Полный текст (74 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.
стр. 1
شَاعِرُ المَلْيُون
أخْطَاءٌ شَرْعِيَّةٌ، ومُغَالَطَةٌ شِعْرِيَّةٌ
تَألِيْفُ
ذِيَابُ بنُ سَعْد آل حَمْدانَ الغَامديُّ
стр. 2
تَقْرِيْظُ الشَّيْخِ المُحَدِّثِ عَبْدِ الله السَّعْدِ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحَمْدُ لله رَبِّ العَالَمِيْنَ، والصَّلاةُ والسَّلامُ على رَسُوْلِنا مُحَمَّدٍ الأمِيْنِ، عليه أفْضَلُ الصَّلاةِ، وأتَمُّ التَّسْلِيْمِ.
أمَّا بَعْدُ:
- إنَّ مِنَ الأمُوْرِ الخَطِيْرَةِ الَّتِي اشْتَغَلَ بِهَا فِئَامٌ مِنَ النَّاسِ في هَذِهِ الأوْقَاتِ المُتَأخِّرَةِ ما يُسَمَّى بشَاعِرِ المَلْيُون، إذْ حَصَلَ بسَبَبِهَا أضْرَارٌ وأخْطَارٌ؛ فأصْبَحَتْ حَدِيْثَ النَّاسِ في مَجَالِسِهِم، وأَنِيْسَهِم في مَسَامِرِهِم.
- ولا يَشُكُّ عَاقِلٌ مَا لهَذِهِ الفِتْنَةِ مِنْ أخْطَارٍ وأضْرَارٍ؛ فمِنْ ذَلِكَ:
- إحْيَاءُ العَصَبِيَّاتِ والنَّعَرَاتِ الجَاهِلِيَّةِ، بَلْ وَصَلَ الأمْرُ إلى الطَّعْنِ بالأنْسَابِ والفَخْرِ بالأحْسَابِ.
أخْرَجَ مُسْلِمٌ في صَحِيْحِهِ (٩٣٤) مِنْ طَرِيْقِ أبَانَ يَزِيْدَ أنَّ أبَا سَلَّامٍ حَدَّثَهُ أنَّ أبَا مَالِكٍ الأشْعَرِيِّ حَدَّثَهُ أنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: "أرْبَعٌ في أمَّتِي مِنْ أمْرِ الجَاهِلِيَّةِ لا يَتْرُكُوْنَهُنَّ: الفَخْرُ بالأحْسَابِ، والطَّعْنُ بالأنْسَابِ، والاسْتِسْقَاءُ بالنُّجُوْمِ، والنِّيَاحَةُ"
стр. 3
- ومِنْ الأضْرَارِ العَظِيْمَةِ؛ جَعْلُ الأمَّةِ تَعِيْشُ في سَاقِطِ الأمُوْرِ وسِفْسَافِهَا، وإشْغَالُهُم عَنْ قَضَايَاهَا المَصِيْرِيَّةِ، ومَا تُعَانِيْهِ مِنْ تَسْلِيْطُ الأعْدَاءِ وكَيْدِهِم.
مَعَ مَا صَاحَبَ ذَلِكَ مِنْ هَدْرٍ للأوْقَاتِ والأمْوَالِ في غَيْرِ طَاعَةِ الله ، العَبْدُ مَسْئُوْلٌ عَنْ عُمْرِهِ فِيْما أفْنَاهُ.
نَاهِيْكَ عَنْ وُجُودِ المَزَامِيْرِ، والاخْتِلاطِ، وظُهُوْرِ النِّسَاءِ مُتَبَرِّجَاتٍ، نَسْألُ الله السَّلامَةَ والعَّافِيَةَ!
- وقَدْ أجَادَ وأفَادَ فَضِيْلَةُ الشَّيْخِ/ ذِيَابُ بنُ سَعْدٍ الغَامديُّ في كِتَابِهِ أيُّما إيْجَادٍ، وأبَانَ المَخَاطِرِ والمَحَاذِيْرَ الشَّرْعِيَّةَ لما يُسَمَّى "بشَاعِرِ المَلْيُوْنِ"، فنَسْأَلُ الله أنْ يُجْزِلَ لَهُ الأجْرَ والمَثُوْبَةَ، وأنْ يُبَارِكَ في جُهُوْدِهِ، والله وَليُّ التَّوْفِيْقِ.
والصَّلاةُ والسَّلامُ على رَسُوْلِهِ ﷺ .
عَبْدُ الله بنُ عَبْدِ الرَّحمَنِ السَّعْدُ
(١/ ٥/١٤٢٩ هـ)
стр. 4
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحَمْدُ لله رَبِّ العَالَمِيْنَ، والصَّلاةُ والسَّلامُ على عَبْدِهِ ورَسُوْلِه الأمِيْنِ.
أمَّا بَعْدُ: فإنَّ قُرُوْحَ الدَّعَوَاتِ الطَّائِشَةِ لم تَزَلْ تَمَسُّ أفْئِدَةَ الأمَّةِ الإسْلامِيَّةِ حِيْنًا بَعْدَ حِيْنٍ مُنْذُ اسْتِيْلاءِ الحَمَلاتِ الصَّلِيْبِيَّةِ على أكْثَرِ بِلادِ المُسْلِمِيْنَ إلى وَقْتِنَا هَذَا.
وهَكَذَا في مَنْظُوْمَةٍ عَدَائِيَّةٍ آثِمَةٍ لم تَزَلْ تَبْعَثُهَا ذَمِيْمَةً في جَسَدِ الأمَّةِ الإسْلامِيَّةِ ما بَيْنَ تَشْكِيْكٍ لدِيْنِهَا، وتَفْرِيْقٍ لوِحْدَتِها، وتَغْرِيْبٍ للغُتِهَا ... كُلُّ ذَلِكَ لتَقْضِيَ على مَا بَقِيَ مَنْ عَلائِقِ إرْثِهَا مِنْ قُرْآنٍ وسُنَّةٍ ولُغَةٍ.
إنَّ شَأنَّا كهَذَا كَانَ مُوْجِبًا على الكَافَّةِ مِنَ المُسْلِمِيْنَ: حُكَّامًا ومَحْكُومِيْنَ كِبَارًا وصِغَارًا أنْ يَسْتَيْقِظُوا بَعْدَ غَفْلَةٍ، وأنْ يَأخُذُوا بجَادَّةِ الكِتَابِ والسُّنَّةِ عَقِيْدَةً ومَنْهَجًا كَي يُعِيْدُوا للأمَّةِ عِزَّهَا، وللُّغَةِ فَضْلَهَا.
* * *
- ومِنْ هُنَا؛ كَانَ المُسْلِمُوْنَ هَذِهِ الأيَّامَ يَعِيْشُوْنَ حَيَاةً مُضْطَرِبَةً؛
стр. 5
حَيْثُ كَانَ حَظُّهَا مِنَ الهَوَانِ والذُّلِّ الكَأسَ الأوْفى، ومِنَ الجَهْلِ والتَّفْرِيْقِ القِدْحَ المُعَلَّى، والله المُسْتَعَانُ!
ومَا كَانَ هَذَا حَدِيْثًا يُفْتَرَى، بَلْ حَقِيْقَةٌ مَاثِلَةٌ للشَّاهِدِ مِنَّا والغَائِبِ، وإنْ كَانَ مِنْ حَقِيْقَةٍ أخْرَى فَلا شَكَّ أنَّ وَرَاءَ هَذَا كُلِّهِ مُخَطَّطَاتُ أعْدَاءِ الإسْلامِ الَّتِي لم تَزَلْ تُحَاكُ ضِدَّ المُسْلِمِيْنَ سَوَاءٌ كَانَتْ عَسْكَرِيَّةً جَلِيَّةً، أو فِكْرِيَّةً خَفِيَّةً.
نَعَمْ، لَقَدْ كَانَ لهَذَا العَدَاءِ السَّافِرِ صُوَرٌ شَتَّى، وطَرَائِقُ مُخْتَلِفَةٌ، ومَهْما يَكُنْ مِنْ خَطَرٍ أو شَرٍّ، إلاَّ أنَّ أعْتَاهَا أمْوَاجًا وأقْوَاهَا تموُّجًا: الاسْتِشْرَاقُ الَّذِي مَا فَتِئَ يَضْرِبُ شَواطِئَنَا بأمْوْاجٍ عَاتِيَةٍ وذَلِكَ مِنْ خِلالِ الدِّرَاسَاتِ اللُّغَوِيَّةِ، ونَشْرِ اللَّهَجَاتِ العَامِيَّةِ بَيْنَ أبْنَاءِ المُسْلِمِيْنَ!
* * *
- فَكَانَ مِنْ هَذِهِ الأفْكَارِ المُتَسَرِّبَةِ إلى عُقُوْلِ النَّاشِئَةِ الَّتِي عَصَفَتْ رِيْحُهَا في جَزِيْرَةِ العَرَبِ مُنْذُ سَنَتَيْنِ أو يَزِيْدُ: الدَّعْوَةُ السَّافِرَةُ إلى العَامِيَّةِ المُتَمَثِّلَةِ فِيْما يُسَمَّى بـ «شَاعِرِ المَلْيُون»؛ حَيْثُ فُتِحَتْ لَهُ القَنَوَاتُ الفَضَائِيَّةُ، وأُقِيْمَتْ لَهُ النَّدَوَاتُ الفَوْضَوِيَّةُ،
стр. 6
والأمْسِيَّاتُ المُخْتَلِطَةُ، والصُّحُفُ المَحَلِّيَّةُ تَرْوِيجًا وتَقْنِيْنًا، غِشًّا وتَخْوِيْنًا ... !
وإنِّي أعْلَمُ أنَّ الدَّعْوَةَ إلى العَامِيَّةِ لم تَقِفْ عِنْدَ «شَاعِرِ المَلْيُون» حَسْبُ؛ بَلْ لهَا أوْجُهٌ غَبْرَاءُ تَحْتَ مُسَمَّيَاتٍ مُثِيْرَةٍ، وبَيَارِقَ كَثِيْرَةٍ: كمُسَابَقَةِ «شَاعِرِ العَرَبِ»، و «شَاعِرِ المَعْنَى»، و «شَاعِرِ الصَّحْرَاءِ»، ونَجْمِ القَصِيْدِ، في غَيْرِهَا مِنْ أسْماءِ شُعَرَاءِ الانْحِطَاطِ والرَّكَاكَةِ مِنْ دُعَاةِ «النَّبَطِيِّ».
فَعِنْدَئِذٍ كَانَ وَاجِبًا على المُسْلِمِيْنَ أن يَأخُذُوا على أيْدِي العَابِثِيْنَ بإرْثِ الأمَّةِ ولُغَتِهَا، وأنْ يَكُفُّوا ألْسِنَتَهُم وأقْلامَهُم مِنَ المُقَامَرَةِ بعُقُوْلِ أبْنَاءِ المُسْلِمِيْنَ، والله مِنْ وَرَاءِ القَصْدِ.
* * *
- نَعَم، لَقَدْ أدْرَكَ أعْدَاءُ الإسْلامِ أنَّ اللُّغَةَ العَرَبِيَّةَ هِيَ الوَسِيْلَةُ الوَحِيْدَةُ، لفَهْمِ الكِتَابِ والسُّنَّةِ; لِذَا جَنَّدُوا أنْفَسَهُم للقَضَاءِ عَلَيْهَا بكُلِّ مَا يَمْلِكُوْنَ مِنْ زَحْفٍ عَسْكَرِيٍّ وغَزْوٍ فِكْرِيٍّ، وذَلِكَ بنَشْرِ كُلِّ مَا مِنْ شَأنِهِ يُزَاحِمُهَا لاسِيَّما ببَعْثِ اللَّهَجَاتِ العَامِيَّةِ.
ومِنْ أسَفٍ؛ أنَّنا نَجِدُ بَعْضَ أغْتَامِ أبْنَاءِ المُسْلِمِيْنَ هَذِهِ الأيَّامَ قَدْ قَامُوا بدَوْرِ المُسْتَشْرِقِينَ خَيْرَ قِيَامٍ؛ مِمَّا أرْبَى على جُهُودِ الأجَانِبِ
стр. 7
الغَرْبِيِّينَ آنَذَاكَ، والله المُسْتَعَانُ!
