← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 16952

المنور في راجح المحرر

تقي الدين الأدمي

Полный текст (467 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

كتاب المنور في راجح المحرر على مذهب الإمام المبجل والحبر المفضل أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني ﵁ وأرضاه - تأليف الشيخ الإمام العالم العلامة تقي الدين أحمد بن محمد بن علي الأدمي (كان حيا قبل عام ٧٤٩ هـ) دراسة وتحقيق د. وليد عبد الله المنيس دار البشائر الإسلامية

стр. 2

«أصل هَذَا الْكتاب رِسَالَة علمية نَالَ فِيهَا الباحث وليد عبد اللَّه عبد الْعَزِيز المنيس دَرَجَة الدكتوراه (تخصص فقه حنبلي) من قسم الدراسات الإِسلامية، كُلية الدراسات الشرقية، جَامِعَة لندن، بإشراف الْأُسْتَاذ الدكتور مُحَمَّد عبد الْحَلِيم، الْأُسْتَاذ فِي قسم الدراسات الإسلامية والشرق الْأَدْنَى، وَرَئِيس كرْسِي الْملك فَهد حاليًا، وكرسي الشَّيْخ عبد اللَّه الْمُبَارك الصَّباح سَابِقًا. وَقد نوقشت الرسَالَة فِي يَوْم الْخَمِيس بتاريخ ٢٦ ربيع الآخر ١٤٢٤ هـ الْمُوَافق ٢٦ يونيو/ حزيران ٢٠٠٣ م».

стр. 3

كِتَابُ المُنَوَّرِ في رَاجِحِ المُحَرَّرِ

стр. 4

جميع الحقوق محْفوظة الطبعة الأولى ١٤٢٤ هـ - ٢٠٠٣ م شركَة دَار البشائر الإسلامية للِطِّباعَةَ والنشر والتوزيع ش. م م أسَّسها الشَّيْخ رمزي دمشقية رَحمَه الله تَعَالَى سنة ١٤٠٣ هـ - ١٩٨٣ م بيروت - لبنان ص. ب: ٥٩٥٥/ ١٤ هَاتِف: ٧٠٢٨٥٧ فاكس: ٧٠٤٩٦٣/ ٠٠٩٦١١ e-mail: bashaer@cyberia.net.lb

стр. 5

تصدير بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد للَّه الذي شرح صدورنا بالهداية إلى الإِسلام، ووفقنا للتفقه في الدين وما شرعه من بديع الأحكام، وأشهد أن لا إله إلَّا اللَّه وحده لا شريك له ذو الجلال والإِكرام، وأشهد أن سيدنا ونبيّنا محمدًا عبده ورسوله المبعوث رحمة للأنام، والهادي إلى سواء الصراط وإيضاح الحلال والحرام، ﷺ وعلى آله وصحبه الكرام. أما بعد: فأحمد اللَّه تعالى أن أعانني على إتمام هذه الدراسة المحققة -بقدر الوسع والطاقة- لتمد المكتبة الفقهية والشرعية عمومًا، بمصدر أصيل جديد في الفقه هو من مهمات متون الفقه الحنبلي، عسى أن يكون فيه نفع لعلماء الشريعة، وعلى الأخص علماء الفقه وطلابه وحفاظه وقرائه، سائلًا اللَّه ﵎ أن يتقبل عمل مؤلفه فيه العلامة الشيخ أحمد بن محمد الأدمي ﵀، كما أدعو اللَّه أن يثيب كل من ساهم في إخراج هذا العمل بالصورة التي قرَّبت مقاصده ومراميه لمحبيه ومتابعيه ولكل من نظر فيه. * * *

стр. 6

شكر وتقدير الحمد للَّه، والصلاة والسلام على رسول اللَّه وعلى آله وصحبه ومن والاه. ما كان لهذه الدراسة أن تكتمل لولا توفيق اللَّه وعونه، ثم عون ثلة كريمة من أهل العلم وبعض الجهات الرسمية الموقرة. فلا بد لي أوَّلًا أن أشكر أستاذي الفاضل أ. د. محمد عبد الحليم؛ الذي غمرني بحسن معاملته ولطف رعايته وبملاحظاته المفيدة، كما أثني على سعة صدره وحلمه الذي يتطابق مع اسمه ورسمه. وأشكر جامعة الكويت الموقرة التي لم تبخل على أبنائها بشيء علمي أو أدبي أو مادّي مع إعطاء الفرصة لتنمية المدارك البحثية دون قيد. كما أشكر وزارة الأوقاف والشؤون الإِسلامية الموقرة التي خصتني بمخطوط فريد وحفظته لي من كل يد حتى تيسر لي إتمام الدراسة عليه، وأخص بالشكر هنا الأستاذ سهيل مبارك الجلاهمة مدير إدارة المكتبات والمخطوطات على مؤازرته الصادقة. كما أشكر البروفيسور نورس، والدكتور مصطفى شاه الذي لن أنسى موقفه معي شكر اللَّه له. ولا بد لي أن أشكر إخوة كرام وقفوا معي طويلًا وأكرموني بحسن

стр. 7

ملاحظاتهم أثناء مقابلة المطبوع على الأصل، وأخص منهم الأخ فيصل يوسف العلي والأخ عدنان سالم النهام والأخ ياسر المزروعي والأخ رائد الرومي والأخ جراح الجراح والأخ عادل الكندري وابن الخال طارق يوسف المنيس، كما أخص بالشكر الدكتور سعود العصفور المسؤول السابق للمخطوطات. كما أشكر أسرتي الكريمة على مؤازرتها، وأشكر والدي الكريم عبد اللَّه عبد العزيز المنيس وأخي العزيز العقيد عادل المنيس، وأشكر كل من له فضل علَيَّ ولم تسعه الورقة. وختامًا، أقول إن أصبت فمن اللَّه تعالى وتسديده، وإن أخطأت فمني ومن الشيطان، وأستغفر اللَّه، كما أرجو من أهل التخصص أن لا يبخلوا علي بكريم ملاحظاتهم، واللَّه ولي التوفيق. د. وليد عبد اللَّه عبد العزيز المنيس

