← Сира

Сира · id 1693

سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد

الصالحي الشامي

Полный текст (5 757 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

أجمعين وقالت لحليمة حين جاءت به وقد شق صدره وهي مذعورة: أخشيتما عليه الشيطان؟ كلا واللَّه ما للشيطان عليه سبيل وإنه لكائن لابني هذا شأن. في كلمات أخرى من هذا النمط، وقدمت به المدينة عام وفاتها وسمعت كلام اليهود فيه وشهادتهم له بالنبوة ورجعت به فماتت في الطريق. فهذا كله مما يؤيد أنها تحنفت في حياتها. قال الشيخ رحمه اللَّه تعالى: فإن قلت كيف قررت أنها كانت موحدة في حياتها ومتحنفة وقد صح أنه استأذن ربه في الاستغفار لها فلم يؤذن له. وقوله في الحديث «أمي مع أمكما» يؤذن بخلاف ذلك وهبك أجبت عنهما فيما يتعلق بحديث الإحياء بأنهما متقدمان في التاريخ وذاك متأخر فكان ناسخا، فما تقول في هذا؟ فإن الموت على التوحيد ينفي التعذيب البتة؟. قلت: أما حديث: «أمي مع أمكما» وإن صححه الحاكم، فقد تقرر في علوم الحديث أن الحاكم يتساهل في التصحيح. وقال الذهبي بعد قول الحاكم في هذا الحديث: أنه صحيح: قلت: لا واللَّه فإن عثمان بن عمير ضعفه الدارقطنيّ. فبين الذهبي ضعف الحديث وحلف عليه يمينا. وعلى تقدير أن يكون صحيحا فأحسن ما يقرر به الجواب أن يقال: إن قوله «أمي مع أمكما» صدر قبل أن يوحى إليه أنها من أهل الجنة، كما قال ﷺ : «لا أدري تبعا كان نبيا أم لا» [ (١) ] رواه الحاكم وابن شاهين من حديث أبي هريرة. وقال ﷺ بعد أن أوحى إليه في شأنه: «لا تسبوا تبعا فإنه كان قد أسلم» [ (٢) ] رواه ابن شاهين في نسخه من حديث سهل ابن سعد وابن عباس. وكأنه ﷺ أولا لم يوح إليه في شأنها شيء ولم يبلغه الذي قالته عند موتها ولا تذكره فإنه كان إذ ذاك ابن خمس سنين، فأطلق القول بأنها مع أمهما جريا على قاعدة أهل الجاهلية، ثم أوحى إليه في أمرها بعد ذلك. ويؤيد ذلك أن في آخر الحديث نفسه «ما سألتهما ربي» فهذا يدل على إنه لم يكن بعد وقعت بينه وبين ربه مراجعة في أمرها ثم وقع بعد ذلك. وأما عدم الإذن في الاستغفار فلا يلزم منه الكفر بدليل أنه ﷺ كان ممنوعا في أول الإسلام من الصلاة على من عليه دين لم يترك وفاء ومن الاستغفار له وهو من المسلمين، وعلل ذلك بأن استغفاره مجاب على الفور، فمن استغفر له وصل عقب دعائه إلى منزله الكريم في الجنة والمديون محبوس عن مقامه حتى يقضى دينه كما ورد في الحديث «نفس المؤمن معلقة بدينه حتى يقضى» فقد تكون أمّ

стр. 702

النبي ﷺ مع كونها متحنفة كانت محبوسة في البرزخ عن الجنة لأمور أخرى غير الكفر اقتضت أن لا يؤذن له في الاستغفار إذ ذاك بسببها إلى أن أذن اللَّه تعالى فيه بعد ذلك. ويحتمل أن يجاب عن الحديثين بأنها كانت موحدة غير أنها لم يبلغها شأن البعث والنشور وذلك أصل كبير، فأحياها اللَّه تعالى له حتى آمنت بالبعث وبجميع ما في شريعته ولذلك تأخر إحياؤها إلى حجة الوداع حتى تمت الشريعة ونزل: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ [المائدة ٣] فأحييت حتى آمنت بجميع ما أنزل وهذا معنى نفيس بليغ. وبسط الشيخ رحمه اللَّه تعالى الكلام على ذلك في كتابيه «الدرر الكامنة في إسلام السيدة آمنة» وفي «مسالك الحنفا في والدي المصطفى» والذي ذكرته خلاصتهما وفيه مناقشات ليس المقام لائقا لذكرها. وتقدم في ترجمة عبد الله والد النبي ﷺ ما فيه مقنع. وقد وقعت على فتوى بخط بعض علماء المغاربة بسط فيها الكلام على هذا المقام ورجح ما مشى عليه الشيخ، ومن جملة ما ذكره: أن المتكلم في هذا المقام على ثلاثة أقسام: قسم يوجب تكفير قائله وزندقته وليس فيه إلا القتل دون تلعثم، وهو حيث يتكلم بمثل هذا الكلام المؤذي في أبويه ﷺ قاصدا لأذيته وتعييره والإزراء به والتجسر على جهته العزيزة بما يصادم تعظيمه وتوقيره. وقسم ليس على المتكلم به وصم وهو حيث يدعوه داع ضروري إلى الكلام به، كما إذا تكلم على الحديث مفسرا له ومقررا، ونحو ذلك مما يدعو إلى الكلام به من الدواعي الشرعية. وقسم يحرم علينا التكلم فيه ولا يبلغ بالتكلم به إلى القتل، وهو حيث لا يدعوه داع شرعي إلى الكلام به فهذا يؤدب على حسب حاله ويشدد في أدبه إن علم منه الجرأة وعدم التحفظ في اللسان، ويعزل عن الوظائف الشرعية. واستدل بعزل عمر بن عبد العزيز عامله. وسبق ذلك في ترجمة عبد الله والد النبي ﷺ . ثم قال: ولا ينبغي لعاقل إنكار ذلك. أي حديث إحياء أبويه ﷺ فكرامته ﷺ على مولاه أعظم من ذلك، ولا يتشاغل في هذا المقام بكونه صحيحا، فقد قال العلماء: أحاديث الترغيب والترهيب لا يشترط فيها الصحة، فما بالك بهذا المقام؟ ولا مانع من صحته إن شاء اللَّه تعالى وذلك هو الذي يغلب على ظن كل محب للجناب الشريف ﷺ .

стр. 703

الباب الثاني في كفالة عبد المطلب رسول الله ﷺ ومعرفته بشأنه . لما توفيت آمنة أم رسول اللَّه ﷺ ضمه إليه جده عبد المطلب ورق عليه رقة لم يرقها على ولده. قال ابن إسحاق: حدثني العباس بن عبد الله بن معبد عن بعض أهله قال: كان يوضع لعبد المطلب فراش في ظل الكعبة وكان لا يجلس عليه أحد من بنيه إجلالا له، وكان رسول اللَّه ﷺ يأتي حتى يجلس عليه فيذهب أعمامه يؤخرونه فيقول جده: دعوا ابني. فيمسح ظهره ويقول: إن لابني هذا لشأناً. وروى أبو نعيم عن ابن عباس رضي اللَّه تعالى عنهما مثله. وزاد: دعوا ابني يجلس فإنه يحس من نفسه بشيء، وأرجو أن يبلغ من الشرف ما لم يبلغه عربي قبله ولا بعده. وروى ابن سعد وابن عساكر عن الزهري ومجاهد ونافع وابن جبير قالوا: كان النبي ﷺ يجلس على فراش جده فيذهب أعمامه ليؤخروه فيقول عبد المطلب: دعوا ابني ليؤنس ملكاً [ (١) ] . وقال قوم من بني مدلج لعبد المطلب: احتفظ به فإنا لم نر قدما أشبه بالقدم التي في المقام منه. وقال عبد المطلب لأم أيمن: يا بركة احتفظي به لا تغفلي عنه فإن أهل الكتاب يزعمون أنه نبي هذه الأمة. وروى المحاملي عن ابن عباس رضي اللَّه تعالى عنهما قال: سمعت أبي يقول: كان لعبد المطلب مفرش في الحجر لا يجلس عليه غيره وكان حرب بن أمية فمن دونه يجلسون حوله دون المفرش، فجاء رسول اللَّه ﷺ يوما وهو غلام لم يبلغ الحلم فجلس على المفرش فجذبه رجل فبكي رسول اللَّه ﷺ ، فقال عبد المطلب- وذلك بعد ما كف بصره: ما لابني يبكي؟ قالوا له: أراد أن يجلس على المفرش فمنعوه. دعوا ابني يجلس عليه فإنه يحس من نفسه بشرف وأرجو أن يبلغ من الشرف ما لم يبلغه عربي قبله ولا بعده. وروى البلاذري عن الزهري ومحمد بن السائب أن عبد المطلب كان إذا أتي بالطعام أجلس رسول اللَّه ﷺ إلى جنبه وربما أقعده على فخذه فيؤثره بأطيب طعامه، وكان رقيقا

стр. 704

عليه برا به، فربما أتي بالطعام وليس رسول اللَّه ﷺ حاضرا فلا يمس شيئاً منه حتى يؤتى به. وكان يفرش له في ظل الكعبة ويجلس بنوه حول فراشه إلى خروجه فإذا خرج قاموا على رأسه مع عبيده إجلالا له وكان رسول اللَّه ﷺ يأتي وهو غلام جفر فيجلس على الفراش فيأخذه أعمامه ليؤخروه فيقول عبد المطلب: دعوا ابني ما تريدون منه؟ إن له لشأنا. ويقبل رأسه ويمسح صدره ويسر بكلامه وما يرى منه. وروى أبو نعيم عن محمد بن عمر الأسلمي عن شيوخه قالوا: بينا عبد المطلب يوما في الحجر وعنده أسقف نجران وهو يحادثه ويقول: إنا نجد صفة نبي بقي من ولد إسماعيل، هذا البلد مولده ومن صفته كذا وكذا. وأتى رسول اللَّه ﷺ فنظر إليه الأسقف وإلى عينيه وإلى ظهره وإلى قدميه فقال: هو هذا، ما هذا منك؟ قال: هذا ابني. قال الأسقف: لا، ما نجد أباه حيا. قال: هو ابن ابني وقد مات أبوه وأمه حبلى به. قال: صدقت. قال عبد المطلب لبنيه: تحفظوا بابن أخيكم ألا تسمعون ما يقال فيه؟. وروى البخاري في تاريخه وابن سعد والحاكم وصححه، عن كندير بن سعيد بن حيوة [ (١) ] ويقال حيدة، عن أبيه، والبيهقي عن معاوية بن حيدة [ (٢) ] قال الأول: خرجت حاجا في الجاهلية. وقال الثاني: خرجت معتمرا في الجاهلية. قالا: فإذا شيخ طويل يطوف بالبيت وهو يقول: رد إلي راكبي محمدا ... اردده ربي واتخذ عندي يدا فسألا عنه فقيل هذا سيد قريش عبد المطلب له إبل كثيرة فإذا ضل منها شيء بعث فيه بنيه يطلبونها فإذا غابوا بعث ابن ابنه ولم يبعثه في حاجة إلا أنجح فيها، وقد بعثه في حاجة أعيا عنها بنوه وقد أبطأ عليه. قالا: فلم نلبث حتى جاء رسول اللَّه ﷺ بالإبل معه، فقال له عبد المطلب: يا بني حزنت عليك حزنا لا تفارقني بعد أبدا. وروى ابن الجوزي عن أم أيمن رضي اللَّه تعالى عنها قالت: كنت أحضن رسول اللَّه ﷺ فغفلت عنه يوما فلم أدر إلا بعبد المطلب قائما على رأسه يقول: يا بركة. قلت: لبيك. قال: أتدرين أين وجدت ابني؟ قلت: لا أدري. قال: وجدته مع غلمان قريبا من السدرة، لا تغفلي عنه فإن أهل الكتاب يزعمون أنه نبي هذه الأمة وأنا لا آمنهم عليه.