* * *
- فعَنِدْئِذٍ؛ كَانَ ظُهُوْرُ مُسَابَقَةِ «شَاعِرِ المَلْيُوْن» اليَوْمَ؛ بِجَمِيعِ صُورِهَا الشِّعْريَّةِ والنَّثْريَّةِ سَوَاءٌ كَانَتْ على مُسْتَوَى الكِبَارِ أو الصِّغَارِ يُعَدُّ خَطَرًا جَسِيْمًا، وشَرًّا عَظِيمًا على وِحْدَةِ الأُمَّةِ الإسْلامِيَّةِ ـ عَرَبِيِّهَا وعَجَمِيِّهَاـ; لأنَّ الدَّعْوةَ إلى العَامِيَّةِ الآنَ في مُعْظَمِ بِلادِ المُسْلِمِيْنَ لَيْسَتْ دَخِيْلَةً ولا أجْنَبِيَّةً يُشَكُّ في إخْلاصِهَا ونِيَّاتِهَا; ولَكِنَّهَا دَعْوةٌ مَحَلِّيَّةٌ تَتَكَلَّمُ بألسِنَتِنَا، ومِنْ أبْنَاءِ جِلدَتِنَا، وتَسْتَظِلُّ تَحْتَ سَمَائِنَا ... بَلْ هِيَ في حَقِيْقَتِهَا سِهَامٌ تُسَلُّ مِنْ كِنَانَتِنَا وتُصَوَّبُ نَحْوَ لُغَتِنَا زِيَادَةً في تَفْرِيْقِ المُسْلِمِيْنَ وتَجْهِيْلِهِم، كَما أنَّها دَعْوَةٌ تَغْرِيبِيَّةٌ تَسْعَى في تَمْرِيْرِ المُخَطَّطَاتِ العَدَائِيَّةِ!
إنَّهَا حَقِيقَةٌ مُرَّةٌ حِينَما يَعْلَمُ دُعَاةُ «شَاعِرِ المَلْيُون» أنَّهَا: نَفْسُ الأهْدَافِ والمُخَطَّطَاتِ الَّتِي سَبَقَ أنْ تَكَرَّرَت في بِلادِ المُسْلِمِيْنَ على أيْدِي الصَّلِيْبِيِّيْنَ وفُرُوْخِهِم مِنَ المُسْتَشْرِقِيْنَ، ومَا أشْبَهَ اللَّيْلَةَ بالبَارِحَةِ!
* * *
- لِذَا لمَّا رَأيْتُ السَّيْلَ بَلَغَ الزُّبَى؛ قُمْتُ ولله الحَمْدُ بكِتَابَةِ هَذَهِ الرِّسَالَةِ الَّتِي مَا كَانَ لي أنْ أكْتُبَهَا إلاَّ دِفَاعًا عَنْ أمَّتِنَا الإسْلامِيَّةِ،
стр. 8
ولُغَتِنَا العَرَبِيَّةِ، ونُصْحًا لإخْوَاني المُسْلِمِيْنَ، ولاسِيَّما الشَّبَابِ مِنْهُم، ممَّنْ أخَذَتْ بِهِم رِيْحُ الشِّعْرِ النَّبَطِيِّ، في نَعَرَاتٍ جَاهِلِيَّةٍ، ومُسَمَّيَاتٍ هَوْجَاءٍ تَحْتَ عَبَاءَةِ «شَاعِرِ المَلْيُون»، ومَا أدْارَكَ مَا «شَاعِرِ المَلْيُون»؟!
إنَّها دَعْوَةٌ جَاهِلِيَّةٌ، ونَعْرَةٌ قَبَلِيَّةٌ، وهَجْمَةٌ لِسَانِيَّةٌ على لُغَةِ القُرْآنِ ... مَعَ ما تَحْمِلُهُ مِنْ خُطَطٍ صَلِيْبِيَّةٍ غَابِرَةٍ، يَوْمَ فَتَحَ «شَاعِرُ المَلْيُون» البَابَ على مِصْرَاعَيْهِ، لتَسْرِيْبِ اللَّهَجَاتِ العَامِيَّةِ لِوَاذًا إلى بِلادِ المُسْلِمِيْنَ، ولاسِيَّما جَزِيْرَةِ العَرَبِ!
إنَّ أخْطَارَ الدَّعْوَةِ إلى الشِّعْرِ «النَّبَطِيِّ» المُتَمَثِّلَةِ في «شَاعِرِ المَلْيُون» لم تَعُدْ مِنَ الخَفَاءِ بمَكَانٍ؛ فَهِي في الحَقِيْقَةِ دَعْوَةٌ سَافِرَةٌ تَحْمِلُ في مَضَامِيْنِهَا زَعْزَعَةَ اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ، وإفْسَادَ اللِّسَانِ العَربيِّ، واجْتِثَاثَ مَا يُمْكِنُ اجْتِثَاثُهُ ممَّا لَهُ صِلَةٌ بالدِّيْنِ الإسْلامِيِّ مِنْ مَوْرُوْثٍ، وفِكْرٍ، وتَارِيْخٍ.
فالدَّعْوَةُ إلى الشِّعْرِ «النَّبَطِيِّ» في حَقِيْقَتِهَا صَدٌّ عَنْ سَبِيْلِ الفُصْحَى، مَعَ ما فِيْهَا مِنْ أخْطَاءٍ شَرْعِيَّةٍ لا تَقِلُّ أهمِّيَّةً مِنَ العُدْوَانِ على اللُّغَةِ، ومَنْ قَرَأ التَّارِيخَ أوْ بَعْضَهُ يَعْلَمُ حَقِيقَةَ هَذَا العِرَاكِ المُسْتَمِيتِ بَيْنَ لُغَتِنَا العَرَبِيَّةِ وبَيْنَ خُصُومِهَا.
* * *
стр. 9
(فَكَيْفَ لا تَسْتَحِي أُمَّةٌ تَرْكُضُ لِبِنَاءِ مَجْدِهَا وعِزِّهَا وهِيَ مُصِرَّةٌ على الحِنْثِ العَظِيمِ; إذْ تَرْفُلُ بِلِبَاسِ عَدُّوِهَا، في نَشْرِ اللَّهَجَاتِ العَامِيَّةِ، والعَصَبِيَّاتِ القَبَلِيَّةِ تَحْتَ مَظَلَّةِ «شَاعِرِ المَلْيُون»؟ ألَمْ يَعْلَمُوا أنَّ اللَّعْنَةَ لم تَزَلْ تُطَارِدُ دُعَاةَ العَامِيَّةِ مُنْذُ صَاحَ بِهِمُ أهْلُ العِلْمِ الرَّبَّانِيِّيْنَ، وحُمَاةُ الفُصْحَى الغَيُوْرُوْنَ؟!
ألَمْ يَعْلَمُوا (أيْضًا) أنَّ دُعَاةَ العَامِيَّةِ: هم دُهَاةُ حَرْبٍ، ومِعْوَلُ هَدْمٍ، بَلْ سُوْسَةُ نَخْرٍ في جِسْمِ الأمَّةِ المَرْحُوْمَةِ؟ ... فلْيَحْذَرِ المُسْلِمُ مِنْ سَنَنِ طَرَائِقِهِم، وليَتَجَنَّبْ سَبِيْلَهُم؛ فإنَّ لهُم طَرَائِقَ مُلْتَوِيَةً في بَثِّ النَّعَرَاتِ الجَاهِلِيَّةِ، كَما هُوَ مَاثِلٌ في دَعْوَتِهِم إلى الشِّعْرِ «النَّبَطِيِّ»، ولاسِيَّما فيمَا تَبَنَّتْهُ القَنَوَاتُ الفَضَائِيَّةُ مِنْ خِلالِ مُسَابَقَةِ «شَاعِرِ المَلْيُوْن»!
نَعَم؛ فَإنَّ بِسَاطَ الخَوْفِ لم يَزَلْ في تَمَدُّدٍ مِنْ دُعَاةِ «النَّبَطِيِّ»، الَّذِينَ لَمْ يَزَالُوا يَنْتَشِرُونَ في الجَزِيرَةِ العَرَبِيَّةِ في السَّنَواتِ الأخِيرَةِ انْتِشَارًا كَبِيْرًا مِمَّا يُلفِتُ النَّظَرَ، ويَسْتَرْعِي الانْتِبَاهَ، مِمَّا يَبْعَثُ هَاجِسَ الرِّيبَةِ في نِيَّاتِ الَّذِينَ يَسْعَوْنَ إلى نَشْرِهِ بِكُلِّ ما يَمْلِكُوْنَ مِنْ قَنَوَاتٍ إعْلامِيَّةٍ، ممَّا كَانَ سَبَبًا كَبِيْرًا في دَفْعِ شَبَابِ الأمَّةِ إلى مُخَالَفَةِ لِسَانِهِم
стр. 10
العَربيِّ، وذَلِكَ باسْتِمْرَاءِ الشِّعْرِ «النَّبَطِيِّ»، وتَذَوُّقِهِ ونَظْمِهِ ... كُلُّ ذَلِكَ سَيَكُوْنَ مِنْهُم (للأسَفِ) على حِسَابِ مُخَالِفَتِهم لِلِّسَانِ العَرَبِيِّ، وقَوَانِينِهِ، ومُفْرَدَاتِهِ، ومُرَكَّبَاتِهِ، وأوْزَانِهِ، مَعَ مَا فيهِ مِنْ ألحَانٍ مَرْذُولَةٍ، وأذْواقٍ مَمْجُوجَةٍ، كَما سَيَأتي بَيَانُهُ إنْ شَاءَ الله.
* * *
يَقُولُ ابْنُ تَيْمِيَةَ ﵀ في «مَجْمُوْعِ الفَتَاوَى» (٣٢/ ٢٥٢): «إنَّ هَذَا الكَلامَ المَوْزُونَ كَلامٌ فَاسِدٌ مُفْرَدًا أوْ مُرَكَّبًا; لِأنَّهُمْ غَيَّرُوا فيهِ كَلامَ العَرَبِ، وبَدَّلُوهُ ; بِقَوْلِهِمْ: «مَاعُوا وبَدُوا وعَدُوا»، وأمْثَالُ ذَلِكَ مِمَّا تَمُجُّهُ القُلُوبُ والأسْمَاعُ، وتَنْفِرُ عَنْهُ العُقُولُ والطِّبَاعُ.
وأمَّا «مُرَكَّبَاتُهُ» فَإنَّهُ لَيْسَ مِنْ أوْزَانِ العَرَبِ; ولا هُو مِنْ جِنْسِ الشِّعْرِ، ولا مِنْ أبْحُرِهِ السِّتَّةَ عَشَرَ، ولا مِنْ جِنْسِ الأسْجَاعِ، والرَّسَائِلِ، والخُطَبِ.
وقَالَ أيْضًا: وهَؤُلاءِ تَرَكُوا المُقَامَرَةَ بالأيْدِي، وعَجَزُوا عَنْهَا: فَفَتَحُوا القِمَارَ بالألْسِنَةِ، والقِمَارُ بالألسِنَةِ أفْسَدُ لِلعَقْلِ والدِّينِ مِنَ القِمَارِ بالأيْدِي، والواجِبُ على المُسْلِمِيْنَ المُبَالَغَةُ في عُقُوبَةِ هَؤُلاءِ، وهَجْرِهِمِ، واسْتِتَابَتِهِمْ ـ إلى قَوْلِهِ ـ: فَإنَّهَا تُفْسِدُ اللِّسَانَ العَرَبِيَّ، وتَنْقُلُهُ إلى العُجْمَةِ المُنْكَرَةِ.
стр. 11
إلى قَوْلِهِ: ... والَّذِينَ يُبَدِّلُونَ اللِّسَانَ العَرَبِيَّ ويُفْسِدُونَهُ، لَهُمْ مِنْهُ هَذَا الذَّمُّ والعِقَابُ بِقَدْرِ مَا يَفْتَحُونَهُ، فَإنَّ صَلاحَ العَقْلِ، واللِّسَانِ مِمَّا يُؤْمَرُ بِهِ الإنْسَانُ، ويُعِينُ على تَمَامِ الإيمَانِ، وضِدُّ ذَلِكَ يُوجِبُ الشِّقَاقَ، والضَّلالَ، والخُسْرَانَ، والله أعْلَمُ» انْتَهَى.
* * *
- ثم إنَّني اسْتَعَنْتُ بالله تَعَالى في بَيَانِ خَطَأ إخْوانِي المُسْلِمِيْنَ مِمَّنْ تَسَاقَطُوا في فَلَكِ «شَاعِرِ المَلْيُون»، وغَيْرِهِ مِنْ دَعَاوِي الشِّعْرِ «النَّبَطِيِّ»، مَعَ كَشْفِ خُطُورَتِهِ على الدِّينِ الإسْلامِيِّ، واللِّسَانِ العَرَبِيِّ بإيجَازٍ واخْتِصَارٍ.
