وكذا قول ناظم المفردات في كتاب الصلاة:
وتاركُ الصلاة حتى كَسَلا ... يُقتل كُفرًا إن دُعِي وقالَ لاَ
وما له فَيْءٌ ولا يُغَسَّلُ ... وصحَّح الشيخانُ حَدًّا يُقتَلُ
قال البهوتي (١): من يجحد وجوب الصلاة عالمًا أو جاهلًا وعُرَّف وأصرَّ كَفَرَ، قال الموفق: لا أعلم في هذا خلافًا ... وإن تركها تهاونًا وكسلًا لا جحودًا دعاه الإِمام أو نائبه إلى فعلها وهدده، فقيل له: صل وإلَّا قتلناك، فإن لم يصل حتى تضايق وقت الذي بعدها وجب أن يستتاب فإن تاب بفعلها وإلَّا وجب قتله كفرًا في إحدى الروايتين، قال في الإِنصاف وهو المذهب وعليه جمهور الأصحاب، انتهى. . . واختار الموفق لا يكفر، وقال هو أصوب القولين، ومال إليه الشارح، واختاره ابن عبدوس، وصححه المجد وصاحب المذهب، ومسبوك الذهب، وابن رزين، والناظم، ومجمع البحرين، وجزم به في الوجيز والمنوَّر وقدمه في المحرر.
يلاحظ في هذه الفقرة ذكر المجد مرتين الأولى بقوله: "وصحح الشيخان حدًّا يقتل"، والشيخان الموفق والمجد كما أسلفنا، والثانية قوله في نهاية الفقرة: وجزم به في الوجيز والمنوَّر وقدمه في المحرّر حيث جمع بين الأدمي والمجد في الجزم والتقديم لما اختاره الموفق.
وجاء ذكر صاحب المنوَّر أيضًا في أحد أهم مصنفات متأخري المذهب وذلك في "مطالب أولي النهى في شرح غاية المنتهى" للرحيباني (٢)، وغاية المنتهى هو جمع بين الإِقناع ومنتهى الإِرادات للعلامة
стр. 37
مرعي الكرمي (ت ١٠٣٣) كما هو معلوم، كما في قوله في باب الحجر:
"ولا يمنعه زيادة منفصلة وكسب وولد نقص بها المبيع أو لم ينقص إن كان نقص صفة لأنه وجد عين ماله لم تنقص ولم يتغير اسمها، وهي أي الزيادة لراجع وهو البائع نص عليه الإِمام أحمد في ولد الجارية ونتاج الدابة، وهو المذهب اختاره أبو بكر والقاضي في الجامع، والخلاف، وجزم به في المنوَّر ومنتخب الأدمي.
وجاء ذكره في أحد أهم الكتب عند متأخري المذهب وهو العلامة الشويكي في كتابه "التوضيح في الجمع بين المقنع والتنقيح" في مسألة هي: "هل يملك السيد إقامة الحد على مكاتبه" (١).
والخلاصة: أن العلامة الأدمي من كبار علماء المذهب، وقد قدمنا ما ذكر المرداوي في "تصحيح الفروع" في قوله عن المنوَّر، والعلماء الذين في درجته من المكانة العلمية أن مرجع معرفة الصحيح والترجيح إليهم لما قد حرره الأئمة المتأخرون بالاعتماد في معرفة الصحيح من المذهب على ما قالوه، منهم الموفق وابن تيمية وابن رجب وغيرهم كالأدمي في المنوَّر والمنتخب، أي أن الأدمي من أصحاب الترجيح وهي درجة تعادل درجة الاجتهاد في المذهب.
ومن جهة أخرى ظهر لنا أيضًا الاختلاف في ضبط المنوَّر والأدمي كما قدمنا، فمنهم من يقول هو المنوَّر كما في "الدر المنضد"، ومنهم يقول هو المنوَّر كما في "الإِنصاف" في طبعته الأخيرة؛ وكذا نسبته للعلامة الأدمي فمنهم من يقول هو الأَدَمي كما في "الدر المنضد" للعليمي، ومنهم من يقول
стр. 38
هو الآدمي بالمد كما في "منح الشفا الشافيات"، و"مطالب أولي النهى" (١).
الفترة التي عاش فيها العلامة الأدمي:
مرَّ بنا آنفًا أن العلامة الأدمي ممن لم تؤرخ وفاته كما جاء في "الدر المنضد"، غير أنه من الممكن أن نتصور الفترة التي عاشها بالنظر إلى الأزمنة التي عاش فيها من اقتبس أو أشار إلى "منوره" و"منتخبه".
فمن ذلك أن العلامة المرداوي المعروف "بمنقح المذهب" صاحب "الإِنصاف" و"التنقيح" قد عاش في الفترة ما بين ٨١٧ - ٨٨٥ هـ وهي فترة "متأخري المذهب" كما بيَّنه ابن بدران في المدخل وغيره من كتب طبقات المذهب "كالذيل على طبقات الحنابلة" لابن رجب.
وهذا يدل على أن الأدمي قد عاش بين الفترة الواقعة من وفاة صاحب المحرّر الذي عاش ما بين ٥٩٠ - ٦٥٢ هـ إلى الفترة التي عاشها المرداوي ما بين ٨١٧ - ٨٨٥ هـ.
ثم إن الملاحظ أن صاحب المنوَّر كثيرًا ما يذكر اسمه مقارنًا لاسم صاحب "الوجيز" العلامة الحسن بن يوسف محمد بن أبي السرى الدجيلي البغدادي المتوفى سنة ٧٣٢ هـ، وخاصة أنه بغدادي مثله ودجيلي نسبة إلى نهر دجلة وقيل: نسبة إلى نهر صغير يسمى دجلة أو نسبة إلى دجيلة، فقد يكون معاصرًا له. والشيخ بكر أبو زيد يرى أنه قد توفي في عام ٧٠٠ هـ
стр. 39
أو في عام ٨١٥ هـ كما مر بنا آنفًا.
وعلى أية حال فإن ذلك يؤكد بأن الأدمي ينتمي إلى "طبقة متوسطي المذهب" بناءً على التقسيم الزمني الذي يقول إن الطبقات الزمنية للأصحاب تنقسم إلى ثلاث طبقات (١):
١ - طبقة المتقدمين (٢٤١ هـ - ٤٠٣ هـ).
٢ - طبقة المتوسطين (٤٥٣ هـ - ٨٨٤ هـ).
٣ - طبقة المتأخرين (٨٨٥ هـ - إلى ما شاء اللَّه).
وكذلك بناءً على تقسيم ابن بدران في "المدخل" (٢) أمكننا استخلاص الطبقات الزمنية بالعلاقة إلى متون العلم التي اشتهرت إلى:
- المتقدمون (٣٣٤ هـ - ٦٢٠ هـ) (فترة مختصر الخرقي).
- المتوسطون (٦٢١ هـ - ٨٨٤ هـ) (فترة المقنع).
- المتأخرون (٨٨٥ هـ - ٩٧٢ هـ إلى الآن) (فترة التنقيح المشبع ومنتهى الإِرادات).
وذلك بناء على قوله أن مختصر الخرقي اشتهر عند "المتقدمين" إلى أن ألَّف الموفق كتابه "المقنع" (٣) الذي اشتهر إلى عصر التسعمائة حين ألف
стр. 40
المرداوي "التنقيح المشبع"، الذي اشتهر إلى أن ألف الفتوحي ابن النجار "منتهى الإِرادات". وبما أن الموفق قد عاش في الفترة ٥٤٠ - ٦٢٠ هـ، والمرداوي بين ٨١٧ - ٨٨٥ هـ، وابن النجار (ت ٩٧٢ هـ) فإن الأزمنة بالعلاقة إلى المتون المشهورة تقرب مما ذكر.
