Полный текст (5 077 стр.). Показаны 3711–3750 · переход к 3716.
стр. 3711
الدرهم، أو ينقص عن نصف درهم خاطه في اليوم الأول أو الثاني القول الثاني ما لم يزد على الدرهم في اليوم الأول أو ينقص عنه أو يزيد على نصف درهم في اليوم الثاني أو ينقص عنه القول الثالث ما لم يزد على الدرهم في اليوم الثاني، ويأخذ أقل منه مطلقًا أو ينقص عن نصف درهم في اليوم الأول، ويأخذ ما زاد عليه مطلقًا، وذكر ابن رشد قولها في الرواحل: على أنه متفق على منعه للشك في سعة الأجل للوصول فيه.
قال: فإن فات بالسير فعلى قول غيره في كتاب الجعل له أجر مثله ما لم ينقص عن الأقل، وما لم يزد على الأكثر، وللشيوخ في تأويل قوله: أوجه الول هذا سواء بلغ الأجل أو لا الثاني إن بلغ فيه المثل ما لم ينقص عن الأقل، وإلا فله الأقل من اكتراء الكراءين أو المثل ولو فضله الأقل الثالث إن بلغ فيه فأكثر الكراءين وإلا فأقلهما، وعزا الثاني لابن أبي زمنين.
ويطب في أجل المنفعة كونه يسعها:
قال ابن رشد: في أول مسألة من سماع ابن القاسم الإجارة عشيء بعينه كخياطة ثوب أو نسخ غزل أو طحن قمح وشبهه مما الفراغ منه معلوم لا يجوز تأجيله بوقت يشك في سعته له اتفاقًا، وإن كان لا إشكال في سعته إياه ففي جوازه قولان لظاهر هذا السماع من سماع عيسى ابن القاسم، ودليل قولها فيمن استأجر ثورًا على أن يطحن له كل يوم إردبين فوجده لا يطحن إلا إردبا له رده؛ لأنه جعل في الإردب الذي طحن ما ينوبه ولم يفسخ الإجارة، وقول ابن حبيب بإجازة مشارطة المعلم على إحذاق الولد في أجل مسمى، ونقله عن أصبغ والمشهور مع سماعه بعد هذا في رسم سلف ورسم المحرم وسمع القرينين.
قُلتُ: ذكر اللخمي القولين غير معزوين وقال: أرى أن يمضى؛ لأن الغرض أن يشرع في تلك المدة فإن خاطه بعد الأجل حط من المسمى بقدر ما بين قيمتي عمله في الوقت المشترط ووقت عمله، ولابن حبيب عن ابن الماجشون: إنما له أجر المثل، وسمع ابن القاسم من قال: لمن استخاطه ثوبًا بدرهم بعد عقده عجله اليوم وأزيدك نصف درهم أرجو خفته، ولا بأس به ولم يره كالرسول يزاد لسرعة السير، ولا أحب
стр. 3712
إن يتكاراه على تبليغ كتاب لبلد بدينار، ويقول له إن بلغته يوم كذا فلك زيادة نصف دينار، وأكرهه سحنون: لا بأس به بعد وجوب الكراء.
ابن رشد: أجازه في تعجيل الثوب؛ لأنه ممكن ولا ينبغي له مطله؛ لأنه إضرار به لغير سبب، وله أن يتسع في عمله، ويؤخره لعمله غيره أو لبعض حوائجه على عرف تراخي الصناع فزيادته على تفرغه لعمله جائز، وكرهه في تعجيل توصيل الكتاب معناه: إن لم يكن على يقين من إدراك إأيصاله ذلك اليوم إن أسرع، ولو كان على يقين جاز كالثوب، ولو شك في تعجيل الثوب في ذلك اليوم كان كالرسول يبين ذلك قوله في التفسير ليحيى إن كثرت الثياب كره ذلك فيها، ولا فرق بين الثياب الكثيرة والثوب إلا الشك في الثياب الكثيرة هل يفرغ منها في ذلك الوقت، ومعنى إجازة سحنون ذلك في الرسول أنه على يقين من وصوله ذلك اليوم فالأقوال كلها متفقة.
الصقلي: عن ابن ميسر مسألة الرسول والثوب سواء، وقال ابن عبد الحكم: خفف ذلك فيهما وكره، وإجازته أحب إلي وبه أخذ سحنون.
قُلتُك ظاهره أنه حمله على الخلاف.
وعلم صفة العمل بوصفه المنضبط أو عرف، كذلك إن تماثل وإن اختلف لزم بيان قدرتهما كخياطة وحرز شهرًا أو خدمة حضر وسفر فيها يستعمل أجيرًا لخدمة على عرف الناس من خدمة الليل والنهار كمناولة الثوب والماء لا فيما يمنعه النوم إلا أن يعرض له الحاجة المرة بعد المرة، ولا بأس أن يستعمله فيها في بعض الليل على وجه ما يعرف الناس، ولم أسمعه إنما سمعته في العبد يستعمل في النهار استطحنه بالليل.
قال: لا بأس به في العبد الخفيف العمل لا في الثقيل العمل الزرنوق يطلع وينزل والأخير في اشتراطه على أجير الخدمة ما يريده من سفر أو حرث لتباعد هذه الأعمال، ولا بأس بما تقارب ككنس البيت والعجن وشبهه.
اللخمي: إن استأجره على خدمة شهر إن شاء في الحضر، وإن شاء في السفر لم يجز، وإن شرطهما معا جاز إن لم ينقده شيئًا؛ لأن الشهر الثاني لا يجوز نقد أجره لمخالفته الأول وما ينقده واجب فضه ولو استأجره شهرًا في السفر بعد عقده شهرًا في الحضر
стр. 3713
دون نقد جاز، بخلاف منع غير ابن القاسم كراء راحلة يركبها بعد شهر للتحجير، ولا يدرى في هل يسلم أم لا ولا حجر فيما تقدم كراؤه واستخدام الأجير فيما خف ليلًا، إنما هو فيمن انقطع إليه ومبيته عنده لا فيمن ينصرف عنه ليلًا، وفي سماع أصبغ عن أشهب: إن اشترط على أجير الخدمة سفر شهر أو شهرين في السنة فلا بأس بذلك.
ابن رشد: إنما جاز؛ لأن الشرط إنما هو شهران ولا يضر كون المستأجر بالخيار في شهر؛ لأنه حق له تركه بعد العقد على شيء معلوم، ودليله قوله تعالى على أن تأجرني ثمان حجج فإن أتممت عشرا فمن عندك واشترالطه الشهرين دون تسميتهما يجوز على قول ابن القاسم: يجوز شرط السفر في أول السنة، وبعد مضى بعضها لا على قول ابن الماجشون: لا يجوز شرطه إلا في أول السنة أو قربه لا بعد مضي شهر منها.
قُلتُ: فاستئجار أجير معين على عملين متباعدين صفقة واحدة امداد لهما ما لا يجوز شرط النقد مع تأخير الشروع لمثل أمده بشرط نقد شيء من الأجر لا يجوز حسبما تقدم.
اللخمي: ودون شرطه إن لم يعين زمن كل من العملين لم يجز اتفاقًا فيهما، فإن عينه ففي جوازه قولان لمحمد، وابن حبيب عن ابن الماجشون.
الشيخ عن ابن القاسم في الموازية: لا ينبغي أن يشترط عليه في عملين متباعدين أنه بالخيار؛ لأنه خطر.
محمد: ولا يشترط عليه في الخدمة سفر أيام يسميها في وسط السنة، ولا على عملين متباعدين كقوله: يحرس لي كرمي ويبني لي هذا البيت.
محمد: يجوز إن شرط في شهر بعينه في السنة عملًا آخر سماه.
قد قال مالك: يجوز أن يكري داره على إن احتاج إليها في شهر من السنة سماه سكنها، وكذا السفينة ابن حبيب من واجر رجلًا شهرين يعمل فيهما عملين سماهما أو واجره على الثاني بعد مواجرته على الأول فإن تقارب العملان جاز في الصورتين، وإن تباعدا لم يجز فيهما؛ لأنه كمن واجره على عمل لا يسرع فيه إلى شهر، وقاله ابن الماجشون.
стр. 3714
قُلتُ: ظاهر منعه في المتباعدين ولو لم ينقد، وقول محمد قبله: الصقلي: وفيه نظر؛ لأن ظاهر قوله: أولا لا يشترط سفر أيام يسميها يقتضي منعه في المختلفين، ولو عين وقتيهما خلاف قوله بعده يجوز في شهر بعينه إلا أن يجعل قوله: يسميها؛ أي: عددها لا أعيان أزمنتها، وقال ابن رشد: في رسم البيع والصرف لو استأجره شهرين يعمل في أولهما عملًا سماه وفي الآخر عملًا آخر بعيد\ًا من الأول، ففي جوازه قولا ابن القاسم وابن الماجشون، وهما قائمان من قولها من اكترى راحلة يركبها بعد شهر، وروى محمد: إن اشترط مكتري أرض بها غلمان إن احتاج إلى عملهم في أرض له أخرى استعملهم فلا ضير فيه، وشرط النقد فيما يتأخر الشروع فيه لتمام عمل مماثل له والعاقد واحد جائز لنقل الشيخ عن ابن حبيب: إن واجره تمام سنة كأن واجره على أقلها ونقد أجرته جاز في مثل العمل الأول، ولا يجوز لغيره، وسمع عيسى ابن القاسم لمن استأجر أجيرًا لعمل من الأعمال أن يرسله يعمل للناس، ويأتيه بما عمل أو يكريه في مثله ابن رشد؛ لأنه استأجره في عمل غير معين فمن حقه أن يواجره ممن شاء، ولا يلزم الأجير أن يواجر نفسه له ويأتيه بالأجرة، ولو رضي بذلك جاز ونقله بخلاف عمله.
قال الصقلي: وظاهره عن الموازية: أن نقله إلى ما هو من نوع الأول فله ذلك لما شاء منه، فإن قال الأجير فيما يحوله إليه لا أحسنه كالحصاد والحرث والقصل،
فللمستأجر فسخ إجارته إلا فيما قل ولا خطب له فلا فسخ له وفيها لا يجوز فسخ إجارة على خياطة في قصارة أو غيرها؛ لأنه دين بدين إلا فيما هو يوم ونحوه؛ لأنه لا يكون فسخ دين في دين.
قُلتُ: ظاهره ولا لما يقاربه.
الشيخ عن محمند عن ابن القاسم: لا يجوز نقله إلى عمل لا يقارب الأول إلا في مثل اليوم مما لا يكون دينًا بدين، وروى محمد: وقال ابن القاسم: إن واجره يوما لنقل تراب فله نقله لخياطه لقربه.
ابن حبيب: برضاهما.
اللخمي: في جواز نقل خديم الحضر للسفر برضاه، ثالثها: فيما قل لابن حبيب
стр. 3715
والآتي على قول سحنون وابن القاسم، وفي سماع أصبغ عن أشهب: إن ماتت دواب استؤجر على علوفتها فرضي الأجير التحول إلى عمل غيره فلا بأس.