فَلَمَّا رَأيْتُ الأمْرَ أمْرًا مُنْكَرًا ... أجَجْتُ نَارِي ودَعَوْتُ قَنْبَرًا
وأنَا هُنَا لا أدَّعِي الإحَاطَةَ بالمَوْضُوعِ مِنْ جَمِيعِ جَوانِبِهِ; بَل هَذِهِ نُتَفٌ ولَمَحَاتٌ تُوقِفُ اللَّبِيبَ على مَواقِعِ الدَّاءِ، والخَلَلِ الكَامِنِ في مُسَابَقَةِ «شَاعِرِ المَلْيُوْن» خَاصَّةً: كَفِكْرٍ، وهَدَفٍ، وتَقْنِينٍ، ومَنْ أرَادَ مَعْرِفَةَ خَطَرِ نَشْرِ العَامِيَّةِ والشِّعْرِ «النَّبَطِيِّ» بعَامَّةٍ سَوَاءٌ في جَزِيْرَةِ العَرَبِ وغَيْرِهَا، فلْيَنْظُرْ كِتَابِي: «كَفَّ المُخْطِئ عَنِ الدَّعْوةِ إلى الشِّعْرِ النَّبَطِيِّ» ففِيْهِ دِرَاسَةٌ تَأصِيْلِيَّةٌ على ضَوْءِ الكِتَابِ والسُّنَّةِ، كَمَا سَتَرَاهُ إنْ شَاءَ الله.
стр. 12
وقَدْ أدَرْتُ رِسَالَتِي هُنَا على بَيَانِ مَحْظُوْرَاتِ «شَاعِرِ المَلْيُون»، وذَلِكَ مِنْ خِلالِ سِتَّةَ عَشَرَ مَحْظُوْرًا شَرْعِيًّا، بشَيءٍ مِنَ الاخْتِصَارِ.
وَكَتَبهُ
ذِيَابُ بنُ سَعْد آل حَمْدانَ الغَامديُّ
يَوْمَ الاثْنِيْن للنِّصْفِ مِنْ شَهْرِ رَبِيْعِ الثَّاني لعَامِ ألْفٍ وأرْبَعْمائَةٍ وتِسْعَةٍ وعِشْرِيْنَ على صَاحِبِهَا أفْضَلُ الصَّلاةِ والتَّسْلِيْمِ
(١٥/ ٤/١٤٢٩)
الطَّائِفُ المأنُوْسُ
ص. ب (١٩٧٩)
стр. 13
المَحَاذِيْرُ الشَّرْعِيَّةُ
في مُسَابَقَةِ «شَاعِرِ المَلْيُوْن»
هُنَاكَ مَحْظُوْرَاتٌ شَرْعِيَّةٌ كَثِيْرَةٌ، وأغْلاطٌ شِعْرِيَّةٌ خَطِيْرَةٌ قَدْ تَضَمَّنَتْهَا مُسَابَقَةُ «شَاعِرِ المَلْيُوْن»، غَيْرَ أنَّنِي آثَرْتُ الاخْتِصَارَ، ومَنْ أرَادَ زِيَادَةَ بَيَانٍ فَلْيَنْظُرْ كِتَابَ: «كَفِّ المُخْطِئ»، فإلى ذِكْرِ المَحْظُوْرَاتِ الشَّرْعِيَّةِ:
- المَحْظُوْرُ الأوَّلُ: العُدْوانُ على اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ ، وذَلِكَ في نَشْرِ العَامِّيَّةِ المَلحُونَةِ الرَّكِيْكَةِ، وبَثِّهَا بَيْنَ شَبَابِ المُسْلِمِيْنَ لِتُزَاحِمَ الفُصْحَى كَما هُو ظَاهِرٌ في تَسْوِيْقِ الدَّعَوَاتِ العَامِيَّةِ واللَّهَجَاتِ المَحَلِّيَّةِ باسْمِ: مُسَابَقَةِ «شَاعِرِ المَلْيُوْن».
وفي هَذِهِ المُسَابَقَةِ اأيْضًا إبْعَادُ النَّاشِئَةِ عَنْ تَدَبُّرِ وفَهْمِ كِتَابِ الله وسَنَةِ نَبِيِّهِ ﷺ ; وذَلِكَ بِحَمْلِهِمْ على هَجْرِ اللِّسَانِ العَرَبِيِّ الفَصِيحِ الَّذِي أُنْزِلَ بِهِمَا الكِتَابُ والسُّنَّةُ، وهَذَا مُشَاهَدٌ عِنْدَ أكْثَرِ أبْنَاءِ الجَزِيرَةِ، فَضْلاً عَنْ غَيْرِهِم.
* * *
أمَّا العَامِيَّةُ في مَعْنَاهَا السَّاذَجِ، وكَذَا العَوَامُ الَّذِينَ لا يُحْسِنُونَ
стр. 14
غَيْرَهَا لا يُعَدُّ خَطَرًا على اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ الفَصِيحَةِ، ولا خَوْفًا مِنْهُمَا؛ لِأنَّ العَوامَّ لا يَمْلِكُونَ فِكْرًا مَدْرُوْسًا، أو هَدَفًا مَرْسُوْمًا يُخْشَى مِنْهُ، بَلْ يُعَدُّ عِنْدَهُم تَرْدِيدًا وإنْشَادًا يَجْرِي على ألسِنَتِهِم بَيْنَ الحِيْنِ والآخَرِ، ولَمْ يَكُنْ للشِّعْرِ «النَّبَطِيِّ» مُنَظِّرُونَ، أو دُعَاةٌ كَمَا هُو اليَوْمَ، وأشَدُّهُ خَطَرًا هَذِهِ الأيَّامَ أنْ تَمْتَدَّ أيْدٍ شَوْهَاءُ إلى تَدْوِيْنِ الشِّعْرِ «النَّبَطِيِّ» تَحْتَ مُسَمَّيَاتٍ وعَنَاوِيْنَ عَامِّيَّةٍ.
فَالشِّعْرُ «النَّبَطِيُّ» لَيْسَ بِدْعًا مِنَ القَوْلِ; بَل مَعْرُوفٌ مَألُوفٌ لَدَى طَائِفَةٍ مِنْ أبْنَاءِ الجَزِيرَةِ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَتَذَوَّقُهُ بِحُكْمِ الوِرَاثَةِ والبِيئَةِ، وآخَرُونَ يَسْمَعُونَ مِنْهُ أشْيَاءَ ونُتَفًا ألِفُوهَا في حَيَاتِهِمُ اليَوْمِيَّةِ ... إلاَّ أنَّ مَعْرِفَةَ بَعْضِهِمْ لِلأسَفِ بالدَّسِّ والمُؤَامَرَاتِ الَّتِي يُحِيكُهَا أعْدَاءُ المُسْلِمِيْنَ ضِدَّ الإسْلامِ ولُغَتِهِ العَرَبِيَّةِ قَلِيلَةٌ جِدًّا.
* * *
- وهُنَا سُؤالٌ مُهِمٌّ؛ طَالمَا طَرَحَهُ دُعَاةُ العَامِيَّةِ، وأنْصَارُ الشِّعْرِ «النَّبَطِيِّ»، ورُبَّما أشْيَاعُ مُسَابَقَةِ «شَاعِرِ المَلْيُوْن»، وذَلِكَ مِنْ خِلالِ قَوْلهِم:
إنَّ الشِّعْرَ «النَّبَطِيَّ» لا يَخْتَلِفُ عَنِ الشِّعْرِ الفَصِيحِ، بَلْ هُوَ سَلِيلُهُ، وفَرْعٌ مِنْ فُرُوعِهِ.
стр. 15
قُلْتُ: لا شَكَّ أنَّ هَذَا القَوْلَ لا يَصْدُرُ إلاَّ ممَّنْ لا يَعْرِفُ حَقِيْقَةَ الشِّعْرِ العَرَبيِّ الفَصِيْحِ، وبَيْنَ الشِّعْرِ «النَّبَطِيِّ» الرَّكِيْكِ، فَمَنْ نَظَرَ إلَيْهِما عَلِمَ يَقِينًا أنَّهُما يَخْتَلِفَانِ اخْتِلافًا كَبِيْرًا في قَضِيَّتَيْنِ مُهِمَّتَيْنِ، كَمَا يَلي:
القَضِيَّةُ الأوْلى: طَرِيقَةُ النَّظْمِ والإنْشَادِ.
القَضِيَّةُ الثَّانِيَةُ: اللُّغَةُ.
فأمَّا القَضِيَّةُ الأوْلى: فَلا شَكَّ أنَّ طَرِيقَةَ النَّظْمِ والإنْشَادِ بَيْنَهُما مُخْتَلِفَةٌ جِدًّا، فَلِكُلٍّ مِنْ هَذَيْنِ الفَنَّيْنِ أُصُولٌ ونَظْمٌ مُخْتَلِفٌ، بَلِ الاخْتِلافُ بَيْنَهُما ظَاهِرٌ في كُلٍّ: مِنَ البِنَاءِ والوَزْنِ، والبَحْرِ، والمُفْرَدَاتِ، والقَافيةِ، وطَرِيقَةِ الإنْشَادِ مُخْتَلِفَةً ... على الرُّغْمِ مِنْ أنْ لِلشِّعْرِ «النَّبَطِيِّ» وزْنًا وقَافيةً، ولِلشِّعْرِ العَرَبِيِّ الفَصِيحِ وزْنًا وقَافيةً; لَكِنَّ التِزَامَ كُلٍّ مِنْهُمَا بِوزْنٍ وقَافيةٍ لا يُحَقِّقُ الشَّبَهَ بَيْنَهُمَا.
يُوضِّحُهُ أنَّ الشِّعْرَ الفَارِسِيَّ، والشِّعْرَ التُّرْكِيَّ يُنْظَمَانِ على أوْزَانِ الشِّعْرِ العَرَبِيِّ الفَصِيحِ إلى يَوْمِنَا هَذَا، ويُصَاغَانِ في قَالَبِ الشِّعْرِ العَرَبِيِّ بِاللُّغَةِ الفَارِسِيَّةِ واللُّغَةِ التُّرْكِيَّةِ، ولَمْ يَزْعُمْ أحَدٌ أنَّ هَذَيْنِ الشِّعْرَيْنِ في لُغَتَيْهِ ـ الفَارِسِيَّةِ والتُّرْكِيَّةِ ـ فَرْعٌ مِنَ الأدَبِ العَرَبِيِّ أوْ سَلِيلَيْنِ لَهُ، على الرُّغْمِ مِنْ أنَّهُمَا يُنْظَمَانِ على قَوالِبِهِ وأشْكَالِهِ!
стр. 16
كما أنَّ الشِّعْرَ «النَّبَطِيَّ» لا زَالَتْ أوْزَانُه في عَالَمِ الغَيْبِ لَمْ تُحَدَّدْ، ولَمْ تُعْرَفْ، حَتَّى سَاعَتِي هَذِهِ!
* * *
- إلاَّ أنَّ الأُسْتَاذَ عَبْدَ الله بنَ خَمِيسٍ قَدْ قَطَعَ الطَّرِيقَ على النَّبَطِيِّينَ، وكَفَاهُمْ مُؤْنَةَ البَحْثِ والتَّنْقِيبِ عَنْ أوْزَانِ الشِّعْرِ «النَّبَطِيِّ» ; لاسِيَّمَا أنَّهُ مِنْ أرْبَابِ هَذَا الفَنِّ; ومِمَّنِ اشْتَغَلَ بِتَدْوِينِ الشِّعْرِ «النَّبَطِيِّ»، ودِرَاسَتِهِ; مِمَّا يَقْضِي بِإمَامَتِهِ وصَوَابِ حُكْمِهِ في الشِّعْرِ «النَّبَطِيِّ».
يَقُولُ ابنُ خَمِيسٍ في «الأدَبِ الشَّعْبِيِّ» (٨٦): «إنَّهُ تَتَبَّعَ الأوْزَانَ الَّتِي اسْتَعْمَلَهَا شَاعِرٌ عِامِّيٌّ واحِدٌ; فَأحْصَى مِنْهَا عِشْرِينَ وزْنًا، ولَمَّا يُقَارِبْ نِهَايَةَ الدِّيوانِ».
