Полный текст (2 260 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.
стр. 1
أعلام الحديث في شرح صحيح البخاري
للإمام أبي سليمان حمد بن محمد الخطابي
٣١٩ هـ - ٣٨٨ هـ
تحقيق ودراسة
الدكتور محمد بن سعد بن عبد الرحمن آل سعود
стр. 2
الطبعة الأولى
١٤٠٩ هـ - ١٩٨٨ م
стр. 3
مقدمة المؤلف
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قال الشيخ الإمام أبو سليمان حمد بن محمد بن إبراهيم الخطابي:
الحمد لله المنعم، مفضل النبيين، المجزل الجواد الكريم، ذي المن العظيم الذي ابتدأنا بنعمته في الأزل مشيئة وقدرا قبل أن نكون خلقا بشرا وقبل أن نسوى أجساما وصورا، ثم اصطنعنا بعدُ فأكرمنا بمعرفته وأرشدنا بنطر هدايته، علمنا الدين وكنا جهالا، وبصرنا السبيل وكنا ضلالا، ولولا فضله علينا ورحمته إيانا ما زكا منا من أحد ولا اهتدى بجهده إلى خير ورشد، و ﴿الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا قيما﴾ أوضح به مناهج الحق ونور سبله وطمس به أعلام الباطل وعور طرقه، وشرع فيه الأحكام، وبين فيه الحلال والحرام، ثم بشر وأنذر (ووعد) وأوعد، وضرب فيه الأمثال، واقتص عن الأمم السالفة نواصي الأخبار ليكون لنا فيها موعظة وبها اعتبار.
والحمد لله ﴿الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته
стр. 4
ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين﴾. جعله مهيمنا على كتابه ومبينا له وقاضيا على ما أجمل منه بالتفسير، وعلى ما أبهم من ذكره بالبيان والتلخيص ليرفع بذلك من قدره ويشيد بذكره، فتكون أحكام شرائع دينه صاردة عن بيان قوله وتوقيفه، ثم قرن طاعته بطاعته، وضمن الهدى في متتابعته. فقال: ﴿من يطع الرسول فقد أطاع الله﴾ وقال ﷻ : ﴿وإن تطيعوه تهتدوا﴾، وشهد له بالصدق فيما قاله وبلغه فقال : ﴿وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى﴾، وسلم له فيما شرعه وسنه الحكم وألقى إليه في ذلك أزمة الأمر، فقال : ﴿فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما﴾.
وأحمد الله الذي جعلنا من أمته فأكرمنا بدينه وسنته وعلمنا منهما ما لم نكن نعلم وكان فضله علينا عظيما.
نحمده على جميع آلائه قديمها وحديثها تليدها وطريفها السالفة منها والراهنة، الظاهرة منها والباطنة، حمد المعترفين بأسبابه وإبلائه، العاجزين عن مزيد فضله وإحصائه، المجتهدين في بلوغ شكره، الراغبين في المزيد من نوافل بره، ونسأله أن يصلي على
стр. 5
محمد عبده ورسوله أفضل صلاة صلاها على نبي من أنبيائه أرفعها درجة وأسناها ذكرا، صلاة تامة زاكية غادية عليه ورائحة، كما قد جاهد فيه حق جهاده، وناصحه في إرشاد خلقه وعباده، وعادى فيه الأقربين، ووالى الأجانب الأبعدين، وصدع بما أمر حتى أتاه اليقين، وأن يضاعف من بركاته عليه، ويزلف مقامه لديه، وأن يسلم عليه وعلى آله تسليما.
وإن جماعة من إخواني ببلخ كانوا سألوني عند فراغي لهم من إملاء كتاب (معالم السنن) لأبي داود سليمان بن الأشعث السجستاني ﵀ أن أشرح لهم كتاب الجامع الصحيح لأبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري ﵀ وأن أفسر المكل من أحاديث وأبين الغامض من معانيها، وذكروا أن الحاجة إليه كانت أمس، والمؤنة على الناس فيه أشد، فتوقفت إذ ذاك عن الإجابة إلى ما التمسوه من ذلك، إذ كنت أستصعب الخطة وأستبعد فيه الشقة، لجلالة شأن هذا الكتاب فإنه كما قيل: (كل الصيد في جوف الفرا) ولما يشتمل عليه من صعاب الأحاديث وعضل
стр. 6
الأخبار في أنواع العلوم المختلفة التي قد خلا عن أكثرها كتاب المعالم؛ إذ كان معظم القصد من أبي داود في تصنيف كتابه ذكر السنن والأحاديث الفقهية، وغرض صاحب هذا الكتاب إنما هو ذكر ما صح عن رسول الله ﷺ من حديث في جليل من العلم أو دقيق، ولذلك أدخل فيه كل حديث صح عنده في تفسير القرآن، وذكر التوحيد والصفات، ودلائل النبوة ومبدأ الوحي وشأن المبعث، وأيام رسول الله ﷺ وحروبه ومغازيه، وأخبار القيامة والحشر، والحساب، والشفاعة وصفة الجنة والنار، وما ورد منها في ذكر القرون الماضية، وما جاء من الأخبار في المواعظ والزهد والرقاق، إلى ما أودعه بعدُ من الأحاديث في الفقه والأحكام والسنن، والآداب، ومحاسن الأخلاق، وسائر ما يدخل في معناها من أمور الدين، فأصبح هذا الكتاب كنزا للدين، وركازا للعلوم، وصار بجودة نقده وشدة سبكه حكما بين الأمة فيما يراد أن يعلم من صحيح الحديث وسقيمه، وفيما يجب أن يعتمد ويعول عليه منه، ثم إني فكرت بعد فيما عاد إليه أمر الزمان في وقتنا هذا من نضوب العلم، وظهور الجهل، وغلبة أهل البدع، وانحراف كثير من أنشاء الزمان إلى مذاهبهم وإعراضهم عن الكتاب والسنة، وتركهم البحث عن معانيهما، ولطائف علومهما، ورأيتهم حين هجروا هذا العلم وبخسوا حظا منه ناصبوه وأمعنوا في الطعن على أهله فكانوا كما قال الله : ﴿وإذ لم يهتدوا به فسيقولون هذا إفك