ابن رشد: معناه: فيما يشبه العلوفة: قاله الشيخ، وهو صحيح على قولها من اكترى دابة لموضع ليس له ركوبها لغيره، ولو كان مثله في السهولة والوعورة إلا برضى الكراء خلاف قول مالك في أول رسم من سماع ابن القاسم، وخلاف ما لابن حبيب من اكترى أجيرًا لعمل سماه نقله لما يشبهه إلا أن يشترط الأخير عدم نقله عن المسمى وما لا يشبه العلوفة غلا يجوز وإن رضيا؛ لأنه فسخ دين في دين سواء انتقد أو لا في هذه المسألة؛ لأن الحلف فيها واجب والكراء قائم.
قُلتُ: ظاهر نقله عن ابن حبيب أنه لا يجوز نقله إلى ما يباعد الأول ولو رضي الأجير، خلاف نقل اللخمي عنه مع المتيطي: وما أحال عليه من سماع ابن القاسم هو سماعه من استؤجر على أن يأني برقيق فلم يجدهم أو وجدهم ببعض الطريق فلمن استأجره مؤاجرته في مثله.
ابن رشد: قوله: مؤاجرته في مثله خلاف قولها ليس لمن اكترى دابة لموضع ركوبها لغيره إلا برضى الكراء، فعليه لا يؤاجره إلا برضاه.
قُلتُ: ففي نقله لمماثله بقيد رضاه أو دونه، ثالثها: إن تعذر الأول بفقده محله للتخريج على قوله في الدابة، ولابن حبيب وسماع ابن القاسم مع سماع أصبغ أشهب.
المتيطي: إن جاء الأجير يمن يعمل مكانه، فقال ابن القاسم: لا يجوز.
سحنون: ولو رضي المستأجر، وأجازه ابن حبيب إن رضي فيها مكررًا.
قال مالك: لا بأس بإجارة العبد عشر سنين وخمس عشرة، وهو في الدور أبين وسمع القرينان إجارة الأجير خمسة عشر عامًا كثير لا يصلح، ولا بأس أن يستأجره سنة ونقده إجارته.
ابن رشد: قوله: لا بأس به سنة وينقده دليل أنه إنما كرهه في الخمسة عشر مع النقد، وظاهر قولها إجازة النقد في الخمسة عشر عامًا خلاف قول غيره فيها.
اللخمي: أمد الإجارة مختلف باختلاف أمن المستأحر أوسعها الأرضون يجوز
стр. 3716
لأربعين سنة دون نقد، ويجوز في المأمونة السرب به ومثلها الدور جديدة لأمنها والقديمة دونه بقدر أمن سلامته غالبًا، واختلف في العبيد في الموازية جوازه لعشرين سنة بالنقد، وفيها خمسة عشر ومنعه غير ابن القاسم في العشر.
قُلتُك عزاه المتيطي لأشهب.
اللخمي: وأرى اعتبار السن يجوز في ابن عشرين وما قاربها عشرون على استثقال فيه والصغير والكهل لا يجوز فيهما إلا ما قارب، ويمنع ما لا يقارب في الصغير لتغيره عند البلوغ في نشاط أو قوة أو غير ذلك في الكبير لعدم أمن تغيره، وخمس سنين ونحوها في ذلك حسن.
والحيوان مختلف أوسع أنواعه أجلًا البغال لطول أعمارها والحمير دونها والإبل دونها ويفترق الأجل في الثياب الحرير والكتان والصوف والجديد والقديم، وأجل ربعا لحبس في كتابه.
وفي تعيين ما تستوفى به المنفعة تفصيل:
ابن رشد في رسم العتق من سماع عيسى: هو على أربعة أوجه أولها في معين لا غاية له إلا بتأجيله كرعاية غنم بأعيانها أو تجر في مال بعينه في شرط جواز الإجارة عليه بشرط خلفه أو لا والحكم خلفه قولان لابن القاسم مع روايته فيها، وفي غيرها ولسحنون مع ابن حبيب وسماع أصبغ أشهب: إلا في أربع مسائل يفسخ فيها بموت المستأجر له الصبي المستأجر على إرضاعه، والصبي المستأجر على تعليمه والدابة المستأجر على رياضتها والرمكة المستأجر على أكوام عليها معدودة تعق قبل تمامها.
المتيطي: إن مات الصبي المستأجر على إرضاعه، ففي كتاب ابن سحنون على الأب خلفه.
ابن رشد: الثاني الاستئجار على عمل في معين لا غاية له إلا بتسمية الموضع كحمل شيء بعينه يجوز إلا بشرط الخلف اتفاقًا والثالث كذلك، إلا أنه لا غاية له إلا بضرب الأجل كالإجارة على بيع هذا الثوب أو العبد في هذا الشهر في البلد أو بلد آخر بثمن سماه أو بما رآه في هذا السماع إن شرط أنه إن تلف العبد أو الثوب انفسخت
стр. 3717
الإجارة لم يجز، وإن شرط خلفه جاز وسكت عن حكم السكت عن الأمرين وظاهر المدونة: الجواز ووجوب الخلف والجاري على قوله في رعاية غنم بأعيانها أن الإجارة لا تجوز إلا بشرط الخلف، فإن باع قبل تمام الأجل انفسخت الإجارة في باقي الأجل، وله من الأجر بقدر ما مضى منه.
قال فيها: والآتي على قول سحنون في هذه المسألة أن الإجارة لا تنفسخ في باقي الأجل، ويستعمله بقيته فيما يشبه، وإن شرط فسخ الإجارة في باقيه إن باع قبل تمامه لم يجز عنده، ولو لم ينتقد على قوله فيمن اكترى دابة في حاجة إلى بلد، وشرط إن وجدها في الطريق رجع وكان عليه بقدر ما مضى من الكراء، ولو واجره على بيع الدابة أو الثوب بذلك البلد أو ببلد آخر على أنه له أجره ولو لم يبع جاز، ولو لم يسم للتسويق والبيع أجلًا؛ لأن قدر ذلك معروف، قاله أشهب في أول سماع أصبغ، ومضى هذا في أول رسم من سماع ابن القاسم، ونحوه في سماع ابن خالد الرابع الاستئجار على عمل في معين له غاية معلومة كخياطة ثوب بعينه، أو طحن قمح بعينه ونحوه لا يجب شرط خلفه اتفاقًا، فإن تلف قبل العمل أو قبل تمامه فالمشهور فسخ الإجارة فيها، أو فيما بقي منه، وهو قول مالك في رسم المحرم من سماع ابن القاسم، وفي سماع يحيى ابن القاسم في مسألة الزرع أم الإجارة لا تفسخ، ويستعمله في مثله، وهو شذوذ والنقد في هذه الإجارة جائز؛ لأن التلف نادر.
والإجارة على رعاية غنم: قال اللخمي: أقسام:
إن قال: علي رعاية غنم ولم يسم عددًا جاز، وحمل على منافعه ويأتيه المستأجر بما يقدر الأجير على رعيه من الغنم بشرط علم المستأجر بما يقدر على رعيه قبل استئجاره، وليس للراعي رعي غيرها معها فإن فعل فأجر ذلك لمن واجره أولا.
قُلتُ: نحوه قول عبد الحق عن بعض شيوخه: إن ضم الراعي لنفسه تحت يده فليس عليه تسمية عدد الغنم، ورأيت لابن حبيب ونحوه.
اللخمي: وإن واجره على رعاية مائة معينة أو غير معينة فله رعي غيرها معها إن لم يضشر بالأولى، وإن شرط عليه الأول أن لا يرعى معها غيرها لزمه الوفاء بشرطه، فإن
стр. 3718
رعى غيرها ففي كون أجر الثانية للشارط، أو للراعي إن لم يضر بالأول قول ابن القاسم وغيره وفيه نظر؛ لأن الأجير يحط للأول من الأجر لراحته بعدم رعي ما زاد على عدده، ولزيادة الشارط احتياطًا لغنمه فلا يبطل حق أحدهما، وأرى تخيير الشارط في فسخ ما زاد لمكان الشرط وأخذ قيمة تلك الزيادة، وأخذ ما باعها به إن قيل أجر مثله على الأولى وحدها عشرة، وعلى أن يرعى معها الثانية ثمانية، والمسمى اثنا عشر فسخ عن نفسه خمس المسمى؛ لأنه أكثر، وإن كان المسمى أقل من عشرة أخذه بدينارين؛ لأنه أكثر من خمس المسمى، فإن أحب أخذ ما باعها به قيل ما أجر مثله في الثانية إن قيل: أربعة دنانير كان أجر الثانية نصفين؛ لأن للأول فيها ما قيمته ديناران فإن أجر على الثانية بأكثر من أربعة أخذ نصفه، فإن نقصت الأةلى برعي الثانية معها، وأحب أخذ نصف ما أجر به على الثانية لم يأخذ مع ذلك نقصها؛ لأنه بأخذه ما أجر به نفسه أجاز فعله فسقط حكم تعديه، وإن أحب فسخ مناب الشرط عنه، أو أخذ قيمة تلك الزيادة فله ذلك مع قيمة النقص هذا ظاهر المذهب وليس بقياس؛ لأنه إذا أخذ معها قيمة النقص صار كأنه أخذها سليمة، وهو لم يكن يقدر أن يأخذها بعد الأجل سليمة إلا بأن لا يرعى فلا يصح أن يأخذها سليمة من العيب بغير أجر.
قُلتُ: تعقبه صحيح وهو يمنع كونه ظاهر المذهب؛ لأن كونه ظاهر المذهب إنما هو بمقتضي قواعده لا بنصوص تعين ما زعم أنه ظاهر المذهب، والصواب أن ينظر فإن كان ما نزل بها من النقص هو المعتاد في رعي ما رعى معها فليس له أخذه مع اختياره أحد الأمرين، وهما فسخه عن نفسه مناب الشرط، وأخذ قيمة الزيادة، وإن كان نقصها أكثر من النقص المعتاد فله أخذه بالزائد على المعتاد مع اختياره أحد الأمرين المذكورين.