ومما نقله محمد الخلوتي تلميذ العلامة البهوتي في حاشية ابن حميد على المنتهى من خط شيخه -مخطوط-.
- المتقدمون، من الإِمام أحمد إلى الإِمام أبي يعلى القاضي.
- المتوسطون، من القاضي أبي يعلى إلى الموفق.
- المتأخرون، من الموفق إلى الآخر.
مما يعني أن الأدمي ينتمي إلى طبقة المتأخرين، ولا شك أن مرجع ذلك حسب تقدير العلماء والمتقصين، ولعل أنه من المتوسطين أقربْ، واللَّه أعلم.
وخلاصة القول أنه ﵀ ينتمي إلى طبقة متوسطي المذهب كما قدمنا، ويؤكد ذلك ثلة العلماء الذين يذكر اسمه أو اسم كتابيه معهم دائمًا كما ظهر لنا آنفًا في "الإِنصاف" و"تصحيح الفروع"، وصاحب الوجيز العلامة الحسن الدجيلي المتوفى ٧٣٠ هـ وغيره.
* * *
стр. 41
الفصل الثالث أبرز مميزات عصر الأدمي السياسية والعلمية وأبرز الماجريات
ذكرنا آنفًا أن العلامة الإِمام أحمد بن محمد الأدمي البغدادي قد عاش في الفترة التي قلت فترة الإِمام المجد ابن تيمية (٥٩٠ - ٦٥٢ هـ)، وأنه قد توفي ما بين ٧٤٠ - ٧٤٩ هـ كما قرره ابن قاضي شهبة تحت عنوان "عام" هو "سنة تسع وأربعين وسبعمائة"، ثم "خصصه" بعنوان آخر هو: "وممن توفي بعد الأربعين ولم يذكروا سنة وفاته" (١).
امتاز عصر الأدمي -إذا سلمنا أنه عاش حتى السنوات التسع عقب عام ٧٤٠ هـ وما سبقها- بخصائص سياسية وعلمية، وكذلك حوادث مما يلقي شيئًا من الضوء على مسألة غموض معرفة سنوات حياته ووفاته، وكذلك على مكانته العلمية والبيئة التي عاش فيها في ذلك العصر الوفير.
ظهور المغول وسقوط بغداد سنة ٦٥٦ ه ـ
عاش الأدمي بناء على ما ذكرنا آنفًا في فترة المماليك التي تعرف بـ "المماليك البحرية" التي حكمت بلاد الشام ومصر منذ عام ٦٤٨ هـ إلى عام ٧٨٤ هـ سموا بذلك لنزولهم في ثكنات عسكرية في جزيرة الروضة على
стр. 42
بحر النيل. أما بغداد مقر الخلافة، فقد سقطت في أيدي المغول التتار على يد الطاغية هولاكو في سنة ٦٥٦ هـ، فدمروا البلاد وقتلوا العباد واستباحوا المحرمات وصارت بغداد تحت دولتهم المسماة: "الدولة المغولية الإِيلخانية".
قال ابن العماد في حوادث سنة ٦٥٦ هـ:
"ففي هذه السنة ٦٥٦ هـ قتل الخليفة المستعصم باللَّه أبو أحمد عبد اللَّه ابن المستنصر باللَّه أبي جعفر المنصور آخر الخلفاء، وكانت دولتهم خمسمائة سنة وأربعًا وعشرين سنة (١). وكان قتله على يد الطاغية هولاكو وذلك بتواطؤ وخيانة الوزير ابن العلقمي، وفي ذلك يقول الشاعر:
يا عصبةَ الِإسلامِ نُوحي وانْدُبي ... حزنًا على مأتم للمستعصم
دَسْت الوزارة كان قبلَ زمانهِ ... لابن الفُرات فصار لابن العلقمِي
ويضيف: "ولما فرغ هولاكو من قتل الخليفة وأهل بغداد أقام على العراق نوابه، وكان ابن العلقمي حسَّن لهم أن يقيموا خليفة علويًا فلم يوافقوه واطرحوه وصار معهم في صورة بعض الغلمان ومات كمدًا لا ﵀" (٢).
وقال ابن العماد ﵀ أيضًا:
"وفي عام ٦٦٤ هـ هلك هولاكو بن قولي قان بن جنكز خان المغولي مقدم التتار وقائدهم إلى النار الذي أباد البلاد والعباد. . . مات على كفره في هذه السنة بعلة الصرع، فإنه اعتراه منذ مقتل الشهيد صاحب ميافارقين الملك
стр. 43
الكامل غازي حتى كان يصرع في اليوم مرتين. . . خلَّف ١٧ ابنًا، تملك بعده ابنه أبغا (١).
واستمر العداء مع التتار، ولم تتعدل الأوضاع إلَّا بدءًا من عام ٦٩٤ هـ، وذلك عندما أعلن السلطان الخاني غازان بن أرغون بن أبغا بن هولاكو إسلامه وتسمى باسم محمود، وتلقب بـ السلطان معز الدين، فدخل بسبب إسلامه كثير من الأمراء ورجالات الدولة المغولية وانتشر الإِسلام في أوساط التتار، ورغم ذلك فإن العداوة بين المغول في بغداد ودولة المماليك في مصر والشام ظلت باقية وتعرضت كثير من مدن الشام للخراب على أيدي التتاريين، وكانت الحروب بين التتار والمماليك سجالًا. فقد هجم التتار على حمص والبقاع ودمشق؛ يقول الذهبي في "دول الإِسلام": ثم دخلت التتار دمشق وشرعوا في المصادرة والعسف ونهبوا الصالحية وسبوا أهلها وأتعبوا الخلق. . . ثم إن اللَّه لطف وألقى في قلب قازان فأمر الأمراء بالكف عن دمشق. . . " (٢).
ثم جاء بعد ذلك السلطان خدا بنده بن أرغون بن أبغا بن هولاكو (٧٠٣ - ٧١٦ هـ)، وكان حسن السيرة لكنه تبنى المذهب الشيعي وعادى أهل السنَّة، وشهدت البلاد رغم ذلك رخاء، كما أنه استمر على عداء المماليك في مصر والشام.
ثم حكم السلطان بوسعيد بن محمد خدا بنده (٧١٦ - ٧٣٦ هـ) وكان صغير السن في بداية حكمه واستمر إلى أن تولى الأمور بنفسه ثم تحسنت
стр. 44
العلاقات بينه وبين مماليك مصر والشام، وعقد صلح بين الدولتين في عام ٧٣٦ هـ (١).
ثم بعد ذلك جاء السلطان حسن بزرك الجلائري (٧٣٨ - ٧٥٧ هـ) فأسس "الدولة المغولية الجلائرية" وذلك بعد الخلاف بينه وبين المنافسين له، فاستطاع أن يستولي على بغداد وانتهى في عهده حكم "الأسرة المغولية الإِيلخانية" التي أسسها هولاكو وأبناؤه وأحفاده، وقد شاع الظلم في عهده مما دعى أهل العراق إلى الهجرة خارجها، لكنه تعدل في النهاية وأقام العدل مما دفع كثيرًا من النازحين عن العراق على العودة إليها وذلك في سنة ٧٤٨ هـ (٢)، وهي أقرب سنة من وفاة العلامة الأدمي كما ذكرنا آنفًا.
