Полный текст (2 260 стр.). Показаны 1856–1895 · переход к 1861.
стр. 1856
(١٣) (باب من جعل عتق الأمة صداقها)
٩٧٥/ ٥٠٨٦ - قال أبو عبد الله: حدثنا قطيبة بن سعيد قال: حدثنا حماد بن زيد، عن ثابت وشعيب بن الحبحاب، عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ أعتق صفية وجعل عتقها صداقها.
قلت: قد ذهب غير واحد من الفقهاء أن ذلك خاص للنبي ﷺ وقد كان مخصوصا في باب المناكح بأمور لم يشركه فيها أحد من أمته.
وقد تأوله بعضهم على معنى السلب، أي لم يجعل لها صداقا غير عتقها. وقيل: أنه أراد بصداق العتق قيمة رقبتها، فإذا أعتق الرجل أمته على أن تزوج نفسها منه وقع العتق ولم يلزمها أن تنكحه وعليها قيمتها، فإن شاءت أن تنكحه وتكون القيمة التي له عليها مهرا جاز ذلك.
وذهب أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه إلى ظاهر الحديث وقالا: إذا (أعتقها) على ذلك لزمها التزوج ومان عتقها عوضا عن بضعها، وهو قول سعيد بن المسيب والحسن وإبراهيم النخعي.
стр. 1857
(١٤) (باب تزويج المعسر)
٩٧٦/ ٥٠٨٧ - قال أبو عبد الله: حدثنا قتيبة قال: حدثنا عبد العزيز ابن أبي حازم، عن أبيه، عن سهل بن سعد الساعدي قال: جاءت امرأة إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله جئت أهب لك نفسي، فنظر إليها رسول الله ﷺ ، ثم طأطأ رأسه، فلما رأت المرأة أنه لم يقض فيها شيئا، جلست، فقام رجل من أصحابه فقال: يا رسول الله إن لم يكن لك فيها حاجة، فزوجنيها. فقال: وهل عندك شيء؟ فقال: لا والله يا رسول الله.
فقال: اذهب إلى أهلك، فانظر هل تجد شيئا؟ فذهب، ثم رجع فقال: والله ما وجدت شيئا. فقال: انظر ولو خاتما من حديد، فذهب، ثم رجع. فقال: لا والله يا رسول الله ولا خاتما من حديد. فقال: ماذا معك من القرآن؟ قال: سورة كذا وسورة كذا عددها فقال: تقرأهن عن ظهر قلبك؟ قال: نعم. قال: اذهب فقد ملكتكها بما معك من القرآن.
стр. 1858
فيه من الفقه: أن المهر لا حد لأقله/، وفيه أن المال غير معتبر في باب (الكفاءة) وفيه أن الأجرة على تعليم القرآن جائزة.
وفيه أن ما جاز عليه الإجارة جاز أن يكون مهرا.
والباء في قوله: بما معك، معناه التعويض، كما تقول: بعتك هذا الثوب بدينار أو بعشرة دراهم ولو كان معناه أنه زوجه إياها من أجل حفظه القرآن تفضيلا له، لحصلت المرأة موهوبة بلا مهر وهذا خصوصية للنبي ﷺ ليست لغيره.
وفيه دليل على أن العقد قد يصح بغير لفظ النكاح والتزويج. ألا تراه يقول: قد ملكتكها بما معك من القرآن وأكثر أهل العلم على إبطال النكاح على تعليم القرآن، وأجازه الشافعي قولا بالحديث، وهو قول أحمد بن حنبل إلا أنه (قال) أكرهه.
стр. 1859
(١٥) (باب الأكفاء في الدين)
٩٧٧/ ٥٠٨٩ - قال أبو عبد الله: حدثنا عبيد بن إسماعيل قال: حدثنا أبو أسامة، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة قالت: دخل رسول الله ﷺ على ضباعة بنت الزبير فقال لها: لعلك أردت الحج. قالت: والله ما أجدني إلا وجعة. فقال لها: حجي واشترطي وقولي: اللهم محلي حيث حبستني.
قلت: في هذا الحديث دليل على أن الإحصار لا يقع إلا بعدو مانع وأن المرض وسائر العوائق لا يقع بها الإحلال ولو كان يقع بها الإحلال لما احتاجت إلى هذا الشرط وهو قول ابن عباس حين قال:
стр. 1860
لا حصر إلا حصر العدو. وكذلك روى معناه عن ابن عمر وذهب بعض أهل العلم إلى أن ذلك شيء خاص كان لها، كما كان الإذن في فسخ الحج خاصا لأصحابه.