اللخمي: وإن كان النقص كثيرًا ضمن قيمتها يوم أخذ الثانية، ويصح هنا أن يسترجع الأجرة ويأخذ قيمتها، وإن كان النقص يسيرًا لم يضمن قيمتها، ولو ترك الأولى فلم يرعها، ورعى الثانية فلربها فسخ الإجارة عن نفسه أو أخذ قيمتها أو ما أجر به نفسه، فإن أخذ ما أجر به نفسه، وقد نقصت الأولى لم يضمنه؛ لأنه بأخذه ما أجر به
стр. 3719
نفسه مجيز لفله، وإن قال أستأجرك على رعي هذه الغنم، فقيل: جائز وقوله هذه كالصفة، ويخلف غيرها إن أصيبت ولا يتعين، وقيل: يتعين والإجارة فاسدة؛ لأن فيه تحجيرًا على ربها لا يقدر على بيعها، وقيل: جائزة ويتعين؛ لأن ربها يشترط ذلك خوف تكلفه الخلف، وقيل: إن قرب أمد الإجارة جاز، وإن بعد لم يجز، وكذا قوله تحمل هذه الأحمال لبلد كذا في كتاب الرواحل منها لا يتعين، وعلى قوله في الغنم: يتعين وتجري فيها الأقوال الثلاثة، وأرى الجواز فيما قرب وفيما بعد إن كان الشرط من رب الغنم، وفيها: إن كان العرف رعاية ولد الغنم معها لزمت وإلا فلا، وفي الرواحل منها إن ولدت المرأة حمل ولدها معها، ففي كونها كالغنم مقيدة بالعرف أو مطلقة ويفرق بأن ولد المرأة كان محمولًا معها أو لا فرق، وهو تناقض أقوال المتأخرين.
شيوخ الفاسيين: في الأظهر التفريق بما ذكر مع زيادة اعتبار منع التفرقة في الآدمية.
المتيطي عن بعض الموثقين: مقتضى المدونة: لزوم رعي أولادها كولد المرأة المخدومة.
قُلتُ: عزاه ابن عات لابن مغيث.
الصقلي: إن لم يكن عرف برعي ولد الغنم ولا شرط، فقال ابن اللباد: على ربها أن يأتي براع معه للأولاد للتفرقة.
قُلتُ: معناه: أن التفرقة تعذيب لها فهو من النهي عن تعذيب الحيوان.
المتيطي: إن شرط رعي أولادها معها، فقيل: جائز للعرف، وعقده ابن العطار بقوله، وعليه رعاية ولدها وخدمتها على المعروف عند الناس حتى تبلغ شيئًا باستقلالها عند الناس، وقيل: لا يجوز شرطه؛ لأنها مجهولة وليس ما وقع به الحكم عند النزول كالشرط، وقيل: يرفع الخلاف شرط رعي يخال عددها كعدة الأمهات مع تسمية المدة من وقت ولادتها إلى وقت فطامها.
ابن عات: عن المشاور وغيره إن كان بقرية نعم ليس لكل واحد من مالكها ما يرعاه له راع فأخذ بعضهم من يرعى نعمهم إلا رجلين كرهو إدخالهما معهم فلهم
стр. 3720
ذلك، وكذا إن كره ذلك الراعي لم يجبر لهما، وكذا أهل الأفران والأرحى والحمامات لا يجبرون على الاستئجار، وإن لم يكن بالموضع غيرهم، وكذا الصناع كلهم ولغيرهم نحوه إلا ما كان من المباحات للناس كالفرن والرحى والحمام إن لم يكن بالموضع غيره جبر على الطبخ بما يطبخه به مثله لا يزاد عليه؛ لأنه ضرر على جاره والقياس الأول، وهذا استحسان والقضاء بطليطلة جبر الفران على طبخ خبز جاره بأجر مثله، وفيها: لا ضمان على الراعي، ولا فيما سرق إلا ببنية أنه فرط أو تعدى، ولو خاف موت الشاة فأتى بها مذبوحة صدق ولم يضمن، وقال غيره: يضمن ما ذبح ويصدق فيما هلك أو سرق، ولو قال: ذبحتها ثم سرقت صدق، وقال غيره: بالذبح ضمن، وفي النوادر: عزو قول الغير ل أصبغ وابن كنانة.
المتيطي: يصدق في ذبح المريضصة، واختلف في الصحيحة.
الصقلي عن سحنون: إن هربت شاة من الذود فطلبها قليلًا، ثم رجع للذود، وقال: خفت ضياعه لم يضمنها وليس هذا بتفريط.
قُلتُ: ما لم يكن الذود بمحل أمن مع بعد الراعي عنه.
قال عن ابن حبيب: ولا يضمن إن نام فضاعت ولو نام نهارًا في أيام النوم، إلا أن يأتي من ذلك ما يستنكر أو بموضع خوف فيضمن.
اللخمي: إن خرج عن المعتاد في نومه ضمن، وإن نام بالشتاء أو في الشصيف أول النهار أو آخره ضمن، وفي القائلة: لم يضمن إلا أن يطول، ولما ذكر اللخمي قولي ابن القاسم والغير في الذبح قال: ولابن حبيب: من أتى بثور مذبوح استعاره للحرث، وقال: خفت موته ضمن إلا أن يأتي بسبب لذلك أو لطخ ظاهر.
قال: بخلاف الراعي؛ لأنه مؤتمن مفوض إليه فيما استرعي، وإن ذبح الشاة الراعي شاة مريضة صدق قولًا واحدًا، وأرى في اتلصحيحة أن يصدق إذ لا فائدة له إلا أن يكون وقع بينه وبين رب الغنم شنآن، ولو كانت عادتهم فيما سقط وذبح أن الراعي يأخذ سواقطه، ففي كونه تعديًا إشكال.
قُلتُ: ومقتضى قولي ابن القاسم وغيره: لا ضمان عليه فيما أتى به منها ميتًا، فإن
стр. 3721
كان مع عدم إمكان ذكاته فواضح، وإن ثبت تفريطه في ذكاته ضمن، وهل يجب عليه أن يجمل معه سكينًا لذكاة ما يخشى موته اعتبر في ذلك عرف موضعه فإن لم يكن عرف فالأظهر سقوطه.
قال بعضهم: إلا أن يكثر فيها الموت.
وفيها: إن شرط رعيه بموضع فرعى في غيره ضمن يوم التعدي، وله أجره إلى يومه، وروى ابن وهب: لا ضمان على العبد الراعي كالحر.
ابن فتوح: من استدعى صبيًا فخالفه في أمره فعطبت الغنم لم يضمن شيئًا إلا أن يستهلكا استهلاكًا فيضمن.
قُلتُ: الأظهر أنه لا شيء عليه فيما استهلكه منها لوضعها ربها تحت يده كالوديعة حسبما ذكره اللخمي آخر كتاب الوديعة وغيره.
وسمع القرينان في البضائع والوكالات: إن بعث مع عبد لا يزال يبعث معه بعيرين فأتى فقال: تهشم في صحراء الطريق فخفت موته فنحرته، وأكلت منه ضمنه كحر نعير بعير رجل، وقال: خفت موته
قيل: إن العبد مؤتمن على تبليغه.
قال: ليس على مثل هذا أو ثمن ولو تركه حتى مات لم يضمنه، وغرم ما ضمنه على سيده.
ابن رشد: لأنه ليس له نحره، ولو خاف موته فهو متعد ولعله لو لم ينحره لم يمت، وهو كمن ذبح بعير رجل، وقال: وجدته يموت وسواء كانت للعبد بينة بأنه خشي عليه الموت، وأنه لذلك نحره، أو لم تكن وضمانه إن لم تكن له بينة ولا أحد يعلم ذلك أبين، ومعنى: قوله: غرم ذلك على سيده أنها جناية في رقبته لا أن غرم قيمة البعير على سيده، وإنما جعله في رقبة العبد؛ لأنه لم يصدقه أنه خشي موته، ولو صدقه في ذلك لأشبه كونه أيضًا في رقبته على قول أشهب، ورواية ابن وهب في الراعي: يخشى موت الغنم فيذبحها أنه ضامن إن لم يؤذن له في ذلك، وما في هذا السماع شبه ما لابن القاسم وأشهب في سماع سحنون من العارية في العبد: يقول للرجل أرسلني إليك سيدي في
стр. 3722
كذا فيعطاه فيتلف عنده أو يزعه أنه دفعه لسيده، وينكر سيده أن ذلك في رقبته، واحتج ابن القاسم في سماع سحنون في الجنايات بقول مالك: لهذا أنه في رقبته وأشبه المسائل بهذه المسألة استهلاك العبد ما أودع في غير منفعة في كونها في ذمته أو في رقبته.
قولا ابن القاسم وابن الماجشون: فقول مالك في هذه كقول ابن الماجشون وابن فتوح إن وكل الراعي من ليس مثله على الغنم ضمن، وإن كان مثله ففي ضمانه قولا أبي صالح وابن لبابة.
قُلتُ: للمتيطي عن ابن حبيب كأبي صالح.
وفيها: إن أنزى الراعي على الغنم بغير إذن أهلها ضمن.
أشهب: لا يضمن.
قُلتُ: إن تقرر عرف بالإذن أو المنع فلا اختلاف، وإلا فالقولان، وينبغي إن كان الفحل لغير رب الأنثى أن يضمنه اتفاقًا.
وفي الرواحل منها: كل ما صنعه الراعي مما لا يجوز فعله فعاب الغنم ضمنه، وما يجوز فعله فلا ضمان عليه.
اللخمي: يريد: بما لا يجوز له أن يفعله أن يرمي الشاة نفسها، ويختلف إن رمى قدامها أو جانبها لترجع بموضع فوقعت عليها؛ لأنه خطأ فيما أذن فيه ولو تقربت للضربة فوقعت عليها لم يضمن، ولابن حبيب: إن رمى كرمي الراعي فأصابها خطأ ولم تكن؛ يريد: الشاة حادث إليها ضمن، وقد أجاز الله ضرب النساء للنشوز ولو شجها ضمن، ولو كان خطأ.
اللخمي: ليس مثله فعل الزوج لحق نفسه وهي مجبورة على ذلك، والراعي وكيل لرب الغنم، ففعل ما يراه حسن نظر لربها كفعل ربها.
زاد الشيخ عن ابن حبيب: ولا يضمن ما حدث عن رميه مثل أن تنزو الشاة لرميه أو تحيد فتقع في مهواة فتنكسر، أو تغرق في نهر أو تنطح صخرة هذا إن رمى كرمي الرعاة، ولو رماها عبثًا ضمن مطلقًا كأجنبي، ويدل على ضمانه ما أصابت رميته أنه لو رمى صيدًا فأصاب شاة ضمنها.
стр. 3723
الصقلي: قوله خلاف قول مالك والفرقبين رمية الغنم والصيد أن الراعي لا يستقيم رعيه إلا بذلك لو ذهب لرد كل شاة تعذر فكان ذلك من عادتهم فصار بالعرف كمأذون فيه، ورميه الصيد ليس من مصالحها ويضعف تفرقته بين ما أصابت رميته وما تولد عنها استواؤها في رمي المحرم الصيد.
قال: فإن قيل: الراعي مأذون له والمحرم منهي عنه.
قُلتُ: هذا لا يشبه كما لو رمى ظبيًا يظنه سبعًا فوقع بمهواة فعليه جزاؤه؛ فإن قيل: الخطأ في الصيد كالعمد، قيل: وكذا في أموال الناس أبو إبراهيم لفظها في الأم كل شيء صنعه الراعي أخذه من الوجه الذي لا يجوز له فعله كذا.