كما شهدت هذه الفترة وعلى الأخص الفترة التي عاصرت الأدمي عدة حوادث ربما تلقي الضوء على الغموض الذي اكتنف أخبار هذا العالم الجليل، فمن ذلك ما يأتي:
طاعون سنة تسع وأربعين وسبعمائة (٧٤٩ ه ـ)
يشير تاريخ ابن قاضي شهبة إلى ذلك بقوله (٣):
"في هذه السنة كان الطاعون العظيم الذي عم المشارق والمغارب
стр. 45
ومات فيه من العلماء والأعيان وغيرهم خلائق لا يحصيهم إلَّا الذي خلقهم. وقد كان للطاعون مدد عظيمة لم يقع في هذه البلاد. حدثني بعض مشايخنا عن والده أنه قال: ما كنا نعرف حقيقة الطاعون قبل سنة تسع وأربعين. . . ".
ويضيف أيضًا:
"وفي أواخره كان الطاعون العام بأقطار البلاد وامتد إلى أواخر المحرم من العام القابل، مات بالقاهرة ومصر في اليوم الواحد نحو أحد عشر ألف نفس، وفي بعض تواريخ المصريين أنه كان يموت بالقاهرة كل يوم فوق العشرين ألف إنسان".
وجاء مثل ذلك في تاريخ ابن تغري بردي "النجوم الزاهرة" (١) بقوله:
"كانت هذه السنة (سنة تسع وأربعين وسبعمائة) كثيرة الوباء والفساد بمصر والشام، ومع هذا كان الوباء الذي لم يقع مثله في سابق الأعصار، فإنه كان ابتداء بأرض مصر آخر أيام التخضير في فصل الخريف في أثناء سنة ثمان وأربعين، فما أهلَّ المحرم سنة تسع وأربعين حتى اشتهر واشتد الوباء بديار مصر في شعبان ورمضان وشوال وارتفع في نصف ذي القعدة، فكان يموت بالقاهرة ومصر ما بين عشرة آلاف إلى خمسة عشر ألف نفس إلى عشرين ألف نفس في كل يوم. وعملت الناس التوابيت والدكك لتغسيل الموتى للسبيل بغير أجر وحمل أكثر الموتى على ألواح الخشب وعلى السلالم والأبواب، وحفرت الحفائر وألقي فيها الموتى، فكانت الحفيرة يدفن فيها الثلاثون والأربعون وأكثر. . . ".
стр. 46
ويضيف:
"ولم يكن هذا الوباء كما عهد في إقليم دون إقليم، بل لمَّ أقاليم الأرض شرقًا وغربًا وشمالًا وجنوبًا، جميع أجناس بني آدم وغيرهم حتى حيتان البحر وطير السماء ووحش البر. . . ".
. . . ويستطرد بقوله عن بغداد التي عاش فيها الأدمي:
". . . ثم وقع ببغداد أيضًا، فكان الإِنسان يصبح وقد وجد بوجهه طلوعًا فما هو إلَّا أن يمد يده على موضع الطلوع فيموت في الوقت". وذكر مثل ذلك ابن الوردي في تاريخه وقد أشار إليه شعرًا:
ماذا الذي يصنعُ الطاعونُ في بلد ... في كلِّ يومٍ لهُ بالظلمِ طاعون
وقد مات ابن الوردي بطاعون حلب في ١٧ ذي الحجة ٧٤٩ هـ (١).
والخلاصة: أن هذا الوباء يفسر لنا غموض تاريخ تلك الفترة، فلعل الأدمي ﵀ ممن مات بسببه. كما شهدت هذه الفترة أيضًا نزاعات سياسية وحروب وتبدل سلاطين وأمراء وقواد كما يظهر ذلك في حوادثها في تاريخ الذهبي وغيره (٢). وقد سبقها ظهور أكبر فتنة في العالم الإِسلامي وهي فتنة المغول الذين خرجوا حوالي سنة ٦٥٤ هـ واستمروا إلى دخول بغداد بقيادة الطاغية هولاكو سنة ٦٥٦ هـ، قال الذهبي (٣):
стр. 47
"ودخلت التتار بغداد واقتسموها كل نوين أخذ ناحية وبقي السيف يعمل أربعة وثلاثين يومًا، وقلَّ من سلم، فبلغت القتلى ألف ألف وثمانمائة ألف وزيادة".
ويشير ناجي معروف في تاريخه بقوله:
"أتت فتنة هولاكو على خزائن العلم والأدب فلم يتق شيئًا ولم يبق من الكتب إلَّا ما كان منه نسخ عديدة أو امتلكها أناس كانوا في نجوة من هذا الإِعصار. . . إلخ" (١).
فلعل هذه الحوادث كالطاعون والوباء وما تلاه من مقاتل وفتن ونزاعات قد غيبت تاريخ وفاة الأدمي وعلى الأخص الوباء الذي لم يسلم منه أحد كما أشار المؤرخون.
المدارس العلمية وشيوع العلم
رغم ما شهدته هذه الفترة من فتن وحوادث كما بيّنا سابقًا، امتازت في الوقت نفسه بشيوع العلم ومدارسه المتعددة، وظهور أشهر علماء المسلمين ومصنفيهم، وأشهر المصنفات على حد سواء. وسنتعرض لبعض المدارس في الشام وبغداد على اعتبار أن العلامة الأدمي انتقل فيما بين العراق والشام واستقر في بغداد كما ذكرنا آنفًا، مع ذكر لأبرز العلماء والمصنفات بقدر الإِمكان.
стр. 48
أما المدارس فهي أكثر من أن تحصى سواء من حيث حجمها أو تخصصاتها أو مذاهبها.
المدارس في بلاد الشام
انقسمت المدارس في بلاد الشام إلى عدة أقسام حسب تخصصاتها ومواقعها والعلوم التي تدرس فيها على النحو التالي (١):
١ - دور القرآن الكريم.
٢ - دور الحديث الشريف.
٣ - دور الحديث والقرآن.
٤ - المدارس الفقهية.
ويتصل بذلك الزوايا والخوانق ونحوها، غير أننا سنركز على الأنواع الأربعة وعلى الأخص ما عاصر منها فترة العلامة الإِمام الأدمي والعلامة الإِمام المجد عبد السلام.
أولًا: دور القرآن الكريم:
١ - دار القرآن الكريم الرشائية: أنشأها رشأ بن نظيف بن ما شاء اللَّه أبو الحسن الدمشقي في حدود سنة أربعمائة، وذكر النعيمي أنها قد زالت عينها وأدخلت في غيرها والتي منها الآن الأخنائية التي أنشاها محمد بن القاضي تاج الدين محمد الأخنائي الشافعي ودفن بها ٨١٦ هـ (٢).
стр. 49
٢ - دار القرآن الكريم السنجارية (١): أنشئت في سنة ٧٣٥ هـ، أنشأها علاء الدين بن إسماعيل بن محمود السنجاري.
٣ - دار القرآن الكريم الوجيهية (٢): أنشأها وجيه الدين محمد بن عثمان بن المنجي التنوخي في عام ٧٠١ هـ، وهو من شيوخ الحنابلة.
وهناك دور قرآن كثيرة قبل وبعد هذه الفترات، غير أننا ذكرنا المعاصر منها للعلامة الأدمي (٣).
ثانيًا: دور الحديث الشريف:
١ - دار الحديث الأشرفية (٤):
стр. 50
ذكر النعيمي أنها أنشئت في سنة ٦٢٨ هـ بأمر الملك الأشرف وفتحت سنة ٦٣٥ هـ، وأملى بها الشيخ تقي الدين ابن الصلاح (١)، الإِمام البارع الفقيه المفتي صاحب أشهر كتاب في مصطلح الحديث المعروف باسم "مقدمة ابن الصلاح" أو "علوم الحديث".
وفي "منادمة الأطلال" لابن بدران سماها "دار الحديث الأشرفية الأولى"، وقد فصل الحديث عنها وانتهى إلى ما آلت إليه في عصره.