قلت: وفي قوله: محلي حيث حبستني، دليل على أن المحصر يحل حيث يحبس وينحر بدنة هناك حرما كان أو حلا.
стр. 1861
(١٨) (باب الحرة تحت العبد)
٩٧٨/ ٥٠٩٧ - قال أبو عبد الله: حدثنا عبد الله بن يوسف قال: حدثنا مالك، عن ربيعة بن عبد الرحمن، عن القاسم بن محمد، عن عائشة قالت: كان في بريرة ثلاث سنن: أعتقت، فخيرت. وقال رسول الله ﷺ (الولاء لمن أعتق) ودخل رسول الله عليه وسلم وبرمة على النار، فقرب إليه خبز وأدم من أدم البيت فقال: ألم أر البرمة؟ فقيل: لحم تصدق على بريرة وأنت لا تأكل الصدقة. قال: هو لها/ صدقة ولنا هدية.
قال الشافعي: الأصل في المكافأة حديث بريرة، وذلك لأن زوجها كان عبدا، فلما استفادت الحرية فضلتها بها، فكان الخيار في المقام معه أو الفراق.
وقوله ﷺ : هو لها صدقة ولنا هدية، يريد أنه إنما كان صدقة قبل الاستحقاق، فلما ملكته بالقبض بطل معنى الصدقة وصار لنا بالإذن منها في أكله بمعنى الهدية.
وفيه دليل: على أن من قدم إلى رجل طعاما، فإن له أن يستوفيه أكلا، وإن شاء أن يطعمه غيره، كان له ذلك، وإن شاء
стр. 1862
أن يحمله إلى منزله فعل، ذلك لأنه إذا كان بمنزلة الهدية المقبوضة كان له أن يتصرف فيه تصرف الملاك، وهذا إذا كان قد خلى بينه وبين ذلك، فإن كان قد أضافه، فأجلسه على مائدته كان له أن يأكل منها بالمعروف ولا يحمل منها شيئا إلا بإذنه ولا يطعم غيره إلا بإذنه. وقد استحسن بعض أهل العلم لأهل المائدة الواحدة أن يناول بعضهم بعضا مما بين أيديهم. قال: فإن أكلوا على مائدتين لم يكن لأهل إحدى المائدتين أن يناولوا أهل المائدة الأخرى.
وذهب بعض أهل العلم إلى أن من قدم إلى رجل طعاما ليأكله فإنه لا يجري مجرى التمليك، وله أ، يحول بينه وبين إذا شاء وهذا على قول من يذهب إلى أن الرجل إذا غصب طعاما لرجل، ثم أطعمه إياه وهو لا يعلم أنه عين ماله، فإنه لا يبرأ منه.
стр. 1863
(٢٠) (باب ﴿أمهاتكم اللاتي أرضعنكم﴾)
٩٧٩/ ٥١٠١ - قال أبو عبد الله: حدثنا الحكم بن نافع قال: حدثنا شعيب، عن الزهري قال: أخبرني عروة بن الزبير، عن زينب بنت أبي سلمة لما مات أبو لهب اريه بعض أهله بشر حيبة. قال له: ماذا لقيت؟ قال أبو لهب: لم ألق غير أني سقيت في هذه بعتاقتي ثوبية.
قوله: بشر حيبة، يعني بشر حال. يقال: بات الرجل بحيبة سوء، أي بحال سوء وكانت ثوبية قد أرضعت رسول الله ﷺ .
وقوله: سقيت في هذه، يريد الوقبة التي بين السبابة والإبهام.
стр. 1864
(٢٧) (باب لا تنكح المرأة على عمتها)
٩٨٠/ ٥١٠٩ - قال أبو عبد الله: /حدثنا عبد الله بن يوسف قال: أخبرنا مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: لا يجمع بين المرأة وعمتها وبين المرأة وخالتها.
стр. 1865
(٢٧) (الباب نفسه)
٩٨١/ ٥١٠٨ - قال أبو عبد الله: حدثنا عبدان قال: حدثنا عاصم، عن الشعبي، سمع جابرا قال: نهى رسول الله ﷺ أن تنكح المرأة على عمتها أو خالتها.
