Полный текст (2 260 стр.). Показаны 2241–2260 · переход к 2246.
стр. 2241
بعد, ولم يذكر ذلك عن أبيه, يعني أبا بكر إذا حدث النبي ﷺ بحديث حدثه كأخي السِّرار لم يسمعه حتى يستفهمه.
سمعتُ أبا عمر يذكر عن أبي العباس أحمد بن يحيى قال قوله: كأخي السِّرار , يعني كالسِّرار وأخي الصلة. قلت: وقد يكون معناه كصاحب السِّرار.
(٧) (باب ما يُذكر من ذَمِّ الرأي وتكلف القياس)
١٢٢٧/ ٧٣٠٨ - قال أبو عبدالله: حدَّثنا موسى بن إسماعيل قال: حدَّثنا أبو عَوانَة, عن الأعمش, عن أبي وائل قال: قال سهل بن حُنيف: يا أيها الناس اتّهِموا رأيكم عن دينكم, لقد رأيتُني يوم أبي جندل ولو أستطيع أن أرد
стр. 2242
أمر رسول الله ﷺ لردَدْته وماوضعنا سيوفنا على عواتقنا إلى أمر يفظعنا إلا أسهلن بنا إلى أمر نعرفه غير هذا الأمر.
قال: وقال أبو وائل: شهدتُ صفِّين وبئست صِفُّون.
قوله: أسهلن بنا, يعني أفضين بنا إلى سهولة.
وأما قوله: وبئست صِفُّون, فإنما أعرَبَه لأنه أجراه مجرى الجمع وماكانمن الواحد على بناء المع, فإعرابه كإعراب الجمع, كقولك: دخلت فلسطين, وهذه فلسطون وأتيت قنَّسرين وهذه قنسرون, ويصرفونها مصارف الإعراب, ومن هذا النحو قوله : (كَلَاّ إِنَّ كِتَابَ الأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّين وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ)
стр. 2243
كتاب التوحيد
(٧) (باب قول الله تعالى: (وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ))
١٢٢٨/ ٧٣٨٤ - قال أبو عبدالله: حدَّثنا ابن أبي الأسْود قال: حدَّثنا حرمِي قال: حدَّثنا شعبة, عن قتادة عن أنس, وقال لي: خَلِيفة, حدَّثنا يزيد بن زُرَيع, حدَّثنا سعيد, عن أنس, عن النبي ﷺ قال: لا يزال يلقى فيها, وتقول: هل من مزيد؟ حتى يضع فيها رب العزة قدمه, فينزوي بعضها إلى بعض, ثم تقول: قدْقدْ بعزتك وكرمك, ولا تزال الجنة تَفضُل حتى يُنشئ الله لها خلقًا, فيُسكنهم أفضل الجنة. قد ذكرنا معنى القدم في هذا الحديث وتأويله فيما مضى.
стр. 2244
وقوله: قدْقدْ, معناه حَسْب. يقال: قدي وقدني بمعنى حسبي كقول الشاعر:
قَدِي اليوم من وَجْد على هالكٍ قَديِ
ويقال في معناه قطِي وقطْني.
(٢٠) (باب قول النبي ﷺ : "لا شخص أغْيَرُ من الله ")
١٢٢٩/ ٧٤١٦ - قال أبو عبدالله: حدَّثنا موسى بن إسماعيل قال: حدَّثنا أبو عَوَانه قال: حدَّثنا عبدالملك, عن وَرَّاد -كاتب المُغيرة- قال: قال سعَدُ بن عُبادة: لو رأيتُ
стр. 2245
رَجُلًا مع امرأتي لضربته بالسيف غير مُصْفح, فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فقال أتعجبون من غيرة سعد لأنا أغير منه والله أغير مني, ومن أجْل الله حرَّم الله الفواحش ما ظهر منها ومابطن, ولا أحد أحبَّ إليه العذر من الله, ومن أجل ذلك بعث المنذرين والمبشرين, ولا أحد أحب إليه المدْحة من الله, ومن أجل ذلك وعد الجنة.
قال أبو عبدالله: وقال عُبيد الله بن عمرو, وعن عبدالملك: لاشخص أغير من الله.