стр. 8

مقدمة ومدخل للدراسة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد للَّه رب العالمين، والصلاة والسلام على رسوله الأمين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد، فهده رسالة قائمة على تحقيق ودراسة مخطوط في فقه الإِمام أحمد بن حنبل ﵀ ورضي عنه وهو بعنوان: "المنوَّر في راجح المحرَّر"، للعلامة أحمد بن محمد الأدمي (المتوفى حوالى ٧٤٩ هـ)، وهو خلاصة "المحرر في الفقه على مذهب الإِمام أحمد بن حنبل"، للإِمام المجد أبي البركات عبد السلام بن تيمية (٥٩٠ - ٦٥٢ هـ). هدف الدراسة: تهدف هذه الدراسة من وراء تحقيق ودراسة مخطوط "المنوّر في راجح المحرر" على ما هو متبع علميًا في الدراسات التحقيقية إلى ما يأتي: ١ - إمداد المكتبة الإِسلامية بمصدر أصلي جديد لم يحقق من قبل في المذهب الحنبلي أوحد ضمن نوادر مجموعة علَّامة الكويت القاضي الشيخ عبد اللَّه بن خلف الدحيان رحمه اللَّه تعالى (١٢٩٢ - ١٣٤٩ هـ)؛ المحفوظة في وزارة الأوقاف والشؤون الإِسلامية في الكويت - إدارة المكتبات والمخطوطات.

стр. 9

٢ - بيان أهمية هذا المخطوط الذي عَرّف بجهود الفقهاء الحنابلة في تلك الفترة التي عاصرت الطبقة الوسطى من طبقات علماء المذهب الحنبلي لفترة ما بين (٦٥٠ - ٧٥٠ هـ) تقريبًا. ٣ - إظهار جهد العلامة الأدمي ﵀ في بيان راجح المحرر الذي يدل على استيعابه لما في المحرر من جهة، وعلى سعة اطلاعه على روايات المذهب ومعرفة راجحها ومرجوحها ومطلقها ومقيدها من جهة أخرى. ٤ - الوقوف على من نقل منهم صاحب المحرر وأثر ذلك على راجح المحرر، وبالتالي التعرف على ما في المنور الذي استخلص الراجح. ٥ - التعرف على الراجح عند المتوسطين مع المتقدمين ومتأخري المذهب بما يعرف بالفقه الحنبلي ويقربه إلى القارئ. ٦ - الوقوف على زيادة العلامة الأدمي في منوّره على المحرر مما يدل على أنه لم يتوقف فقط عند الراجح بل زاد ونقّح. ٧ - الوقوف على منهجية كل منهما مع التعرف على اصطلاحات المحرر وأثرها على الراجح وبيان مميزات كل منها. ٨ - التعرف على مميزات العصر الذي عاش فيه العلامة الأدمي والعلامة المجد ابن تيمية من النواحي السياسية والعلمية خاصة بما يفسر أسباب قوة ذلك العصر في هذه النواحي. ٩ - إخراج نص محقق خالٍ من الغموض والأخطاء -بقدر الوسع والطاقة- للاستفادة منه فقهيًا وعلميًا.

стр. 10

منهج الدراسة والتحقيق (١): مناهج التحقيق المتعلقة بتحقيق المخطوطات لها قواعد وأسس يقتضي الأمر الوقوف عليها لبيان المنهجية التي تبنتها هذه الدراسة (٢). ولعل أبرز ما يذكر هنا ما قاله العلامة عبد السلام هارون: "ليس تحقيق المتن تحسينًا أو تصحيحًا وإنما هو أمانة الأداء. . . ومعناه أن يؤدّى الكتاب أدَاءً صادقًا كما وضعه مؤلفه كمًّا وكيفًا بقدر الإِمكان" (٣). ولقد توخينا في هذا المجال أن يعالج المخطوط من الزوايا التالية كما هو مقرر في مناهج التحقيق: ١ - تحقيق الكتاب. ٢ - تحقيق اسم المؤلف. ٣ - تحقيق نسبة الكتاب إلى مؤلفه. ٤ - تحقيق متن الكتاب حتى يظهر بقدر الإِمكان مقاربًا لنص مؤلفه.

стр. 11

ومما استجد حديثًا وهو من المكملات الحديثة للنشر العلمي أن يشمل التحقيق أيضًا: ١ - العناية بتقديم النص ووصف المخطوط. ٢ - العناية بالإِخراج. ٣ - صنع الفهارس. ٤ - الاستدراكات. ومنهج الدراسة يطابق ما ذكر، وقد تدرجنا في ذلك من خلال فصول الدراسة، إذ تقسم الدراسة التحقيقية إلى قسمين: القسم الأول: "تحقيق النص"، والقسم الثاني: "دراسة المسائل الفقهية المستخلصة من النص"، وذلك في الحواشي وفي مقدمات الدراسة عمومًا، وكلا القسمين متلازمان لأن ضبط النص يلازمه دراسة ما تضمنه من مسائل. ولعل أبرز ما جاء في قسم تحقيق النص وضع العلامات والفواصل والإِعجام، وتصويب أخطاء الناسخ إن دعت الضرورة، والمحافظة على النص بالصورة التي لا تغيره. أما ما يتعلق بدراسة المسائل الفقهية فإنه يتضمن مقارنة ما يقوله المصنف مع المحرر ومع محققي المذهب وعزوها إلى مظانها، مع إحالة الآيات والأحاديث وعزوها وبيان درجتها حسب الحاجة، مع بيان زيادات الأدمي على المحرر وطريقته في التقديم والتأخير والاختصار أو الإِضافة على ما جاء في الأبواب أو الفصول.

стр. 12

مخطوط الدراسة (١): عنوانه: "المنوَّر في راجح المحرَّر"، ومؤلفه هو: العلامة أحمد بن محمد الأدمي الحنبلي. وهو خلاصة لراجح المحرر في فقه الإِمام أحمد للإِمام المجد أبي البركات عبد السلام بن تيمية، جد شيخ الإسلام الإِمام أبي العباس أحمد بن تيمية الحراني رحمهم اللَّه تعالى. نسبة الكتاب إلى مؤلفه (٢): قال العلامة العليمي في "الدر المُنضّد": "الشيخ تقي الدين أحمد بن محمد الأدمي البغدادي له المنور في راجح المحرر، والمنتخب". وقد ارتبط ذكر الأدمي دائمًا بكتابيه المنور، والمنتخب، كما أثبتناه في الدراسة. أبواب وفصول الدراسة: تقسم الدراسة إلى خمسة أبواب يقع تحت كل باب فصول تخدم الباب بحسب المباحث التي فيه على النحو التالي: الباب الأول: "التعريف بكتاب المنوَّر في راجح المحرر" ويشتمل على أربعة فصول: الفصل الأول: قيمة كتاب المنوَّر ومكانة كتاب المحرر ومؤلفه. الفصل الثاني: ترجمة صاحب المنوَّر والتعريف بكتابه. الفصل الثالث: أبرز مميزات عصر الأدمي السياسية والعلمية وأبرز الماجريات. الفصل الرابع: التعريف بمخطوط المنوَّر ونسبته إلى مؤلفه.