إنما نهى عن الجمع بينهما لئلا يقع بينهما التنافس في الحظوة عند الزوج، فيؤدي ذلك إلى قطيعة الرحم، وفي معنى خالتها وعمتها خالة أبيها وعمته، وعلى هذا القياس: كل امرأتين لو كانت إحداهما رجلا لم تحل له الأخرى، وهذا في النسب خصوصا دون الصهر وذلك أنه قد يجوز للرجل أن يجمع بين المرأة وبين امرأة أبيها ولو تقدر أن تكون هذه المرأة ابنا لم يجز له أن ينكح امرأة أبيه.
стр. 1866
(٢٨) (باب الشغار)
٩٨٢/ ٥١١٢ - قال أبو عبد الله: حدثنا عبد الله بن يوسف قال: حدثنا مالك، عن نافع، عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ نهى عن الشغار. والشغار أن يزوج الرجل ابنته على أن يزوجه الآخر ابنته ليس بينهما صداق.
وهذا التفسير يروي مقرونا بالحديث فيقال: إنه من قول نافع.
وممن أبطل هذا النكاح مالك، والشافعي، وأحمد ابن حنبل، وأصل الفروج الحظر، وهو لا يرتفع بالأمر المحظور وإنما يرتفع بالأمر المأذون فيه.
стр. 1867
وقد جوز هذا النكاح بعض الفقهاء وقالوا: ليس فيه شيء أكثر من إبطال المهر، والنكاح لا يبطل بفساد المهر، فالعقد صحيح ولكل واحدة منهما مهر مثلها، وهذا غلط، وذلك لأن المهر ليس شيئا غير العقد ولا العقد شيئا غير البدل وهو المهر وهو إذا فسد مهرا فسد عقدًا.
стр. 1868
(٣٦) (باب من قال: لا نكاح إلا بولي)
٩٨٣/ ٥١٣٠ - قال أبو عبد الله: حدثنا أحمد بن أبي عمرو قال: حدثني أبي قال: حدثني إبراهيم، عن يونس، عن الحسن في قوله: ﴿فلا تعضلوهن﴾ قال: حدثني معقل ابن يسار أنها نزلت فيه قال: زوجت أختا لي من رجل، فطلقها حتى إذا انقضت عدتها جاء يخطبها فقلت له: زوجتك وفرشتك، وأكرمتك، فطلقتها، ثم جئت تخطبها، لا والله/ لا تعود إليك أبدا وكانت المرأة تريد أن ترجع إليه، فأنزل الله تعالى هذه الآية: ﴿فلا تعضلوهن﴾. فقلت: الآن أفعل يا رسول الله. قال: فزوجتها إياه.
قوله: فرشتك، يعني جعلتها لك فراشا. يقال: فرشت الرجل إذا فرشت له، كما تقول: وزنت الرجل وكلته: إذا وزنت له وكلت له.
стр. 1869
ومعنى العضل: منع الولي وليته من النكاح وحبسها عنه وأصله من قولهم: عضلت الناقة، فهي معضل إذا احتبس ولدها في بطنها وكذلك الدجاجة إذا احتبس بيضها ونشب فلم يخرج. قال الشافعي: وهذه الآية أدل شيء على أن المرأة لا تزوج نفسها ولو كان لها إلى ذلك سبيل لم يتحقق معنى العضل.
стр. 1870
(٤١) (باب لا ينكح الأب وغيره البكر والثيب إلا برضاهما)
٩٨٤/ ٥١٣٦ - قال أبو عبد الله: حدثنا معاذ بن فضالة قال: حدثنا هشام، عن يحيى، عن أبي سلمة أن أبا هريرة حدثهم أن النبي ﷺ قال: لا تنكح الأيم حتى تستأمر ولا تنكح البكر حتى تستأذن قالوا يا رسول الله: وكيف إذنها؟ قال: أن تسكت.
قلت: الأيم في هذا الحديث الثيب، ولذلك لم يجز العقد عليها إلا بأمرها وهو معنى الاستئمار، أي طلب الأمر من قبلها، وأمرها لا يكون إلا بنطق، فأما الاستئذان فهو طلب الإذن وإذنها قد يعلم بسكوتها وهو إذا سكتت استدل به على رضاها.
стр. 1871
(٤١) (الباب نفسه)
٩٨٥/ ٥١٣٧ - قال أبو عبد الله: حدثنا عمرو بن الربيع بن طارق قال: أخبرنا الليث، عن ابن أبي مليكة، عن أبي عمرو- مولى عائشة- عن عائشة أنها قالت يا رسول الله: إن البكر تستحيي. قال: رضاها صمتها.