стр. 7
قديم﴾. ووجدتهم قد تعلقوا بأحاديث من متشابه العلم قد رواها جامع الكتاب وصححها من طريق السند، والنقل، لا يكاد يعرف عوام رواة الحديث وجوهها ومعانيها، إنما يعرف تأويلَها الخواصُّ منهم، الراسخون في العلم، المتحققون به، فهم لا يزالون يعترضون بها عوام أهل الحديث، والرجل [؟] والضعفة منهم، فإذا لم يجدوا عندهم علما بها ومعرفة بوجوهها اتخذوهم سلما إلى ما يريدون من ثلب جماعة أهل الحديث والوقيعة فيهم، ورموهم عند ذلك بالجهل وسوء الفهم، وزعموا أنهم مقلدون يروون ما لا يدرون، وإذا سئلوا عنه وعن معانيه ينقطعون ويسمونهم من أجل ذلك حمالة الحطب وزامل [وزوامل] الأسفار ونحوهما من ذميم الأسماء والألقاب فكم غُمر يغتر بهم من الأغمار، والأحداث الذين لم يخدموا هذا الشأن ولم يطلبوه حق طلبه، ولم يعضوا في علمه بناجذ فيصير ذلك سببا لرغبتهم عن السنن وزهدهم فيها، فيخرج كثير من أمر الدين عن أيديهم وذلك بتسويل الشيطان لهم ولطيف مكيدته فيهم، وتخوفت أن يكون الأمر فيما يتأخر من الزمان أشد والعلم فيه أعز لقلة عدد من أراه اليوم يُعنَى بهذا الشأن ويهتم به اهتماما صادقا، ويبلغ فيه من العلم مبلغا صالحا.
فحضرتني النية في إطلابهم ما سألوه من ذلك، وثابت إلي الرغبة
стр. 8
في إسعافهم بما التمسوه منه، ورأيت في حق الدين وواجب النصيحة لجماعة المسلمين أن لا أمنع ميسور ما أسبغ له من تفسير المشكل من أحاديث هذا الكتاب وفتق معانيها، حسب ما تبلغه معرفتي ويصل إليه فهمي، ليكون ذلك تبصرة لأهل الحق، وحجة على أهل الباطل والزيغ، فيبقى ذخيرة لغابر الزمان، ويخلد ذكره ما اختلف الملوان. والله الموفق لذلك، والمعين عليه، والعاصم من الزلل فيه بمنه ورأفته.
وقد تأملت المشكل من أحاديث هذا الكتاب والمستفسر منها فوجدت بعضها قد وقع ذكره في كتاب معالم السنن مع الشرح له والإشباع في تفسيره، ورأيتني لو طويتها فيما أفسره من هذا الكتاب وضربت عن ذكرها صفحا اعتمادا مني على ما أودعته ذلك الكتاب من ذكرها كنت قد أخللت بحق هذا الكتاب فقد يقع هذ عند (من) لا يقع عنده ذاك، وقد يرغب في أحدهما من لا يرغب في الآخر ولو أعدت فيه ذكر جميع ما وقع في ذلك التصنيف كنت قد هجَّنت هذا الكتاب بالتكرار، وعرضت الناظر فيه للملال، فرأيت الأصوب أن لا أخليها من ذكر بعض ما تقدم شرحه وبيانه هناك متوخيا الإيجاز فيه، مع إضافتي إليه ما عسى أن يتيسر في بعض تلك الأحاديث من تجديد فائدة وتوكيد معنى زيادةً على ما في ذلك الكتاب ليكون عوضا عن الفائت وجبرا للناقص منه، ثم إني أشرح
стр. 9
بمشيئة الله الكلام في سائر الأحاديث التي لم يقع ذكرها في معالم السنن وأوفيها حقها من الشرح والبيان.
فأما ما كان فيها من غريب الألفاظ اللغوية فإني أقتصر من تفسيره على القدر الذي تقع به الكفاية في معارف أهل الحديث الذين هم أهل هذا العلم وحملته دون الإمعان فيه والاستقصاء له على مذاهب أهل اللغة من ذكر الاشتقاق والاستشهاد بالنظائر ونحوها من البيان، لئلا يطول الكتاب، ومن طلب ذلك وجد العلة فيه مراضة بكتاب أبي عبيد ومن نحا نحوه في تفسير غريب الحديث.
وأما استناد هذا الكتاب وسماعه فإنا لم نلحق من أصحاب محمد بن إسماعيل الذين شاهدوه وسمعوا منه لقدم موته، فإنه مات ﵀ على ما بلغنا، سنة ست وخمسين ومائتين. وقد سمعنا
стр. 10
معظم هذا الكتاب من رواية إبراهيم بن معقل النسفي حدثناه خلف بن محمد الخيام قال: حدثنا إبراهيم بن معقل عنه سمعنا سائر الكتاب إلا أحاديث من آخره من طريق محمد بن يوسف الفَرَبْري، حدثنيه محمد بن خالد بن الحسن قال: حدثنا الفربري عنه، ونحن نبين مواضع اختلاف الرواية في تلك الأحاديث إذا انتهينا إليها إن شاء الله.
