وروى الإمام أحمد عن علي رضي اللَّه تعالى عنه قال: ظهر علينا أبو طالب وأنا أصلّي مع رسول اللَّه ﷺ فقال: ماذا تصنعان؟ فدعاه رسول اللَّه ﷺ إلى الإسلام فقال: ما بالذي تقول من بأس، ولكن واللَّه لا تعلوني استي أبدا.
وروى البيهقي عن محمد بن كعب القرظي قال: أول من أسلم من هذه الأمة خديجة وأول رجلين أسلما: أبو بكر وعلي، وأسلم عليّ قبل أبي بكر، وكان علي يكتم إيمانه خوفا من أبيه حتى لقيه أبوه قال: أسلمت؟ قال: نعم. قال: وازر ابن عمّك وانصره.
قال: وكان أبو بكر أول من أظهر الإسلام.
وروى الترمذي واستغربه وابن جرير عن جابر قال: بعث رسول اللَّه ﷺ يوم الاثنين وصلى عليّ يوم الثلاثاء.
وروى ابن جرير عن زيد بن أرقم قال: أول من أسلم مع رسول اللَّه ﷺ على بن أبي طالب.
قال أبو عمر: وقد روي عن سلمان والمقداد وخبّاب وجابر وأبي سعيد الخدري وزيد ابن أرقم أن علي بن أبي طالب أول من أسلم. وبذلك قال ابن إسحاق والزّهري إلا أنه قال: من الرجال بعد خديجة. وهو قول الجميع في خديجة.
قال ابن إسحاق: ثم أسلم زيد بن حارثة بن شراحيل- بفتح الشين المعجمة والراء فألف فحاء مهملة مكسورة فمثناة تحتية فلام- ابن كعب بن عبد العزى بن امرئ القيس الكلبي مولى رسول اللَّه ﷺ ، وكان أول ذكر أسلم وصلّى بعد علي بن أبي طالب.
قال ابن إسحاق: ثم أسلم أبو بكر بن أبي قحافة.
روى البيهقي عن ابن إسحاق أن أبا بكر رضي اللَّه تعالى لقي رسول اللَّه ﷺ فقال:
أحق ما تقول قريش يا محمد من تركك آلهتنا وتسفيهك عقولنا وتكفيرك إيانا؟ فقال رسول اللَّه ﷺ : بلى إني رسول اللَّه ونبيّه بعثني لأبلّغ رسالته، وأدعوك إلى اللَّه بالحق، فو الله إنه لحقّ فأدعوك يا أبا بكر إلى الله وحده لا شريك له ولا تعبد غيره والموالاة على طاعته. وقرأ عليه القرآن فلم يعزّ ولم ينكر بل أسلم وكفر بالأصنام وخلع الأنداد وأقرّ بحق الإسلام، ثم رجع إلى أهله وقد آمن وصدّق
[ (١) ] .
قال ابن إسحاق: بلغني إن رسول اللَّه ﷺ قال: ما دعوت أحدا إلى الإسلام إلا كانت عنده كبوة وتردّد ونظر إلا أبا بكر ما عكم عنه حين ذكرته له ولا تردّد
[ (٢) ] .
стр. 877
الكبوة- بكاف مفتوحة فموحدة ساكنة فواو فتاء تأنيث: قال أبو ذر: يعني تأخّرا وقلة إجابة من قولهم كبا الزّند: إذا لم يور نارا.
ما عكم- بعين مهملة فكاف مفتوحتين: أي ما تلبّث بل أجاب بسرعة.
قال البيهقي: وذلك لما كان يرى من دلائل نبوته ويسمع بشأنه قبل دعوته، فلما دعاه وقد سبق فيه تفكّره ونظره أسلم على الفور.
قال السهيلي رحمه اللَّه تعالى: وكان من أسباب ذلك توفيق اللَّه تعالى إياه فيما ذكروا أنه رأى رؤيا قبل، وذلك أنه رأى القمر نزل إلى مكة ثم رآه قد تفرّق على جميع منازل مكة وبيوتها فدخل في كل بيت شعبة، ثم كان جميعه في حجره. فقصّها على بعض أهل الكتابين فعبّرها له بأن النبي ﷺ المنتظر قد أظل زمانه، اتّبعه وتكون أسعد الناس به، فلما دعاه رسول اللَّه ﷺ لم يتوقف.
وروى ابن الجوزي في صفوة الصفوة عن الشعبي قال: قال ابن عباس: أول من صلى أبو بكر وتمثيل بأبيات حسان بن ثابت رضي اللَّه تعالى عنه:
إذا تذكّرت شجوا من أخي ثقة ... فاذكر أخاك أبا بكر بما فعلا
خير البريّة أتقاها وأفضلها ... بعد النّبيّ وأوفاها بما حملا
والثّاني التّالي المحمود مشهده ... وأوّل النّاس منهم صدّق الرّسلا
[ (١) ] .
قال السّهيلي: وقد مدح حسان أبا بكر بما ذكر وسمعه النبي ﷺ ولم ينكره:
وفيه دليل على أنه أول من أسلم.
وقال إبراهيم النّخعي: أول من أسلم أبو بكر. رواه الإمام أحمد وصححه.
قال ابن كثير: قول النّخعي هو المشهور عند جمهور أهل السّنة.
وقال المحب الطبري تبعا لأبي عمرو بن الصلاح: الأولى التوفيق بين الروايات كلها وتصديقها فيقال: أول من أسلم مطلقا: خديجة. وأول ذكر أسلم علي بن أبي طالب وهو صبي لم يبلغ، وكان مخفيا إسلامه، وأول رجل عربيّ أسلم وأظهر إسلامه أبو بكر بن أبي قحافة، وأول من أسلم من الموالي: زيد. وقال: هذا متّفق عليه لا خلاف فيه، وعليه يحمل قول عليّ وغيره: أول من أسلم من الرجال أبو بكر. أي من الرجال البالغين.
ويؤيده ما
رواه خيثمة في فضائل الصحابة عن الحسن بن علي بن أبي طالب رضي اللَّه تعالى عنه قال: أن أبا بكر سبقني إلى أربع لم أعتض بشيء منهن: سبقني إلى إفشاء الإسلام،
стр. 878
وقدم الهجرة، ومصاحبته في الغار، وأقام الصلاة وأنا يومئذ بالشّعب يظهر إسلامه وأخفيه.
الحديث.
وجمع بعض المحققين بين الاختلاف بالنسبة إلى عليّ وأبي بكر بأن أبا بكر أول من أظهر إسلامه، وأن عليّا أول من أسلم بعد خديجة، ويحققه ما مرّ.
وقيل: أول رجل أسلم ورقة بن نوفل. ومن يمنع يدعى أنه أدرك نبوته ﵊ لا رسالته، لكن جاء كما تقدم في بدء الوحي أنه قال لرسول اللَّه ﷺ : أبشر فأنا أشهد أنك الذي بشر به ابن مريم، وأنك على مثل ناموس موسى، وأنك نبي مرسل، وأنك ستؤمر بالجهاد، وإن أدركت ذلك لأجاهدن معك. فهذا تصريح منه بتصديقه برسالة محمد ﷺ .
قال البلقيني: بل يكون بذلك أول من أسلم من الرجال. وعلى ذلك جرى الحافظ أبو الفضل العراقي في نكته على كتاب ابن الصلاح.
وقيل: أن خالد بن سعيد أسلم قبل علي رضي اللَّه تعالى عنهما.
تنبيه: في بيان غريب ما سبق .
وازرته كذا في نسخ السيرة. وقال الجوهري: الأزر: القوة إلى أن قال: آزرت فلانا:
عاونته، والعامة تقول: وازرته.
الحجر: بفتح الحاء وكسرها.
أزمة- بفتح الهمزة ثم زاي ساكنة: وهي الشدة والقحط، يقال أصابتهم سنة أزمتهم أي استأصلتهم. وأزم عليه الدّهر يأزم أزما اشتد وقلّ خيره.
الشّعاب [ (١) ]- بكسر الشين المعجمة: جمع شعب بكسرها أيضا، وهو ما انفرج بين الجبلين. وقيل هو الطريق في الجبل.
عثر عليهما، بفتح الثاء المثلثة: اطّلع.
لا يخلص، بالبناء للمفعول: أي لا يصل إليكم أحد بسوء.
الشّجو: الهم والحزن، هذا أصله قال في الرياض النضرة: هذا أصله ولا أرى له وجها هنا إلا أن يريد به ما كابده أبو بكر رضي اللَّه تعالى عنه، فأطلق عليه شجوا لاقتضائه ذلك، أو أراد حزن أبي بكر مما جرى على النبي ﷺ .
النواجذ: جمع ناجذ بالجيم والذال المعجمة وهو آخر الأضراس.
стр. 879
الباب الثالث في ذكر متقدّمي الإسلام من الصحابة- رضي الله تعالى عنهم- تقدم علي وزيد بن حارثة
قال ابن إسحاق: فلمّا أسلم أبو بكر رضي اللَّه تعالى عنه أظهر إسلامه ودعا إلى اللَّه تعالى وكان رجلا مؤلّفا لقومه محبّبا سهلا، وكان أنسب قريش لقريش وأعلم قريش بما كان فيها من خير وشر، وكان رجلا تاجرا ذا خلق حسن ومعروف، وكان رجال قومه يأتونه ويألفونه لغير واحد من الأمر، لعلمه وتجارته وحسن مجالسته، فجعل يدعو إلى الإسلام من وثق به من قومه ممن يغشاه ويجلس إليه، فأسلم على يديه فيما بلغني:
عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي.
والزبير بن العوام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي.
وعبد الرحمن بن عوف بن عبد عوف، بن عبد الحارث بن زهرة بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي.
وسعد بن أبي وقاص مالك بن أهيب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي.
وطلحة بن عبيد اللَّه بن عثمان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤي.
ولما أسلم أبو بكر وطلحة أخذهما نوفل بن خويلد بن العدويّة فشدهما في حبل واحد ولم يمنعهما بنو تيم، وكان نوفل هذا يدعى أسد قريش، فلذلك سمي أبو بكر وطلحة:
القرينين. وكان
النبي ﷺ قال: اللهم اكفنا ابن العدويّة
[ (١) ] .
فانطلقوا حتى أتوا رسول اللَّه ﷺ ومعهم أبو بكر فعرض عليهم الإسلام وقرأ عليهم القرآن وأنبأهم بحق الإسلام وبما وعدهم اللَّه تعالى من الكرامة، فآمنوا وأصبحوا مقرّين بحق الإسلام.
قال ابن إسحاق: فكان هؤلاء النفر الثمانية الذين سبقوا في الإسلام فصلّوا وصدّقوا رسول اللَّه ﷺ فآمنوا بما جاءه من عند اللَّه.
وروى البخاري عن عمار بن ياسر رضي اللَّه تعالى عنهما قال: رأيت رسول اللَّه ﷺ
стр. 880
وما معه إلا خمسة أعبد وامرأتان وأبو بكر.
قال الحافظ: أما الأعبد فهم: بلال وزيد بن حارثة وعامر بن فهيرة مولى أبي بكر، فإنه أسلم قديما مع أبي بكر.
روى الطبراني عن عروة أن عامرا كان ممن يعذّب في اللَّه فاشتراه أبو بكر وأعتقه، وأبو فكيهة- بفاء مضمومة فكاف مفتوحة فمثناة تحتية ساكنة: مولى صفوان بن أمية بن خلف، ذكر ابن إسحاق أنه أسلم حين أسلم بلال فعذبه أمية فاشتراه أبو بكر فأعتقه.
وأما الخامس فيحتمل أن يفسّر بشقران فقد نقل ابن السّكن في الصحابة عن عبد الله بن أبي داود إن النبي ﷺ ورثه من أبيه هو وأمّ أيمن.
وذكر بعض شيوخنا بدل أبي فكيهة عمار بن ياسر، وهو محتمل، وكان ينبغي أن يكون منهم أبوه، فإن الثلاثة كانوا ممن يعذّب في اللَّه.
وأما المرأتان: فخديجة، والأخرى أمّ أيمن أو سميّة.
وذكر بعض شيوخنا تبعا للدمياطي أنها أمّ الفضل زوج العباس، وليس بواضح لأنها وإن كانت قديمة الإسلام إلا أنها [لم] تذكر في السابقين ولو كان كما قال لعدّ أبو رافع مولى العباس لأنه أسلم حين أسلمت أمّ الفضل.
وكذا عند ابن إسحاق في هذا الحديث أن أبا بكر أول من أسلم من الرجال الأحرار مطلقا، لكن مراد عمّار بذلك: ممن أظهر إسلامه وإلا فقد كان حينئذ جماعة ممن أسلم لكنهم كانوا يخفون إسلامهم من أقاربهم.
وروى البخاري عن سعد بن أبي وقاص رضي اللَّه تعالى عنه: قال لقد رأيتني وأنا ثلث الإسلام وما أسلم أحد إلا في اليوم الذي أسلمت فيه، ولقد مكثت سبعة أيام وأنا ثلث الإسلام.
قال الحافظ: قال ذلك سعد بحسب اطلاعه، والسبب فيه أن من كان أسلم في ابتداء الأمر كان يخفي إسلامه ولعله أراد بالاثنين الآخرين خديجة وأبا بكر، أو النبي ﷺ وأبا بكر.
وقد كانت خديجة أسلمت قطعا، فلعله خصّ الرجال.
وبما ذكر يحصل الجمع بين حديث عمار بن ياسر وبين حديثي عمار وسعد، أو يحمل قول سعد على الأحرار البالغين ليخرج الأعبد المذكورون أو لم يكن اطلع على أولئك.
ويدل على هذا الأخير أنه وقع عند الإسماعيلي بلفظ: «ما أسلم أحد قبلي» وهو مقتضى رواية البخاري، وهي مشكلة لأنه قد أسلم قبله جماعة لكن يحمل ذلك على مقتضى ما كان اتصل بعلمه حينئذ.
стр. 881
ورواه ابن منده بلفظ: ما أسلم أحد في اليوم الذي أسلمت فيه وهذه لا إشكال فيها إذ لا مانع أن لا يشاركه أحد في الإسلام يوم أسلم.
