← Сира

Сира · id 1693

سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد

الصالحي الشامي

Полный текст (5 757 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

واضح لأن الفهم من كلام مثل الصلصلة أشكل من الفهم من كلام الرجل بالتخاطب المعهود، والحكمة فيه أن العادة جرت بالمناسبة بين القائل والسامع، وهي هنا إما باتصاف السامع بوصف القائل لغلبة الروحانية وهو النوع الأول، وإما باتصاف القائل بوصف السامع وهو البشرية وهو النوع الثاني، والأول أشد بلا شك. قال الإمام البلقيني: وسبب ذلك أن الكلام العظيم له مقدّمات تؤذن بتعظيمه للاهتمام به، كما في حديث ابن عباس: كان يعالج من التنزيل شدة. قال الإمام البلقيني: وسبب ذلك أن الكلم العظيم له مقدّمات تؤذن بتعظيمه للاهتمام به، كما في حديث ابن باس: كان يعالج من التنزيل شدة. قال: وقال بعضهم: وإنما كان أشدّه عليه ليستجمع قلبه فيكون أوعى لما سمع. انتهى. الخامس: قيل إنه إنما كان ينزل هكذا إذا نزلت آية وعيد أو تهديد. قال الحافظ: وفيه نظر. والظاهر أنه لا يختص بالقرآن كما في حديث يعلى بن أمية في قصة لابس الجبّة المتضمّخ بالطيب. وفائدة هذه الشدة ما يترتب على المشقة من زيادة الزّلفى. السادس: عبّر بقوله: «فيفصم عنيّ وقد وعيت» بالماضي وفي: «فيكلّمني فأعي» بالاستقبال. لأن الوعي حصل في الأول قبل الفصم، وفي الثاني حصل حالة المكالمة وإنه كان في الأول قد تلبس بصفات الملائكة فإذا عاد إلى حالته الجبلّية كان حافظا لما قيل له، فعبّر عنه بالماضي، بخلاف الثاني فإنه على حالته المعهودة. السابع: قال إمام الحرمين [ (١) ] : تمثّل جبريل رجلا معناه أن اللَّه تعالى أفنى الزائد من خلقه أو أزاله عنه ثم يعيده إليه بعد. وقال الشيخ عز الدين بن عبد السلام [ (٢) ] : فإن قيل إذا أتى جبريل النبي ﷺ في صورة دحية فأين تكون روحه: أفي الجسد الذي يشبّه بجسد دحية؟ أم في الجسد الذي خلق عليه له ستمائة جناح؟ فإن كان في الجسد الأعظم فما الذي أتى إلى رسول اللَّه ﷺ جبريل، لا

стр. 842

من جهة روحه ولا من جهة جسده، وإن كانت في الجسد المشبّه بجسد دحية فهل يموت الجسد الذي له ستمائُة جناح كما تموت الأجساد إذا فارقتها الأرواح؟ أم يبقى حيّا خاليا من الروح المتنقلة بالجسد المشبّه بجسد دحية؟ قلت: لا يبعد أن يكون انتقالها من الجسد الأول غير موجب لموته لأن موت الأجساد بمفارقة الأرواح ليس بواجب عقلاً، وإنما هو بعادة مطّردة أجراها اللَّه في أرواح بني آدم، فيبقى ذلك الجسد حيّا لا ينقص، من معارفه وطاعاته شيء، ويكون انتقال روحه إلى الجسد الثاني كانتقال أرواح الشهداء إلى أجواف الطيور الخضر. انتهى. وقال الشيخ سراج الدين البلقيني في كتابه «الفيض الجاري على صحيح البخاري» : يجوز أن يكون الآتي هو جبريل بشكله الأول، إلا أنه انضم فصار على قدر هيئة الرجل، وإذا ترك ذلك عاد إلى هيئته، ومثال ذلك القطن إذا جمع بعد أن كان منفوشا، فإنه بالنفش تحصل له صورة كبيرة وذاته لم تتغيّر وهذا على سبيل التقريب. وقال العلامة علاء الدين القونوي [ (١) ] شارح الحاوي في كتاب «الأعلام بإلمام الأرواح بعد الموت على الأجسام» : قد كان جبريل ﵊ يتمثّل في صورة دحية وتمثّل لمريم بشرا سويّا، وفي الممكن أن يخص اللَّه بعض عباده في حال الحياة بخاصة لنفسه الملكيّة القدسية وقوة لها يقدر بها على التصّرف في بدن آخر غير بدنها المعهود مع استمرار تصرفها في الأول. وقد قيل في الأبدال: إنهم إنما سمّوا أبدالا لأنهم قد يرحلون إلى مكان ويقيمون في مكانهم شبحا آخر تشبيها بشبحهم الأصلي بدلا عنه، وقد أثبت الصوفية عالما متوسّطا بين عالمي الأجساد والأرواح، وبنوا على ذلك تجسّد الأرواح وظهورها في صور مختلفة من عالم المثال، وقد يستأنس لذلك بقوله تعالى: فَتَمَثَّلَ لَها بَشَراً سَوِيًّا فتكون الروح الواحدة كروح جبريل مثلا في وقت واحد مدبّرة لشبحه الأصلي، ولهذا الشبح المثال، وينحلّ بهذا ما قد اشتهر نقله عن بعض الأئمة أنه سأل بعض الأكابر عن جسم جبريل فقال: أين كان يذهب ما قد اشتهر نقله عن بعض الأئمة أنه سأل بعض الأكابر عن جسم جبريل فقال: أين كان يذهب جسمه الأول- الذي يسدّ الأفق بأجنحته لمّا تراءى للنبي ﷺ في صورته الأصلية- عند إتيانه إليه في صورة دحية؟ وقد تكلف بعضهم الجواب عنه بأنه يجوز أن يقال:

стр. 843

كان يندمج بعضه في بعض إلى أن يصغر حجمه فيصير بقدر صورة دحية، ثم يعود وينبسط إلى أن يصير كهيئته الأولى. وما ذكره الصوفية أحسن، ويجوز أن يكون جسمه الأول بحاله لم يتغير، وقد أقام اللَّه له شبحا آخر وروحه متصرّفة فيهما جميعا في وقت واحد. انتهى. وقال العلامة شمس الدين بن القيّم في كتاب الرّوح: للروح شأن غير شأن الأبدان، فتكون في الرفيق الأعلى وهي متصلة ببدن الميت بحيث إذا سلّم المسلّم على صاحبها رد ﵇ وهي في مكانها هناك، وهذا جبريل رآه النبي ﷺ وله ستمائة جناح منها جناحان سدّ الأفق، وكان يدنو من النبي ﷺ حتى يضع ركبتيه على ركبتيه ويديه على فخذيه، وقلوب المؤمنين تتسع للإيمان بأن من الممكن أنه كان يدنو هذا الدنوّ وهو في مستقره من السموات. وفي الحديث في رؤية جبريل: «فرفعت رأسي فإذا جبريل صافّ قدميه بين السماء والأرض يقول: يا محمد أنت رسول اللَّه وأنا جبريل، فجعلت لا أصرف بصري إلى ناحية إلا رأيته كذلك» . وإنما يأتي الغلط هنا من قياس الغائب على الشاهد، فيعتقد أن الروح من جنس ما يعهد من الأجسام التي إذا شغلت مكانا لم يمكن أن تكون في غيره. وهذا غلط محض. وقال الحافظ: إنّ تمثّل الملك رجلا ليس معناه أن ذاته انقلبت رجلا، بل معناه أنه ظهر بتلك الصورة تأنّسا لمن يخاطبه، والظاهر أن القدر الزائد لا يزول ولا يفنى بل يخفى على الرائي فقط. واللَّه أعلم. انتهى. الثامن: قال الحافظ: ودويّ النحل في حديث عمر لا يعارض صلصلة الجرس لأن سماع الدويّ بالنسبة إلى الحاضرين والصلصلة بالنسبة إلى مقامه ﷺ . التاسع: في بيان غريب ما سبق: روح القدس: جبريل ﵊ لأنه خلق من محض الطهارة. نفث في روعي: يعني جبريل أوحى إليّ من النفث بالفم المثلثة، وهو شبيه بالنفخ، وهو أقل من التفل، لأن التّفل لا يكون إلا ومعه شيء من الريق. الرّوع- بضم الراء: النّفس. الصلصلة [ (١) ] : صوت الحديد إذا حرّك، يقال صلّ الحديد وصلصل، والصلصلة أشد من الصّليل.

стр. 844

الجرس: مثال يشبه الجلجل الذي يعلقه الجهّال في رؤوس الدواب. يفصم عني: بفتح أوله وسكون الفاء وكسر المهملة أي يقلع وينجلي، ويروى بضم أوله من الرباعي وفي رواية بضم أوله وفتح الصاد على البناء للمفعول وأصل الفصم القطع. وقيل بالفاء: القطع بلا إبانة وبالقاف القطع بإبانة، فعبّر بالفصم إشارة إلى أن الملك فارقه ليعود، والجامع بينهما بقاء العلقة.

стр. 845

الباب الثاني عشر في فترة الوحي وتشريف الله تعالى نبيه ﷺ بالرسالة بعد النبوة روى ابن سعد عن ابن عباس رضي اللَّه تعالى عنهما، والإمام أحمد والبخاري والبيهقي عن الزهري رحمه اللَّه تعالى، والشيخان عن جابر بن عبد الله رضي اللَّه تعالى عنهما، قال الأوّلان: إن رسول اللَّه ﷺ لما نزل عليه الوحي بحراء مكث أياما لا يرى جبريل، فحزن لذلك حزنا شديدا- ولفظ الزهري: فتر الوحي فترة فيما بلغنا- غدا منه مرارا حتى يتردّى من رؤوس شواهق الجبال. ولفظ ابن عباس: حتى كاد يغدو إلى ثبير مرة وإلى حراء مرة أخرى، يريد أن يلقي نفسه منه. فبينا رسول اللَّه ﷺ كذلك عامدا لبعض تلك الجبال. قال الزهري: فكلما وافى بذروة جبل لكي يلقي نفسه منه تبدّى له جبريل فقال له: يا محمد أنت رسول اللَّه حقا فيسكن لذلك جأشه وتقرّ عينه فيرجع، فإذا طالت عليه فترة الوحي غدا لمثل ذلك، فإذا أوفى بذروة جبل تبدّى له جبريل. فقال له مثل ذلك. قال جابر: قال رسول اللَّه ﷺ : جاورت بحراء شهرا فلما قضيت جواري هبطت فاستبطنت الوادي، فبينا أنا أمشي إذا سمعت صوتا فنظرت عن يميني فلم أر شيئاً، ونظرت عن شمالي فلم أر شيئا، ونظرت أمامي فلم أر شيئاً ونظرت خلفي فلم أر شيئاً، ثم نوديت فرفعت بصري إلى السماء فإذا الملك الذي جاءني بحراء جالس على كرسي- وفي لفظ: على عريش بين السماء والأرض فرعبت منه. - وفي لفظ فجثثت. وفي لفظ فجثثت- فرقا حتى هويت إلى الأرض. فرجعت حتى أتيت خديجة فقلت: زمّلوني زملوني، وفي لفظ دثّروني دثروني صبّوا علي ماء باردا، فانزل اللَّه تعالى يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ أي المتلفّف بثيابه عند نزول الوحي عليه قُمْ فَأَنْذِرْ خوّف الناس بالنار إن لم يؤمنوا وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ عظّم عن إشراك المشركين وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ عن النجاسة، أو قصّر خلاف جرّ العرب ثيابهم للخيلاء فربما أصابتها النجاسة. وَالرُّجْزَ فسره رسول اللَّه ﷺ بالأوثان. فَاهْجُرْ أي دم على هجره [ (١) ] . قال ابن عباس والزّهريّ: فتتابع الوحي وحمي. قال ابن إسحاق ومتابعوه: وجاءه جبريل بسورة الضحى يقسم له ربه، وهو الذي أكرمه بما أكرمه ما ودّعه وما قاله فقال تعالى: وَالضُّحى أول النهار أو كله وَاللَّيْلِ إِذا سَجى