قال أبو سليمان ﵀ صدَّر أبو عبد الله كتابه بحديث النية وافتتح كلامه به، وهو حديث كان المتقدمون من شيوخنا ﵏ يستحبون تقديمه أمام كل شيء يُنشأ ويبتدأ من أمور الدين، لعموم الحاجة إليه في جميع أنواعها ودخوله في كل باب من أبوابها.
стр. 11
كتاب بدء الوحي
(١) (باب كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله ﷺ :
١/ ١ - حدثنا خلف بن حمد قال: حدثنا إبراهيم بن معقل قال: حدثنا محمد بن إسماعيل قال: حدثنا الحمدي قال: حدثنا سفيان قال أخبرنا يحيى بن سعيد الأنصاري قال: حدثنا محمد بن إبراهيم التيمي أنه سمع علقمة بن وقاص الليثي قال: سمعت عمر بن الخطاب على المنبر يقول: سمعت رسول الله ﷺ -
стр. 12
يقول: (إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو إلى امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه).
قال أبو سليمان ﵀ هكذا وقع في رواية إبراهيم بن معقل عنه، مخرما، قد ذهب شطره، ورجعت إلى نسخ أصحابنا فوجدتها كلها ناقصة لم يذكر فيها قوله: (فمن كانت هجرته إلى الله وإلى رسوله فهجرته إلى الله وإلى رسوله). وكذلك وجدته في رواية الفربري أيضا، فلست أدري كيف وقع هذا الإغفال، ومن جهة من عرض من رواته؟ وقد ذكره محمد بن إسماعيل في هذا الكتاب في غير موضع من طريق الحميدي فجاء به مستوفى رواه عن أبي النعمان: -محمد بن الفضل- عن حماد بن زيد، عن يحيى بن سعيد، ورواه أيضا عن قتبة، عن عبد الوهاب، عن
стр. 13
يحيى بن سعيد فما خرم منه شيئا. ولست أشك في أن ذلك لم يقع من جهة الحميدي فقد رواه لنا الأثبات من طريق الحميدي، تاما غير ناقص.
أخبرنا ابن الأعرابي قال: حدثنا أبو يحيى بن أبي (ميسرة)، قال: حدثنا الحميدي ح وحدثنا أحمد بن إبراهيم بن مالك الرازي قال: حدثنا بشر بن موسى قال: حدثنا الحميدي قال: حدثنا سفيان قال: أخبرنا يحيى بن سعيد قال: حدثنا محمد بن إبراهيم التيمي أنه سمع علقمة بن وقاص الليثي قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن
стр. 14
كانت هجرته إلى الله وإلى رسوله فهجرته إلى الله وإلى رسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه).
اللفظ للرازي (فهذه) رواية الحميدي عن سفيان، تامة غير ناقصة كما ترى، والله أعلم من أين عرض التقسير فيه، ولا أعلم خلافا بين أهل الحديث في أن هذا الخبر لم يصح مسندا عن النبي ﷺ إلا من رواية عمر بن الخطاب ﵁ وقد غلط بعض الرواة فرواه من طريق أبي سعيد الخدري عن النبي ﷺ .
стр. 15
حدثنا إبراهيم بن فراس، قال: حدثناه موسى بن هارون قال: حدثنا نوح بن حبيب قال: حدثنا عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي رواد قال: حدثنا مالك بن أنس، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : (إنما الأعمال بالنية ولكل امرئ ما نوى). فذكر نحوا من حديث عمر ﵁ وهذا عند أهل المعرفة بالحديث مقلوب، وإنما هو إسناد حديث آخر ألصق به هذا المتن. ويقال: إن الغلط إنما جاء فيه من قبل نوح بن حبيب البذشي.
стр. 16
وهذا الحديث أصل كبير من أصول الدين ويدخل في أحكام كثيرة، ومعنى النية: قصدك الشيء بقلبك، وتحري الطلب منك له. وقيل: هي عزيمة القلب. وقال بعض أهل اللغة: أصل النية الطلب. ويقال: لي عند فلان نية ونواة، أي طلبة وحاجة وأنشد لكثير:
وإن الذي ينوي من المال أهلها .... أوارك لما تأتلف وعوادي
يريد ما يطلبونه من المهر.
وقوله: (إنما الأعمال بالنيات). لم يرد به أعيان الأعمال؛ لأنها حاصلة حسا وعيانا بغير نية، وإنما معناه أن صحة أحكام الأعمال في حق الدين إنما تقع بالنية، وأن النيات هي الفاصلة بين ما يصح منها وبين ما لا يصح، وكلمة (إنما) عاملة بركنيها إيجابا ونفيا، فهي تثبت الشيء وتنفي ما عداه، فدلالتها أن العبادة إذا صحبتها النية
стр. 17
صحت، وإذا لم تصحبها لم تصح، ومقتضى حق العموم منها يوجب أن لا يصح عمل من الأعمال الدينية أقوالها وأفعالها إلا بنية دخل فيها التوحيد الذي هو رأس أعمال الدين فلا يصح القول بالتوحيد إلا بمعرفة وقصد إخلاص فيه، وكذلك سائر أعمال الدين، من الصلاة والزكاة والصيام والوضوء بالماء والتيمم بالتراب، فلو أن رجلا غسل أعضاء الوضوء من بدنه تبردا أو تنظفا لم يجزه أن يصلي بذلك حتى ينوي بالوضوء رفع الحدث، وكذلك لو فعله يريد به تعليم غيره الوضوء. ومثل ذلك لو انغمس في نهر ليتعلم سباحة أو يصطاد سمكا، أو يستخرج من قعره شيئا، أو ليأخذ ما يطفو على متنه من غثاء وحطب في نحو ذلك، لم يجز أن يصلي بشيء منها حتى يكون قصده بمس الماء نوعا من العبادة التي لا تجزي [تجزئ] إلا بطهارة. ويدخل في عمومه فرض الأعمال ونفلها وقليلها وكثيرها.