لكن رواه الخطيب من الطريق التي رواها ابن مندة فأثبت «إلا» فتعين الحمل على ما قلته. انتهى.
وروى الإمام أحمد وابن ماجة عن ابن مسعود رضي اللَّه تعالى عنه قال: أول من أظهر إسلامه سبعة: رسول اللَّه ﷺ ، وأبو بكر، وعمار بن ياسر، وأمه سميّة- بضم السين المهملة وفتح الميم وتشديد المثناة التحتية- وصهيب، وبلال، والمقداد، الحديث.
قال ابن إسحاق ثم أسلم أبو عبيدة عامر بن عبد الله بن الجراح بن هلال بن أهيب- بضم الهمزة وفتح الهاء وسكون المثناة التحتية- ابن ضبّة- بفتح الضاد المعجمة الساقطة.
وتشديد الموحدة- ابن الحارث بن فهر.
وأبو سلمة عبد الله بن عبد الأسد بن هلال بن عبد الله بن عمر بن مخزوم بن يقظة- بمثناة تحتية مفتوحة فقاف ساكنة فظاء معجمة مشالة- ابن مرة بن كعب بن لؤي.
وأسلم بعده عشرة أنفس فان الحادي عشر: عتبة بن غزوان- بفتح الغين المعجمة وسكون الزاي فواو فألف فنون- ابن جابر بن وهب المازني.
حمزة بن عبد المطلب ويأتي الكلام على إسلامه في بابه.
مصعب بن عمير.
عياش بن أبي ربيعة [ (١) ] .
والأرقم بن أبي الأرقم عبد مناف بن أسد، وكان أسد يكنى أبا جندب، بن عبد اللَّه بن عمر بن مخزوم بن يقظة بن مرة بن كعب بن لؤي.
وعثمان بن مظعون- بالظاء المعجمة المشالة- ابن حبيب- بفتح الحاء المهملة وكسر الموحدة- ابن وهب بن حذافة بن جمح بن عمرو بن هصيص- بضم الهاء وفتح الصاد المهملة المثناة تحتية ساكنة ثم صاد مهملة- ابن كعب بن لؤي.
وروى أبو الحسن خيثمة الأطرابلسي في فضائله أن هذه الأربعة أسلموا أيضا على يد أبي بكر.
وأخوا عثمان: قدامة وعبد الله ابنا مظعون.
وعبيدة- بضم أوله وفتح الموحدة- ابن الحارث بن المطلب، بن عبد مناف بن قصي بن
стр. 882
كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي.
وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل بن عبد العزى بن عبد الله بن قرط- بضم القاف وسكون الراء وبالطاء المهملة- ابن رياح- براء مكسورة فمثنّاه تحتية- ابن رزاح- براء مفتوحة فزاي وآخره حاء مهملة- ابن عدي بن كعب بن لؤي وامرأته فاطمة بنت الخطاب بن نفيل بن عبد العزى أخت عمر بن الخطاب.
روى البخاري عن سعيد قال: لقد رأيتني وعمر موثقي على الإسلام أنا وأخته، وما أسلم بعد.
وأسماء وعائشة بنتا أبي بكر رضي اللَّه تعالى عنهم.
كذا ذكر ابن إسحاق. قال في الزهر والعيون والدّرر: وهو وهم لم تكن عائشة ولدت بعد فكيف تسلم وكان مولدها سنة أربع من النبوة؟
وخبّاب- بفتح الخاء المعجمة وتشديد الموحدة- ابن الأرت- بتشديد المثناة الفوقية، حليف بني زهرة. قال ابن هشام: خبّاب بن الأرت من بني تميم، ويقال من خزاعة.
وعمير بن أبي وقاص.
وعبد الله بن مسعود بن غافل- بغين معجمة وبعد الألف فاء مكسورة- ابن حبيب بفتح الحاء المهملة وكسر الموحدة- ابن شمخ- بفتح الشين المعجمة وسكون الميم وآخره خاء معجمة- ابن فار- بفاء وراء مخففة- ابن مخزوم بن صاهلة- بصاد مهملة وبعد الآلف هاء مكسورة- ابن كاهل- قيّده الوقشي بأنه سمّي من الفعل- من كاهل يكاهل. قاله في الرّوض. وسيأتي في المعجزات سبب إسلامه.
ومسعود ابن ربيعة- كذا قاله ابن عقبة وابن إسحاق. وقال أبو معشر والواقديّ ربيع القاريّ- بتشديد الياء منسوب إلى القارة- ابن عمرو بن سعد بن عبد العزى بن حمالة- بكسر الحاء المهملة وتخفيف الميم- ابن غالب، بن محلّم- بضم الميم وفتح الحاء المهملة وكسر اللام المشددة- ابن عائذة- بالمثناة التحتية وبالذال المعجمة- ابن سبيع- بضم السين المهملة وفتح الموحدة مصغّر.
كذا قال ابن إسحاق وتبعه في العيون والنّور. وقال البلاذريّ يبثغ- بمثناة تحتية مفتوحة فأخرى ساكنة فمثلثة مفتوحة فغين معجمة- كذا وجدته مضبوطا بالقلم في نسخة صحيحة قوبلت ثلاث مرات. ابن الهون- بضم الهاء وإسكان الواو ثم نون. قال في الصحاح: الهون بالضم: وهون بن خزيمة بن مدركة انتهى.
وقال البلاذري: في الهون جد مسعود بن ربيعة: أنه بفتح الهاء. انتهى.
ابن خزيمة بن القارة- بالقاف وتخفيف الراء.
стр. 883
وسليط- بفتح السين المهملة وكسر اللام ثم مثناة تحتية ساكنة ثم طاء مهملة- ابن عمرو بن عبد شمس بن ود بن نصر بن مالك بن حسل- بكسر الحاء وسكون السين المهملتين- ابن عامر بن لؤي.
وعيّاش- بمثناة تحتية وشين معجمة- ابن أبي ربيعة، واسم أبي ربيعة: عمرو، ابن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم.
وامرأته أسماء بنت سلامة- بتخفيف اللام- ابن مخرّبة- بميم مضمومة فخاء معجمة مفتوحة فراء مشددة مكسورة فموحدة مفتوحة، فتاء تأنيث- ابن جندل بن أبير- بهمزة مضمومة فموحدة فمثناة تحتية ساكنة- ابن نهشل بن دارم الدارمية التميمية.
وخنيس- بخاء معجمة مضمومة فنون مفتوحة فمثناة تحتية ساكنة فسين مهملة- ابن حذافة- بحاء مهملة فذال معجمة- ابن عديّ بن سعيد بن سهم بن عمر بن هصيص بن كعب بن لؤي. كذا في السيرة خنيس بن عدي بن سعيد بن سهم. قال الأمير أبو نصر في القسم المختلف فيه: سعيد بن سهم أخو سعد بن سهم بن عمر بن هصيص، اسمه سعيد- بفتح السين وكسر العين، وقريش تصغّره سعيد تصغير سعد.
وقال السّهيلي ما نصه: وذكر ابن إسحاق في السابقين إلى الإسلام من بني سهم عبد الله بن قيس بن الحارث بن عديّ بن سعيد بن سهم، حيثما تكرر في نسب بني عدي بن سعد بن سهم. يقول فيه ابن إسحاق: سعيد والناس على خلافه، وإنما هو سعد وسيأتي في شعر عبد الله بن قيس شاهد على ذلك، وإنما سعيد بن سهم أخو سعد وهو جد آل عمرو بن العاصي بن وائل بن هاشم بن سعيد بن سهم. وفي سهم سعيد آخر وهو ابن سعد المذكور، وهو جد المطّلب بن أبي وداعة عوف بن صبيرة بن سعيد بن سعد. وقد قيل في صبيرة: ضبيرة- بالضاد المعجمة.
وقال الخشني: قول ابن إسحاق في نسب خنيس هذا: ابن سعيد بن سهم. كذا وقع هنا وصوابه سعد، وإنما سعيد ابنه.
وعامر بن ربيعة العنزي- بإسكان النون، وهو فيما ذكر ابن الكلبي عامر بن ربيعة الأصغر، ابن حجير- بحاء مهملة مضمومة فجيم مفتوحة- ابن سلامان بن مالك بن ربيعة الأكبر- ابن رفيدة- براءة مضمومة ففاء مفتوحة فمثناة ساكنة فدال مهملة- ابن عبد الله وهو عنز بن وائل بن قاسط- بقاف وسين وطاء مهملتين- ابن هنب بهاء مكسورة فنون ساكنة فباء موحدة بن أفصى- بفتح الهمزة ففاء ساكنة فصاد مهملة مفتوحة- ابن دعميّ- بدال مضمومة فعين ساكنة مهملتين فميم مكسورة فمثناة تحتية مشددة تشبه ياء النّسب، ابن جديلة- بجيم مفتوحة فدال مكسورة- ابن أسد بن ربيعة بن نزار حليف آل الخطاب.
стр. 884
وعبد الله بن جحش بن رئاب- براء مكسورة فمثناة تحتية فهمزة موحدة- ابن يعمر- بمثناة تحتية وميم مفتوحتين بينهما عين مهملة ساكنة، وقيل فيه بضم الميم وهو غير مصروف، ابن ضبيرة- بضاد معجمة وتهمل مضمومة فباء موحدة فمثناة تحتية ساكنة- ابن مرة بن كبير- بفتح الكاف وكسر الموحدة- ابن غنم- بغين معجمة مفتوحة فنون ساكنة- ابن دودان- بدالين مهملتين الأولى مضمومة بينهما واو ساكنة- ابن أسد بن خزيمة.
وأخوه أبو أحمد واسمه عبد بغير إضافة. وقيل عبد اللَّه وليس بشيء إنما عبد الله أخوه.
وجعفر بن أبي طالب وامرأته أسماء بنت عميس- بعين مضمومة وسين مهملة بلا خلاف- ابن النعمان بن كعب بن مالك بن خثعم.
كذا هو عند ابن إسحاق وعند أبي عمر: أسماء بنت عميس بن معد بوزن سعد أوله ميم. ووقع في الاستيعاب بفتح العين وتعقّب- ابن الحارث، بن تميم بن كعب بن مالك بن قحافة بن عامر بن ربيعة بن معاوية بن زيد بن مالك بن نسر- بنون مفتوحة فسين مهملة ساكنة- ابن عفرس- بعين مكسورة ففاء ساكنة فراء مكسورة فسين مهملتين- ابن وهب اللَّه بن شهران- تثنية أحد شهور السنة- ابن حلف- بفتح الحاء المهملة وإسكان اللام وبالفاء نقله الأمير عن ابن حبيب- ابن أفتل- بهمزة مفتوحة ففاء ساكنة فمثناة فوقية مفتوحة فلام وهو جماع خثعم بن أنمار على الاختلاف في أنمار.
وقيل: أسماء بنت عميس بن مالك بن النعمان بن كعب بن مالك بن قحافة بن عامر بن زيد بن نسر بن وهب اللَّه.
وحاطب- بحاء فطاء مهملتين غير مصروف- ابن الحارث بن معمر، بفتح الميمين- ابن حبيب بن وهب بن مالك بن حذافة بن جمح- بجيم مضمومة فميم مفتوحة فحاء مهملة.
وامرأته فاطمة بنت المجلّل- بجيم مفتوحة وزن اسم المفعول- ابن عبد الله بن قيس بن عبد ود بن نصر بن مالك بن حسل- بحاء مكسورة فسين ساكنة مهملتين فلام- ابن عامر بن لؤي.
وأخوه خطّاب بن الحارث.
وامرأته فكيهة- بضم الفاء وفتح الكاف وسكون المثناة التحتية وفتح الهاء آخره تاء تأنيث- بنت يسار- بمثناة تحتية فسين مهملة.
ومعمر- بفتح الميمين بينهما عين مهملة ساكنة- ابن الحارث بن معمر بن حبيب بن وهب بن دارم بن جمح.
والسائب بن عثمان بن مظعون.
стр. 885
والمطّلب بن أزهر بن عبد عوف بن عبد- بغير إضافة- ابن الحارث بن زهرة.
وامرأته رملة، بلام، بنت عوف بن صبيرة- بصاد مهملة مضمومة فموحدة مفتوحة فمثناة تحتية ساكنة- ابن سعيد بضم أوله وفتح ثانيه- كما ضبطه الأمير- ابن سهم بن عمرو بن هصيص بن كعب بن لؤي.
والنحّام بنون فحاء مهملة مشددة، واسمه نعيم بن عبد الله بن أسيد- بوزن أمير- ابن عبد الله بن عوف بن عبيد- بفتح العين المهملة وكسر الباء الموحدة بعدها مثناة تحتية- ابن عويج- بعين مفتوحة مهملة فواو مكسورة فمثناة تحتية ساكنة فجيم- ابن عدي بن كعب.
وعامر بن فهيرة- بضم الفاء وفتح الهاء وسكون المثناة التحتية وفتح الراء آخره تاء تأنيث، مولى أبي بكر الصديق.
وخالد بن سعيد بن العاصي بن أمية بن عبد شمس. وقد قيل إنه أسلم قبل أبي بكر.
وامرأته أمينة بهمزة مضمومة فميم مفتوحة فمثناة تحتية فنون فتاء تأنيث. كذا في عدة نسخ من العيون، وكذا وجد مضبوطا بخط الحافظ أبي الحجاج بن خليل.
وقال الحافظ: أميمة بميمين. ويقال اسمها أمينة بالنون بدل الميم. ويقال همينة بالهاء بدل الألف.
وقال أبو ذر: أميمة روى هنا بالميم، وأمينة بالنون وبالياء وهو الصواب.
بنت خلف بن أسعد بن عامر بن بياضة بن سبيع- بضم السين المهملة وفتح الباء- وقال أبو ذر: كذا وقع هنا وصوابه يثيع- بمثناة تحتية مضمومة فثاء مثلثة- قاله ابن الدبّاغ وغيره. ابن خثعمة- بخاء معجمة مفتوحة فمثلثة- قال أبو ذر: كذا وقع هنا وصوابه جعثمة- بجيم مكسورة فعين مهملة ساكنة فثاء مثلثة مكسورة- قاله ابن الدباغ. انتهى. وكذا وجد في نسخه من الإكمال بخط الحافظ أبي الحجاج بن خليل بن سعد.