* * *
- أمَّا القَضِيَّةُ الثَّانِيَةُ: وهِيَ اللُّغَةُ، فَلا شَكَّ أنَّ الفَرْقَ الكَبِيرَ المُمَيِّزَ لِلشِّعْرِ الفَصِيحِ عَنِ «النَّبَطِيِّ» هُو اللُّغَةُ، فَقَدْ فَقَدَتْ لُغَةُ الشِّعْرِ «النَّبَطِيِّ» خَصْلَتَيْنِ مُهِمَّتَيْنِ مِنْ خَصَائِصِ الشِّعْرِ العَرَبِيِّ الفَصِيحِ، وهُمَا:
стр. 17
الأُولَى: الإعْرَابُ.
الثَّانِيَةُ: التَّرْكِيبُ.
فَالإعْرَابُ هُو أسَاسُ الشِّعْرِ الفَصِيحِ، وإذَا أخَلَّ الشَّاعِرُ بِإعْرَابِ كَلِمَةٍ واحِدَةٍ في بَيْتِ الشِّعْرِ الفَصِيحِ أفْسَدَهُ، واحْتَاجَ إلى الإتْيَانِ بِالكَلِمَةِ مُعْرَبَةً صَحِيحَةً حَتَّى يَسْتَقِيمَ شِعْرُهُ، وإلاَّ سَقَطَ في عَثَرَاتٍ وعَجْزٍ يُؤَاخَذُ عَلَيْهِ، ولا يُعَدُّ الشِّعْرُ في هَذِهِ الحَالِ شِعْرًا فَصِيحًا مَهْمَا كَانَ قَائِلُهُ، بغَضِّ النَّظَرِ عَنِ الضَّرُوْرَةِ الشِّعْرِيَّةِ.
أمَّا الشِّعْرُ «النَّبَطِيِّ» فَقَدْ أشَارَ عَبْدُ الله بنُ خَمِيسٍ إلى وُجُوبِ الابْتِعَادِ بِهِ عَنِ اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ الفَصِيحَةِ حَتَّى يَسْتَقِيمَ وزْنُهُ، حَيْثُ يَقُولُ (٨١): «لا تُحَاوِلْ وأنْتَ تَقْرَأُ هَذَا الشِّعْرَ أنْ تَسْلُكَ جَادَّةَ اللُّغَةِ الفَصِيحَةِ، فَتُسَلِّطَ العَوامِلَ على مَعْمُولاتِهَا، وتُحَاوِلُ الرَّفْعَ، أوِ النَّصْبَ، أوِ الجَرَّ، أوِ السُّكُونَ بِالعَلامَاتِ الأصْلِيَّةِ، أوِ الفَرْعِيَّةِ، أوْ حَذْفٍ، أوْ سُكُونٍ، أوْ تُحَاوِلُ أنْ تَقُولَ عَنْ هَذَا الفِعْلِ أنَّهُ مِثَالٌ، أوْ عَنِ الآخَرِ أنَّهُ أجْوفٌ، أوْ عَنْ ثَالِثٍ أنَّهُ نَاقِصٌ، أوْ مَهْمُوزٌ، أوْ واوِيٌّ، أوْ يَائِيٌّ إلَخْ،
стр. 18
ولا عَنْ هَذَا الاسْمِ أنَّهُ مَقْصُورٌ، أوْ مَنْقُوصٌ، أوْ مُؤَنَّثٌ حَقِيقِيٌّ، أوْ مَعْنَوِيٌّ، ولا عَنْ هَذَا الجَمْعِ، أوْ هَذِهِ التَّثْنِيَةِ أنَّهُما صَحِيحَانِ، أوْ غَيْرُ صَحِيحَيْنِ، لا تُحَاوِلْ أنَّ تَقْرَأ الشِّعْرَ وأنْتَ مُرْتَبِطٌ بِشَيْءٍ مِنْ هَذَا.
ولا أنْ تَقُولَ إذَا جِئْتَ تَقْرَؤهُ لِمَ هَذَا كَذَا، أوْ لَيْسَ هَذَا بِصَحِيح؟ فَالشَّاعِرُ «النَّبَطِيُّ» يُرِيدُ أنْ يُخْضِعَ كُلَّ شَيْءٍ مِنْ أجْلِ اسْتِقَامَة وزْن بَيْتِهِ وكَفَى!
ويَقُولُ أيْضًا: «يَنْفَرِدُ هَذَا الشِّعْرُ ـ النَّبَطِيُّ ـ بِخَصَائِصَ تَنْأى بِهِ عَنِ الشِّعْرِ الفَصِيْحِ، ونَظَرًا لأنَّهُ لَمْ تُقَعَّدْ لَهُ قَوَاعِدُ، ولَمْ يُوْضَعْ فِيْهِ دِرَاسَاتٌ يُفْهَمُ على ضَوْئِهَا، وقَدْ جَانَبَ كَثِيْرًا مِنْ قَواعِدِ اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ، واصْطِلاحَاتِهَا: نَحْوِيَّةً كَانَتْ، أمْ صَرْفِيَّةً، أمْ إمْلائِيَّةً، أمْ عَرُوْضِيَّةً; لِذَا فَإنَّهُ مِنَ العَسِيرِ على الدَّارِسِ لِهَذَا الشِّعْرِ وهُو بَعِيْدٌ عَنْ بِيئَتِهِ ومُحِيطِهِ أنْ يُرَكِّزَ فَهْمَهُ فِيْهِ، أوْ يَخْرُجَ مِنْهُ بِكَبِيرِ فَائِدَةٍ; مَا لَمْ يُؤَدِّهِ الأدَاءَ الصَّحِيحَ بِلَهْجَتِهِ الخَاصَّةِ بِهَا».
كَمَا لا يَخْفَى على الجَمِيعِ أنَّ نَظْمَ الجُمْلَةِ العَرَبِيَّةِ الفَصِيحَةِ يَرِدُ على وُجُوهٍ أقَلُّهَا: أنْ يَتَألَّفَ مِنِ اسْمَيْنِ، أوْ مِنْ فِعْلٍ واسْمٍ، أوْ
стр. 19
مِنْ جُمْلَتَيْنِ، أوْ مِنْ فِعْلٍ واسْمَيْنِ، أوْ مِنْ فِعْلٍ وثَلاثَةِ أسْمَاءٍ، أوْ مِنْ فِعْلٍ وأرْبَعَةِ أسْمَاءٍ ... إلَخ.
أمَّا نَظْمُ الجُمْلَةِ العَامِيَّةِ فَلَيْسَ لَهُ قَاعِدَةٌ مَعْرُوفَةٌ حَتَّى الآنَ وقَدْ يُوافِقُ حَالاً مِنْ أحْوالِ بِنَاءِ الجُمْلَةِ العَرَبِيَّةِ ونَظْمِهَا في بَعْضِ التَّعْبِيرَاتِ، وقَدْ يُخَالِفُ ذَلِكَ.
يَقُولُ مَرْزُوْقُ بنُ صِنَيْتَانَ في كِتَابِهِ «الفُصْحَى» (١٨٧): «ولا أعْرِفُ حدًّا لِأقَلِّهِ، ولَمْ أطَّلِعْ على تَحْدِيدٍ لِنَظْمِ الجُمْلَةِ العَامِيَّةِ يُمْكِنُ الاعْتِمَادُ عَلَيْهِ حَتَّى يُمْكِنَنَا أنْ نُقَارِنَ بَيْنَ الجُمْلَةِ الفَصِيحَةِ والعَامِيَّةِ، ونَعْرِفَ وجْهَ التَّشَابُهِ بَيْنَهُمَا، ولَيْسَ الغَرَضُ مِنْ هَذِهِ الدِّرَاسَةِ مُقَارَنَةَ الجُمْلَةِ العَامِيَّةِ بِالجُمْلَةِ العَرَبِيَّةِ إنَّمَا الغَرَضُ بَيَانُ الِاخْتِلافِ بَيْنَ نِظَامِ الجُمْلَتَيْنِ، وبُعْدِ كَلٍّ مِنْهُمَا عَنِ الأُخْرَى، وانْتِفَاءِ التَّشَابُهِ بَيْنَهُمَا» انْتَهَى.
* * *
يَقُولُ ابْنُ تَيْمِيَةَ ﵀ في «مَجْمُوْعِ الفَتَاوَى» (٣٢/ ٢٥٢): «إنَّ هَذَا الكَلامَ المَوْزُونَ كَلامٌ فَاسِدٌ مُفْرَدًا أوْ مُرَكَّبًا; لِأنَّهُمْ غَيَّرُوا فيهِ كَلامَ العَرَبِ، وبَدَّلُوهُ ; بِقَوْلِهِمْ: «مَاعُوا وبَدُوا وعَدُوا»، وأمْثَالُ
стр. 20
ذَلِكَ مِمَّا تَمُجُّهُ القُلُوبُ والأسْمَاعُ، وتَنْفِرُ عَنْهُ العُقُولُ والطِّبَاعُ.
وأمَّا «مُرَكَّبَاتُهُ» فَإنَّهُ لَيْسَ مِنْ أوْزَانِ العَرَبِ; ولا هُو مِنْ جِنْسِ الشِّعْرِ، ولا مِنْ أبْحُرِهِ السِّتَّةَ عَشَرَ، ولا مِنْ جِنْسِ الأسْجَاعِ، والرَّسَائِلِ، والخُطَبِ.
ومَعْلُومٌ أنَّ «تَعَلُّمَ العَرَبِيَّةِ، وتَعْلِيمَ العَرَبِيَّةِ» فَرْضٌ على الكِفَايَةِ; وكَانَ السَّلَفُ يُؤَدِّبُونَ أوْلادَهُمْ على اللَّحْنِ، فَنَحْنُ مَأمُورُونَ أمْرَ إيجَابٍ، أوْ أمْرَ اسْتِحْبَابٍ أنْ نَحْفَظَ القَانُونَ العَرَبِيَّ; ونُصْلِحَ الألسُنَ المَائِلَةَ عَنْهُ، فَيَحْفَظُ لَنَا طَرِيقَةَ فَهْمِ الكِتَابِ والسُّنَّةِ، والاقْتِدَاءِ بالعَرَبِ في خِطَابِهَا.
فَلَوْ تُرِكَ النَّاسُ على لَحْنِهِمْ كَانَ نَقْصًا وعَيْبًا; فَكَيْفَ إذَا جَاءَ قَوْمٌ إلى الألسِنَةِ العَرَبِيَّةِ المُسْتَقِيمَةِ، والأوْزَانِ القَوِيمَةِ: فَأفْسَدُوهَا بِمِثْلِ هَذِهِ المُفْرَدَاتِ، والأوْزَانِ المُفْسِدَةِ لِلِّسَانِ، النَّاقِلَةِ عَنِ العَرَبِيَّةِ العَرْبَاءِ إلى أنْواعِ الهَذَيَانِ; الَّذِي لا يَهْذِي بِهِ إلا قَوْمٌ مِنَ الأعَاجِمِ الطُّمَاطِمِ الصَّمَيَانِ؟!
وقَالَ أيْضًا: «وهَؤُلاءِ تَرَكُوا المُقَامَرَةَ بالأيْدِي، وعَجَزُوا عَنْهَا: فَفَتَحُوا القِمَارَ بالألْسِنَةِ، والقِمَارُ بالألسِنَةِ أفْسَدُ لِلعَقْلِ
стр. 21
والدِّينِ مِنَ القِمَارِ بالأيْدِي، والواجِبُ على المُسْلِمِيْنَ المُبَالَغَةُ في عُقُوبَةِ هَؤُلاءِ، وهَجْرِهِمِ، واسْتِتَابَتِهِمْ ـ إلى قَوْلِهِ ـ: فَإنَّهَا تُفْسِدُ اللِّسَانَ العَرَبِيَّ، وتَنْقُلُهُ إلى العُجْمَةِ المُنْكَرَةِ.
ومَازَالَ السَّلَفُ يَكْرَهُونَ تَغْيِيرَ شَعَائِرِ العَرَبِ حَتَّى في المُعَامَلاتِ، وهُوَ «التَّكَلُّمُ بِغَيْرِ العَرَبِيَّةِ» إلاَّ لِحَاجَةٍ; كَمَا نَصَّ على ذَلِكَ مَالِكٌ، والشَّافِعِيُّ، وأحْمَدُ; بَل قَالَ مَالِكٌ: مَنْ تَكَلَّمَ في مَسْجِدِنَا بِغَيْرِ العَرَبِيَّةِ أُخْرِجَ مِنْهُ.