стр. 846

غطّى بظلامه أو سكن ما وَدَّعَكَ تركك يا محمد رَبُّكَ وَما قَلى ما بغضك، وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ لما فيها من الكرامات مِنَ الْأُولى الدنيا وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ في الآخرة من الخيرات عطاء جزيلا فَتَرْضى به. فقال رسول اللَّه ﷺ : «أذن لا أرضى وواحد من أمتي في النار» . وإلى هنا تمّ جواب القسم بمثبتين بعد منفيّين. أَلَمْ يَجِدْكَ استفهام تقريري أي وجدك يَتِيماً بفقد أبيك قبل ولادتك فَآوى بأن ضمك إلى عمك أبي طالب وَوَجَدَكَ ضَالًّا عما أنت عليه من الشريعة فَهَدى أي هداك إليها وَوَجَدَكَ عائِلًا أي فقيرا فَأَغْنى بما قنَّعك به من الغنيمة وغيرها. وفي الحديث: «ليس الغنى عن كثرة العرض ولكن الغنى غنى النفس» . فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ بأخذ ماله أو غير ذلك وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ تزجره لفقره وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ عليك بالنبوة وغيرها فَحَدِّثْ أخبر. وحذف ضميره ﷺ في بعض الأفعال لذكره أولا، رعاية للفواصل. تنبيهات الأول: قال الحافظ: فترة الوحي عبارة عن تأخرّه مدة من الزمان، وليس المراد بفترته بين نزول اقْرَأْ وأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ عدم مجيء جبريل إليه بل تأخر نزول الوحي فقط. قلت: وفيه نظر، لما سبق أول الباب عن ابن عباس والزهري. الثاني: الحكمة في فترة الوحي- واللَّه أعلم- ليذهب عنه ما كان يجده ﷺ من الرّوع وليحصل له التشوق إلى العود. الثالث: اختلف في مقدار مدة الفترة: فقال السّهيلي: جاء في بعض الأحاديث المسندة أنها كانت سنتين ونصف سنة. قال في «الزّهر» : ويخدش فيه ما ذكره ابن عباس في تفسيره أنها كانت أربعين يوما وفي تفسير ابن الجوزي ومعاني الزجّاج والفرّاء: خمسة عشر يوما. وفي تفسير مقاتل: ثلاثة أيام. ولعل هذا هو الأشبه بحاله عند ربه لا ما ذكر السهيلي واحتج لصحته. وقال الحافظ فما رأيته بخطه في الفتح: وهذا الذي اعتمده السهيلي لا يثبت وقد عارضه ما جاء عن ابن عباس: أن مدة الفترة المذكورة كانت أياما. قال: وسيأتي مزيد لذلك في كتاب التعبير، إن شاء اللَّه تعالى. قلت: راجعت كتاب التعبير من نسخة بغير خطه فألفيته قال: قوله: «وفتر الوحي» تقدم القول في مدة هذه الفترة في أول الكتاب. انتهى فليراجع خطه، فعله يكون الحق ذلك في

стр. 847

نسخته بعد. الرابع: وقع في بعض النسخ القديمة من الفتح وتبعه الشيخ وشيخنا القسطلاني في شرحيهما أن الإمام أحمد روى في تاريخه عن الشعبي أن فترة الوحي كانت ثلاث سنين، وأن ابن إسحاق جزم بذلك. قلت: وهذا وهم بلا شك، وعزو ذلك لجزم ابن إسحاق أشدّ، وكأنَّ الحافظ قلّد في ذلك ولم يراجع التاريخ المذكور، فإن الموجود فيه وفي الطبقات لابن سعد ودلائل البيهقي عن داود بن أبي هند، عن الشعبي قال: أنزلت عليه النبوة وهو ابن أربعين سنة، فقرن بنبوته إسرافيل ثلاث سنين، فكان يعلمه الكلمة والشيء، ولم ينزل عليه القرآن على لسان، فلما مضت ثلاث سنين قرن بنبوته جبريل فنزل عليه القرآن على لسانه عشرين سنة. الخامس: قال الحافظ ابن كثير في البداية: قال بعضهم: كانت الفترة قريبا من سنتين أو سنتين ونصف والظاهر واللَّه أعلم أنها المدة التي اقترن معه ميكائيل كما قال الشّعبي وغيره، ولا ينفي هذا تقدّم إيحاء جبريل إليه أولا: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ثم حصلت الفترة التي اقترن معه ميكائيل، ثم اقترن به جبريل بعد نزول: يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ ثم حمي الوحي بعد هذا وتتابع. قلت: الثابت عن الشّعبي إنما هو إسرافيل كما تقدم لا ميكائيل، وإن كان ابن التّين جزم به، ولتتأمل عبارة الشّعبي إن كانت تفهم ما قال أنه الظاهر. السادس: روى البخاري في بدء الوحي وتفسير سورة اقرأ من طريق ابن شهاب: أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن أن جابر بن عبد الله الأنصاري قال: قال رسول اللَّه ﷺ ، وهو يحدث عن فترة الوحي: قال في حديثه: بينا أنا أمشي إذ سمعت صوتا من السماء فرفعت بصري فإذا الملك الذي جاءني بحراء ... وذكر الحديث. وفي تفسير سورة المزمّل من طريق علي بن المبارك، ومن طريق حرب بن شدّاد، كلاهما عن يحيى بن أبي كثير، قال سالت أبا سلمة بن عبد الرحمن: أيّ القرآن أنزل أول؟ فقال: يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ فقلت: أنبئت أنه: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ فقال جابر: لا أخبرك إلا بما قال رسول اللَّه ﷺ ، قال رسول اللَّه ﷺ : «جاورت في حراء فلما قضيت جواري هبطت فنوديت» فذكر الحديث السابق. قال الحافظ: رواية الزّهري تدل على أن المراد بالأوّلية في قوله: أول ما نزل سورة المدثر. أولية مخصوصة بما بعد فترة الوحي، أو مخصوصة بالإنذار، لا أن المراد بها أوّلية مطلقة، وإنما أتى بحرف العطف ليعلم أنه معطوف على ما سبق، كأنه قال عروة بكذا. أي بحديث عائشة في بدء الوحي ونزول سورة اقرأ.

стр. 848

ثم قال الحافظ: ولو لم يكن في ذلك إلا ثبوت الواو العاطفة فإنها دالة على تقدم شيء عطفته، ودلّ قوله: «عن فترة الوحي» وقوله: «الملك الذي جاءني بحراء» على تأخر نزول يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ عن اقْرَأْ. ولمّا خلت رواية يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن جابر، عن هاتين الجملتين أشكل الأمر فجزم من جزم بأن يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ أول ما نزل. ورواية الزهري هذه الصحيحة ترفع ذلك الإشكال. وقال في التفسير: والمشكل من رواية يحيى قوله: «جاورت بحراء فلما قضيت جواري نزلت فاستبطنت الوادي فنوديت» إلى أن قال: «فرفعت رأسي فإذا هو على العرش في الهواء، يعني جبريل، فأتيت خديجة فقلت: «دثّروني» ويزيل الإشكال أحد أمرين: إما أن يكون سقط على يحيى أو شيخه من القصة مجيء جبريل بحراء ب اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ، وسائر ما ذكرته عائشة. وإما أن يكون جاور ﷺ بحراء شهرا آخر، ففي مرسل عبيد بن عمير عند البيهقي أنه ﷺ كان يجاور في كل سنة شهرا وهو رمضان، وكان ذلك في مدة فترة الوحي، فعاد إليه جبريل بعد انقضاء جواره. وقال الحافظ أيضا: فكأن من قال من أول ما نزل اقرأ أراد أولية مطلقة ومن قال يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ أراد بقيد التصريح بالإرسال. وقال الكرماني: استخرج جابر أن أول ما نزل يا أيها المدثر باجتهاده وليس هو من روايته، والصحيح ما وقع في حديث عائشة. السابع: قال عطاء الخراساني: إن سورة المزمل نزلت قبل سورة المدثر. قال الحافظ: عطاء ضعيف وروايته معضلة. وظاهر الأحاديث الصحيحة تأخر المزمّل لأن فيها ذكر قيام الليل وغير ذلك مما تراخى عند ابتداء الوحي، بخلاف المدثر فإن فيها قُمْ فَأَنْذِرْ. وقال في موضع آخر: يعرف من اتحاد الحديثين في نزول يا أيها المدثر عقيب قوله: «دثّروني» و «زمّلوني» أن المراد بزملوني دثروني، ولا يؤخذ من ذلك نزول يا أيها المزمل حينئذ، لأن نزول يا أيها المزمل تأخر عن نزول يا أيها المدثر بالاتفاق، لأن أول يا أيها المدثر الأمر بالإنذار، وذلك أول ما بعث، وأول المزمّل الأمر بقيام الليل وترتيل القرآن، فيقتضي تقدم نزول كثير من القرآن قبل ذلك. الثامن: هذا القدر الذي نزل من المدثر فيه محصّل ما يتعلق بالرسالة. ففي الآية الأولى المؤانسة بالحالة التي هو عليها من التدثّر، إعلاما بعظم قدره وتقدم في اسمه «المدّثر» و «المزمل» زيادة لذلك. فراجعه.

стр. 849

وفي الثانية: الأمر بالإنذار قائما، وحذف المفعول تخفيفا. والمراد بالقيام إما حقيقة، أي قم من مضجعك، أو مجازا، أي قم مقام تصميم. وأما الإنذار فالحكمة في الاقتصار عليه هنا- فإنه أيضا بعث مبشّرا- لأن ذلك كان أول الإسلام، فمتعلّق الإنذار محقّق فلما أطاع من أطاع نزلت: إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً [الأحزاب ٤٥] . وفي الثالثة: تكبير الربّ تمجيدا وتعظيما، ويحتمل الحمل على تكبير الصلاة، كما حمل الأمر بالتطهير على طهارة البدن والثياب، وهي الآية الرابعة. أما الخامسة فهجران ما ينافي التوحيد وما يؤول إلى العذاب وحصلت المناسبة بين السورتين المبتدأ بهما النزول فيما اشتملتا عليه من المعاني الكثيرة باللفظ الوجيز في عدة ما نزل من كل منهما ابتداء. التاسع: ما ذكره ابن إسحاق من سبب نزول سورة الضحى رواه الطبراني من طريق العوفي، وهو ضعيف، عن ابن عباس. ومن طريق إسماعيل مولى آل الزبير ذكره سليمان التّيمي في السيرة التي جمعها. قال الحافظ: وكل هذه الروايات لا تثبت بحال، ويخالفها ما رواه الشيخان في سبب نزولها عن جندب بن سفيان البجلي رضي اللَّه تعالى عنه، أن رسول اللَّه ﷺ اشتكى فلم يقم ليلتين أو ثلاثا فجاءت امرأة فقالت: يا محمد إني لأرجو أن يكون شيطانك قد تركك لم يقربك منذ ليلتين أو ثلاث، فانزل اللَّه تعالى: وَالضُّحى إلى آخر السورة. قال الحافظ رحمه اللَّه تعالى: والحق أن الفترة التي في سبب نزول سورة الضحى غير الفترة المذكورة في ابتداء الوحي فإنها دامت أياما وهذه لم تكن إلا ليلتين أو ثلاثا، فاختلطتا على بعض الرواة. وتحقيق الأمر ما بينته. وذكر الحافظ ابن كثير نحوه. قال الحافظ: ووقع في السيرة لابن إسحاق في سبب نزولها شيء آخر فإنه ذكر أن المشركين لما سألوا رسول اللَّه ﷺ عن ذي القرنين وغيره ووعدهم بالجواب ولم يستثن، فأبطأ عليه جبريل اثنتي عشر ليلة، فضاق صدره وتكلّم المشركون فنزل جبريل بسورة الضحى وبجواب ما سألوا. قال الحافظ: ونزول سورة الضحى هنا بعيد لكن يجوز أن يكون الزمان في القصتين متقاربا، فضمّ بعض الرواة إحدى القصتين إلا الأخرى، وكلّ منهما لم يكن في ابتداء المبعث، وإنما كان بعده بمدة.

стр. 850

وعند الطبراني بإسناد فيه من لا يعرف أن سبب إبطاء جبريل كون جرو كلب تحت سريره ﷺ لم يشعر به، فأبطأ عنه جبريل كذلك. وقضية إبطاء جبريل بسبب كون الكلب تحت سريره مشهورة، لكن كونها سبب نزول هذه السورة شاذ مردود بما في الصحيح، وكلّ ما خالفه فغير ثابت. العاشر: قال الإسماعيليّ: كان من مقدّمات تأسيس النبوة فترة الوحي ليتدرّج فيه ويتمرّن عليه، فشق عليه فتوره إذا لم يكن خوطب عن اللَّه تعالى بعد: أنك رسول اللَّه ومبعوث إلى العباد، فأشفق أن يكون ذلك أمرا بدئ به ثم لم يرد استتمامه، فحزن لذلك، حتى إذا اندرج على احتمال أعباء النبوة والصبر على ثقل ما يرد عليه فتح اللَّه له من أمره بما فتح. قال: ومثال ذلك ما وقع له من أول ما خوطب ولم يتحقق الحال على جليّتها مثل رجل سمع آخر يقول: الحمد للَّه. فلم يتحقق أنه يقرأ حتى إذا وصلها بما بعدها من الآيات تحقق أنه يقرأ، وكذا لو سمع قائلا يقول: خلت الديار ولم يتحقق أنه ينشد شعرا حتى يقول: محلّها ومقامها. انتهى ملخصا. ثم قال: وأما إرادة إلقاء نفسه من رؤوس الجبال بعد ما نبّئ فلضعف قوته عن حمل ما حمّله عن أعباء النبوة، وخوفا مما حصل له من القيام بها من مباينة الخلق جميعا، كما يطلب الرجل الراحلة من غم يناله في العاجل بما يكون فيه زواله عنه لو أفضى إلى هلاك نفسه عاجلا، حتى إذا تفكّر فيما في صبره على ذلك من العقبى المحمودة صبر واستقرّت نفسه. قال الحافظ رحمه اللَّه تعالى: أما الإرادة المذكورة أولا: ففي صحيح الخبر أنه كانت حزنا على ما فاته من الأمر الذي بشّره به ورقة. وأما الإرادة الثانية بعد أن تبدّى له جبريل وقال له: أنت رسول اللَّه حقا فيحتمل ما قاله. والذي يظهر لي أنه بمعنى الذي قبله. وأما المعنى الذي ذكره الإسماعيلي فوقع قبل ذلك في ابتداء مجيء جبريل، ويمكن أن يؤخذ مما رواه الطبراني من طريق النعمان بن راشد عن ابن شهاب فذكر نحو حديث البخاري وفيه: فقال: يا محمد أنت رسول اللَّه حقا. قال: فلقد هممت أن أطرح نفسي من حالق الجبل أي من علوّه. انتهى. الحادي عشر: في بيان غريب ما تقدم: عدا: بعين مهملة: من العدو وهو الذهاب بسرعة، وبإعجامها من الذهاب غدوة. يتردّى: يسقط. شواهق: جمع شاهق وهو الجبل العالي.