وقوله: (وإنما لكل امرئ ما نوى). تفصيل لبيان ما تقدم ذكره، وتأكيد له، وفيه معنى خاص لا يستفاد من الفصل الأول، وهو إيجاب تعيين النية للعمل الذي يباشره، فلو نوى رجل أن يصلي أربع ركعات عن فرضه إن كان قد فاته، وإلا فهي تطوع لم تجزه عن فرضه، لأنه لم يمحِّض النية له ولم يعينه بأن لا يشرك معه غيره وإنما داول في النية بين الفرض وبدله، فلم تجد النية قرارا، وكذلك هذا فيمن نوى في آخر ليالي شعبان أن يصوم غدا عن فرض رمضان إن أهل الهلال، وإلا فهو تطوع، فصادف صومه الشهر لم
стр. 18
يجزه عن فرضه، وكذلك هذا فيمن فاتته صلاة من الصلوات الخمس، لا يعرفها بعينها، فإن عليه أن يصليها كلها، ينوي كل واحدة منها عن فرضه، وقد زعم بعضُ من ينتسب إلى مذهب الشافعي ﵀ أنه قد يمكنه استدراك الفائت من فرضه بأن يصلي أربع ركعات، يجهر في الأوليين منها ويقعد في الثانية ويتشهد، ويصلي على النبي ﷺ ، ثم يصلي الثالثة ويقعد فيها ويتشهد، ويصلي على النبي ﷺ ، ثم يقوم إلى الرابعة فيصليها ويقعد للتشهد والصلاة، ثم يسلم، فتكون الثالثة كزيادة ركعة، بالشك على الفريضة إن كان الفائت صبحا، والرابعة كذلك زيادة ركعة، بالشك على فرضه إن كان مغربا ويكون تمام الأربع عن سائر الفرائض أيتها فاتته. وهذا لا يصح عند أكثر أصحاب الشافعي على مذهبه، ولكنه قد يتوجَّه على مذاهب بعض فقهاء العراق فإنه قال: إذا فاتته صلاة يوم وليلة صلى ركعتين للفجر وثلاثا المغرب وأربعا تجزئه عن أيتها كانت من الصلوات الثلاث، وذلك لأنه لم يراع التعيين في الفائتة إنما راعى الصفة فيها.
فأما موضع النيات فإنها تختلف، منها ما تجب المحاذاة بها للعمل الذي ينوي له كالصلاة والطهارة. ومنها ما يجوز تقديمها على العمل كالصيام. ومنها ما يتضمن النية جملة أفعال متفرقة ينتظمها اسم واحد، فتنوب النية الواحدة عنها كلها وقد تتأخر نية التعيين عن وقت إنشاء الإحرام، ثم يصرفه إلى ما أحب من الحج والعمرة مفردا لكل واحدة منها أو جامعا بها بينهما. وقد يقع في بعض الأعمال على إبهام، ثم يقع التعيين لموضعها فيما بعد، كمن عليه كفارتان من قتل نفس وظهار
стр. 19
وهو واجد للرقبة، فإذا أعتق رقبة ولم تحضره النية عن العتق نواه فيما بعد لأيتهما شاء. وعلى (كل) حال فلا ينفك عمل من أعمال العبادات عن نية ما، ولا يق شيء منها محتسبا بها في ذات الله إلا بها، وإنما جاز التقديم والتأخير فيها لعلل وأسباب ليس هذا موضع ذكرها.
وقد ذهب أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وأبو ثور إلى أن الحاج إذا طاف طواف الإفاضة ولم ينوه عن الفرض لم يجزه، وجوزه الشافعي؛ لأن النية الأولى قد تضمن جميع أفعال الحج، وكذلك قال سفيان الثوري وأصحاب الرأي.
وقال مالك بن أنس في الصرورة: إذا نوى الحج عن غيره وقع عن المحجوج عنه.
стр. 20
واحتج له بعض أصحابه بقوله ﷺ : (إنما الأعمال بالنيات) وهذا قد نواه عن زيد فلا يقع عن عمرو. قال: ولو كان الحج واقعا عن نفسه لحصل بلا نية. (وقد خصت النية بأن لا صحة لعمل من أعمال الدين إلا بنية).
ومما يجب عليك أن تحكمه في هذا الباب تقدمة المعرفة بأمور منها:
أن تعرف الشيء الذي تعبدت به، وأن تعلم أنك مأمور به، وأن تطلب موافقة الآمر فيما تعبدت به، فإنك إذا لم تعلم صفة ما أمرت به لم يتأت لك فعله على الوجه الذي تعبدت به، ومن فعل المأمور به من غير أن يعرف أنه مأمور به أو في جملة المأمورين به لم يكن في فعله مطيعا للآمر، ومن عرف الآمر ثم لم يقصد بفعله المأمور به موافقة الآمر لم يكن ممتثلا لأمره وهذا جملة من أمر علم النية وما يدخل في معناها.