وكان الشافعي- ﵀ يقول: للأب أن يزوج البالغ البكر وإن لم تستأذن، وكذلك الجد إذا لم يكن أب، وليس ذلك لغير الأب من الأولياء، وهو قول مالك وابن أبي ليلى وأحمد بن حنبل ومعنى الاستئذان عندهم في هذا إنما على استطابة النفس دون الوجوب واحتج الشافعي في ذلك بما رواه عن مالك، عن
стр. 1872
عبد الله بن الفضل، عن نافع بن جبير، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : الأيم أحق بنفسها من (وليها) والبكر/ تستأمر في نفسها وإذنها صماتها.
قال: ودليل قوله: الأيم أحق بنفسها من مليها، أن ولي (البكر) أحق بها من نفسها، وذلك عن طريق دلالة المفهوم، والمراد بالأيم الثيب لأنه قابلها بالبكر.
стр. 1873
(٤٢) (باب إذا زوج الرجل ابنته وهي كارهة، فنكاحه مردود)
٩٨٦/ ٥١٣٨ - قال أبو عبد الله: حدثنا إسماعيل قال: حدثني مالك، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عبد الرحمن ومجمع ابني يزيد بن حارثة، عن خنساء بنت خدام الأنصارية أن أباها زوجها وهي ثيب فكرهت ذلك، فأتت رسول الله ﷺ (فرد) نكاحه.
قلت: وهذا أيضا مما يستدل به أصحاب الشافعي وذلك أن الثيوبة إنما ذكرت في هذا الحديث ليعلم أنها علة للحكم فدل على أن حكم البكر بخلاف ذلك.
стр. 1874
(٣٦) (باب من قال: لا نكاح إلا بولي)
٩٨٧/ ٥١٢٧ - قال أبو عبد الله: حدثنا أحمد بن صالح قال: حدثنا عنبسة قال: حدثنا يونس، عن ابن شهاب قال: أخبرنا عروة بن الزبير، عن عائشة ﵂ أن النكاح في الجاهلية كان على أربعة أنحاء، فذكر ثلاثة منها. قالت: ونكاح رابع يجتمع الناس الكثير، فيدخلون على المرأة، لا تمنع من جاءها، فإذا حملت وضعت حملها، جمعوا لها، فدعوا لهم القافة، ثم ألحقوا (ولدها) بالذي يرون، فالتاطته ودع ابنه لا يمتنع من ذلك، فلما بعث محمد ﷺ بالحق هدم نكاح الجاهلية إلا نكاح الناس اليوم.
قولها: التاطته، تعني استلحقته. وأصل اللوط: اللصوق ومنه قول أبي بكر في عمر: اللهم والولد ألوط، أي ألصق بالقلب.
стр. 1875
(٤٥) (باب لا يخطب على خطبة أخيه حتى ينكح أو يدع)
٩٨٨/ ٥١٤٣ - قال أبو عبد الله: حدثنا يحيى بن بكير قال: حدثنا الليث، عن جعفر بن ربيعة، عن الأعرج قال: قال أبو هريرة: يأثر عن النبي ﷺ قال: إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث ولا تجسسوا ولا تحسسوا ولا تباغضوا وكونوا عباد الله إخوانا.
٩٨٩/ ٥١٤٤ - ولا يخطب الرجل على خطبة أخيه حتى ينكح أو يترك.
قوله: إياكم والظن فإنه يريد تحقيق ظن السوء دون ما يهجس في القلب من خواطر الظنون، فإنها لا تملك، ولذلك قال: فإن الظن أكذب الحديث إذا قال عن ظنه ما لا يتيقنه، فحكم به على الغيب، فيقع الخبر عنه حينئذ كذبا.
والتجسس: البحث عن باطن أمور الناس، وأكثر/ ذلك في الشر.
стр. 1876
والتحسس- بالحاء- طلب الخير وأصل من الحس، يريد أن يتبعه بحسه. ويقال: خرج القوم يتجسسون الأخبار ويتحسبونها ويتحسسونها كل ذلك واحد.
وقوله: ولا يخطب الرجل على خطبة أخيه حتى ينكح أو يترك، إنما يتحقق النهي عنه إذا كان قد ركن كل واحد منهما إلى صاحبه وأراد العقد، فأما قبل ذلك فلا يدخل في النهي وهو خاطب من الخطاب وقد خطب معاوية وأبو الجهم فاطمة بنت قيس الفهرية، فجاءت رسول الله ﷺ تستشيره في أمرها، فخطبها لأسامة بن زيد، فتركتهما ونكحته.