قلت: إطلاق الشخص في صفة الله غير جائز, وذلك لأن الشخص لا يكون إلا جسمًا مؤلفًا وإنما يُسمى شخصًا ماكان له شُخوصٌ وارتفاعٌ ومثل هذا النعت منفيٌ عن الله وخليق أن لا تكون هذه اللفظة صحيحة وأن تكون تَصْحيفًامن الرَّاوي. والدليل على ذلك أن أبا عَوَانة قد روى هذا الخبر عن عبدالملك فلم يذكر هذا الحرف, وروتْه أسماء بنت أبي بكر, عن النبي ﷺ فقالت: لا شيء أغْيَرُ من الله, هكذا رواه أبو عبدالله قال:
كتاب النكاح
(١٠٧) (باب الغَيرَة)
١٢٣٠/ ٥٢٢٢ - حدَّثنا موسى بن إسماعيل قال: حدَّثنا
стр. 2246
همَّام, عن يحيى, عن أبي سَلَمَة أن عُروة بن الزبير حدَّثه عن أمه أسماء أنها سمِعَت النبي ﷺ يقول: لا شيء أغْيَرُ من الله.
١٢٣١/ ١٢٢٣ - وعن يحيى أن أبا سَلَمة حدَّثه أن أبا هريرة حدَّثه أنه سمع النبي ﷺ مثله.
فدلَّت رواية أسماء وأبي هريرة قوله: لا شيء أغير من الله, على أن الشخص وَهْمٌ وتَصْحِيف, والشيء والشخص في السطر الأول من الاسم سواء فمَن لم يُنعم الاستماع لم يأمن الوهم, وليس كل الرواة يُراعون لفظ الحديث حتى لا يَتَعدُّوه؛ بل كثير منهم يُحدّث على المعنى وليس كلهم بفَقِيه. وفي الكلام آحاد الرواة منهم جَفاءٌ وتعجرُف. وقد قال بعض السلف من كبار التابعين في كلام له: "نعم المرءُ ربّنا, ولو أطعناه ما عصانا" ولفظ المرء إنما يُطلق على الذكور الآدميِّين كقول القائل: "المرء بأصْغرَيه", والمرء مخبوء تحت لسانه, ونحو ذلك كلامهم. وقائل هذه الكلمة لم يقصد به المعنى الذي لا يليق بصفات الله سبحانه, ولكنه أرسل الكلام على بديهة الطَّبع من غير تأمل ولا تنزيل له على المعنى
стр. 2247
الأخص به, وحريٌّ أن يكون لفظ الشخص إنما جرى من الراوي على هذا السبيل إن لم يكن من قبل التصحيف, ثم إن عبيد الله بن عمر قد تَفرَّد به عن عبدالملك, ولم يتابع عليه فاعتوَره الفساد من هذه الوجوه, فدلَّ ذلك على صحة ما قلناه, والله أعلم.
كتاب التوحيد
(٢٣) (باب قول الله تعالى: (تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ)
١٢٣٢/ ٧٤٣٠ - قال أبو عبدالله: حدَّثنا خالد بن مُخلَد قال: حدَّثنا سليمان قال: حدَّثني عبدالله بن دينار, عن أبي صالح, عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : من تصدَّق بِعَدْل تمرة من كسبٍ طيبٍ ولا يصعد إلى الله إلا
стр. 2248
الطيب, فإن الله يتقبلها بيَمينه, ثم يُرَبِّيهَا لصاحبها كما يُربِّي أحدكم فَلُوَّه حتى تكون مثل الجبل.
عَدْلُ التمرة ما يعادلها في قيمتها. ويقال: عَدْل الشيء مثله في القيمة, وعدله مثله في المنظر.
وقوله: "يتقبلها بيَمينه" ذِكر اليَمين في اهذا معناه حَسن القَبول, فإن العادة قد جَرَت من ذَوِي اللأدب أن تُصان اليمين عن مَسِّ اللأشياء وإنما يباشر بها الأشياء التي لها قَدْر ومَزِيه وليس فيما يُضاف إلى الله من صفة اليدين شمال لأن الشمال مَحَل النقص والضعف وقد روي في الخبر "كلتا يديه يمين" وليس معنى اليد عندنا الجارحة, إنما هو صفة جاء بها التوقيف, فنحن نُطلقها على ماجاءت ولا نُكيّفها وننتهي إلى حيث انتهى بنا الكتابُ والأخبارُ المأثورة الصحيحة, وهو مذهب أهل السنة والجماعة.