لإبراهيم: ابن قاسم: قال لنا أحمد: هو غلط إنما هو أن يقول من غير الوجه الذي يجوز له أن يفعله أو من الوجه الذي لا يجوز له أن يفعله هو من كتاب أبي عمر الإشبيلي فعلى الرواية بإثباته لا يقتضي قوله: أنه ضامن إن ادعى أنه فعل ما يجوز له، ولا يصدق في ذلك، وفي نوازل سحنون في الجنايات فيمن ضرب بطن امرأته أو شجها وقال: فعلته أدبًا، وقالت: تعديًا، اختلف فيها قول سحنون وفيها في الراعي: يذبح الشاة ويدعي أنها تموت، القولان كذا في مدونة الشيخ أبي محمد فينكره.
قُلتُ: ما ذكره من قول أحمد في إثبات لا غلط كذا هو في حاشية المدونة عندي، وليس هو بحيث يقتصر فيه بالغلط لاحتمال كونها تأكيدًا أو زائدة كقوله تعالى ما منعك ألا تسجد، وقوله وفيها في الراعي يذبح الشاة ويدعي أنها تموت.
القولان يقتضي أن القولين في تصديقه أنها تموت فيدل أن لو قامت له بذلك بينة أنه لا يضمن، وقد تقدم لابن رشد ضمانه، وقال في طرة مدونة الشيخ أبي محمد: قال ابن زرب: الراعي على التعدي حتى يثبت غيره وهو معنى ما في المدونة، وفي كتاب ابن وضاح للراعي رعيها، ولا ضمان عليه، وكذا راكب الدابة يضربها فتعطب لا ضمان عليه، وظاهره خلاف قول ابن زرب.
قُلتُ: قبول قول ابن زرب الراعي على التعدي إلى آخره، يرد بقولها في كتاب الجعل والإجارة، ولا ضمان على الرعاة إلا فيما تعد\وا فيه أو فرطوا إن كان الراعي
стр. 3724
خاصًا برجل أو عامًا للناس.
قُلتُ: والمستثنى منه أكثر من المستثني، وفيها شرط ضمانه أو عدم تصديقه في التلف أو فيما لا يأتي تسميته لغو وتفسد الإجارة.
ابن القاسم: وله أجر مثله بغير ضمان ولو فضل المسمى غيره لا شيء له من فضله، ومحال أن يفضله، وكذا نقله الصقلي.
وفي غير نسخة للخمي قال ابن القاسم: له الأكثر إن عمل من المسمى أو أجر المثل، وقيل: له أجر المثل قل أو كثر ويجري فيها القول بجواز الشرط، ويضمن إن لم يأت بالقيمة لقدرته على ذلك كقول المستأجر انكسرت الجفنة، ولم يات بفلفتها بخلاف قوله ذهبت وهي حية أو ضاعت الجفنة، وفيها لمالك: لا يعجبني أن يستسقي مار براع من لبن ما يرعى.
اللخمي: يريد: إن كان الغالب إباحته كره لاحتمال منع ربها ذلك ولم يحرم لغلبة الإباحة، وإن كانوا يمنعونه أو أكثرهم لم يجز، وإن كانوا يبيحونه ولا يمنعونه لم يكره، وفيها: لا يضمن أجير الخدمة ما كسر من آنية أو أفسد من طحن أو أهراق من ماء أو لبن أو ما وطاء عليه فكسره أو أحرقه إلا أن يتعدى.
قال غيره: ما وطاء عليه أو عثر عليه ضمنه، وسمع عيسى في كتاب الرواحل: منع ابن وهب من اكترى دابة لحمل خشبه فانقلبت من يده فسقطت من ظهر الدابة فكسرت رجلها فهو ضامن لها.
ابن رشد: لأن الخطأ والعمد في أموال الناس سواء، ولو ضرب الدابة ضربًا يجوز له فعطبت لم يضمن، ولو أخطأ في ضربه ضمن.
قُلتُ: فالواجب إن وضع الخشبة على الدابة وضع مثلها لم يضمن، فتأمله وفيها إجارة الأطباء على العلاج إنما هو على البرء إن براء فله حقه، وإلا فلا شيء له إلا ان يشترط شرطًا حلالًا فينفذ كشرطه أن يكحله شهرًا بكذا فيجوز إن لم ينفذه، وهذه إجارة أن براء قبل الأجل أخذ بحسابه، إلا أن يواجره وهو صحيح العينين بكحله شهرا بكذا فيجوز فيه النقد، ويلزم تمام الشهر.
стр. 3725
اللخمي: لا يشترط النقد لإمكان البرء في بعض الأجل، ولا بأس أن يشترط من النقد ما الغالب أن لا يبرأ فيه، وفي منعه على الجعالة قولا الجلاب لا بأس بالمجاعلة على البرء، وقيل: لا يجوز إلا إلى مدة معلومة مشاهرة أو غيرها.
اللخمي: المعروف في المسألة الجواز وفي أصلها المنع من ثلاثة أوجه كونه مما يطول أو يشغل، وكونه فيما لا يملكه الجاعل كأرضهح ولأنه قد يترك في نصف البرء فينتفع العليل بلا غرم، وعلى الجواز إن ترك قبل تمام البرء فبراء بمجاعلة آخر فمختلف هل يكون للأول بقدر ما انتفع بعمله كعامل المساقاة يعجز قبل تمام العمل.
قال مالك: لا شيء له فأحرى مع الترك اختيارًا.
قُلتُ: تمامها في الجعل.
قال: ولا يجوز شرط نقد عوضه، ويختلف في الطوع به.
قال أشهب: لا خير فيه لما كان العامل بالخيار فيصير كابتداء أخذ منافع عن دين.
قيل: لا يكون كذلك إلا بعدده بعد تركه.
قُلتُ: ما نقله عن أشهب هو المعروف من المذهب حسبما تقدم في الخيار منع الطوع بالنقد في أربع مسائل منها الكراء على خيار، وما نقله عن غيره هو أصل أشهب لإجارته أخذ منافع عن دين.
قال: ويجوز كون الدواء من عند الطبيب.
قال مالك في شرح ابن مزين: مؤاجرة الطبيب على إن براء فله كذا، وإلا فله أجر دوابه هذا من شرطين في بيع، إنما يجوز مجاعلته على إن براء فله، وإن لم يبرأ فلا شيء له، وأجاز جعله والدواء من عند الطبيب، وكذا الجعل على الآبق إن وجد العبد اتفق عليه، وكان له الجعل دون النفقة إذ قد تكثر النفقة أو يأبق العبد قرب المدينة فلا يكون له شيء.
قُلتُ: في سماع عيسى: قال ابن وهب وابن القاسم: مشارطة الطبيب العليل على إن براء فله كذا وإلا فله ثمن الدواء من بيعتين في بيعة، وأجاز مالك مشارطته على شيء معلوم إن صح أخذه، وإلا لم يكن له شيء.
стр. 3726
ابن القاسم: لا خير فيه.
ابن رشد: كونه من بيعتين في بيعة يدخله الغرر، لا يدري الطبيب هل يحصل له الأجر المسمى أو ثمن أدويته، فإن نزل فسخ متى عثر عليه وله ثمن ما عالج به من أدويته، وقيمة عمله في علاجه، ولم يتعرض لقول ابن القاسم لا خير فيه كأنه ساقط.
فيها: لا بأس بإجارة الفحل للإنزاء فرسًا أو تيس أو حمارًا أو بعيرًا على نزو أكوام معروفة، أو شهر بكذا وإن شرطه حتى تعق الأنثى لم يجز.
اللخمي: قول ابن حبيب: إن سمى زمنًا لم يجز تسمية النزوات فاسد، ولا يجوز إلا تسميتها لاختلاف الإجارة بقلتها وكثرتها.
قُلتُ: إن كانت حركة الفحل لذلك مأمونة، فقول ابن حبيب صواب كأحد القولين في منع خياطة ثوبين في وقت يمكن أن يسع خياطتهما، وإن لم تكن مأمونة منع اتفاقًا كما مر في التوقيت في خياطتهما.
قال: وروى ابن حبيب: يكره بيع عسيب الفحل، وثبت النهي عن بيعه، وقد يحمل على الندب، وليس من مكارم الأخلاق أخذ عوض عنه، فإن فعل لم تفسخ الإجارة، وإن أخذها لم ترد، ولسحنون: إن استأجره لنزوين فعقت بعد نزو لم يلزمه الثاني وانفسخ فيه العقد كالصبي في الرضاع.
قُلتُ: تقدم فيه الخلاف من نقل المتيطي: عياض: وتعق الرمكة بكسر العين تحمل، وسمع ابن القاسم: جواز نزو البغل على البغلة، وفي كراهة الإجارة عليه، ثالثها: الوقف لأول قولي ابن القاسم وعيسى، وثانيهما: وصوب ابن رشد الثاني.
والإجارة على البناء إن كانت على العمل فقط والآلة على ربه وجب معرفتهما صفته بشرط أو عرف، والأجل في مطلقه بالزمان كخدمة حرث غير مقيد بمحل معين وفي مقيده بشكل معين كبيت أو دار بتمامه.
المتيطي: وما انهدم من هذه الدار قبل تمامها فللأجير بحسب ما عمل، ولا يلزمه إعادة بنائه وتفسخ الإجارة فيما بقي إن تعذر على صاحب العمل ما بنى فيه مثل ذلك، وإن أمكن مثله أتمه فيه وغن رضي رب العمل أن يبني له أسفل مثل ما بنى فوقه لزمه؛
стр. 3727
لأنه أهون والدلو والفأس والقفاف على رب الدار إلا أن يكون عرف فيقضى به.
قُلتُ: وقاله اللخمي، وفرضه في بناء حائط لا دار.
قُلتُ: ومعناه: أن انهدامه لا بسبب سوء صنعته، فإن ثبت كونه به فلا أجر له وغرم قيمة ما أتلف من آلة كقولها في الصانع يفسد نسج الغزل ونحوه لابن فتوح وعياض واللخمي، وإن كان مقاطعة فقال: إن بنيته كاملًا فلك الأجر، وإلا فلا شيء لك جاز كالمقاطعة على الخياطة لا تستحق شيئًا إلا بتمام بنائه، وإن انهدم لزم بناؤه من أوله.
قُلتُ: مقتضى هذا أنه جعالة، وصرح به ابن فتوح فقال: معنى ذلك: أنه على معنى الجعل، وهو مشكل كما قرره.
اللخمي: في جعل الطبيب؛ لأنه فيما يملكه الجاعل، وفيها من استأجر رجلًا على بناء وصفه له فلما بنى نصفه انهدم فله من الأجر بقدر ما عمل، وليس عليه بناؤه ثانية كان الأجر والطين من عندك أو من عنده.
قال غيره: لا يكون هذا إلا في عمل رجل بعينه لا يكون مضمونًا.