стр. 851

يغدو- بإعجام الغين وإهمالها. ثبير- بثاء مثلثة مفتوحة فباء موحدة مكسورة فمثناة تحتية فراء. عامدا: قاصدا. بذروة جبل: بتثليث الذال: أعلاه. تبدّى له جبريل: أي ظهر. جأشه [ (١) ]- بجيم مفتوحة فهمزة ساكنة وقد تسهّل فشين معجمة، أي نفسه. قاله الخليل فعلى هذا فقوله: تقرّ نفسه: بفتح المثناة الفوقية والقاف توكيد لفظي. استبطنت الوادي: دخلت بطنه. فرعبت: فزعت. جئثت- بجيم مضمومة فهمزة مكسورة فمثلثة ساكنة فمثناة فوقية: أي فزعت، وفي رواية جثثت بمثلثتين من جثي الرجل كعني أيضا: فزع قال في التقريب: وما سواهما تصحيف. فرقا: خوفا. هويت إلى الأرض: سقطت.

стр. 852

الباب الثالث عشر في معنى الوحي والنبيّ والرسول والنبّوة والرسالة الوحي: مصدر وحى إليه يحي من باب وعد، وأوحى إليه بالألف مثله، وجمعه وحيّ. والأصل فعول مثل فلوس. وبعض العرب يقول وحيت إليه ووحيت له وأوحيت إليه وله. وهو هنا لغة: الإعلام في خفاء، وقيل الإعلام بسرعة. وشرعا: الإعلام بالشرع. وقد يطلق الوحي ويراد به اسم المفعول منه أي الموحى، من إطلاق المصدر على المفعول. قال تعالى: إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى [النجم ٤] . وهو كلام اللَّه المنزل على النبي ﷺ . وبسطت الكلام على الوحي ومعانيه في القول الجامع الوجيز فراجعه. والرسول: إنسان ذكر أوحي إليه بالعمل والتبليغ، فعول من الرسالة، وهي قول اللَّه تعالى لمن اصطفاه: أرسلتك أو بعثتك فبلّغ عني. وقيل هي سفارة بين اللَّه وبين ذوي الألباب من خليقته. وهي أفضل من النبوة، لأنها تثمر هداية الأمة، والنبوة قاصرة على النبي كالعلم والعبادة. وقال الشيخ عز الدين بن عبد السلام: النبوة أفضل لأنها الوحي بمعرفته تعالى وصفاته فهي متعلقة باللَّه من طرفيها، والرسالة الأمر بالتبليغ فهي متعلقة باللَّه من أحد الطرفين. وأجيب بأنها تستلزم النبوة فهي مشتملة عليها، لأنها كالرسول أخصّ من النبوة التي هي أعمّ كالنبي، وهو بمعنى المرسل فعول بمعنى مفعل، وذلك نادر. وإرساله: أمر اللَّه تعالى له بالبلاغ إلى من أرسل إليهم، واشتقاقه من التتابع ومنه: جاء الناس أرسالا، إذا تبع بعضهم بعضا، فكأنه ألزم بتكرير التبليغ أو ألزمت الأمة اتباعه. والنبي: إما أن يكون بمعنى منبّأ- بفتح الباء- لأن اللَّه تعالى أطلعه على غيبه وأعلمه أنه نبيّه، فهو فعيل بمعنى مفعول، أو بمعنى منبي أي مخبر للناس ما أوحى إليه فهو فعيل بمعنى فاعل، وهو بلا همز على الأكثر، قيل مخفف المهموز بقلب همزته ياء، وقيل إنه في الأصل من النّبوة- بفتح النون وسكون الباء- وهي الرّفعة لأن رتبته مرفوعة على سائر الخلق، وبالهمز من النبأ وهو الخبر لأنه مخبر عن اللَّه تعالى وقد لا يهمز على هذا أيضا للتسهيل. وهو: إنسان ذكر أوحي إليه بشرع ولم يؤمر بتبليغه، فإن أمر بذلك فهو رسول أيضا. وقيل: وإن أمر بتبليغه ولم يكن له كتاب أو نسخ لبعض شرع من قبله فهو نبي، وإن كان له ذلك فهو رسول. فالرسول أخصّ من النبي على القولين. وقيل هما مترادفان لقوله تعالى: وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ [الحج ٥٢] فأثبت لهما الإرسال معا.

стр. 853

وأجيب بأنهما لو كانا مترادفين لم يحسن تكرارهما في بليغ الكلام. وفي الآية إضمار تقديره: وما أرسلنا من رسول ولا نبَّأنا من نبيّ كما في قوله: ورأيت روحك في الوغى ... متقلّدا سيفا ورمحا أي وحاملا رمحا. وقال الآمديّ [ (١) ] رحمه اللَّه تعالى- بعد حكايته مذهب الفلاسفة في النبوّة، وقول من قال إن النبي من علم كونه نبيّا وقول من قال: إن النبوة سفارة بين الحق والخلق وتزييف كل منها- والحقّ ما ذهب إليه أهل الحق من الأشاعرة وغيرهم من أن النبوة ليست راجعة إلى ذاتيّ من ذاتيات النبيّ ولا إلى عرض من أعراضه المكتسبة له، بل هي موهبة من اللَّه تعالى ونعمة منه عليه يجعله متأهّلا للرسالة، وحاصلها يرجع إلى قول اللَّه تعالى لمن اصطفاه من عباده: أرسلتك أو بعثتك فبلّغ عني. انتهى. فعلم بذلك: أن النبوة والرسالة من الصفات الاعتبارية كالولاية للوليّ والإمامة للسلطان ونحو ذلك، لأن القول لا يوجب لمتعلّقه صفة كما صرح به القاضي عضد الدين. تنبيهات الأول: لا يلزم من كون الرسالة قول اللَّه: أرسلتك. أن تكون قديمة ضرورة قدم الكلام الرباني، لأن الرسالة ليست الكلام القديم فقط، بل الكلام القديم بصفة كونه متعلّقا بالمخاطب، والتعلق والمتعلّق- بفتح اللام- حادث غير قديم. الثاني: روى الحاكم أن رجلا قال: يا نبي اللَّه- أي بالهمز- فقال رسول اللَّه ﷺ : «لست نبيء اللَّه ولكني نبي اللَّه» [ (٢) ] قال الذّهبي: إنه حديث منكر وفي سنده حمدان بن أعين وليس بثقة، وعلى تقدير صحته فأجيب عنه بأن أبا زيد حكى: نبأت من أرض إلى أرض أخرى، أي خرجت منها إليها، فإذا قال: يا نبيء اللَّه احتمل أن يريد يا طريد اللَّه الذي أخرجه من بلده إلى غيرها فنهاه عن ندائه بلفظ النبيء مهموزا. ونظيره نهى المؤمنين عن قولهم له «راعنا» لأن اليهود وجدوا بذلك طريقا إلى سبّه.

стр. 854

الباب الرابع عشر في مثله ومثل ما بعثه الله تعالى به من الهدى قال أبو موسى الأشعري رضي اللَّه تعالى عنه: قال رسول اللَّه ﷺ : إن مثلي ومثل ما بعثني اللَّه تعالى به من الهدي والعلم كمثل الغيث الكثير أصاب أرضا فكانت منها طائفة طيّبة قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكانت منها أجادب أمسكت الماء فنفع اللَّه بها الناس فشربوا منها وسقوا ورعوا- وفي لفظ وزرعوا- وأصاب منها طائفة أخرى إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ، فذلك مثل من فقه في دين اللَّه ونفعه اللَّه بما بعثني به فعلم وعلّم ومثل من لم يرفع بذلك رأسا ولم يقبل هدى اللَّه الذي أرسلت به. رواه الشيخان [ (١) ] . ورويا أيضا والبيهقيّ عنه والإمام أحمد والرامهرمزي [ (٢) ] في الأمثال عن عبد الله بن بريدة عن أبيه أن رسول اللَّه ﷺ خرج ذات يوم فنادى ثلاث مرات: أيها الناس إن مثلي ومثل ما بعثني اللَّه به كمثل قوم خافوا عدوّا أن يأتيهم فبعثوا رجلا يتراءى لهم، فبينما هو كذلك إذ أبصر العدوّ فأقبل لينذر قومه فخشي أن يدركه العدو قبل أن ينذر قومه فأهوى بثوبه: أيها الناس أتيتم- ثلاث مرات- يا قوم إني رأيت الجيش بعيني وأنا النذير العريان فالنّجاء النجاء، فأطاعه، طائفة من قومه فأدلجوا فانطلقوا على مهلهم فنجوا وكذّب طائفة منهم فأصبحوا مكانهم فصبحهم الجيش فأهلكهم واجتاحهم، فذلك مثل من أطاعني واتبع ما جئت به من الحق، ومثل من عصاني وكذّب ما جئت به من الحق [ (٣) ] . وروى الإمام أحمد والترمذي عن ابن مسعود والبخاري والترمذي عن جابر بن عبد الله رضي اللَّه تعالى عنهما قال ابن مسعود: أن رسول اللَّه ﷺ وضع رأسه في حجري فنام وكان إذا رقد نفخ، فبينا أنا قاعد ورسول اللَّه ﷺ متوسّد فخذي إذ أتى رجال- وفي لفظ إنَّ هنينا أتوا عليهم ثياب بيض اللَّه أعلم بما بهم من الجمال، فانتهوا إليه فجلس بعض منهم عند رأس النبي ﷺ ، وطائفة منهم عند رجليه. وفي رواية أخرى عن جابر: خرج علينا رسول اللَّه ﷺ فقال: رأيت في المنام كأن جبريل عند رأسي وميكائيل عند رجلي يقول أحدهما لصاحبه: اضرب له مثلا.

стр. 855

فقال بعضهم لبعض: لقد أوتي هذا العبد خيرا، ما رأينا عبدا قط أوتي مثل ما أوتي، إنّ عينيه نائمتان وقلبه يقظان. ثم قال بعضهم لبعض: هلم فلنضرب له مثلا، فقال بعضهم: اضربوا مثلا ونؤوّل نحن أو نضرب نحن وتؤوّلون أنتم. فقال بعضهم: اسمع سمعت أذنك واعقل عقل قلبك، إن مثلك- وفي لفظ: مثله- كمثل ملك، وفي لفظ: رجل. وفي لفظ: سيّد ابتنى بنيانا حصينا ثم جعل فيه مأدبة وبعث داعياً- وفي لفظ: رسولا- يدعو الناس إلى طعامه وشرابه فمنهم من أجاب الرسول ومنهم من تركه، فمن أجابه أكل من طعامه وشرب من شرابه، ومن لم يجبه عذّبه عذابا شديدا. أوّلوها له يفقهها. فقال الآخرون: فأما السيّد: فهو ربّ العالمين. وأما البنيان: فهو الإسلام. والطعام: الجنة. والداعي: محمد ﷺ ، فمن أطاع محمدا ﷺ فقد أطاع اللَّه وكان في الجنة، ومن عصى محمدا ﷺ فقد عصى اللَّه وكان في النار، محمد فرق بين الناس. قال ابن مسعود: ثم إن رسول اللَّه ﷺ استيقظ قال: ما رأيت يا بن أمّ عبد؟ هل سمعت ما قال هؤلاء؟ قال عبد الله: رأيت كذا وكذا. قال: هل تدري من هم؟ قلت: اللَّه ورسوله أعلم. قال: المثل الذي ضربوه: الرحمن، بنى الجنة ودعا إليها عباده، فمن أجابه دخل الجنة ومن لم يجبه عاقبه وعذّبه، ما خفي علي شيء مما قالوا، وهم نفر من الملائكة. وروى الشيخان عن أبي هريرة رضي اللَّه تعالى عنه أن رسول اللَّه ﷺ قال: مثلي ومثل الناس كمثل رجل استوقد نارا فلما أضاءت ما حوله جعل الجنادب والفراش وهذه الدواب التي تقع في النار يقعن فيها وجعل يحجزهن- ويغلبنه فيقعن فيها، فأنا آخذ بحجزكم عن النار وأنتم تقتحمون فيها [ (١) ] . ولفظ مسلم: «فذلك مثلي ومثلكم، أنا آخذ بحجزكم هلمّ عن النار فتغلبونني تقتحمون فيها» . وروى الإمام أحمد عن ابن عباس رضي اللَّه تعالى عنهما أن رسول اللَّه ﷺ رأى فيما يرى النائم ملكين قعد أحدهما عند رجليه والآخر عند رأسه، فقال الذي عند رجليه للذي عند رأسه: اضرب مثل هذا ومثل أمته. فقال: مثل هذا ومثل أمته كمثل قوم سفر انتهوا إلى مفازة فلم يكن معهم من الزاد ما يقطعون به المفازة ولا ما يرجعون به، فبينما هم كذلك إذا أتاهم رجل في حلّة حبرة فقال: أرأيتم إن وردت بكم رياضا معشبة وحياضا رواء أتتبعوني؟ فقالوا: نعم فأوردهم رياضا معشبة وحياضا رواء فأكلوا وشربوا وسمتوا فقال لهم: ألم ألقكم على تلك الحالة فجعلتم لي وردت بكم رياضا معشبة وحياضا رواء أن تتبعوني؟ قالوا: نعم. فأوردهم