стр. 1877
(٤٧) (باب الخطبة)
٩٩٠/ ٥١٤٦ - قال أبو عبد الله: حدثنا (قبيصة) قال: حدثنا سفيان عن زيد بن أسلم قال: سمعت ابن عمر يقول: جاء رجلان من المشرق، فخطبا. فقال النبي ﷺ : إن من البيان لسحرا.
قوله: إن من البيان لسحرا: البيان بيانان: بيان يقع به الإبانة عن المراد بأي لغة كان وبأي لسان أبان ولم يرد بالسحر هذا النوع منه.
والضرب الآخر منه: بيان بلاغه وحذق وهو ما دخلته الصنعة بالتحبير له والتحسين لألفاظه حتى يروق السامعين ويستميل به قلوبهم، فهو الذي يشبه بالسحر إذا خلب القلوب وغلب على النفوس حتى ربما حول الشيء عن ظاهر صورته وصرفه عن قصد جهته، فيبرزه للناظرين في معرض غيره، وهذا قد يمدح مرة ويذم أخرى. فأما المدح فهو إذا صرف إلى الصدق ونصر به الحق. وقد روي عن عمر بن عبد العزيز أن رجلا سأله حاجة فاعتاص عليه قضاؤها، فرفق الرجل له القول في ذلك، فقال: إن هذا هو
стр. 1878
السحر الحلال وأنجزها له.
وأما الضرب المذموم منه: فهو أن يقصد به الباطل وأن يلحد به إلى اللبس والتورية حتى يوهمك القبيح حسنا والمنكر معروفا، وهذا هو المذموم المشبه بالأمر المذموم وهو السحر.
وقال بعض أهل اللغة: أصل السحر: الخداع. وأنشد قول الشاعر:
/ ونسحر بالطعام والشراب
أي: نخدع، واحتج أيضا بقول لبيد:
فإن تسألينا فيم نحن فإننا
عصافير من هذا الأنام المسحر
стр. 1879
يريد: المعلل المخدوع. وقال: أصل السحر: صرف الشيء عن حقيقته إلى غيره. ومنه قوله تعالى: ﴿فأنى تسحرون﴾ أي: تصرفون وحكى محمد بن سلام الجمحي، عن يونس قال: العرب تقول: ما سحرك عن وجه كذا؟ أي ما صرفك عنه.
стр. 1880
(٥٢) (باب الشروط في النكاح)
٩٩١/ ٥١٥١ - قال أبو عبد الله: حدثنا هشام بن عبد الملك قال: حدثنا ليث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الخير عن عقبة، عن النبي ﷺ قال: أحق ما أوفيتم من الشروط أن توفوا به ما استحللتم به الفروج.
قلت: قد تختلف الشروط في عقود النكاح، فمنها ما يجب الوفاء به ومنها ما لا يجب. فأما الذي يجب الوفاء به فهو المهر والنفقة وحسن العشرة، وقد شرط الله تعالى هذه الأمور لهن على الأزواج في قوله: (فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان﴾
وأما الذي لا يلزم من الشروط: فهو ما نهى النبي ﷺ عن اشتراطه كقوله: لا يحل لامرأة أن تسأل طلاق أختها لتكفأ ما في إنائها ونحو ذلك من شروط الضرار. وقد اختلف
стр. 1881
العلماء في المرأة إذا اشترطت على الزوج أن لا يخرجها من دارها وأن لا يدخل عليها إلا نهارا دون الليل أو ليلا دون النهار، أو لا يتزوج عليها امرأة، أولا يتسرى أو نحوها من الأمور، فكان الشرط في مثل هذه الأمور عند أكثرهم باطلا.
وقد قال النبي ﷺ : كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل وإن كانت مائة شرط، وقد جعل الله للرجال من أزواجهن أن يكن حيث يكون أزواجهن من حضر أو سفر ما لم يخرج ذلك عن عرف، ولا اتصل بضرر يلحقهن أو خوف عليهن في مثل ركوب بحر أو مقام في برية، وموضع خسف، وجعل لهم أن يدخلوا عليهن في كل وقت من ليل أو نهار.
وقد روى أن كل شرط في نكاح، فالنكاح يهدمه إلا الطلاق، وكذلك هذا في عدد نكاح الأربع من الحراير، وإباحة التسري عن الإماء بلا عدد محصور.