стр. 705

الباب الثالث في استسقاء أهل مكة بجده وهو معهم وسقياهم ببركته روى ابن سعد والبلاذري وابن أبي الدنيا والطبراني والبيهقي عن رقيقة بنت أبي صيفي ابن هاشم وكانت لدة عبد المطلب قالت: تتابعت على قريش سنون جدبة أقحلت الجلد وأدقت العظم، فبينا أنا نائمة أو مهومة إذا هاتف يصرخ بصوت صحل يقول: يا معشر قريش إن هذا النبي المبعوث منكم قد أظلتكم أيامه وهذا إبان مخرجه فحي هلا بالحيا والخصب، ألا فانظروا رجلا منكم وسيطا عظاما جساما أبيض بضا أوطف الأهداب سهل الخدين أشم العرنين له فخر يكظم عليه وسنة يهتدى إليها، فليخلص هو وولده وولد ولده، وليدلف إليه من كل بطن رجل، فليشنوا من الماء وليمسوا من الطيب ثم يستلم الركن، وليطوفوا بالبيت سبعا ثم ليرتقوا أبا قبيس فليستق الرجل وليؤمن القوم، ألا وفيهم الطيب الطاهر فغثتم إذا ما شئتم. قالت: فأصبحت مذعورة قد اقشعر جلدي ووله عقلي واقتصيت رؤياي فنمت في شعاب مكة، فما بقي أبطحي إلا قال: هذا شيبة الحمد. وتتامت عنده قريش وانقض إليه من كل بطن رجل فشنوا من الماء ومسوا من الطيب واستلموا وطافوا ثم ارتقوا أبا قبيس فطفق القوم يدلفون حوله ما إن يدرك سعيهم مهلة، حتى قر لذروته، فاستكفوا جانبيه ومعه رسول اللَّه ﷺ وهو يومئذ غلام قد أيفع أو كرب فقام عبد المطلب فقال: اللهم ساد الخلة وكاشف الكربة أنت عالم غير معلم ومسؤول غير مبخل وهذه عبادك وإماؤك بعذرات حرمك يشكون إليك سنتهم التي قد أقحلت الظلف والخف فأمطرنا اللَّه غيثا مريعا مغدقا. فما برحوا حتى انفجرت السماء بمائها وكظ الوادي بثجيجه فلسمعت شيخان قريش وهي تقول لعبد المطلب: هنيئا لك أبا البطحاء بك عاش أهل البطحاء. وفي ذلك تقول رقيقة بنت أبي صيفي: بشيبة الحمد أسقى اللَّه بلدتنا ... وقد فقدنا الحيا واجلوذ المطر فجاد بالماء جوني له سبل ... سحا فعاشت به الأنعام والشجر سيل من اللَّه بالميمون طائره ... وخير من بشرت يوما به مضر مبارك الأمر يستسقى الغمام به ... ما في الأنام له عدل ولا خطر تفسير الغريب رقيقة: براء مضمومة وقافين مصغرة، بنت أبي صيفي بن هاشم بن عبد المطلب بن هاشم الهاشمية والدة مخرمة بن نوفل. ذكرها ابن سعد في المسلمات المهاجرات.

стр. 706

لدة الرجل [ (١) ] : تربه الذي ولد هو وإياه في وقت واحد. التتابع: بمثناتين فوقيتين فألف فمثناة تحتية فعين مهملة قال في النهاية: الوقوع في الشر من غير فكرة ولا روية والمتابعة عليه، ولا يكون في الخير. وقال غيره: التتابع بالموحدة يقال في الخير، والمثناة يقال في الشر. السنون: جمع سنة وهي الجدب بفتح الجيم وسكون الدال المهملة نقيض الخصب. أقحلت: بقاف فحاء مهملة: أيبست. مهومة: بضم الميم وفتح الهاء وكسر الواو المشددة قال في النهاية: التهويم: أول النوم. وهو دون النوم الشديد. الهاتف: ما يسمع صوته ولا يرى شخصه. بصوت صحل: بصاد مفتوحة فحاء مهملتين فلام أي غير حاد الصوت. إبان الشيء بكسر الهمزة وتشديد الموحدة: وقته. حي هلا: اسم فعل بمعني أقبلوا وأسرعوا، وهي كلمتان جعلتا كلمة فحي بمعني أقبل وهلا بمعنى أسرع. الحيا: بالقصر الغيث. الخصب: بالكسر نقيض الجدب. وسيطا: يقال فلان وسيط قومه إذا كان أوسطهم نسبا وأرفعهم محلا. عظاما [ (٢) ] : بضم العين المهملة بمعنى عظيم. جساما: بضم الجيم بمعنى جسيم. بضا: بموحدة فضاد معجمة مشددة قال في النهاية: البضاضة رقة اللون وصفاؤه الذي يؤثر فيه أدنى شيء. الوطف: بفتح الواو والطاء المهملة: طول شعر العين مع سعتها. الشمم: ارتفاع قصبة الأنف واستواء أعلاها وإشراف الأرنبة قليلا. العرنين: بكسر العين المهملة وسكون الراء: الأنف وهذا اللفظ كناية عن الرفعة والعلو وشرف النفس. يكظم عليه: بمثناة تحتية مفتوحة فكاف ساكنة فظاء مشالة مضمومة فميم أي لا يبديه ولا يظهره.

стр. 707

يدلفون: بدال مهملة وفاء: أي يقربون منه. شنوا من الماء: اغتسلوا به. تتام القوم: جاءوا كلهم وتموا. العذرات: بعين مهملة مفتوحة فذال معجمة فراء فتاء تأنيث جمع عذرة بفتح أوله وكسر ثانيه وهي فناء الدار، وهو سعة أمامها. وقيل: ما امتد من جوانبها. الغدق بفتح الغين المهملة: المطر الكبار القطر، والمغدق: مفعل منه. مريعا بفتح الميم: مخصبا. الحيا: هنا بالقصر المطر. اجلوذ المطر [ (١) ] : بجيم فلام مشددة مفتوحتين فذال معجمة قال في النهاية: امتد وقت تأخره وانقطاعه. جوني: بفتح الجيم وسكون الواو وتشديد الياء منسوب إلى الجون وهو من الألوان يقع على الأبيض والأسود، والجمع جون بضم الجيم، وقيل الياء فيه للمبالغة كما يقال في الأحمر أحمري. السبل: بسين مهملة فباء موحدة مفتوحتين المطر الجود الهاطل يقال أسبل المطر والدمع: إذا هطلا والاسم السبل بالتحريك. سحا: بسين فحاء مهملة مشددة مفتوحتين: يقال سح المطر والدمع وغيرهما يسح بالضم سحوحا وسحا: سال. ويقال السح: الصب الكثير. الميمون طائره: أي المبارك حظه ويجوز أن يكون أصله من الطير السارح والبارح. العدل بكسر العين: المثل. الخطر بخاء معجمة: الشبيه والمثل.

стр. 708

الباب الرابع فيما حصل له في سنة سبع من مولده قال الحافظ أبو الفرج ابن الجوزي في «الوفا» في سنة سبع من مولده ﷺ أصابه رمد شديد فعولج بمكة فلم يغن فقيل لعبد المطلب: إن في ناحية عكاظ راهبا يعالج الأعين فركب إليه فناداه وديره مغلق فلم يجبه فتزلزل ديره حتى كاد أن يسقط عليه فخرج مبادرا فقال: يا عبد المطلب إن هذا الغلام نبي هذه الأمة ولو لم أخرج إليك لخر علي ديرى فارجع به واحفظه لا يقتله بعض أهل الكتاب. ثم عالجه وأعطاه ما يعالج به. وألقي له المحبة في قلوب قومه وكل من يراه. عكاظ: بضم العين وآخره ظاء مشالة معجمة: مكان بقرب عرفات.

стр. 709

الباب الخامس في وفاة عبد المطلب ووصيته لأبي طالب برسول الله ﷺ وما ظهر في ذلك من الآيات اختلف في سن رسول اللَّه ﷺ حين مات جده فقيل: وله ثمان سنين وقدمه في الإشارة. وقيل بزيادة شهر وعشرة أيام. وقيل تسع وقيل عشر وقيل ست. ولعبد المطلب عشر ومائة سنة. وقدمه في الإشارة. وقيل اثنتان وثمانون سنة ويقال بلغ مائة وأربعة وأربعين سنة. ويقال خمسا وتسعين سنة. ويقال مائة وعشرين. قال الواقدي: وليس ذلك بثبت. وروى محمد بن عمر الأسلمي عن أم أيمن أنها حدثت أن رسول اللَّه ﷺ كان يبكي خلف سرير عبد المطلب وهو ابن ثمان سنين ودفن بالحجون. وروى ابن سعد عن الواقدي عن شيوخه أنه قيل لرسول اللَّه ﷺ : أتذكر موت عبد المطلب؟ قال: نعم أنا يومئذ ابن ثمان سنين. قال ابن إسحاق وغيره: ولما حضرت عبد المطلب الوفاة أوصى أبا طالب بحفظ رسول اللَّه ﷺ وحياطته والقيام عليه، وأوصى به إلى أبي طالب، لأن عبد الله وأبا طالب كانا لأم واحدة، فلما مات عبد المطلب كان أبو طالب هو الذي يلي أمر رسول اللَّه ﷺ بعد جده. وروى ابن سعد والحسن بن عرفة وابن عساكر عن ابن عباس وغيره قالوا: لما توفي عبد المطلب قبض أبو طالب رسول اللَّه ﷺ فكان يكون معه، وكان يحبه حبا شديدا لا يحبه ولده وكان لا ينام إلا إلى جنبه وصب به صبابة لم يصب مثلها قط، وكان يخصه بالطعام وكان عيال أبي طالب إذا أكلوا جميعا أو فرادى لم يشبعوا وإذا أكل معهم رسول اللَّه ﷺ شبعوا. وكان أبو طالب إذا أراد أن يغديهم أو يعشيهم يقول: كما أنتم حتى يحضر ابني. فيأتي رسول اللَّه ﷺ فيأكل معهم فيفضلون من طعامهم، وإن لم يكن معهم لم يشبعهم، وإن كان لبنا شرب أولهم ثم يتناول العيال القعب فيشربون منه فيروون عن آخرهم من القعب الواحد، وإن كان أحدهم ليشرب قعباً وحده فيقول أبو طالب: إنك لمبارك. وكان الصبيان يصيحون رمصاً شعثاً ويصبح رسول اللَّه ﷺ دهينا كحيلا. وروى أبو نعيم عن أم أيمن قالت: ما رأيت رسول اللَّه ﷺ شكا جوعا ولا عطشا لا في كبره ولا في صغره، وكان يغدو إذا أصبح فيشرب من ماء زمزم شربة فربما عرضنا عليه الغداء فيقول: أنا شبعان.

стр. 710

وروى الحسن بن سفيان عن ابن عباس رضي اللَّه تعالى عنهما قال: كان أبو طالب يقرب للصبيان تصبيحهم فيضعون أيديهم فينتهبون ويكف رسول اللَّه ﷺ يده فلما رأى ذلك أبو طالب عزل له طعامه. تفسير الغريب صب به: يقال صب يصب بالفتح صبابة رق شوقه. القعب: [ (١) ] قدح من خشب: الرمص بالتحريك وسخ يجتمع في الموق فإن سال فهو غمص وإن جمد فهو رمص. الشَّعث: تلبد الشعر لقلة تعهده بالدهن. واللَّه تعالى أعلم.

стр. 711

الباب السادس في استسقاء أبي طالب برسول الله ﷺ وعطش أبي طالب وشكواه ذلك للنبي ﷺ روى ابن عساكر عن جلهمة بن عرفطة قال: قدمت مكة وقريش في قحط، فقائل منهم يقول: اعتمدوا واللات والعزى. وقائل منهم يقول: اعتمدوا مناة الثالثة الأخرى فقال شيخ وسيم حسن الوجه جيد الرأي: أنى تؤفكون وفيكم بقية إبراهيم وسلالة إسماعيل. قالوا: كأنك عنيت أبا طالب؟ قال: إيها. فقاموا بأجمعهم وقمت معهم فدققنا عليه بابه فخرج إلينا رجل حسن الوجه عليه إزار قد اتشح به فثاروا إليه فقالوا: يا أبا طالب أقحط الوادي وأجدب العيال فهلم فاستسق لنا فخرج أبو طالب ومعه غلام كأنه شمس دجنة تجلت عليه سحابة قتماء وحوله أغيلمة فأخذه أبو طالب فألصق ظهره بالكعبة ولاذ بإصبعه الغلام وما في السماء قزعة فأقبل السحاب من هاهنا وها هنا وأغدق واغدودق وانفجر له الوادي وأخصب النادي والبادي. وفي ذلك يقول أبو طالب: وأبيض يستسقي الغمام بوجهه ... ثمال اليتامى عصمة للأرامل يلوذ به الهلاك من آل هاشمٍ ... فهم عنده في نعمة وفواضل وقال ابن سعد: حدثنا الأزرق، حدثنا عبد الله بن عون، عن عمرو بن سعيد أن أبا طالب قال: كنت بذي المجاز مع ابن أخي، يعني النبي ﷺ ، فأدركني العطش فشكوت إليه فقلت: يا ابن أخي قد عطشت. وما قلت له ذلك وأنا أرى عنده شيئاً إلا الجزع قال: فثنى وركه ثم قال: يا عم عطشت؟ قلت: نعم. فأهوى بعقبه إلى الأرض فإذا أنا بالماء فقال اشرب فشربت. وله طرق أخرى رواها الخطيب وابن عساكر. تفسير الغريب جلهمة: بجيم مضمومة ولام ساكنة وهاء مضمومة وميم مفتوحة. أني: بمعنى كيف. تؤفكون: تصرفون. ثاروا إليه: بالمثلثة قاموا. دجنة [ (١) ] بدال مهملة فجيم مضمومتين: الظلة والجمع دجنات. قتماء [ (٢) ] : بقاف فتاء

стр. 712

مثناة فوقية: الغبراء، من القتام بالفتح وهو الغبار. لاذ به: طاف. قزعة: سحابة. أغدق كذلك. اغدودق: كذلك. الثمال: تقدم الكلام عليه في أسمائه ﷺ . ذو المجاز: مكان على فرسخ من عرفة.