стр. 856

رياضا معشبة وحياضا رواء، فأكلوا وشربوا وسمنوا. فقال لهم: ألم ألقكم على تلك الحالة فجعلتم لي إن وردت بكم رياضا معشبة وحياضا رواء، أن تتبعوني؟ قالوا: بلى. قال: فإن بين يديكم رياضا أعشب من هذه وحياضا أروى من هذه فاتبعوني. فقالت طائفة: صدق واللَّه لنتبعنّه. وقالت طائفة: رضينا بهذا نقيم عليه. تنبيهات في بعض فوائد الحديث الأول: المثل: بفتح المثلثة والمراد به هنا: الصفة العجيبة الشأن، أي صفتي وصفة ما بعثني اللَّه به من الأمر العجيب الشأن كصفة رجل أتى قوما إلى آخره. والهدى والعلم: أي الطريقة والعمل. روى: «من ازداد علما ولم يزدد هدى لم يزدد من اللَّه إلا بعدا» . والغيث: المطر، وإنما اختير الغيث على سائر أسماء المطر ليؤذن باضطرار الخلق إليه حينئذ. قال تعالى: وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ ما قَنَطُوا [الشورى ٢٨] وقد كان الناس في الزمن الأول قبل المبعث وهم على فترة من الرسل قد امتحنوا بموت القلب وذهاب العلم حتى أصابهم اللَّه برحمة من عنده فأفاض عليهم سجال الوحي السماويّ، فأشبهت حالهم حال من توالت عليه السّنون وأخلفتهم المخايل حتى تداركهم اللَّه بلطفه وأرخت عليهم السماء عزاليها، ثم كان حظّ كل فريق من تلك الرحمة على ما ذكره من الأمثلة والنظائر. قال القرطبي والنووي تبعا للقاضي: ضرب النبي ﷺ لما جاء به من الدّين مثلا بالغيث العام الذي يأتي الناس في حال حاجتهم إليه، وكذا كان حال الناس قبل مبعثه، فكما أن الغيث يحيى البلد الميّت فكذا علوم الدين تحيي القلب الميت، ثم شبّه السامعين له بالأرض المختلفة التي نزل الغيث بها، فمنهم العالم المعلّم فهو بمنزلة الأرض الطيبة التي شربت فانتفعت في نفسها وأنبتت فنفعت غيرها. ومنهم الجامع للعلم المستغرق لزمانه فيه غير أنه لم يعمل بنوافله ولم يتفقّه فيما جمع لكنه أدّاه لغيره فهو بمنزلة الأرض التي يستقرّ فيها الماء فينتفع الناس به، وهو المشار إليه بقوله «نضر اللَّه امرأ سمع مقالتي فوعاها فأداها كما سمعها» [ (١) ] . ومنهم من سمع العلم فلا يحفظه ولا يعمل به ولا ينقله لغيره، فهو بمنزلة الأرض السّبخة أو الملساء التي لا تقبل الماء أو تفسده على غيرها.

стр. 857

قال الحافظ: وإنما أفرد الطائفتين الأولتين الممدوحتين لاشتراكهما في الانتفاع بهما، وأفرد الطائفة الثالثة المذمومة لعدم النّفع بها. ثم ظهر لي إن في كل مثل طائفتين، فالأول قد أوضحناه والثاني: الأول منه من دخل في الدين ولم يسمع العلم، أو سمعه فلم يعمل به ولم يعلمه، وأشير إليها بقوله ﷺ : «من لم يرفع بذلك رأسا» [ (١) ] أي أعرض عنه فلم ينتفع به ولا نفع. والثانية منه: من لم يدخل في الدين أصلا بل بلغه فكفر به، ومثالها الأرض الصمّاء الملساء المستوية التي تمرّ عليها الماء فلا تنتفع به، وأشير إليها بقوله ﷺ : «ولم يقبل هدى اللَّه الذي أرسلت به» . وقال الطّيبيّ: قال المطهّريّ: اعلم أنه ذكر في الأرض ثلاثة أقسام، وفي تقسيم الناس باعتبار قبول العلم قسمين: أحدهما من فقه في دين اللَّه إلى آخره. والثاني: من لم يرفع بذلك رأسا، يعني تكبّر ولم يقبل الدّين، يقال: لم يرفع فلان رأسه بهذا أي لم يلتفت إليه من غاية تكبّره، وإنما ذكره كذلك لأن القسم الأول والثاني من أقسام الأرض كقسم واحد من حيث إنه ينتفع به والثاني لا ينتفع به، وكذلك الناس قسمان: أحدهما من يقبل العلم وأحكام الدين. والثاني: من لا يقبلهما، وهذا يوجب جعل الناس في الحديث على قسمين: أحدهما ينتفع به والثاني لا ينتفع به. وأما في الحقيقة فالناس على ثلاثة أقسام: فمنهم من يقبل العلم بقدر ما يعمل به ولم يبلغ درجة الفتوى والتدريس وإفادة الناس فهو القسم الأول، ومنهم من يقبل من العلم بقدر ما يعمل به وبلغ أيضا درجة الفتوى والتدريس وإفادة الناس، فهو القسم الثاني، ومنهم من لا يقبل العلم، وهو القسم الثالث. قال الطيبي: اتفق الشارحون على هذا الوجه الثاني، وظاهر الحديث ينصر الوجه الأول، لأن الشّطر الأول من التمثيل مركب من أمرين، وذلك أن «أصاب منها طائفة» معطوف على «أصاب أرضا» والضمير في منها يرجع إلى مطلق الأرض المدلول عليه بقوله أرضا، ثم قسمت الأرض الأولى بحرف التعقيب في «فكانت» وعطف كانت على كانت قسمين، فيلزم اشتمال الأرض الأولى على الطائفة الطيبة وعلى الأجادب، والثانية على عكسها، فالواو في «وكانت» ضمّت وترا إلى وتر، وفي «وأصابت» شفعا إلى شفع، نظيره قوله تعالى: وَما يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ وَلَا الظُّلُماتُ وَلَا النُّورُ [فاطر ١٩] وقوله تعالى: إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِماتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ [الأحزاب ٣٥] قال في الكشاف: الفرق بين عطف الإناث على الذكور وعطف الزوجين على الزوجين أن الإناث والذكور جنسان مختلفان إذا اشتركا في حكم لم يكن بد من توسط العاطف بينهما، وأما العاطف الثاني فمن باب عطف الصفة على

стр. 858

الصفة بحرف الجمع وكأن معناه: إن الجامعين والجامعات لهذه الطاعات أعدّ اللَّه لهم. وأيضا أن أصل التمثيل مركّب من أمرين: الهدى والعلم لتغايرهما في الاعتدال، ويعضده مراعاة معنى التقابل بين الكلامين من إثبات الكلأ وإمساك الماء في إحداهما ونفيهما في الآخر على سبيل الحصر بقوله ﷺ : «إنما هي قيعان» ثم تعقيبهما بالتفصيل في قوله: «فذلك مثل من فقه في دين اللَّه ونفعه» إلى آخر الحديث لأنه ذكر المثل فيه مرتين. ويؤيده ما ذكر النووي أن رعوا بالراء من الرعي. هكذا هو في جميع نسخ مسلم. ووقع في البخاري: «وزرعوا» وكلاهما صحيح. وإنما قلنا هذه الرواية تؤيد ما ذكرنا لأن في الكلام حينئذ لفّا ونشرا فإن «رعوا» مناسب لأنبتت الكلأ و «فشربوا وسقوا» للأجادب وأمسكت الماء. فيكون الضمير في نفع اللَّه بها ل «أرض» [ (١) ] ومعنى كليهما صحيح، لأن زرعوا متعلّق بالأول لا بالأجادب فإنه لا تكفي الشرب والسّقي فضلا عن الزرع. فعلى هذا يكون قد ذكر في الحديث الطرفان: الغالي في الاهتداء والغالي في الضلال، فعبّر عمن قبل هدى اللَّه والعلم بقوله: «فقه في الدين» إلى آخره. وكنى عمن أبى قبولهما بقوله «لم يرفع بذلك رأسا» وبقوله ولم يقبل هدى اللَّه لأن الثاني عطف تفسيريّ للأول، وترك الوسط وهو قسمان: أحدهما: الذي ينتفع بالعلم في نفسه فحسب، والثاني: الذي لم ينتفع هو بنفسه ولكن نفع الغير. وفي الحديث إشعار بأن الاستعدادات ليست بمكتسبة، بل هي مواهب ربّانية يختصّ بها من يشاء، وكمالها أن يفيض اللَّه تعالى عليها من المشكاة النبوية، فإذا وجد من يشتغل بغير الكتاب والسّنة وما والاهما علم أنه تعالى لم يرد به خيرا، فلا يعبأ باستعداده الظاهر، وأن الفقيه هو الذي علم وعمل وعلّم وفاقد أحدها فاقد هذا الاسم، وأن العالم العامل ينبغي أن يفيد الناس بعلمه كما يفيدهم بعمله، ولو أفاد بالعمل فحسب لم يحظ منه بطائل كأرض معشبة لا ماء فيها فلا يمرى مرعاها ولو اقتصر على القول لأشبه السّقي مجرّدا عن الرعي، فيشبه أخذه المستسقي، ولو منعهما معا كان كأرض ذات ماء وعشب حماها بعض الظّلمة عن مستحقّيها كما قال القائل: ومن منح الجهّال علما أضاعه ... ومن منع المستوجبين فقد ظلم الطائفة، هنا: القطعة من الأرض. قبلت: بفتح القاف وكسر الموحدة من القبول.

стр. 859

الكلأ: بالهمز بلا مد. وقوله: العشب: من ذكر الخاص بعد العام، لأن الكلأ يطلق على النّبت الرّطب واليابس معا والعشب للرطب فقط. أجادب [ (١) ]- بالجيم والدال المهملة جمع جدب بفتح الدال على غير قياس: وهي الأرض الصّلبة التي لا ينصبّ منها الماء. فنفع اللَّه بها: أي الأجادب وفي رواية: «به» أي الماء. رعوا: من الرعي وفي رواية: «زرعوا، من الزرع. قال النووي: كلاهما صحيح، ورجح القاضي الأول بلا مرجّح، لأن رواية زرعوا يدل على مباشرة الزرع ليطابق في التمثيل مباشرة طلب العلم، وإن كانت رواية رعوا مطابقة لقوله أنبتت، لكن المراد أنها قابلة للإنبات. قيعان: بكسر القاف: جمع قاع وهو الأرض المستوية الملساء التي لا تنبت شيئا. فقه: بضم القاف أي صار فقيها. الثاني: في بعض فوائد الحديث الثاني: قال الأشرف: ذكر العينين إرشاد إلى أنه ﷺ متحقق عنده جميع ما أخبر عنه من الأمور تحقق من رأى شيئاً بعينه لا يعتريه وهم ولا يخالطه شك. وقال القاضي والنووي والطّيبي: قوله: «أنا النّذير العريان» مثل سائر يضرب لشدة الأمر ودنوّ المحذور وبراءة المحذّر عن التّهمة. وأصله: أن الرجل إذا رأى العدو وقد هجم على قومه وأراد أن يفاجئهم، وكان يخشى لحوقهم عند لحوقه تجرّد عن ثوبه وجعله على رأس خشبة وصاح ليأخذوا حذرهم ويستعدوا قبل لحوقهم، وإنما يفعل ذلك لأنه أبين للناظر وأغرب وأشنع منظرا، فهو أبلغ في استحثاثهم في التأهّب للعدو. وقيل: الأصل فيه: أن رجلاً لقى جيشا فسلبوه وأسروه فانفلت إلى قومه فقال: إني رأيت الجيش وسلبوني فرأوه عريانا فتحققوا صدقه لأنهم كانوا يعرفونه ولا يتهمونه في النصيحة ولا جرت عادته بالتعري، فقطعوا بصدقه لهذه لقرائن، فضرب ﷺ لنفسه ولما جاء به بذلك لما أبداه من المعجزات والخوارق الدالة على القطع بصدقه. تقريبا لأفهام المخاطبين بما يألفونه ويعرفونه.