عياضك كذا عندنا سحنون، وعليه فيه مضمونًا تمام العمل كذا في روايتنا من كتاب ابن عتاب وابن المرابط، وسقط اسم سحنون لابن المرابط والدباغ والأبياني، وبهذا اللفظ نقلها ابن لبابة، وعلى معناه اختصرها الشيخ، وفي بعض الأمهات، وقال غيره: لا يكون هذا في عمل رجل بعينه لا يكون إلا مضمونًا، وعليه فيه تمام العمل، وجاء الكلام في المضمون كله لابن القاسم، وفي كتاب ابن عتاب: أمر سحنون بطرح قول الغير.
ابن وضاح: قرأناه عليه مرة فأمر بطرحهن وقال: لا أعرفه، وفي كتاب ابن سهل: ثبت قول غيره لابن باز، ولابن المرابط كان موقوفًا في كتاب ابن وضاح، وفيه قال ابن وضاح: قال سحنون: مسألة الغير أصح مسائلها، وهو أصل جيد، وذهب بعض المتأخرين إلى أن قول الغير وفاق، إلا على اختصار الشيخ فهو خلاف عياض، إنما قول الغير على مقتضى أول المسألة في أن ما يبنى به العامل فأجازه مالك وابن القاسم،
стр. 3728
وقال غيره: إن كان على وجه القبالة يعني الضمان لا على عمل رجل بعينه فلا بأس به إن قدم نقده فحملها أنها كالسلم تجب فيه شروطه، ولم يذكر فيها ضرب الأجل؛ لأنه رأى المعجل منها تبعًا لما بقي، وأمد فراغها وما يدخل فيها من جص وأجر معلوم وعادة وابن القاسم لم يراع هذا، ورآه إجارة وبيعًا كانت بعمل رجل بعينه، أو بغير عينه وشبهه بيع السلعة للحاجة إلى ذلك؛ لأن أمد فراغها، وما يدخلها معلوم وهو يسرع في العمل، وقال ابن أبي زمنين: هذه مسألة لا يحملها القياس، وهي استحسان.
وقال سحنون: لا تحملها الأصول، ومنعها عبد الملك في الثانية، وكذلك معنى قول الغير عندي أو أن أصل هذه المسألة لا تجوز هذه الإجارة في عمل رجل بعينه إن لم يكن مضمونًا، وإنما تجوز الإجارة في المضمون، وهذا بين على روايات الأمهات، ويكون خلافًا وعلى ما عندنا، واختصار الشيخ لا يكون خلافًا وعلى الخلاف حملها سحنون، وقال: اردد مسألة الحائط لمسألة الغير هي أصح مسائلنا، وفي الأسدية زيادة حسنة، وهي إن تشاحا فعليه بناء ما بقي من العمل فيما يشبه، وله أجره كله إلا أن يكون سقوطه من سوء البناء فعليه أن يعيده ثانية.
قُلتُ: فإن لم يكن من سوء البناء فعليه أن يبني له ما بقي من ذلك العمل فيما يشبه وله أجره إذا تشاحا.
قال: نعم.
قُلتُ: سمع أصبغ ابن القاسم لا بأس أن يواجر البناء على البناء مقاطعة هو من عمل الناس، فإن طال ذلك ضرب له أجل أيام.
ابن رشد: كونه مقاطعة صحيح، ولا يصح فيما قل ويفرغ منه في بعض اليوم لا مقاطعة، وما كثر يجوز مقاطعة إذا وصف العمل أو عجل النقد، وشرع في العمل ويجوز فيه بالأيام فمعنى قوله: إن طال ذلك ضرب له أجل أيام أبي إن طال جازت مؤاجرته فيه بالأيام لا أنه يجوز أن يؤاجره فيه إلى تمامه مع تأجيله بالأيام لمنعه ذلك بعد هذا وتقدم ما فيه.
قُلتُ: مقتضى السماع وتفسير ابن رشد أن معنى المقاطعة: تأجيل البناء بفراغ بناء
стр. 3729
المبنى الموصوف ومقابلة تأجيله بالأيام، وهو مقتضى ما تقدم للمتيطي ما انهدم من الدار قبل تمامها فللأجير بحساب ما عمل خلاف ما تقدم للخمي من تفسير المقاطعة من أنه لا يستحق فيها شيئاً من الأجر، إلا بتمام البناء وأنه إن انهدم شيء لزمه بناؤه إلا أن يحمل كلام اللخمي على المقاطعة المقيدة بما ذكر من قوله أن يبنيه كاملاً فلك الأجر وإلا فلا شيء لك لا على مطلق المقاطعة، وأيا ما كان فقوله مشكل إن حمل على مطلق المقاطعة كان خلاف السماع المذكور، وإن حمل على المقاطعة المقيدة بما ذكر فهي فاسدة؛ لأنها آئلة إلى الجعالة فيما يملكه الجاعل حسبما ذكره هو في مجاعلة الطبيب، وهذا كله ومادة البناء من رب العرصة، وإن كان على أنه على العامل فحكمه ما تقرر في فصل السلم في المصنوع وباستحضار حكمه، وحكم أجير العمل يتضح لك الحق في مسألة قول الغير، وسمع عيسى ابن القاسم أخذ عرصة على أن يبنيها ليسكنها مما ينفق فيها جائز إن سماه، وما لكل سنة منه وإلا فلا خير فيه ابن رُشْد؛ لأنه إن لم يسمها كان كراء مجهولاً، وجاز دون وصف البناء؛ لأنه وكيل عليه أن يبني بما يليق بالعرصة صح كوكالته على شراء جارية دون صفة ولو وصف البناء مدة السكنى جاز، ولو لم يسم ما يبني به ولا ما لكل سنة مدة بل لا يجوز مع ذلك تسميته ما يبني به؛ لأنه يصير من بيعتين في بيعة وفيها لا بأس بالإجارة على حفر بئر عمقها كذا إن خبر أرضها، وإلا فلا خير فيه كقول مالك في الإجارة على حفرها لبلوغ الماء إن عرفا أرضها فلا بأس وإلا لواجبة.
الصقلي: ليحيى عن ابن القاسم إن عرفا الأرض بلين أو شدة أو جهلاها معا جاز وإن جهلها أحدهما لم يجز الجعل فيه.
الشَّيخ في الموازيَّة عن ابن القاسم: إن كانت الأرض للمستأجر لم يجز له فيها جعل على بناء أو حفر، وتجوز له الإجارة والمقاطعة، فإن عامله على أنه إن نض الماء وتم البناء فالبئر بينهما ببنائها ومائها، فإن عرفا قرب الماء وبعده وشدة الأرض وسميا للماء قدراً معلوماً جاز، وإلا فلا خير فيه، وقد أجازه مالك إن أشكل الأمر على الأذرع.
ابن حبيب: الإجارة على الحفر أن يقول أو أجرك على حفر هذه البئر مع طيها أو
стр. 3730
دونه، أو على عمل عشرة أيام وما يحتاج إليه من حبل وقفاف وأجره على رب البئر وكذا البناء، ولو مات الأجير أو منعته صخرة من التمادي فله بقدر ما عمل.
اللخمي: حفر الآبار على ثلاثة أوجه جعل، وإجارة ومقاطعة هذان يلزمان بالعقد إن علما بعد الماء، وصفة الأرض جازت مطلقاً دون شرط، إن قال أستأجرك على حفر بئر بهذه الأرض، ولم يزد جاز إلا أن تختلف عادتهم في سعتها فتذكر.
قُلتُ: ويعين محل الحفر منها، وإن علما صفة الأرض دون بعد الماء لم يجز إلا مذراعة.
قُلتُ: أو بالزمان قال: وفي العكس جائز إن سموا للشديدة أجرة وللرخوة أجرة فما حفر من كل صنف فله حسابه.
قُلتُ: في جواز هذا نظر؛ لأنه كصبرتين مختلفتي الصفة والسوم في كل قفيز منهما، ولا ضرورة لذلك لقدرتهما على الإجارة مذراعة.
المتيطي: إن أغفل في العقد ذكر معرفة صفة الأرض، فقال: الأجير ظننتها رخوة وألفاها صلبة أو قريبة الماء وألفاها بعيدته، فإن اتفقا على تعيين المكان لزمه ما لم تختلف الآبار حوله، فإن اختلفت ولم يكن الأجير ممن يعرف تلك الجهة أو ادعى الجهل فسخ، ولنرجع إلى مقصدنا الأول في محاذات كلام ابن الحاجب فلا يجوز كراء الأرض لحرث بطعام أو ما تنبته لغير طول فيها لا يجوز كراؤها بشيء مما تنبته، ولو كان من غير الطعام من قطن أو كتاب أقضب أو قرط أو تبن أو علف ولا بزعفران؛ لأنه مما تنبته ولا بطيب يشبهه ولا بعض ولا بطعام ولو لم تنبته لا يجوز بلبن أو سمن أو عسل أو تمر أو صبر أو ملح أو بشيء من الأنبذة أو فلفل أو زريعة كتان أو ريت الفجل أو طير الماء الذي للذبح أو شاة لحم.
ابن رُشْد: هذا قول جمهور أصحابه.
الصقلي: عن ابن حبيب: هو قول مالك وابن القاسم وأشهب وابن وَهْب وأَصْبَغ وابن عبد الحَكم والآخرون.
ابن رَشْد: وقيل: تجوز بكل شيء معلوم إلا بالجزء مما يخرج منها، وهو ظاهر قول
стр. 3731
مالك في "الموطأ" في كتاب المساقاة قال فيه: لا ينبغي أن يساقي الأرض البيضاء؛ لأنه لا يحل لصاحبها كراؤها بالعين وشبهها من الأثمان المعلومة إلا أن ذلك غير معلوم من مذهبه.
قُلتُ: تبع في هذا أبا عمر؛ لأنه قال إثر قول مالك: ظاهره أنه يجيز كراءها بكل شيء معلوم وإن كان طعاماً.
قُلتُ: وفي قولهما نظر؛ لأن الطعام لا يشبه الدنانير والدراهم.
أبو عمر: قال ابن نافع: تجوز بالطعام والإدام وغيره إلا الحنطة وأخواتها يعني البر والشعير والسلت ونقله ابن رُشْد عنه.
الصقلي: بزيادة على أن يزرع فيها بخلاف ما اكتريت به.
أبو عمر: قال ابن كنانة: تجوز بكل ما لو أعيد إليها لم ينبت من طعام أو غيره.
ابن رُشْد: واختاره عيسى ابن دينار.
المتيطي: وحكاه سَحنون عن الغير.
ابن مزين: وقاله يحيى بن يحيى، ورواه عن مالك ابن مزين وبه أقول.
الباجي: قال ابن حبيب: كره مالك كراؤها بالطعام؛ لأنه طعام بطعام لأجل، وقال ابن الماجِشُون: إنما كرهه؛ لأنه من المحاقلة إلا في أرض لا تنبت ذلك الشيء كالقطن والزعفران في أرض لا تنبتهما.
الباحي: ولا تكرى بشيء من الحشيش، وقال محمد: لا بأس أن تكرى بالخضر.
الشَّيخ: يريد من الكلأ؛ لأنه ليس بطعام ولا مما يزرع وعلى منع كرائها بالكتان.