стр. 713

الباب السابع في سفره ﷺ مع عمه الزبير بن عبد المطلب إلى اليمن قال ابن الجوزي في «الوفا» لما أتت لرسول اللَّه ﷺ بضع عشرة سنة خرج في سفر مع عمه الزبير، فمروا بواد فيه فحل من الإبل يمنع من يجتاز، فلما رآه البعير برك وحك الأرض بكلكله، فنزل عن بعيره وركبه فسار حتى جاوز الوادي ثم خلى عنه، فلما رجعوا من سفرهم مروا بواد مملوء ماء يتدفق فوقفوا فقال رسول اللَّه ﷺ : اتبعوني. ثم اقتحمه فاتبعوه فأيبس اللَّه الماء. فلما وصلوا إلى مكة تحدثوا بذلك فقال الناس: إن لهذا الغلام شأنا. الكلكل والكلكال: الصدر.

стр. 714

الباب الثامن في سفره ﷺ مع عمة أبي طالب إلى الشام روى ابن سعد وابن عساكر عن داود بن الحصين [ (١) ]- بضم الحاء وفتح الصاد المهملتين- أن رسول اللَّه ﷺ كان ابن اثنتي عشرة سنة. قال البلاذري: وهو الثبت. وروى أبو نعيم عن علي بن أبي طالب رضي اللَّه تعالى عنه وابن سعد وابن عساكر عن عبد الله بن محمد بن عقيل وابن سعد عن عبد الرحمن بن أبزى، والبزار والترمذي وحسنه عن أبي موسى الأشعري، وابن سعد عن داود بن الحصين، وأبو نعيم عن محمد بن عمر الأسلمي، والبيهقي عن محمد بن إسحاق قالوا: إن أبا طالب أراد المسير في ركب إلى الشام فقال له رسول اللَّه ﷺ : أي عم إلى من تخلّفني ها هنا؟ وصب به رسول اللَّه ﷺ فرق له أبو طالب فلما سارا أردفه خلفه فخرج به فنزلوا على صاحب دير فقال صاحب الدير: ما هذا الغلام منك؟ قال: ابني. قال: ما هو بابنك وما ينبغي أن يكون له أب حي. قال: ولم؟ قال: لأن وجهه وجه نبي وعينه عين نبي. قال: وما النبي؟ قال: الذي يوحى إليه من السماء فينبئ أهل الأرض. قال اللَّه أجل مما تقول. قال فاتق عليه اليهود. ثم خرج حتى نزل براهب أيضاً صاحب دير فقال: ما هذا الغلام منك؟ قال: ابني قال: ما هو بابنك وما ينبغي أن يكون له أب حي. قال: ولم؟ قال: لأن وجهه وجه نبي وعينه عين نبي. قال: سبحان اللَّه! أجل مما تقول. وقال أبو طالب للنبي ﷺ : يا ابن أخي ألا تسمع ما يقولون؟ قال: أي عم لا تنكر للَّه قدرة. خبر بحيرا فلما نزل الركب بصرى وبها راهب يقال له بحيرا في صومعة له قال ابن إسحاق: وكان أعلم أهل النصرانية. فلما نزلوا ذلك العام ببحيرا وكانوا كثيرا ما يمرون به قبل ذلك لا يكلمهم ولا يعرض لهم، حتى إذا كان ذلك العام نزلوا قريبا من صومعته فرأى وهو في صومعته رسول اللَّه ﷺ في ركب حين أقبلوا وغمامة تظله من بين القوم ثم أقبلوا فنزلوا في ظل شجرة قريبا منه فنظر إلى الغمامة حين أظلت الشجرة وتهصرت أغصان الشجرة على رسول اللَّه ﷺ حين استظل تحتها، فلما رأى بحيرا ذلك نزل من صومعته وجعل يتخللهم حتى جاء فأخذ بيد رسول اللَّه ﷺ وقال: هذا سيد العالمين هذا يبعثه اللَّه رحمة للعالمين. فقال له أشياخ من قريش: وما علمك؟ قال: إنكم حين أشرفتم من العقبة لم يمر بشجر ولا حجر إلا خر ساجدا ولا

стр. 715

يسجدان إلا لنبي وإني أعرفه بخاتم النبوة في أسفل من غضروف كتفه مثل التفاحة. ثم رجع وأمر بطعام كثير فصنع ثم أرسل إليهم فقال: إني صنعت لكم طعاما يا معشر قريش وإني أحب أن تحضروا كلكم صغيركم وكبيركم وحركم وعبدكم. فقال رجل: يا بحيرا إن لك اليوم لشأناً ما كنت تصنع هذا فيما مضى وقد كنا نمر بك كثيرا فيما شأنك؟ فقال بحيرا: صدقت قد كان ما تقول، ولكنكم ضيف وقد أحببت أن أكرمكم وأصنع لكم طعاما تأكلون منه. فاجتمعوا إليه، فلما أتاهم به وكان رسول اللَّه ﷺ راح مع من يرعى الإبل. وفي رواية: فتخلف رسول اللَّه ﷺ من بين القوم لحداثة سنه في رحال القوم، فلما نظر بحيرا لم ير الصفة التي يعرف ويجد عنده، فقال: يا معشر قريش لا يتخلف أحد منكم عن طعامي هذا قالوا: ما تخلف عنك أحد يأتيك إلا غلام هو أحدث القوم سنا تخلف في رحالنا. فقال: لا تفعلوا ادعوه فليحضر هذا الطعام. فقام الحارث بن عبد المطلب فأتى به، فلما أقبل وعليه غمامة تظله فقالوا: انظروا إليه عليه غمامة تظله. فلما دنا من القوم وجدهم سبقوه إلى فيء الشجرة فلما جلس مال فيء الشجرة عليه، فقال: انظروا ما فيء الشجرة عليه هذا نبي هذه الأمة الذي يرسله اللَّه إلى الناس كافة. وفي «الزهر» نقلا عن محمد بن عمر الأسلمي إن رسول اللَّه ﷺ لما فارق تلك الشجرة التي كان جالسا تحتها وقام انفلقت من أصلها حين فارقها وجعل يلحظه لحظا شديدا ينظر إلى أشياء من بدنه قد كان يجدها عنده في صفته وقال لقومه: هذه الحمرة التي في عينيه تأتي وتذهب أولا تفارقه؟ قالوا: ما رأيناها فارقته قط. فأقبل على النبي ﷺ فقال: يا غلام أسألك باللات والعزى إلا ما أخبرتني عما أسألك عنه. وإنما قال له بحيرا ذلك لأنه سمع قومه يحلفون بهما فقال له رسول اللَّه ﷺ : لا تسألني باللات والعزى فواللَّه ما أبغضت بغضهما شيئاً. فقال له بحيرا: فباللَّه إلا ما أخبرتني عما أسألك. فقال: سلني عما بدا لك. فجعل يسأله عن أشياء عن حال نومه ويقظته وجعل رسول اللَّه ﷺ يخبره فوافق ذلك ما عند بحيرا من صفته، ثم نظر إلى ظهره فرأى خاتم النبوة بين كتفيه على موضعه من صفته عنده فلما فرغ منه أقبل على عمه أبي طالب فقال: ما هذا الغلام منك؟ قال: ابني. فقال بحيرا: ما هو بابنك وما ينبغي لهذا الغلام أن يكون له أب حي. قال: فإنه ابن أخي. قال: فما فعل أبوه؟ قال: مات وأمه حامل به. قال: صدقت ارجع بابن أخيك إلى بلدك واحذر عليه اليهود فواللَّه لئن رأوه وعرفوا منه ما عرفت ليبغنه شراً فإنه كائن لابن أخيك شأن. فأسرع به إلى بلاده ولا تذهب به إلى الروم فإن الروم إذا رأوه عرفوه بالصفة فيقتلونه [ (١) ] .

стр. 716

والتفت عنه بحيرا فإذا هو بسبعة نفر قد أقبلوا من الروم فاستقبلهم فقال: ما جاء بكم؟ قالوا: جئنا إلى هذا النبي الذي هو خارج في هذا الشهر فلم يبق طريق إلا بعث إليه ناس وإنا قد أخبرنا خبره بطريقك هذا. قال: أفرأيتم أمرا أراد اللَّه أن يقضيه هل يستطيع أحد من الناس رده؟ قالوا: لا فبايعوه وأقاموا معه. فأتى قريشا فقال: أنشدكم با اللَّه أيكم وليه قالوا: أبو طالب. فلم يزل يناشده حتى رده أبو طالب وأرسل معه رجلا وزودهم الراهب من الكعك والزيت. وقال: أبو طالب في هذه السّفرة قصائد منها ما ذكره ابن إسحاق وأبو هفان في ديوان شعر أبي طالب: إن ابن آمنة الأمين محمدا ... عندي بمثل منازل الأولاد لما تعلق بالزمام رحمته ... والعيس قد قلصن بالأزواد فارفض من عيني دمع ذارف ... مثل الجمان مفرق الأفراد راعيت منه قرابة موصولة ... وحفظت فيه وصية الأجداد وأمرته بالسير بين عمومة ... بيض الوجوه مصالت أنجاد ساروا لأبعد طية معلومة ... فلقد تباعد طية المرتاد حتى إذا ما القوم بصرى عاينوا ... لاقوا على شرك من المرصاد حبرا فأخبرهم حديثاً صادقا ... عنه ورد معاشر الحساد قوما يهودا قد رأوا ما قد رأى ... ظل الغمامة ثاغري الأكباد ساروا لفتك محمد فنهاهم ... عنه وأجهد أحسن الإجهاد فثنى زبيراء بحير فانثنى ... في القوم بعد تجادل وتعاد ونهى دريسا فانتهى لما نهي ... عن قول حبر ناطق بسداد ومنها: بكى حزنا لما رآني محمد ... كأن لا يراني راجعا لمعاد فبت يجافيني تهلل دمعه ... وعبرته عن مضجعي ووسادي فقلت له قرب قتودك وارتحل ... لا تخش مني جفوة ببلاد وحل زمام العيس وارحل بنا معا ... على عزمة من أمرنا ورشاد رح رائحا في الرائحين مشيعا ... لذي رحم والقرم غير بعاد فرحنا مع القوم التي راح ركبها ... يؤمون من غورين أرض إياد

стр. 717

فما رجعوا حتى رأوا من محمد ... أحاديث تجلو رين كل فؤاد وحتى رأوا أحبار كل مدينة ... سجودا له من عصبة وفراد زبيرا وتماما وقد كان شاهدا ... دريس فهموا كلهم بفساد فقال لهم قولا بحيرا فأيقنوا ... به بعد تكذيب وطول بعاد كما قال للركب الذين تهودوا ... وجاهدهم في اللَّه حق جهاد وقال ولم يترك له النصح رده ... فإن له أرصاد كل مضاد فإني أخاف الحاسدين وإنه ... لفي الكتب مكتوب بأي مداد ومنها: ألم ترني من بعد هم هممته ... بفرقة حر الوالدين كرام بأحمد لما أن شددت مطيتي ... برحلي وقد ودعته بسلام بكى حزنا والعيس قد فصلت بنا ... وأمسك بالكفين فضل زمام ذكرت أباه ثم رقرقت عبرة ... بحورا من العينين ذات سجام فقلت تروح راشدا في عمومة ... مواسين في البأساء غير لئام فرحنا مع العير الّتي راح أهلها ... شام الهوى والأصل غير شام فلما هبطنا أرض بصرى تشرفوا ... لنا فوق دور ينظرون جسام فجاء بحيرا عند ذلك حاشدا ... لنا بشراب طيب وطعام فقال اجمعوا أصحابكم لطعامنا ... فقلنا جمعنا القوم غير غلام يتيما فقال ادعوه إنَّ طعامنا ... كثير عليه القوم غير حرام فلما رآه مقبلا نحو داره ... توقيه حر الشمس ظل غمام حنى رأسه شبه السجود وضمه ... إلى نحره والصدر أي ضمام وأقبل ركب يطلبون الذي رأى ... بحيرا من الأعلام وسط خيام فثار إليهم خشية لغرامهم ... وكانوا ذوي مكر معا وغرام دريس وتمام وقد كان فيهم ... زبير وكل القوم غير نيام فجاءوا وقد هموا بقتل محمد ... فردهم عنه بحسن خصام بتأويله التوراة حتى تفرقوا ... فقال لهم ما أنتم بطغام