/وقال الشافعي- ﵀ إذا نقصت المرأة عن مهر مثلها
стр. 1882
شيئاً في شيء من هذه الشروط أعطيت تمام مهر مثلها وبطل الشرط. وقد روي عن عمر بن الخطاب- ﵁ أنه قال: (المسلمون عند شروطهم إلا شرط أحل حراما أو حرم حلالا) فيرون أنه أشار بذلك إلى كل أمر تشارطاه فيما بينهما مما لم يحظره الدين، ولم تحرمه الشريعة، فعلى الزوج الوفاء به وروي نحو من ذلك عن ابن مسعود وإليه ذهب الأوزاعي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه.
стр. 1883
(٧١) (باب حق إجابة الوليمة والدعوة)
٩٩٢/ ٥١٧٤ - قال أبو عبد الله: حدثنا مسدد قال: حدثنا يحيى، عن سفيان قال: حدثني منصور، عن أبي وائل عن أبي موسى، عن النبي ﷺ قال: فكوا العاني، وأجيبوا الداعي، وعودوا المريض.
العاني: الأسير، والداعي: الذي أمر بإجابته صاحب الوليمة خصوصا، وذلك لما فيه من الإشادة بالنكاح والإظهار لأمره.
стр. 1884
(٧١) (الباب نفسه)
٩٩٣/ ٥١٧٣ - قال أبو عبد الله: حدثنا عبد الله بن يوسف قال: أخبرنا مالك، عن نافع، عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: إذا دعي أحدكم إلى الوليمة فليأتها.
قلت: وفيه من الشرط أن لا يكون بحضرتهم منكر.
ورأى أبو مسعود الأنصاري صورة في البيت، فانصرف ودعا ابن عمر أبا أيوب، فرأى في البيت سترا على الجدار فقال ابن عمر: غلبنا عليه النساء فقال: من كنت أخشى عليه، فلم أكن أخشى عليك والله لا أطعم لكم طعاماً، فرجع.
стр. 1885
(٧٧) (باب قيام المرأة على الرجال في العرس وخدمتهم بالنفس)
٩٤٤/ ٥١٨٢ - قال أبو عبد الله: حدثنا سعيد بن أبي مريم قال: حدثنا أبو غسان قال: حدثني أبو حازم، عن سهل قال: لما عرس أبو أسيد الساعدي، دعا النبي ﷺ وأصحابه، فما صنع لهم طعاما ولا قربه إليهم إلا امرأته أم أسيد بلت تمرات في تور من حجارة من الليل، فلما فرغ النبي ﷺ من الطعام ماثته له، فسقته تحفه بذلك.
قوله: ماثته: يريد مرسته بيدها. يقال: مثت الشيء أمثته. وأموثه: إذا دفته في ماء أو نحوه، فانماث أي ذاب وانحل.
стр. 1886
(٨٢) (باب حسن المعاشرة مع الأهل)
٩٩٥/ ٥١٨٩ - قال أبو عبد الله: حدثنا سليمان بن عبد الرحمن وعلي بن حجر قالا: أخبرنا عيسى بن يونس قال: حدثنا هشام بن عروة، عن عبد الله بن عروة، عن عروة، عن عائشة- ﵂ قالت: جلست إحدى عشرة امرأة، فتعاهدن وتعاقدن أن لا يكتمن من أخبار أزواجهن شيئا:
قالت الأولى: زوجي لحم جمل، غث على رأس جبل، لا سهل فيرتقي، ولا سمين فينتقل.
قالت الثانية: زوجي لا أبث خبره، إني أخاف أن لا أذره، إن أذكره أذكر عجره وبجره.
قالت الثالثة: زوجي العشنق إن أنطق أطلق وإن أسكت أعلق.
قالت الرابعة: زوجي كليل تهامة، لا حر ولا قر ولا مخافة ولا سآمة.
стр. 1887
قالت الخامسة: زوجي إن دخل فهد، وإن خرج أسد ولا يسأل عما عهد.
قالت السادسة: زوجي إن أكل لف وإن شرب اشتف وإن اضطجع التف ولا يولج الكف ليعلم البث.
قالت السابعة: زوجي عياياء طباقاء، كل داء له داء، شجك أوفلك أو جمع كلا لك.
قالت الثامنة: زوجي المس مس أرنب والريح ريح زرنب.
قالت التاسعة: زوجي رفيع العماد، طويل النجاد، عظيم الرماد، قريب البيت من الناد.
قالت العاشرة: زوجي مالك، وما مالك، مالك خير من ذلك، له إبل كثيرات المبارك، قليلات المسارح، إذا سمعن صوت المزهر أيقن أنهن هوالك.