٢ - دار الحديث الأشرفية البرانية (٢):
المقدسية بسفح جبل قاسيون، بناها الملك الأشرف مظفر الدين موسى ابن العادل أيضًا، للحافظ جمال الدين عبد اللَّه بن تقي الدين عبد الغني المقدسي، وقرر له معلومًا لكنه مات قبل فراغها.
وفي "منادمة الأطلال" لابن بدران سماها: "الأشرفية الثانية" (٣).
٣ - دار الحديث البهائية:
كانت دار للشيخ بهاء الدين أبي محمد القاسمي، ابن الشيخ بدر الدين أبي غالب المظفر، فأوقفها آخر عمره دار حديث سنة ٧٢٣ هـ.
٤ - دار الحديث الدوادارية والمدرسة والرباط:
وقفها الأمير علم الدين سنجر التركي الصالحي الدوادار، كان مكانها رواقًا له فجعله دار حديث سنة ٦٩٨ هـ، وليها عدد من العلماء، وقد أفرد العلامة ابن بدران في منادمة الأطلال ترجمة حافلة لواقفها (٤).
стр. 51
٥ - دار الحديث الحمصية (١):
كانت حلقة في الجامع الأموي لإِقراء الحديث، وكان لها وقف يقوم بمصالحها، درَّس بها الحافظ المزي (٢)، ثم الحافظ صلاح الدين العلائي خليل ابن كيكلدى (٣) سنة ٧٢٨ هـ.
٦ - دار الحديث السكرية (٤):
لم يعرف واقفها، ولي مشيختها الإِمام العالم الفقيه شهاب الدين عبد الحليم ابن الشيخ الإِمام العلامة مجد الدين عبد السلام بن تيمية صاحب المحرّر، سمع من والده المجد وصار شيخ البلد بعد أبيه المجد. ودرس بهذه المدرسة الشيخ الإِمام العالم العلامة تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية الحراني والشيخ زين الدين المنجَّا الحنبلي.
٧ - دار الحديث الشقشقية (٥):
أوقفها المحدث نجيب الدين أبو الفتح نصر اللَّه مظفر بن عقيل
стр. 52
الشيباني الدمشقي، وقد سكنها الحافظ المزي قبل أن ينتقل إلى دار الحديث الأشرفية، توفي واقفها سنة ٦٦٦ هـ.
٨ - دار الحديث الفاضلية (١):
نسبة إلى عبد الرحيم بن علي القاضي محيي الدين العسقلاني (٥٢٩ - ٥٩٦ هـ): درس فيها علماء أفاضل وجهابذة، منهم الإِمام الحافظ الذهبي وغيره. وكان القاضي العسقلاني من خواص السلطان صلاح الدين الأيوبي رحمه اللَّه تعالى.
٩ - دار الحديث القلانسية، والقوصية، والكروسية (٢):
بالصالحية، صاحبها عز الدين القلانسي (٦٤٩ - ٧٢٩ هـ) أحد رؤساء دمشق، بها رباط ومئذنة. وهناك أيضًا دار الحديث القوصية، ودار الحديث الكروسية.
١٠ - دار الحديث النورية (٣):
بناها نور الدين محمود زنكي، الملك العادل، بدمشق، وهو أول من بنى دارًا للحديث كما ذكر النعيمي في "الدارس" ٥١١ - ٥٦٩ هـ. تولى مشيختها ابن عساكر الدمشقي إمام أهل الحديث في زمانه، ذكر النعيمي أن جملة شيوخ ابن عساكر ١٣٠٠ شيخ ونيف و ٨٠ امرأة، له تاريخ دمشق في ٨٠ مجلدًا.
١١ - دار الحديث النفيسية:
واقفها هو إسماعيل بن محمد بن صدقة الحراني ثم الدمشقي (٦٢٨ - ٦٩٦ هـ).
стр. 53
وُلي مشيختها صاحب التذكرة الإِمام المقرئ المحدث علاء الدين علي بن المظفر الكندي الإِسكندراني ثم الدمشقي، ثم وليها بعده الإِمام علم الدين البرزالي (١).
١٢ - دار الحديث الناصرية:
أنشأها الملك الناصر صلاح الدين يوسف حفيد السلطان صلاح الدين الأيوبي يوسف بن أيوب (٢) فاتح بيت المقدس (٦٢٧ - ٦٥٩ هـ). درَّس فيها جمال الدين الشربيني وباشر مشيختها (٦٩٤ - ٧٧٩ هـ)، والشيخ حسام الدين القرمي (٦٨٥ - ٧٤٦ هـ)، وشرف الدين الغزاري (٦٣٠ - ٧٠٥ هـ) وغيرهم (٣).
ثالثًا: دور القرآن والحديث معًا:
اشتمل هذا العصر أيضًا على دور تجمع بين القرآن والحديث، مما يدل على ازدهار العلم وتشعب مؤسساته، ويدل أيضًا على كثرة العلماء وطلاب العلم، فمن ذلك:
стр. 54
١ - دار القرآن والحديث التنكزية (١):
أنشأها نائب السلطنة تنكز الملكي الناصري، وجعلها دار قرآن ورتب منها الطلبة والمشايخ سنة ٧٢٨ هـ، تسلم المشيخة فيها صدر الدين بن عبد الحكم (٦٤٣ - ٧٤٩ هـ)، فهو معاصر لفترة الأدمي تقريبًا؛ وفي "منادمة الأطلال" أسماها جامع "تنكز".
٢ - دار القرآن والحديث الصبّانيّة (٢):
أنشأها الصدر الحنبلي شمس الدين محمد بن أحمد بن محمد بن أبي العز الحراني ثم الدمشقي، المعروف بابن الصبان سنة ٧٣٨ هـ، وذكر النعيمي أنه لم يقف على من وليها، تقع شمالي طبرية.
٣ - دار القرآن والحديث المعبدية (٣):
داخل دمشق، وربما كانت دار قرآن فقط على ما ذكر النعيمي، تنسب إلى الأمير علاء الدين علي بن معبد البعلبكي، في سنة ٧٤٦ هـ.
رابعًا: المدارس الفقهية:
كما تخصصت مدارس لتدريس الفقه على المذاهب الأربعة أو على مذهب معين، كمدارس الشافعية، ومدارس المالكية، ومدارس الحنفية والحنبلية. وسنتعرض للمدارس الحنبلية لصلتها بموضوعنا.
ويلاحظ أن هذه المدارس تعادل أضعاف ما ذكر من دور القرآن ودور القرآن والسنَّة، فمثلًا بلغ عدد المدارس الشافعية حوالي ٦٣ مدرسة،
стр. 55
والمدارس الحنفية حوالي ٥٢ مدرسة، والمالكية ٤ مدارس، والمدارس الحنبلية ١١ مدرسة على ما ذكر النعيمي في "الدارس في تاريخ المدارس" (١)، وعند ابن بدران في "منادمة الأطلال" تبلغ مدارس الشافعية حوالي ٨٢ مدرسة، ومدارس الحنفية حوالي ٥١ مدرسة، والمدارس المالكية حوالي ٤ مدارس، ومدارس الحنابلة حوالي ١١ مدرسة (٢).
ذكر ابن بدران في "منادمة الأطلال" مقدمة لطيفة في انتشار العلم، ثم ظهور المذاهب منذ العهد النبوي الشريف، ثم عصر الصحابة، ثم التابعين، ثم تابعيهم، ثم انتشار العلماء في الأمصار، وظهور الملوك والسلاطين الذين تبنوا رأي عالم من العلماء، إلى أن انتهى الأمر إلى الأئمة الأربعة.