стр. 718

فذلك من أعلامه وبيانه ... وليس نهار واضح كظلام [ (١) ] تنبيهات الأول: وقع في حديث أبي سعيد عن الترمذي: فلم يزل بحيرا يناشد جده حتى رده وبعث معه أبو بكر بلالا قال الحافظ شرف الدين الدمياطي وتبعه في المورد والعيون: في قوله: «وأرسل معه أبو بكر بلالا» نكارة كيف وأبو بكر حينئذ لم يبلغ العشر سنين فإن النبي ﷺ أسن من أبي بكر بأزيد من عامين وقد قدمنا ما كان سن النبي ﷺ حسين سافر هذه السفرة. وأيضاً فإن بلالا لم ينتقل لأبي بكر إلا بعد ذلك بأكثر من ثلاثين عاما، فإنه كان لبني خلف الجمحيّين وعند ما عذب في اللَّه على الإسلام اشتراه أبو بكر رحمة له واستنقاذا له من أيديهم وسيأتي بيان ذلك. وذكر نحو ذلك الحافظ في الإصابة وزاد أن هذا اللفظ مقتطع من حديث آخر أدرج في هذا الحديث وفي الجملة هو وهم من أحد رواته. وروى ابن منده بسند ضعيف عن ابن عباس رضي اللَّه تعالى عنه قال: إن أبا بكر صحب رسول اللَّه ﷺ وهو ابن ثماني عشرة سنة والنبي ﷺ ابن عشرين سنة وهم يريدون الشام في تجارة، حتى إذا نزل منزلا فيه سدرة فقعد في ظلها ومضى أبو بكر إلى راهب يقال له بحيرا يسأله عن شيء فقال له: من الرجل الذي في ظل السدرة فقال له: محمد بن عبد الله بن عبد المطلب. فقال له: هذا واللَّه نبي هذه الأمة ما استظل تحتها بعد عيسى ابن مريم إلا محمد. وذكر الحديث. قال الحافظ: فهذا إن صح يحتمل أن يكون في سفرة أخرى بعد سفرة أبي طالب. وذكر نحوه في «الزهر» وزاد: وقول ابن دحية: يمكن أن يكون أبو بكر استأجر بلالا حينئذ أو يكون أمية بن خلف بعثه: غير جيد لأمرين. أحدهما: أن أبا بكر لم يكن معهم ولا كان في سن من يملك. وذكر نحو ما سبق في سن النبي ﷺ إذ ذاك. ثانيهما: أن بلالا كان أصغر من أبي بكر فلا يتجه ما قاله بحال.

стр. 719

الثاني: قوله في الحديث: «فبايعوه» في «العيون» إن كان المراد فبايعوا بحيرا على مسالمة النبي ﷺ فقريب. وإن كان غير ذلك فلا أدري ما هو. وقال في «الغرر» الأول هو الظاهر ليوافق الضمير في فيه وفي «وأقاموا معه» ومعناه: فبايعوه على أن لا يأخذوا النبي ﷺ ولا يؤذوه على حسب ما أرسلوا فيه، وأقاموا مع بحيرا خوفاً على أنفسهم إذا رجعوا بدونه. وهذا وجه حسن جدا. الثالث: وقع في سير الزهري أن بحيرا كان حبرا من يهود تيماء. قال الحافظ عماد الدين ابن كثير: والظاهر من سياق القصة أنه كان نصرانيا. قلت: وبذلك جزم ابن إسحاق. كما تقدم. وقال المسعودي في تاريخه: كان بحيرا نصرانيا من عبد القيس. وفي تاريخ ابن عساكر أنه كان يسكن ميفعة قرية وراء دير بالبلقاء. وذكر الإمام السروجي في مناسكه أن عند كفافة منزلة وادي الظباء بها شجر تمر الهندي تزعم العامة أن صومعة بحيراً كانت هناك. قال: ولا يوقف على حقيقة ذلك. وذكر القتبي في «المعارف» أنه سمع قبل الإسلام بقليل هاتف يهتف: ألا إن خير أهل الأرض بحيرا ورئاب بن البراء الشني والثالث المنتظر. فكان الثالث رسول اللَّه ﷺ . قال ابن قتيبة: وكان قبر رئاب الشني وقبر ولده من بعده لا يزال يرى عليه طش والطش: المطر الخفيف. ثم إن بحيرا بباء موحدة مفتوحة فحاء مهملة مكسورة فراء فألف قال: غير واحد مقصورة ورأيت بخط مغلطاي وصاحب الغرر وغيرهما عليها مدة. فاللَّه تعالى أعلم. قال المسعودي: واسمه سرجس. كذا فيما وقفت عليه من نسخ الروض. وفي النسخ التي وقفت عليها من الإشارة جرجيس بكسر الجيمين بينهما راء وبعد الثانية مثناة تحتية فسين مهملة. وهكذا رأيته بخط صاحبها في «الزهر» وصحح عليه. وكذلك هو في الإصابة للحافظ. وجزم الذهبي في ترجمة أبي الفتح سعيد بن عقبة من «الميزان» بأن بحيرا لم يدرك البعثة. وأقره الحافظ في اللسان. وهو غير مصروف للعجمة والعلمية. وهو في الأصل اسم نبي. الرابع: في بيان غريب ما سبق: صب به- بصاد مهملة فباء موحدة: أي مال إليه ورق عليه. ويروى وضبث به بضاد معجمة فباء موحدة فمثلثة. أي تعلق به وأمسك. الصومعة: منزل الراهب، سميت بذلك لأنها محددة الرأس من قولهم ثريدة مصمعة إذا دقت وحدد رأسها.

стр. 720

تهصرت: مالت وتدلت عليه. احتضنه: أخذه مع حضنه أي مع جنبه. الغضروف- بضم الغين وإسكان الضاد المعجمتين فراء مضمومة فواو ساكنة ففاء: هو رأس لوح الكنف ويقال فيه غرضوف بتقديم الراء. فبايعوه- بفتح المثناة التحتية وهو خبر لا أمر. أنشدكم- بفتح الهمزة وضم الشين: أي أسألكم باللَّه. العيس [ (١) ]- بعين مهملة مكسورة وسين مهملتين بينهما مثناة تحتية: إبل بيض في بياضها ظلمة خفية، والواحدة عيساء بفتح العين. قلصن: ارتفعن. ارفض: سال. ذارف- بذال معجمة- يقال ذرف الدمع يذرف ذرفا وذرفانا: سال. الجمان: بضم الجيم: جمع جمانة، حبة تعمل من الفضة كالدرة. الصلت: الواضح الجبين. أنجاد: أقوياء. على شرك: على طريق. ثاغري الأكباد [ (٢) ] : أي سقطت أكبادهم من سرعة المشي. الفتك: البطش والقتل على غفلة. القتود [ (٣) ] والأقتاد جمع قتد: خشب الرحل. من غورين: تثنية غور وهو ما انخفض من الأرض. إياد: هم بنو إياد بن نزار من معد بن عدنان. الرين [ (٤) ] : الغشاء الذي على القلب من ظلمة الذنوب. رقرقت: براءين مهملتين وقافين قال في الصحاح: رقرقت الماء فترقرق: أي جاء وذهب، وكذلك الدمع إذا ملأ الحملاق. سجام: يقال سجم الدمع سجما وسجاما: سال.

стр. 721

الباب التاسع في حفظ الله تعالى إياه في شبابه عما كان عليه أهل الجاهلية واشتهاره بالأخلاق الفاضلة والخصال الحميدة قبل بعثته وتعظيم قومه له ﷺ . قال داود بن الحصين، فيما رواه ابن سعد وابن عساكر، وابن إسحاق فيما رواه البيهقي وغيره: فشب رسول اللَّه ﷺ يكلؤه اللَّه ويحفظه ويحوطه من أقذار الجاهلية ومعايبها، لما يريد به من كرامته ورسالته، حتى بلغ أن كان رجلا أفضل قومه مروءة وأحسنهم خلقا، وأكرمهم حسبا وأحسنهم جوارا، وأعظمهم حلما، وأصدقهم حديثاً، وأعظمهم أمانة، وأبعدهم من الفحش والأخلاق التي تدنس الرجال تنزها وتكرما. ما رئي ملاحيا ولا مماريا أحدا حتى ما اسمه في قومه إلا الأمين لما جمع اللَّه فيه من الأمور الصالحة. وذكر أبو هاشم محمد بن ظفر في «خير البشر بخير البشر» : حج أكثم بن صيفي حكيم العرب، والنبي ﷺ في سن الحلم، فرآه أكثم فقال لأبي طالب: ما أسرع ما شب أخوك. فقال ليس بأخي ولكنه ابن أخي عبد الله. فقال أكثم أهو ابن الذبيحين؟ قال: نعم. فجعل يتوسمه ثم قال لأبي طالب ما تظنون به؟ قال: نحسن به الظن وإنه لوفي سخي. قال؟ هل غير هذا؟ قال: نعم إنه لذو شدة ولين ومجلس ركين وفضل متين. قال فهل غير هذا؟ قال: أنا لنتيمن بمشهده ونتعرف البركة فيما لمسه بيده. فقال أكثم: أقول غير هذا إنه ليضرب العرب قامطة- يعني جامعة- بيد حائطة ورجل لائطة ثم ينعق بهم إلى مرتع مريع وورد سريع فمن اخرورط إليه هداه ومن احروف عنه أرداه. وروى ابن سعد عن الربيع بن خثيم [ (١) ] قال: كان يتحاكم إلى رسول اللَّه ﷺ في الجاهلية قبل الإسلام. قال ابن إسحاق: وكان رسول اللَّه ﷺ يحدث عما كان اللَّه يحفظه في صغره من أمر الجاهلية وأنه قال: لقد رأيتني في غلمان من قريش ننقل حجارة لبعض ما يلعب به الصبيان كلنا قد تعرى وأخذ إزاره وجعله على رقبته يحمل عليه الحجارة فإني لأقبل معهم وأدبر إذ لكمني لاكم لكمة شديدة ثم قال: شد عليك إزارك. قال: فأخذته فشددته علي ثم جعلت أنقل الحجارة علي رقبتي وإزاري على من بين أصحابي.