ابن مليح- بميم مضمومة فلام مفتوحة- ابن عمرو بن خزاعة.
وحاطب- بالحاء المهملة- ابن عمرو بن عبد شمس بن عبد ود بن نصر بن مالك بن عتبة بن ربيعة بن حسل بن عامر بن لؤي.
وأبو حذيفة، قال ابن هشام: اسمه مهشم- بكسر الميم وسكون الهاء.
وقال السهيلي: قول ابن هشام وهم عند أهل النسب فإن مهشما إنما هو أبو حذيفة بن المغيرة أخو هاشم، وهشام بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم. وأما أبو حذيفة بن عتبة فاسمه قيس فيما ذكروا. انتهى.
стр. 886
وكذا ذكر أبو ذر. وقال في الزّهر: فيما ذكره السهيلي نظر، لأن الواقدي وأبا نعيم والعسكري والبغوي والحاكم وابن عبد البر سموه مهشما، زاد العسكري: ويقال أيضا هشيم، ويقال هشام- وعند الحاكم عن جماعة من القدماء حسل- بكسر الحاء وسكون السين المهملتين. وقيل بحشل- بفتح الباء وسكون المهملة. فينظر من النسّابون الذي سموه قيسا، وينظر من ذكر أبا حذيفة بن المغيرة في السابقين إلى الإسلام أو في الصحابة جملة.
قلت: لم يذكره الحافظ في الإصابة، فكأنه هلك كافرا.
وواقد- بالقاف والدال المهملة- ابن عبد الله بن عبد مناف بن عرين- بعين مهملة مفتوحة فراء مكسورة فمثناة تحتية فنون- ابن ثعلبة بن يربوع بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم حليف بني عدي.
وخالد وعامر وعاقل- بعين مهملة فألف فقاف- وإياس بنو البكير- بضم الموحدة- ابن عبد يليل- بمثناة تحتية فلام مكسورة فمثناة تحتية ساكنة فلام- ابن ناشب- بنون فألف فشين معجمة مكسورة فموحدة- ابن غيرة- بغين معجمة مكسورة فمثناة تحتية مفتوحة فراء فتاء تأنيث من بني سعد بن ليث بن بكر بن عبد مناف بن كنانة حلفاء بني عدي.
وعمّار- بعين مهملة مفتوحة فميم مشددة- ابن ياسر- بمثناة تحتية فألف فسين مهملة ابن عامر بن مالك بن كنانة بن قيس بن الحصين- بحاء مهملة مضمومة فصاد مفتوحة مهملتين- ابن الوذيم- بواو مفتوحة فذال معجمة مكسورة فمثناة تحتية- ابن ثعلبة بن عوف بن حارثة- بحاء مهملة ومثلثة- ابن عامر الأكبر بن يام- بمثناة تحتية وزن سام- ابن عنس- بعين مهملة مفتوحة فنون ساكنة فسين مهملة- وهو زيد بن مالك بن أدد. ومالك جماع مذحج- بميم مفتوحة فذال معجمة ساكنة فحاء مهملة مكسورة فجيم- حليف بني مخزوم.
وصهيب- بضم الصاد وفتح الهاء وسكون المثناة التحتية وآخره موحدة- ابن سنان بن مالك بن عبد عمرو بن عقيل- بضم المهملة وفتح القاف. كما وجد بخط ابن الأمين. في حاشية الاستيعاب- ابن عامر بن جندلة- بجيم فنون فدال مهملة- ابن سعد بن جذيمة- بجيم فذال معجمة فمثناة تحتية- ابن كعب بن سعد بن أسلم بن أوس مناة، بن النّمر بن قاسط- بالقاف والسين المهملة. كذا هو عند ابن الكلبي وعند أبي عمر سنان بن خالد بن عبد عمرو، بن الطفيل بن عامر بن جندلة بن سعد بن خزيمة- بالخاء المعجمة والزاي- ابن كعب بن سعد. ومنهم من يقول ابن سفيان بن جندلة بن مسلم بن أوس بن زيد مناة بن النّمر بن قاسط. ويقال له الرومي، وكان مولى لعبد الله بن جدعان.
стр. 887
وذكر أبو عمر فيهم: عتبة بن مسعود، أخو عبد الله بن مسعود.
وأبا نجيح عمرو بن عبسة- بعين مهملة فموحدة فسين مهملة مفتوحات وزن عدسة- ابن منقل- بميم مضمومة فنون ساكنة فقاف مكسورة فلام- ابن خالد بن حذيفة بن عمرو بن خلف بن حذيفة بن مازن بن مالك بن ثعلبة بن بهثة- بباء موحدة مضمومة فهاء ساكنة فمثلثة مفتوحة فتاء تأنيث- ابن سليم.
ومازن بن مالك، أمه بجلة- بفتح الباء وسكون الجيم وفتح اللام- بنت هناءة- بضم الهاء فنون فألف ممدودة فتاء تأنيث- ابن مالك بن فهم- بفتح الفاء وسكون الهاء- وإليها ينسب البجلي- بسكون الجيم- ذكره كذلك الرشاطيّ. وحكي عن ابن عمر في نسبه غير ذلك وصحح ما تقدم. وحكى عن أبي عمر في نسبه غاضرة- بغين وضاد معجمتين بينهما ألف وآخره راء بعدها تاء تأنيث- ابن عتاب- بعين مهملة فمثناة فوقية فألف فموحدة- وزعم أنه خطأ وأن الصواب في ذلك النسب: ناضرة بالضاد المعجمة الساقطة، كما استظهره في النور. ابن خفاف- بخاء معجمة مضمومة ففاء مخففة فألف ففاء أخرى.
روى الشيخان والبرقاني أن أبا أمامة قال لعمرو بن عبسة: بأي شيء تدّعي أنك ربع الإسلام؟ قال: كنت وأنا في الجاهلية أظن أن الناس على غير شيء وأنهم ليسوا بشيء وهم يعبدون الأوثان. قال فسمعت برجل بمكة يخبر أخبارا فقعدت على راحلتي فقدمت عليه فإذا رسول اللَّه ﷺ مستخفيا جراء عليه قومه فتلطّفت حتى دخلت عليه بمكة فقلت له: ما أنت؟
قال: نبي. قلت: وما نبي؟ قال: أرسلني اللَّه. قلت: بأي شيء أرسلك؟ قال: أرسلني بصلة الرحم وكسر الأوثان وأن يوحّد اللَّه لا يشرك به. فقلت: من معك على هذا؟ قال: حرّ وعبد.
قال: ومعه يومئذ أبو بكر وبلال.
وذكر أبو عمر أيضا أبا ذرّ جندب- بجيم مضمومة فنون ساكنة فدال مهملة تضم وتفتح- ابن جنادة بن سفيان بن عبد حرام- بفتح الحاء والراء المهملتين- ابن غفار- بغين معجمة ففاء مخففة فراء- ابن مليل بميم مضمومة ولامين الأولى مفتوحة بينهما مثناة تحتية- ابن ضمرة بن بكر بن عبد مناة بن كنانة.
روى الحاكم عنه: قال كنت ربع الإسلام، أسلم قبلي ثلاثة نفر وأنا الرابع.
قال أبو عمر: ولكنهما يعني أبا نجيح وأبا ذرّ رجعا إلى بلاد قومهما.
وأنيس أخو أبو ذر كما سيأتي.
стр. 888
الباب الرابع في قصة إسلام أبي ذرّ وأخيه أنيس- رضي اللَّه تعالى عنهما -
روى أبو داود الطيالسي والإمام أحمد ومسلم عن عبد الله بن الصامت، والبخاري عن ابن عباس رضي اللَّه تعالى عنهما، كلاهما عن أبي ذر، قال ابن الصامت عنه: قد صلّيت يا ابن أخي قبل أن ألقى النبي ﷺ ثلاث سنين. قلت: لمن؟ قال للَّه. قلت فأين توجّه؟ قال: حيث يوجّهني ربي أصلي عشاء حتى إذا كان من آخر الليل ألقيت نفسي كأني خفاء حتى تعلوني الشمس. قال فقال لي أنيس أخي: إن لي حاجة بمكة فاكفني، فانطلق. ثم جاء.
وقال ابن عباس عنه: كنت رجلا من غفار فبلغنا أن رجلا قد خرج بمكة يزعم أنه نبي فقلت لأخي: انطلق إلى هذا الرجل فكلّمه وائتني بخبره فانطلق أنيس حتى أتى مكة فراث عليّ ثم جاء فقلت: ما عندك؟ فقال: واللَّه لقد رأيت رجلا يأمر بخير وينهى عن الشر. وفي رواية لقد رأيت رجلا بمكة على دينك يزعم أن اللَّه أرسله ورأيته يأمر بمكارم الأخلاق. قلت: فما يقول الناس؟ قال: يقولون: شاعر كاهن ساحر. وكان أنيس أحد الشعراء. قال أنيس: لقد سمعت قول الكهنة فما هو بقولهم، ولقد وضعت قوله على أقراء الشعر فلم يلتئم على لسان أحد بعدي أنه شعر، واللَّه إنه لصادق وإنهم لكاذبون، قال: فقلت: لم تشفني من الخبر فاكفني حتى أذهب فأنظر. قال: نعم وكن على حذر من أهل مكة فإنهم قد شنفوا له وتجهّموه. قال: فحملت شنّة لي فيها ماء. وفي رواية: فأخذت جرابا وعصا ثم أقبلت إلى مكة فأتيت المسجد ألتمس رسول اللَّه ﷺ ولا أعرفه وأكره أن أسأل عنه. وفي رواية ابن الصامت: فتضعّفت رجلا منهم فقلت: أين هذا الرجال الذي تدعونه الصابئي؟ فأشار إلى: فقال: الصابئي الصابئي فمال عليّ أهل الوادي بكل مدرة وعظم حتى خررت مغشيا عليّ. قال: فارتفعت حين ارتفعت كأني نصب أحمر، فأتيت زمزم فغسلت عن الدماء وشربت من مائها، ولقد لبثت ثلاثين بين ليلة ويوم وما كان لي طعام إلا ماء زمزم، فسمنت حتى تكسّرت عكن بطني وما وجدت على كبدي سخفة جوع. فدخلت بين الكعبة وأستارها فبينا أهل مكة في ليلة قمراء إضحيان إذ ضرب على أصمختهم فما يطوف بالبيت أحد وامرأتان منهم تدعوان إحافا ونائلة فأتتا عليّ في طوافهما فقلت: أنكحوا إحداهما الأخرى. فما تناهتا عن قولهما، فأتتا عليّ فقلت: هنّ مثل الخشبة. غير أنى لا أكنّي. فانطلقتا تولولان وتقولان: لو كان هاهنا أحد من أنفارنا.
فاستقبلهما رسول اللَّه ﷺ وأبو بكر وهما هابطتان قالا: ما لكما؟ قالتا: الصابئ بين الكعبة وأستارها. قالا: ما قال؟ قالتا: إنه قال لنا كلمة تملأ الفم.
وجاء رسول اللَّه ﷺ حتى استلم الحجر وطاف بالبيت وهو وصاحبه، ثم صلّى، فلما
стр. 889
قضى رسول اللَّه ﷺ صلاته أتيت فقلت: السلام عليك يا رسول اللَّه، أشهد أن لا إله إلا اللَّه وأن محمدا رسول اللَّه، فرأيت الاستبشار في وجه رسول اللَّه ﷺ . قال أبو ذر: فكنت أول من حيّاه بتحية الإسلام فقال: وعليك السلام ورحمة اللَّه. ثم قال: ممن الرجل؟ قلت: من غفار، فأهوى بيده فوضع أصابعه على جبهته فقلت في نفسي: كره أن انتميت إلى غفار. فذهبت آخذ بيده فقدعني صاحبي وكان أعلم به مني، ثم رفع رأسه فقال: متى كنت هاهنا؟ قلت:
كنت من ثلاثين بين ليلة ويوم. قال: فمن كان يطعمك؟ قلت: ما كان لي طعام إلا ماء زمزم فسمنت حتى تكسّرت عكن بطني وما أجد على بطني سخفة جوع. قال: مباركة، إنها طعام طعم وشفاء سقم.
وفي رواية ابن عباس عن أبي ذر قال: أقبلت حتى أتيت مكة فجعلت لا أعرفه وأكره أن أسأل عنه، وأشرب من ماء زمزم وأكون في المسجد، واضطجعت. قال: فمر بي على فقال:
كأنّ الرجل غريب؟ قلت: نعم. قال: فانطلق إلى المنزل. قال فانطلقت معه لا يسألني عن شيء ولا أخبره فلما أصبحت احتملت قربتي وزادي إلى المسجد أسأل عن رسول اللَّه ﷺ وليس أحد يخبرني عنه بشيء، فظللت ذلك اليوم حتى أمسيت فعدت إلى مضجعي فمر بي على فقال: أما نال للرجل أن يعرف منزله بعد؟ قلت: لا. قال: انطلق معي. فذهبت معه لا يسألني عن شيء ولا أخبره عن شيء، فلما كان اليوم الثالث فعل ذلك، فأقامه فذهب معه ثم قال له:
ألا تحدثني ما الذي أقدمك هذا البلد؟ فقلت له: إن كتمت عليّ أخبرتك. وفي رواية: إن أعطيتني عهدا وميثاقا لترشدنّي فعلت. ففعل فأخبرته فقال: أما إنك قد رشدت إنه حقّ وإنه رسول اللَّه، فإذا أصبحت فاتبعني فإن رأيت شيئا أخافه عليك قمت كأني أريق ماء. وفي رواية: قمت إلى الحائط كأني أصلح نعلي وامضي أنت، فإن مضيت فاتبعني حتى تدخل مدخلي.