(٣٥) (باب قول الله تعالى (يُرِيدُونَ أَن يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ))
١٢٣٣/ ٧٥٠٨ - قال أبو عبدالله: حدَّثنا عبدالله بن أبي
стр. 2249
الأَسْود قال: حدَّثنا مُعتَمر قال: سَمعتُ أبي قال: حدَّثنا قتادة, عُقبة بن عبدالغافر , عن أبي سعيد, عن النبي ﷺ أنه ذكر رجلًا فيم سلف أو فيمن كان قبلكم قال كلمة يعني أعطاه الله مالًا وولدًا, فلما حضره الموت قال لبنيه: أيَّ أبٍ كنت لكم؟ قالوا: خَيرَ أب قال: فإنه لم يَبْأر أو يبتئر عند الله خيرًا وإن يَقدِر الله (عليه) يُعذبه, فانظروا إذا مت, فاحرقوني حتى إذا صرت فحمًا, فاسحقوني أو قال: فاسْحَكوني. وذكر الحدبث.
وفي نسخة أخرى: فاسحلوني. قد تقدم ذكر هذا الحديث فيما مضى, وفي بعض ألفاظه اختلافٌ, وفسَّر قتادة قوله: لم يبتئر أي لم يدَّخر.
فأما قوله: اسحلوني, فمعناه أبردوني بالمِسْحَل وهو المبرد.
ويُقال لسُقاطة الذهب والفضة عند السَّحْل كالبُراية من البَرْي والنُشارة من النشر.
وأما قوله اسْحَكوني, فهو السَّحق, أُبدِلَت القاف كافًا ومِثله السَّهك, وقد ذكرناه في حديث قبل.
стр. 2250
(٣٧) (باب ما جاء في قوله :) وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا))
١٢٣٤/ ٧٥١٧ - قال أبو عبدالله: حدّثنا عبدالعزيز بن عبدالله قال: حدّثني سُليمان, عن شَريك بن عبدالله أنّه قال: سَمِعت أَنَس بن مالك يقول ليلة أسرى برسول الله ﷺ من مسجد الكَعبة أنّه جاءه ثلاثةُ نَفَر قبلَ أن يُوحَى إليه وهو نائِمٌ في المسجد الحرام. فقال أوَّلُهم: أيّهم هُو؟ فقال: أوسَطهم, وهو خَيرُهم. فقال آخِرُهم خُذُوا خَيرَهم, فكانت تلك اللّيلةَ, فلم يَرَهُم حتى أَتوه ليلةُ أُخرى فيما يَرَى قلبهُ وتَنامُ عَينُه, ولا ينامُ قلبُه, وكذلك الأنبياء تنامُ أعينهم ولا تنام قُلوبهم, فلم يُكَلِّموه حتى احْتَملُوه فوضَعَوُه عند بئر زمزم, فتولَّاه منهم جِبريل, فشَقَّ جِبريل مابين نَحرِه إلى لبَّتهِ حتى فَرغَ من صَدره وجَوفه, فغسله من مَاءِ زمزم بِيدِه حتى أنقَى جَوفَه, ثم أتَى بطَستٍ من ذَهَبٍ فيه تَورٌ من ذَهَبٍ مَحشُوٌ إيمانًا وحِكمةً, فحَشَا به صَدره, ولغادِيدَه, يَعني عُروقَ حَلقِه, ثم أطبَقه, ثم عَرَج به إلى السماء الدنيا, فضَرَب بابًا من أبوابها, فَنَاداه أهلُ السماء: من هذا؟ فقال: جِبريل, قالوا: ومَن معَك؟ قال: مَعِي محمد. قال: وقد بَعِث إليه؟ قال: نعم. قالوا: فَمَرحبًا به وأهلًا, يَستَبشِر به
стр. 2251