стр. 722

وهذه القصة شبيهة بما وقع عند بناء الكعبة. روى الطبراني والبيهقي في الدلائل من طريق عمرو بن قيس، وابن جرير في التهذيب من طريق هارون بن المغيرة، وأبو نعيم في المعرفة من طريق قيس بن الربيع، وفي الدلائل من طريق شعيب بن خالد، كلهم عن سماك بن حرب، وأبو نعيم من طريق الحكم بن أبان، كلاهما عن عكرمة عن ابن عباس رضي اللَّه تعالى عنهما قال: حدثني أبي العباس بن عبد المطلب قال: لما بنت قريش الكعبة انفردت رجلين ينقلون الحجارة، فكنت أنا وابن أخي فجعلنا نأخذ أزرنا فنضعها على مناكبنا ونجعل عليها الحجارة فإذا دنونا من الناس لبسنا أزرنا فبينا هو أمامي إذ صرع فسعيت وهو شاخص ببصره إلى السماء فقلت: يا بن أخي ما شأنك؟ قال نهيت أن أمشي عريانا. قال: فكتمته حتى أظهره اللَّه بنبوته. وورد من حديث جابر وأبي الطفيل. ويأتيان. وروى الترمذي وغيره عن أبي موسى أن بحيرا حين حلف النبي ﷺ باللات والعزى قال له النبي ﷺ : لا تسألني باللات والعزى شيئاً فو اللَّه ما أبغضت بغضهما شيئاً [ (١) ] . وعن علي رضي اللَّه تعالى عنه قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: ما هممت بشيء مما كان أهل الجاهلية يهمّون به من الغناء إلا ليلتين كلتاهما عصمني اللَّه منهما [ (٢) ] . قلت ليلة لبعض فتيان مكة ونحن في رعاية غنم أهلنا فقلت لصاحبي: أبصر لي غنمي حتى أدخل مكة فأسمر بها كما يسمر الفتيان. فقال: بلى فدخلت حتى إذا جئت أول دار من دور مكة سمعت عزفا وغرابيل ومزامير. قلت ما هذا؟ قيل: تزوج فلان فلانة. فجلست أنظر. وضرب اللَّه على أذني، فو اللَّه ما أيقظني إلا مس الشمس فرجعت إلى صاحبي فقال: ما فعلت: فقلت: ما فعلت شيئاً ثم أخبرته بالذي رأيت. ثم قلت له ليلة أخرى: أبصر لي غنمي حتى أسمر بمكة. ففعل فدخلت فلما جئت مكة سمعت مثل الذي سمعت تلك الليلة فجلست أنظر وضرب اللَّه على أذني فو اللَّه ما أيقظني إلا مس الشمس فرجعت إلى صاحبي فقال: ما فعلت فقلت لا شيء ثم أخبرته بالذي رأيت فو اللَّه ما هممت ولا عدت بعدهما لشيء من ذلك حتى أكرمني اللَّه بنبوته. رواه ابن إسحاق وإسحاق بن راهويه والبزار وابن حبان. قال الحافظ: وإسناده حسن متصل. وعن ابن عباس رضي اللَّه تعالى عنهما قال: لما نزلت وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ

стр. 723

[الشعراء ٢١٤] نادى رسول اللَّه ﷺ في قريش بطنا بطنا فقال: «أرأيتم لو قلت لكم إن خيلا بسفح هذا الجبل أكنتم مصدقي؟» قالوا: نعم ما جربنا عليك كذبا قط [ (١) ] . رواه الشيخان. وعن عائشة رضي اللَّه تعالى عنها قالت سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: سمعت زيد بن عمرو بن نفيل يعيب كل ما ذبح لغير اللَّه فما ذقت شيئاً ذبح على النصب حتى أكرمني اللَّه برسالته [ (٢) ] . رواه أبو نعيم. وعن علي رضي اللَّه تعالى عنه قال: قيل للنبي ﷺ : هل عبدت وثنا قط؟ قال: لا. قالوا: فهل شربت خمرا قط؟ قال: «لا وما زلت أعرف أن الذي هم عليه كفر وما كنت أدري ما الكتاب ولا الإيمان» . رواه أبو نعيم وابن عساكر. وعن أم أيمن رضي اللَّه تعالى عنها قالت: كان بوانة صنما تحضره قريش يوما في السنة فكان أبو طالب يحضره مع قومه وكان يكلم رسول اللَّه ﷺ إن يحضر ذلك معه فيأبى حتى رأيت أبا طالب غضب عليه ورأيت عماته غضبن عليه وقلن يا محمد ما تريد أن تحضر لقومك عيدا ولا تكثر لهم جمحا. فلم يزالوا به حتى ذهب فغاب ما شاء اللَّه ثم رجع مرعوبا فزعا فقالت عماته: ما دهاك؟ قال: إني أخشى أن يكون بي لمم فقلن: ما كان اللَّه يبتليك بالشيطان وفيك من خصال الخير ما فيك، فما الذي رأيت؟ قال: إني كلما دعوت من صنم منها تمثل لي رجل أبيض طويل يصيح بي: وراءك يا محمد لا تمسه قالت: فما عاد إلى عيد لهم. رواه ابن سعد وأبو نعيم وابن عساكر. وعن جبير بن مطعم قال: لقد رأيت رسول اللَّه ﷺ في الجاهلية وهو يقف على بعير له بعرفات من بين قومه حتى يدفع معهم توفيقا من اللَّه تعالى له. وعن عائشة رضي اللَّه تعالى عنها قالت: كانت قريش ومن دان دينها وهم الحمس يقفون عشية عرفة بالمزدلفة ويقولون: نحن قطن البيت. وكانت بقية الناس والعرب يقفون بعرفات فأنزل اللَّه : ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ [البقرة ١٩٩] فتقدموا فوقفوا مع الناس. رواه الشيخان.

стр. 724

وروى يعقوب بن سفيان عن الزهري أن قريشا سمت رسول اللَّه ﷺ الأمين قبل أن ينزل عليه الوحي فطفقوا ألا ينحروا جزورا إلا التمسوه فيه فيدعو لهم فيها. وروى الشيخان من حديث عائشة في حديث بدء الوحي لما أتاه جبريل بالوحي قال لخديجة: لقد خشيت على نفسي وأخبرها الخبر. فقالت له: كلا أبشر فو اللَّه لا يخزيك اللَّه أبدا إنك لتصل الرحم وتصدق الحديث وتحمل الكل وتكسب المعدوم وتقري الضيف وتعين على نوائب الحق. تنبيهات الأول: ما ذكره ابن إسحاق من قصة تعريه ﷺ وأنه في صغره وأنه أمر بالستر قال السهيلي وتبعه ابن كثير وأبو الفتح والحافظ: إن صح حمل على أن هذا الأمر كان مرتين مرة في حال صغره ومرة في أول اكتهاله عند بنيان الكعبة. واستبعد ذلك مغلطاي في كتابيه «الزهر» و «دلائل النبوة» بأنه ﷺ إذا نهي عن شيء مرة لا يعود إليه ثانيا بوجه من الوجوه. وأيضاً في حديث العباس- أي الآتي في باب بناء البيت- أنه لأول ما نودي. وأما ما رواه ابن سعد وأبو نعيم وابن عساكر من طريق النضر بن عبد الرحمن عن ابن عباس رضي اللَّه تعالى عنهما قال كان أبو طالب يعالج زمزم وكان النبي ﷺ ينقل الحجارة وهو غلام يأخذ إزاره ويتقي به الحجارة فغشي عليه، فلما أفاق سأله أبو طالب فقال: أتاني آت عليه ثياب بيض فقال لي: استتر فكان أول شيء رآه رسول اللَّه ﷺ من النبوة أن قيل له استتر وهو غلام. قال: فما رئيت عورته من يومئذ [ (١) ] . فقد قال الحافظ في الفتح: إن النضر ضعيف وقد خبط في إسناده وفي متنه فإنه جعل القصة في معالجة زمزم ولم يذكر العباس وقد قدمنا أن عكرمة والحكم بن أبان رويا القصة عن ابن عباس عن أبيه في قصة بناء البيت. الثاني: روى أبو يعلى وابن عدي والبيهقي وابن عساكر عن جابر بن عبد الله رضي اللَّه تعالى عنهما قال: كان رسول اللَّه ﷺ يشهد مع المشركين مشاهدهم فسمع ملكين خلفه وأحدهما يقول لصاحبه: اذهب بنا حتى نقوم خلف رسول اللَّه ﷺ فقال: كيف نقوم خلفه وإنما عهده باستلام الأصنام قبيل؟ فلم يعد بعد ذلك يشهد مع المشركين مشاهدهم. وقول الملكين: وإنما عهده باستلام الأصنام قال الطبراني والبيهقي: يعني أنه شهد مع من استلمها. والمراد بالمشاهد التي شهدها مشاهد الحلف ونحوها لا مشاهد استلام الأصنام.

стр. 725

وقال الحافظ في المطالب العالية: هذا الحديث أنكره الناس على عثمان بن أبي شيبة فبالغوا، والمنكر منه قوله عن الملك: «عهده باستلام الأصنام» فإن ظاهره أنه باشر الاستلام. وليس ذلك مرادا، بل المراد أنه شهد مباشرة المشركين استلام أصنامهم. انتهى. الثالث: في بيان غريب ما سبق. ملاحيا: مخاصما لأحد ولا سابّا له. أكثم: بثاء مثلثة. ركين: أي له أركان عالية، أراد بذلك شدة قومه وركن الشيء جانبه. قامطة [ (١) ] : أي جامعة. لايطة بمثناة تحتية مكسورة وطاء مهملة: أي لاصقة لازمة. ينعق بهم: بكسر العين المهملة أي يصيح. المرتع. بفتح الميم: مكان الخصب والسعة. مريع: أي كثير النماء والزيادة. ورد سريع: مجيء قريب. اخرورط [ (٢) ] . بخاء معجمة فراء فواو ساكنة فراء مهملة فطاء مهملة: أي مال إليه وتبعه. احرورف [ (٣) ] . عنه: بحاء فراء مفتوحة مهملتين فواو ساكنة فراء ففاء أي عدل عنه. أرداه: أهلكه. رأيتني، بضم التاء: أي رأيت نفسي. السمر: الحديث بالليل. غناء بكسر الغين المعجمة وبالمد: معروف. العزف قال في الصحاح: المعازف الملاهي والعازف اللاعب بها والمغني، وقد عزف عزفا. الغرابيل: جمع غربال والمراد به هنا الدف سمي بذلك لأنه يشبه الغربال في استدارته. سفح الجبل بالسين، وبالصاد أجواد، مضجعة. بوانة بضم الباء الموحدة وتفتح ثم واو مخففة وبعد الألف نون مفتوحة ثم باء تأنيث. النصب: الأصنام التي كانوا يذبحون عليها الذبائح تقربا لها. الحمس [ (٤) ] . يقال حمس بالكسر فهو أحمس أي شديد صلب في الدين والقتال، ومنه حمس قريش ومن ولدت وكنانة وجديلة قيس. قطن البيت: أي سكانه جمع قاطن.

стр. 726

الباب العاشر في شهوده ﷺ حرب الفجار وكان في شوال. كما قاله الواقدي. وقيل في شعبان كما في الروض. لما بلغ رسول اللَّه ﷺ أربع عشرة أو خمس عشرة فيما قال ابن هشام، وقال ابن إسحاق: عشرين سنة كان قبل المبعث بعشرين سنة هاجت حرب الفجار بين قريش ومن معها من كنانة وبين قيس عيلان. وكان الذي هاجها أن عروة الرحال ابن عتبة أجار لطيمة للنعمان بن المنذر فقال البراض بن قيس أحد بني ضمرة: أتجيرها على كنانة؟ قال: نعم وعلى الخلق. فخرج فيها عروة الرحال وخرج البراض يطلب غفلته حتى إذا كان بتيمن ذي طلال بالعالية غفل عروة فوثب عليه البراض فقتله في الشهر الحرام، فلذلك سمي الفجار. فأتى آت قريشا فقال: إن البراض قد قتل عروة وهم في الشهر الحرام بعكاظ. فارتحلوا وهوازن لا تشعر، ثم بلغهم الخبر فاتبعوهم فأدركوهم قبل أن يدخلوا الحرم فاقتتلوا حتى جاء الليل ودخلوا الحرم فأمسكت عنهم هوازن ثم التقوا بعد هذا اليوم أياما، وكان لكنانة وقيس فيه ستة أيام مذكورة: شمظة ويوم العبلاء وهما عند عكاظ، ويوم الشرب وهو أعظمها يوما وفيه قيد أبو سفيان وأمية وحرب أبناء أمية أنفسهم كي لا يفروا فسموا العنابس. ويوم الحريرة عند نخلة انهزمت قريش إلا بني نصر منهم فإنهم ثبتوا وشهد رسول اللَّه ﷺ بعض أيامهم أخرجه أعمامه معهم. وروى ابن سعد إن رسول اللَّه ﷺ قال: قد حضرته- يعني: حرب الفجار- مع عمومتي ورميت فيه بأسهم وما أحب أني لم أكن فعلته وكنت أنبل على أعمامي [ (١) ] . وكان آخر أيام الفجار أن هوازن وكنانة تواعدوا للعام القابل بعكاظ فجاءوا للموعد، وكان حرب بن أمية رئيس قريش وكنانة، وكان عتبة بن ربيعة يتيما في حجره فضربه حرب وأشفق من خروجه معه فخرج عتبة بغير إذنه فلم يشعر إلا وهو على بعيره بين الصفين ينادي: يا معشر مضر علام تفانون؟ فقالت له هوازن: ما تدعو إليه؟ قال: الصلح على أن ندفع لكم دية قتلاكم وتعفوا عن دمائنا. قالوا: وكيف ذاك؟ قال: ندفع إليكم رهنا منا. قالوا: ومن لنا بهذا، قال أنا: قالوا، ومن أنت: قال: أنا عتبة بن ربيعة بن عبد شمس. فرضوا ورضيت كنانة ودفعوا إلى هوازن أربعين رجلا فيهم حكيم بن حزام فلما رأت بنو عامر بن صعصعة الرهن في أيديهم عفوا عن الدماء وأطلقوهم وانقضت حرب الفجار. وكان يقال: لم يسد من قريش مملق يعني فقيرا غير عتبة وأبي طالب فإنهما سادا بغير مال.