فمضى ومضيت معه حتى دخل ودخلت معه على النبي ﷺ فقلت له: اعرض عليّ الإسلام، فعرض فأسلمت مكاني فقال: يا أبا ذر اكتم هذا الأمر وارجع إلى قومك فأخبرهم بأمري، فإذا بلغك ظهورنا فأقبل فقلت: والذي بعثك بالحق- وفي رواية: والذي نفسي بيده- لأصرخن بها بين ظهرانيهم.
فخرجت حتى أتى المسجد وقريش فيه فناديت بأعلى صوتي: أشهد أن لا إله إلا اللَّه وأشهد أن محمد رسول اللَّه. فقالوا: قوموا إلى هذا الصابئ. فثار القوم فضربت لأموت. وفي رواية حتى أضجعوني فأدركني العباس فأكبّ عليّ ثم قال: ويلكم ألستم تعلمون أنه من غفار وأنه طريق تجارتكم عليهم؟! فأقلعوا عنّي.
فلما أصبحت الغد رجعت فقلت مثل ما قلت بالأمس، فقالوا: قوموا إلى هذا الصابئي فصنع بي ما صنع بالأمس، وأدركني العباس فأكبّ عليّ وقال مثل مقالته بالأمس.
стр. 890
وفي حديث ابن الصامت فقال أبو بكر: يا رسول اللَّه ايذن لي في طعامه الليلة. فانطلق رسول اللَّه ﷺ وانطلقت معهما، ففتح أبو بكر بابا فجعل يقبض لنا من زبيب الطائف وكان ذلك أول طعام أكلت بها. ثم أتيت رسول اللَّه ﷺ فقال: إني وجّهت لي أرض ذات نخل ولا أراها إلا يثرب فهل أنت مبلّغ عني قومك عسى اللَّه أن ينفعهم بك ويأجرك فيهم؟
قال: فأتيت أنيسا فقال ما صنعت؟ قلت: قد أسلمت وصدّقت. فقال: ما لي رغبة عن دينك فإني قد أسلمت وصدقت. فأتينا أمّنا فقالت: ما بي رغبة عن دينكما فإني قد أسلمت وصدقت، فاحتملنا حتى أتينا قومنا غفارا فأسلم نصفهم وقال نصفهم: إذا قدم رسول اللَّه ﷺ المدينة أسلمنا. فقدم رسول اللَّه ﷺ المدينة وأسلم نصفهم الباقي وجاءت أسلم فقالوا: يا رسول اللَّه إخواننا نسلم على الذي أسلموا عليه. فأسلموا. فقال رسول اللَّه ﷺ : «غفار غفر اللَّه لها وأسلم سالمها اللَّه» .
تنبيهات
الأول: قال الحافظ: قول أبي ذرّ لأخيه: ما شفيتني مغاير في الظاهر لما في حديث ابن الصامت. ويمكن الجمع بأنه أراد منه أن يأتيه بتفاصيل من كلامه وأخباره فلم يأته إلا بمجمل.
وفي حديث ابن عباس أن لقياه لرسول اللَّه ﷺ كان بدلالة عليّ، وفي حديث ابن الصامت أن أبا ذر لقي النبي ﷺ وأبا بكر في الطواف بالليل، كما هو مذكور في القصة، وأكثره يغاير ما في حديث ابن عباس هذا عن أبي ذر، ويمكن التوافق بينهما بأنه لقيه أولا مع علي ثم لقيه في الطواف، أو بالعكس، وحفظ كلّ منهما ما لم يحفظ الآخر.
الثاني: قال في المفهم: في التوفيق بين الروايتين تكلّف شديد لا سيما أن في حديث عبد الله بن الصامت أن أبا ذر أقام ثلاثين لا زاد له. وفي حديث ابن عباس أنه كان معه زاد وقربة ماء إلى غير ذلك.
قال الحافظ: ويحتمل الجمع بأن المراد بالزاد في حديث ابن عباس ما تزوّده لمّا خرج من أرض قومه. ففرغ لما أقام بمكة. والقربة التي كانت معه كان فيها الماء حال السفر، فلما أقام بمكة لم يحتج إلى ملئها ولم يطرحها. ويؤيده أنه وقع في رواية أبي قتيبة عند البخاري:
فجعلت لا أعرفه- يعني النبي ﷺ وأكره أن أسأل عنه، وأشرب من ماء زمزم وأكون في المسجد.
الثالث: في بيان غريب ما سبق
стр. 891
الخفاء- بخاء معجمة وفاء- وزن كتاب: الكساء، أو رداء تلبسه المرأة أو العروس فوق ثيابها.
فأين كنت توجّه: بفتح التاء والجيم، وفي رواية توجّه بضم التاء وكسر الجيم- وكلاهما صحيح.
راث يريث بالمثلثة: أبطأ.
أقراء الشعر، بالقاف والراء وبالمد: طرقه وأنواعه. شنفوا له، بشين معجمة مفتوحة فنون مكسورة ففاء، أي أبغضوه يقال شنف له شنفا إذا أبغضه.
تجهموه- بالجيم: أي تلقوه بالغلظة والوجه الكريه.
الشّنّة. بفتح الشين المعجمة والنون المشددة: القربة البالية.
تضعّفت رجلا: أي نظرت إلى أضعفهم فسألته، لأن الضعيف مأمون الغائلة غالبا.
الصّابئ: من صبأ يصبأ، إذا انتقل من شيء إلى شيء وكانوا يسمون من أسلم صابئا.
مال عليه أهل الوادي: تحاملوا.
المدرة: القطعة من الطين.
النّصب- بضم الصاد المهملة وبسكونها: حجر نصب فعد من دون اللَّه وجمع أنصاب، كانوا يذبحون عليه فيحمرّ بالدم.
تكسّرت: تثنّت لكثرة السّمن وانطوت.
عكن [ (١) ] بطني: بضم العين المهملة وفتح الكاف وأعكانه جمع عكنة وهي الطيّ الذي في البطن من السّمن.
السّخفة- بفتح السين المهملة وسكون الخاء المعجمة: ما يعتري الإنسان من الخفّة عند الجوع. وبضم السين: الخفّة في العقل.
قمراء: مقمرة ليس فيها غيم.
إضحيان- بكسر الهمزة والحاء المهملة وإسكان الضاد المعجمة بينهما: أي مضيئة.
أصمخة- بالسين وبالصاد أيضا فخاء معجمة جمع صماخ وهي ثقب الأذن المتصل بالدماغ والمراد بالضرب هنا: النوم المانع من نفوذ الكلام إلى الأذن.
إساف- بكسر الهمزة ونائلة بالنون والمثناة التحتية المكسورة: صنمان كانا لهم في الجاهلية.
فما تناهيتا عن قولهما: أي ما انتهتا عن قولهما بل دامتا عليه.
стр. 892
الهن. والهنة- بفتح الهاء وتخفيف النون: كناية عن كل شيء وأكثر ما يستعمل كناية على الفرج والذّكر أي قال لهما: ذكر كالخشة في الفرج. وأراد بذلك سبّ إساف ونائلة وغيظ الكفار بذلك.
الولولة [ (١) ] : الدعاء بالويل.
الأنفار: جمع نفر أو نفير وهو الذي ينفر عند الاستغاثة أي لو كان هنا أحد من أنفارنا لانتصر لنا.
كلمة تملأ الفم: أي لا يمكن ذكرها وحكايتها كأنها تسدّ فم حاكيها وتملأه، لاستعظامها.
أما نال للرجل: يقال نال له إذا آن له كما في رواية بمد الهمزة، ويروى: أما أنى بالقصر وبفتح النون. وفي رواية مسلم: أما آن أن يعلم بمنزله. ويروى بدون همزة الاستفهام في اللفظ أي ما جاء الوقت الذي يعرف به منزل الرجل بأن يكون له مسكن معيّن.
قد رشدت: من رشد يرشد من باب علم يعلم رشدا بفتحتين. ورشد يرشد من باب نصر ينصر رشدا- بضم الراء وسكون الشين. والرشد: خلاف الغيّ.
بين ظهرانيهم- بفتح النون وبين أظهرهم أي وسطهم.
فثار القوم- بثاء مثلثة فراء أي نهضوا.
فضربت: بالبناء للمفعول.
لأموت: أي لأن أموت، يعني ضربوه ضرب الموت.
فأكبّ عليّ: أي رمى نفسه علي.
فأقلعوا عني: أي كفّوا عني.
قدعني [ (٢) ]- بقاف فدال مهملتين أي كفني، يقال قدعه وأقدعه إذا كفّه.
طعم- بضم الطاء وإسكان العين أي تشبع شاربها كما يشبعه الطعام.
وجّهت لي أرض: أي رأيت جهتها.
لا أراها- بضم الهمزة وفتحها.
إلا يثرب- هذا كان قبل نهى النبي ﷺ عن تسمية المدينة بذلك.
احتملنا: أي احتملنا أنفسنا ومتاعنا على إبلنا وسرنا.
ما بي رغبة عن دينك: أي لا أكرهه بل أدخل فيه.
стр. 893
الباب الخامس في سبب دخول النبي ﷺ دار الأرقم بن أبي الأرقم واستخفاء المسلمين حال عبادتهم ربّهم ﵎
دخل النبي ﷺ دار الأرقم بن أبي الأرقم يعبد اللَّه تعالى فيها سرّا من قومه، ودخل معه جماعة حتى تكامل المسلمون أربعين رجلا وكان آخرهم عمر بن الخطاب رضي اللَّه تعالى عنه، فلما تكاملوا أربعين رجلا خرجوا فلما أسلم عمر
قال: يا رسول اللَّه علام نخفي ديننا ونحن على الحق ويظهر دينهم وهم على الباطل؟ فقال: يا عمر إنا قليل. فقال عمر:
فو الذي بعثك بالحق لا يبقى مجلس جلست فيه بالكفر إلا أظهرت فيه الإيمان.
وسيأتي بسط ذلك في إسلام عمر رضي اللَّه تعالى عنه.
روى الحافظ أبو الحسن سليمان بن خيثمة الأطرابلسي عن عائشة رضي اللَّه تعالى عنها قالت: لمّا اجتمع أصحاب النبي ﷺ وكانوا ثمانية وثلاثين رجلا ألحّ أبو بكر رضي اللَّه تعالى عنه على رسول اللَّه ﷺ في الظهور، فقال: يا أبا بكر إنا قليل.
فلم يزل أبو بكر يلحّ حتى ظهر رسول اللَّه ﷺ وتفرّق المسلمون في نواحي المسجد كلّ رجل في عشيرته، وقام أبو بكر في الناس خطيبا ورسول اللَّه ﷺ ، جالس فكان أول خطيب دعا إلى الله وإلى رسوله ﷺ وثار المشركون على أبي بكر وعلى المسلمين فضربوا في نواحي المسجد ضربا شديدا، ووطئ أبو بكر وضرب ضربا شديدا، ودنا منه الفاسق عتبة بن ربيعة فجعل يضربه بنعلين مخصوفين ويحرّقهما لوجهه من على بطن أبي بكر حتى ما يعرف وجهه من أنفه، وجاءت بنو تيم يتعادون فأجلت المشركين عن أبي بكر وحملت بنو تيم أبا بكر في ثوب حتى أدخلوه منزله ولا يشكّون في موته ثم رجعت بنو تيم فدخلوا المسجد وقالوا: واللَّه لئن مات أبو بكر لنقتلن عتبة بن ربيعة. فرجعوا إلى أبي بكر فجعل أبو قحافة وبنو تيم يكلّمون أبا بكر حتى أجاب فتكلم في آخر النهار فقال: ما فعل رسول اللَّه ﷺ ؟ فمسّوا منه بألسنتهم وعذلوه وقالوا لأمه أم الخير انظري أن تطعميه شيئا أو تسقيه إياه. فلما خلت به ألحّت عليه وجعل يقول: ما فعل رسول اللَّه ﷺ ؟ فقالت: واللَّه ما لي علم بصاحبك فقال: اذهبي إلى أم جميل بنت الخطاب فاسأليها عنه. فخرجت حتى جاءت أمّ جميل فقالت: أن أبا بكر يسألك عن محمد بن عبد الله. فقالت: ما أعرف أبا بكر ولا محمد بن عبد الله وإن كنت تحبين أن أذهب معك إلى ابنك. فقالت: نعم. فمضت معها حتى وجدت أبا بكر صريعا دنفا فدنت أمّ جميل وأعلنت بالصياح وقالت: واللَّه إنّ قوما نالوا هذا منك لأهل فسق وكفر وإني لأرجو أن ينتقم اللَّه منهم. قال: فما فعل رسول اللَّه ﷺ ؟ قالت: هذه أمك تسمع. قال: فلا شيء عليك
стр. 894
منها. قالت: سالم صالح. قال: فأين هو؟ قالت: في دار الأرقم. قال: فإن للَّه على أن لا أذوق طعاما ولا أشرب شرابا أو أتى رسول اللَّه ﷺ . فأمهلنا حتى إذا هدأت الرّجل وسكن الناس خرجنا به يتكئ عليّ حتى أدخلناه على رسول اللَّه ﷺ فأكبّ عليه رسول اللَّه ﷺ يقبّله وأكبّ عليه المسلمون ورقّ له رسول اللَّه ﷺ رقة شديدة، فقال أبو بكر: بأبي وأمي يا رسول اللَّه ليس بي بأس إلا ما نال الناس من وجهي وهذه أمي برّة بولدها وأنت مبارك، فعسى اللَّه أن يستنقذها بك من النار. فدعا لها رسول اللَّه ﷺ ودعاها إلى اللَّه فأسلمت.
وأقاموا مع رسول اللَّه ﷺ في الدار شهرا وهم تسعة وثلاثون رجلا، وقد كان حمزة بن عبد المطلب أسلم يوم ضرب أبو بكر.
ودعا رسول اللَّه ﷺ لعمر بن الخطاب أو لأبي جهل بن هشام، فأصبح عمر وكانت الدعوة يوم الأربعاء فأسلم عمر يوم الخميس فكبّر رسول اللَّه ﷺ وأهل البيت تكبيرة سمعت بأعلى مكة، فقام عمر فقال: يا رسول اللَّه علام نخفي ديننا فذكر نحو ما سبق.