أهلُ السماء, لا يَعلَم أهلُ السماء بما يُريدُ الله به في الأرضِ حتى يُعلِمَهم, فوَجَد في السماء الدنيا آدم, فقال له جبريل: هذا أبوك آدم, فسلَّم عليه وردَّ عليه آدم وقال: مَرحبًا وأهلًا يا بُنيَّ, نِعمَ الابن أنتَ, فإذا هو في السماء الدنيا/ بَنْهرَين يطَّرِدَان فقال: ما هذان النَّهران ياجبريل؟ قال: (هذان): النِّيل والفراتُ عنصرهما, ثم مضى به في السماء, فإذا هو بِنَهْر آخر عليه قَصْرٌ من لؤلوءٍ وزَبَرجد, فضرب يَدَه, فإذا هو مِسكٌ أذْفَرُ. قال: ماهذا يا جبريل؟ قال: هذا الكوثر الذي خبَأ لك ربك, ثم عرج به إلى السماء الثانية فقالت الملائكة له مِثلَ ما قالت له الأولى: من هذا؟ قال: جبريل, قالوا: ومن معك؟ قال: محمد. قالوا: وقد بُعِث إليه؟ قال: نعم. قالوا: مرحبًا به وأهلًا, ثم عَرَج به إلى السماء الثالثة وقالوا له مثل ما قالت الأولى والثانية, ثم عَرَج به إلى الرابعة فقالوا له مثل ذلك, ثم عرج به إلى السماء الخامسة فقالوا مثل ذلك, ثم عرج به إلى السماء السادسة فقالوا له مثل ذلك, ثم عرج به إلى السماء السابعة فقالوا له مثل ذلك, كل سماء فيها أنبياء قد سمَّاهم مِنهُم إدريسُ في الثانية وهارون في الرابعة, وآخر في الخامسة لم أحفظ اسمَه, وإبراهيمُ في السادسة, وموسى في السابعة بتفضيل كلام الله, فقال موسى: رَبَّ لم أظن أن يرفع عليَّ أحدًا, ثم عَلَا به فوق ذلك بما لا يَعلَمه إلا الله, حتى جاء سِدرة المنتهى ودَنَا الجَبَّار ربُّ العِزَّة فتَدلَّى حتى كان منه قَابَ
стр. 2252
قوسَين أو أَدنَى، فأوحى إليه فيمَا يُوحىِ الله خمسين صلاة على أُمّتِك كل يوم وليلة, ثم هَبَط حتى بلغ موسى فاحْتبَسه موسى فقال: يا محمد ماذا عَهِد إليك ربك؟ قال عَهِد إلي خمسين صلاة كلَّ يوم وليلة. قال: إنَّ أُمَّتَك لا تستطيع ذلك, فارجع فليُخفِفّ عنك ربك وعنهم, فالتفت النبي ﷺ إلى جبريل كأنه يستشيره في ذلك فأشار إليه جبريل أن نعم إن شِئت, فَعَلَا به إلى الجَبَّار فقال وهو مكانه: ياربّ خفف عنا فإن أمتي لا تستطيع هذا, فوضع عنه عَشْر صلوات/ ثم رَجَعَ إلى موسى فاحْتبَسه, فلم يَزَل يُردِّده موسى إلى ربِّه حتى صَارت إلى خَمس صلوات, ثم احْتَبَسه موسى عند الخَمس فقال: يا محمد, والله لقد رَاودتُ بَني إسرائيل قَومي على أدنى من هذا, فضَعُفُوا فتركُوه, فأُمَّتُك أضعفُ أجسادًا وقلوبًا وأبدانًا وأبصارًا وأسماعًا, فارجع فليُخَفِّف عنك ربك, كل ذلك يلتفت النبي إلى جبريل ليشير به عليه, ولا يكره ذلك جبريل, فرَفَعَه عند الخامسة فقال: يا ربِّ إنَّ أمتي ضُعفاء؛ أجسادهم وقلوبُهم وأسماعُهم وأبدانُهم, فخَفِّف عنَّا, فقال الجَبَّار: يامحمد. قال: لَبَّيْك وسَعْدَيْك. قال: إنه لايُبدَّلُ القَولُ لَدَيّ, كما فَرضْت عَليك في أمَّ الكتاب, فكُلُّ حَسَنَةٍ بعَشْر أمثالِها, فهي خَمسُون في أمَّ الكتاب, وهي خمَسٌ عليك, فرجع إلى موسى فقال: كيف فعلتَ؟ فقال: خَفَّفَ عنّا, أعطانا بكل حَسَنةٍ عَشر أمثالِها, قال موسى: قد والله راودت بني إسرائيل على
стр. 2253
أدنى من ذلك, فتركُوه, ارجع إلى ربِّك فليُخفِّف عنك. قال رسول الله ﷺ : يا موسى قد والله استَحْيَيْتُ من ربِّي مما اخْتَلَفْتُ إليه. قال: فاهبِط باسْمِ الله, فاستَيْقَظَ وهو في المسجد الحرام.