مَعَ أنَّ سَائِرَ الألْسُنِ يَجُوزُ النُّطْقُ بِهَا لِأصْحَابِهَا; ولَكِنْ سَوَّغُوهَا لِلحَاجَةِ، وكَرِهُوهَا لِغَيْرِ الحَاجَةِ، ولِحِفْظِ شَعَائِرِ الإسْلامِ; فَإنَّ الله أنْزَلَ كِتَابَهُ باللِّسَانِ العَرَبِيِّ، وبَعَثَ بِهِ نَبِيَّهُ العَرَبِيَّ، وجَعَلَ أُمَّةَ العَرَبِيَّةِ خَيْرَ الأُمَمِ، فَصَارَ حِفْظُ شِعَارِهِمْ مِنْ تَمَامِ حِفْظِ الإسْلامِ.
فَكَيْفَ بِمَنْ تَقَدَّمَ على الكَلامِ العَرَبِيِّ ـ مُفْرَدِهِ ومَنْظُومِهِ ـ فَيُغَيِّرُهُ ويُبَدِّلُهُ ويُخْرِجُهُ عَنْ قَانُونِهِ ويُكَلِّفُ الانْتِقَالَ عَنْهُ؟!
إلى قَوْلِهِ: ... والَّذِينَ يُبَدِّلُونَ اللِّسَانَ العَرَبِيَّ ويُفْسِدُونَهُ، لَهُمْ مِنْهُ هَذَا الذَّمُّ والعِقَابُ بِقَدْرِ مَا يَفْتَحُونَهُ، فَإنَّ صَلاحَ العَقْلِ، واللِّسَانِ مِمَّا يُؤْمَرُ بِهِ الإنْسَانُ، ويُعِينُ على تَمَامِ الإيمَانِ، وضِدُّ ذَلِكَ
стр. 22
يُوجِبُ الشِّقَاقَ، والضَّلالَ، والخُسْرَانَ، واللهُ أعْلَمُ» انْتَهَى.
* * *
ومِنْ عَرِيْضِ فَسَادِ الشِّعْرِ «النَّبَطِيِّ»، ورَكَاكَةِ ألْفَاظِهِ، مَا عَبَّرَ عَنْهُ رَئِيسُ تَحْرِيرِ مَجَلَّةِ المَجْمَعِ اللُّغَوِيِّ بِدِمَشْقَ; حَيْثُ ذَكَرَ دِيوانَ «النَّبَطِ» لِخَالِدِ الفَرَجِ، وعَرَّفَ بِهِ وبِمُؤَلِّفِهِ ثُمَّ قَالَ (٢/ ٣٠٤): «ونَشْهَدُ لِوجْهِ الله شَهَادَةً خَالِصَةً أنَّنَا قَرَأْنَا هَذَا الدِّيوانَ مِنْ بَابِهِ إلى مِحْرَابِهِ، وتَحَمَّلنَا في ذَلِكَ مَشَقَّةً كَبِيرَةً، ولَكِنَّا لَمْ نَجِدْ فِيْهِ شَيْئًا يَتَنَعَّمُ بِهِ الفِكْرُ أوِ القَلْبُ، وقَدْ تَعَجَّبْنَا كَثِيرًا مِنْ قَوْلِ جَامِعِ الدِّيْوَانِ في مُقَدِّمَتِهِ: «وبَعْدُ فَلا بُدَّ لِمَنْ يَدْرُسُ الأدَبَ العَرَبِيَّ وتَأرِيخَهُ وتَطَوُّرَاتِهِ أنْ يَبْدَأ بِدِرَاسَةِ الأدَبِ العَامِّيِّ في نَجْدٍ في الوَقْتِ الحَاضِرِ لِأنَّهُ صُورَةٌ صَادِقَةٌ على مَا كَانَ عَلَيْهِ أدَبُ اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ في العَصْرِ الجَاهِلِيِّ»، لا والله، لَيْسَ هَذَا الأدَبُ أدَبَ التَّطَوُّرِ، ولَكِنَّهُ أدَّبُ التَّدَهْوُرِ ... وحَرَامٌ أنْ يُشَبِّهَ بِهِ شِعْرَ الجَاهِلِيَّةِ، وحَرَامٌ أكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ أنْ يُطْبَعَ مِثْلُ هَذَا الزَّجَلِ الغَثِّ لِلفَخْرِ ... فَمَا أجِدُ لِطَبْعِهِ إلاَّ فَضِيلَةً وَاحِدَةً: العِلمُ بِهِ، لِلحَذَرِ مِنْهُ، أنَّهُ أدَبُ العَامَّةِ أدَبُ الانْحِطَاطِ الَّذِي يُوجَدُ مِثْلُهُ في كُلِّ قُطْرٍ، ولَمْ تُوجَدِ المَجَامِعُ اللُّغَوِيَّةُ إلاَّ لِتُنْقِذَ
стр. 23
الشُّعُوْبَ مِنْ هَذَا اللَّوْنِ مِنَ الأدَبِ» انْتَهَى.
وبَعْدَ هَذِهِ الأقْوالِ الصَّرِيحَةِ مِنْ أرْبَابِ، ودَارِسِي، وعُشَّاقِ «النَّبَطِيِّ» نَسْتَطِيعُ أنْ نَقْطَعَ دُونَ تَرَدُّدٍ بِأنَّ الشِّعْرَ «النَّبَطِيَّ» مِنْ أبْعَدِ الأشْيَاءِ عَنْ الشِّعْرِ العَرَبِيِّ الفَصِيحِ، وقَواعِدِ النَّحْوِ، وبُحُوْرِ الشِّعْرِ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا وضَعَهُ ورَسَمَهُ أرْبَابُ اللُّغَةِ، وفُحُولُ الشِّعْرِ، وحُمَاةُ الفُصْحَى.
فَكانَ الأوْلى بأهْلِ الجَزِيْرَةِ العَرَبِيَّةِ (الخَلِيْجِ) الَّذِيْنَ أُعْطُوا حَظًّا مِنَ المَالِ الكَثِيْرِ هَذِهِ الأيَّامَ، بأنْ يُنْفِقُوا هَذِهِ المَلايِيْنَ إنْ كَانَ ولا بُدَّ: لحُماةِ العَرَبِيَّةِ، وحُرَّاسِ الفُصْحَى، وللمَجَامِعِ اللُّغَوِيَّةِ، وكَذَا لطَبْعِ وتَحْقِيْقِ كُتُبِ المَعَاجِمِ العَرَبِيَّةِ وغَيْرِهَا، ممَّا سَيَكُوْنُ لهُم رَصِيْدًا لحِفْظِ لُغَتِهِمُ العَرَبِيَّةِ الفَصِيْحَةِ مِنْ كُلِّ دَخِيْلٍ وغَرِيْبٍ إلى اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ، لا أنْ تُنْفَقَ هَذِهِ المَلايِيْنُ مِنْهُم في تَشْجِيْعِ ونَشْرِ العَامِيَّةِ الرَّكِيْكَةِ، واللَّهَجَاتِ المَلْحُوْنَةِ، ولاسِيَّما في مُسَابَقَةِ «شَاعِرِ المَلْيُوْن»، ومَا نَحَى نَحْوَهَا، أو طَارَ في جَوِّهَا!
* * *
- المَحْظُوْرُ الثَّاني: تَزْوِيرُ الحَقَائِقِ وتَحْرِيْفُهَا ; وذَلِكَ عند قَوْلِنَا: فُلانٌ شَاعِرٌ «نَبَطِيٌّ»، أو هَذَا دِيوانُ شِعْرٍ «نَبَطِيٍّ»، إنْ هِيَ إلاَّ
стр. 24
أسْمَاءٌ سَمَّوهَا ما شَهِدَتِ العَرَبُ بِهَا مِنْ سُلطَانٍ!
فَلَيْسَ لِهَذِهِ الأوْصَافِ شَيْءٌ مِنَ الحَقِيقَةِ; بَل كُلُّ هَذَا لا يَمُتُّ بِصِلَةٍ إلى حَقِيقَةِ الشِّعْرِ العَرَبِيِّ الفَصِيحِ بِجَمِيعِ ضَوابِطِهِ، وشُرُوطِهِ، وأوْزَانِهِ ... إلَخ، وأكْبَرُ مَقْتًا مِنْ ذَلِكَ حِينمَا تُتَوِّجُ القَنَوَاتُ الإعْلامِيَّةُ والصُّحُفُ المَحَلِّيَّةُ أشْخَاصًا بِأسْمَاءٍ مُزَورَةٍ مَا كَانَ لَهُمْ أنْ يَسْمَعُوا بِهَا، أوْ يَقْرَبُوهَا فَضْلاً أنْ يَتَسَمَّوْا بِهَا، وهُو وصْفُهُمْ بِالشُّعَرَاءِ، والأُدَبَاءِ، وهُمْ لا يُحْسِنُونَ أوْلَوِيَّاتِ اللُّغَةِ، وقَواعِدَهَا النَّحْوِيَّةَ، فَإلى الله المُشْتَكَى!
* * *
- المَحْظُوْرُ الثَّالِثُ: التَّرْوِيجُ لِمُخَطَّطَاتِ أعْدَاءِ الإسْلامِ الَّذِينَ لَمْ تَقِفْ نَوايَاهُمْ مِنْ هَدْمِ الإسْلامِ بِكُلِّ وسِيلَةٍ كَانَتْ ; لاسِيَّمَا العُدْوانُ عَلَى اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ; بِغَضِّ النَّظَرِ عَنْ نَوايَا دُعَاةِ «شَاعِرِ المَلْيُوْن».
فَهَذَا مِنْهُم يُعَدُّ في أقَلِّ حَالٍ تَعَاوُنًا على الإثْمِ والعُدْوَانِ؛ لأنَّ في الدَّعْوَةِ إلى الشِّعْرِ «النَّبَطِيِّ» نُصْرَةً وتَعْزِيْزًا لمُخَطَّطَاتِ الأعْدَاءِ.
هَذَا إذَا عَلِمْنَا؛ أنَّ الأمَّةَ الإسْلامِيَّةَ لم تَزَلْ تَمرُّ بظُرُوْفٍ عَصِيْبَةٍ هَوْجَاءَ، سَوَاءٌ في عَقِيْدَتِها أو أخْلاقِهَا أو لُغَتِهَا ... وذَلِكَ
стр. 25
مُنْذُ بَعْثَةِ النَّبِيِّ ﷺ إلى يَوْمِنَا هَذَا، بَلْ إلى قِيَامِ السَّاعَةِ، فَكَانَ مِنْ أشَرِّ هَذِهِ الأخْطَارِ المُحْدِقَةِ بالأمَّةِ مَا يُسَمَّى بالحُرُوْبِ الصَّلِيْبِيَّةِ الَّتِي اجْتَاحَتْ بِلادَ المُسْلِمِيْنَ طُوْلاً وعَرْضًا إلاَّ بَقِيَّةً هُنَا وهُنَاكَ، لاسِيَّما بَلادَ الحَرَمَيْنِ وغَيْرَهَا.
ثُمَّ إنَّ هَذِهِ الجَحَافِلَ الصَّلِيْبِيَّةَ لم تَأتِ إلى بِلادِ المُسْلِمِيْنَ دُوْنَ تَخْطِيْطٍ وتَنْسِيْقٍ بَلْ أتَتْ على قَدَمِ الدِّرَاسَةِ والبَحْثِ عَنِ العَالمِ الإسْلامِيِّ، لِذَا أخَذَتْ دِرَاسَةُ اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ عِنْدَهُم مَأخَذًا أوَّليًّا، بَلْ كَانَتْ لَدَيْهِم مَقْصَدًا هَامًّا لتَمْزِيْقِ وِحْدَةِ الأمَّةِ الإسْلامِيَّةِ، وتَغْيِيْبِهَا عَنْ عَقِيْدَتِهَا وأخْلاقِهَا ولُغَتِهَا، فَعِنْدَئِذٍ عَمِلُوا على نَشْرِ اللَّهَجَاتِ العَامِيَّةِ بَيْنَ أبْنَاءِ المُسْلِمِيْنَ؛ كإرْهَاصَاتٍ ومُقَدِّمَاتٍ لقُدُوْمِ الجُيُوْشِ الصَّلِيْبِيَّةِ لغَزْوِ بِلادِ الإسْلامِ، لِذَا قَامُوا في نَشْرِ اللَّهَجَاتِ (المَحَلِّيَّةِ) لعِلْمِهِم أنَّها أسْهَلُ وَسِيْلَةً لهَدْمِ اللُّغَةِ، وأقْرَبُ طَرِيْقٍ لتَمْزِيْقِ وِحْدَةِ المُسْلِمِيْنَ، فَكَانَ لهُم مَا أرَادُوا، والله غَالِبٌ على أمْرِهِ!