وذكر إسلام عمر هنا غريب والصحيح أنه أسلم بعد الهجرة الأولى إلى الحبشة.
قال ابن إسحاق: ودخل الناس أرسالا الرجال والنساء في دين اللَّه، حتى فشا الإسلام بمكة وتحدّث به. وكان أصحاب رسول اللَّه ﷺ إذا صلّوا ذهبوا في الشّعاب واستخفوا بصلاتهم من قومهم، فبينا سعد بن أبي وقاص في نفر من أصحاب رسول اللَّه ﷺ في شعب من شعاب مكة إذ ظهر عليهم نفر من المشركين وهم يصلّون فناكروهم وعابوا عليهم ما يصنعون حتى قاتلوهم، فضرب سعد بن أبي وقاص يومئذ رجلا من المشركين بلحيي بعير فشجّه وكان أول دم أهريق في الإسلام.
تنبيهان
الأول: دار الأرقم هي الدار المعروفة الآن بدار الخيزران عند الصفا.
الثاني: في بيان غريب ما سبق.
ألحّ: ألحف في المسألة.
نعلين مخصوفين [ (١) ] : مطبقتين.
فمسّوا منه بألسنتهم: أي عنّفوه ونالوا منه.
стр. 895
الدّنف: ملازمة المرض.
أمهلنا: صبرنا.
هدأت الرّجل: سكنت.
أرسالا: بفتح الهمزة: جمع رسول بفتح الراء والسين، أي أفواجا وفرقا.
فشا، بغير همز: أي ظهر وذاع.
تحدّث: بالبناء للمفعول.
الشّعاب: جمع شعب.
بلحيي بعير: هو تثنية لحي وهو العظم الذي عليه الخدّ وهو من الإنسان: العظم الذي تنبت عليه الأسنان.
فشجّه: جرحه.
стр. 896
الباب السادس في أمر الله رسوله محمدا ﷺ بإظهار الإسلام
قال اللَّه : فَاصْدَعْ فأظهر بِما تُؤْمَرُ بالقرآن وما فيه من الأحكام.
وأصل الصدع: الشق والبينونة أو أصله الشق في الشيء الصّلب كالزجاج ثم استعير لغيرها. أي اكشف الحقّ وأبنه عن غيره وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ [الحجر ٩٤] اكفف عنهم ولا تبال بهم والكف عنهم. نسخ بآية السيف.
وقال تعالى: وَأَنْذِرْ خوّف عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ [الشعراء ٢١٤] وهم بنو هاشم وبنو المطّلب وقد أنذرهم جهارا.
روى ابن سعد عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه قال: أمر رسول اللَّه ﷺ إن يصدع بما جاء به من عند اللَّه وأن يبادي الناس بأمره وأن يدعو إلى اللَّه تعالى، فدعا في أول ما نزلت عليه النبوة ثلاث سنين مستخفيا إلى أن أمر بظهور الدعاء.
وروى البلاذري عن عائشة رضي اللَّه تعالى عنها قالت: دعا رسول اللَّه ﷺ سرّا أربع سنين.
وروي أيضاً عن جعفر بن عبد الله بن أبي الحكم قال: لما نزلت على النبي: وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ اشتد ذلك على النبي ﷺ وضاق به ذرعا، فمكث شهرا أو نحوه جالسا في بيته حتى ظن عماته أنه شاك فدخلن عليه عائدات فقال: ما اشتكيت شيئا لكن اللَّه أمرني أن أنذر عشيرتي الأقربين فأردت جمع بني عبد المطلب لأدعوهم إلى اللَّه تعالى قلن: فادعهم ولا تجعل عبد العزّى فيهم- يعنى أبا لهب، فإنه غير مجيبك إلى ما تدعوه إليه. وخرجن من عنده فلما أصبح رسول اللَّه ﷺ بعث إلى بني عبد المطلب فحضروا ومعهم عدة من بني عبد مناف وجميعهم خمسة وأربعون رجلا وسارع إليه أبو لهب وهو يظن أنه يريد أن ينزع عما يكرهون إلى ما يحبّون، فلما اجتمعوا قال أبو لهب: هؤلاء عمومتك وبنو عمك فتكّلم بما تريد ودع الصلاة، واعلم أنه ليس لقومك بالعرب قاطبة طاقة وإن أحبّ من أخذك فحبسك أسرتك وبنو أبيك إن أقمت على أمرك فهو أيسر عليهم من أن يثب بك بطون قريش وتمدّها العرب، فما رأيت يا ابن أخي أحدا قط جاء بني أبيه وقومه بشرّ مما جئتهم به.
فأسكت رسول اللَّه ﷺ فلم يتكلم في ذلك المجلس ومكث أياما وكثر عليه كلام أبي لهب، فنزل عليه جبريل ﵇ فأمره بإمضاء ما أمره اللَّه به وشجّعه عليه، فجمعهم رسول اللَّه ﷺ ثانية فقال: الحمد اللَّه أحمده وأستعينه وأومن به وأتوكل عليه وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له. ثم قال: إن الرائد لا يكذب أهله واللَّه لو كذبت الناس جميعا
стр. 897
ما كذبتكم ولو غررت الناس ما غررتكم، واللَّه الذي لا إله إلا هو إني لرسول اللَّه إليكم خاصة وإلى الناس كافة، واللَّه لتموتن كما تنامون ولتبعثن كما تستيقظون ولتحاسبنّ بما تعملون، ولتجزونّ بالإحسان إحسانا وبالسوء سوءا وإنها للجنة أبدا أو النار أبدا، وإنكم لأول من أنذر، ومثلي ومثلكم كمثل رجل رأى العدو فانطلق يربأ أهله فخشي أن يسبقوه فجعل يهتف يا صباحاه. فقال أبو طالب: ما أحبّ إلينا معاونتك ومرافدتك وأقبلنا لنصحك وأشد تصديقنا لحديثك، وهؤلاء بنو أبيك مجتمعون وإنما أنا أحدهم، غير أني واللَّه أسرعهم إلى ما تحب فامض لما أمرت به فو اللَّه لا أزال أحوطك وأمنعك، غير إني لا أجد نفسي تطوّع إلى فراق دين عبد المطلب حتى أموت على ما مات عليه.
وتكلم القوم كلاما ليّنا غير أبي لهب فإنه قال: يا بني عبد المطلب هذه واللَّه السّوءة خذوا على يديه قبل أن يأخذ على يديه غيركم فإن أسلمتموه حينئذ ذللتم وإن منعتموه قتلتم.
فقال أبو طالب: واللَّه لنمنعنّه ما بقينا.
وقالت صفية بنت عبد المطلب لأبي لهب: أي أخي أيحسن بك خذلان ابن أخيك وإسلامه؟ فواللَّه ما زال العلماء يخبرون أنه يخرج من ضئضئ عبد المطلب نبيّ فهو هو. فقال:
هذا واللَّه الباطل والأماني وكلام النساء في الحجال، إذا قامت بطون قريش كلها وقامت معها العرب فما قوّتنا بهم؟ فو اللَّه ما نحن عندهم إلا إكلة رأس.
وروى الشيخان والبلاذري عن ابن عباس، والشيخان عن أبي هريرة، ومسلم عن قبيصة ابن المخارق ﵃، إن رسول اللَّه ﷺ لما أنزل عليه وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ قام على الصّفا فعلا أعلاها حجرا ثم نادى: يا صباحاه. فقالوا من هذا؟ وجعل الرجل إذا لم يستطع أن يخرج يرسل رسولا لينظر ما هو، فجاء أبو لهب وقريش فاجتمعوا إليه، فقال رسول اللَّه ﷺ : أن أخبرتكم أن خيلا تخرج من سفح هذا الجبل تريد أن تغير عليكم أكنتم مصدقي؟ قالوا: ما جربنا عليك كذبا.
فقال: يا معشر قريش أنقذوا أنفسكم من النار، فإني لا أغني عنكم من اللَّه شيئاً، يا بني عبد مناف أنقذوا أنفسكم من النار فإني لا أغني عنكم من اللَّه شيئاً، يا بني عبد شمس أنقذوا أنفسكم من النار فإني لا أغني عنكم من اللَّه شيئاً، يا بني كعب بن لؤي أنقذوا أنفسكم من النار فإني لا أغني عنكم من اللَّه شيئاً، يا عباس عم رسول اللَّه ﷺ أنقذ نفسك من النار فإني لا أغني عنك من اللَّه شيئاً، يا صفية عمة محمد، ويا فاطمة بنت محمد أنقذا أنفسكما من النار فإني لا أملك لكما من اللَّه شيئاً، غير أن لكما رحما سأبلّها ببلالها، إني لكم نذير بين يدي عذاب شديد.
стр. 898
فقال أبو لهب: تبّا لك سائر اليوم ألهذا جمعتنا؟
فنزلت: تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ إلى آخرها [ (١) ] .
ثم قال رسول اللَّه ﷺ : يا بني عبد المطلب إني واللَّه ما أعلم شابّا من العرب جاء قومه بأفضل مما جئتكم به أني قد جئتكم بأمر الدنيا والآخرة.
وروى ابن سعد والبيهقي وأبو نعيم عن علي وأبو نعيم عن البراء بن عازب رضي اللَّه تعالى عنهم قال: لما نزلت: وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ على رسول اللَّه ﷺ قال: يا علي اصنع لنا رجل شاة على صاع من طعام. وفي رواية: مدّ. وأعدّ لنا عسّ لبن ثم اجمع بني عبد المطلب.
قال عليّ: ففعلت، فاجتمعوا له وهو يومئذ أربعون رجلا يزيدون رجلا أو ينقصونه، منهم أعمامه أبو طالب وحمزة والعباس وأبو لهب، فقدّمت إليهم تلك الجفنة، فأخذ رسول اللَّه ﷺ منها حذية فشقّها بأسنانه ثم رمى بها في نواحيها وقال: كلوا باسم اللَّه. فأكل القوم حتى نهلوا عنه ما ترى إلا آثار أصابعهم، واللَّه إن كان الرجل الواحد ليأكل مثل ما قدّمت لجميعهم. ثم قال: اسق القوم، فجئتهم بذلك العسّ فشربوا حتى رووا جميعا، واللَّه إن كان الرجل الواحد منهم ليشرب مثله. وفي رواية من يأكل المسنّة ويشرب العسّ.
فلما أراد رسول اللَّه ﷺ أن يكلمهم بدره أبو لهب إلى الكلام فقال: لهدّ ما سحركم صاحبكم. فتفرقوا ولم يكلّمهم رسول اللَّه ﷺ .
فلما كان الغد قال يا علي عد لنا بمثل الذي صنعت بالأمس من الطعام والشراب ففعلت ثم جمعتهم إليه فصنع رسول اللَّه ﷺ كما صنع بالأمس فأكلوا وشربوا حتى نهلوا، ثم قال رسول اللَّه ﷺ : يا بني عبد المطلب، واللَّه ما أعلم شابّا من العرب جاء قومه بأفضل مما جئتكم به، أني قد جئتكم بأمر الدنيا والآخرة. ثم قال: من يؤازرني على ما أنا عليه؟ قال علي:
فقلت: أنا يا رسول اللَّه وإني أحدثهم سنّا وسكت القوم. ثم قالوا: يا أبا طالب ألا ترى ابنك.
قال: دعوه فلن يألوا ابن عمه خيرا
[ (٢) ] .
تنبيه في بيان غريب ما سبق
يبادي: قال في النور: الظاهر أنه بالموحدة أي يجاهر.
стр. 899
ضاق به ذرعا: يقال ضاق بالأمر ذرعا أي عجز عن احتماله، وذرع الإنسان: طاقته التي يبلغها.
أسرة الرجل: وزان غرفة: رهطه.
يربأ أهله، بمثناة تحتية فراء فباء موحدة فهمزة، يقال ربأت القوم أربؤهم ربأ: كنت طليعة لهم فوق شرف خوفا أن يكبسهم العدوّ على غرّة.
الحذيّة [ (١) ] : تصغير حذوة بضم الحاء المهملة وكسرها وسكون الذال المعجمة: القطعة من اللحم. وقيل: إذا كسرت الحاء كانت بمعنى أن يقطع اللحم طولا.
المسنة: الشاة التي سقطت ثناياها.
العسّ [ (٢) ] : بضم العين وبالسين المهملة المشددة: القدح الكبير.
نهلوا: بنون: أي شربوا حتى رووا.
لهدّ [ (٣) ] : بفتح اللام والهاء والدال المشددة: كلمة يتعجب بها، فيقال: لهدّ الرجل أي ما أجلده، ويقال إنه لهدّ الرجل، أي لنعم الرجل وذلك إذا أثني عليه لجلده وشدة بأسه. واللام فيه للتأكيد والمعنى هنا: لنعم ما سحركم به.
стр. 900
الباب السابع في مشي قريش إلى أبي طالب ليكفّ عنهم رسول الله ﷺ
قال الزّهري وابن إسحاق: فلما بادى رسول اللَّه ﷺ قومه بالإسلام وصدع به كما أمره اللَّه لم يبعد منه قومه ولم يردّوا عليه، حتى ذكر آلهتهم وعابها.
قال العتقي: وكان ذلك سنة أربع.
فلما فعل ذلك أعظموه وناكروه وأجمعوا لخلافه وعداوته إلا من عصم اللَّه تعالى منهم بالإسلام وهم قليل مستخفون.
وحدب على رسول اللَّه ﷺ أبو طالب ومنعه وقام دونه، ومضى رسول اللَّه ﷺ على أمر اللَّه مظهرا لأمره لا يردّه عنه شيء.
فلما رأت قريش إن رسول اللَّه ﷺ لا يعتبهم من شيء أنكروه عليه من فراقهم وعيب آلهتهم، ورأوا أن عمه أبا طالب قد حدب عليه وقام دونه ولم يسلمه لهم، مشى رجال من أشرافهم إلى أبي طالب فقالوا: يا أبا طالب إن ابن أخيك قد سبّ آلهتنا وعاب ديننا وسفّه أحلامنا وضلّل آباءنا فإما أن تكفّه وإما أن تخلّي بيننا وبينه فإنك على مثل ما نحن عليه من خلافه فنكفيكه. فقال لهم أبو طالب قولا رفيقا وردّهم ردّا جميلا.