стр. 13

الباب الثاني: "أصول كتاب المنوَّر بالإِشارة إلى المحرَّر" ويشتمل على فصلين: الفصل الأول: المصادر التي استقى منها مؤلف المحرر كتابه. الفصل الثاني: المنهجية والمصطلحات التي استعملها صاحب المحرر وصاحب المنوَّر في عرض الروايات والراجح منها. الباب الثالث: "نبذة عن المصطلحات الفقهية عند الحنابلة ويشتمل على أربعة فصول: الفصل الأول: اصطلاحات الإِمام أحمد وأصحابه. الفصل الثاني: أصول الإِمام أحمد في استنباط الفروع. الفصل الثالث: راجح المذهب عند المتأخرين. الفصل الرابع: مفردات المذهب. الباب الرابع: "منهج الدراسة والتحقيق" ويشتمل على فصلين: الفصل الأول: منهج الدراسة. الفصل الثاني: منهج التحقيق. الباب الخامس: "النص المحقّق" * * *

стр. 14

نماذج من صور المخطوط صورة من صفحة غلاف مخطوط المنوَّر

стр. 15

صورة من الصفحة الأولى للمخطوط

стр. 16

الباب الأول التعريف بكتاب المنوَّر في راجح المحرر الفصل الأول: قيمة كتاب المنوَّر ومكانة كتاب المحرر ومؤلفه. الفصل الثاني: ترجمة صاحب المنوَّر والتعريف بكتابه. الفصل الثالث: أبرز مميزات عصر الأدمي السياسية والعلمية وأبرز الماجريات. الفصل الرابع: التعريف بمخطوط المنوَّر ونسبته إلى مؤلفه.

стр. 17

الفصل الأول قيمة كتاب المنوَّر ومكانة كتاب المحور ومؤلفه مقدمة يُعد هذا الكتاب من نفائس كتب الفقه على مذهب الإِمام المبجل أحمد بن حنبل (١) رحمه اللَّه تعالى ورضي عنه؛ إذ أنه قائم على اختصار كتاب من أبرز كتب المذهب وهو "المحرر" (٢)، للإِمام المجد عبد السلام ابن تيمية، أبي البركات، بالاقتصار على الراجح فيه مع التصحيح والتنقيح والزيادة. ويكتسب كتاب "المحرر" هذه الأهمية بالنظر إلى مكانة مصنفه الإِمام المجد عبد السلام ابن تيمية الذي يعد من المبرَّزين في المذهب، وممن حازوا على رتبة الاجتهاد في المذهب.

стр. 18

ويزداد هذا الكتاب أهمية إذا علمنا أن الذي اختصره هو الإمام تقي الدين أحمد بن محمد الأدمي، ممن هذَّب كلام المتقدمين، كما ذكر المرداوي في مقدمته على "الفروع" (١). * يقول الأدمي ﵀ في خطبته في المنوَّر: "فهذا مختصر في الفقه على مذهب الإِمام الأنبل أحمد بن محمد بن حنبل، سمَّيته بـ "المنوَّر في راجح المحرّر"، قرَّبت فيه جمل ألفاظه ليسهل على متعلمه وحفَّاظه. . . ". لهذا، فإن هذا الكتاب يعد من النوادر التي قربت أحد أهم المصنفات الفقهية على مذهب الإمام أحمد لمكانة مؤلفه ومختصره على حد سواء عند "المتوسطين" أو "المتأخرين" من علماء المذهب. * ولمعرفة هذه المكانة التي يتبوأُها صاحب المحرر، يقول العلامة البهوتي في "شرح الإِقناع" ما نصه: "إذا أطلق المتأخرون كصاحب الفروع والفائق والاختيارات وغيرهم "الشيخ" أرادوا به الشيخ العلامة موفق الدين أبا محمد عبد اللَّه بن قدامة المقدسي، وإذا قيل: "الشيخان" فالموفق والمجد، وإذا قيل "الشارح" فهو شمس الدين أبو الفرج عبد الرحمن أبي عمر المقدسي، وهو ابن أخي الموفق وتلميذه، وإذا أطلق "القاضي" فالمراد به القاضي أبو يعلى محمد بن الحسين بن محمد بن خلف الفراء، وإذا قيل: "وعنه"، أي عن الإِمام أحمد ﵀، وقولهم: "نصًّا" معناه نسبته إلى الإِمام أحمد ﵀. . . " (٢).

стр. 19

إن المتأمل في هذه العبارة للعلامة البهوتي (ت ١٠٥١ هـ) -وهو من طبقة "متأخري" علماء المذهب- سيعرف منزلة المجد ابن تيمية بين بقية العلماء، إذ جاء اسمه مقارنًا لاسم شيخ المذهب الموفق بن قدامة. * وقال ابن بدران في "المدخل" عن المحرر وصاحبه: "كتاب في الفقه للإِمام مجد الدين عبد السلام ابن تيمية الحراني، حذا فيه حذو الهداية لأبي الخطاب (١)، يذكر الروايات فتارة يرسلها وتارة يبين اختياره فيها. . . " (٢). * وقد شرح المحرر عدد من العلماء، ولكل من تقي الدين (٣) بن قندس (ت ٨٦١ هـ)، وابن نصر اللَّه (ت ٨٤٤ هـ) حاشية عليه، وكذلك

стр. 20

لابن مفلح حاشية عليه طمعت معه هي "النكت والفوائد السنية"، بتحقيق حامد الفقي (١). مكانة صاحب المحرر في المذهب لكتاب المحرر وصاحبه مكانة مرموقة في المذهب، ولترجيحاته واختياراته أهمية كبيرة (٢)؛ إذ أنه ممن أدرك شيخ المذهب الإِمام موفق الدين ابن قدامة (٣) (ت ٦٢٠ هـ) ولكونه ينتمي إلى طبقة المتوسطين من علماء المذهب. وهذه الطبقة تبدأ زمنيًّا عقب وفاة الحسن بن حامد (ت ٤٠٣ هـ) وتمتد إلى وفاة البرهان بن مفلح صاحب المبدع في شرح المقنع (ت ٨٨٤ هـ)،