قالت الحادية عشرة: زوجي أبو زرع، وما أبو زرع، أناس من حلي أذني، وملأمن شحم عضدي، وبجحني فبجحت إلى نفسي، وجدني في أهل غنيمة بشق، فجعلني في أهل صهيل وأطيط ودأيس ومنق، فعنده أقول فلا أقبح، وأرقد فأتصبح، وأشرب فأتقمح. وقال بعضهم: فأتقنح.
أم أبي زرع، فما أم أبي زرع عكومها رداح وبيتها فساح.
стр. 1888
ابن أبي زرع، فما ابن أبي زرع، مضجعة كمسل شطبة وتشبعه ذراع الجفرة.
بنت أبي زرع، فما بنت أبي زرع، طوع أبيها وطوع أمها، وملء كسائها وغيظ جارتها.
جارية أبي زرع،/ وما جارية أبي زرع لا تبث حديثنا تبثيثا ولا تنقث ميرتنا تنقيثا ولا تملأ بيتنا تعشيشا.
قالت: خرج أبو زرع والأوطاب تمخض، فلقى امرأة معها ولدان لها كالفهدين (يلعبان) من تحت خصرها، برمانتين، فطلقني ونكحها، فنكحت بعده رجلا سريا، ركب شريا، وأخذ خطيا، وأراح علي نعما ثريا، وأعطاني من كل رائحة زوجا وقال: كلي أم زرع وميرى أهلك، فلو جمعت كل شيء أعطانيه ما بلغ أصغر آنية أبي زرع. قالت عائشة: قال رسول الله ﷺ : كنت لك كأبي زرع لأم زرع.
стр. 1889
قال: وقال سعيد بن سلمة، عن هشام، ولا تغش بيتنا تغشيشا.
قلت: قد فسر أبو عبيد هذا الحديث في كتاب غريب الحديث ونحن نذكر ما نحتاج إلى ذكره منه ونضم إليه ما يجب أن يضم إليه من زيادة بيان وشرح معنى إن شاء الله.
قال أبو عبيد: قولها: لحم جمل غث، يعني المهزول على رأس جبل تصف قلة خيره وبعده مع القلة، كالشيء في قلة الجبل الصعب لا ينال إلا بالمشقة.
قلت: معنى البعد في هذا أن يكون قد وصفته بسوء الخلق والترفع بنفسه والذهاب بها تيها وكبرا، تريد أنه مع قلة خيره ونزارته يتكبر على العشيرة، وينأى بجانبه، فيجمع إلى منع الرفد الأذى وسوء الخلق.
стр. 1890
وقولها: ولا سمين فينتقل، تريد أنه ليس في جانبه طرق فتحتمل سوء عشرته، لذلك يقال: انتقلت الشيء أي: نقلته.
وقول الثانية: أذكر عجره وبجره. قال أبو عبيد: العجر: أن يتعقد العصب أو العرق حتى تراها ناتئة من الجسد. والبجر نحوها إلا أنها في البطن خاصة، واحدتها: بجرة. ومنه قيل: رجل أبجر إذا كان عظيم البطن وامرأة بجراء.
قلت: فسر أبو عبيد اللفظ ولم يذكر المعنى، وإنما أرادت بالعجر والبجر عيوبه الباطنة وأسراره الكامنة.
وأخبرني أحمد بن عبدوس قال: حدثنا الكديمي بإسناده/ وذكر طلحة أن علي بن أبي طالب وقف عليه وهو صريع فقال: إلى الله أشتكي عجري وبجري فقلت
стр. 1891
للأصمعي: وما عجري وبجري؟ قال: همومي وأحزاني.
وقول الثالثة: زوجي العشنق، والعشنق: الطويل. تقول: ليس عنده أكثر من طول بلا نفع، فإن ذكرت ما فيه من العيوب طلقني وإن سكت عنه تركني معلقة لا أبما ولا ذات بعل.
ومنه قول الله تعالى: ﴿فلا تميلوا كل الميل فتذروها كالمعلقة﴾.
وقول الرابعة: زوجي كليل تهامة، لا حر ولا قر ولا مخافة ولا سآمة.
تقول: ليس عنده أذى ولا مكروه، وإنما هذا مثل لأن الحر والقر كلاهما فيه أذى إذا اشتدا. ولا مخافة ولا سآمة. تقول: ليس عنده غائلة ولا شر أخافه ولا أسامه.
وقول الخامسة: زوجي إن أكل لف، وإن شرب اشتف، فإن اللف في المطعم: الإكثار منه مع التخليط من صنوفه حتى لا يبقى منه شيئا.