وقد يستدل من هذا الحديث في مواضع من أحكام المعاملات وما يتصل بها مما ليس من باب العبادات المحضة، منها أن يستدل به على أنه من أكره على الكفر فتكلم به على التقية وهو ينوي معنى يخالف ظاهر القول الذي جرى على لسانه أنه لا يكفر به، فكذلك من أكره على يمين بظلم أو أكره على طلاق إذا ألحد في النية إلى غير
стр. 21
معنى فساد النكاح ونيته، كما ينوي أن تكون طالقا من وثاق أو نحوه، وقد يطلقها بلفظ من ألفاظ الكنايات يحتمل معنى وقوع البينونة فيكون ما نوى من العدد. وقد روي عن النبي ﷺ أنه قال لركانة حين طلق امرأته البتة: كم أردت؟
ويدخل في هذا المعنى ما ينويه الإنسان في يمينه مما يخالف باطن معناه ظاهر الاسم فيسقط عنه الحنث، كمن قال: والله ما رأيت زيدا، وهو ينوي أنه لم يصب رئته، وما كلمت عمرا، يريد ما جرحته، ونحو ذلك من الكلام المحتمل للمعاني المختلفة.
وقد يستدل به على أن كل ما يحتال به في العقود والبياعات من غش وخلابة واستفضال صرف أو ربا، أن جميع ذلك باطل في
стр. 22
حق الدين، لأنه إنما قصد به التوصل إلى المحظور والأمر المحرم، لا يجوز أن يستباح به الشيء المحظور في حق الدين، وقد استدل به بعضهم على أن طلاق السكران غير واقع، إذا كان لا يدري ما يقول، وهذا الاستدلال فيه بعد وضعف؛ لأن موضع النية من الطلاق خالٍ وجوبا وسقوطا إلا أن يكون إيقاعُه الطلاق بلفظ من ألفاظ الكناية فيتعلق بالنية.
وقد زعم قول أن الاستدلال بهذا الحديث في غير نوع العبادات غيرُ صحيح، لأن الحديث إنما جاء في اختلاف مصارف وجوه العبادات لاختلاف النيات لها، فإذا أخرج إلى غير نوع ما جاء فيه لم تسر دلالته إليه، فأما عوام الفقهاء فإنهم إنما ينظرون إلى اتساع لفظ الكلام واحتمال الاسم لما يصلح صرفه إليه من المعاني ويراعون الأسباب التي يخرج عليها الكلام، ولا يقصرونه على نوعه حتى لا يتعداه إلى غيره.
وقوله: (فمن كانت هجرته إلى الله وإلى رسوله فهجرته إلى الله وإلى رسوله) فمعناه أن من قصد بالهجرة قصد القربة إلى الله لا يخلطها بشيء من (الدنيا) وطلب أرب من آرابها، فهجرته إلى الله ورسوله أي فهجرته مقبولة عند الله وعند رسوله،
стр. 23
وأجره واقع على الله ، (ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه)، يريد أن حظه من هجرته هو ما قصده من دنيا، ولا حظ له في الآخرة.
ويروى أن هذا إنما جاء في رجل كان يخطب امرأة بمكة فهاجرت إلى المدينة فتبعها الرجل رغبة في نكاحها فقيل له: مهاجر أم قيس.
стр. 24
(من كتاب كيف كان بدء الوحي على رسول الله ﷺ
(٢) باب
٢/ ٢ - قال أبو عبد الله: حدثنا عبد الله بن يوسف قال: أخبرنا مالك عن هشام بن عروة عن أبيه، عن عائشة ﵂ أن الحارث بن هشام سأل رسول الله ﷺ فقال يا رسول الله: كيف يأتيك الوحي؟ فقال رسول الله ﷺ : (أحيانا يأتيني مثل صلصلة الجرس وهو أشده علي، فيفصم عني، وقد وعيت عنه ما قال، وأحيانا يتمثل لي الملك رجلا فيكلمني فأعي ما يقول).
قالت عائشة: ولقد رأيته ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد فيفصم عنه وإن جبينه ليتفصد عرقا.
قوله: (يفصم عني) معناه يقلع عني وينجلي ما يتغشاني منه، وأصله من الفَصْم وهو القطع. ومنه قول الله تعالى: ﴿لا انفصام لها﴾ أي لا انقطاع لها. ويقال: إن أصل الفصم
стр. 25
الصدق والشق من غير إبانة، وأما القَصْم -بالقاف- فهو الكسر حتى يبين وينفصل، والمعنى أن الوحي كان إذا ورد عليه تصعَّده، له مشقة ويغشاه كرب وذلك لثقل ما يلقى عليه من القول وشدة ما يأخذ به نفسه من جمعه في قلبه وحسن وعيه وحفظه، فيعتريه لذلك حال كحال المحموم، وهو معنى ما جاء في رواية أخرى أنه كان يأخذه عند الوحي الرُّحَضاء أي البُهْر والعرق، ولذلك كان يتفصد جبينه، أي يسيل عرقا كما يفصد العرق فسيل منه الدم، وبيان هذا في قوله : ﴿إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا﴾. وقوله: ﴿لا تحرك به لسانك لتعجل به إن علينا جمعه وقرآنه﴾. قال ابن عباس: كان يستذكر مخافة أن ينفلت منه.