فانتشر المالكي في الأندلس في عهد المرتضى بن هشام الملقب بالمنتصر سنة ١٨٠ هـ، ثم تبعهم بعد ذلك أهل أفريقية. وفي عهد الخليفة القادر باللَّه أبي العباس أحمد تمكَّن الشيخ أبو حامد الإِسفرائيني من دولته واستخلف أبي العباس البازري الشافعي وساد الفقه الشافعي في بغداد. وفي مصر انتشر الفقه المالكي وتبعه الحنفي ثم قدم الإِمام محمد بن إدريس الشافعي سنة ١٩٧ هـ، فتبه جماعة من أعيانها كالربيع والمزني وصاروا من أشهر أصحابه وتلامذته. ثم فشى المذهب الشيعي في عهد جوهر الصقلي الذي أنشأ الأزهر، ثم الفاطمي الإِسماعيلي، إلى أن جاء السلطان صلاح الدين فأزال ذلك سنة ٥٦٤ هـ وأنشأ المدرسة الشافعية.
стр. 56
وفي عهد السلطان نور الدين زنكي شاع المذهب الحنفي في بلاد الشام، ثم شاع المذهب الشافعي في عهد صلاح الدين الأيوبي. وفي عهد سلطنة الملك الظاهر بيبرس البندقداري ولي في مصر أربعة قضاة هم: شافعي، مالكي، حنفي، وحنبلي. وكان أول من ولي القضاء بدمشق من الحنابلة الشيخ عبد الرحمن بن محمد بن أحمد بن قدامة المقدسي الصالحي، وهو من مشايخ شيخ الإِسلام أحمد بن تيمية، توفي سنة ٦٨٢ هـ. وقد شاع المذهب الحنبلي في العراق في عهد الإِمام أحمد وتلاميذه.
المدارس في بلاد الشام
مدارس الحنابلة:
من المدارس الحنبلية في بلاد الشام ما يأتي:
المدرسة الجوزية (١):
أنشأها محيي الدين ابن الشيخ جمال الدين ابن الفرج عبد الرحمن ابن الجوزي (٥٨٠ - ٦٥٦ هـ)، وكتب على عتبة بابها: "هذا ما وقف الصاحب محيي الدين ابن الجوزي على مذهب الإِمام أحمد بن حنبل ﵁. . . "، وذلك في أيام الملك الصالح عماد الدين، وصاحبها هو ابن العلامة ابن الجوزي، وصار محيي الدين أستاذ دار المعتصم باللَّه، وقد قتل هو والخليفة المستعصم في سنة ٦٥٦ هـ على يد هولاكو (٢).
وممن درَّس بها شرف الدين حسن المقدسي (٦٠٥ - ٦٥٩ هـ)، ونجم الدين بن قدامة (٦٥١ - ٦٨٩ هـ)، وشرف الدين بن قدامة (٦٣٦ - ٦٩٥ هـ)، وتقي الدين سليمان بن حمزة حفيد ابن قدامة المقدسي (٦٢٨ - ٧١٥ هـ)،
стр. 57
وشهاب الدين الحافظ المقدسي (٦٥٦ - ٧١٠ هـ)، وشمس الدين محمد بن مسلم بن مالك ابن زروع الدين الصالحي (٦٦٠ - ٧٢٦ هـ)، وعز الدين محمد بن سليمان المقدسي (٦٦٥ - ٧٣١ هـ)، وشرف الدين عبد اللَّه المقدسي (٦٤٦ - ٧٣٢ هـ)، وعلاء الدين بن المنجّا (٦٧٧ - ٧٥٠ هـ) من المبرزين في المذهب، وشرف الدين ابن قاضي الجبل (٦٩٣ - ٧٧١ هـ) من أشهر الأصوليين، وممن قرأ على تقي الدين ابن تيمية، وبرهان الدين ابن مفلح (٧٤٩ - ٨٠٣ هـ) ومنهم عز الدين الخطيب (ت ٨٢٠ هـ) صاحب "النظم المفيد الأحمد في مفردات الإِمام أحمد" (١).
وقد درس في المدرسة الجوزية أول حنبلي حكم بدمشق وأول حنبلي حكم بمصر، وهو شمس الدين أبو عبد اللَّه محمد بن عبد الوهاب بن منصور الحراني (٦١٠ - ٦٧٥ هـ). ومنهم عز الدين ابن اللحام (٧٧٠ - ٨٤٦ هـ) وغيرهم كثير ﵏.
المدرسة الجاموسية:
بدمشق لم يعرف واقفها، كما أشار النعيمي وتبعه ابن بدران (٢).
المدرسة الحنبلية الشريفة (٣):
واقفها شرف الدين عبد الوهاب ابن الشيخ ابن الفرج الحنبلي عبد الواحد الأنصاري (توفي ٥٣٦ هـ). درس فيها كبار علماء الحنابلة من أشهرهم: الحافظ الرهاوي (٥٣٦ - ٦١٢ هـ) عبد القادر، وزين الدين بن رجب (٧٠٦ - ٧٩٥ هـ) صاحب ذيل طبقات
стр. 58
الحنابلة (١)، وزين الدين أبو البركات بن عز الدين أبي عمرو عثمان بن أسعد المنجّا (٦٣١ - ٦٩٥ هـ)، وعز الدين بن المنجّا محمد بن أحمد بن المنجّا محتسب دمشق (ت ٧٤٦ هـ) وغيرهم.
المدرسة الصاحبية (٢):
أنشاتها ربيعة خاتون بنت نجم الدين أيوب بجبل الصالحية، ودفنت بمدرستها (ت ٦٤١ هـ)، أخت السلطان صلاح الدين. وممن درس بها شمس الدين المرداوي (٦٣٠ - ٦٩٩ هـ)، شمس الدين ابن مفلح (٧١٢ - ٧٦٣ هـ)، وبرهان الدين بن مفلح (٧٤٩ - ٨٠٣ هـ) وغيرهم.
المدرسة الصدرية (٣):
واقفها صدر الدين بن منجّا مات سنة سبع وخمسين وستمائة، أبو الفتح أسعد بن عثمان ابن وجيه الدين أسعد بن منجّا التنوخي (٥٩٨ - ٦٥٧ هـ). وممن درس بها شمس الدين ابن عبد الهادي (٤) (٧٠٥ - ٧٤٤) وهو أبو عبد اللَّه محمد بن أحمد ابن عبد الهادي المقدسي الصالحي الحنبلي، لازم الحافظ المزي وتفقه بشيخ الإِسلام تقي الدين بن تيمية وكان من جملة أصحابه، ودرس بها إبراهيم بن محمد بن أبي بكر بن أيوب الشيخ العلامة برهان الدين ابن الشيخ المفنن شمس الدين المعروف بابن القيم الجوزية (٧١٩ - ٧٦٧ هـ)، ودرس فيها شمس الدين ابن قيم الجوزية قبله (٦٩١ - ٧٥١ هـ) من أخص تلاميذ ابن تيمية رحمهما اللَّه تعالى،
стр. 59
ويلاحظ كثرة من درس فيها من آل قيم الجوزية وآل الزرعي.
المدرسة الضيائية المحمدية:
بسفح قاسيون بانيها الفقيه ضياء الدين محمد المقدسي (١) (٥٦٧ - ٦٤٣ هـ) بجبل الصالحية. وممن درس فيها شمس الدين ابن الكمال المحدث (٦٠٧ - ٦٨٨ هـ)، وزين الدين الحراني (٦٨٥ - ٧٤٩ هـ) ممن لازم تقي الدين بن تيمية، واسمه زين الدين أبو حفص عمر بن سعد اللَّه الحراني.
المدرسة الضيائية المحاسنية:
مدرسة ضياء الدين محاسن (ت ٦٤٣ هـ) جعلها موقوفة على من يكون أمير الحنابلة يذكر فيها الدرس.