قُلتُ: إنّما سردنا هذه القصة بطولها، ولم نختصر موضع الحاجة منها لبَشَاعَة ماوَقع فيها من الكلام الذي لا يَلِيقُ بصِفَة الله تعالى، ولا يَنبغي لِمُسلم أن يعتقدَه على ظاهِره, وهو قولُه: "وَدَنَا الجَبَّار ربُّ العِزّة فتدلَّى حتى كان قَابَ قَوسَين أو أدنى"، وذلك أنّ هذا يُوجب تحديد المسافة بين أحد المذكورين وبين الآخر، وتمييز مكان كل واحد منهما، هذا إلى ما في التَّدَلِّي من التَّشبيه والتَّمثيل له بالشَّيء الذي يعَلُو من فوق إلى أسفل, فمن لم يبلغه من هذا الحديث إلا الفصل مقطوعا عن غيره ولم يعتبره بأول القصة/ وآخرها اشتبه عليه وجه الحديث ومعناه, وكان قُصَاراه إمّا رَدُّ الحديث على وَجهِه، وإمَّا حملُه على أسوأ مايكون من التأويل الذيهو عَين التَّشبيه, وكلاهما خَطّتان مرغوبٌ عنهما, وليس في هذا الكتاب حديثٌ أشنع ظاهرًا وأبشع مَذاقًا من هذا الحديث, فلأجل ذلك سَردتُه من أولِهِ إلى آخرِه لِيَعتَبر النَّاظرُ أوّله بآخره, فلا يَشْكِل عليه بإذن الله معناه, وذلك أنه قد ذكر في أول الحديث وآخره أنه رُؤيا أُريهَا رسول الله ﷺ . ألَا تراه يقول في أول الحديث: جاءه ثلاثةُ نَفَر قَبَل أن يُوحَى إليه وهو نائمٌ في المسجد الحرام وبعض الرؤيا مَثَل يَضرَب لِيُتأوّل على الوجه الذي يجب أن يَصرَف إليه معنى التَّعبير
стр. 2254
في مثله, وبعضها كالُمشاهدة والعِيَان, ثم إن القِصة بطولها إنما هي حِكاية يَحكيها أنس بن مالك ويُخبِر عنها من تلقاء نفسه لم يَعزُها إلى رسول الله ﷺ ولا رَوَاها عنه ولا أضافَها إلى قوله, فحَاصل الأمر في التَّدلِّي وإطلاق اللفظ على الوجه الذي تضمنه الخَبَر أنه رايُ إما أنس بن مالك, وإما رَاوِيه شَريكُ بن عبدالله بن أي نَمِر, فإنه كثير التفرُّد بمناكير الألفاظ في مثل هذه الأحاديث إذا رَواها من حيث لا يتابعه عليه سائر الرواة, وأيُّهما صَحَّ هذا القول عنه وأضيف إليه فقد خالفه فيه عامة السلف المتقدمين والعلماء وأهل التفسير والتأويل منهم ومن المتأخرين.
والذي قيل في هذه الآية أقوال.
أحدها: أنه دنا, يعني جبريل من محمد ﵇, فتَدلَّى, أي: فَقَرُب منه. وقال بعضهم: إن/ معنى قوله: ثم دنا
стр. 2255
فتَدَلَّى , على التقديم والتأخير, أي تدلَّى ودنا, وذلك أن التدلِّي سَببُ للدُّنُوِّ.