стр. 21

حيث ظهر في هذه الفترة ثلة من جهابذة علماء المذهب، أبرزهم: الموفق عبد اللَّه بن قدامة، والمجد أبو البركات عبد السلام بن تيمية. ومنهم: شمس الدين، أبو محمد عبد الرحمن بن عمر المقدسي (٥٩٧ - ٦٨٢ هـ). ومنهم: تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية الحراني (٦٦١ - ٧٢٨ هـ)، ومنهم: شمس الدين محمد بن مفلح (٧٠٨ - ٧٦٣ هـ). ومنهم: زين الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن رجب السلامي (٧٣٦ - ٧٩٥ هـ). * يقول المرداوي في "تصحيح الفروع" في ذلك ما نصه: "اعلم أن مرجع معرفة الصحيح والترجيح في المذهب إلى أصحابه، وقد حرر ذلك الأئمة المتأخرون، فالاعتماد في معرفة الصحيح من المذهب ما قالوه، ومن أعظمهم: الشيخ الموفق -لا سيما في الكافي والنجم المسدد، والشارح-. والشيخ تقي الدين، والشيخ زين الدين بن رجب. . . إلخ"؛ ويقول: فإنهم هذبوا كلام المتقدمين ومهدوا قواعد المذهب بيقين، فإن اختلفوا فالمرجع إلى ما قاله الشيخان الموفق والمجد، ثم ما وافق أحدهما الآخر في اختياريه، فإن اختلفا من غير مشارك لهما فالموفق ثم المجد، وإلَّا ينظر إلى فيمن شاركهما من الأصحاب لا سيما إذا كان الشيخ تقي الدين أو ابن رجب" (١). ويرى المرداوي أن المجد مجتهد في مذهب إمامه غير مقلد له، فقد

стр. 22

ذكر في "الإِنصاف" نقلًا عن "آداب المفتي والمستفتي" لابن حمدان: أن المجتهد ينقسم إلى أربعة أقسام: مجتهد مطلق، ومجتهد في مذهب إمامه أو في مذهب إمام غيره، ومجتهد في نوع من العلم، ومجتهد في مسألة أو مسائل. وأن المجتهد في مذهب إمامه أو إمام غيره وهو القسم الثاني، أحواله أربعة: نذكر منها: الحالة الأولى: أن يكون غير مقلد لإِمامه في الحكم والدليل لكن سلك طريقه في الاجتهاد والفتوى ودعا إلى مذهبه وقرأ كثيرًا منه على أهله فوجده صوابًا وأولى من غيره وأشد موافقة فيه وفي طريقه. قال المرداوي: "قلت ومن أصحاب الإمام أحمد ﵁: فمن المتأخرين كالمصنِّف والمجد وغيرهما" (١). ترجمة صاحب المحرر اسمه ولقبه ونشأته: هو شيخ الإِسلام أبو البركات عبد السلام بن عبد اللَّه بن أبي القاسم الخضر بن محمد بن علي بن تيمية الحراني الفقيه الحنبلي (٢). وُلد سنة تسعين وخمسمائة تقريبًا بحرَّان. ويلقب بمجد الدين، وكثيرًا ما يأتي ذكره

стр. 23

في كتب الفقه عند الإِشارة إليه وإلى ترجيحاته واختياراته بقولهم: "قاله المجد"، أو "اختاره المجد" ونحو ذلك، فالمعني به هو. وينتمي المجد إلى شجرة علمية مباركة هي شجرة آل تيمية التي تضم أشهر بيوت العلم والدين والفقه والحديث، ذلك البيت الذي ينتمي إليه حفيده شيخ الإِسلام وتحفة الأنام الإِمام أحمد، أبو العباس، ابن تيمية، ومنهم والده الشيخ شهاب الدين أبو المحاسن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية (١)، ومنهم شقيق شيخ الإِسلام، عبد اللَّه بن عبد الحليم بن عبد السلام ابن عبد اللَّه بن أبي القاسم بن تيمية الحراني ثم الدمشقي، الفقيه الإِمام شرف الدين أبو محمد (٢)، ومنهم عم المجد فخر الدين أبو عبد اللَّه محمد ابن الخضر بن تيمية شيخ حران وخطيبها (٣). شيوخه: حفظ القرآن وسمع من عمه الخطيب فخر الدين ابن تيمية، والحافظ عبد القادر الرهاوي وحنبل الرصافي بحرَّان. ثم ارتحل إلى بغداد سنة ثلاث وستمائة مع ابن عمه سيف الدين عبد الغني، فسمع بها من عبد الوهاب بن سكينة، والحافظ ابن الأخضر وابن طبرزد، وضياء الدين بن الخريف، ويوسف بن المبارك الخفاف، وعبد العزيز بن منينا، وأحمد بن الحسن العاقولي، وعبد المولى بن أبي تمام بن باد (٤)، وسبط الخياط علي بن سلطان، وأبي بكر الحلاوي، والفخر إسماعيل، وأبي البقاء العكبري، وقرأ عليه في العربية والحساب والجبر والمقابلة.

стр. 24

مؤلفاته: أما أبرز مؤلفاته فهي: "المنتقى"، و"المحرر"، و"المسودة" في أصول الفقه بالمشاركة مع ابنه وحفيده، وله كتاب "أحاديث التفسير"، و"مسودة منتهى الغاية في شرح الهداية" وقد بيّض بعضها، والأحكام الكبرى. وقد فصَّل فيها ابن رجب صاحب "الذيل" بقوله: إن تصانيفه: "أطراف أحاديث التفسير" رتبها على السور معزوة، "أرجوزة" في علم القراءات، "الأحكام الكبرى" في عدة مجلدات، "المنتقى من أحاديث الأحكام" انتقاه من الأحكام الكبرى، "المحرر" في الفقه، "منتهى الغاية في شرح الهداية" بَيَّضَ منه أربع مجلدات كبار إلى أوائل الحج والباقي لم يبيضه، "مسوَّدة" في أصول الفقه مجلد، وزاد فيها ولده ثم حفيده أبو العباس، "مسودة" في العربية على نمط المسودة في الأصول" (١). رحلاته: في بداية طلبه للعلم ارتحل إلى بغداد مع ابن عمه سيف الدين عبد الغني المتقدم ذكره، فسمع بها كما تقدم، ثم رجع إلى حران واشتغل بها على عمه الخطيب فخر الدين، ثم رجع إلى بغداد فاستزاد بها من العلوم. قرأ ببغداد القراءات بكتاب المبهج لسبط الخياط علي بن سلطان، والعربية والحساب والجبر والمقابلة على العكبري كما قدمنا. ثم لما اكتمل علمه صنف وحدَّث ودرَّس في الحجاز والشام وبلده حرَّان والعراق كما