стр. 727

تنبيه: ذكر السهيلي إن النبي ﷺ لم يقاتل في حرب الفجار. وقد تقدم عن ابن سعد أن رسول اللَّه ﷺ قاتل فيه. تفسير الغريب الفجار بكسر الفاء بمعنى المفاجرة، كالقتال بمعنى المقاتلة، وذلك أنه كان قتالهم في الشهر الحرام ففجروا فيه جميعا فسمي الفجار. وكانت للعرب فجارات أربع ذكرها المسعودي. عيلان: بفتح العين المهملة. الرحال: براء مفتوحة فحاء مهملة مشددة. البراض: بفتح الباء الموحدة والراء المشددة وآخره ضاد معجمة ساقطة. تيمن: بفتح المثناةُ الفوقية بعدها مثناة تحتية فميم فنون. يوم شمظة: بشين معجمة مفتوحة فميم ساكنة فظاء معجمة. يوم العبلاء: بعين مهملة مفتوحة فباء موحدة ساكنة فلام فألف ممدودة. يوم شرب: بشين معجمة فراء مفتوحتين فباء موحدة. الحريرة: بحاء مهملة تصغير حرة. الأربعة أسماء أماكن. العنابس [ (١) ] : بعين مهملة فنون مخففة فألف فباء موحدة مكسورة فسين مهملة جمع عنبس وهو الأسد. قال في الصحاح: العنابيس من قريش: أولاد أمية بن عبد شمس الأكبر وهم ستة حرب وأبو حرب وسفيان وأبو سفيان وعمرو وأبو عمرو، وسموا بالأسد والباقون يقال لهم الأعياص بعين مهملة فمثناة تحتية فصاد مهملة وهم أولاد أمية بن عبد شمس الأكبر وهم أربعة: العاص وأبو العاص والعيص وأبو العيص. نخلة بلفظ واحدة شجر النخل: موضع قريب من مكة. في حجره: بكسر الحاء وفتحها. ضن به: بضاد معجمة مفتوحة ساقطة فنون مشددة: بخل به. أشفق: خاف. يشعر: يعلم. تفانون: بمثناة فوقية حذف منه أخرى مأخوذ من الفناء. رهنا بضم الهاء والراء.

стр. 728

الباب الحادي عشر في شهوده ﷺ حلف الفضول كان هذا الحلف في ذي القعدة قبل المبعث بعشرين سنة منصرف قريش من الفجار ولرسول اللَّه ﷺ يومئذ عشرون سنة. وكان أكرم حلف سمع به وأشرفه في العرب. وكان أول من تكلم به ودعا إليه الزبير بن عبد المطلب عم رسول اللَّه ﷺ . وكان سببه أن رجلا من زبيد قدم مكة ببضاعة فاشتراها منه العاصي بن وائل السهمي وكان ذا قدر وشرف بمكة فحبس عنه حقه فاستعدى عليه الزبيدي الأحلاف عبد الدار ومخزوماً وجمحاً وسهماً فأبوا أن يعينوا الزبيدي على العاصي بن وائل وزبروه ونهروه فلما رأى الزبيدي الشر رقى على أبي قبيس عند طلوع الشمس وقريش في أنديتهم حول الكعبة فقال بأعلى صوته: يا آل فهر لمظلوم بضاعته ... ببطن مكة نائي الدار والنفر ومحرم أشعث لم يقض عمرته ... يا للرجال وبين الحجر والحجر إن الحرام لمن تمت مكارمه ... ولا حرام لثوب الفاجر الغدر [ (١) ] . فقام في ذلك الزبير بن عبد المطلب وقال ألهذا مترك؟ فاجتمعت هاشم وزهرة وتيم في دار عبد الله بن جدعان فصنع لهم طعاما فحالفوا في القعدة في شهر حرام قياما فتعاقدوا وتعاهدوا ليكونن يدا واحدة مع المظلوم على الظالم حتى يؤدى إليه حقه ما بل بحر صوفة وما رسا حراء وثبير مكانهما، وعلى التآسي في المعاش. فسمت قريش ذلك الحلف حلف الفضول. وقالوا: لقد دخل هؤلاء في فضول من الأمر. ثم مشوا إلى العاصي بن وائل. فانتزعوا منه سلعة الزبيدي فدفعوها إليه. وروى ابن إسحاق عن طلحة بن عبيد الله وابن سعد والبيهقي عن جبير بن مطعم رضي اللَّه تعالى عنهما قالا قال رسول اللَّه ﷺ : «لقد شهدت في دار عبد الله بن جدعان حلفا ما أحب أن لي به حمر النعم ولو دعي به في الإسلام لأجبت» [ (٢) ] . وروى البيهقي عن أبي هريرة رضي اللَّه تعالى عنه إن رسول اللَّه ﷺ قال: ما شهدت حلفا لقريش إلا حلف المطيبين شهدته مع عمومتي وما أحب أن لي به حمر النعم وأني كنت نقضته. قال بعض رواته: والمطيبون هاشم وزهرة ومخزوم.

стр. 729

قال البيهقي: كذا روى هذا التفسير مدرجا ولا أدري من قاله. وزعم بعض أهل السير أنه أراد حلف الفضول فإن النبي ﷺ لم يدرك حلف المطيّبين. تفسير الغريب الحلف: بكسر الحاء المهملة وإسكان اللام وهو العهد والبيعة. الفضول: اختلفوا فيه فقيل سمي بذلك لأنه كان قد سبق قريشا فيما قاله ابن قتيبة إلى مثل هذا الحلف جرهم في الزمن الأول فتحالف منهم ثلاثة هم ومن تبعهم أحدهم: الفضل بن فضالة. والثاني: الفضل بن وداعة. والثالث: الفضل بن الحارث. هذا قول القتبي. وقال الزبير: الفضل بن شراعة والفضل بن قضاعة فلما أشبه حلف الآخر فعل هؤلاء الجرهميين سمي حلف الفضول، والفضول جمع فضل وهي أسماء أولئك الذين تقدم ذكرهم. قال السهيلي: وهذا الذي قاله ابن قتيبة حسن ولكن في الحديث ما هو أقوى منه. روى الحميدي عن سفيان عن عبد الله بن محمد وعبد الرحمن بن أبي بكر قالا: قال رسول اللَّه ﷺ : «لقد شهدت في دار عبد الله بن جدعان حلفا لو دعيت به في الإسلام لأجبت تحالفوا أن يردوا الفضول على أهلها ولا يعز ظالم على مظلوم» . قلت: الظاهر أن قوله: تحالفوا إلى آخره- مدرج من بعض رواته وليس بمرفوع، فلا دلالة حينئذ فيه. وقيل: إنما سمي حلف الفضول لأنهم أخرجوا فضول أموالهم للأضياف. منصرف: بفتح الراء. جدعان: بضم الجيم وإسكان الدال فعين مهملتين فألف فنون. ما بل بحر صوفة: يعني الأبد، أي ما قام في البحر ماء ولو قطرة. حمر النعم: بحاء مضمومة فميم ساكنة والنعم هنا: الإبل خاصة.

стр. 730

الباب الثاني عشر في رعيته ﷺ الغنم عن أبي هريرة رضي اللَّه تعالى عنه قال: قال رسول اللَّه ﷺ : «ما بعث اللَّه نبيا إلا راعي غنم» . فقال له أصحابه: وأنت يا رسول اللَّه؟ قال: «وأنا رعيتها لأهل مكة بالقراريط [ (١) ] » . رواه ابن سعد والبخاري وابن ماجة. وعن جابر بن عبد الله رضي اللَّه تعالى عنهما قال: كنا مع رسول اللَّه ﷺ نجني الكباث، فقال: عليكم بالأسود منه فإنه أطيبه فإني كنت أجنيه إذ كنت أرعى الغنم. قلنا: وكنت ترعى الغنم يا رسول اللَّه؟ قال: نعم. وما من نبي إلا وقد رعاها [ (٢) ] . رواه الإمام أحمد وابن سعد والشيخان. وروى أبو داود الطيالسي والبغوي وابن منده وأبو نعيم وابن عساكر عن بشر بن حرب البصري مرسلا، والإمام أحمد وعبد بن حميد عن أبي سعيد ﵁ قالا: افتخر أهل الإبل والشاء، فقال رسول اللَّه ﷺ : «بعث موسى وهو راعي غنم وبعث داود وهو راعي غنم، وبعثت وأنا راعي غنم لأهلي بأجياد [ (٣) ] » . تنبيهات الأول: قال العلماء رضي اللَّه تعالى عنهم: الحكمة في إلهام رعي الغنم قبل النبوة: أن يحصل لهم التمرن برعيها على ما سيكلفونه من القيام بأمر أمتهم، ولأن في مخالطتها ما يحصل الحلم والشفقة، لأنهم إذا صبروا على رعيها وجمعها بعد تفرقها في المرعى، ونقلها من مسرح إلى مسرح، ودفع عدوها من سبع وغيره كالسارق، وعلموا اختلاف طباعها وشدة تفرقها مع ضعفها واحتياجها إلى المعاهدة ألفوا من ذلك الصبر على الأمة وعرفوا اختلاف طباعها وتفاوت عقولها، فجبروا كسيرها ورفقوا بضعيفها وأحسنوا التعاهد لها، فيكون تحملهم لمشقة ذلك أسهل مما لو كلفوا القيام بذلك من أول وهلة لما تحصل لهم من التدريج على ذلك برعي الغنم، وخصت الغنم بذلك لكونها أضعف من غيرها ولأن تفرقها أكثر من تفرق الإبل والبقر لإمكان ضبط الإبل والبقر بالربط دونها في العادة المألوفة ومع أكثرية تفرقها فهي أسرع انقيادا من غيرها. وفي ذكر النبي ﷺ لذلك بعد أن علم أن أكرم الخلق على اللَّه

стр. 731

تعالى ما كان عليه من عظيم التواضع لربه والتصريح بمنته عليه وعلى إخوانه من الأنبياء ﷺ وعليهم أجمعين. الثاني: في فتاوى الشيخ رحمه اللَّه تعالى نقلا عن الحنفية والمالكية والحنابلة ومقتضى مذهب الشافعي: أنه يعزر من قال: كان النبي ﷺ راعي غنم. إذا عير برعيها. الثالث: في بيان غريب ما سبق. رعيته بكسر الراء المراد: الهيئة. والغنم: منصوب مفعول المصدر وهو رعيته. على قراريط: قال الحافظ: على بمعنى الباء، وهي للسببية. وقيل إنها للظرفية كما سيتبين. وفي رواية ابن ماجة، عن سويد بن سعيد، والإسماعيلي عن حسان بن محمد كلاهما عن عمرو بن يحيى: كنت أرعاها لأهل مكة بالقراريط قال سويد بن سعيد: يعني كل شاة بقيراط. يعني القيراط الذي هو جزء من الدينار أو الدرهم. وقال الإمام أبو إسحاق الحربي: قراريط: اسم موضع بمكة ولم يرد القراريط من الفضة. وصوبه ابن الجوزي تبعا لابن ناصر وخطأ سويدا في تفسيره. قال الحافظ: لكن رجح الأول بأن أهل مكة لا يعرفون بها مكانا يقال له قراريط. وزعم بعضهم أن في قوله ﷺ في الرواية الأخرى: «وبعثت وأنا راعي غنم بأجياد» رد لتأويل سويد لأنه ما كان يرعى بالأجرة لأهله، فتعين أنه أراد المكان فعبر تارة بأجياد وتارة بقراريط. وليس الرد بجيد إذ لا مانع من الجمع بأن يرعى لأهله بغير أجرة ولغيرهم بأجرة. والمراد بقوله: «أهلي» أهل مكة فيتحد الخبران ويكون في أحد الحديثين بين الأجرة وفي الآخر بين المكان فلا تنافي في ذلك. وقال بعضهم: لم تكن العرب تعرف القراريط الذي هو من النقد، ولذلك جاء في الصحيح: «ستفتحون أرضا يذكر فيها القيراط» وليس الاستدلال لما ذكر من نفي المعرفة بواضح. انتهى كلام الحافظ. قلت: تأويل سعيد هو الذي فهمه الإمام البخاري وهو الأجرة، ولذا ذكره في الإجارة. الكباث [ (١) ]- بكاف فباء موحدة مفتوحتين فألف فثاء مثلثة: النضيج من ثمر الأراك. جياد: موضع بأسفل مكة معروف من شعابها، ذكره بغير همز البكري في معجمه. أجياد: بفتح أوله وإسكان ثانيه وبالمثناة التحتية والدال المهملة: كأنه جمع جيد، موضع من بطحاء مكة من منازل قريش، فإذن يقال له جياد وأجياد بالهمز وعدمه.