وقال بعضهم: تدلَّى له, يعني جبريل. بعد الانتصاب والارتفاع حتى رآه النبي ﷺ مُتَدَلِيًا, كما رآه مُنْتَصِبًا, وكان ذلك من آيات قدرة الله حيث أقدره على أن يتدلَّى في الهواء من غير اعتمادٍ على شيء ولا تمسُّك بشيء.
وقال بعضهم: معنى ثوله: دنا -يعني جبريل- فتدلَّى- محمد ﷺ ساجدًا لربه شُكْرًا على ما أراه من قدرته وأناله من كرامته, ولم يثبُت في شيء مما رُوِيَ عن السلف أن التدلِّي مضاف إلى الله سبحانه جلَّ ربنا عن صفات المخلوقين ونُعُوت المَربُوبِين المحدودين.
وقد رُوِيَ هذا الحديث عن أنس من غير طريق شَرِيك بن عبدالله, فلم تُذكَر فيه هذه الألفاظ البشعة, فكان ذلك مما يُقوِّي الظن أنها صادرة من قِبَل شَرِيك والله أعلم
стр. 2256
وفي هذا الحديث لفظةٌ أخرى تفرَّد بها شَريك أيضًا لم يذكرها غيره. وهي قوله: "فقال وهو مكانه" والمكان لا يضاف إلى الله , إنما هو مكان النبي ﷺ ومقامه الأول الذي أقيم فيه.
وههنا لفظة أخرى في قِصاة الشفاعة رواها قتادة, عن أنس.
(٢٤) باب قول الله تعالى (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَة, إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ)
١٢٣٥/ ٧٤٤٠ - قال أبو عبدالله: وقال حَجَّاج بن مِنهال قال: حدَّثنا همَّام بن يحيى قال: حدثنا قَتَادَة عن أنس, عن النبي ﷺ وذَكر قصة الشفاعة إلى أن قال: فيأتونني -يعني أهل المحشر- يسألوني الشفاعة, فأستأذن على ربي في داره فيُؤذن لي وذَكر الحديث.
وقوله: في داره, يُوهِم مكانًا كاللَّفظة الأولى في القِصة المتقدِمة, وهي قوله في مكانه. ومعنى قوله: "فأستأذنُ على ربي في داره, فيُؤذَن لي عليه, أي في داره التي دَوَّرها لأوليائه وهي الجنة كقوله (لَهُمْ دَار السَّلَام عِنْد رَبّهمْ)
стр. 2257
وكقوله: (وَاَللَّه يَدْعُو إِلَى دَار السَّلَام) وكما يُقال: بيتُ الله, وحَرَم الله, ويريدون بيتَ الله الذي جعله مثابةً للناس, والحَرَم الذي جعله آمنًا لهم, ومثله رُوحُ الله على سبيل التفضيل له على سائر الأرواح, وإنما ذلك في ترتيب الكلام كقوله : (إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ) فأضاف الرسول إليهم وإنما هو رسول الله أرسله إليهم.
(الباب السابق نفسه)
١٢٣٦/ ٧٤٣٩ - قال أبو عبدالله: حدَّثنا يحيى بن بُكير قال: حدَّثنا اللَّيث , عن خالد بن يزيد, عن سعيد بن أبي هلال, عن زيد, عن عطاء بن يسار, عن أبي سعيد الخُدْرِيِّ, عن النبي ﷺ في صفة يوم القيامة قال: ثم يُؤتى بالجسْر, فيُجْعل بين ظَهْرَي جهنم, قلنا: يارسول الله وما الجسْر؟ قال: مَدْحَضةٌ مَزِلَّة, غليه خطَاطِيفُ ومكلاليبُ وحَسَكَة مُفَلْطَحة لها شوكة عَقِيفة تكون بنجْد يُقال لها السَّعدان المؤمن عليها لطرَّف وكالبرق, وكالريح, وكأجاويد الخيل, والركاب, فناجٍ مُسَلَّمٌ وناجٍ مَخدُوش ومكدوس في نار جهنم.