وأما قوله: (يأتيني مثل صلصلة الجرس) فإنه يريد، والله أعلم، أنه صوت متدارك يسمعه ولا يتثبته عند أول ما يقرع سمعه حتى يتفهم ويستثبت فيتلقفه حينئذ ويعيه، ولذلك قال: (وهو أشده علي).
وجملة الأمر فيما كان يناله من الكرب عند نزول الوحي هي شدة
стр. 26
الامتحان له ليبلو صبره ويحسن تأديبه، فيرتاض لاحتمال ما كلفه من أعباء النبوة، وحسن الاضطلاع للنهوض به إن شاء اله، وقد روى أبو عبد الله فيما يشبه هذا حديثا في كتاب المناسك كتبناه هاهنا، إذ كان مشاكلاً لهذا الحديث.
стр. 27
(١٧) [باب غسل الخلوق ثلاث مرات من الثياب]
٣/ ١٥٣٦ - قال أبو عبد الله: قال أبو عاصم، أخبرنا ابن جريج قال: أخبرنا عطاء أن صفوان بن يعلى أخبره أن يعلى قال لعمر: أرني النبي حين يوحى إليه؟ قال: فبينما النبي ﷺ بالجعرانة ومعه نفر من أصحابه جاءه رجل فقال يا رسول الله: كيف ترى في رجل أحرم بعمرة وهو متضمخ بطيب؟ فسكت النبي ﷺ ، فجاء الوحي فأشار عمر إلى يعلى فجاء يعلى، وعلى رسول الله ﷺ ثوب قد أظل به، فأدخل رأسه فإذا رسول الله ﷺ محمر الوجه، وهو يغط، ثم
стр. 28
سري عنه فقال: أين الذي سأل عن العمرة) وذكر الحديث.
هذا شبيه في المعنى لما تقدم ذكره في الحديث الأول من صعوبة الأمر عليه في تلقي الوحي عند وروده وضعف القوة البشرية عن احتماله، هذا إلى ما استشعره من الخوف والوجل لوقوع تقصير فيما أمر به من حسن ضبطه، والشفق من اعتراض خلل دونه. وقد أنذر ﷺ وخوف بما ترتاع له النفس، ويعظم به وجل القلوب في قوله تعالى: ﴿ولو تقول علينا بعض الأقاويل لأخذنا منه باليمين ثم لقطعنا منه الوتين﴾ الاية. وكان قد ابتُلي أيضا بما ألقاه الشيطان في أمنيته، في سورة (النجم)، إلى أن أنزل الله عذره، وآمنه من تبعته في قوله: ﴿وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته﴾ الآية. وقد يحق لما هذا سبيله من عظم الشأن أن يستعد له بأشد ما يكون من الاحتفال، وأن يستفرغ له واسع النفوس، ويبلغ به غاية الاجتهاد وأن يرى كل ما يلقاه صاحبه من تعب ومشقة جللا دونه، فهذا والله أعلم، وجهه ومعناه دون ما يزعمه الجهال الذين لا روية لهم في العلم ولا بصيرة لهم بالدين من ترهات الأباطيل التي لا أصل لها ولا طائل فيها.
стр. 29
(٣) [باب]
٤/ ٣ - قال أبو عبد الله: حدثني يحيى بن بكير قال: حدثنا الليث عن عقيل عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة ﵂ أنها قالت: أول ما بدئ به رسول الله ﷺ من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم، وكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حبب إليه الخلاء وكان يخلو بغار حراء فيتحنث فيه وهو التعبد الليالي ذوات العدد حتى جاءه الحق وهو فيه، فجاءه الملك فقال: اقرأ. قال: ما أنا بقارئ. قال: فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني فقال: اقرأ فقلت: ما أنا بقارئ. إلى أن قال: فأخذني فغطني الثالثة. ثم أرسلني فقال: ﴿اقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الإنسان من علق اقرأ وربك الأكرم﴾ فرجع بها
стр. 30
رسول الله ﷺ يرجف فؤاده، فدخل على خديجة فقال: زملوني فزملوه حتى ذهب عنه الروع، فقال لخديجة -وأخبرها الخبر- (لقد خشيت على نفسي). فقالت خديجة: كلا والله ما يخزيك الله أبدا، إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق)، فانطلقت به خديجة حتى أتت به ورقة بن نوفل، وكان امرأ تنصر في الجاهلية، وكان يكتب العبراني، وكان شيخا كبيرا قد عمي، فأخبره رسول الله ﷺ خبر ما رأى، فقال له ورقة: هذا الناموس الذي أنزل الله على موسى، يا ليتني فيها جذعا، وإن يدركني يومك أنصرك نصرا مؤزرا، وذكر بقية الحديث.
وهذه الأمور التي كان ﷺ بدئ بها من صدق الرؤيا، وحب العزلة عن الناس، والخلوة في غار حراء، والتعبد فيه ومواظبة الصبر عليه الليالي ذوات العدد، وإنما هي أسباب ومقدمات أرهصت لنبوته، وجعلت مبادئ لظهورها ورؤيا الأنبياء وحي. قال عبيد بن عمير: رؤيا الأنبياء وحي. ونزع بقوله : ﴿إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى قال يا أبت افعل ما تؤمر﴾.