стр. 860

وقال الطيبي: وهذا التشبيه من التشبيهات المفرّقة، شبّه ذاته ﷺ بالرجل، وما بعثه اللَّه تعالى به من إنذار القوم بعذاب اللَّه القريب بإنذار الرجل قومه بالجيش المصبّح، وشبّه من أطاعه من أمته ومن عصاه بمن كذّب الرجل في إنذاره وصدّقه. وفي قول الرجل: أنا النذير العريان إلخ أنواع من التأكيد: أحدها: «بعيني» لأن الرؤية لا تكون إلا بها. وثانيها: قوله: «إني» و «أنا» وثالثها: «العريان» فإنه دال على بلوغ النهاية في قرب العدوّ. وفي ذلك تنبيه على أنه الذي يختص في إنذاره بالصدق والذي لا شبهة فيه، وهو الذي يحرص جدا على خلاص قومه من الهلاك. وقال في الفرقة الأولى: «فأطاعني» وقابله في الثانية ب «كذّب» ليؤذن بأن الطاعة مسبوقة بالتصديق، ويشعر بأن التكذيب مستتبع للعصيان، كأنه جمع في كل من الفرقتين بين المعنيين. وإلى المعنيين أشار بقوله ﷺ : «من أطاعني» إلى آخره. وأتبع قوله: «اجتاحهم» قوله «أهلكهم» إعلاما بأنه أهلكهم عن آخرهم فلم يبق منهم أحد. الجيش- بجيم فمثناة تحتية فشين معجمة. بعيني: روى بالإفراد وبالتثنية. النّجاء النجاء- بالمد فيهما، وبمد الأولى وقصر الثانية، وبالقصر فيهما تخفيفا، نصبا على المصدر أي أنجو النجاء أو على الإغراء أي اطلبوا النجاء تسرعوا الهرب. أدلجوا: بهمزة فسكون أي ساروا أول الليل كله على الاختلاف في مدلول هذه اللفظة. مهلهم- بفتحتين- والمراد به الهينة والسكون. وبفتح أوله وسكون ثانيه: الإمهال وليس مرادا هنا. الطائفة هنا: الفرقة. صبّحهم: أتاهم صباحا هذا أصله، ثم كثر استعماله حتى استعمل فيمن طرق بغتة في أي وقت كان. اجتاحهم: بجيم فمثناة فوقية فألف فحاء مهملة أي استأصلهم من جحت الشيء أجوحه إذا استأصلته والاسم الجائحة وهي الهلاك، وأطلقت لأنها مهلكة. الثالث: في بعض فوائد الحديث الثالث: قال القاضي ناصر الدين البيضاوي في شرح المصابيح رحمه اللَّه تعالى: هذا الحديث يحتمل أمرين: أحدهما: أن يكون حكاية سمعها جابر من النبي ﷺ فحكاها. وثانيهما: أن يكون إخبارا بما شاهده هو نفسه وانكشف له. وقول بعض الملائكة: «إن العين نائمة والقلب يقظان» مناظرة جرت بيانا وتحقيقا لما أنّ النفوس القدسية الكاملة لا يضعف إدراكها بضعف الحواس واستراحة الأبدان.

стр. 861

والفاء في «فمن أطاع محمدا» فاء السببية، أي لمّا كان الرسول يدعوهم إلى اللَّه تعالى بأمره وهو سفير من قبله فمن أطاع فقد أطاع اللَّه، ومن عصاه فقد عصى اللَّه. وقال الطيبي: قوله: «مثل كمثل رجل» مطلع للتشبيه، وهو مبني على أن هذا التشبيه ليس من التشبيهات المفرّقة كقول امرئ القيس: كأنّ قلوب الطير رطبا ويابسا ... لدى وكرها العنّاب والحشف البالي شبّه القلوب الرطبة بالعناب، واليابسة بالحشف على التفريق، بل هو من التمثيل الذي ينتزع فيه الوجه من أمور معدودة متوهّمة منضمّ بعضها مع بعض إذا لو أريد التفريق لقيل: مثله كمثل داع بعثه رجل ومن ثمّ قدّمت الملائكة في التأويل الردّ على الداعي وعلى المضيف، وروعي في التأويل أدب حسن، حيث لم يصرح المشبّه بالرجل لكن لمّح في قوله: «من أطاع اللَّه» ما يدل على أن المشبّه من هو. ونظيره في التمثيل قوله تعالى: «إِنَّما مَثَلُ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ» قال في الكشاف: ولي الماء الكاف وليس الغرض تشبيه الدنيا بالماء ولا بمفرد آخر يتمحّل لتقديره، ومما هو بين في هذا قول لبيد: وما الناس إلا كالديار وأهلها ... بها يوم حلّوها وغدواً بلاقع لم يشبّه الناس بالديار وإنما شبّه وجودهم فيها وسرعة زوالهم وفنائهم بحلول أهل الديار فيها ووشك نهوضهم عنها وتركها خلاء خاوية. وتحريره أن الملائكة مثّلوا سبق رحمه اللَّه تعالى على العالمين بإرسال الرحمة المهداة للخلق كما قال تعالى: وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ [الأنبياء ١٠٧] ثم إعداده الجنة للخلق ودعوته ﷺ إياهم إلى الجنة ونعيمها وبهجتها، ثم إرشاده للخلق بسلوك الطريق إليها واتباعهم إياه بالاعتصام بالكتاب والسنة المدليان إلى العالم السفلي، وكأن الناس واقعون في مهواة طبيعتهم، ومشتغلون بشهواتها، وأن اللَّه تعالى يريد بلطفه رفعهم فأدلى حبل القرآن والسنّة إليهم ليخلّصهم من تلك الورطة، فمن تمسك بها نجا وحصل في الفردوس والجناب الأقدس عند مليك مقتدر، ومن أخلد إلى الأرض هلك وأضاع نصيبه من رحمة اللَّه تعالى: بحال مضيف كريم بنى دارا وجعل فيها من ألوان الأطعمة المستلذّة والأشربة المستعذبة ما لا يحصى ولا يوصف ثم بعث داعيا إلى الناس يدعوهم إلى الضيافة إكراما لهم، فمن تبع الداعي نال من تلك الكرامة، ومن لم يتبع حرم منها. ثم إنهم وضعوا مكان حلول سخط اللَّه تعالى بهم ونزول العقاب السّرمد عليهم قولهم: «لم يدخل الدار ولم يأكل من المأدبة» لأن فاتحة الكلام سيقت لبيان سبق الرحمة على

стр. 862

الغضب فلم يطابق أن لو ختم بما يصرّح بالعذاب والغضب، فجاءوا بما يدل على المراد على سبيل الكناية. وقولهم: «محمّد فرق بين الناس» كالتذييل للكلام السّابق، لأنه مشتمل على معناه ومؤكد له في حضور الملائكة ورجع بعض الكلام على بعض، وتمثيلهم ذلك ووضعهم المظهر موضع المضمر في مواضع من الحديث، وتكرير الألفاظ مرة بعد أخرى، وفي تقديم المجمل ممثّلا به وتأويله، دلالة على الإرشاد التام وإزاحة للعلل وإيقاظ للسامعين من رقدة الغفلة وسنة الجهالة، وحثّ لهم على الاعتصام بالكتاب والسّنة والإعراض عما يخالفهما من البدعة والضلالة. المأدبة: قال ابن خطيب الدهشة في تقريبه بالفتح والضم: الطعام يدعى إليه الناس. أوّلوها: أي فسّروا الحكاية أو التمثيل بمحمد ﷺ ، من أوّل تأويلا إذا فسّر بما يؤول إليه الشيء، والتأويل في اصطلاح العلماء: تفسير اللفظ بما يحتمله احتمالا غير بيّن. فرّق: روى بالتشديد أي على صيغة الفعل وبالسكون على المصدر وصف به للمبالغة كالعدل، أي هو الفارق بين المؤمن والكافر والصالح والفاسق، إذ به تميزت الأعمال والعمّال. الرابع: في بعض فوائد الحديث الرابع: قوله ﷺ : «مثلي» أي في دعاء الناس إلى الإسلام المنقذ لهم من النار ومثل ما تزيّن لهم أنفسهم من التمادي على الباطل «كمثل رجل» إلى آخره والمراد تفسير الجملة بالجملة، لا تمثيل فرد بفرد. قال النووي: مقصود الحديث أنه ﷺ شبّه تساقط الجاهلين والمخالفين بمعاصيهم وشهواتهم في نار الآخرة وحرصهم على الوقوع في ذلك ومنعه إياهم، والجامع بينهما اتباع الهوى وضعف التمييز وحرص كل من الطائفتين على هلاك نفسه. وقال القاضي: أبو بكر بن العربي: هذا مثل كثير المعاني، والمقصود أن الخلق لا يأتون ما يجرّهم إلى النار على قصد الهلكة، وإنما يأتونه على قصد المنفعة واتباع الشهوة، كما أن الفراش يقتحم النار لا ليهلك فيها بل لما يعجبه من الضياء، وقد قيل إنها لا تبصر بحال وهو بعيد. وإنما قيل إنها تكون في ظلمة فإذا رأت الضياء اعتقدت أنه كوّة يستظهر منها النور فتقصده لأجل ذلك فتحترق وهي لا تشعر، وقيل إن ذلك لضعف بصرها فتظن أنها في بيت مظلم وأن السراج كوّة فترمي نفسها إليها وهي من شدة طيرانها تجاوزه فتقع في الظّلمة فترجع فتحترق.

стр. 863

وقيل: إنها تتضرر بشدة النور فتقصد إطفاءه فشدة جهلها تورّط نفسها فيما لا قدرة لها عليه. وقال الغزالي: التمثيل واقع على صورة الإكباب على الشهوات من الإنسان بإكباب الفراش على التهافت في النار، ولكن جهل الآدمي أشدّ من جهل الفراش، لأنها باغترارها بظاهر الضوء إذا احترقت انتهى عذابها في الحال، والآدمي يبقى في النار مدة طويلة أو أبدا. وقال الطيبي: تحقيق التشبيه الواقع في هذا الحديث يتوقف على معرفة معنى قوله تعالى: وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [البقرة ٢٢٩] وذلك أن حدود اللَّه هي محارمه ونواهيه كما في الحديث الصحيح: «إلا أن حمى اللَّه محارمه» ورأس المحارم حبّ الدنيا وزينتها واستبقاء لذتها وشهواتها، فشبّه ﷺ تلك الحدود ببياناته الشافية الكافية من الكتاب والسنة باستيقاد الرجل النار، وشبّه فشوّ ذلك الكشف في مشارق الأرض ومغاربها بإضاءة تلك النار ما حول المستوقد، وشبّه الناس وعدم مبالاتهم بذلك البيان والكشف وتعدّيهم حدود اللَّه تعالى وحرصهم على استيفاء تلك اللذات والشهوات ومنع رسول اللَّه ﷺ إياهم عنه بأخذ حجزهم: بالفراش اللاتي يقتحمن في النار ويغلبن المستوقد على دفعه إياها عن الاقتحام، وكما أن المستوقد كان غرضه من فعله انتفاع الخلق به من الاهتداء والاستدفاء وغير ذلك، والفراش بجهلها جعلته سببا لهلاكها: كذلك كان القصد بتلك البيانات اهتداء الأمة واحتماءها عما هو سبب هلاكهم، وهم مع ذلك لجهلهم جعلوها موجبة لتردّيهم. وفي قوله: «آخذ بحجزكم» استعارة مثّلت حالة منعه ﷺ الأمة عن الهلاك بحالة رجل أخذ بحجزة صاحبه الذي يهوي. أن يهوي في قعر بئر مردية. والفاء في قوله: «فأنا آخذ بحجزكم» فصيحة كما في قوله تعالى: أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ [الحجرات ١٢] . فإنه تعالى لما سأل بقوله: «أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً» فأجابوا لا. قال: فإذا كان كذلك «فَكَرِهْتُمُوهُ» وكذلك أنه ﷺ لما قال للناس: «مثلي ومثلكم» أي صفتي وصفتكم. ثم شرع في بيان المشبّه بقوله: «مثل رجل» إلخ، وعلم منه ما يقابله من التشبيهات على ما بيّناها آنفا، أتى بما هو أهمّ وأولى منها وهو قوله: «فأنا آخذ بحجزكم» بالفاء. كأنه قيل: إذا صح هذا التمثيل وأنا مثل المستوقد وأنتم كالفراش تقتحمون في النار فأنا آخذ بحجزكم. ولهذه الدقيقة التفت من الغيبة في قوله «مثل الناس» إلى الخطاب في قوله: «فأنا آخذ بحجزكم» كما أنك إذا أخذت في حديث من لك عناية بشأنه، والحال أنه مشتغل بشيء

стр. 864

يورّطه في الهلاك، ثم إنك من غاية رأفتك عليه وشدة حرصك على نجاته تجد في نفسك أنه حضر عندك فتتحرى خلاصه. استوقد: بمعنى أوقد، ولكن الأول أبلغ كعفّ واستعف. والإضاءة: فرط الإنارة، واشتقاقه من الضوء وهو ما انتشر من الأجسام النيّرة يقال: أضاءت النار وأضاءت غيرها يتعدى ولا يتعدى، فإن جعل متعديا يكون: ما حوله مفعولا به، وإن جعل لازما يجوز أن يكون ما حوله فاعلا له على تأويل الأماكن، ويجوز أن يكون فاعله ضمير النار، وما حوله ظرف، فيجعل حصول إشراق النار في جوانبها بمنزلة حصولها نفسها فيها مبالغة. وحول الشيء، جانبه الذي يمكنه أن يحوّل إليه، أو سمي بذلك اعتبارا بالدوران والإطافة، ويقال للعام: حول. لأنه يدور. وفي رواية مسلم: «ما حولها» فيكون الضمير راجعا إلى النار وفي رواية البخاري: «ما حوله» كما في التنزيل والضمير راجع إلى المستوقد. الجنادب: جمع جندب وفيها ثلاث لغات: جندب بضم الدال وفتحها والجيم مضمومة فيهما. والثالثة حكاها القاضي جندب بكسر الجيم وفتح الدال. والجنادب هذه الصّرار التي تشبه الجراد. وقيل غير ذلك. الفراش: اسم لنوع من الطير مستقل له أجنحة أكبر من جثته وأنواعه مختلفة في الكبر والصغر وكذا أجنحته. وهذه الدواب: قال الحافظ: عطف الدواب على الفراش يشعر بأنها غير الجنادب والجراد. قال النووي وتبعه الطيبي: وقوله «وهذه الدواب» كقوله تعالى: ماذا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلًا وقول عائشة في حق عبد الله بن عمرو: «عجبت لابن عمرو هذا» فيؤنث كقوله تعالى: وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي [النحل ٦٨] وتخصيص ذكر الدواب- والفراش لا يسمّى دابة عرفا- لبيان جهلها، كقوله تعالى: إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ [الأنفال ٢٢] كل ذلك تعريض بطالب الدنيا المتهالك فيها. يتقحّمن: التقحم أصله القحم وهو الإقدام والوقوع في الأمور الشاقة من غير تثبت، ويطلق على رمي الشيء بغتة. واقتحم الدار: هجم عليها. فأنا آخذ: بوزن اسم الفاعل، ويروى بصيغة المضارعة. قال النووي: والأول أشهر. بحجزكم: بحاء مهملة مضمومة فجيم مفتوحة فزاي: جمع حجزة وهي معقد الإزار والسراويل.