стр. 25

تقدم، ومكة، والتقى فيها علماء كثر (١). تلاميذه: كثير تلاميذه واشتهرت مكانته العلمية وزاد من ذلك رحلاته. فمن تلاميذه في الفقه: ولده شهاب الدين عبد الحليم، وابن أبي الفهم ابن تميم صاحب "المختصر"، وعبد اللَّه كتيلة صاحب "المبهم" وغيرهم. وفي الحديث: روى عنه ابن شهاب الدين أبو العباس، والحافظ عبد المؤمن الدمياطي، والأمين ابن شقير الحراني، وأبو إسحاق الظاهري الحافظ، ومحمد بن أحمد القزاز، وأحمد الدشتي، ومحمد بن زناطر، والعفيف إسحاق الآمدي، ونور الدين البصري، وأبو عبد اللَّه الدواليبي. كما أجاز لتقي الدين سليمان بن حمزة الحاكم، وزينب بنت الكمال، وأحمد بن علي الجزري، وبرع في القراءات وعمل أرجوزة لها. وقد دَرَّس في المدرسة النورية في دمشق، والمدرسة المستنصرية ببغداد، مما يعني كثرة طلبته وتعددهم، وذلك لكثرة الدارسين في هاتين المدرستين. ثناء العلماء عليه: قال الإِمام الذهبي: قال شيخنا -يعني شيخ الإِسلام ابن تيمية الحفيد- "كان جدنا عجبًا في حفظ الأحاديث وسردها بلا كلفة وحفظ مذاهب الناس".

стр. 26

وقال الذهبي أيضًا: وقال لي شيخنا أبو العباس: "كان الشيخ جمال الدين بن مالك يقول: أُلين للشيخ المجد الفقه كما أُلين لداود الحديد". وحكى الذهبي أيضًا: حكى البرهان المراغي أنه اجتمع بالشيخ المجد فأورد نكتة عليه، فقال المجد: الجواب عنها من ستين وجهًا: الأول كذا والثاني كذا، وسردها إلى آخرها، ثم قال للبرهان: قد رضينا منك بإعادة الأجوبة، فخضع وانبهر (١)!!. وعند وفاته لم يبق في البلد من لم يشهد جنازته إلَّا معذور، وكان الخلق كثيرًا جدًّا، ودفن بمقبرة الجبانة في مقابر حرَّان، وقد توفي بعد عصر يوم الجمعة يوم عيد الفطر، سنة ٦٥٢ هـ أو سنة ٦٥٣ هـ. * * *

стр. 27

الفصل الثاني ترجمة صاحب المنوَّر والتعريف بكتابه كما أن لصاحب "المحرّر" مكانة بين العلماء فإن لمؤلف "المنوَّر" مكانة لا تقل عن سلفه، بل إن "المنوَّر" أظهر خلاصة "المحرّر" ولبابه، ووقف على مكنونه وخلص إلى زبدته، حتى أنه لا يكاد يذكر "المحرّر" إلَّا ويذكر "المنوَّر" معه على حد سواء. ومؤلف "المنوَّر في راجح المحرّر"، هو الشيخ الإِمام العالم العلامة تقي الدين أحمد بن محمد بن علي الأدمي -بفتح الهمزة والدال-. ومن الغريب أن يغيب اسم هذا العالم العَلَم عن معظم كتب الطبقات، إذ لم يذكر له مؤلفوها شيئًا يعرف به وبتاريخ ولادته ووفاته وبلده وشيوخه على وجه الدقة كما هو معتاد في التراجم (١).

стр. 28

المصادر التي جاء ذكره فيها: وبعد بحث متواصل تيسر بحمد اللَّه الوقوف على ما يعرف به في مصدر مهم، ذلك أن الباحث كان يظن أن المرجع الوحيد الذي عرّف به وبإيجاز هو "الدّر المنضد" للعليمي (١) الذي قال في ترجمته تحت عنوان: "ذكر من لم تؤرخ وفاته" ما يأتي: "الشيخ تقي الدين أحمد بن محمد الأدمي البغدادي له "المنوَّر في راجح المحرّر" و"المنتخب"". وقد أفاد هذا التعريف الموجز في إثبات أربعة أمور أساسية تعرف بالمؤلف وهي: ١ - اسمه بالكامل، وقد جاء موافقًا لما ذكر في المخطوط. ٢ - أنه من علماء الحنابلة في بغداد وليس من الشام أو مصر. ٣ - أن له مؤلفين هما "المنوَّر في راجح المحرّر"، و"المنتخب". ٤ - أنه من المؤلفين الذين لم تؤرخ ولادتهم ووفاتهم. ورغم أن ما ذكره العليمي في "الدر المنضد" يفي بشيء من حاجة الدراسة، إلا أن تاريخ ولادة ووفاة الأدمي كان الشغل الشاغل للباحث لعدم المقدرة على التعرف على عصره بدقة بما يقرِّب لنا ما يتعلق به كما هو معلوم. ولم ينقطع الأمل، حتى ظهر لنا مصدر

стр. 29

مهم (١)؛ كما أشرنا آنفًا، وهو "تاريخ ابن قاضي شهبة" (٢) الذي قدم ترجمة وافية إلى حد كبير. فقد جاء في تاريخه ما يأتي فيمن ذكر في آخر وفيات سنة ٧٤٩ هـ ما نصه: "وممن توفي بعد الأربعين ولم يذكر سنة وفاته" أحمد بن محمد بن علي البغدادي، المقرئ الأدمي الحنبلي. سمع الموطأ رواية يحيى بن يحيى على ابن حلاوة، سمع مته ابن رجب وقال: "كان صالحًا دينًا، أعاد بالمستنصرية [. . . . . .] (٣) الوزيراتي، وصنّف كتابًا في الفقه، وأجاز له جماعة من شيوخ الشام، توفي ببغداد سنة نيف وأربعين وسبعمائة، ودفن بمقبرة الإِمام أحمد". وقد أفادت هذه الترجمة في إثبات ما يلي: ١ - أن اسمه مطابق لما هو مذكور في المخطوط. ٢ - أنه ضبط لفظ وقراءة اسمه الأخير بفتح الهمزة، وفتح الدال. ٣ - أنه مقرئ، وسمع الموطأ إضافة إلى كونه فقيهًا. ٤ - إن من مشايخه ابن حلاوة. ٥ - من تلامذته العلامة العلم صاحب الذيل على طبقات الحنابلة،

