷺ فإن من جملة شرح صدره شقه وإخراج ما فيه من أذى كما أشار إلى ذلك الحافظان أبو جعفر محمد بن جرير الطبري وابن كثير رحمهما اللَّه تعالى.
وقد تكرر شق صدره الشريف ﷺ أربع مرات:
الأولى: وهو ﷺ صغير في بني سعد.
روى البيهقي عن إبراهيم بن طهمان- بفتح الطاء المهملة رحمه اللَّه تعالى: قال:
سألت سعدا عن قوله تعالى: أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ فحدثني به عن قتادة عن أنس رضي اللَّه تعالى عنه قال: شق بطنه ﷺ من عند صدره إلى أسفل بطنه فاستخرج قلبه الخ.
стр. 634
وروى الإمام أحمد ومسلم عن أنس رضي اللَّه تعالى عنه أن رسول اللَّه ﷺ أتاه جبريل وهو يلعب مع الغلمان فأخذه فصرعه فشق عن قلبه واستخرج القلب ثم شق القلب فاستخرج منه علقة فقال: هذا حظ الشيطان منك. ثم غسله في طست من ذهب بماء زمزم ثم لأمه فأعاده مكانه. وجعل الغلمان يسعون إلى أمه- يعني ظئره- فقالوا: إن محمدا قد قتل فجاؤوه وهو منتقع اللون. قال أنس: فلقد كنت أرى أثر المخيط في صدره ﷺ .
وروى الإمام أحمد والدارمي والحاكم وصححه والطبراني والبيهقي وأبو نعيم، عن عتبة بن عبد- بغير إضافة- السلمي [ (١) ] رضي اللَّه تعالى عنه، أن رسول اللَّه ﷺ قال: كانت حاضنتي من بني سعد بن بكر، فانطلقت أنا وابن لها في بهم لنا ولم نأخذ معنا زادا فقلت: يا أخي أذهب فائتنا بزاد من عند أمنا. فأنطلق أخي ومكث عند البهم فأقبل إلي طائران كأنهما نسران فقال أحدهما لصاحبه: أهو هو؟ قال: نعم فأقبلا يبتدراني فأخذاني فبطحاني للقفا فشقّاه بطني ثم استخرجا قلبي شقّاه فأخرجا منه علقتين سوداوين فقال أحدهما لصاحبه: إيتني بماء ثلج فغسلا به جوفي- ثم قال: إيتني بماء برد فغسلا به قلبي. ثم قال: إيتني بالسكينة فذراها في قلبي. ثم قال أحدهما لصاحبه حصه. فحاصه وختم عليه بخاتم النبوة. وذكر الحديث.
تفسير الغريب
الظئر ومنتقع اللون. تقدما في شرح غريب قصة الرضاع. المخيط بكسر الميم: ما يخاط به. البهم وزن فلس- جمع بهمة وهي الصغير من أولاد الغنم.
نسران: تثنية نسر- طائر معروف والجمع أنسر ونسور مثل فلس وأفلس وفلوس.
ذراها بذال معجمة: حشياها.
حصه بحاء مهملة مضمومة: أي خطه يقال حاص الثوب يحوصه حوصا إذا خالطه.
المرة الثانية: وهو ﷺ ابن عشر سنين.
روى عبد الله بن الإمام أحمد في زوائد المسند بسند رجاله ثقات، وابن حبان والحاكم وأبو نعيم وابن عساكر والضياء، في «المختارة» عن أبي بن كعب رضي اللَّه تعالى عنه أن أبا هريرة رضي اللَّه تعالى عنه قال: يا رسول اللَّه ما أول ما ابتدئت به من أمر النبوة؟
قال: إني لفي صحراء أمشي ابن عشر حجج إذا أنا برجلين فوق رأسي يقول أحدهما لصاحبه:
стр. 635
أهو هو؟ قال نعم. فأخذاني فاستقبلاني بوجوه لم أرها لخلق قط وأرواح لم أرها من خلق قط، وثياب لم أرها على أحد قط، فأقبلا إلي يمشيان حتى أخذ كل واحد منهما بعضدي لا أجد لأخذهما مسا. فقال أحدهما لصاحبه: أضجعه. فأضجعاني بلا قصر ولا هصر وفي لفظ:
فقلباني لحلاوة القفا ثم شقا بطني. وفي لفظ فقال أحدهما لصاحبه: افلق صدره. فخوى أحدهما إلى صدري ففلقه فيما أرى بلا دم ولا وجع فكان أحدهما يختلف بالماء في طست من ذهب والآخر يغسل جوفي فقال أحدهما لصاحبه: افلق صدره فإذا صدري فيما أرى مفلوقا لا أجد له وجعا. ثم قال: شق قلبه فشق قلبي فقال: أخرج الغل والحسد منه. فأخرج شبه العلقة فنبذ به. ثم قال: أدخل الرأفة والرحمة في قلبه. فأدخل شيئاً كهيئة الفضة. ثم أخرج ذرورا كان معه فذره عليه ثم نقر إبهامي ثم قال: اغد واسلم. فرجعت بما لم أغد به من رحمتي للصغير ورأفتي للكبير [ (١) ] .
تفسير الغريب
الحجج: بكسر الحاء وفتح الجيم الأولى السنون.
الأرواح: جمع ريح بمعنى الرائحة وهي عرض يدرك بحاسة الشم وهي مؤنثة يقال ريح [ (٢) ] ذكيُة.
بلا قصر: قصرت الثوب أي أرخيته بلا استرخاء. ولا هصر: قال في النهاية: هصر ظهره أي ثناه إلى الأرض. وأصل الهصر أن تأخذ برأس العود فتثنيه إليك وتعطفه.
حلاوة القفا: يأتي بيانه في بيان غريب المرة الثالثة.
خوى أحدهما إلى صدري: أي مال إليه.
ذرورا: بفتح الذال المعجمة.
المرة الثالثة: عند المبعث.
روى أبو داود الطيالسي والحارث بن أبي أسامة في مسنديهما، والبيهقي وأبو نعيم كلاهما في الدلائل، عن عائشة رضي اللَّه تعالى عنها أن النبي ﷺ نذر أن يعتكف شهرا هو وخديجة. فوافق ذلك شهر رمضان فخرج ذات ليلة فسمع: السلام عليك. قال: فظننت أنها فجاءة الجن، فجئت مسرعا حتى دخلت على خديجة فقالت: ما شأنك؟ فأخبرتها فقالت:
أبشر فإن السلام خير. ثم خرجت مرة أخرى فإذا أنا بجبريل على الشمس له جناح بالمشرق