стр. 865

عن النار: وضع السبب موضع المسبّب، لأن المراد أنه يمنعهم من الوقع في المعاصي التي تكون سببا لولوج النار. هلم: كلمة بمعنى الدعاء إلى الشيء كما يقال: تعال. قال الخليل: أصله: لمّ من الضمّ والجمع، ومنه لمّ اللَّه شعثه. وكأن المنادي أراد لمّ نفسك إلينا. وهاء للتنبيه، وحذفت الألف تخفيفا لكثرة الاستعمال وجعلا اسما واحدا. وقيل في أصلها غير ذلك. وأهل الحجاز ينادون بها بلفظ واحد للمذكر والمؤنث والمفرد والمثنى والجمع. وفي لغة نجد تلحقها الضمائر وتطابق. وتستعمل لازمة نحو «هلمّ إلينا» أي أقبل ومتعدية نحو هَلُمَّ شُهَداءَكُمُ [الأنعام ١٥٠] أي أحضروهم. فتغلبوني: بتشديد النون لأن أصله فتغلبونني، فأدغم أحد النونين في الأخرى، والفاء فيه سببية على التعكيس كاللام في فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً [القصص ٨] وتقديره: أنا آخذكم بحجزكم لأخلصكم عن النار فعكستم فجعلتم الغلبة مسبّبة عن الأخذ. تقحّمون: بفتح المثناة الفوقية والقاف والحاء المهملة المشددة والأصل تتقحّمون فحذف إحدى التاءين. الخامس: في بعض فوائد الحديث: سفر- بفتح السين المهملة: جمع سافر كركب وراكب، يقال سفر الرجل سفرا من باب طلب خرج للارتحال فهو سافر. المفازة: الفلاة بلا ماء من المهالك أو من النجاة تفاؤلا. الحلّة: بضم الحاء لا تكون إلا من ثوبين. حبرة [ (١) ] : كعنبة على الوصف أو الإضافة. وردت بكم: يقال ورد الماء والشيء: حضره. رياضا: جمع روضة وهي الموضع المعجب بالزهور. معشبة: ذات عشب، وهو الكلأ الرّطب. حياضا: جمع حوض وهو ما يجمع فيه الماء. رواء: بوزن كتاب جمع ريّا يقال روي من الماء بكسر ريّا ويكسر. أو المكسور اسم فهو ريّان والمرأة ريّا كغضبان وغضبى وجمعهما رواء.

стр. 866

الباب الخامس عشر في مثله ومثل الأنبياء من قبله روى الإمام أحمد والشيخان والبيهقي عن أبي هريرة، والإمام أحمد ومسلم عن أبي سعيد الخدري، والإمام أحمد والشيخان عن جابر بن عبد الله، والإمام أحمد والترمذي وصححه عن أبي بن كعب رضي اللَّه تعالى عنهم، أن رسول اللَّه ﷺ قال: «إن مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بنى بيتا فأحسنه وأجمله وأتمّه إلا موضع لبنة في زاوية من زواياه، فجعل الناس يدخلون ويطوفون ويتعجبون له ويقولون: لولا موضع اللبنة. وفي لفظ: يقولون له: هلا وضعت هذه اللبنة فيتمّ بنيانك، فأنا في النبيين موضع تلك اللبنة، جئت فختمت الأنبياء» [ (١) ] . قال الحافظ: أن قيل المشبّه به واحد والمشبّه جماعة، فكيف صح التشبيه؟ وجوابه: أنه جعل الأنبياء كلّهم كرجل واحد، لأنه لا يتم ما أراد من التشبيه إلا باعتبار الكل، وكذلك الدار لا تتم إلا باجتماع البنيان. ويحتمل أن يكون من التشبيه التمثيليّ، وهو أن يؤخذ وصف من أوصاف المشبّه ويشبّه بمثله من أحوال المشبّه به، فكأنه شبّه الأنبياء وما بعثوا به من إرشاد الناس ببيت أسّست قواعده ورفع بنيانه وبقي منه موضع به يتم صلاح ذلك البيت، فنبيّنا ﷺ بعث لتتميم مكارم الأخلاق، كأنه هو تلك اللبنة التي بها إصلاح ما بقي من الدار. وزعم ابن العربي إن اللبنة المشار إليها كانت في رأسّ الدار المذكورة، وأنها لولا وضعها لا نقضت تلك الدار. قال: وبهذا يتم المراد من التشبيه المذكور انتهى. وهذا إن كان منقولا فحسن، وإلا فليس بلازم. نعم ظاهر السياق أن تكون اللبنة في مكان يظهر عدم الكمال في الدار بفقدها، وقد وقع في رواية همّام عند مسلم: «إلا موضع لبنة في زاوية من زواياها» فظهر أن المراد أنها مكمّلة محسّنة وإلا لاستلزم أن يكون الأمر بدونها كان ناقصا، وليس كذلك فإن شريعة كلّ نبيّ بالنسبة إليه كاملة، فالمراد هنا النظر إلى الأكمل بالنسبة إلى الشريعة المحمدية، مع ما تقدم من الشرائع الكاملة.

стр. 867

الباب السادس عشر في الوقت الذي كتب فيه نبينا ﷺ روى ابن سعد عن مطرف بن عبد الله بن الشخّير أن رجلا سأل رسول اللَّه ﷺ : متى كنت نبيا: قال: بين الروح والطين من آدم [ (١) ] . وروى أيضا عن عبد الله بن شقيق عن أبي الجدعاء قال: قلت يا رسول اللَّه متى كنت نبيا؟ قال: «وآدم بين الروح والجسد» - رجاله ثقات- وروى الترمذي وحسنه عن أبي هريرة رضي اللَّه تعالى عنه قالوا: يا رسول اللَّه متى وجبت لك النبوة؟ قال: «وآدم بين الروح والجسد» . وتقدمت أحاديث في الباب الثالث أوائل الكتاب فراجعها. واللَّه تعالى أعلم.

стр. 868

الباب السابع عشر في إعلام الوحش برسالته ﷺ روى الإمام أحمد عن مجاهد رحمه اللَّه تعالى قال: حدّثنا شيخ أدرك الجاهلية يقال له عنبس قال: كنت أسوق بقرة لآل لنا فسمعت من جوفها: يا آل ذريح، قول فصيح، رجل يصيح: لا إله إلا اللَّه. قال: فقدمنا مكة فوجدنا النبي ﷺ قد خرج بمكة. ذريح- بذال معجمة مفتوحة فراء مكسورة فمثناة تحتية فحاء مهملة. وروى الإمام أحمد عن أبي هريرة رضي اللَّه تعالى قال: جاء ذئب إلى راعي غنم فأخذ شاة فطلبه الراعي حتى انتزعها منه، فصعد الذئب على تلّ فأقعى فقال: عمدت إلى رزق رزقنيه اللَّه انتزعته منّي؟ فقال الرجل: تاللَّه إن رأيت كاليوم! ذئب يتكلم! فقال الذئب: أعجب من هذا رجل في النخلات بين الحرّتين يخبركم بما مضى وما هو كائن. وكان الرجل يهوديا فجاء إلى رسول اللَّه ﷺ وأخبره الخبر وصدّقه النبي ﷺ . الحديث. ويأتي بتمامه في المعجزات ويأتي فيها قول الضبّ له: أنت رسول اللَّه.

стр. 869

الباب الثامن عشر في شهادة الرضيع والأبكم برسالته ﷺ روى البيهقي عن معرض بن عبد الله بن معيقيب اليماميّ، عن أبيه عن جده رضي اللَّه تعالى قال: حججت حجة الوداع فدخلت دارا بمكة فرأيت فيها رسول اللَّه ﷺ . ووجهه مثل دارة القمر ورأيت منه عجبا، جاءه رجل بغلام يوم ولد فقال له رسول اللَّه ﷺ : يا غلام من أنا؟ فقال: أنت رسول اللَّه قال: صدقت بارك اللَّه فيك. قال: ثم إن الغلام لم يتكلم بعد حتى شب فكنا نسميه مبارك اليمامة. وروى أيضا عن شمر بن عطية عن بعض أشياخه قال: جاءت امرأة بابن لها قد شبّ إلى رسول اللَّه ﷺ فقالت: يا رسول اللَّه إن ابني هذا لم يتكلم منذ ولد. فقال لها رسول اللَّه ﷺ : أدنيه منّي فأدنته منه فقال: من أنا؟ فقال: أنت رسول اللَّه. وسيأتي في المعجزات زيادة على ذلك.

стр. 870

جماع أبواب بعض الأمور الكائنة بعد بعثته ﷺ الباب الأول في تعليم جبريل النبي ﷺ الوضوء والصلاة عن أسامة بن زيد بن حارثة رضي اللَّه تعالى عنهما أن جبريل أتى النبي ﷺ في أول ما أوحى إليه فأراه الوضوء والصلاة، فلما فرغ من الوضوء حثى حفنة من الماء فنضح بها فرجه. رواه الإمام أحمد والدارقطني من طريق رشدين بن سعد وهو ضعيف، عن عقيل عن قرّة، عن عروة، عن أسامة. والحارث بن أبي أسامة، والدارقطني من طريق ابن لهيعة وهو ضعيف، عن عقيل، عن ابن شهاب عن عروة بن الزبير، عن أسامة بن زيد، عن أبيه فذكره، ورواه الطبراني في الأوسط عن عقيل عن الزهري به. فينظر فيمن دون عقيل فإن كانوا ثقات فالحديث سنده جيد. ورواه أبو نعيم من طريق النضر بن سلمة وهو ضعيف، عن عائشة. ورواه أبو نعيم والبيهقي من طريق [يزيد بن رومان] عن عروة بن الزبير، فذكر مجيء جبريل ﵇ وحديث البعث، وفي آخره: ففتح جبريل عينا من ماء فتوضأ ومحمد ﷺ ينظر إليه فغسل وجهه ويديه إلى المرفقين ومسح برأسه وغسل رجليه إلى الكعبين ثم نضح فرجه وسجد سجدتين مواجهة البيت ففعل محمد كما رأى جبريل يفعل. ورواه أبو نعيم من طريق [يزيد بن رومان] عن الزهري عن عروة عن عائشة. وهذه الطرق يقوي بعضها بعضا. ويدل على أن للقصة أصلا. وقد ذكر القصة ابن إسحاق ورواه البلاذري عن الزهري وقتادة والكلبي ومحمد بن قيس قالوا: إن جبريل علّم رسول اللَّه ﷺ الوضوء والصلاة واقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ أتاه وهو بأعلى مكة فهمز له بعقبه في ناحية الوادي فانفجرت له منه عين فتوضأ جبريل ورسول اللَّه ﷺ ينظر إليه ليريه كيف الطّهور للصلاة، ثم توضأ رسول اللَّه ﷺ كما رأى جبريل يتوضأ، ثم أقام به جبريل فصلى به. وفي حديث عائشة السابق أنه صلى به ركعتين نحو الكعبة واستقبل الحجر الأسود. انتهى.