المدرسة العمرية الشيخية (٢):
بانيها وواقفها الشيخ أبو عمر الكبير والد قاض القضاة شمس الدين الحنبلي (٥٢٨ - ٦٠٧ هـ).
المدرسة العالمية (٣):
بسفح قاسيون، واقفتها الشيخة أمة اللطيف بنت الشيخ الناصح الحنبلي.
المدرسة المسمارية (٤):
في دمشق، واقفها الشيخ مسمار ﵀، الهلالي الحوراني المقرئ (ت ٥٤٦ هـ)، درس بها وجيه الدين بن منجّا (٥١٩ - ٦٠٦ هـ)،
стр. 60
شمس الدين بن منجّا عمر ابن القاضي وجيه الدين أسعد بن منجّا (٥٥٧ - ٦٤١ هـ)، عز الدين بن منجّا (٥٦٧ - ٦٤١ هـ) عثمان بن أسعد بن المنجّا، ووجيه الدين بن منجّا (٦٣٠ - ٧٠١ هـ)، أبو المعالي محمد بن عز الدين عثمان بن المنجّا (١) وغيرهم.
المدرسة المنجائية:
وهي زاوية بالجامع الأموي كانت تعرف بابن منجّا، ووقفها ينسب إلى العلامة عثمان بن أسعد بن المنجّا (٢).
خلاصة القول: هذا ما ظهر في بلاد الشام على سبيل الاختصار، على الأخص دمشق والصالحية ونحوهما، وهذا غيض من فيض وإيجاز لتفصيل فقد صرفنا النظر عن الزوايا، والمساجد، والخوانق، ومدارس الطب، والربط وهي كثيرة لا تحصى في بلاد الشام مما يدل على أن المجتمع الذي عاش في وسطه الأدمي مجتمع علمي حافل بفنون العلم. والآن نلقي نظرة على مدارس العراق في ذلك العصر وذلك لتكتمل صورة العصر الذي عاصره العلامة الأدمي.
المدارس في بغداد
يقتضي الأمر منا -كما أسلفنا- الإِشارة إلى المدارس في بغداد مقر الخلافة، وهي في الحقيقة من الأماكن التي نشأ فيها وانتسب إليها العلامة الأدمى، فمن المناسب أن نتعرف على المدارس العلمية على غرار ما ذكرنا في بلاد الشام.
стр. 61
حفلت بغداد منذ أواسط القرن الخامس الهجري بعدد كبير من المدارس والمعاهد المستقلة عن الجوامع، واستمرت في الازدياد إلى سقوط بغداد في يد المغول في سنة (٦٥٦ هـ/ ١٢٥٨ م)، فقد وصلت مدارسها حوالي ٣٨ مدرسة منها ما أنشئ لمذهب واحد، ومنها ما أنشئ لأكثر من مذهب، ومنها للعلوم الأخرى غير علوم الدين.
وكانت بغداد حافلة علاوة على ما ذكر بدور القرآن ودور الحديث وحلقات المساجد وأماكن الدراسة كالمكاتب والكتاتيب والربط والخوانق ومجالس المناظرة ومجالس الإِملاء والندوات الأدبية والتحدث في دور العلم وخزائن الكتب، ولعل أول من أحدث المدارس هو نظام الملك سنة ٤٥٧ هـ، وفي قول أنه قد سبقه المدرسة البنهفية بنيسابور، والمدرسة السعدية بنيت في عهد الأمير نصر بن سبكتكين أخو السلطان محمود وغيرهما (١).
وأشهر ما بني في القديم "المدرسة النظامية" -كما أسلفنا- ببغداد قرر فيها للفقهاء وشرع في بنائها في عام ٤٥٧ هـ وفرغت في عام ٤٥٩ هـ، وتوافد عليها الناس من المشرق والمغرب.
ومن المدارس المشهورة أيضًا المدرسة المستنصرية، جاء في وصفها في ترجمة بانيها المستنصر باللَّه الخليفة العباسي وبويع بالخلافة سنة ٦٢٣ هـ:
"له الآثار الجليلة منها وهي أعظمها المستنصرية وهي أعظم من أن توصف وشهرتها تغني عن وصفها (٢). . .، وقال في "الآداب السلطانية":
стр. 62
من أجلِّ فضائله التي لم يسبقه إليها أحد أنه أمر بإنشاء مدرسة على شاطئ دجلة وجعلها وقفًا على المذاهب الأربعة ووقف عليها وقوفًا حاصلها نحو ٦٠ ألف دينار" (١).
وقال محمد شاكر الكتبي في "فواته":
"وبنى على دجلة من الجانب الشرقي فيما يلي دار الخلافة مدرسة ما بني على وجه الأرض مثلها وهي باربع مدرسين على المذاهب الأربعة، وعمل بيمارستانًا كبيرًا وبنى فيها مطبخًا ومزملة للفقراء ورتب لهم حمامًا وبالحمام قَوَمه" (٢).
المدارس التي تدرس المذهب الحنبلي:
١ - مدرسة درب القيار أو "مدرسة الحراني ":
شرق بغداد، وتعرف بمدرسة ابن بكروس، وهو أبو العباس أحمد بن محمد بن بكروس الحمامي الحنبلي بناها للحنابلة، كانت ولادته سنة ٥٧٣ هـ (٣).
٢ - مدرسة بنفشة:
وتسمى المدرسة الشاطئية، بنتها بنفشة زوجة الخليفة المستضيء باللَّه للحنابلة بباب الأزج بالجانب الشرقي من بغداد في عام ٥٧٠ هـ.
стр. 63
٣ - مدرسة ابن دينار (١):
وهي مدرسة للحنابلة أنشأها أبو حكيم إبراهيم بن دينار الهزداني البغدادي الملقب بالقدوة وكان يقيم فيه (٤٨٠ - ٥٥٦ هـ) وتسمى مدرسة أبي حكم أيضًا نسبة لواقفها.
٤ - مدرسة أبي سعد المخرمي (٢):
بالجانب الشرقي، بناها أبو سعد المبارك بن علي بن الحسين، وهي مدرسة الشيخ عبد القادر الجيلاني وتعرف بالقادرية، وبمدرسة الجيلي أو مدرسة ابن المخرمي، وكانت للحنابلة في ٥٦١ هـ.
٥ - مدرسة الوزير (٣):
وهي مدرسة للحنابلة للوزير عون الدين يحيى بن هبيرة بالجانب الغربي من بغداد بمحلة باب البصرة تكاملت عام ٥٥٧ هـ، ودفن بها الوزير في عام ٥٦٠ هـ وقد أجرى على الفقهاء الرواتب.
٦ - مدرسة ابن الشمحل (٤):
وهي مدرسة للحنابلة بناها عمر بن الشمحل بالمأمونية في الجانب الشرقي من بغداد فتحت في سنة ٥٥٦ هـ، أعطيت للشيخ أبو حكيم النهرواني، وأعاد فيها ابن الجوزي.
وهناك مدارس للمذاهب الأربعة (٥) مثل المستنصرية التي مر ذكرها، وقد أعاد فيها العلامة الأدمي صاحب المنور كما أسلفنا، والمدرسة البشيرية
стр. 64
بالجانب الغربي من بغداد فتحت في عام ٦٥٣ هـ، حضرها الخليفة المستعصم وجلسوا في وسطها، وممن درس فيها صفي الدين عبد المؤمن بن عبد الحق (١)، وهو علامة العراق ومدرس الحنابلة في المستنصرية.
٧ - المدرسة المجاهدية (٢):
نسبة إلى مجاهد الدين أيبك بن عبد اللَّه المستنصري الدواتي أمير البلاد بالدويدار، قتله هولاكو سنة ٦٥٦ هـ في واقعة بغداد وأنفذ رأسه إلى الموصل. بنى مدرسته للحنابلة، وممن درس بها صفي الدين ابن عبد الحق سابق الذكر في المدرسة البشيرية.