стр. 732

الباب الثالث عشر في سفره ﷺ مرة ثانية إلى الشام قال ابن إسحاق: وله من العمر خمس وعشرون سنة. زاد غيره: لأربع عشرة ليلة من ذي الحجة. وروى ابن سعد وابن السكن وأبو نعيم عن نفيسة بنت منية [ (١) ] قالت: لما بلغ رسول اللَّه ﷺ خمسا وعشرين سنة وليس له بمكة اسم إلا الأمين لما تكامل فيه من خصال الخير، قال له أبو طالب: يا ابن أخي أنا رجل لا مال لي وقد اشتد الزمان علينا وألحت علينا سنون منكرة وليست لنا مادة ولا تجارة، وهذه عير قومك قد حضر خروجها إلى الشام وخديجة بنت خويلد تبعث رجالا من قومك في عيراتها فيتجرون لها في مالها ويصيبون منافع، فلو جئتها وعرضت نفسك عليها لأسرعت إليك وفضلتك على غيرك، لما يبلغها عنك من طهارتك وإن كنت أكره أن تأتي الشام، وأخاف عليك من يهود، ولكن لا تجد من ذلك بدا. وكانت خديجة امرأة تاجرة ذات شرف ومال كثير وتجارة تبعث بها إلى الشام فيكون عيرها كعامة عير قريش، وكانت تستأجر الرجال وتدفع إليهم الأموال مضاربة، وكانت قريش قوما تجارا ومن لم يكن تاجرا من قريش فليس عندهم بشيء فقال له رسول اللَّه ﷺ : فلعلها ترسل إلي في ذلك. فقال أبو طالب: إني أخاف أن تولي غيرك فتطلب أمرا مدبرا. فافترقا. وبلغ خديجة ما كان من محاورة عمه له وقبل ذلك ما كان من صدق حديثه وعظم أمانته وكرم أخلاقه، فقالت: ما علمت أنه يريد هذا. ثم أرسلت إليه فقالت: إنه دعاني إلى البعث إليك ما بلغني من صدق حديثك وعظم أمانتك وكرم أخلاقك، وأنا أعطيك ضعف ما أعطي رجلا من قومك. ففعل رسول اللَّه ﷺ . ثم لقي عمه أبا طالب فذكر له ذلك فقال: إن هذا لرزق ساقه اللَّه إليك. فخرج رسول اللَّه ﷺ مع غلامها ميسرة، وقالت خديجة لميسرة: لا تعص له أمرا ولا تخالف له رأيا. فخرج هو وميسرة وعليه غمامة تظله وجعل عمومته يوصون به أهل العير. فخرج حتى قدم الشام فنزلا في سوق بصرى في ظل شجرة قريبا من صومعة راهب يقال له نسطورا. فاطلع الراهب إلى ميسرة- وكان يعرفه- فقال: يا ميسرة من هذا الذي نزل

стр. 733

تحت هذه الشجرة؟ فقال ميسرة: رجل من قريش. فقال الراهب: ما نزل تحت هذه الشجرة قط إلا نبي، أفي عينيه حمرة؟ قال ميسرة: نعم لا تفارقه. فقال الراهب: هو هو، وهو آخر الأنبياء، ويا ليت أني أدركه حيث يؤمر بالخروج. وعند أبي سعد النيسابوري في الشرف: فلما رأى الغمامة فزع وقال: ما أنتم؟ قال: ميسرة غلام خديجة، فدنا إلى النبي ﷺ سرا من ميسرة وقبل رأسه وقدميه وقال: آمنت بك وأنا أشهد أنك الذي ذكره اللَّه في التوراة. ثم قال: يا محمد قد عرفت فيك العلامات كلها خلا خصلة واحدة فأوضح لي عن كتفك. فأوضح له، فإذا هو بخاتم النبوة يتلألأ، فأقبل عليه يقبله ويقول: أشهد أن لا إله إلا اللَّه وأشهد أنك رسول اللَّه النبي الأمي الذي بشر بك عيسى ابن مريم فإنه قال: لا ينزل بعدي تحت هذه الشجرة إلا النبي الأمي الهاشمي العربي المكي صاحب الحوض والشفاعة وصاحب لواء الحمد. انتهى. فوعى ميسرة ذلك. ثم حضر رسول اللَّه ﷺ سوق بصرى فباع سلعته التي خرج بها واشترى، فكان بينه وبين رجل اختلاف في سلعة فقال الرجل: احلف باللات والعزى. فقال رسول اللَّه ﷺ : «ما حلفت بهما قط [ (١) ] . فقال الرجل: القول قولك. ثم قال الميسرة وخلا به: يا ميسرة هذا نبي هذه الأمة والذي نفسي بيده إنه لهو تجده أحبارنا منعوتا في كتبهم، فوعى ميسرة ذلك. ثم انصرف أهل العير جميعا، وكان ميسرة يرى رسول اللَّه ﷺ إذا كانت الهاجرة واشتد الحر، يرى ملكين يظلانه من الشمس وهو على بعيره. وكان اللَّه تعالى قد ألقى على رسول اللَّه ﷺ المحبة من ميسرة، فكأنه عبد لرسول اللَّه ﷺ . وعند أبي سعد في «الشرف» أنهم باعوا متاعهم وربحوا ربحا لم يربحوا مثله قط، فقال ميسرة: يا محمد اتجرنا لخديجة أربعين سنة ما رأيت ربحا قط أكثر من هذا الربح على وجهك. فلما كانوا بمر الظهران قال ميسرة للنبي ﷺ : هل لك أن تسبقني إلى خديجة فتخبرها بالذي جرى لعلها تزيدك بكرة إلى بكرتيك. فركب النبي ﷺ قعودا أحمر فتقدم حتى دخل مكة في ساعة الظهيرة وخديجة في علية لها معها نساء فيهن نفيسة بنت منية فرأت رسول اللَّه ﷺ حين دخل وهو راكب على بعيره وملكان يظلان عليه فأرته نساءها فعجبن لذلك. ودخل عليها رسول اللَّه ﷺ فخبرها بما ربحوا فسرت بذلك وقالت: أين ميسرة؟ قال: خلفته في البادية. قالت: عجل إليه ليعجل بالإقبال. وإنما أرادت أن تعلم أهو الذي رأت

стр. 734

أم غيره. فركب رسول اللَّه ﷺ وصعدت خديجة تنظر فرأته على الحالة الأولى فاستيقنت أنه هو، فلما دخل عليها ميسرة أخبرته بما رأت وأخبرها بقول الراهب نسطورا وبقول الآخر الذي خالفه في البيع. قال ابن إسحاق: فلما رأت خديجة أن تجارتها قد ربحت أضعفت له ما سمت. وكانت قد ذكرت لورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى وكان ابن عمها وكان نصرانيا قد تتبع الكتب وعلم من علم الناس، ما ذكر لها غلامها ميسرة من قول الراهب وما كان يرى منه إذ كان الملكان يظلانه، فقال ورقة: يا خديجة إن محمدا لنبي هذه الأمة وقد عرفت أنه كائن لهذه الأمة نبي ينتظر، هذا زمانه. أو كما قال: وجعل ورقة يستبطئ الأمر وله في ذلك أشعار منها ما رواه يونس بن بكير عن ابن إسحاق: أتبكر أم أنت العشية رائح ... وفي الصدر من إضمارك الحزن فادح لفرقة قوم لا أحب فراقهم ... كأنك عنهم بعد يومين نازح وأخبار صدق خبرت عن محمد ... يخبرها عنه إذا غاب ناصح فتاك الذي وجهت يا خير حرة ... بغور وبالنجدين حيث الصحاصح إلى سوق بصرى في الركاب التي غدت ... وهن من الأحمال قعص دوالح فخبرنا عن كل حبر بعلمه ... وللحق أبواب لهن مفاتح بأن ابن عبد الله أحمد مرسل ... إلى كل من ضمت عليه الأباطح وظني به أن سوف يبعث صادقا ... كما أرسل العبدان هود وصالح وموسى وإبراهيم حتى يرى له ... بهاء ومنشور من الذكر واضح ويتبعه حيا لؤي بن غالب ... شبابهم والأشيبون الجحاجح فإن أبق حتى يدرك الناس أمره ... فإني به مستبشر الود فارح وإلا فإني يا خديجة فاعلمي ... عن أرضك في الأرض العريضة نازح [ (١) ] وقال أيضاً: لججت وكنت في الذكرى لجوجا ... لهم طالما بعث النّشيجا

стр. 735

ووصف من خديجة بعد وصف ... فقد طال انتظاري يا خديجا ببطن المكتين على رجائي ... حديثك أن أرى منه خروجا بما أخبرتنا من قول قس ... من الرهبان أكره أن يعوجا بأن محمدا سيسود قوما ... ويخصم من يكون له حجيجا ويظهر في البلاد ضياء نور ... يقيم به البرية أن تموجا فيلقى من يحاربه خسارا ... ويلقى من يسالمه فلوجا فيا ليتي إذا ما كان ذاكم ... شهدت فكنت أولهم ولوجا ولوجا في الذي كرهت قريش ... ولو عجت بمكتها عجيجا أرجي بالذي كرهوا جميعا ... إلى ذي العرش إن سفلوا عروجا وهل أمر السفاهة غير كفر ... بمن يختار من سمك البروجا فإن يبقوا وأبق تكن أمور ... يضج الكافرون لها ضجيجا وإن أهلك فكل فتى سيلقى ... من الأقدار متلفة خروجا تنبيهات الأول: قول الراهب: «ما نزل تحت هذه الشجرة إلا نبي» قال السهيلي: يريد ما نزل تحتها هذه الساعة قط إلا نبي. ولم يرد ما نزل تحتها قط إلا نبي لبعد العهد بالأنبياء قبل ذلك، وإن كان في لفظ الخبر قط فقد يتكلم بها على جهة التوكيد للنفي، والشجرة لا تعمر في العادة هذا العمر الطويل حتى يدرى أنه لم ينزل تحتها إلا عيسى أو غيره من الأنبياء، ويبعد في العادة أيضاً أن تكون شجرة تخلو من أن ينزل تحتها إلا عيسى أو غيره من الأنبيا، ويبعد في العادة أيضاً أن تكون شجرة تخلو من أن ينزل تحتها أحد حتى يجيء نبي، إلا أن تصح رواية من قال: لم ينزل تحتها أحد بعد عيسى ابن مريم. وهي رواية عن غير ابن إسحاق فالشجرة على هذا مخصوصة بهذه الآية. انتهى. وأقره في «الزهر» و «النور» . وتعقبه الإمام العلامة عز الدين بن جماعة بأنه مجرد استبعاد لا دلالة فيه على امتناع ولا إحالة، وبأنه استبعاد يضعفه معارضة ظاهر الخبر وكون متعلقات الأنبياء مظنة خرق العادة، فلا يكون حينئذ ذلك من طول البقاء وصرف غير الأنبياء عن النزل تحتها ببعيد، وذلك واضح فتفطن. قلت: ويؤيد ما ذكره الشيخ عز الدين ما سبق نقله عن أبي سعد، وما في أسباب النزول للإمام الواحدي أن أبا بكر رضي اللَّه تعالى عنه صحب النبي ﷺ في سفره إلى الشام فنزلوا منزلا فيه سدرة، فقعد النبي ﷺ في ظلها وذهب أبو بكر يسأل عن الدين، فقال له الراهب:

стр. 736

الرجل الذي في ظل الشجرة من هو؟. قال: محمد بن عبد الله. ابن عبد المطلب. قال: هذا واللَّه نبي. ما استظل تحتها أحد بعد عيسى ابن مريم إلا محمد ابن عبد الله. وذكر العلماء بالنبات أن الزيتون قد تعمر الشجرة منه ثلاثة آلاف سنة وما يقارب ذلك واللَّه تعالى أعلم. الثاني: قال في «النور» لم أر لميسرة ذكرا في كتب الصحابة، والظاهر أنه توفى قبل البعثة ولو أدرك النبي ﷺ لأسلم واللَّه تعالى أعلم. قلت: وذكره الحافظ في الإصابة في القسم الأول وقال: لم أقف على رواية صحيحة بأنه بقي إلى البعثة فكتبته على الاحتمال. الثالث: في بيان غريب ما سبق. نفيسة: صحابية رضي اللَّه تعالى عنها. منية بميم مضمومة فنون ساكنة فمثناة تحتية فتاء تأنيث. ألحت علينا: أقبلت ودامت. مادة الشيء: ما يمده ويقويه. السنون: القحوط. عيراتها: جمع عير: الإبل التي تحمل الميرة. المضاربة: والمقارضة والقراض بمعنى واحد. سميت مضاربة لأن كل واحد منهما يضرب في الربح بسهم. وقيل غير ذلك. تجار- بكسر المثناة الفوقية وتخفيف الجيم ويجوز ضم التاء وتشديد الجيم، وهما لغتان: جمع تاجر. ويقال أيضاً: تجر كصاحب وصحب. والتجارة: تقليب المال وتصريفه لأجل النماء. المحاورة: المجاذبة، والتحاور: التجاذب. نسطورا- بنون مفتوحة فسين ساكنة فطاء مضمومة مهملتين. قال في النور: وألفه مقصورة كذا أحفظه. مر الظهران: بفتح الميم وتشديد الراء وظاء معجمة مشالة بلفظ تثنية الظهر: واد بين مكة والمدينة وتسميه العامة بطن مرو. في ساعة الظهيرة: هي شدة الحر نصف النهار، ولا يقال في الشتاء ظهيرة. والجمع ظهائر. إضمارك: إخفاؤك. الحزن: بفتح النون مفعول المصدر وهو إضمارك. فادح- بالفاء والدال والحاء المهملتين أي ثقيل وفي نسخة من الروض والعيون: بالقاف. قال في الصحاح: القادح