стр. 31
وكان ﷺ تنام عيناه ولا ينام قلبه، والخلوة يكون معها فراغ القلب، وهي معينة على الفكر، وقاطعة لدواعي الشغل، والبشر لا ينتقل عن طباعه، ولا يترك ما ألفه من عاداته إلا بالرياضة البليغة والمعالجة الشديدة، فلطف الله تعالى لنبيه ﷺ في بدء أمره، فحبب إليه الخلوة، وقطعه عن مخالطة البشر ليتناس المألوف من عاداتهم ويستمر على هجران ما لا يحمد من أخلاقهم، وألزمه شعار التقوى، وأقامه مقام التعبد بين يديه ليخشع قلبه وتلين عريكته لورود الوحي، فيجد فيه مَرادا سهلا، ولا يصادفه حَزنا وعرا، وعلى هذا المعنى كان، والله أعلم، مطالبة الملك إياه بالقراءة، ومعالجته إياه بالغط وشدة الضغط، فإن الآدمي إذا بلغ منه هذا المبلغ في أمر سمح به إن كان في وسعه، أو تكلف منه بعض ما حمل منه إن لم يكن ذلك من طبعه، فجُعلت هذه الأسباب مقدمات لما أرصد له من الشأن ليرتاض بها ويستعد لما ندب له منه، ثم جاءه التوفيق والتيسير، وأمد بالقوة الإلهية، وبُزت منه النقائص البشرية، وجمعت له الفضائل النبوية ﷺ .
стр. 32
وقوله: (مثل فلق الصبح) يريد ضياء الصبح (إذا انفق وتميز عن ظلمة الليل، وظهر نوره وانبلج يقال: فلق الصبح)، وفرق الصبح، وهذا الأمر أبين من فلق الصبح.
وقوله: فيتحنث معناه: يتعبد، وقيل للتعبد التحنث، لأنه يلقي به الحنث عن نفسه، ونظيره في الكلام التحوب والتأثم، أي إلقاء الحوب والإثم عن النفس.
قالوا: وليس في كلامهم تفعَّل الرجل إذا ألقى الشيءَ عن نفسه غيرُ هذه.
وقوله: (فأخذني فغطني) يريد الضغط الشديد، ومنه الغط في الماء، ومن ذلك غطيط البَكْر وغطيط النائم وهو ترديد النفس إذا لم تجد مساغا مع انضمام الشفتين، ومعنى الغط في هذا الحديث الخنق، وقد جاء في غير هذه الرواية فأخذني فسأبني، والسأب
стр. 33
الخنق.
ويرجف فؤاده أي يخفِق، والرجف: شدة الحركة. ومنه الحديث (أنه كان على حرا فرجف الجبل).
وزملوني يريد دثروني، وتزمل الرجل بالثوب إذا اشتمل به.
وقلها: وتكسب المعدوم، صوابه: وتكسب المُعْدِم، لأن المعدوم لا يدخل تحت الأفعال، يريد أنك تعطي العائل وترفُده، وفيه لغتان يقال: كسبت الرجل مالا وأكسبته، وأفصحهما بحذف الألف، وأنشدني أبو عمر عن أبي العباس في إثبات الألف:
فأكسبته مالا وأكسبني حمدا.
قولها: وتحمل الكل: أي تعين الضعيف والمنقطع به، والكَل:
стр. 34
ما لا يغني نفسه، ولا يستقل بأمرها، ومنه قيل للعيال: كل.
وقوله: هذا الناموس الذي أنزل الله على موسى، يريد جبريل ﵇. وأخبرني أبو عمر قال: أخبرنا أبو العباس عن عمرو بن أبي عمرو الشيباني عن أبيه قال: الناموس صاحب سر الخير، والجاسوس صاحب سر الشر. ويقال: إن أصله مأخوذ من قولك: نامست الرجل إذا ساررته، فقيل منه: ناموس، على بناء فاعول، وقيل: هو مقلوب من ناسمته فقدم الميم على السين.
وقوله: (يا ليتني فيها جذعا) معناه: ليتني بقيت حيا إلى وقت مخرجك، وأيام دعوتك، وكنتُ فيها شابا بمنزلة الجذع من الخيول، لقول الآخر:
стр. 35
يا ليتني فيها جذعْ .... أخُب فيها وأضعْ
قوله: (فيها) على التأنيث، أضمر ما الدعوة أو النبوة أو الدولة، ونصب جذعا على معنى ليتني كنت جذعا، فأضمر (كنت) لأن ليت قد شغل بالمكني، فلم يبق له عمل فيما بعده.
وقوله: أنصرك نصرا مؤزرا، أي بليغا مقوى، من الأزر وهو القوة والظهر.
стр. 36
(٦) [باب]
٥/ ٧ - قال أبو عبد الله: حدثنا أبو اليمان - الحكم بن نافع - قال: أخبرنا شعيب عن الزهري أخبرني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود أعبد الله بن عباس أخبره أن أبا سفيان بن حرب أخبره أن هرقل أرسل إليه في ركب من قريش، وكانوا تجارا بالشام في المدة التي كان رسول الله ﷺ مادَّ فيها أبا سفيان وكفار قريش، فأتوه ودعا بترجمانه فقال: أيكم أقرب نسبا من هذا الرجل الذي يزعم أنه نبي؟ فقلت: أنا. ثم قال
стр. 37
لترجمانه قل لهم: إني سائل هذا عن هذا الرجل، فإن كذبني فكذبوه، فوالله لولا الحياء أن يأثِروا عليَّ كذبا لكذبته عنه، ثم كان أول ما سألني عنه أن قال: كيف نسبه فيكم؟ قلت: هو فينا ذو نسب. قال: فهل قال هذا القول منكم أحد قبله قط؟ قلت: لا. قال: فهل كان من آبائه من ملك؟ قلت: لا. قال: فأشراف الناس اتبعوه أم ضعفاؤهم؟ قلت: بل ضعفاؤهم. قال: أيزيدون أم ينقصون؟ قلت: بل يزيدون. قال: فهل يرتد أحد منهم سخطة لدينه بعد أن يدخل فيه؟ قلت: لا. قال: فهل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ قلت: لا. قال: فهل يغدر؟ قلت: لا. ونحن منه في مدة لا ندري ما هو فاعل فيها. قال: فهل قاتلتموه؟ قلت: نعم. قال: فكيف كان قتاله إياكم؟ قلت: الحرب بيننا وبينه سجال. ينال منا وننال منه. قال: بماذا يأمركم؟ قلت: يقول: اعبدوا الله وحده ولا تشركوا به شيئا، ويأمرنا بالصلاة والصدق والعفاف والصلة.