قال محمد: يجوز بثيابه.
الباجي: لأنه استحال عن أصله.
اللخمي: يجوز بما تنبته الأرض ولا ينبته الناس كالذهب والفضة والرصاص والنحاس والكبريت والحشيش والحلفاء.
قُلتُ: قوله: (يجوز بالحشيش) خلاف نقل الباجي، إلا أن يريد الحشيش الذي هو طعام.
стр. 3732
وفيها: لا بأس بكرائها بالعود والصندل والحطب والخشب والجذوع.
الصقلي: قال ابن سَحنون لأبيه: لم أجازها بهذه وهي مما تنبتها الأرض.
قال: لطول مكثها.
قال غيره: ويجوز كراؤها شهرين بشيء لا يمكن إلا في سنة من غير الطعام، وشدد سَحنون في كرائها بالجزء مما يخرج منها وخرج فاعله.
الشَّيخ: يريد إن كان عالماً أنه لا يجوز، وهو مذهبه أو قول من قلده.
قال ابن سَحنون: ولا يؤكل طعامه ولا يشترى منه الطعام الذي أخذ في كرائها، وإن نزل فإنما له كراؤها بالعين.
الشَّيخ: ذكر غير واحد عن عيسى بن مسكين وغيره من قضاة أصحابنا بإفريقيَّة أنهم حكموا بأن يعطاه قيمة ما يقع له من ذلك بجزء ثلث أو ربع دراهم.
قالوا: لأنها لا يعرف لها بالمغرب قيمة كراء بالعين ولم يعتبروا كراءها يوم العقد؛ لأنه لا كراء على المكتري في العقد إن لم يصب فيها شيئاً، ولا بأس بكرائها بالماء قلت ولا يتخرج منعها به على أنه طعام؛ لأنه قول ابن نافع وهو يجيزها بالطعام غير الحنطة وجنسها، ولما ذكر المتيطي قضاء ابن مسكين قال: قال بعض الموثقين أرض الأندلس عندي بخلاف ذلك الكراء فيها معروف فيجب أن يقضى فيها بكراء المثل.
قُلتُ: وكذا الأمر عندنا في أراضي تونس، وفي قولهم ينظر إلى ما يقع له من ذلك الجزء ثلث أو ربع دراهم نظر؛ لأن ظاهره البناء على ما دخلا عليه من الجزء هو عقد فاسد فيجب لغو ما دخلا عليه فيه، وينظر إلى قيمتها بالجزء أن لو جاز فيها، ثم ينظر إلى قيمة ذلك الجزء ففي قصر جواز كرائها على غير مطلق طعام، وما يستنبت فيها لا عن طول أو على غير الجزء مما يخرج منها أو على غير القمح والشعير والسلت، رابعها: هذا بقيد أن يزرع فيها غير ما أكريت به، وخامسها: على ما لو أعيد فيها لم ينبت ولو كان طعاماً، وسادسها: يجوز بالجزء مما يخرج منها المشهور مع أكثر الرواة، وابن رُشْد مع أبي عمر عن ظاهر الموطأ، وله عن ابن نافع، ولابن رُشْد مع الأكثر عنه، ولابن كنانة مع عيسى، والمغيرة ويحيى بن يحيى، وعياض عن الداودي مع الأصيلي ويحيى بن يحيى،
стр. 3733
وجعل ابن الحاجب وابن شاس القصب كالجذوع، وقبوله ابن هارون لا أعرفه بل قولها لا يجوز كراؤها، وقول اللخمي يجوز كراؤها بالمصطكى مضى في أنه غير طعام وفضل حكم المنفعة تقدم منه مسائل.
واستئجار الأرض للحرث:
فيها: لا بأس لكراء أرض المطر عشر سنين إن لم ينقد، فإن شرط النقد فسد الكراء.
قال غيره: لا تكرى أرض المطر التي تروي مرة وتعطش أخرى إلا قرب توقع الغيث إن لم ينقد.
الباجي: المأمونة يجوز عقد كرائها قبل إبان الحرث لعشر سنين وأكثر ما لم تكثر جداً، وغير المأمونة كأرض المطر ذكر فيها قول ابن القاسم معزواً لأكثر الرواة.
ابن رُشْد: لا يفرق ابن القاسم بين الأرضين في جواز العقد لعام أو لأعوام كثيرة، ولو كانت غير مأمونة، وهي في جواز النقد قسمان فالمأمونة كأرض النيل، والمطر المأمون والسقي بالأنهار، والعيون الثابتة والآبار المعينة النقد فيها للأعوام الكثيرة جائز، وغير المأمونة لا يجوز النقد فيها إلا نقداً بعد ريها، وإمكان حرثها كانت من أرض النيل أو المطر أو العيون والآبار، وهي في وجوبه قسمان أرض النيل يجب فيها إذا رويت؛ لأنها لا تفتقر لسقي بربها يكون للمكتري قابضاً إن اكترى وأرض السقي والمطر لا يجب فيها حتى يتم الزرع، ويستغنى عن الماء، وكذا ما يزرع بطوناً لا يلزمه في البطن حتى يستغني عن الماء ووافقه ابن الماجِشُون في أرض النيل وفي أرض المطر والسقي غير المأمون، وخالفه في أرض السقي المأمون جعلها ابن القاسم كأرض المطر والسقي غير المأمون، وجعلها ابن الماجِشُون كأرض النيل والأرض على قول ابن الماجِشُون أربع أرض النيل المأمونة يجوز كراؤها للأعوام الكثيرة، ولو بالنقد قرب إبان شربها أو بعد، قاله في المدَوَّنة، وأرض السقي بالآبار والأنهار يجوز كراؤها لعشرة أعوام لا أكثر والنقد فيها على مذهبه جائز قاله الفضل، وأرض السقي بالعيون لا يجوز كراؤها لثلاثة أعوام أو أربعة ولا ينتقد إلا سنة بسنة؛ يريد: ينقد للسنة الثانية قيل تمام
стр. 3734
الأولى بيسير، وإن لم تروا الأرض هذا قوله في الواضحة، وأرض المطر لا يجوز كراؤها إلا لعام واحد قرب إبان ربها، ولا يجوز النقد فيها حتى تروى رياً مبلغاً لزرعها أو لأكثره مع رجاء وقوع غيره، قاله في المدَوَّنة.
قُلتُ: فتفسير الغير فيها بابن الماجِشُون، وفسره المتيطي بأشهب، ولابن فتوح قيل: في الأرض المأمونة كأرض النيل لا تجوز قبالتها إلا لعام واحد، ولا يجوز النقد فيها إلا لعام واحد، وقال سَحنون: هذا تضييق بل يجوز كراؤها سنة، والنقد فيها وفيها الأرض الغرقة إن كانت لا يشك في انكشاف الماء عنها جاز نقد كرائها.
اللخمي: إن كان انكشافه مأموناً كالنيل جاز شرط النقد إن كان فيما حصل غنى عن سواه وكذا إن كان لا يكفيها والغالب أن مكيل المطر بعده بكفي، ومعنى قول ابن القاسم يلزم النقد في أرض النيل إن رويت إذا انكشف الماء عنها وأمكن قبض المنافع، والقياس أن لا يلزم النقد فيها بربها؛ لأن المكتري اشترى شيئين الماء ومنافع الأرض فلا يلزمه النقد بقبض أحدهما، وقد يجعل القول بلزوم النقد بها؛ لأن المكتري على قول مالك ليس للصانع تقديم أجره حتى يبدأ في العمل.
قُلتُ: ما ذكره من موجب القياس سبقه به التونسي بما يتقى جواباً عنه.
قال: إن قيل منافع الأرض إنما يقبضها المكتري شيئاً فشيئاً فأشبهت الدار للسكنى إذا لم يشترط نقد كرائها فلا يجب من نقده إلا بقدر ما سكن.
قُلتُ: السكنى إنما يأخذها المكتري شيئاً بعد شيء فصارت كسلع يدفع من ثمنها بقدر ما دفع منها، والماء هنا مكرى مع الأرض، وقد سلمها المكري للمكتري والمكتري هو الذي يقبضه لزرعه شيئاَ بعد شيء، فإن قيل: لم يفعل هذا ابن القاسم في البئر مع الأرض المكراة بها قيل؛ لأن البئر تشبه السكنى التي تأتي شيئاً بعد شيء ما لم يصل ماؤها للأرض، وفيها: لا أحب كراء أرض قل ماء بئرها يخاف أن لا يكفي زرعها.
ابن القاسم: كرهه لمخاطرة إذ لو علم ربها كفايته لم يكرها إلا بضعف كرائها، والتي ماؤها مأمون إن قل ماؤها فللمكتري إصلاحها بكرائها، ولو كره مكريها وليس
стр. 3735
له ذلك في التي ماؤها غير مأمون ولا تهمة في تعجيل كراء المأمونة، وفي غير المأمونة يتهمان لما انتفع به من تعجيل نقده في تخفيف الكراء عنه، فإن تم له الماء نال بتعجيله ما طلب وكان ما نقده بيعاً، وإن لم يتم له الماء رد ما نقد فصار تارة بيعاً وتارة سلفاً.
عياض: مفهومه فساد العقد وهو ما في الموازيَّة وظاهر قوله أن صاحب الكراء الصحيح على الماء الكثير أن هذا عنده ليس صحيح، وظاهر قوله صار تارة بيعاً وتارة سلفاً؛ لأنه إنما كره النقد لا العقد وعليه حملها بعضهم والأولى أولى والكلام الآخر إنما أتى به زيادة لتقليل الفساد، وأنه في النقدين يدخله علة أخرى كما علل بعلة ثالثة وهي التمكن من الإصلاح ومنعه منه حسبما ذكره.
قُلتُ: إنما يتصور دخول علة أخرى في مسألة النقد.
الصقلي في الموازيَّة: كراء أرض لا يكفي ماء بئرها فاسد وإن لم ينقد؛ لأنه مخاطرة إذ لا يدري يتم الزرع أم لا، وظاهر المدَوَّنة إنما كره النقد والأشبه أنه لا يجوز، والفرق بينها وبين أرض المطر أنه لا يقدر على رفع غرر المطر، وغرر البئر يقدران على رفعه بإصلاحها أو بكراء ما يكفيه ماؤها، وفرق الباجي بأنه في ذات البئر إنما دخل على القدر الذي رأى، وإن لم يكف زرعه لم يرجع بشيْ، وفي ذات المطر إن لم يأته ما يكفي زرعه سقط عنه الكراء.
أبو عمران: إنما منع مالك كراءها بشرط النقد لا مطلقاً، وقال القابسي: منعه مطلقاً، ولو لم يشترط النقد وفيها من أكرى أرضه الغرقة بكذا إن انكشف ماؤها، وإلا فلا كراء بينهما، وهي يُخاف أن لا ينكشف عنها جاز إن لم ينقد، ولا يجوز النقد إلا أن يوقن بانكشافه، وقال غيره: إن خيف أن لا ينكشف لم يجز وإن لم ينقد، وفي الموازيَّة لابن القاسم: كقوله فيها: ولم يحك محمد قول الغير بحال، وقال ابن شاس: إن علم عدم انكشافه لم يجز العقد، وإن كان الغالب انكشافه صح العقد، وإن استوى الاحتمالان فكذلك عند ابن القاسم، وقال غيره: إن خيف عدم انكشافه لم يجز العقد.