стр. 30

ابن رجب، الحافظ زين الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن شهاب الدين أحمد البغدادي ثم الدمشقي الحنبلي (٧٣٦ - ٧٩٥ هـ) والفترة التي عاش فيها ابن رجب تتناسب مع فترة الأدمي. ٦ - أنه قد دَرَّس في المستنصرية. ٧ - أنه صنّف كتابًا في الفقه ولعله كتابنا هذا. ٨ - أنه قد زار الشام وقرأ على شيوخها فأجازوه. ٩ - أنه توفي في بغداد حوالي عام ٧٤٩ هـ باعتبار أن النيِّف يزيد على العقد أو يقاربه، ويؤيد ذلك أن ابن قاضي شهبة قد ذكر في أعلى الصفحة التي ذكرت فيها ترجمته قوله: "سنة تسع وأربعين وسبعمائة". ١٠ - أنه لم يحدد بدقة تاريخ حياته أو وفاته. ١١ - أن البياض الذي يقع بين قوله: "بالمستنصرية. . . الوزيراتي" لعله يكون "مع (أو عند) تقي الدين الزريراني" فتكون العبارة "بالمستنصرية مع (أو عند) تقي الدين الزريراني" أو "مع ابن أبي البركات الزريراني" لأن الزريراني قد أعاد في المستنصرية في تلك الفترة وهو مشهور جدًّا، وهو حتمًا غير الأدمي، وكثيرًا ما يصحف اسمه إلى الزريراتي بدلًا من الزريراني. وقوله: "الوزيراتي" ذكر محقق تاريخ ابن قاضي شهبة أنه وجد ذلك في النسخ الثلاث التي حقق عليها "تاريخ ابن قاضي شهبة"، ثم قال: "ولعلها الزريراني" (١). والزريراني نسبة إلى بلدة زَريران بفتح الزاي وكسر الراء المهملة بعدها ياء ساكنة ثم راء مهملة بعدها ألف ونون، وهي بلدة قرب بغداد تبعد عنها

стр. 31

سبعة فراسخ على جادة الحاج إذا أراد الكوفة من بغداد (١). وفي ترجمة سليمان بن عبد القوي الطوفي الصرصري ثم البغدادي نجم الدين أبو الربيع صاحب "مختصر الروضة" في أصول الفقه، الذي ولد سنة بضع وسبعين وستمائة أنه "دخل بغداد سنة إحدى وتسعين فحفظ المحرّر في الفقه وبحثه على الشيخ تقي الدين الزريراتي" (٢). والصواب الزريراني. وقد جاء في طبقات ابن رجب ما يؤكد على أنه الزريراني وليس الزريراتي في ترجمته على النحو التالي: اسمه عبد اللَّه بن محمد بن أبي بكر ابن إسماعيل بن أبي البركات بن مكي بن أحمد الزريراني ثم البغدادي، تقي الدين أبو بكر (٣). وجاء أيضًا أنه قرأ المذهب على الشيخ العلامة مجد الدين عبد السلام صاحب المحرّر بقوله في الذيل: "ثم ارتحل إلى دمشق فقرأ المذهب على الشيخ زين الدين بن المنجا والشيخ مجد الدين الحراني ثم عاد إلى بلده. . . إلخ"، وجاء أيضًا أنه: سمع الحديث من إسماعيل الطبال ومحمد بن ناصر بن حلاوة، وأكد ذلك ابن بدران عند حديثه عن أشهر كتب الحنابلة: "الوجيز" تأليف عبد اللَّه بن محمد بن أبي بكر بن إسماعيل بن أبي البركات الزريراني البغدادي فقيه العراق ومفتي الآفاق حكى عنه في "المقصد الأرشد" أنه طالع المغني للموفق ثلاثًا

стр. 32

وعشرين مرة، توفي سنة ٧٢٩ هـ (١). وممن أشار إليه من المؤلفين المعاصرين الشيخ بكر أبو زيد في كتابه الحافل "المدخل المفصل إلى فقه الإِمام أحمد بن حنبل"، مع عدم القطع بتاريخ ولادته أو موته، حيث ذكره في معرض حديثه عن "كتب المتن المخدومة" عند حديثه عن المحرّر، إذ اعتبر المنوَّر من كتب الحواشي والنكت والتعاليق، وكان الأقرب أن يضعه -حفظه اللَّه- تحت عنوان "اختصار المحرّر" بدلًا من ذكره تحت عنوان "كتب الحواشي والنكت والتعاليق"، لأنه تقدم أن الأدمي قال في مقدمته أنه "مختصر في الفقه على مذهب الإِمام الأنبل. . . "، فلعله -حفظه اللَّه- لم يقف عليه، وذلك لأن نسخته فريدة وحيدة كما قدمنا. يقول الشيخ بكر أبو زيد: "المنوَّر في راجح المحرّر على مذهب الإِمام أحمد بن حنبل للأدمي، تقي الدين أحمد بن محمد المتوفى سنة ٧٠٠ هـ، وقيل توفي سنة ٨١٥ هـ، فاللَّه أعلم" (٢). وخلاصة القول: أن العلامة الأدمي قد دَرَّس في المستنصرية (٣) مع العلامة الزريراني، وأنهما قد قرءا على العلامة محمد بن ناصر بن حلاوة

стр. 33

وغيره، وأن كلاهما يكنى تقي الدين، وأن السنوات التي ذكرها ابن قاضي شهبة في تاريخه وهي ما بين ٧٤٠ و ٧٤٩ هـ تتناسب مع ما يعتقد أنه عاش إلى زمنها، وأن وفاته تقرب من عام ٧٤٩ هـ كما سيظهر لاحقًا في حوادث ٧٤٩ هـ، وأن الزريراني توفي قبل الأدمي كما جاء في ذيل ابن رجب، و"مدخل" ابن بدران، وأن السقط الذي ورد في عبارة ابن قاضي شهبة لا يسعه أن يتعدى ما يدل على أنهما دَرَّسا في المستنصرية (١) كما أشرنا آنفًا، وأن العلامة الأدمي قد أعاد في المستنصرية للعلامة الزريراني، والمعيد منصب علمي مهم لا يصل إليه إلَّا النجباء من التلاميذ حيث يعيدون ما قاله الشيخ على التلاميذ، وهذا معنى قول ابن قاضي شهبة أنه أعاد بالمستنصرية، أي للعلامة الزريراني. المنوَّر أم المنوِّر، الأَدْمِي أم الأَدَمِي أم الآدَمِي: مما يثير الاستغراب أحيانًا عدم الجزم بذكر عنوان الكتاب مضبوطًا بالشكل، فمعظم من ذكر المنوَّر يذكره من غير شكل سوى ما جاء في الإِنصاف -الطبعة الملكية الجديدة (٢) - حيث ذكره بقوله المنوِّر بضم الميم وتشديد الواو وكسرها، أما بقية المراجع فلم تبين ما إذا كان يقرأ المنوَّر أم المنوِّر أو المُنْوَّر. غير أننا نعتقد أن ضبطه بضم الميم وفتح النون وفتح الواو وتشديدها، أي المُنَوَّر، أقرب لتسميته مع المحرّر، فينسبك العنوان عند قراءته "المنوَّر في راجح المحرّر"، بخلاف ما إذا قرأناه المُنْوَر بضم الميم وسكون النون وفتح الواو، أو المُنَوِّر بضم الميم وفتح النون وتشديد الواو وكسرها،