ومِنْ هُنَا؛ أخَذَتِ اللَّهَجَاتُ العَامِيَّةُ في إهْلاكِ حَرْثِ اللُّغَةِ، وإفْسَادِ نَسْلِ الفُصْحَى، وذَلِكَ مِنْ خِلالِ صُوَرٍ كَثِيْرةٍ مُتَنَوِّعَةٍ، لَيْسَ
стр. 26
هَذَا مَقَامُ ذِكْرِهَا إلاَّ أنَّها لا تَخْرُجُ في مَجْمُوْعِهَا: مِنْ إذْكَاءِ النَّعَرَاتِ الجَاهِلِيَّةِ، وبَعْثِ اللَّهَجَاتِ المَحَلِّيَّةِ بَيْنَ أبْنَاءِ المُسْلِمِيْنَ، لَتَبْقَى كُلُّ دَوْلَةٍ مُسْتَقِلَّةً مُنْفَصِلَةً عَنْ جَارَتِها سَوَاءٌ في حُدُوْدِهَا أو في لهْجَتِهَا.
* * *
- ومَعَ هَذَا كَانَ للشِّعْرِ النَّبَطِيِّ (العَامِيِّ) الدَّوْرُ الكَبِيْرُ في تَمْرِيْرِ مُخَطَّطَاتِ الأعْدَاءِ، وفي تَمْزِيْقِ وِحْدَةِ الأمَّةِ الإسْلامِيَّةِ، لِذَا اتَّخَذَ الأعْدَاءُ مِنْهُ مَوْقِفًا رَئِيْسًا سَوَاءٌ في تَرْوِيْجِهِ أو نَشْرِهِ كُلُّ ذَلِكَ لتَبْقَى اللَّهْجَةُ العَامِيَّةُ مُزَاحِمَةً للعَرَبِيَّةِ الفُصْحَى، ومِنْ هُنَا يَبْدَأ الانْحِرَافُ لَدَى المُسْلِمِيْنَ في فَهْمِ الكِتَابِ والسُّنَّةِ ومَعْرِفَةِ تَارِيْخِهِم، فَعِنْدَئِذٍ سَتَبْقَى جمُوْعٌ لَيْسَتْ بالقَلِيْلَةِ مِنَ المُسْلِمِيْنَ مَعَ القُرْآنِ كالحِمارِ يَحْمِلُ أسْفَارًا، ولَيْسَ الوَاقِعُ اليَوْمَ عَنَّا ببَعِيْدٌ، والله أعْلَمُ.
ومَهْما يَكُنْ مِنْ شَرٍّ يُبَيِّتُهُ الأعْدَاءُ للأمَّةِ الإسْلامِيَّةِ إلاَّ أنَّهم لَنْ يَتَعَدُّوا حُدُوْدَهُم، ولَنْ يَجْعَلَ الله لهُم على المُسْلِمِيْنَ سَبِيْلاً عَامًّا، لأنَّ العَدُوَّ الخَارِجِيَّ مَكْشُوْفُ الوَجْهِ مَعْلُوْمُ الخُبْثِ فَكَانَ والحَالَةُ هَذِهِ مَعْرُوْفًا لَدَى العَامَّةِ مِنَ المُسْلِمِيْنَ فَضْلاً عَنِ الخَاصَّةِ مِنَ الحُكَّامِ والعُلَماءِ، لكِنَّ الخَطَرَ يَكْمُنُ كُلُّهُ إذَا كَانَ هَذَا الشَّرُّ وهَذَا الخَطَرُ يَسْرِي
стр. 27
ويَنْتَشِرُ بَيْنَ المُسْلِمِيْنَ على أيْدِي أبْنَائِهِ وأهْلِهِ؟!
إنَّ هَذَا لهُوَ أحَدُ الفَوَاقِرِ القَاصِمَةِ، بَلْ هُوَ السُّوْسَةُ الَّتِي تَنْخُرُ في جِسْمِ الأمَّةِ دُوْنَ حَسِيْبٍ أو رَقِيْبٍ، لأنَّ هَذِه الأيْدِي مُدَّتْ باسْمِ الإسْلامِ، وإذَا مَا كُشِفَتْ أو خُدِشَتْ؛ فَهِي لا تَعْدُوا عِنْدَ السُّذَّجِ مِنَ المُسْلِمِيْنَ خَطَأً غَيْرَ مَقْصُوْدٍ، أو غَلَطًا بَرِيْئًا ... فَعِنْدَئِذٍ يَنْحَرِفُ اللِّسَانُ، ويَضْعَفُ الإيْمَانُ، على مَسْمَعٍ ومَرْأى مِنَ أكْثَرِ المُسْلِمِيْنَ دُوْنَ تَخَوُّفٍ أو رِيْبَةٍ!
* * *
- هَذَا إذَا عَلِمْنَا خَطَرَ مُخَطَّطَاتِ خُبَثَاءِ صِهْيَوْنَ الدَّاعِيَةِ إلى تَخْدِيْرِ المُسْلِمِيْنَ، وإلْهَائِهِم عَنْ حَقِيْقَتِهِم، وقَضَايَاهُم المَصِيْرِيَّةِ، وهُوَ مَا نَصَّتْ عَلَيْهِ البُرْتُوكُولاتُ اليَهُوْدِيَّةُ بقَوْلها: «ولِكَيْ نُبْعِدَ الجَمَاهِيْرَ مِنَ الأمَمِ الغَيْرِ اليَهُوْدِيَّةِ عَنْ أنْ تَكْشِفَ بِنَفْسِها أيْ خَطِّ عَمَلٍ جَدِيْدٍ لَنَا سَنُلْهِيْها بأنْوَاعٍ شَتَّى مِنَ المَلاهِي، والألْعَابِ ... وهَذِه الخُطُوْطُ سَنُقَدِّمُها مُتَوَسِّلِيْنَ بِتَسْخِيْرِ آلاتِنَا وَحْدَهَا مِنْ أمْثَالِ الأشْخَاصِ الَّذِيْنَ لا يُسْتَطَاعُ الشَّكُّ في تَحَالُفِهِم مَعَنَا.
إنَّ دَوْرَ المِثَالِيِّيْنَ المُتَحَرِّرِيْنَ سَيَنْتَهِي حَالَمَا يُعْتَرَفُ بِحَكُوْمَتِنا،
стр. 28
وسَيُؤَدُّوْنَ لَنَا خِدْمَةً طَيِّبَةً حَتَّى يَحِيْنَ ذَلِكَ الوَقْتُ، ولِهَذا السَّبَبِ سَنُحَاوِلُ أنْ نُوَجِّهَ العَقْلَ العَامَ نَحْوَ كُلٍّ مِنَ النَّظَرِيَّاتِ المُبَهْرَجَةِ الَّتِي يُمْكِنُ أنْ تَبْدُوَ تَقَدُّمِيَّةً، أو تَحْرِيْرِيَّةً.
لَقَدْ كَانَ نَجَاحُنا نَجَاحًا كَامِلاً بنَظَرِيَّاتِنا على التَّقَدُّمِ في تَحْوِيْلِ رُؤوْسِ الأُمِّيِّيْنَ الفَارِغَةِ مِنْ العَقْلِ نَحْوِ الاشْتِرَاكِيَّةِ، ولا يُوْجَدُ عَقْلٌ وَاحِدٌ بَيْنَ الأُمِّيِّيْنَ يَسْتَطِيْعُ أنْ يُلاحِظَ أنَّه في كُلِّ حَالَةٍ وَرَاءِ كَلِمَةِ (التَّقَدُّمِ) يَخْتَفي ضَلالٌ، وزَيْغٌ عَنِ الحَقِّ» انْتَهَى.
* * *
- ومَا ذَكَرْنَاه هُنَا؛ هُوَ مَا فَسَّرَهُ الأسْتَاذُ مُحَمَّدُ قُطُبٍ في كِتَابِهِ «رُؤيَةٍ إسْلامِيَّةٍ» (١١٨) عِنْدَ قَوْلِه تَعَالَى: (ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلاَّ بِحَبْل مِنَ الله وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ) (آل عمران ١١٢)،: «بأنَّ الحَبَلَ مِنَ النَّاسِ لا يَقْتَصِرُ على مَا يَتَلَقَّاهُ اليَهُوْدُ مِنَ مَدَدٍ مِنَ الرُّوْسِ، والأمْرِيْكَانِ؛ بَلْ يَأتِي مِنْ كُلِّ النَّاسِ ... كُلِّ سُكَّانِ الأرْضِ ... إلاَّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ».
ويَسْتَرْسِلُ في تَوْضِيْحِ هَذِه الحَقِيْقَةِ بِضَرْبِ أمْثِلَةٍ وَاقِعِيَّةٍ
стр. 29
مُعَاصِرَةٍ، فَيِقُوْلُ: «السِّيْنَمَا مُؤسَّسَةٌ يَهُوْدِيَّةٌ مَالاً، وفِكْرًا، وتَخْطِيْطًا، وتَنْفيذًا .. وهَدَفُها الأوَّلُ: هُوَ إفْسَادُ الأوْلادِ والبَنَاتِ، بِمَا تَعْرِضُ مِنْ صُوَرِ الحَيَاةِ العَابِثَةِ اللاهِيَةِ، القَائِمَةِ على عِلاقَاتٍ حَرَّمَها الله ورَسُوْلُه ... فَكُلُّ وَلَدٍ أو بِنْتٍ في الأرْضِ كُلِّهَا أصَابَهُ (جُنُوْنُ السِّيْنَما)، فَهُوَ حَبْلٌ مِنَ النَّاسِ يَمُدُّ اليَهُوْدَ! يَمُدُّهُم بالمَالِ الَّذِي يُنْفِقُه في السِّيْنَما مِنْ جِهَةٍ، وبالفَسَادِ في ذَاتِ نَفْسِه مِنْ جِهَةٍ أخْرَى، وكَذَلِكَ جُنُوْنُ (التِّلْفِزْيُونَ، والفيدْيُو)؛ فَهُمَا يَسِيْرَانِ على ذَاتِ الدَّرْبِ، أيًّا كَانَ المُخْرِجُ، والمُنْتِجُ، والفَنَانُ، والمُغَنِّي!
وكُلُّ بِنْتٍ في الأرْضِ أصَابَها جُنُوْنُ (المَوْضَةِ)، وجُنُوْنُ الزِّيْنَةِ، فَهِي حَبْلٌ مِنَ النَّاسِ: تَمُدُّ اليَهُوْدَ بالمالِ، وتَمُدُّهُم بالفَسَادِ في ذَاتِ نَفْسِها، وفي المُجْتَمَعِ كُلِّه، حِيْنَ يَتَحَوَّلُ المُجْتَمَعُ إلى فِتْنَةٍ هَائِجَةٍ تَجْتَاحُ الأوْلادَ، والبَنَاتَ على السَّوَاءِ، وتُقَرِّبُ الأشْرَارَ مِنْ تَحْقِيْقِ هَدَفِهم الشِّرِّيْرِ.
وجُنُوْنُ الرِّياضَةِ عَامَّةً، وجُنُوْنُ الكُرَةِ خَاصَّةً، لَوْنٌ مِنَ الجُنُوْنِ يَبُثُّه اليَهُوْدُ في الأرْضِ مِنْ خِلالِ وسَائِلِ الإعْلامِ الَّتِي يُسَيْطِرُوْنَ عَلَيْها، ويُوَجِّهُوْنَها.
стр. 30
وكُلُّ فَتَاةٍ، أو فَتًى أصَابَهُ جُنُوْنُ الرِّياضَةِ، أو جُنُوْنُ الكُرَةِ، فَهُو حَبْلٌ مِنَ النَّاسِ يَمُدُّ اليَهُوْدَ بِتَفَاهَةِ اهْتِمَامَاتِه، والوَقْتِ الحَيِّ الَّذِي يَقْتُلُه في الاهْتِمَامَاتِ الفَارِغَةِ، بَعِيْدًا عَنِ الرُّشْدِ، بَعِيْدًا عَنِ الوَعي، بَعِيْدًا عَنْ رَحْمَةِ الله» انْتَهَى.
* * *
- قُلْتُ: وكُلُّ مُسْلِمٍ في الأرْضِ أصَابَه جُنُوْنُ الشِّعْرِ «النَّبَطِيِّ»، أو جُنُوْنُ مُسَابَقَةِ «شَاعِرِ المَلْيُوْن»، فَهُوَ حَبْلٌ مِنَ النَّاسِ: يَمُدُّ مُخَطَّطَاتِ الأعْدَاءِ، ويَمُدُّهُم بالفَسَادِ في فِسَادِ لِسَانِهِ، وتَغْرِيْبِ لُغَتِهِ، حِيْنَ يَتَحَوَّلُ المُجْتَمَعُ إلى حَمِيَّةٍ جَاهِلِيَّةٍ، ونَعْرَةٍ قَبَلِيَّةٍ، كَمَا يَسْعَى أيْضًا في تَحْقِيْقِ مُخَطَّطَاتِ أعْدَائِه ضِدَّ الإسْلامِ والمُسْلِمِيْنَ.