قُلتُ: مفهوم أول كلامه إن رجي انكشافه نادراً جاز كراؤها، ومفهوم ثانيه وثالثه منع كرائها، وعليه بنى ابن الحاجب كلامه في نقله على المذهب فقال: لا يجوز استئجار
стр. 3736
أرض المزارعة وماؤها غائر، وانكشافه نادر، وظاهر المدَوَّنة ولموازيَّة: جوازه، وإنما منعه فيها غير ابن القاسم.
وشرط منفعة في الأرض كشرط نقد بعض كرائها:
فيها: من اكترى أرضاً على أن يكريها ثلاث مرات، ويزرعها في الكراب الرابع جاز، وكذا على أن يزيلها بشيء معروف.
الصقلي وغيره: يريد: إن كانت مأمونة؛ لأن زيادة الكراب والتزبيل منفعة تبقى في الأرض إن لم يتم زرعه، فإن نزل في غير المأمونة، ولم يتم زرعه نظر كم زيد كراؤها؛ لزيادة ما اشترط على معتاد حرثها، وهو عندنا حرثه على كرائها دون ما اشترطت زيادته على المعتاد فيرجع بالزائد؛ لأنه كنقد اشترط فيها ولو تم زرعه فيها كان عليه كراء مثلها بشرط تلك الزيادة؛ لأنه كراء فاسد، وقاله التونسي.
قال ابن فتوح: انظر كيف تجوز مسألة الزبل، وقد قال: من باع صبغاً على أن يصبغ المبتاع البائع فيه ثوباً أو ثوبين لم يجز بيعه؛ لجهل المبتاع قدر ما يبقى له بعد صبغه الثوب من الصبغ، وكذا الزبل لا يدري ما بقي منه بعد قلع زرعه من الأرض.
قُلتُ: يفرق بأن الغرر في مسألة الصبغ هو في كل المشترى، وفي مسألة الزبل إنما هو في بعض عوض الأرض، وإنما نظير مسألة الصبغ كراء الأرض بتزبيلها فقط، وعزا غيره هذه المناقضة لفضل، وقال: طرح سَحنون اسمه على إحدى هاتين المسألتين وناقض بها قول مالك في منع بيع الزبل في البيوع الفاسدة.
الصقلي: ولو قيل: لو حرثها حرثه فلم يتم زرعه أن ذلك يزيد في كرائها في المقبلة لوجب أن يرجع عليه به إذا لم يتم زرعه، ونحوه لبعض القرويين.
قُلتُ: ونحوه للتونسي.
ابن شاس: يحتاج فيما استؤجر لسكنى دار أو حانوت أو حمام لمعرفة ما تختلف من منفعته، وتعلق الغرض به.
قُلتُ: فيها: من اكترى مائة ذراع من أرض معينة جاز إن تساوت، وإلا لم يجز حتى يعين موضعها.
стр. 3737
قال غيره: لا يجوز حتى يعين ولو تساوت.
الصقلي: إنما منعه في المختلفة؛ لأنه لم يذكر قدر الأرض ولو ذكر قدرها لجاز وكان شريكاً بالعشر.
إن قال: هي ألف ذراع، قال ابن أبي زَمَنَيْن: وإنما منعه غيره؛ لأن من قول أصحاب مالك أن بيع ثوب من ثوبين متحدي الصفة، والقيمة يضرب عليهما بالقرعة أيهما خرج أخذه المشتري لا يجوز.
والكراء كالبيع رأيت هذا لبعض العلماء وهو صحيح.
الصقلي: ويلزم عليه منع كراء جزء شائع من الأرض لتأديته لاكتراء ما يخرجه السهم، وكذا الجزء جائز اتفاقاً، ولا ينظر إلى مآل القسمة لعدم لزومها لجواز بقائهما على الشركة فهي كطرو الاستحقاق فوجب لغو مآلها، وإنما العلة عند الغير أن الأرض لا تكاد تتساوى.
اللخمي وابن رًشْد وابن شاس: والمعتبر في أجر منفعة الربع ما لم تتغير فيه غالباً فيجوز فيه العقد والنقد، وما لا يؤمن تغيره لطول مدته أو ضعف بنائه جاز فيه العقد لا النقد، وما غلب الظن بعدم بقائه لمدة لم يجز العقد عليه، له كراؤها عدة سنين غير معين لكل سنة قدراً من الكراء جائز كالأشهر في السنة.
قُلتُ: فيها: إن أكريت أرضاً ثلاث سنين بثلاثين ديناراً لكل سنة عشرة قال لا بل تحسب على قدر نفاقها كل سنة ليس ما ينقد فيه كالذي يتأخر نقده.
التونسي في الموازيَّة: ينقده إذا وجب النقد ثلث الكراء بخلاف اعتبار السنين إذا عطشت الأرض في بعضها؛ لأنه في النقد خفيف ليسارة الغرر فيه، وكذلك أجيز عقد الكراء إذا اختلف الأمر مع أن ما يتعجله غير معلوم ليسارته وبعد التخاطر؛ لأن حمله الثمن معلوم، وإنما المجهول ما ينوب هذه السنة.
قُلتُ: حاصله أنه جعل الحكم بتماثل السنين في نقد مناب كل سنة من الثمن منافياً للحكم بعدم تماثلها فيه إن وقع عطش في بعضها، وأجاب بيسارة الغرر وقلته حسبما قرره وفيه نظر؛ لأن الغرر إنما هو معتبر في إيجابه الفاسد وفيه يعفى عن يسيره لا في
стр. 3738
اختلاف مناب آحاد المبيع من ثمنه، والجواب عن السؤال أن تقول باختلاف مناب آحاد المبيع من ثمنه حال حصوله كله لمشتريه لا يوجب فائدة؛ لأن جيده ورديئه قد حصل له بكل الثمن فكونه موزعاً على آحاده بالسوية أو التفاوة طردي غير مفيد شيئاً، واختلاف مناب آحادها منه حال حصول بعضها له، وتعذر بعضها مفيد لمشتريها قطعاً إذا تقرر هذا فاعتبار نسبة الثمن إلى آحاد المثمون عند النقد إنما هو باعتبار حصول كل آحاد المثمون لمبتاعه؛ لأن الأصل السلامة واعتباره بهذه الحال موجب كونه على التساوي لما قررناه واعتبار نسبته إليها في عطش بعض السنين إنما هو باعتبار حصول بعضها دون كلها موجب اعتبار نسبته إليها بحسب حالها واختلافها لما قررناه، ووجوب علم صفة المكتري يمنع كونه في الربع والأرض مضموناً؛ لأن من صفاته المعتبرة موضعه فوجب كونه معيناً وتعين للمتكاريين بالكل سنة من الكراء كالمتبايعين في السلع المعروف لغوه خلاف ما تقدم في الرد بالعيب عن المتيطي.
ومدة الكراء إن عينت لزمت العاقدين: فيها: إن أكرى سنة بعينها أو شهراً بعينه لم يكن لأحدهما فسخه.
عياض: إن نص على تعيين الشهر أو السنة، أو جاء بما يقوم مقام التعيين لزمهما اتفاقاً وصوره خمس هذه السنة أو هذا الشهر أو إلى سنة كذا أو سمى عدداً غير الواحد، كقوله سنتين أو ذكر أجلاً كأكريك إلى شهر كذا أو إلى سنة كذا أو نقده كراء شهر أو سنة أو أكثر كل ذلك لازم إن لم يقارنه ما يفسده أو يحله.
قُلتُ: وقاله اللخمي وابن رُشْد.
عياض: واختلف في ثلاث صور إن قال أكتري منك سنة بدرهم أو شهراً بدرهم قال أكثرهم: ظاهرها لزومه كالمعين وهو بين من قولها إن استأجر داراً سنة أو سنتين جاز وله أن يسكن لو سكن متى شاء فلو كان لربه الخيار لم يتركه ليسكن متى شاء، ومن قولها إن استأجرت داراً سنة بعد عشرة أيام من الشهر حسب هذه الأيام، ثم أحد عشر شهراً ثم تكمل مع الأيام التي ضمت من الشهر ثلاثين يوماً، وفي كتاب المدبر إن قال لعبده: أخذ مني سنة وأنت حر أو هذه السنة لسنة سماها فمرض حتى مضت
стр. 3739
السنة؛ فهو حر.
قُلتُ: إنما تدل هذه على وجوب ابتداء مدة الكراء من يوم عقد ومثله لابن رُشْد فجعلا تعيين المدة لزوماً للزوم بعقد كرائها، وجعل ابن رُشْد الألفاظ الدالة على التعيين أربعة فقط التسمية كشهر كذا، والإشارة كهذا الشهر.
قال: فإن قال: هذا الشهر وهما في أول الهلال لزم بعدده كان تسعاً وعشرين أو ثلاثين، وإن كان في بعض الشهر لزمهما ثلاثون يوما من يوم العقد.
قُلتُ: زاده اللخمي، وقال ابن عبد الحكم في نذر صوم شهر يجزئه تسعة وعشرون يوماً، وتقدم قول ابن الماجِشُون في الصوم، وأرى إن تشاحا أن تزاد على تسعة وعشرين يوماً ليلة إن ابتدأ السكنى ليلاً ونهاراً إن ابتدأها نهاراً، ولو ابتدأ بعد مضي يومين من الشهر وكان ناقصاً أن لا يكون له غير ما مضي فقط؛ لأنه كمن ابتدأ من أوله.
ابن رُشْد: وكذا في هذه السنة وهما في أول الشهر لزمهما اثني عشر شهراً متصلة بالأهلة، ولو كانا في أول شهر غير المحرم، ولا يقع الكراء على باقي السنة إن قال أكري هذه السنة كل شهر بكذا، وقد مضى بعضها إلا ببيان لسماع عيسى ابن القاسم فيمن قال: لله على صوم هذه السنة، وقد مضى بعضها عليه صوم اثني عشر شهراً ومثله في سماع كتاب الأيمان بالطلاق، ثم ذكر الخلاف في تلفيق بعض اليوم والغاية، وقد تقدم في فصل العدة استيفاؤه، وعليه الخلاف في الكراء، وجعل اللفظ الثالث التنكير دون إضافة للمنكر.
قال: كقولك أكريك الدار شهراً أو سنة فيتعينان من يوم العقد كهذا الشهر أو هذه السنة سواء، كما تقدم مما يعد بالأيام والأهلة إلا في وجه واحد فرق في الموازيَّة فيه بينهما.