стр. 871

وصلى رسول اللَّه ﷺ بصلاته، ثم انصرف جبريل فجاء رسول اللَّه ﷺ خديجة فتوضأ لها يريها كيف الطّهور للصلاة كما أراه جبريل، فتوضأت كما توضأ لها رسول اللَّه ﷺ ثم صلّى لها كما صلى به جبريل، فصلّت بصلاته. وروى الإمام أحمد والبيهقي وابن عبد البر عن إسماعيل بن إياس بن عفيف الكندي عن أبيه، عن جده، قال: كنت امرأ تاجرا فقدمت الحج في الجاهلية، فأتيت العباس بن عبد المطلب لابتاع منه بعض التجارة فو اللَّه إني لعنده بمنى إذ خرج رجل مجتمع من خباء قريب منه، فنظر إلى الشمس فلما رآها مالت توضأ فأسبغ الوضوء ثم قام يصلي، ثم خرج غلام قد راهق الحلم من ذلك الخباء فقام يصلي معه، ثم لم ألبث إلا يسيرا حتى جاءت امرأة من ذلك الخباء فقامت خلفهما، ثم ركع الشاب وركع الغلام وركعت المرأة، ثم رفع الشاب ورفع الغلام ورفعت المرأة، ثم خرّ الشاب ساجدا وخرّ الغلام وخرّت المرأة فقلت للعباس: يا عباس ما هذا؟ قال: هذا محمد بن عبد المطلب ابن أخي. قلت: من هذه المرأة. قال: هذه امرأته خديجة بنت خويلد. فقلت: من هذا الفتى؟ قال: هذا علي بن أبي طالب ابن عمه قلت: فما هذا الذي يصنع؟ قال: يصلي، يزعم أنه نبي ولم يتبعه على أمره إلا امرأته وابن عمه هذا الفتى، وهو يزعم أنه ستفتح عليه كنوز كسرى وقيصر. قال عفيف: فليتني كنت آمنت به يومئذ فكنت أكون ثانيا مع علي بن أبي طالب. وهذا الحديث يردّ قول من قال: إن فرض الصلاة كانت بالغداة والعشيّ فقط. تنبيهات الأول: قال السهيلي رحمه اللَّه تعالى: الوضوء على هذا الحديث- يعني رواية الحارث بن أبي أسامة. عن زيد بن حارثة- مكيّ بالفرض مدنيّ بالتلاوة، لأن آية الوضوء مدنية وإنما قالت عائشة: فأنزل اللَّه آية التيمم ولم تقل آية الوضوء وهي هي لأن الوضوء قد كان مفروضا قبل، غير أنه لم يكن قرآنا يتلى حتى نزلت آية المائدة. قلت: قال الحاكم رحمه اللَّه تعالى في المستدرك: أهل السّنة بهم حاجة إلى دليل الرد على من زعم أن الوضوء لم يكن قبل نزول المائدة. ثم ساق حديث ابن عباس: دخلت فاطمة على النبي ﷺ وهي تبكي فقالت: هؤلاء الملأ من قريش قد تعاقدوا على قتلك فقال: ائتوني بوضوء فتوضأ ثم خرج إلى المسجد. وذكر الحديث. وقال أبو عمر رحمه اللَّه تعالى: معلوم عند جميع أهل المغازي أنه ﷺ لم يصل منذ افترضت الصلاة إلا بوضوء، ولا يدفع هذا إلا جاهل أو معاند، قال: وفي قول عائشة رضي اللَّه

стр. 872

تعالى عنها: «فأنزل اللَّه آية التيمم» إشارة إلى أن الذي طرأ إليهم من العلم حينئذ حكم التيمم لا حكم الوضوء. قال: والحكمة في نزول آية الوضوء مع ما تقدم العمل به ليكون فرضه متلوا بالتنزيل. وقال غيره: يحتمل أن يكون أول آية الوضوء نزل قديما فعملوا به، ثم نزل بقيتها وهو ذكر التيمم في هذه القصة. وإطلاق آية التيمم على هذا من إطلاق الكلّ على البعض. قال الحافظ: لكن رواية عمرو بن الحارث عند البخاري في التفسير تدل على أن الآية نزلت جميعها في هذه القصة، فالظاهر ما قاله ابن عبد البر. وقال القاضي رحمه اللَّه تعالى: اختلفوا متى فرضت الطهارة للصلاة؟ فذهب ابن الجهم إلى أن الوضوء في أول الإسلام سنة ثم نزل فرضه في آية التيمم وقال الجمهور: بل كان قبل ذلك فرضا. انتهى. الثاني: قال الحافظ عماد الدين بن كثير رحمه اللَّه تعالى: صلاة جبريل هذه غير الصلاة التي صلاها به عند البيت مرتين، فبيّن له أوقات الصلوات الخمس أولها وآخرها فإن ذلك كان بعد فرضيّتها ليلة الإسراء، كما سيأتي بيان ذلك. الثالث: زعم ابن حزم أن الوضوء لم يشرع إلا بالمدينة وتعقب بما تقدم. الرابع: قال السهيلي: ذكر الحربيّ ويحيى بن سلّام أن الصلاة كانت قبل الإسراء صلاة قبل غروب الشمس وصلاة قبل طلوعها. ونقل ابن الجوزي عن مقاتل بن سليمان قال: فرض اللَّه تعالى على المسلمين في أول الإسلام ركعتين بالغداة وركعتين بالعشيّ. قال الحافظ بعد أن نقل ما ذكره الحربي: وردّه جماعة من أهل العلم. وقال قبل ذلك: ذهب جماعة إلى إنه لم يكن قبل الإسراء صلاة مفروضة إلا ما وقع الأمر به من صلاة الليل من غير تحديد. الخامس: ذكر ابن إسحاق هنا حديث ابن عباس في إمامة جبريل بالنبي ﷺ وتعليمه إياه أوقات الصلوات الخمس في اليومين. قال في الروض: ولم يكن ينبغي له ذكره في هذا الموضع، لأن أهل العلم متفقون علي إن هذه القصة كانت في الغد من ليلة الإسراء كما سيأتي بيان ذلك في موضعه. السادس: في بيان غريب ما تقدم. حتى صبّ الحفنة- بفتح الحاء المهملة: ملء الكفين.

стр. 873

نضح: بالحاء المهملة: رشّ. لهيعة: بفتح اللام وكسر الهاء. عقيل: بضم العين وفتح القاف. همز: أي دفع: بعقبه- بفتح العين وكسر القاف: مؤخر القدم. الطّهور [ (١) ]- بضم الطاء: الوضوء ويجوز فيه الفتح والأكثر في الماء الفتح، ويجوز الضم. عفيف- بعين مهملة بالتكبير: صحابي له في فضل عليّ حديث. مجتمع- بميم مضمومة فجيم ساكنة فمثناة فوقية مفتوحة فميم مكسورة: وهو الذي بلغ أشدّه ولا يقال ذلك في النساء. إسباغ الوضوء: الوضوء هنا بالضم لأنه الفعل ويجوز فيه الفتح، والماء بالفتح ويجوز فيه الضم. راهق: قارب الاحتلام. واللَّه أعلم.

стр. 874

الباب الثاني في إسلام خديجة بنت خويلد، وعلي بن أبي طالب، وزيد بن حارثة، وأبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنهم، واختلاف الناس فيمن اسلم أولا قال أبو عمر: اتفقوا على أن خديجة أول من آمن. وقال أبو الحسن بن الأثير: خديجة أول خلق اللَّه أسلم بإجماع المسلمين، لم يتقدمها رجل ولا امرأة وأقره الذهبي. وقال محمد بن كعب القرظي: أول من أسلم من هذه الأمة برسول اللَّه ﷺ : خديجة رضي اللَّه تعالى عنها. رواه البيهقي. وروى الدولابي عن قتادة والزّهريّ قالا: كانت خديجة أول من آمن باللَّه ورسول اللَّه ﷺ من النساء والرجال. وحكى الإمام الثعلبي اتفاق العلماء على ذلك، وإنما اختلافهم في أول من أسلم بعدها. وقال النووي: إنه الصواب عند جماعة من المحققين. وقال ابن إسحاق: وآمنت به خديجة بنت خويلد وصدّقت بما جاء به من اللَّه. ووازرته على أمره، فكانت أول من آمن باللَّه ورسوله وصدّق بما جاء به، فخفف اللَّه بذلك عن رسوله، لا يسمع بشيء يكرهه من ردّ عليه وتكذيب له فيحزنه ذلك إلا فرج اللَّه عنه بها إذا رجع إليها تثبّته وتخفّف عليه وتصدّقه وتهوّن عليه أمر الناس. يرحمها اللَّه تعالى. وقال الواقديّ: أجمع أصحابنا أن أول المسلمين استجاب لرسول اللَّه ﷺ خديجة. قال ابن إسحاق: ثم كان أول ذكر من الناس آمن برسول اللَّه ﷺ وصدّق بما جاءه من اللَّه علي بن أبي طالب، كان رسول اللَّه ﷺ وخديجة يصليّان سرّا ثم أن علي بن أبي طالب جاء بعد ذلك بيوم فوجدهما يصليان فقال علي: ما هذا يا محمد؟ فقال رسول اللَّه ﷺ : دين اللَّه الذي اصطفى لنفسه وبعث به رسله فأدعوك إلى اللَّه وحده لا شريك له وإلى عبادته وكفر باللات والعزى. فقال علي: هذا أمر لم أسمع به قبل اليوم، فلست بقاض أمرا حتّى أحدّث به أبا طالب. وكره رسول اللَّه ﷺ أن يفشى عليه سرّه قبل أن يستعلن أمره، فقال له: يا عليّ إذا لم تسلم فاكتم هذا. فمكث عليّ تلك الليلة، ثم إن اللَّه ﵎ أوقع في قلب عليّ الإسلام فأصبح غاديا إلى رسول اللَّه ﷺ حتى جاءه فقال: ماذا عرضت عليّ يا

стр. 875

محمد: فقال له رسول اللَّه ﷺ : تشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له وتكفر باللات والعزى وتبرأ من الأنداد [ (١) ] . ففعل علي رضي اللَّه تعالى عنه وأسلم، فمكث عليّ يأتيه على خوف من أبي طالب وكتم إسلامه ولم يظهره. قال مجاهد: وكان مما أنعم اللَّه على على أنه كان في حجر رسول اللَّه ﷺ قبل الإسلام، لما أراد اللَّه به الخير، وذلك أن قريشا أصابتهم أزمة شديدة وكان أبو طالب ذا عيال كثير، فقال رسول اللَّه ﷺ للعباس عمه: وكان من أيسر بني هاشم: يا عباس إن أخاك أبا طالب كثير العيال وقد أصاب الناس ما ترى من هذه الأزمة فانطلق فخفّف عنه من عياله فانطلقا حتى أتيا أبا طالب فقالا له: إنا نريد أن نخفف عنك من عيالك حتى ينكشف عن الناس ما هم فيه، فقال لهما أبو طالب إذا تركتما لي عقيلا فاصنعا ما شئتما [ (٢) ] . قال ابن هشام: ويقال: عقيلا وطالبا، فأخذ رسول اللَّه ﷺ عليّا فضمه إليه، وأخذ العباس جعفرا فضمه إليه، فلم يزل علي مع رسول اللَّه ﷺ حتى بعثه اللَّه نبيّا فأتبعه وصدّقه، ولم يزل جعفر عند العباس حتى أسلم واستغنى عنه. قال ابن إسحاق: وذكر بعض أهل العلم أن رسول اللَّه ﷺ كان إذا حضرت الصلاة خرج إلى شعاب مكة وخرج معه علي بن أبي طالب مستخفيا من عمه أبي طالب ومن جميع أعمامه وسائر قومه فيصلّيان الصلاة فإذا أمسيا رجعا فمكثا كذلك ما شاء اللَّه أن يمكثا، ثم إن أبا طالب عثر عليهما يوما وهما يصليان فقال لرسول اللَّه ﷺ : يا ابن أخي ما هذا الذي تدين به، قال: أي عم هذا دين اللَّه ودين ملائكته ورسله ودين أبينا إبراهيم- أو كما قال رسول اللَّه ﷺ بعثني اللَّه به رسولا إلى العباد وأنت أي عم أحقّ من بذلت له النصيحة ودعوته إلى الهدى وأحق من أجابني إليه وأعانني عليه. أو كما قال. فقال أبو طالب: أي ابن أخي إني لا أستطيع أن أفارق دين آبائي وما كانوا عليه، ولكن والله لا يخلص إليك شيء تكرهه ما بقيت [ (٣) ] . وذكروا أنه قال لعلي: أي بني ما هذا الدين الذي أنت عليه؟ فقال: يا أبت آمنت برسول اللَّه ﷺ وصدّقت بما جاء به وصلّيت معه، فزعموا أنه قال له: أما إنه لم يدعك إلا إلى خير فالزمه.