وجُنُوْنُ الشِّعْرِ «النَّبَطِيِّ»، عَامَّةً، وجُنُوْنُ مُسَابَقَةِ «شَاعِرِ المَلْيُوْن» خَاصَّةً، لَوْنٌ مِنَ الجُنُوْنِ الذي يَبُثُّهُ الأعْدَاءُ في المُسْلِمِيْنَ مِنْ خِلالِ وسَائِلِ الإعْلامِ الَّتِي يُسَيْطِرُوْنَ عَلَيْها، ويُوَجِّهُوْنَها.
* * *
- المَحْظُوْرُ الرَّابِعُ: تَمْزِيقُ وِحْدَةِ الأُمَّةِ الإسْلامِيَّةِ، وتَفْرِيْقُ جَمْعِهَا .
لاشَكَّ أنَّ مُسَابَقَةَ «شَاعِرِ المَلْيُوْن» غَدَتْ لَوْنًا مِنْ ألْوَانِ تَمْزِيقِ الأُمَّةِ الإسْلامِيَّةِ الوَاحِدَةِ إلى دُولٍ بِعَدَدِ اللَّهَجَاتِ الَّتِي تُنْشَرُ
стр. 31
فِيْهَا، وتَقْسِيمُ الدَّوْلَةِ الواحِدَةِ إلى أقَالِيمَ وأجْزَاءٍ بِعَدَدِ اللَّهَجَاتِ المَحَلِّيَّةِ فيهَا; هَذَا إذَا عَلِمْنَا أنَّ أهْلَ كُلِّ لَهْجَةٍ سَوْفَ يَنْتَصِرُونَ لِلَهْجَتِهِمْ; وذَلِكَ بنَشْرِهَا وتَأْصِيلِهَا والتَّصْوِيْتِ لهَا، والذَّبِّ عَنْهَا، حَتَّى تَفُوْقَ وتَسُوْدَ غَيْرَهَا مِنَ اللَّهَجَاتِ ... ممَّا يَكُوْنُ سَبَبًا في نَشْرِ البَغْضَاءِ، وزَرْعِ الحِقْدِ، وإغْرَاءِ العَدَاوَةِ والخِلافِ بَيْنَ أبْنَاءِ الدَّوْلَةِ الواحِدَةِ؛ الشَّيءُ الَّذِي يَزِيْدُ الأمَّةَ ضِغْثًا على إبَّالَةٍ، ولَوْ لَمْ يَكُنْ مِنْ هَذَا الخَطَرِ الَّذِي تُثِيرُهُ مُسَابَقَةُ «شَاعِرِ المَلْيُوْن» اليَوْمَ؛ إلاَّ قَضِيَّةُ «التَّتْرِيكِ» (١)
المَعْرُوفَةُ لِلجَمِيعِ لَكَفَى ذَلِكَ; عِنْدَمَا انْتَصَرَ الأتْرَاكُ لِلُغَتِهِمْ، وحَاوَلُوا فَرْضَهَا على غَيْرِهَا، فَانْتَصَرَتِ الأُمَمُ الأُخْرَى لاسِيَّما العَرَبِيَّةُ مِنْهَا لِلُغَاتِهَا ولهَجَاتِهَا، وتَحَرَّكَتْ في نُفُوسِ سُكَّانِ الأقَالِيمِ العُثْمَانِيَّةِ الأُخْرَى النَّعْرَةُ والغَضَبُ، وشَرَعَ كُلُّ قَوْمٍ يُدَافِعُونَ عَنْ لهْجَتِهِم؛ حَتَّى تَفَكَّكَتِ الرَّوابِطُ بَيْنَهُمْ، وانْقَسَمَتِ الدَّوْلَةُ إلى دُولٍ، والأُمَّةُ إلى أُمَمٍ، وهَكَذَا وَقَعَتِ الأمَّةُ الإسْلامِيَّةُ في مَا أرَادَهُ لهَا أعْدَاؤهَا اليَوْمَ! стр. 32
ومَا هَذِهِ المُقَدِّمَاتُ الَّتِي يَطْرَحُونَهَا ويُدَافِعُونَ عَنْهَا مِنْ خِلالِ مُسَابَقَةِ «شَاعِرِ المَلْيُوْن»؛ إلاَّ دَلِيلٌ ظَاهِرٌ، ونَذِيْرٌ سَافِرٌ إلى تَمْزِيْقِ الأمَّةِ، وتَمْرِيرِ أفْكَارِ ومُخَطَّطَاتِ أعْدَاءِ الإسْلامِ; كَمَا كَانَتْ بالأمْسِ عِنْدَ دُعَاةِ العَامِيَّةِ في مِصْرَ والشَّامِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ هَذَا القَصْدُ وارِدًا في حُسْبَانِ مُحِبِّيهَا اليَوْمَ; لَكِنَّهُ سَيَكُونُ حَقِيْقَةً مُؤْذِيَةً في الأمَدِ القَرِيْبِ إنْ لَمْ تَسْتَيْقِظِ الأُمَّةُ مِنْ سُبَاتِهَا، ويَقُومُ العُلَمَاءُ بِواجِبِهِمْ نَحْوَ هَذَا الخَطَرِ الدَّاهِمِ على فِكْرِ الأُمَّةِ ولُغَتِهَا، فَهَل بَعْدَ هَذَا مِنْ رَجُلٍ رَشِيدٍ يَا أهْلَ الجَزِيرَةِ والتَّوْحِيدِ؟!
* * *
فَلَيْتَ شِعْرِي لَوْ أنَّ هَذِهِ القَالاتِ والشُّبَهَاتِ كَانَتْ وَقْفًا على أفْكَارِ وألسِنَةِ أعْدَاءِ الإسْلامِ والمُسْلِمِيْنَ، إلاَّ أنَّهَا لِلأسَفِ تَجَاوزَتْ حُدُودَهَا حَتَّى اتَّسَعَتْ لَهَا قُلُوبُ بَعْضِ القَبَائِلِ العَرَبِيَّةِ باسْمِ «شَاعِرِ المَلْيُوْن»، فَكَانَ الأوْلى بهَذِهِ القَبَائِلِ العَرَبِيَّةِ أنْ تَقُوْمَ بتَذْكِيْرِ أمْجَادِهَا الإسْلامِيَّةِ، وتَدْوِيْنِ لُغَتِهَا العَرَبِيَّةِ مِنْ شِعْرٍ فَصِيْحٍ، ونَثْرٍ صَرِيْحٍ ... ممَّا سَيَكُوْنُ رَصِيْدًا للأمَّةِ في حَمِيَّتِهَا الإسْلامِيَّةِ، لا أنْ تَكُوْنَ بُوْقًا لأعْدَاءِ الإسْلامِ، ومِعْوَلَ هَدْمٍ لوِحْدَةِ الأمَّةِ، لكِنْ مَا
стр. 33
زَالَتِ الحَسْرَةُ تَتْبَعُهَا حَسْرَةٌ، والدَّمْعَةُ تَبْعَثُهَا دَمْعَةٌ، والآهَاتُ تُثِيرُهَا حَسَرَاتٌ، فإلى الله المُشْتَكَى!
ولْيَعْلَمْ أنْصَارُ «شَاعِرِ المَلْيُوْن» أنَّهُم على الإثْمِ مُتَعَاوِنُوْنَ، وعَنْ خَطَرِ هَذِهِ الفَوْضَوِيَّةِ الشِّعْرِيَّةِ غَافِلُوْنَ، اللَّهُمَّ رُحْمَاكَ، اللَّهُمَّ رُحْمَاكَ!
* * *
ولْيَعْلَمِ الجَمِيْعُ أنَّ الاتِّفَاقَ والائْتِلافَ مَقْصَدٌ شَرْعِيٌّ، وأصْلٌ عَظِيْمٌ مِنَ الأصُوْلِ الَّتِي بُنِيَ عَلَيْهَا دِيْنُ الإسْلامِ، بَلْ إنَّه مِنْ آكَدِ الأصُوْلِ في هَذَا الدِّيْنِ العَظِيْمِ، إذْ يَقُوْلُ ابنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ في «مَجمُوْعِ الفَتَاوَى» (٢٢/ ٣٥٩): «وهَذَا الأصْلُ العَظِيْمُ: وهُوَ الاعْتِصَامُ بحَبْلِ الله جَمِيْعًا وأنْ لا يُتَفَرَّقْ: هُوَ مِنْ أعْظَمِ أصُوْلِ الإسْلامِ، وممَّا عَظُمَتْ وَصِيَةُ الله تَعَالى بِهِ في كِتَابِهِ، وممَّا عَظَّمَ ذَمَّهُ لمَنْ تَرَكَهُ مِنْ أهْلِ الكِتَابِ وغَيْرِهِم، وممَّا عَظُمَتْ بِهِ وَصِيَةُ النَّبِيِّ ﷺ ، في مَوَاطِنَ عَامَّةٍ وخَاصَّةٍ» انْتَهَى.
ولذَلِكَ أمَرَ الله تَعَالى، ورَسُوْلُه ﷺ : بكُلِّ مَا يَحْفَظُ عَلى المُسْلِمِيْنَ جَمَاعَتَهُم وأُلْفَتَهُم، والنَّهْيَ عَنْ كُلِّ مَا يُضْعِفُ هَذَا الأمْرَ العَظِيْمَ ويُوَهِّنُهُ.
* * *
стр. 34
قَالَ تَعَالى: (إِنَمَا المُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ) (الحجرات ١٠).
وقَالَ تَعَالى: (واعْتَصِمُوا بِحَبْلِ الله جَمِيعًا ولا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ الله عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُمّ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ آيتِهِ لَعَلَّكُم تَهْتَدُونَ) (آل عمران ١٠٣).
ففي هَذِهِ الآيَاتِ وغَيْرِهَا: الأمْرُ بالاجْتِمَاعِ والائْتِلافِ، والنَّهْيُ عَنِ الافْتِرَاقِ والاخْتِلافِ، وهَذَا ممَّا اسْتَفَاضَتْ بِه النُّصُوْصُ الشَّرْعِيَّةُ، ودَعَتْ إلَيْهِ مَقَاصِدُ الشَّرِيْعَةِ، ووَقَعَ عَلَيْهِ الإجْمَاعُ.
* * *
ومِنْ هُنَا؛ كَانَ الافْتِرَاقُ والاخْتِلافُ مَذْمُوْمًا شَرْعًا، فَلا دِيْنَ بِلا أُخُوَّةٍ، ولا أُخُوْةَ بِلا دِيْنٍ، كَما قَالَ تَعَالى: (إِنَّمَا المُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ) (الحجرات ١٠).
لأجْلِ هَذَا؛ كَانَتِ الآيَاتُ القُرْآنِيَّةُ في ذَمِّ الافْتِرَاقِ والاخْتِلافِ أكْثَرَ عَدَدًا مِنْهَا في الحَثِّ على الجَمَاعَةِ، ومَا ذَاكَ إلاَّ أنَّ الجَمَاعَةَ أصْلٌ ومَقْصَدٌ شَرْعِيٌّ، أمَّا الافْتِرَاقُ والاخْتِلافُ فَأمْرٌ حَادِثٌ؛ لِذَا نَجِدُ الشَّرِيْعَةَ قَدْ أوْلَتْهُ اهْتِمامًا بَالِغًا مِنَ التَّحْذِيْرِ والتَّحْرِيْمِ.
стр. 35
قَالَ تَعَالى: (وَلا تَكُونُوا كَالَّذِيَن تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ البَيِّنَاتُ وَأُوْلَئكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) (آل عمران ١٠٥).
وقَالَ تَعَالى: (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) (الأنعام ١٥٣).
* * *
قَالَ تَعَالى: (إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ في شَيءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى الله ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ) (الأنعام ١٥٩).