والاشتفاف: أن يستقصي ما في الإناء ولا يسئر فيه سؤرا وإنما أخذ من الشفافة وهي البقية تبقى في الإناء من الشراب، فإذا شربها صاحبها قيل: اشتفها.
стр. 1892
قال أبو عبيد: وقولها: لا يولج الكف ليعلم البث. قال: أحسبها كان بجسدها عيب تكتئب به لأن البث هو الحزن وكان لا يدخل يده في ثوبها ليمس ذلك العيب تصفه بالكرم.
قلت: ليس وجه الكلام ما ذهب إليه أبو عبيد وإنما شكت قلة تعهده إياها، واستقصرت حظها منه. تقول: إنه يتلفف منثئيا عنها إذا نام ولا يقرب منها فيولج كفه داخل ثوبها فيكون منه إليها ما يكون من الرجل إلى أهله. ومعنى البث: ما تضمره المرأة من الحزن على عدم الحظوة منه ولا معنى لما توهمه من الداء بجسدها فيتأول ترك التفقد منه لذلك على معنى الكرم، وذلك أن (أول) الكلام ذم واستلام، فكيف يكون آخره مدحا ووصفا له بالكرم.
وقول السادسة: زوجي غياياء أو عياياء/ طباقاء, قال أبو عبيد: أما غياياء- بالغين- فليس بشيء إنما هو عياياء- بالعين- والعياياء من الإبل الذي لا يضرب ولا يلقح وكذلك هو في الرجال. قال: والطباقاء: الغبي الأحمق الفدم.
стр. 1893
قلت: أصل الطباقاء ما قاله الأصمعي فيما حدثني به أبو رجاء الغنوي، عن أبيه، عن الأصمعي قال: الطباقاء هو الذي أمره مطبق عليه وأنشد جميل:
طباقاء لم يشهد خصوما ولم ينخ
قلاصا إلى أكوارها حين تعطف
وقول السابعة: زوجي إن دخل فهد، وإن خرج أسد، فإنها تصفه بكثرة النوم والغفلة في منزله على وجه المدح له وذلك أن الفهد كثير النوم.
يقال: أنوم من فهد، والذي أرادت به أنه ليس يتفقد ما ذهب من ماله ولا يلتفت إلى معايب البيت وما فيه فهو كأنه ساه عن ذلك.
وقولها: وإن خرج أسد، تصفه بالشجاعة. تقول: إذا خرج إلى البأس ومباشرة الحرب ولقاء العدو أسد فيها. يقال: أسد
стр. 1894
الرجل واستأسد بمعنى: القوة والشجاعة وعدم تهيب المواقف.
وقول الثامنة: زوجي المس مس أرنب، والريح ريح زرنب، فإنها تصفه بحسن الخلق، ولين الجانب، كمس الأرنب إذا وضعت يدك على ظهرها.
وقولها: والريح ريح زرنب، فإن فيه معنيين قد يكون أن تريد طيب ريح جسده ويكون أن تريد طيب الثناء في الناس.
وانتشاره فيهم كريح الزرنب، وهو نوع من أنواع الطيب معروف.
وقول التاسعة: زوجي رفيع العماد، فإنها تصفه بالشرف وسناء الذكر، وأصل العماد: عماد البيت وجمعه عمد وهي العيدان التي تعمد بها البيوت، وإنما هذا مثل، تعني أن بيته (رفيع) في حسبه رفيع في قومه.
وأما قولها: طويل النجاد: فإنها تصفه بامتداد القامة والنجاد: حمائل السيف، فهو يحتاج إلى قدر ذلك من طوله.
стр. 1895
وقولها: عظيم الرماد، فإنها تصفه بالجود وكثرة الضيافة من لحم الإبل وغيره من اللحوم، فإذا فعل ذلك عظمت ناره وكثر وقودها، فيكون الرماد في كثرة على قدر ذلك.
قلت: قد يكون/ إيقاده النار لمعالجة الطعام واشتواء اللحوم ليطعمها الأضياف كرما، وأمدح له أن تكون ناره لا تطفأ ليلا لتهتدي الضيفان، فيكثر غشيانهم إياه. كقول الشاعر:
متى تأته تعشو إلى ضوء ناره
تجد خير نار عندها خير موقد
والأجواد المطعمون يعظمون النيران في ظلم الليل. ويوقدونها على التلال، ومشارف الأرض، ويرفعون على الأيدي منها الأقباس لتهتدي بسناها الأضياف.
أنشدني أبو عمر قال: أنشدنا أبو العباس قال: أنشدنا ابن الأعرابي:
следующие страницы →