стр. 34

وإن كان الأخير يحتمل لفائدته في المعنى، واللَّه أعلم. وبالمثل، فإن اسم المؤلف الأخير غير متفق على ضبطه، فالبعض يكتبه الآدمي بالمد، والبعض الآخر يكتبه الأَدَمي بالهمز، وهل يكون النطق بفتح الدال أم بسكونها أم بكسرها، كل ذلك غير ظاهر. وسيظهر لنا لاحقًا رسم اسمه وضبطه عند الحديث عن مكانته العلمية. والذي يراه الباحث أن نطقه بتحريك الهمزة والدال أنسب كما في "الدر المنضد"، وقد تأكد لنا ذلك فيما تم مناقشته آنفًا في هذه المسألة فيما ذكر في تاريخ ابن قاضي شهبة (١) وغيره. وقال السمعاني في الأنساب: "الأَدَمي، نسبة إلى بيع الأَدَم وهو باطن الجلد" (٢). وبالمثل فإن نطق اسمه بسكون الدال مع فتح الهمزة وارد ومناسب أيضًا لورود ذلك في تراجم لأسماء تتشابه معه، وقرأه العلَّامة ابن عقيل (٣) -حفظه اللَّه- بضمّ الهمزة. مكانة صاحب المنوَّر في المذهب: للعلامة أحمد بن محمد الأدمي مكانة جليلة بين علماء المذهب، ويكفيه جلالة وقدرًا أنه لا تكاد تخلو صفحة من صفحات "الإِنصاف" من ذكر أحد كتابيه: "المنوَّر" أو "المنتخب" أو هما معًا، حيث يرجع إليهما كثيرًا في ترجيحات المذهب.

стр. 35

يقول في "كتاب الصلاة" في "الإِنصاف" (١) مثلًا: ". . . وإن تركها تهاونًا لا جحودًا دعي إلى فعلها، فإن أبى حتى تضايق وقت التي بعدها وجب قتله، هذا المذهب وعليه جمهور الأصحاب، قال في الفروع: اختاره الأكثر، قال الزركشي: وهو المشهور، انتهى. واختاره ابن عيدوس في تذكرته وجزم به في الوجيز والمنوَّر والمنتخب وغيرهم. . . ". وفي باب "الهبة والعطية" يقول المرداوي في "الإِنصاف" قوله (٢): ". . . وتحصل الهبة بما يتعارفه الناس هبة من الإِيجاب والقبول والمعاطاة المقترنة بما يدل عليها، هذا المذهب، اختاره ابن عقيل والمجد في شرح الهداية وجزم به في المحرّر والوجيز والحاوي الصغير والمنوَّر وغيرهم". وبالمثل يكثر ذكره في كتاب المفردات لـ: محمد بن علي العمري الذي شرحه العلامة البهوتي بعنوان: "منح الشفا الشافيات في شرح المفردات". ففي كتاب الطهارة يقول: ويكره التطهيرُ بالمسخَّنِ ... بنجِسٍ في أشهرٍ مُعَنْعَنِ قال الشارح -أي البهوتي (٣) -: أي يكره استعمال المسخن بنجس في طهارة إن لم يحتج إليه في أشهر الروايتين عن أحمد وهو الصحيح، جزم به في المجرد والوجيز والمنوَّر ومنتخب الآدمي.

стр. 36

وكذا قول ناظم المفردات في كتاب الصلاة: وتاركُ الصلاة حتى كَسَلا ... يُقتل كُفرًا إن دُعِي وقالَ لاَ وما له فَيْءٌ ولا يُغَسَّلُ ... وصحَّح الشيخانُ حَدًّا يُقتَلُ قال البهوتي (١): من يجحد وجوب الصلاة عالمًا أو جاهلًا وعُرَّف وأصرَّ كَفَرَ، قال الموفق: لا أعلم في هذا خلافًا ... وإن تركها تهاونًا وكسلًا لا جحودًا دعاه الإِمام أو نائبه إلى فعلها وهدده، فقيل له: صل وإلَّا قتلناك، فإن لم يصل حتى تضايق وقت الذي بعدها وجب أن يستتاب فإن تاب بفعلها وإلَّا وجب قتله كفرًا في إحدى الروايتين، قال في الإِنصاف وهو المذهب وعليه جمهور الأصحاب، انتهى. . . واختار الموفق لا يكفر، وقال هو أصوب القولين، ومال إليه الشارح، واختاره ابن عبدوس، وصححه المجد وصاحب المذهب، ومسبوك الذهب، وابن رزين، والناظم، ومجمع البحرين، وجزم به في الوجيز والمنوَّر وقدمه في المحرر. يلاحظ في هذه الفقرة ذكر المجد مرتين الأولى بقوله: "وصحح الشيخان حدًّا يقتل"، والشيخان الموفق والمجد كما أسلفنا، والثانية قوله في نهاية الفقرة: وجزم به في الوجيز والمنوَّر وقدمه في المحرّر حيث جمع بين الأدمي والمجد في الجزم والتقديم لما اختاره الموفق. وجاء ذكر صاحب المنوَّر أيضًا في أحد أهم مصنفات متأخري المذهب وذلك في "مطالب أولي النهى في شرح غاية المنتهى" للرحيباني (٢)، وغاية المنتهى هو جمع بين الإِقناع ومنتهى الإِرادات للعلامة