وعَنْ أبي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبيِّ ﷺ قَالَ: «إنَّ الله يَرْضَى لَكُمْ ثَلاثًا، أنْ تَعْبُدُوْهُ ولا تُشْرِكُوا بِه شَيْئًا، وأنْ تَعْتَصِمُوا بحَبْلِ الله جَمِيْعًا ولا تَفَرَّقُوا، وأنْ تُنَاصِحُوا مَنْ وَلاَّهُ الله أمْرَكُم» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
* * *
وعَلَيْهِ؛ كَانَ وَاجِبًا على المُسْلِمِيْنَ هَذِهِ الأيَّامَ أنْ يَتْرُكُوا كُلَّ مَا مِنْ شَأنِهِ يَزِيْدُ في فُرْقَتِهِم واخْتِلافِهِم، ولاسِيَّما التَّعَصُّبُ المَذْمُوْمُ للقَبِيْلَةِ، أو الوَطَنِ، أو النَّسَبِ، كَما يَحْرُمُ عَلَيْهِم امْتِحَانُ النَّاسِ بِها، أو المُوَالاةُ والمُعَادَاةُ لأجْلِهَا!
стр. 36
هَذَا إذَا عَلِمْنَا أنَّ الأسْماءَ الشَّرعِيَّةَ الَّتِي يَسُوْغُ التَّسَمِّي بِها، لا يَجُوْزُ التَّعَصُّبُ لهَا، ولا امْتِحَانُ النَّاسِ بِها، ولا المُوَالاةُ والمُعَادَاةُ عَلَيْهَا، إذَا كَانَتْ تُؤدِّي إلى فُرْقَةِ المُسْلِمِيْنَ وتَبَاغُضِهِم وتَدَابُرِهِم، فَكَيْفَ والحَالَةُ هَذِهِ؛ إذَا كَانَتْ هَذِهِ الأسْماءُ: أسماءً قَبَلِيَّةً أو وَطَنِيَّةً أو قَوْمِيَّةً كَما هُوَ الحَالُ في مُسَابَقَةِ «شَاعِرِ المَلْيُوْن»، وسَيَأتي بَيَانُ ذَلِكَ في المَحْظُوْرِ الآتي إنْ شَاءَ الله.
* * *
- المَحْظُوْرُ الخَامِسُ: إحْيَاءُ دَعْوَى الجَاهِلِيَّةِ، والعَصَبِيَّاتِ القَبَلِيَّةِ ، ويَدْخُلُ في ذَلِكَ رَفْعُ شِعَارَاتِ الجَاهِلِيَّةِ: كالافْتِخَارِ بالقَبَلِيَّةِ، أو الوَطَنِيَّةِ، أو القَوْمِيَّةِ، أو العَرَبِيَّةِ، أو التَّعَلُّقِ بالنَّسَبِ والحَسَبِ، أو التَّعَلُّقِ بآثَارِ الجَاهِلِيَّةِ، كالعَصَبِيَّاتِ المَقِيْتَةِ؛ ولاسِيَّما مَا تَفْرِزُهُ مُسَابَقَةُ «شَاعِرِ المَلْيُوْن»، أو غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا فيه مُزَاحَمَةٌ للإسْلامِ.
وأعِيْذُ نَفْسِي وأنْصَارَ «شَاعِرِ المَلْيُوْن» مِنْ قَوْلِ الشَّاعِرِ الجَاهِليِّ:
لا يَسْألُوْنَ أخَاهُم حِيْنَ يَنْدُبُهُم ... في النَّائِبَاتِ على مَا قَالَ بُرْهَانا
* * *
لَقَدْ جَاءَ الإسْلامُ وحَرَّمَ كُلَّ ذَلِكَ، فَقَدْ رَوَى الشِّيْخَانِ عَنْ جَابِرٍ ﵁ يَقُوْلُ: غَزَوْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ، وقَدْ ثَابَ (اجْتَمَعَ)
стр. 37
مَعَه نَاسٌ مِنَ المُهَاجِرِيْنَ حَتَّى كَثِرُوا، وكَانَ مِنَ المُهَاجِرِيْنَ رَجَلٌ لَعَّابٌ فَكَسَعَ أنْصَارِيًا (أيْ: ضَرَبَهُ على دُبُرِه)، فَغَضِبَ الأنْصَارِيُّ غَضَبًا شَدِيْدًا حَتَّى تَدَاعَوْا، وقَالَ الأنْصَارِيُّ: يا للأنْصَارِ! وقَالَ المُهَاجِرِيُّ: يا للمُهَاجِرِيْنَ! فَخَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ ، فَقَالَ: «مَا بَالُ دَعْوَى الجَاهِلِيَّةِ؟»، ثُمَّ قَالَ: «مَا شَأنُهُم؟»، فأُخْبِرَ بِكَسْعَةِ المُهَاجِرِيِّ الأنْصَارِيَّ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «دَعُوْهَا فإنَّها خَبِيْثَةٌ»، وفي رِوَايِةِ مُسْلِمٍ: «فإنَّها مُنْتِنَةٌ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
* * *
ففِي هَذَا الحَدِيْثِ أنْكَرَ النَّبِيُّ ﷺ على المُهَاجِرِيِّ، والأنْصَارِيِّ دَعْوَتَهُما لِفِئَتِيْهِمَا، وسَمَّى قَوْلَهُما بِدَعْوَى الجَاهِلِيَّةِ، مَعَ أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما انْتَسَبَ إلى فِئَةِ المُهَاجِرِيْنَ، وفِئَةِ الأنْصَارِ، وهُما اسْمَانِ شَرْعِيَّانِ، الانْتِسَابُ إلَيْهِما مَحْمُوْدٌ في ذَاتِهِ، ولكِنْ لَمَّا كَانَ الانْتِسَابُ إلَيْهِما هُنَا على وَجْهِ الانْتِصَارِ بِهِما، والتَّعَصُّبِ لَهُما أنْكَرَ ذَلِكَ؛ لأنَّه مِنْ فِعْلِ أهْلِ الجَاهِلِيَّةِ (١).
وهَذَا الحَدِيْثُ يُبَيِّنُ بِوُضُوْحٍ أنَّ الإسْلامَ قَدْ أبْطَلَ كُلَّ المَعَايِيْرِ стр. 38
الجَاهِلِيَّةِ في التَّفَاضُلِ بَيْنَ النَّاسِ، ووَضَعَ للتَّفَاضُلِ مِيْزَانًا جَدِيْدًا يَقُوْمُ على الإيْمَانِ، والتَّقْوَى، والفَضْلِ.
يَقُوْلُ ابنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ تَعْلِيْقًا على هَذَا الحَدِيْثِ كَمَا جَاءَ في «الاقْتِضَاءِ» (١/ ٢١٤): «فَإذَا كَانَ هَذَا التَّدَاعِي في هَذِهِ الأسْماءِ، وهَذَا الانْتِسَابُ، الَّذِي يُحِبُّهُ الله ورَسُوْلُهُ، فَكَيْفَ بالتَّعَصُّبِ مُطْلَقًا، والتَّدَاعِي للنَّسَبِ والإضَافَاتِ الَّتِي: هِيَ إمَّا مُبَاحَةٌ، أو مَكْرُوْهَةٌ؟ وذَلِكَ أنَّ الانْتِسَابَ إلى العِلْمِ الشَّرعِي، أحْسَنُ مِنَ الانْتِسَابِ إلى غَيْرِهِ» انْتَهَى.
وفي شَأنِ التَّعَصُّبِ للنِّسَبِ المُبَاحَةِ، وأنَّه لا يَجُوْزُ ذَلِكَ بحَالٍ مِنَ الأحْوَالِ، يَقُوْلُ أيْضًا ﵀ في «مَجْمُوعِ الفَتَاوَى» (٣/ ٤١٥): «بَلِ الأسْماءُ الَّتِي يَسُوْغُ التَّسَمِّي بِها مِثْلُ: انْتِسَابِ النَّاسِ إلى إمَامٍ كالحَنَفِيِّ، والمَالِكِيِّ، والشَّافِعِيِّ، والحَنْبَليِّ، أو إلى شَيْخٍ: كالقَادرِي، والعَدَوِيِّ وغَيْرِهِم، أو مِثْلُ: الانْتِسَابِ إلى القَبائِلِ كالقَيْسِيِّ، واليَمانيِّ، وإلى الأمْصَارِ: كالشَّامِيِّ، والعِرَاقِيِّ، والمِصْرِيِّ؛ فَلا يَجُوْزُ لأحَدٍ أنْ يَمْتَحِنَ النَّاسَ بِها، ولا يُوَالي بِهَذِهِ الأسْماءِ، ولا يُعَادِي بِها، بَلْ أكْرَمُ الخَلْقِ عِنْدَ الله اتْقَاهُم مِنْ أيِّ طَائِفَةٍ كَانَتْ» انْتَهَى.
* * *
стр. 39
فالمُؤْمِنُ هُوَ الرَّفيعُ والفَاضِلُ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ نَسَبٌ ولا حَسَبٌ، والفَاجِرُ هُوَ الذَّلِيْلُ الدَّنِيُّ عِنْدَ الله، وإنْ كَانَ نَسِيْبًا حَسِيْبًا.
يَقُوْلُ الخَطَّابِيُّ ﵀ في قَوْلِهِ ﷺ : «مُؤْمِنٌ تَقِيٌّ، وفَاجِرٌ شَقِيٌّ» (١)، «مَعْنَاهُ أنَّ النَّاسَ رَجُلانِ: مُؤْمِنٌ تَقِيٌّ فَهُو الخَيِّرُ الفَاضِلُ؛ وإنْ لَمْ يَكُنْ حَسِيْبًا في قَوْمِهِ، وفَاجِرٌ شَقِيٌّ فَهُو الدَّنِيُّ؛ وإنْ كَانَ في أهْلِهِ شَرِيْفًا رَفيعًا» (٢).
فالقَاعِدَةُ الإسْلامِيَّةُ في التَّفَاضُلِ تَقُوْمُ على قَوْلِه تَعَالَى: (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ الله أَتْقَاكُمْ إِنَّ الله عَلِيمٌ خَبِيرٌ) (الحجرات ١٣).
فَلا مَجَالَ في الإسْلامِ للتَّفَاخُرِ بالأنْسَابِ والأحْسَابِ، والتَّعَاظُمِ بالأجْدَادِ، والآبَاءِ، كَما هِيَ طَلائِعُهُ في مُسَابَقَةِ «شَاعِرِ المَلْيُوْن».
* * *
فَقَدْ قَالَ النَّبيُّ ﷺ : «مَنْ تَعَزَّى (الانْتِمَاءُ والانْتِسَاُب) بِعَزَاءِ (دَعْوَى المُسْتَغِيْثِ) الجَاهِلِيَّةِ؛ فأعْضُوْه (اشْتِمُوه صَرِيْحًا) بِهَنِ (فَرْجِ) стр. 40
أبِيْهِ، ولا تُكَنُّوْا» (١) أحْمَدُ.
وقَالَ ﷺ : «إنَّ الله قَدْ أذْهَبَ عَنْكُم عُبِّيَةَ (الكِبْرَ) الجَاهِلِيَّةِ، وفَخْرَها بالآبَاءِ؛ مُؤْمِنٌ تَقِيٌّ، وفَاجِرٌ شَقِيٌّ، أنْتُمْ بَنُو آدَمَ، وآدَمُ مِنْ تُرَابٍ، لَيَدَعَنَّ رِجَالٌ فَخْرَهُم بأقْوَامٍ، إنِّمَا هُمَ فَحَمٌ مِنْ فَحَمِ جَهَنَّمَ، أو لَيَكُوْنَنَّ أهْوَنَ على الله مِنَ الجِعْلانِ (دُوَيْبَةٌ سَوْدَاءُ) الَّتِي تَدْفَعُ بأنْفِهَا النَّتَنَ» (٢) أحمَدُ.
* * *
فَكُلُّ دَعْوَى جَاهِلِيَّةٍ ونَحْوِها؛ فَهِي تَتَعَارَضُ شَرْعًا وطَبْعًا؛ مَعَ قَوْلِهِ ﷺ : «لا يُؤْمِنُ أحَدُكُم حَتَّى يُحِبَّ لأخِيْهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْه، وقَوْلِه ﷺ : «مَثَلُ المُؤْمِنِيْنَ في تَوَادِّهِم، وتَرَاحُمِهِم، وتَعَاطُفِهِم؛ كَمَثَلِ الجَسَدِ إذَا اشْتَكَى مِنْه عُضْوٌ تَدَاعَى لَهَ سَائِرُ الجَسَدِ بالسَّهَرِ، والحُمَّى» مُسْلِمٌ، وقَوْلِه ﷺ : «المُؤْمِنُ للمُؤْمِنِ كالبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا» مُتَّفَقٌ عَلَيْه. следующие страницы →