فانصرفوا عنه.
ومضى رسول اللَّه ﷺ على ما هو عليه يظهر دين اللَّه ويدعو إليه ثم شري الأمر بينه وبينهم حتى تباعد الرجال وتضاغنوا وأكثرت قريش من ذكر رسول اللَّه ﷺ بينها فتذامروا فيه وحضّ بعضهم بعضا عليه.
ثم إنهم مشوا إلى أبي طالب مرة أخرى فقالوا له: يا أبا طالب إن لك سنّا وإن لك شرفا ومنزلة فينا، وإنا قد استنهيناك من ابن أخيك فلم تنهه عنّا وإنا واللَّه لا نصبر على هذا من شتم آبائنا وتسفيه أحلامنا وعيب آلهتنا حتى تكفّه عنا أو ننازله وإياك في ذلك حتى يهلك أحد الفريقين. أو كما قالوا له. ثم انصرفوا عنه.
فعظم على أبي طالب فراق قومه وعداوتهم ولم يطب نفسا بإسلام رسول اللَّه ﷺ ولا خذلانه، فأرسل خلقه فقال: يا ابن أخي إن قومك قد جاءوني فقالوا لي كذا وكذا. للذي كانوا قالوا له. فأبق على نفسك وعليّ ولا تحملني من الأمر ما لا أطيق.
فظن أن رسول اللَّه ﷺ قد بدا لعمّه فيه بداء وأنه خاذله ومسلمه، وأنه قد ضعف عن
стр. 901
نصرته والقيام معه.
فقال له رسول اللَّه ﷺ : يا عمّ واللَّه لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في شمالي على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره اللَّه أو أهلك فيه ما تركته ثم استعبر رسول اللَّه ﷺ . فلما ولّى ناداه أبو طالب: اذهب يا ابن أخي فقل ما أحببت فو اللَّه لا أسلمك لشيء أبدا.
ثم قال أبو طالب:
واللَّه لن يصلوا إليك بجمعهم ... حتّى أوسّد في التّراب دفينا
فامضي لأمرك ما عليك غضاضة ... وابشر وقرّ بذاك منك عيونا
ودعوتني وزعمت أنّك ناصحي ... فلقد صدقت وكنت ثمّ أمينا
لولا الملامة أو حذاري سبّة ... لوجدتني سمحا بذاك مبينا
[ (١) ] قال في الروض: خص رسول اللَّه ﷺ الشمس باليمين لأنه الآية المبصرة وخصّ القمر بالشمال لأنه الآية الممحوّة. وخص ﷺ النيّرين حين ضرب المثل بهما لأن نورهما محسوس، فالنور الذي جاء به من عند اللَّه تعالى: يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ بِأَفْواهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ [التوبة ٣٢] فاقتضت بلاغة النبوّة لمّا أرادوه على ترك النور الأعلى أن يقابله بالنور الأدنى وأن يخص أعلى النيرين وهي الآية المبصرة بأشرف اليدين وهي اليمين، بلاغة لا مثلها وحكمة لا يجهل اللبيب فضلها. انتهى.
قال ابن إسحاق: ثم إن قريشا حين عرفوا أن أبا طالب قد أبى خذلان رسول اللَّه ﷺ وإسلامه، وإجماعه لفراقهم في ذلك وعداوتهم مشوا إليه بعمارة بن الوليد بن المغيرة فقالوا له: يا أبا طالب هذا عمارة بن الوليد أنهد فتى في قريش وأجمله، فخذه فلك عقله ونصره واتخذه ولدا فهو لك، وأسلم إلينا ابن أخيك هذا الذي قد خالف ديننا ودين آبائك وفرّق جماعة من قومك وسفّه أحلامهم فنقتله فإنما هو رجل برجل.
قال: واللَّه لبئس ما تسومونني! أتعطوني ابنكم أغذوه لكم وأعطيكم ابني تقتلونه! هذا واللَّه ما لا يكون أبدا، أرأيتم ناقة تحنّ إلى غير فصيلها؟
فقال المطعم بن عدي بن نوفل: واللَّه يا أبا طالب لقد أنصفك قومك وجهدوا على التخلّص مما تكره، فما أراك تريد أن تقبل منهم شيئا. فقال أبو طالب للمطعم: واللَّه ما أنصفوني ولكنك قد أجمعت خذلاني ومظاهرة القوم عليّ فاصنع ما بدا لك أو كما قال. فحقب الأمر وحميت الحرب وتنابذ القوم وبادر بعضهم بعضا.
فقال أبو طالب يعرّض بالمطعم بن عديّ يعمّ من خذله من بني عبد مناف ومن عاداه
стр. 902
من قبائل قريش ويذكر ما سألوه وما تباعد من أمرهم:
ألا قل لعمر والوليد ومطعم ... ألا ليت حظّي من حياطتكم بكر
من الخور خبخاب كثير رغاؤه ... رشّ على السّاقين من بوله قطر
تخلّف خلف الورد ليس بلاحق ... إذا ما علا الفيفاء قيل: له وبر
أرى أخوينا من أبينا وأمّنا ... إذا سئلا قالا إلى غيرنا الأمر
بلى لهما ولكن تجرجما ... كما جرجمت من رأس ذي علق صخر
أخصّ خصوصا عبد شمس ونوفلا ... هما نبذانا مثل ما نبذ الجمر
هما أغمزا للقوم في أخويهما ... فقد أصبحا منهم أكفّهما صفر
هما أشركا في المجد من لا أبا له ... من الناس إلا أن يرسّ له ذكر
وتيم ومخزوم وزهرة منهم ... وكانوا لنا مولى إذا بغي النّصر
فو اللَّه لا تنفكّ منّا عداوة ... ولا منهم ما كان من نسلنا شفر
[ (١) ] قال ابن إسحاق: ثم إن قريشا تذامروا بينهم على من في القبائل منهم من أصحاب رسول اللَّه ﷺ الذين أسلموا، فوثبت كلّ قبيلة على من فيهم من المسلمين يعذّبونهم ويفتنونهم عن دينهم، ومنع اللَّه تعالى رسوله ﷺ بعمه أبي طالب.
وقد قام أبو طالب حين رأى قريشا يصنعون ما يصنعون في بني هاشم وبني المطلب فدعاهم إلى ما هو عليه من منع رسول اللَّه ﷺ والقيام دونه فاجتمعوا إليه وقاموا معه وأجابوه إلى ما دعاهم إليه، إلا ما كان من أبي لهب عدوّ اللَّه الملعون.
فلما رأى أبو طالب من قومه ما سرّه في جدّهم معه وحدبهم عليه جعل يمدحهم ويذكر فضل رسول اللَّه ﷺ فيهم ومكانه منهم ليشد لهم رأيهم وليحدبوا معه على أمره فقال:
إذا اجتمعت يوما قريش لمفخر ... فعبد مناف سرّها وصميمها
وإن حصّلت أشراف عبد منافها ... ففي هاشم أشرافها وقديمها
وإن فخرت يوما فإنّ محمّدا ... هو المصطفى من سرّها وكريمها
تداعت قريش غثّها وسمينها ... علينا فلم تظفر وطاشت حلومها
وكنّا قديما لا نقرّ ظلامة ... إذا ما ثنوا صعر الخدود نقيمها
стр. 903
ونحمي حماها كلّ يوم كريهة ... ونضرب عن أحجارها من يرومها
بنا انتعش العود الذّواء وإنّما ... بأكتافنا تندى وتنمى أرومها
[ (١) ]
تفسير الغريب
حدب عليه، بفتح الهاء وكسر الدال المهملتين فموحدة: أي عطف عليه ومنعه، وأصل الحدب انحناء في الظهر، ثم استعير فيمن عطف على غيره ورقّ له.
لا يعتبهم: بضم أوله وكسر المثناة فوق: أي لا يرضيهم.
سفّه أحلامنا: بتشديد الفاء وبالهاء، وهو فعل ماض، أحلامنا مفعوله أي قال إنا قليلو العقل.
رفيقا: براء ففاء فمثناة تحتية فقاف.
ثم شري الأمر بينه وبينهم: بفتح الشين المعجمة فراء مكسورة فمثناة تحتية مفتوحة أي كثر وتزايد، يقال شرى البرق يشرى إذا كثر لمعانه ويقال أشرى الرجل أيضا إذا غضب.
تضاغنوا: تعادوا، والضّغن: العداوة والحقد.
فتذامروا [ (٢) ] : بالذال المعجمة: أي حضّ بعضهم بعضا على حربه وعداوته.
استنهيناك: أي طلبنا منك أن تنهاه.
أو ننازله وإياك: أي نحاربه وإياك.
يهلك: بكسر اللام.
فأبق: بقطع الهمزة فموحدة ساكنة: فعل أمر. بدا: يغير همز أي ظهر.
بداء: بفتح الموحدة ممدودا: أي نشأ له فيه رأى.
استعبر: أي دمعت عيناه.
أوسّد: أوضع.
غضاضة: أوضع.
غضاضة: نقصان.
الملامة: العذل.
السّبّة بالضم: العار.
стр. 904
خذلانه: أي تركه ونصرته.
إجماعه: عزمه.
بعمارة: بضم العين وتخفيف الميم: كان من أجمل الناس وله قصة مع النجاشي.
أنهد فتى [ (١) ] : بنون فهاء فدال مهملة: أي أشدّه وأقواه.
عقله بعين مهملة مفتوحة: أي ديته، وأصله أن القاتل كان إذا قتل قتيلا جمع الدية من الإبل فعقلها بفناء أولياء المقتول أي شدها في عقلها ليسلمها إليهم.
تسومونني: تكلّفونني.. أغذوه- بالغين والذال المعجمتين.
المطعم، بكسر العين، هلك كافرا قبل وقعة بدر.
المظاهرة: بالظاء المعجمة المشالة: المعاونة.
ما بدا لك: بغير همز أي ظهر.
فحقب الأمر: بحاء مهملة فقاف مكسورة فموحدة: أي زاد واشتد.
وتنابذ القوم بموحدة مفتوحة فذال معجمة أي تركوا ما كان بينهم من عهد.
قول أبي طالب: ألا ليت حظي من حفاظكم: بكسر الحاء، الحفاظ والحفيظة:
الغضب. وقال بعضهم: لا يكون الحفاظ إلا في الحرب خاصة.
قال أبو ذر: والقول الأول هو الصحيح. ويروى: من حياطتكم وهي الحفظ.
البكر: الفتيّ من الإبل أي أنّ بكرا من الإبل أنفع لي منكم، فليته لي بدلا من حياطتكم.
الخور: بضم الخاء المعجمة: جمع أخور وهو الضعيف.
خبخاب [ (٢) ] : يروى الخاء المعجمة وبالحاء المهملة وبالجيم. قال ابن السرّاج:
الجبجاب بالجيم: الكثيرة الكلام فاستعاره هنا للرغاء، والحبحاب- بالحاء المهملة: القصير.
وبالخاء المعجمة: الضعيف.
الفيفاء: القفر.
الورد بكسر الواو: الماء الذي ترده الإبل.
والوبر: دويّبة قدر الهر، أي يشبّه بالوبر لصغره. ويحتمل أن يكون أراد يصغر في العين.
لعلوّ المكان وبعده.
стр. 905
تجرجما [ (١) ] : بمثناة فوقية فجيم مفتوحتين فراء ساكنة فجيم: أي سقط وانحدر. يقال:
تجرجم الشيء إذا سقط.
ذو علق: بعين مهملة فلام مفتوحتين فقاف: جبل في ديار بني أسد، ترك صرف علق إما لأنه جعله اسم بقعة، وإما لأنه تركه لضرورة الشّعر.
أغمزا للقوم: أي سبّبا لهم الطعن فيهم، يقال: غمزت الرجل إذا طعنت فيه. الصّفر بكسر الصاد: الخالي.
إلا أن يرسّ له ذكر [ (٢) ] : أي يذكر ذلك خفيّا، يقال رسست الحديث إذا حدّثت به في خفاء،.
شفر بفتح الشين المعجمة وسكون الفاء: أي أحد.
سرّها وصميمها: أي خالصها وكريمها.
غثّها وسمينها: أصل الغث: اللحم الضعيف، فاستعاره هنا لمن ليس نسبه هناك.
طاشت: ذهبت.
حلومها: عقولها.
ثنوا: عطفوا.
صعر الخدود: بالعين المهملة: أي مائلة، يقال صعّر خدّه إذا أماله إلى جهة، فعل المتكبّر. ونضرب عن أحجارها: بحاء مهملة فجيم: أي ندفع عن حصونها ومعاقلها، يريد عن مواضعها المانعة. ومن رواه بالجيم والحاء أراد عن منازلها وبيوتها. والحجر هنا مستعار.
انتعش: حيّ وظهرت فيه الخضرة، وأصل نعش: رفع، يقال نعشه اللَّه أي رفعه وبه سمى النّعش نعشا.
العود الذّواء [ (٣) ] : بذال معجمة مشدّدة وبالهمز: الذي جفّت رطوبته ولم ينته إلى حد اليبس.
الأكناف: النواحي.
أرومها: جمع أرومة وهي الأصل.
стр. 906
الباب الثامن في إسلام حمزة بن عبد المطلب ﵁
روى ابن أبي حاتم عن الأجلح [ (١) ] قال: كان حمزة بن عبد المطلب رجلا حسن الشعر حسن الهيئة صاحب صيد، وأن رسول اللَّه ﷺ مر على أبي جهل فولع به أبو جهل وآذاه، فرجع حمزة من الصيد وامرأتان تمشيان خلفه فقالت إحداهما: لو علم ذا ما صنع أبو جهل بابن أخيه أقصر عن مشيته. فالتفت إليهما فقال: وما ذاك؟ قالت: أبو جهل فعل بمحمد كذا وكذا.