стр. 737

الصّدع في العود. نازح: بعيد. وأخبار: بفتح الهمزة وخفض الراء معطوف على فرقة وهو جمع خبر. خبرت: بفتح الخاء المعجمة مبنى للفاعل. فتاك: أي غلامك ميسرة. الغور: المطمئن من الأرض. النّجد: المرتفع منها. الصحاصح [ (١) ] : بصادين وحائين مهملات: جمع صحصح وهو المكان المستوي. الركاب: بكسر الراء المشددة: الإبل التي يسار عليها، الواحدة راحلة ولا واحد لها من لفظها، والجمع الركب مثل الكتب. دوالج: بالجيم جمع دالج: السائر أول الليل. الأباطح: جمع أبطح. مسيل: متسع فيه دقاق الحصى. كما أرسل: بالبناء للمفعول. البهاء: بالمد الحسن. الأشيبون: بشين معجمة فمثناة تحتية فموحدة جمع أشيب وهو المبيض الرأس. الجحاجح [ (٢) ]- بجيم فحاء مهملة فألف فجيم مهملة جمع جحجاج وهو السيد. النشيج- بنون مفتوحة فشين معجمة فمثناة تحتية فجيم: البكاء مع صوت. القس- بضم القاف- واحد القسيسين وهم عباد النصارى. وقوله ببطن المكتين: ثنّى مكة وهي واحدة لأن لها بطاحا وظواهر، على أن للعرب مذهبا في أشعارها في تثنية البقعة الواحدة، ومقصدهم في هذه الإشارة إلى جانبي كل بلدة والإشارة إلى أعلى البلد وأسفله فيجعلونها اثنتين على هذا المغزى. تموج: أي يضرب بعضها في بعض. الفلوج- بفاء فلام مضمومتين آخره جيم. الظهور على الخصم. عجت: ارتفعت أصواتها. العروج: الصعود والعلو. سمك: بفتحات: رفع. يضج- بمثناة تحتية فضاد معجمة فجيم: أي يصيح. متلفة: بميم مفتوحة فمثناة فوقية فلام ففاء مفتوحتين أي مهلكة. الخروج- بخاء معجمة مفتوحة: أي الكثيرة التصرّف.

стр. 738

الباب الرابع عشر في نكاحه ﷺ خديجة بنت خويلد ﵂ وأرضاها وسبب ذلك ما حدّثها به غلامها ميسرة وما رأته من الآيات وما ذكره ابن إسحاق في المبتدأ قال: كان لنساء قريش عيد يجتمعن فيه في المسجد فاجتمعن يوما فيه فجاءهن يهودي فقال: يا معشر نساء قريش إنه يوشك فيكن نبي فأيكن استطاعت أن تكون فراشا له فلتفعل. فحصبه النساء وقبحنه وأغلظن له. وأغضت خديجة على قوله ولم تعرض فيما عرض فيه النساء ووقر ذلك في نفسها. فلما أخبرها ميسرة بما رآه من الآيات وما رأته هي قالت: إن كان ما قاله اليهودي حقا ما ذلك إلا هذا. واختلفوا في سبب الخطبة. فعند أبي سعيد النيسابوري في «الشرف» أن خديجة رضي اللَّه تعالى عنها قالت للنبي ﷺ : اذهب إلى عمك فقل له: عجل إلينا بالغداة. فلما جاء قالت له: يا أبا طالب ادخل على عمرو عمي فكلمه يزوجني من ابن أخيك محمد بن عبد الله. فقال أبو طالب: يا خديجة لا تستهزئي. فقالت: هذا صنع اللَّه. فقام أبو طالب مع عشرة من قومه. فذكر الحديث. وعند الزهري في سيرته إن رسول اللَّه ﷺ دخل على خديجة ليتحدث عندها فلما قام من عندها جاءت امرأة فقالت: خاطبا يا محمد؟ فقال: كلا. فقالت: ولم؟ فواللَّه ما في قريش امرأة وإن كانت خديجة إلا تراك كفئا لها. فرجع رسول اللَّه ﷺ خاطبا لخديجة مستحييا منها. وعند يعقوب بن سفيان في تاريخه عن عمار قال: مررت أنا ورسول اللَّه ﷺ بأخت خديجة فنادتني فانصرفت إليها ووقف لي رسول اللَّه ﷺ فقالت: أما لصاحبك هذا من حاجة في تزويج خديجة؟ فقال عمار: فأخبرته. فقال: بلى لعمري. فذكرت لها، فقالت: اغدوا علينا إذا أصبحنا. فغدونا عليهم فوجدناهم قد ذبحوا بقرة وألبسوا خديجة حلة. وذكر الحديث. وعند ابن إسحاق في المبتدأ أنها قالت له: يا محمد ألا تتزوج؟ قال: ومن؟ قالت: أنا قال: ومن لي بك، أنت أيم قريش وأنا يتيم قريش. قالت: اخطبني. وذكر الحديث. وعنده في السيرة: فلما استقر عندها ذلك، أي ما أخبرها به ميسرة وما رأته وكانت امرأة حازمة شريفة لبيبة مع ما أراد اللَّه تعالى بها من الكرامة والخير، وهي يومئذ أوسط قريش نسبا وأعظمهن شرفا وأكثرهن مالا، وكل قومها حريص على نكاحها لو يقدر عليه، وعرضت نفسها على النبي ﷺ فقالت له فيما يزعمون: إني رغبت فيك لقرابتك وسطتك في قومك وأمانتك وحسن خلقك. فلما قالت له ذلك ذكره لأعمامه. وذكر الحديث. وروى ابن سعد عن نفيسة بنت منية قالت: كانت خديجة بنت خويلد امرأة حازمة

стр. 739

جلدة شريفة مع ما أراد اللَّه بها من الكرامة والخير، وهي يومئذ أوسط قريش نسبا وأعظمهم شرفا وأكثرهم مالا وكل قومها كان حريصا على نكاحها لو قدر على ذلك قد طلبوها وبذلوا لها الأموال، فأرسلتني دسيسا إلى محمد بعد أن رجع في عيرها من الشام فقلت: يا محمد ما يمنعك أن تتزوج؟ فقال: ما بيدي ما أتزوج به. قلت: فإن كفيت ذلك ودعيت إلى المال والجمال والشرف والكفاءة ألا تجيب؟ قال: فمن هي؟ قلت: خديجة. قال: وكيف لي بذلك؟ قالت: قلت: علي. قال: فأنا أفعل. فذهبت فأخبرتها فذكرت الحديث. قالت: فأرسلت إليه أن ائت ساعة كذا وكذا. فحضر وأرسلت إلى عمها عمرو بن أسد ليزوجها. وعند ابن إسحاق إن رسول اللَّه ﷺ دخل مع عمه حمزة. وعند النيسابوري في الشرف أن أبا طالب خرج مع عشرة من قومه حتى دخلوا على عمها فخطبها فزوجه. فقال عمرو بن أسد: هذا الفحل لا يقدع أنفه. قال ابن هشام: أصدقها عشرين بكرة. قال البلاذري والدمياطي: اثنتي عشرة أوقية ونشا. قال المحب الطبري: ذهبا. وذكر أبو الحسين بن فارس وغيره رحمهم اللَّه تعالى أن أبا طالب خطب يومئذ فقال: الحمد للَّه الذي جعلنا من ذرية إبراهيم وزرع إسماعيل وضئضئ معد مضر، وجعلنا حضنة بيته وسواس حرمه وجعل لنا بيتا محجوجا وحرما آمنا وجعلنا حكام الناس ثم إن ابن أخي هذا محمد بن عبد الله لا يوزن به رجل به شرفا ونبلا وفضلا وعقلا وإن كان في المال قلا فإن المال ظل زائل وأمر حائل وعارية مسترجعة، وهو واللَّه بعد هذا له نبأ عظيم وخطر جليل، وقد خطب إليكم رغبة في كريمتكم خديجة وقد بذل لها من الصداق حكمكم عاجله وآجله اثنتا عشرة أوقية ونشا. فقال عمرو بن أسد عمها: هو الفحل لا يقدع أنفه. وأنكحها منه. ويقال: إن ورقة هو الذي قاله. قال ابن إسحاق في المبتدأ: وكان تزويجه لها بعد مجيئه من الشام بشهرين وخمسة وعشرين يوما عقب صفر سنة ست وعشرين. قال الزهري: وقال راجز من أهل مكة في ذلك: لا تزهدي خديج في محمّد ... نجم يضيء كما أضاء الفرقد تنبيهات الأول: ما تقدم من أن عمها هو الذي زوجها رسول اللَّه ﷺ ذكره أكثر علماء أهل السير. قال السهيلي: وهو الصحيح، لما رواه الطبري عن جبير بن مطعم وابن عباس وعائشة

стр. 740

كلهم قال: إن عمرو بن أسد هو الذي أنكح خديجة رسول اللَّه ﷺ ، وإن خويلد كان قد هلك قبل الفجار. ورجحه الواقدي وغلط من قال بخلافه. وقال عمر بن أبي بكر المؤملي: المجتمع عليه أن عمها عمرو بن أسد هو الذي زوجها منه. وذكر الزهري في سيرته أن خويلدا أباها الذي زوجها منه وكان قد سكر من خمر، فألقت عليه خديجة حلة وضمخته بخلوق فلما صحا من سكره قال: ما هذه الحلة والطيب؟ فقيل: إنك أنكحت محمدا خديجة وقد ابتنى بها. فأنكر ذلك ثم رضيه وأمضاه. ووافقه ابن إسحاق على ذلك، وذكر ابن إسحاق في آخر كتابه أن عمرو بن خويلد أخاها هو الذي زوجها. فاللَّه أعلم. الثاني: اختلف في قدر عمر خديجة وعمر رسول اللَّه ﷺ حينئذ فقيل: كان عمره ﷺ خمسا وعشرين سنة. قال في «الغرر» وهو الصحيح الذي عليه الجهور. وقطع به أبو عمرو الحافظ عبد الغني المقدسي. وقيل: إحدى وعشرين سنة وقدمه في «الإشارة» . وقيل: تسعا وعشرين وقد راهق الثلاثين. قاله البرقي. وقيل ثلاثين وقيل سبعا وثلاثين. وقيل غير ذلك. قال في «الغرر» وهذه الأقوال الأربعة ضعيفة ليس لها حجة تقوم على ساق. وقيل: كان عمرها رضي اللَّه تعالى عنها أربعين سنة. وصححه في «الغرر» وقيل خمسا وأربعين وقيل ثلاثين وقيل ثمانية وعشرين. الثالث: ذكر الحافظ يعقوب بن سفيان في كتاب «ما روى أهل الكوفة مخالفا لأهل المدينة» أن عليا ضمن المهر وقال: هذا غلط. قال في «الزهر» قد وجدنا ما ينفي الغلط وهو ما ذكره ابن إسحاق في المتبدإ: أن عليا قال: أرسلني أبي أنه يضمن لكم المهر فزوجوه. قال: فهذا يبين لك معنى ما أشكل على يعقوب ويوضحه. وتعقبه الحافظ في الحاشية بأن عليا كان كما ولد أو لم يكن حينئذ ولد، على جميع الأقوال في مقدار عمره. وتعقب في «الغرر» كلام «الزهر» أيضاً بأن عليا لم يكن ولد كما سنذكر الخلاف في سنه حين أسلم. والصحيح أنه ثمانية وعند آخرين عشرة وعلى الأول يكون مولده سنة اثنتين وثلاثين من مولد النبي ﷺ وعلى الثاني يكون سنة ثلاثين. فيكون
следующие страницы →