قوله: مَدْحَضةٌ -يعني تُدحَضُ عليه الأقدام- أي: تَزِلُّ. ومنه قولهم: أدحضتُ حُجَّة الرجل, أي أبطلتها, وذلك بأن يُزلَّها عن موضعها. وأجاويد الخيل: جماعة الأجواد, وهي جمع الجواد
стр. 2258
إلا أن الغالب في جماعة الخيل الجياد, وفي جماعة الناس الأجواد من الجود.
والمكدوس: المدفوع في جهنم. ويقال: تكدَّس الإنسان على رأسه إذا دُفع من ورائه فسقط. والتكدُّس في سير الدواب أن يركب بعضها بعضًا.
(٥٠) (باب ذكر النبي ﷺ وروايته عن ربه)
١٢٣٧/ ٧٥٣٦ - قال أبو عبدالله: حدثني محمد بن عبدالرحيم قال: حدَّثنا أبو زيد -سعيد بن الربيع الهروي - قال حدَّثنا شعبة, عن قتادة, عن أنس, عن النبي ﷺ يرويه عن ربه قال: إذا تقرَّب العبد إليَّ شبرًا, تقرَّبتُ إليه ذراعًا, وإذا تقرَّب إليَّ ذراعًا تقرَّبتُ منه باعًا, وإذا أتاني مشيًا أتيتته هرولة.
١٢٣٨/ ٧٥٣٧ - قال أبو عبدالله: وحدَّثنا مُسَدَّد, عن يحيى عن التَّيْميِّ, عن أنس, عن أبي هريرة قال: ربَّما ذكر النبي ﷺ قال: إذا تقرَّب العبد مني شبرًا تقرَّبتُ منه ذراعًا, وإذا تقرَّب مني ذراعًا تقرَّبتُ منه باعًا أو بُوعًا.
стр. 2259
قوله: "إذا تقرَّب العبد إليَّ شبرًا, تقرَّبتُ إليه ذراعًا" هذا مَثَل ومعناه حُسن القَبول ومضاعفة الثواب على قدر العمل الذي يَتقرَّب به العبد إلى ربع, حتى يكون ذلك مُمثّلًا بفعل من أقبل نحو صاحِبِه قدْرَ شِبر, فاستقبله صاحبه ذِراعًا, وكمن مشى إليه فهَرْوَل إليه صاحبه قبولًا له وزيادة, وفي إكرامه, وقد يكون معناه التوفيق له التيسير للعمل الذي يُقرِّبه منه, والله أعلم.
البَوْعُ: مصدر باعَ يَبُوع بَوعًا, إذا مَدَّ باعه وبَسَط يده لإدْنائه من نفسه, وقد يحتمل أن تكون الرِّواية بُوعًا مضمومة الباء جمع باع, كما قيل: دار ودُورٌ وساق وسُوقٌ.
قال الشيخ أبو سليمان حمد بن محمد الخطَّابي ﵀ هذا منتهى القول فيما تيسَّر من تفسير أحاديث الجامع الصحيح, وقد اختصرنا الكلام في عامَّتها إلا في مواضع لم نجد من إشباع القول فيها بُدًّا لإشكالها وغُموض معانيها, ووجدت صاحب الكتاب لم يُرتّب ماوضع فيه من الأحاديث ترتيب الكتب المُصنَّفة في أبواب الفقه والعلم, فيَضمَّ كل نوع منه إلى الفقه ويضعه في بابه ولا يخلطه بغيره, كما فعله أبو داود في كتابه, فوقع كلامنا في تفسيرها على حسب ذلك اتِّباعًا لمذهبه وحِفظًا لرسمه, وأسأل الله أن ينفعنا والمسلمين بها وأن يتجاوز عن الزلل إن عرض فيها, وصلى الله على محمد وآله أجمعين.
стр. 2260
آخر كتاب أعلام الحديث.
والحمد لله حقَّ حمده على تسهيله, وله الشكر دائمًا على تحصيله. ووافق الفراغ منه في شهر جمادى الأولى سنة ثلاث وستين وخمسمائة, وحسبنا الله ونعم الوكيل, وصلواته على النبي محمد وآله أجمعين.