المدارس على المذاهب الأربعة
وبعد سقوط بغداد وعودة الأمور إلى الاستقرار كثرت المدارس على المذاهب الأربعة (٣) منها:
- المدرسة العصمتية على المذاهب الأربعة حوالي سنة ٦٧٨ هـ.
- مدرسة ابن الأثير مضافة إلى مجد الدين ابن الأثير المقتول في سنة ٦٨٥ هـ.
- مدرسة ابن قاضي دقوقا على دجلة بناها بهاء الدين.
- المدرسة العلائية الشاطئية أنشأها علاء الدين ابن المؤمن كردمير في سنة ٦٩٣ هـ على دجلة.
- المدرسة الغزانية أو الغازانية نسبة إلى السلطان محمود غازان.
стр. 65
- المدرسة الإِمامية البكرية بناها الملك أمان الدين يحيى البكري القزويني (ت ٧٠٠ هـ).
- المدرسة المسعودية على صفة المستنصرية ٧٨٥ هـ.
هذا عدا الجوامع والمساجد والزوايا والخوانق، وقد اكتفينا بالمدارس ودور العلم لوفائها بحاجة الدراسة.
العلماء الذين عاصرهم الأدمي
وخلاصة القول: اتضح لنا بما لا يدع مجالًا للشك أن عصر الأدمي، عصر علم ومدارس ومعاهد وتأليف وتصنيف. ولعل من أكابر أئمة مذهب الإِمام أحمد، قد عاصروا هذه الفترة ومن أبرزهم:
- تقي الدين أبو العباس ابن تيمية الحراني شيخ الإِسلام (٦٦١ - ٧٢٨ هـ).
- شمس الدين أبو عبد اللَّه محمد بن مفلح المقدسي (٧٠٨ - ٧٦٣ هـ).
- زين الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن رجب السلامي (٧٣٦ - ٧٩٥ هـ).
كما عاصر الأدمي أو لحق على آثار ثلة من جهابذة العلماء خاصة في فقه الإِمام أحمد منهم (١):
стр. 66
١ - المجد عبد السلام بن تيمية، صاحب "المحزر" (ت ٦٥٢ هـ).
٢ - ابن تميم محمد بن تميم الحراني الفقيه صاحب "المختصر" في الفقه (ت ٦٧٥ هـ).
٣ - ابن الصيرفي، يحيى ابن أبي منصور بن أبي الفتح الحراني الفقيه أحد مشايخ شيخ الإِسلام ابن تيمية (ت ٦٧٨ هـ).
٤ - مُنجّا بن عثمان بن أسعد بن المنجّا التنوخي الفقيه الأصولي المفسر النحوي له "الممتع شرح المقنع" (ت ٦٩٥ هـ).
٥ - ابن حمدان، أحمد بن حمدان بن شبيب النميري الحراني الفقيه الأصولي، له "الرعاية الكبرى والصغرى" (ت ٦٩٥ هـ).
٦ - محمد بن عبد القوي بن بدران المقدسى الفقيه المحدث صاحب منظومة الآداب، والفرائد في ٥٠٠٠ بيت، ونظم المفردات (ت ٦٩٩ هـ).
٧ - شيخ الإِسلام الإِمام أحمد بن تيمية الحراني (ت ٧٢٨ هـ) وهو غني عن التعريف.
٨ - عبد اللَّه بن محمد بن أبي بكر الزريرانى العراقى (ت ٧٢٩ هـ)، وهو الذي أعاد الأدمي له في المستنصرية كما تقدم.
٩ - الإِمام الحسيني بن يوسف الدُّجَيْلي البغدادي الحنبلي الفقيه الفرضي (ت ٧٣٢ هـ)، صنف "الوجيز".
١٠ - الإِمام صفي الدين عبد المؤمن بن عبد الحق القَطيعي البغدادي، مدرس الحنابلة بالمستنصرية (ت ٧٣٩ هـ).
стр. 67
١١ - العلامة عبد الرحيم بن عبد اللَّه الزريراني صاحب "إيضاح الدلائل في الفرق بين المسائل" (١) (ت ٧٤١ هـ).
١٢ - الإِمام شمس الدين الذهبي (ت ٧٤٨ هـ) وهو غني عن التعريف، ومن أشهر تلاميذ ابن تيمية شيخ الإِسلام.
١٣ - محمد بن مفلح بن محمد بن مفرج المقدسي ثم الصالحي الراميني شيخ الحنابلة في وقته وأحد مجتهدي المذهب (ت ٧٦٣ هـ)، صاحب "الفروع".
١٤ - ابن قاضي الجبل، أحمد بن الحسن بن عبد اللَّه المقدسي من تلامذة شيخ الإِسلام ابن تيمية، صاحب "الفائق"، من أصحاب الاختيارات في المذهب (ت ٧٧١ هـ).
١٥ - محمد بن عبد اللَّه بن محمد الزركشي المصري صاحب "شرح الخرقي" (ت ٧٧٤ هـ).
١٦ - زين الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن رجب السلامي (ت ٧٩٥ هـ).
* * *
стр. 68
الفصل الرابع التعريف بمخطوط المنوَّر ونسبته إلى مؤلفه
التعريف بمخطوط المنوَّر في راجح المحرّر
تقدم آنفًا أن كتاب "المنوَّر في راجح المحرّر" يُعد من مهمات كتب الفقه على مذهب الإِمام أحمد.
وهذا الكتاب بصورته المخطوطة التي لم تحقق هو من مخطوطات علامة الكويت الشيخ عبد اللَّه الخلف الدحيان وقاضيها وعَلَمها رحمه الثه تعالى (١)، الذي خلف مخطوطات نادرة وكثيرة خاصة في الفقه الحنبلي وبعض علوم الشرع الأخرى.
وهي محفوظة في وزارة الأوقاف والشؤون الإِسلامية في دولة الكويت في إدارة المكتبات والمخطوطات، التي أذنت مشكورة للمؤلف في الشروع في تحقيق هذا المخطوط القيم.
стр. 69
نسخة فريدة
ومخطوط المنوَّر فريد أوحد لا ثاني له -فيما أعلم-، فهو نسخة نادرة تفرّد بها العلامة الشيخ عبد اللَّه الدحيان ضمن مجموعته كما أسلفنا. ويمتاز هذا المخطوط النادر بثلاث خصائص:
أولها: أنه مختصر لمحرّر المجد ابن تيمية.
ثانيها: أنه مقتصر على الراجح منه.
ثالثها: أنه كتاب فقه.
أما من حيث كونه مختصرًا للمحرّر فهذا ظاهر من عباراته التي سنأتي عليها بالتفصيل عند دراسة الكتاب، إذ أن مؤلفه يجنح إلى العبارات المختصرة المباشرة، كما أنه دمج بعض الأبواب واختصر عناوين بعضها وقسم المطول منها. فالمحرر الذي هو أصله يحتوي على حوالي ٢٥ كتابًا و ١١٨ بابًا و ٢٢ فصلًا و ٣ فروع. أما المنوَّر فيشتمل على حوالي ٢٥ كتابًا و ١٤٨ بابًا و ٣٧ فصلًا.
وأما من حيث كونه مقتصرًا على الراجح، فذلك أيضًا ظاهر من جهة أن المؤلف لا يتعرض للروايات والأوجه والاختيارات والتخريجات، بل يبادر إلى ذكر الراجح المعتمد من المذهب، وقد يختار الرواية الثانية ويقدمها أو أحد الوجهين ونحو ذلك.