فدخلته الحميّة فجاء حتى دخل المسجد وفيه أبو جهل فعلا رأسه بقوسه ثم قال: ديني دين محمد، إن كنتم صادقين فامنعوني. ووثبت إليه قريش فقالوا: يا أبا يعلى. يا أبا يعلى فانزل اللَّه تعالى: إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ إلى قوله: وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوى [الفتح ٢٦.]
قال الأجلح: أراد حمزة بن عبد المطلب.
وروى ابن إسحاق قال: حدثني رجل من أسلم وكان واعية، والطبراني برجال ثقات، عن يعقوب عن عتبة بن المغيرة والطبراني برجال ثقات عن محمد بن كعب القرظي ﵏، إن أبا جهل مر برسول اللَّه ﷺ عند الصّفا فآذاه وشتمه ونال منه بعض ما يكره من العيب لدينه والتضعيف لأمره فلم يكلّمه رسول اللَّه ﷺ ، ومولاة لعبد اللَّه بن جدعان في مسكن لها تسمع ذلك، ثم انصرف عنه فعمد إلى نادي قريش عند الكعبة فجلس معهم، فلم يلبث حمزة بن عبد المطلب أن أقبل متوشّحا قوسه راجعا من قنص له، وكان صاحب قنص يرميه ويخرج له، فكان إذا رجع من قنصه لم يصل إلى أهله حتى يطوف بالكعبة، وكان إذا فعل ذلك لم يمرّ على نادي قريش إلا وقف وسلّم وتحدث معهم، وكان أعزّ فتى في قريش وأشدّه شكيمة فلمّا مرّ بالمولاة وقد رجع رسول اللَّه ﷺ إلى بيته قالت له: يا أبا عمارة: لو رأيت ما لقي ابن أخيك محمد آنفا من أبي الحكم ابن هشام، وجده هنا جالسا فآذاه وسبّه وبلغ منه ما يكره، ثم انصرف عنه ولم يكلّمه محمد.
فاحتمل حمزة الغضب لما أراد اللَّه تعالى به من كرامته، فخرج يسعى لم يقف على أحد معدّا لأبي جهل إذا لقيه أن يقع به، فلما دخل المسجد نظر إليه جالسا في القوم فأقبل
стр. 907
نحوه، حتى إذا قام على رأسه رفع القوس فضربه بها فشجّه بها شجة منكرة وقال: أتشتمه وأنا على دينه أقول ما يقول؟ فردّ على ذلك أن استطعت.
فقامت رجال من بني مخزوم إلى حمزة لينصروا أبا جهل فقال أبو جهل: دعوا أبا عمارة فإني واللَّه قد سببت ابن أخيه سبّا قبيحا.
زاد يونس بن بكير عن ابن إسحاق: ثم رجع حمزة إلى بيته فقال: أنت سيّد قريش اتبعت هذا الصابئ وتركت دين آبائك؟ للموت خير لك مما صنعت. وقال: اللهم إن كان رشدا فاجعل تصديقه في قلبي، وإلا فاجعل لي مما وقعت فيه مخرجا. فبات بليلة لم يبت مثلها من وسوسة الشيطان، حتى أصبح فغدا على رسول اللَّه ﷺ فقال: يا ابن أخي إني قد وقعت في أمر لا أعرف المخرج منه وإقامة مثلي على ما لا أدري ما هو أرشد أم هو غيّ شديد فحدّثني حديثا فقد اشتهيت يا ابن أخي أن تحدّثني.
فأقبل رسول اللَّه ﷺ فذكّره ووعظه وخوّفه وبشّره، فألقى اللَّه تعالى في قلبه الإيمان بما قال رسول اللَّه ﷺ فقال: أشهد إنّكم لصادق فأظهر يا ابن أخي دينك فو اللَّه ما أحب أن لي ما أظلّته المساء وأني على ديني الأول.
وتمّ حمزة على إسلامه وعلى ما بايع عليه رسول اللَّه ﷺ من قوله.
فلما أسلم حمزة عرفت قريش إن رسول اللَّه ﷺ عزّ وامتنع، فكفّوا عن بعض ما كانوا ينالون منه. وقال حمزة حين أسلم:
حمدت اللَّه حين هدى فؤادي ... إلى الإسلام والدّين الحنيف
لدين جاء من ربّ عزيز ... خبير بالعباد بهم لطيف
إذا تليت رسائله علينا ... تحدّر دمعه ذي اللّبّ الحصيف
رسائل جاء أحمد من هداها ... بآيات مبيّنة الحروف
وأحمد مصطفى فينا مطاع ... فلا تغسوه بالقول الضّعيف
فلا واللَّه نسلمه لقوم ... ولمّا نقض فيهم بالسّيوف
ونترك منهم قتلى بقاع ... عليها الطّير كالورد العكوف
وقد خبّرت ما صنعت ثقيف ... به فجزى القبائل من ثقيف
إليه النّاس شرّ جزاء قوم ... ولا أسقاهم صوب الخريف
[ (١) ]
стр. 908
تفسير الغريب
داعية: حافظا لما يسمع.
ابن جدعان: بضم الجيم وإسكان الدال، ثم عين مهملتين: هلك على كفره.
فعمد: بفتح الميم في الماضي وكسرها في المستقبل.
إلى ناد من قريش: أي أهل ناد من قريش.
القنص: بفتح القاف والنون وبالصاد المهملة: الصيد.
الشّكيمة [ (١) ] : بفتح الشين المعجمة وكسر الكاف فمثناة تحتية ساكنة فميم مفتوحة فهاء تأنيث، يقال فلان شديد الشكيمة إذا كان عزيز النفس أبيّا قويا وأصله من شكيمة اللجام وهي الحديدة المعترضة في فم الفرس.
آنفا: بمد الهمزة وقصرها أي الآن والساعة.
فاحتمل حمزة: مفعول مقدّم والغضب: فاعل مؤخر.
فشجّه أي أثّر في رأسه أثرا.
أتشتمه: بكسر المثناة الثانية ويجوز ضمها. حكاه ابن دريد. وعلى ما تابع: بالمثناة الفوقية وبعد الألف باء موحدة. وفي بعض النسخ الصحيحة: بايع بالموحدة وبالمثناة بعد الألف، من المبايعة، والأول أظهر من سياق القصة. واللَّه تعالى أعلم.
стр. 909
الباب التاسع في إرسال قريش عتبة بن أبي ربيعة لرسول الله ﷺ يعرض عليه أشياء ليكف عنهم
روى ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وأبو يعلى والحاكم وصححه عن جابر بن عبد الله والبيهقي وابن عساكر عن ابن عمر رضي اللَّه تعالى عنهم قالا: اجتمع نفر من قريش يوما فقالوا: انظروا أعلمكم بالسّحر والكهانة والشّعر فليأت هذا الرجل الذي فرّق جماعتنا وشتّت أمرنا وعاب ديننا، فليكلّمه ولينظر ماذا يردّ عليه.
فقالوا: ما نعلم أحدا غير عتبة بن ربيعة.
وعند ابن إسحاق وابن المنذر عن محمد بن كعب القرظي: أن عتبة بن ربيعة قال يوما، وكان جالسا في نادي قريش، والنبي ﷺ جالس في المسجد وحده: يا معشر قريش ألا أقوم إلى محمد فأكلمه وأعرض عليه أمورا لعله يقبل بعضها فنعطيه أيّها شاء ويكفّ عنا. وذلك حين أسلم حمزة ورأوا أصحاب رسول اللَّه ﷺ يزيدون ويكثرون. فقالوا: بلى يا أبا الوليد فقم إليه فكلّمه.
وروى أبو يعلى [ (١) ] بسند جيد عن جابر بن عبد الله رضي اللَّه تعالى عنهما قال: اجتمعت قريش للنبي ﷺ يوما فقالوا: انظروا أعلمكم بالسحر والكهانة والشّعر فليأت هذا الرجل الذي فرّق جماعتنا وشتّت أمرنا وعاب ديننا فيكلّمه ولينظر ما يرد عليه فقالوا: ما نعلم أحدا غير عتبة بن ربيعة فقالوا: أنت أبا الوليد. انتهى.
فقام عتبة حتى جلس إلى رسول اللَّه ﷺ فقال يا ابن أخي إنك منا حيث قد علمت من السّطة في العشيرة والمكان في النّسب وإنك قد أتيت قومك بأمر عظيم فرّقت به جماعتهم وسفّهت أحلامهم وعبت آلهتهم ودينهم وكفّرت من مضى من آبائهم، يا محمد أنت خير أم عبد الله؟ فسكت رسول اللَّه ﷺ فقال: أنت خير أم عبد المطلب؟ فسكت رسول اللَّه ﷺ .
قال: فإن كنت تزعم أن هؤلاء خير منك فقد عبدوا الآلهة، وإن كنت تزعم أنك خير منهم فتكلّم نسمع قولك، إنا واللَّه ما رأينا سخلة قط أشأم على قومك منك، فرّقت جماعتنا وأشتّت أمرنا وعبت ديننا وفضحتنا في العرب، حتى طار فيهم أن في قريش ساحرا وأن في قريش كاهنا واللَّه ما ننتظر إلا مثل صيحة الحبلى أن يقوم بعضنا بعضا إليك بالسيوف حتى نتفانى، أيها الرجل فاسمع مني أعرض عليك أمورا تنظر فيها لعلك تقبل منا بعضها.
стр. 910
فقال له رسول اللَّه ﷺ : قل أبا الوليد أسمع.
قال: يا ابن أخي، إن كنت إنما تريد بما جئت به من هذا الأمر مالا جمعناه لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالا، وإن كنت تريد به الشّرف سّودناك علينا حتى لا نقطع أمرا دونك، وإن كنت تريد ملكا ملّكناك علينا، وإن كان هذا الذي يأتيك رئيّا لا تستطيع ردّه عن نفسك طلبنا لك الطبّ وبذلنا فيه أموالنا حتى نبرئك منه، فإنه ربما غلب التابع على الرجل حتى يداوى منه. أو كما قال له.
حتى إذا فرغ عتبة ورسول اللَّه ﷺ يسمعه منه قال له: أقد فرغت أبا الوليد؟ قال: نعم.
قال: فاسمع مني قال: أفعل.
قال رسول اللَّه ﷺ : بسم اللَّه الرحمن الرحيم حم اللَّه أعلم بمراده به. تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ مبتدأ كِتابٌ خبره فُصِّلَتْ آياتُهُ بيّنت بالأحكام والقصص والمواعظ قُرْآناً عَرَبِيًّا حال من الكتاب بصفته لِقَوْمٍ يتعلق بفصلت يَعْلَمُونَ يفهمون ذلك وهم العرب أو أهل العلم والنظر وهو صفة أخرى لقرآنا بَشِيراً للعالمين به وَنَذِيراً للمخالفين له فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ عن تدبّره وقبوله فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ سماع تأمل وطاعة وَقالُوا للنبي. قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ أغطية جمع كنان وَفِي آذانِنا وَقْرٌ صمم وأصله الثقل وَمِنْ بَيْنِنا وَبَيْنِكَ حِجابٌ خلاف في الدين فَاعْمَلْ على دينك إِنَّنا عامِلُونَ على ديننا.
ومضى رسول اللَّه ﷺ فيها يقرؤها عليه، فلما سمعه عتبة أنصت لها وألقى يديه خلف ظهره معتمدا عليهما، فسمع منه إلى أن بلغ: فَإِنْ أَعْرَضُوا أي كفار مكة من الإيمان بعد هذا البيان فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ خوَّفتكم صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وَثَمُودَ [فصلت ١٣] منع من الصرف للعلمية والتأنيث لأنه أريد به القبيلة، أي عذابا يهلككم مثل ما أهلكهم.
فأمسك عتبة على فيه وناشده الرّحم أن يكفّ عنه، ثم انتهى رسول اللَّه ﷺ إلى السّجدة منها فسجد ثم قال: قد سمعت أبا الوليد ما سمعت فأنت وذاك، فقال: ما عندك غير هذا؟ فقال: ما عندي غير هذا.
فقام عتبة ولم يعد إلى أصحابه واحتبس عنهم فقال أبو جهل: واللَّه يا معشر قريش ما نرى عتبة إلا قد صبا إلى محمد وأعجبه طعامه، وما ذاك إلا من حاجة أصابته فانطلقوا بنا إليه.
فأتوه. فقال أبو جهل: واللَّه يا عتبة ما جئناك إلا أنك قد صبوت إلى محمد وأعجبك أمره فإن كان لك حاجة جمعنا لك من أموالنا ما يغنيك عن طعام محمد.
стр. 911
فغضب وأقسم لا يكلّم محمدا أبدا وقال: لقد علمتم أني من أكثر قريش مالا ولكني أتيته، فقصّ عليهم القصة.
قالوا: فما أجابك؟ قال: واللَّه الذي نصها بنيّة ما فهمت شيئا مما قال غير أنه أنذركم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود فأمسك بفيه وناشدته الرحم أن يكفّ وقد علمتم أن محمدا إذا قال شيئا لم يكذب فخفت أن ينزل عليكم العذاب.
قالوا: ويك يكلّمك الرجل بالعربية لا تدري ما قال؟! قال: والله ما سمعت مثله، واللَّه ما هو بالشّعر ولا بالسّحر ولا بالكهانة، يا معشر قريش أطيعوني واجعلوها بي وخلّوا بين الرجل وبين ما هو فيه فاعتزلوه فواللَّه ليكونن لقوله الذي سمعت نبأ فإن تصبه العرب فقد كفيتموه بغيركم، وإن يظهر على العرب فملكه ملككم وعزّه عزكم وكنتم أسعد الناس به، يا قوم أطيعوني في هذا الأمر واعصوني بعده، فو اللَّه لقد سمعت من هذا الرجل كلاما ما سمعت أذناي كلاما مثله وما دريت ما أردّ عليه.
قالوا: سحرك واللَّه يا أبا الوليد.
قال: هذا رأيي فيه فاصنعوا ما بدا لكم.