فقال للترجمان: قل له: سألتك عن نسبه، فذكرت أنه فيكم ذو نسب، وكذلك الرسل تبعث في نسب قومها، وسألتك: هل أحد منكم قال هذا القول قبله؟ فذكرت أن لا. فقلت: لو كان أحدٌ
стр. 38
قال هذا القول قبله لقلت: رجل يأتيني [يأتسي] بقول قيل قبله. وسألتك: هل كان من آبائه من ملك؟ فذكرت أن لا. قلت: فلو كان من آبائه ملك قلت: رجل يطلب ملك أبيه. وسألتك: هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ فذكرت أن لا، فقد أعرف أنه لم يكن ليذر الكذب على الناس ويكذب على الله. وسألتك: أشراف الناس اتبعوه أم ضعفاؤهم؟ فذكرت أن ضعفاءهم اتبعوه وهم أتباع الرسل. وسألتك: أيزيدون أم ينقصون؟ فذكرت أنهم يزيدون، وكذلك أمر الإيمان حتى يتم. وسألتك: أيرتد أحد سخطة لدينه بعد أن يدخل فيه؟ فذكرت أن لا. وكذلك الإيمان حين تخالط بشاشته القلوب، وسألتك: هل يغدر؟ فذكرت أن لا. وكذلك الرسل لا تغدر، وسألتك بم يأمرك؟ فذكرت أنه يأمركم أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا، وينهاكم عن عبادة الأوثان، ويأمركم بالصلاة والصدق والعفاف. وإن كان ما تقول حقا فسيملك موضع قدمي هاتين، وقد كنت أعلم أنه خارج، ولم أكن أظن أنه منكم، ولو أعلم أني أخلص إليه لتجشمت لقاءه، ولو كنت عنده لغسلت عن قدميه.
قال: وكان رسول الله ﷺ كتب إليه فدعا بكتابه فقرأه فإذا فيه: بسم الله الرحمن الرحيم من محمد عبد الله ورسوله إلى هرقل عظيم
стр. 39
الروم، السلام على من اتبع الهدى. أما بعد فإني لأدعوك بدعاية الإسلام، أسلم تسلم، يؤتك الله أجرك مرتين، فإن توليت فإن عليك إثم اليريسيين، و ﴿يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم﴾ إلى قوله ﴿اشهدوا بأنا مسلمين﴾.
قال أبو سفيان: فلما قال ما قال، وفرغ من قراءة الكتاب كثر عنده الصخب، وارتفعت الأصوات فأخرجنا. فقلت لأصحابي حين أخرجنا: لقد أمِر أمرُ ابن أبي كبشة، إنه يخافه ملك بني الأصفر.
وفي هذا الحديث أن هرقل أذن لعظماء الروم في دسكرة له بحمص، ثم أمر بأبوابها فغلقت ثم اطلع، فقال: يا معشر الروم: هل لكم في الفلاح والرشد، وأن يثبت ملككم فتبايعوا هذا النبي؟ فحاصوا حيصة حمر الوحش إلى الأبواب فوجدوها قد غلقت، وذكر الحديث.
إذا تأملت معاني هذا الحديث الذي وقع في الفصل الأول من مسألته عن أحوال رسول الله ﷺ وأطواره وما استقراه من أوصافه تبينت حسن ما استوصف من أمره، واستبرأه من جوامع شأنه، ولله دره من رجل ما كان أقله [؟] لو ساعد معقوله مقدوره.
فأما قوله في كتابه (إلى عظيم الروم) فمعناه إلى من تعظم الروم وتقدمه عليها، ولم يكتب إلى ملك الروم، بما يقتضيه هذا اسم من المعاني التي لا يستحقها من ليس من أهل دين الإسلام،
стр. 40
ولو فعل ذلك لكان فيه التسليم لملكه، وهو بحكم الدين معزول، ومع ذلك فلم يخله من نوع من الإكرام في المخاطبة، ليكون آخذا بأدب الله تعالى في تليين القول لمن يبتدئه بالدعوة إلى دين الحق.
وقوله: أدعوك بدعاية الإسلام، يريد دعوة الإسلام، وهي كلمة الشعار التي إليها يدعى أهل الملل الكافرة، والدعاية مبنية من قولك: دعا يدعو، كما قيل: شكا يشكو شكاية، وقد تقام المصادر مقام الأسماء، وبيان الدعاية في قوله:
﴿قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة﴾ الآية.
وأما قوله: (فإن عليك إثم اليريسيين) فإنه رواه هكذا بالياء، وهو في سائر الروايات: فإن عليك إثم الأريسيين. هكذا حدثناه حمزة بن الحارث قال: حدثنا عبيد بن شريك البزار قال: حدثنا يحيى بن بكير قال: حدثني الليث بن سعد عن
следующие страницы →