وأما كونه كتابًا في الفقه يعني أنه لا يتعامل مع عبارات الأصوليين أو المحدثين إلَّا أنه يتعرض أحيانًا إلى الأحاديث لكنه يدرجها في عباراته كما في باب صلاة الاستسقاء حيث يذكر الأدعية المأثورة مع عبارة المتن مثلًا قوله:
فيدعو سرًّا ويقول: اللَّهم إنك أمرتنا بدعائك ووعدتنا إجابتك فقد
стр. 70
دعوناك كما أمرتنا. . .، وقوله: فإن خافوا كثرته قالوا: اللَّهم حوالينا لا علينا. . . ونحو ذلك في باب صفة الحج والعمرة في ذكره للأدعية المأثورة من الأحاديث النبوية كما سيظهر لنا لاحقًا عند دراسة المخطوط بالتفصيل. ومع ذلك، فإن هذا النهج لا يخرجه عن كونه كتابًا فقهيًّا بأبوابه المعتادة.
وصف المخطوط
يقع المنوَّر بصورته المخطوطة في ١٤٨ صحيفة أي حوالي ٧٤ ورقة من القطع المتوسط، وتسطيره ما بين ٢٥ إلى ٢٢ سطرًا، وكلماته ما بين ١١ إلى ١٣ كلمة في السطر.
أما حالته العامة فجيدة وتكتنفه بعض الرطوبة من أوله وفي أثنائه في بعض الصفحات. وقد يتخلله طمس أو سقط أو بياض، إلَّا أن ذلك قليل ولا يؤثر في سياق العبارات أو فهمها. أما خطه فهو خط دارج يغلب عليه خط الثلث، ويتخلله خطوط أخرى كالنسخ والفارسي في بعض الجمل والكلمات وأحيانًا بعض الصفحات، إذ أن الناسخ لا يتقيد بأصول كل خط، وعمومًا فهو خط واضح مقروء إلَّا ما قل.
وفي آخر الكتاب سقط إذ أنه ينتهي إلى آخر "باب تعارض البينات" أي أن "كتاب الشهادات" و"كتاب الإِقرار" سقطا من الأصل. ولكن بالرجوع إلى المحرر الذي هو مرجع صاحب المنوَّر اتضح لنا أن السقط لا يتعدى صفحة أو صفحتين على أقصى تقدير، ذلك أن المقدار الذي استغرقه هذان البابان يتراوح ما بين ٥ إلى ٦ صفحات في كتاب المحرّر المطبوع والذي استعنا به في فك عبارات المُرَجِّح.
стр. 71
نسبة الكتاب إلى مؤلفه
لا يختلف اثنان على أن "المنوَّر" صار علمًا على "الأدمي" كما مرّ بنا عند الإِشارة إلى أمهات كتب المذهب التي أحالت إلى كتابه واختياراته وترجيحاته. ومرّ بنا كذلك تاكيد ذلك في قول العليمي صاحب "الدر المنضد" عنه: "الشيخ تقي الدين أحمد بن محمد الأدمي البغدادي، له المنوَّر في راجح المحرّر والمنتخب" (١).
* * *
стр. 72
الباب الثاني أصول كتاب المنوَّر بالإِشارة إلى المحرّر
الفصل الأول: المصادر التي استقى منها مؤلف المحرّر كتابه.
الفصل الثاني: المنهجية والمصطلحات التي استعملها صاحب المحرّر، وصاحب المنوَّر في عرض الروايات والراجح منها.
стр. 73
الفصل الأول المصادر التي استقى منها مؤلف المحرّر كتابه
لمَّا كان المنوَّر مقتصرًا على الراجح، عريًّا من الآيات والأحاديث والروايات والأقوال لأجل أنه ملخص للمحرّر، فكان من المناسب أن نتعرف على المصادر التي استقى منها صاحب المحرَّر مادة كتابه بالرجوع إليه وتمحيصه ليقرب لنا فهم المنوَّر.
وبتأمل المحرّر يلاحظ أنه قد أخذ عن علماء ومؤلفات وكتب بعضها ممن نقل مباشرة عن الإمام أحمد وبعضهم ممن ينتمي إلى الطبقة الأولى أو طبقة المتقدمين من أصحابه، وبعضهم ينتمي إلى أوائل الطبقة الثانية أو طبقة المتوسطين.
* فممن استقى منهم المجد مادة كتابه من بعض رواة الإِمام أحمد والناقلين عنه، وقد أشار إليهم في مواضع قليلة بقوله: نقلها حرب، أو نقلها الميموني ونحو ذلك، مما يدل على أن المجد قد اطلع على مسائل أحمد ورواته وهم أقرب طبقة من الإِمام، وقد ذكر في المحرَّر أربعة هم:
(١) أبو طالب (ت ٢٤٤ ه ـ):
هو أحمد بن حميد أبو طالب المشكاني (١)، المتخصص بصحبة الإمام أحمد. روى عنه مسائل كثيرة وكان أحمد يكرمه ويعظمه، وصحب أحمد
стр. 74
إلى أن مات وهو من الجماعة القريبة من الإِمام أحمد، نقل عنه المجد في المحرّر في مواضع قليلة بقوله: "نقلها أبو طالب".
(٢) إسحاق بن منصور (ت ٢٥١ ه ـ):
هو إسحاق بن منصور بن بهرام أبو يعقوب الكوسج المروزي (١)، كان عالمًا فقيهًا، وهو الذي دون عن الإمام أحمد المسائل في الفقه، قال عنه الإِمام مسلم صاحب الصحيح: ثقة مأمون، وقال عنه النسائي: ثقة، وقد ذكره المجد في المحرّر في مواضع منها في حكم الشروط والعيوب في النكاح. . .، بقوله: نقل عنه ابن منصور (٢/ ٢٣) من المحرّر.
(٣) الميموني (ت ٢٧٤ ه ـ):
هو عبد الملك بن عبد الحميد بن مهران الميموني (٢)، يقول عن نفسه: صحبت أبا عبد اللَّه من سنة خمس ومائتين إلى سنة سبع وعشرين، وعنده عن الإِمام أحمد مسائل كثيرة في ١٦ جزءًا. وكان الإِمام أحمد يعتني به ويكرمه.
(٤) الحربي (ت ٢٨٥ ه ـ):
هو إبراهيم بن إسحاق بن بشر أبو إسحاق الحربي (٣)، من الناقلين لمذهب الإِمام أحمد بن حنبل، وهو من الطبقة أو الجماعة التي قال فيها الأصحاب: "وإذا أُطلق الجماعة فالمراد بهم عبد اللَّه ابن الإِمام وأخوه صالح
стр. 75
وحنبل ابن عم الإِمام وأبو بكر المروذي وإبراهيم الحربي وأبو طالب والميموني" (١).
* وبالمثل فإنه نقل أيضًا عن علماء جاؤوا بعد طبقة المتقدمين حيث يلاحظ أنه يكثر النقل عن أبي بكر المعروف باسم "غلام الخلال" لملازمته للخلال، كما يستقي من الخلال كثيرًا والخرقي، ويكثر من الاستفادة من البعض كابن حامد (٢)، لهذا لا بد أن نشير إلى هؤلاء بشيء من الترتيب مع الإِشارة إلى شيء من مؤلفاتهم وحياتهم (٣)، وهم اثنا عشر:
(١) الخلال (ت ٣١١ ه ـ):
هو أحمد بن محمد بن هارون أبو بكر، صاحب "الجامع"، و"العلل"، و"السنة"، و"الطبقات"، و"تفسير الغريب"، و"الأدب"، وهو الذي جمع في كتابه الروايات عن الإِمام. وقد أشار إليه المجد في كتابه مرات عديدة (٤).