стр. 876

وروى الإمام أحمد عن علي رضي اللَّه تعالى عنه قال: ظهر علينا أبو طالب وأنا أصلّي مع رسول اللَّه ﷺ فقال: ماذا تصنعان؟ فدعاه رسول اللَّه ﷺ إلى الإسلام فقال: ما بالذي تقول من بأس، ولكن واللَّه لا تعلوني استي أبدا. وروى البيهقي عن محمد بن كعب القرظي قال: أول من أسلم من هذه الأمة خديجة وأول رجلين أسلما: أبو بكر وعلي، وأسلم عليّ قبل أبي بكر، وكان علي يكتم إيمانه خوفا من أبيه حتى لقيه أبوه قال: أسلمت؟ قال: نعم. قال: وازر ابن عمّك وانصره. قال: وكان أبو بكر أول من أظهر الإسلام. وروى الترمذي واستغربه وابن جرير عن جابر قال: بعث رسول اللَّه ﷺ يوم الاثنين وصلى عليّ يوم الثلاثاء. وروى ابن جرير عن زيد بن أرقم قال: أول من أسلم مع رسول اللَّه ﷺ على بن أبي طالب. قال أبو عمر: وقد روي عن سلمان والمقداد وخبّاب وجابر وأبي سعيد الخدري وزيد ابن أرقم أن علي بن أبي طالب أول من أسلم. وبذلك قال ابن إسحاق والزّهري إلا أنه قال: من الرجال بعد خديجة. وهو قول الجميع في خديجة. قال ابن إسحاق: ثم أسلم زيد بن حارثة بن شراحيل- بفتح الشين المعجمة والراء فألف فحاء مهملة مكسورة فمثناة تحتية فلام- ابن كعب بن عبد العزى بن امرئ القيس الكلبي مولى رسول اللَّه ﷺ ، وكان أول ذكر أسلم وصلّى بعد علي بن أبي طالب. قال ابن إسحاق: ثم أسلم أبو بكر بن أبي قحافة. روى البيهقي عن ابن إسحاق أن أبا بكر رضي اللَّه تعالى لقي رسول اللَّه ﷺ فقال: أحق ما تقول قريش يا محمد من تركك آلهتنا وتسفيهك عقولنا وتكفيرك إيانا؟ فقال رسول اللَّه ﷺ : بلى إني رسول اللَّه ونبيّه بعثني لأبلّغ رسالته، وأدعوك إلى اللَّه بالحق، فو الله إنه لحقّ فأدعوك يا أبا بكر إلى الله وحده لا شريك له ولا تعبد غيره والموالاة على طاعته. وقرأ عليه القرآن فلم يعزّ ولم ينكر بل أسلم وكفر بالأصنام وخلع الأنداد وأقرّ بحق الإسلام، ثم رجع إلى أهله وقد آمن وصدّق [ (١) ] . قال ابن إسحاق: بلغني إن رسول اللَّه ﷺ قال: ما دعوت أحدا إلى الإسلام إلا كانت عنده كبوة وتردّد ونظر إلا أبا بكر ما عكم عنه حين ذكرته له ولا تردّد [ (٢) ] .

стр. 877

الكبوة- بكاف مفتوحة فموحدة ساكنة فواو فتاء تأنيث: قال أبو ذر: يعني تأخّرا وقلة إجابة من قولهم كبا الزّند: إذا لم يور نارا. ما عكم- بعين مهملة فكاف مفتوحتين: أي ما تلبّث بل أجاب بسرعة. قال البيهقي: وذلك لما كان يرى من دلائل نبوته ويسمع بشأنه قبل دعوته، فلما دعاه وقد سبق فيه تفكّره ونظره أسلم على الفور. قال السهيلي رحمه اللَّه تعالى: وكان من أسباب ذلك توفيق اللَّه تعالى إياه فيما ذكروا أنه رأى رؤيا قبل، وذلك أنه رأى القمر نزل إلى مكة ثم رآه قد تفرّق على جميع منازل مكة وبيوتها فدخل في كل بيت شعبة، ثم كان جميعه في حجره. فقصّها على بعض أهل الكتابين فعبّرها له بأن النبي ﷺ المنتظر قد أظل زمانه، اتّبعه وتكون أسعد الناس به، فلما دعاه رسول اللَّه ﷺ لم يتوقف. وروى ابن الجوزي في صفوة الصفوة عن الشعبي قال: قال ابن عباس: أول من صلى أبو بكر وتمثيل بأبيات حسان بن ثابت رضي اللَّه تعالى عنه: إذا تذكّرت شجوا من أخي ثقة ... فاذكر أخاك أبا بكر بما فعلا خير البريّة أتقاها وأفضلها ... بعد النّبيّ وأوفاها بما حملا والثّاني التّالي المحمود مشهده ... وأوّل النّاس منهم صدّق الرّسلا [ (١) ] . قال السّهيلي: وقد مدح حسان أبا بكر بما ذكر وسمعه النبي ﷺ ولم ينكره: وفيه دليل على أنه أول من أسلم. وقال إبراهيم النّخعي: أول من أسلم أبو بكر. رواه الإمام أحمد وصححه. قال ابن كثير: قول النّخعي هو المشهور عند جمهور أهل السّنة. وقال المحب الطبري تبعا لأبي عمرو بن الصلاح: الأولى التوفيق بين الروايات كلها وتصديقها فيقال: أول من أسلم مطلقا: خديجة. وأول ذكر أسلم علي بن أبي طالب وهو صبي لم يبلغ، وكان مخفيا إسلامه، وأول رجل عربيّ أسلم وأظهر إسلامه أبو بكر بن أبي قحافة، وأول من أسلم من الموالي: زيد. وقال: هذا متّفق عليه لا خلاف فيه، وعليه يحمل قول عليّ وغيره: أول من أسلم من الرجال أبو بكر. أي من الرجال البالغين. ويؤيده ما رواه خيثمة في فضائل الصحابة عن الحسن بن علي بن أبي طالب رضي اللَّه تعالى عنه قال: أن أبا بكر سبقني إلى أربع لم أعتض بشيء منهن: سبقني إلى إفشاء الإسلام،

стр. 878

وقدم الهجرة، ومصاحبته في الغار، وأقام الصلاة وأنا يومئذ بالشّعب يظهر إسلامه وأخفيه. الحديث. وجمع بعض المحققين بين الاختلاف بالنسبة إلى عليّ وأبي بكر بأن أبا بكر أول من أظهر إسلامه، وأن عليّا أول من أسلم بعد خديجة، ويحققه ما مرّ. وقيل: أول رجل أسلم ورقة بن نوفل. ومن يمنع يدعى أنه أدرك نبوته ﵊ لا رسالته، لكن جاء كما تقدم في بدء الوحي أنه قال لرسول اللَّه ﷺ : أبشر فأنا أشهد أنك الذي بشر به ابن مريم، وأنك على مثل ناموس موسى، وأنك نبي مرسل، وأنك ستؤمر بالجهاد، وإن أدركت ذلك لأجاهدن معك. فهذا تصريح منه بتصديقه برسالة محمد ﷺ . قال البلقيني: بل يكون بذلك أول من أسلم من الرجال. وعلى ذلك جرى الحافظ أبو الفضل العراقي في نكته على كتاب ابن الصلاح. وقيل: أن خالد بن سعيد أسلم قبل علي رضي اللَّه تعالى عنهما. تنبيه: في بيان غريب ما سبق . وازرته كذا في نسخ السيرة. وقال الجوهري: الأزر: القوة إلى أن قال: آزرت فلانا: عاونته، والعامة تقول: وازرته. الحجر: بفتح الحاء وكسرها. أزمة- بفتح الهمزة ثم زاي ساكنة: وهي الشدة والقحط، يقال أصابتهم سنة أزمتهم أي استأصلتهم. وأزم عليه الدّهر يأزم أزما اشتد وقلّ خيره. الشّعاب [ (١) ]- بكسر الشين المعجمة: جمع شعب بكسرها أيضا، وهو ما انفرج بين الجبلين. وقيل هو الطريق في الجبل. عثر عليهما، بفتح الثاء المثلثة: اطّلع. لا يخلص، بالبناء للمفعول: أي لا يصل إليكم أحد بسوء. الشّجو: الهم والحزن، هذا أصله قال في الرياض النضرة: هذا أصله ولا أرى له وجها هنا إلا أن يريد به ما كابده أبو بكر رضي اللَّه تعالى عنه، فأطلق عليه شجوا لاقتضائه ذلك، أو أراد حزن أبي بكر مما جرى على النبي ﷺ . النواجذ: جمع ناجذ بالجيم والذال المعجمة وهو آخر الأضراس.

стр. 879

الباب الثالث في ذكر متقدّمي الإسلام من الصحابة- رضي الله تعالى عنهم- تقدم علي وزيد بن حارثة قال ابن إسحاق: فلمّا أسلم أبو بكر رضي اللَّه تعالى عنه أظهر إسلامه ودعا إلى اللَّه تعالى وكان رجلا مؤلّفا لقومه محبّبا سهلا، وكان أنسب قريش لقريش وأعلم قريش بما كان فيها من خير وشر، وكان رجلا تاجرا ذا خلق حسن ومعروف، وكان رجال قومه يأتونه ويألفونه لغير واحد من الأمر، لعلمه وتجارته وحسن مجالسته، فجعل يدعو إلى الإسلام من وثق به من قومه ممن يغشاه ويجلس إليه، فأسلم على يديه فيما بلغني: عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي. والزبير بن العوام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي. وعبد الرحمن بن عوف بن عبد عوف، بن عبد الحارث بن زهرة بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي. وسعد بن أبي وقاص مالك بن أهيب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي. وطلحة بن عبيد اللَّه بن عثمان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤي. ولما أسلم أبو بكر وطلحة أخذهما نوفل بن خويلد بن العدويّة فشدهما في حبل واحد ولم يمنعهما بنو تيم، وكان نوفل هذا يدعى أسد قريش، فلذلك سمي أبو بكر وطلحة: القرينين. وكان النبي ﷺ قال: اللهم اكفنا ابن العدويّة [ (١) ] . فانطلقوا حتى أتوا رسول اللَّه ﷺ ومعهم أبو بكر فعرض عليهم الإسلام وقرأ عليهم القرآن وأنبأهم بحق الإسلام وبما وعدهم اللَّه تعالى من الكرامة، فآمنوا وأصبحوا مقرّين بحق الإسلام. قال ابن إسحاق: فكان هؤلاء النفر الثمانية الذين سبقوا في الإسلام فصلّوا وصدّقوا رسول اللَّه ﷺ فآمنوا بما جاءه من عند اللَّه. وروى البخاري عن عمار بن ياسر رضي اللَّه تعالى عنهما قال: رأيت رسول اللَّه ﷺ

стр. 880

وما معه إلا خمسة أعبد وامرأتان وأبو بكر. قال الحافظ: أما الأعبد فهم: بلال وزيد بن حارثة وعامر بن فهيرة مولى أبي بكر، فإنه أسلم قديما مع أبي بكر. روى الطبراني عن عروة أن عامرا كان ممن يعذّب في اللَّه فاشتراه أبو بكر وأعتقه، وأبو فكيهة- بفاء مضمومة فكاف مفتوحة فمثناة تحتية ساكنة: مولى صفوان بن أمية بن خلف، ذكر ابن إسحاق أنه أسلم حين أسلم بلال فعذبه أمية فاشتراه أبو بكر فأعتقه. وأما الخامس فيحتمل أن يفسّر بشقران فقد نقل ابن السّكن في الصحابة عن عبد الله بن أبي داود إن النبي ﷺ ورثه من أبيه هو وأمّ أيمن. وذكر بعض شيوخنا بدل أبي فكيهة عمار بن ياسر، وهو محتمل، وكان ينبغي أن يكون منهم أبوه، فإن الثلاثة كانوا ممن يعذّب في اللَّه. وأما المرأتان: فخديجة، والأخرى أمّ أيمن أو سميّة. وذكر بعض شيوخنا تبعا للدمياطي أنها أمّ الفضل زوج العباس، وليس بواضح لأنها وإن كانت قديمة الإسلام إلا أنها [لم] تذكر في السابقين ولو كان كما قال لعدّ أبو رافع مولى العباس لأنه أسلم حين أسلمت أمّ الفضل. وكذا عند ابن إسحاق في هذا الحديث أن أبا بكر أول من أسلم من الرجال الأحرار مطلقا، لكن مراد عمّار بذلك: ممن أظهر إسلامه وإلا فقد كان حينئذ جماعة ممن أسلم لكنهم كانوا يخفون إسلامهم من أقاربهم. وروى البخاري عن سعد بن أبي وقاص رضي اللَّه تعالى عنه: قال لقد رأيتني وأنا ثلث الإسلام وما أسلم أحد إلا في اليوم الذي أسلمت فيه، ولقد مكثت سبعة أيام وأنا ثلث الإسلام. قال الحافظ: قال ذلك سعد بحسب اطلاعه، والسبب فيه أن من كان أسلم في ابتداء الأمر كان يخفي إسلامه ولعله أراد بالاثنين الآخرين خديجة وأبا بكر، أو النبي ﷺ وأبا بكر. وقد كانت خديجة أسلمت قطعا، فلعله خصّ الرجال. وبما ذكر يحصل الجمع بين حديث عمار بن ياسر وبين حديثي عمار وسعد، أو يحمل قول سعد على الأحرار البالغين ليخرج الأعبد المذكورون أو لم يكن اطلع على أولئك. ويدل على هذا الأخير أنه وقع عند الإسماعيلي بلفظ: «ما أسلم أحد قبلي» وهو مقتضى رواية البخاري، وهي مشكلة لأنه قد أسلم قبله جماعة لكن يحمل ذلك على مقتضى ما كان اتصل بعلمه حينئذ.
следующие страницы →