стр. 37

مرعي الكرمي (ت ١٠٣٣) كما هو معلوم، كما في قوله في باب الحجر: "ولا يمنعه زيادة منفصلة وكسب وولد نقص بها المبيع أو لم ينقص إن كان نقص صفة لأنه وجد عين ماله لم تنقص ولم يتغير اسمها، وهي أي الزيادة لراجع وهو البائع نص عليه الإِمام أحمد في ولد الجارية ونتاج الدابة، وهو المذهب اختاره أبو بكر والقاضي في الجامع، والخلاف، وجزم به في المنوَّر ومنتخب الأدمي. وجاء ذكره في أحد أهم الكتب عند متأخري المذهب وهو العلامة الشويكي في كتابه "التوضيح في الجمع بين المقنع والتنقيح" في مسألة هي: "هل يملك السيد إقامة الحد على مكاتبه" (١). والخلاصة: أن العلامة الأدمي من كبار علماء المذهب، وقد قدمنا ما ذكر المرداوي في "تصحيح الفروع" في قوله عن المنوَّر، والعلماء الذين في درجته من المكانة العلمية أن مرجع معرفة الصحيح والترجيح إليهم لما قد حرره الأئمة المتأخرون بالاعتماد في معرفة الصحيح من المذهب على ما قالوه، منهم الموفق وابن تيمية وابن رجب وغيرهم كالأدمي في المنوَّر والمنتخب، أي أن الأدمي من أصحاب الترجيح وهي درجة تعادل درجة الاجتهاد في المذهب. ومن جهة أخرى ظهر لنا أيضًا الاختلاف في ضبط المنوَّر والأدمي كما قدمنا، فمنهم من يقول هو المنوَّر كما في "الدر المنضد"، ومنهم يقول هو المنوَّر كما في "الإِنصاف" في طبعته الأخيرة؛ وكذا نسبته للعلامة الأدمي فمنهم من يقول هو الأَدَمي كما في "الدر المنضد" للعليمي، ومنهم من يقول

стр. 38

هو الآدمي بالمد كما في "منح الشفا الشافيات"، و"مطالب أولي النهى" (١). الفترة التي عاش فيها العلامة الأدمي: مرَّ بنا آنفًا أن العلامة الأدمي ممن لم تؤرخ وفاته كما جاء في "الدر المنضد"، غير أنه من الممكن أن نتصور الفترة التي عاشها بالنظر إلى الأزمنة التي عاش فيها من اقتبس أو أشار إلى "منوره" و"منتخبه". فمن ذلك أن العلامة المرداوي المعروف "بمنقح المذهب" صاحب "الإِنصاف" و"التنقيح" قد عاش في الفترة ما بين ٨١٧ - ٨٨٥ هـ وهي فترة "متأخري المذهب" كما بيَّنه ابن بدران في المدخل وغيره من كتب طبقات المذهب "كالذيل على طبقات الحنابلة" لابن رجب. وهذا يدل على أن الأدمي قد عاش بين الفترة الواقعة من وفاة صاحب المحرّر الذي عاش ما بين ٥٩٠ - ٦٥٢ هـ إلى الفترة التي عاشها المرداوي ما بين ٨١٧ - ٨٨٥ هـ. ثم إن الملاحظ أن صاحب المنوَّر كثيرًا ما يذكر اسمه مقارنًا لاسم صاحب "الوجيز" العلامة الحسن بن يوسف محمد بن أبي السرى الدجيلي البغدادي المتوفى سنة ٧٣٢ هـ، وخاصة أنه بغدادي مثله ودجيلي نسبة إلى نهر دجلة وقيل: نسبة إلى نهر صغير يسمى دجلة أو نسبة إلى دجيلة، فقد يكون معاصرًا له. والشيخ بكر أبو زيد يرى أنه قد توفي في عام ٧٠٠ هـ

стр. 39

أو في عام ٨١٥ هـ كما مر بنا آنفًا. وعلى أية حال فإن ذلك يؤكد بأن الأدمي ينتمي إلى "طبقة متوسطي المذهب" بناءً على التقسيم الزمني الذي يقول إن الطبقات الزمنية للأصحاب تنقسم إلى ثلاث طبقات (١): ١ - طبقة المتقدمين (٢٤١ هـ - ٤٠٣ هـ). ٢ - طبقة المتوسطين (٤٥٣ هـ - ٨٨٤ هـ). ٣ - طبقة المتأخرين (٨٨٥ هـ - إلى ما شاء اللَّه). وكذلك بناءً على تقسيم ابن بدران في "المدخل" (٢) أمكننا استخلاص الطبقات الزمنية بالعلاقة إلى متون العلم التي اشتهرت إلى: - المتقدمون (٣٣٤ هـ - ٦٢٠ هـ) (فترة مختصر الخرقي). - المتوسطون (٦٢١ هـ - ٨٨٤ هـ) (فترة المقنع). - المتأخرون (٨٨٥ هـ - ٩٧٢ هـ إلى الآن) (فترة التنقيح المشبع ومنتهى الإِرادات). وذلك بناء على قوله أن مختصر الخرقي اشتهر عند "المتقدمين" إلى أن ألَّف الموفق كتابه "المقنع" (٣) الذي اشتهر إلى عصر التسعمائة حين ألف

стр. 40

المرداوي "التنقيح المشبع"، الذي اشتهر إلى أن ألف الفتوحي ابن النجار "منتهى الإِرادات". وبما أن الموفق قد عاش في الفترة ٥٤٠ - ٦٢٠ هـ، والمرداوي بين ٨١٧ - ٨٨٥ هـ، وابن النجار (ت ٩٧٢ هـ) فإن الأزمنة بالعلاقة إلى المتون المشهورة تقرب مما ذكر. ومما نقله محمد الخلوتي تلميذ العلامة البهوتي في حاشية ابن حميد على المنتهى من خط شيخه -مخطوط-. - المتقدمون، من الإِمام أحمد إلى الإِمام أبي يعلى القاضي. - المتوسطون، من القاضي أبي يعلى إلى الموفق. - المتأخرون، من الموفق إلى الآخر. مما يعني أن الأدمي ينتمي إلى طبقة المتأخرين، ولا شك أن مرجع ذلك حسب تقدير العلماء والمتقصين، ولعل أنه من المتوسطين أقربْ، واللَّه أعلم. وخلاصة القول أنه ﵀ ينتمي إلى طبقة متوسطي المذهب كما قدمنا، ويؤكد ذلك ثلة العلماء الذين يذكر اسمه أو اسم كتابيه معهم دائمًا كما ظهر لنا آنفًا في "الإِنصاف" و"تصحيح الفروع"، وصاحب الوجيز العلامة الحسن الدجيلي المتوفى ٧٣٠ هـ وغيره. * * *
следующие страницы →