تفسير الغريب
السّطة- بكسر السين وفتح الطاء المهملتين- أي من الوسط حسبا ونسبا، وأصل الكلمة الواو، والهاء عوض عن الواو كعدة من الوعد. وتقدم ذلك في سفره إلى الشام ونكاحه خديجة.
سفّهت أحلامنا: أي قلت إنهم صغير والعقل.
أعرض عليك: وهو مجزوم جواب شرط مقدّر ويجوز رفعه، وكذلك قوله أسمع.
رئيّا [ (١) ] : الرئي: التابع من الجن بوزن كمي، وهو فعيل أو مفعول سمي به لأنه يتراءى لمتبوعه أو هو من الرّأي من قولهم: فلان رئي قومه. إذا كان صاحب رأيهم وقد تكسر راؤه لإتباعها ما بعدها.
الطّب: مثلث الطاء: العلاج في النفس والجسم.
يداوى: يفتح الواو مبنى للمفعول.
أفعل: بالجزم جواب شرط مقدر ويجوز رفعه.
стр. 912
الباب العاشر في أسئلة المشركين رسول الله ﷺ أنواعاً من الآيات وخرق العادات على وجه العناد لا على وجه الهدى والرشاد
فلهذا لم يجابوا إلى كثير مما سألوا لعلم اللَّه أنهم لو عاينوا أو شاهدوا ما أرادوا لاستمروا في طغيانهم يعمهون ولظلّوا في غيهم وضلالهم يتردّدون، فقد كانوا رأوا من دلائل النبوة ما فيه شفاء لمن أنصف.
قال اللَّه تعالى: أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ [العنكبوت ٥١] .
وفي هذا المعنى قيل:
لو لم تكن فيه آياتٌ مبيّنةٌ ... كانت بداهته تنبيك بالخبر
قال اللَّه تعالى: لَوْ أَنَّنا نَزَّلْنا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتى كما طلبوا وَحَشَرْنا جمعنا عليهم كُلَّ شَيْءٍ طلبوه قُبُلًا بكسر القاف وفتح الباء أي معاينة، فنصبه مصدر في موضع الحال، وبضمها جمع قبيل أي فوجا فوجا، فنصبه حال من كلّ وإن كان نكرة نافية من العموم، أي: ولو جئناهم بالملائكة قبيلا قبيلا وبما طلبوا ورأوا ذلك معاينة ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ استثناء منقطع أو متصل أي ما كانوا ليؤمنوا إلا في حال مشيئة اللَّه وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ أي الكفار يَجْهَلُونَ. فيحلفون أنهم يؤمنون عند نزول الآيات. أو المؤمنون يجهلون أن الكافرين لا يؤمنون فيطلبون نزول الآيات ليؤمنوا.
قال في الروض: وكان سؤالهم تلك الآيات جهلا منهم بحكمة اللَّه تعالى في امتحانه الخلق وتعبّدهم بتصديق الرسل وأن يكون إيمانهم عن نظر وفكر في الأدلة، فيقع الثواب على حسب ذلك، ولو كشف الغطاء وحصل لهم العلم الضروري لطلب الحكمة التي من أجلها يكون الثواب والعقاب إذ لا يؤجر الإنسان على ما ليس من كسبه كما لا يؤجر على ما خلق فيه من لون وشعر ونحو ذلك، وإنما أعطاهم من الدليل ما يقتضي النظر فيه العلم الكسبي.
وروى ابن إسحاق وابن جرير والبيهقي عن ابن عباس [ (١) ] أن أشراف قريش من كل قبيلة اجتمعوا عند غروب الشمس عند ظهر الكعبة، ثم قال بعضهم لبعض: ابعثوا إلى محمد فكلّموه وخاصموه حتى تعذروا فيه. فبعثوا إليه فجاءهم رسول اللَّه ﷺ سريعا، وهو يظن أن
стр. 913
قد بدا لهم فيما يكلمهم فيه بداء، وكان حريصا عليهم يحب رشدهم ويعزّ عليه عنتهم، حتى جلس إليهم فقالوا: يا محمد إنا قد بعثنا إليك لنكلمك، وإنا والله ما نعلم رجلاً من العرب أدخل على قومه ما أدخلت على قومك، لقد شتمت الآباء وعبت الدين وشتمت الآلهة وسفّهت الأحلام، وفرّقت الجماعة، فما بقي أمر قبيح إلّا قد جئته فيما بيننا وبينك. أو كما قالوا له. فإن كنت إنما جئت بهذا الحديث تطلب به مالا جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالا وإن كنت إنما تريد به الشرف فينا فنحن نسوّدك علينا، وإن كنت تريد به ملكا ملّكناك علينا، وإن كان هذا الذي يأتيك رئيّا تراه قد غلب عليك- وكانوا يسمون التابع من الجن رئيّا- فربما كان ذلك بذلنا أموالنا في طلب الطبّ لك حتى نبرئك منه أو نعذر فيك.
فقال لهم رسول اللَّه ﷺ : ما بي ما تقولون، ما جئت به أطلب أموالكم ولا الشرف فيكم ولا الملك عليكم، ولكن اللَّه تعالى بعثني إليكم رسولا وأنزل عليّ كتابا وأمرني أن أكون لكم بشيرا ونذيرا، فبلّغتكم رسالات ربي ونصحت لكم فإن تقبلوا مني ما جئتكم به فهو حظّكم في الدنيا والآخرة وإن تردّوه عليّ أصبر لأمر اللَّه حتى يحكم اللَّه بيني وبينكم. أو كما قال رسول اللَّه ﷺ .
قالوا: يا محمد إن كنت غير قابل منا شيئا مما عرضنا لك فإنك قد علمت أنه ليس أحد أضيق بلدا ولا أقلّ مالا ولا أشدّ عيشا منا، فاسأل لنا ربّك أنهارا كأنهار العراق والشام، وليبعث لنا من مضى من آبائنا، وليكن ممن يبعث لنا منهم قصي بن كلاب، فإنه كان شيخ صدق فنسألهم عما تقول: أحقّ هو أم باطل، فإن صدّقوك وصنعت ما سألناك صدّقناك وعرفنا منزلتك من اللَّه وأنه بعثك إلينا رسولا كما تقول.
فقال لهم رسول اللَّه ﷺ : ما بهذا بعثت لكم، إنما جئتكم من اللَّه بما بعثني به وقد بلّغتكم ما أرسلت به إليكم، فإن تقبلوه فهو حظكم في الدنيا والآخرة، وإن تردّوه أصبر لأمر اللَّه حتى يحكم اللَّه بيني وبينكم.
قالوا: فإذا لم تفعل فخذ لنفسك، سل ربّك يبعث معك ملكا يصدّقك بما تقول ويراجعنا عنك، وسله فليجعل لك جنانا وقصورا وكنوزا من ذهب وفضة يغنيك بها عما نراك تبتغي، فإنك تقوم بالأسواق وتلتمس الرزق وتلتمس المعاش كما نلتمسه، حتى نعرف فضلك ومنزلتك إن كنت رسولا.
فقال لهم رسول اللَّه ﷺ : ما أنا بفاعل، ما أنا بالذي سأل ربّه هذا وما بعثت إليكم بهذا، ولكن اللَّه بعثني بشيرا ونذيرا أو كما قال. فإن تقبلوا ما جئتكم به فهو حظّكم في الدنيا والآخرة، وإن تردّوه عليّ أصبر لأمر اللَّه حتى يحكم اللَّه بيني وبينكم.
стр. 914
قالوا: فأسقط السماء علينا كسفا كما زعمت أن ربك إن شاء فعل، فإنا لا نؤمن لك إلا أن تفعل.
فقال رسول اللَّه ﷺ : ذلك إلى اللَّه ، إن شاء أن يفعله بكم فعله.
قالوا: يا محمد فما علم ربّك أنا سنجلس معك ونسألك عما سألناك عنه ونطلب إليك ما نطلب فيتقدم إليك فيعلمك ما تراجعنا به ويخبرك ما هو صانع في ذلك بنا إذا لم نقبل منك ما جئتنا به؟ إنه قد بلغنا أنك إنما يعلّمك هذا رجل باليمامة يقال له: الرحمن، وإنا واللَّه لا نؤمن بالرحمن أبدا فقد أعذرنا إليك يا محمد، وإنا واللَّه لا نتركك وما بلغت منا حتى نهلكك أو تهلكنا.
وقال قائلهم: نحن نعبد الملائكة وهي بنات اللَّه. وقال قائلهم: لن نؤمن لك حتى تأتينا باللَّه والملائكة قبيلا.
فلما قالوا ذلك لرسول اللَّه ﷺ قام عنهم وقام معه عبد الله بن أبي أميمة بن المغيرة بن عبد الله بن مخزوم، وهو ابن عمته وهو لعاتكة بنت عبد المطلب، وأسلم بعد ذلك رضي اللَّه تعالى عنه، فقال: يا محمد عرض عليك قومك ما عرضوا فلم تقبله منهم، ثم سألوك لأنفسهم أمورا ليعرفوا بها منزلتك من اللَّه تعالى كما تقول ويصدّقوك ويتّبعوك فلم تفعل، ثم سألوك أن تأخذ لنفسك ما يعرفون به فضلك عليهم ومنزلتك من اللَّه فلم تفعل ثم سألوك أن تعجّل لهم بعض ما تخوّفهم به من العذاب فلم تفعل. أو كما قال له. فو اللَّه لا أومن بك أبدا حتى تتخذ إلى السماء سلّما ثم ترقى فيه وأنا أنظر إليك حتى تأتيها ثم تأتي بصكّ معه أربعة من الملائكة يشهدون لك أنك كما تقول وأيم اللَّه إن لو فعلت ذلك ما ظننت أني أصدّقك، ثم انصرف عن رسول اللَّه ﷺ .
وانصرف رسول اللَّه ﷺ إلى أهله حزينا آسفا لما فاته مما كان يطمع به من قومه حين دعوه، لما رأى من مباعدتهم إياه.
فلما قام عنهم قال أبو جهل: يا معشر قريش إن محمدا قد أبى إلا ما ترون من عيب ديننا وشتم آبائنا وتسفيه أحلامنا وشتم آلهتنا، وإني أعاهد اللَّه لأجلسن له غدا بحجر ما أطيق حمله.
أو كما قال. فإذا سجد في صلاته فضخت به رأسه فأسلموني عند ذلك أو امنعوني، فليصنع بعد ذلك بنو عبد مناف ما بدا لهم. قالوا: واللَّه لا نسلمك لشيء أبدا فامض لما تريد.
فلما أصبح أبو جهل أخذ حجرا كما وصف، ثم جلس لرسول اللَّه ﷺ ينتظره، وغدا رسول اللَّه ﷺ كما كان يغدو وكان بمكة وقبلته إلى الشام، وكان إذا صلى صلى بين الركنين، الركن اليماني والحجر الأسود، وجعل الكعبة بينه وبين الشام، فقام رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم
стр. 915
يصلي وقد غدت قريش وجلسوا في أنديتهم ينتظرون ما أبو جهل فاعل، فلما سجد رسول اللَّه ﷺ احتمل أبو جهل الحجر ثم أقبل نحوه حتى إذا دنا منه رجع مهزوما منتقعا لونه مرعوبا قد يبست يداه على حجره حتى قذف بالحجر من يده.
وقامت إليه رجال من قريش فقالوا: ما بك يا أبا الحكم؟ قال: قمت إليه لأفعل ما قلت لكم البارحة، فلما دنوت منه عرض لي دونه فحل من الإبل لا واللَّه ما رأيت مثل هامته ولا قصرته ولا أنيابه لفحل قط، فهمّ بي أن يأكلني.
فقال النبي ﷺ : ذاك جبريل لو دنا لأخذه.
قال ابن إسحاق: وأنزل اللَّه تعالى فيما سأله قومه لأنفسهم من تسيير الجبال وتقطيع الأرض وبعث من مضى من آبائهم: وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ نقلت بِهِ الْجِبالُ عن أماكنها أَوْ قُطِّعَتْ شققت به الأرض فجعلت أنهارا وعيونا أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتى بأن يحيوا وجواب لو محذوف اكتفي بمعرفة السامعين مراده وتقديره: لكان هذا القرآن أو وهم يكفرون بالرحمن وإن أجيبوا إلى سؤالهم من تسيير الجبال وتقطيع الأرض وتكليم الموتى بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ أي أمر خلقه جَمِيعاً فيتصرف فيهم كيف يشاء.
وأنزل أيضا: وَما مَنَعَنا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآياتِ التي اقترحها أهل مكة إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ لما أرسلناها فأهلكناهم ولو أرسلناها إلى هؤلاء لكذّبوا بها واستحقّوا الإهلاك، وقد حكمنا بإمهالهم لإتمام أمر محمد ﷺ .
قال ابن إسحاق: وأنزل اللَّه في قولهم: خذ لنفسك سل ربك أن يبعث معك ملكا يصدّقك إلى آخره: وَقالُوا مالِ هذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْواقِ لَوْلا هلا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً يصدّقه أَوْ يُلْقى إِلَيْهِ كَنْزٌ من السماء ينفقه ولا يحتاج إلى المشي في الأسواق لطلب المعاش أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ بستان يَأْكُلُ مِنْها أي من ثمارها فيكتفي بها وفي قراءة: نأكل بالنون أي نحن فيكون له علينا مزيّة بها. وَقالَ الظَّالِمُونَ أي الكافرون للمؤمنين إِنْ ما تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُوراً مخدوعا مغلوبا على عقله قال تعالى: انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ بالمسحور والمحتاج إلى ما ينفقه وإلى ملك يقوم معه بالأمر فَضَلُّوا بذلك عن الهدى فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا طريقا إليه تَبارَكَ تكاثر خير الَّذِي إِنْ شاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْراً مِنْ ذلِكَ الذي قالوا من الكنز والبستان جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ أي في الدنيا لأنه شاء أن يعطيه إياها في الآخرة وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُوراً أيضا إلى قوله تعالى: وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْواقِ فأنت مثلهم في ذلك وقد قيل هم كما قد قيل لك وَجَعَلْنا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً بلية ابتلي بها الغنيّ بالفقير والصحيح