قال: إن قال أكريك شهراً بكذا فسكن شهراً، ودخل في الثاني وخرج قبل تمامه عليه بحساب ما أكري، ولو كان بعينه كان في الثاني كراء المثل، وقيل: إن كان أقل لم ينقص، وإن كان كراء المثل أكثر حلف وأخذه على اختلاف في اليمين؛ لأنها يمين تهمة
стр. 3740
والرابع: قوله: أكري لوقت كذا وكذا.
قال: ويسميان الكراء دون تعيين مدته كقوله الشهر بكذا أو كل شهر بكذا أو في كل شهر بكذا أو في لفظ السنة، كذلك فالكراء غير لازم للمكتري الخروج متى شاء، ولو في أثناء الشهر ويؤدي من الكراء بقدر ما سكن، وللمكري إخراجه كذلك إلا أن يشترطا لزومه، وتعجيل الكراء كشرط التزامه.
قال ابن حبيب: وهو قول ابن القاسم، وألزمهما ابن الماجِشُون الكراء في الشهر الأول إذا قال: الشهر بكذا أو في كل شهر بكذا وكذا على قول السنة الأولى في قوله السنة بكذا، أو في كل سنة بكذا، وروى ابن أبي أويس في البيوت التي تكرى شهراً بشهر إن خرج في شهر لزمه كراؤه، وإنما يكون عليه بحساب ما سكن إن تكارى كل يوم بدرهم، ففي كون كراء الدور مشاهرة مخلاً مطلقاً فيما لم يسكن لزومه في أول شهر فقط، ثالثها لزوم الشهر بسكنى بعضه أولا كان أو غيره لابن القاسم، وابن الماجِشُون ورواية ابن أبي أويس، والثلاثة جارية في كرائها مساقاة.
قُلتُ: ما عزاه لابن الماجِشُون عزاه اللخمي لرواية الأخوين وصوبه بأنهما أوجبا بينهما عقداً لا خيار فيه، فوجب حمله على أقل المسمى، وما عزاه لابن القاسم هو سماعه عيسى وفرضه في كراء الدور والإبل والغلمان فذكر ابن رُشْد الثلاثة الأقوال، وعبر عن الثالث بقوله يلزمه الشهر الأول وكراء ما بعده من كل شهر بسكنى بعضه وهو محتمل للزم الشهر الأول وإن لم يسكن منه شيئاً، وفي السماع المذكور قال ابن القاسم: وأنا أرى في قوله أكريك السنة بكذا، وكذا كقول مالك في كل ابن رُشْد هذا صحيح ومعناه: أن السنة لا تتعين عنده بقوله ذلك كما لا تتعين عند مالك بقوله أكريك في السنة بكذا وكذا أو أكريك في كل سنة بكذا وكذا، وإنما لم يتعين في أكريك السنة بكذا وكذا؛ لأن أل لم تدخل لتخصيص السنة من غيرها في لزوم كرائها؛ بل لتخصيصها من غيرها في قدر مالها من الكراء، هذا هو المعنى الذي لا يصح فيه خلاف بوجه.
وحكى ابن سهل أنه رأى في حاشية كتاب بعض شُيُوخه إن قال: أكريك السنة بكذا بنصب السنة لزمت سنة، وإن قالها بالرفع كان كقوله كل سنة بكذا على رواية ابن
стр. 3741
القاسم واستحسنه ولا وجه عندي لاستحسانه؛ لأنه بالنصب يحتمل أن يريد أكريك هذه السنة بكذا، وأن يريد أكريك ما سكنت بحساب السنة بكذا، وإذا احتملهما وأحدهما لا يلزم به الكراء وجب أن يحمل على الوجه الذي لا يلزم به الكراء؛ لأن الأصل براءة الذمة من لزوم الكراء فلا يلزم إلا بيقين، وأما إن قال: أكريك السنة بكذا بالرفع فليست بمسألة يتكلم عليها إذ لا إشكال في عدم لزوم السنة بذلك ولم يتكلم ابن القاسم إلا على مسألة النصب، ولما لزم الكراء في أكريك سنة بكذا ولم يلزم في أكريك السنة بكذا للمعنى الذي قلناه.
قال: من أراد أن يغرب الكراء إذا عرف تنكر وإذا نكر تعرف وفيه نظر؛ لأنه لو قال: أكري السنة كل شهر بكذا لزم كراء السنة لتعريفها، وإنما لزم كراء السنة في أكريك سنة بكذا وإن كانت منكرة؛ لأن الكراء لا يجوز عقده على سنة غير معينة فيحمل أمرهما على أنهما سنة كاملة من يوم العقد.
قُلتُ: تقرير رده على المعرب أن قوله أكريك السنة كل شهر بكذا لازم، واللفظ معرف فبطل كونه إذا تعرف تنكر؛ لأنه هنا تعرف وتعين ويرد بمنع لزومه من هذا اللفظ؛ لنص ابن القاسم: بعدم لزومه في لفظ السنة معرفاً، ونص سماعه: بعدم لزومه في كل شهر، والمجموع مما لا يلزم به الكراء لا يلزم به، وقوله: وإنما لزم الكراء في أكريك سنة إلى آخره تقريره أن لزوم السنة فيه ليس من ناحية تنكيره؛ بل للمعنى الذي زعمه فتنكيره لغو، ويرد من وجهين الأول لا يلزم من عدم كون التنكير علة في التعيين عدم مساواته له في الثبوت والنفي، وهذا هو مدعي المعرب لا العلية الثاني ما زعمه موجباً لتعيينه وهو منع عقد الكراء على سنة غير معينة توجب تعيينه، وفي لفظ كراء أو فساد عقده فتأمله.
وفي آخر كتاب المدبر فيها: من أكرى داره أو دابته أو غلامه سنة حسبت من يوم قوله كقوله هذه السنة بعينها ومثله قولها من اكترى داراً سنة بعد مضي عشرة أيام من الشهر حسب أحد عشرا بالأهلة وشهرا على تمام هذه الأيام في تلاشي يوماً كالعدد.
وقبل هذه قال ابن القاسم: من اكترى داراً سنة ولم يسم متى يسكن جاز وسكن
стр. 3742
أو يسكن غيره متى شاء ما لم يأت من ذلك ضرر على الدار.
الصقلي: يريد: ضرراً في السكنى، ثم ذكر أخذ تعيينها من مسألة كتاب المدبر، ولم يتعرض لكونها خلافاً لظاهر قولها هنا وسكن أو يسكن غيره متى شاء.
وقال اللخمي: إن أكريك شهراً أو سنة جاز ولزمهما وحملا في ابتداء السكنى على الفور، هذا قول مالك وابن القاسم.
وإن تراخى عن السكنى إثر العقد مدة يسيرة سكن جملة المدة المسماة، ولم يحط منها قدر ما مضى بعد العقد إلى وقت العقد، وهو في هذا الوجه بخلاف من عين المدة.
قُلتُ: مفهوم قوله: مدة يسيرة أنها إن كانت غير يسيرة حط قدرها وفيه نظر؛ لأنها إن كانت كالمعينة كما هو ظاهر كلام ابن رُشْد استوى الكثير واليسير في الحط وإلا استوتا في عدمه، ثم قال: وقد يلزم المكري الصبر إلى مدة وإن لم يسمياها في العقد للعادة كالمطمر فيه طعاماً كل شهر أو كل سنة بكذا ليس له إخراجه ولا يجبره الآخر على الإخراج إلا أن يتعين سوس الطعام إلى ما العادة أنه يباع في مثله، فإن لم يبع وللآخر إخراجه وهذه عادة المطامير عندنا في الكراء، وإن أراد المكتري الإخراج قبل غلائه لم يكن للآخر للآخر منعه؛ لأن البقاء من حق المكتري ويعفى عن ما في ذلك من غرر في المدة؛ لأنه مما تدعو الضرورة إليه وينظر للعادة في خزن الزيت فيحملان عليها والعادة في خزن الطعام في الصيف أنه يشترى عليه فليس له إخراجه قبل ذلك.
قُلتُ: حاصله قوله: أنه جعل خزن الطعام مؤجلاً بغلائه في حق المكتري على المكري دون العكس والتساوي وواضح كونه أجلاً مجهولاً، وقوله: يعفى عن غرر المدة للضرورة فاسد؛ لأن هذه الضرورة مما شهد الشرع بإلغائها حسبما تقرر في بيع الغرر وأحاديث النهي عنه، وفيها: إن اكتريت بيتاً شهراً بعشرة دراهم على إن سكنت يوماً منه لزمك الشهر جاز ما لم يشترط عليك إن خرجت فليس لك أن تكري البيت فهذه الإجارة لا خير فيها، ونقلها اللخمي بزيادة: لا خير فيه والكراء لازم.
قال: يريد: والشرط باطل وإن كان على أنه إن خرج رجع من البيت لربه ولا يحط من الكراء شيء فهو فاسد، وعليه قيمة ما سكن وفسخ متى ما أدرك، ونقله عنه أبو
стр. 3743
إبراهيم وقبله وفيه نظر؛ لأن ظاهر قوله لا خير فيه أنه فاسد وهو مقتضى أصل المذهب في الشرط المنافي لمقتضى العقد.
وقال الصقلي: قال بعض فقهاء القرويين: ظاهر العقد أنه جائز وأنه بالخيار ما لم يسكن إن سكن لزم كراء الشهر، فإن أراد هذا وليس له أن يكري من غيره فهو كمن باع على أن لا يبيع ولا يهب، فإن أسقطوا الشرط تم الكراء على أحد القولين، وإن شرط أنه إن خرج عاد المسكن لربه وعليه جملة الكراء فهو فاسد واجب فسخه.
قُلتُ: هذا كلام التونسي وهو جار على الأصول، وفيها: من اكترى داراً سنة فلم يشترط النقد غرم بحساب ما سكن إلا أن يكون كراء الناس على النقد فيقضى به وكذلك في الدواب.
وما تقضى به منفعة المكتري إن تبين بنص أو عرف صح عقده، وإن اختلف ولا مبين فسد فيها لا بأس بكراء حانوت لا يسمي ما يعمل فيه ويعمل فيه وهو حداد أو قصار أو طحان إن لم يكن فيه ضرر على البناء ولا حجة للمكري؛ لأنه أكرى له وقد سمى له المكتري ما يعمل.
قُلتُ: فإن أكرى حانوته لرجل فإذا هو جزار أو قصار فنظرنا فإذا هو لا يضر بالبناء إلا أنه يقذر الحانوت.
قال: له منعه إن كان يقذر جدرانه؛ لأنه ضرر.
قال غيره: إن كانت الأعمال بعضها أضر من بعض وأكثر كراء لم يجز إلا على شيء معروف، وإن لم يختلف فلا بأس به.
قُلتُ: ظاهر قوله؛ لأنه أكرى له وقد سمى المكتري ما يعمل أن الكراء وقع على تسمية العمل ولفظ التهذيب، والصقلي نص: في أنه لم يسمه لفظهما لا بأس بكراء حانوت لا يسمي ما يعمل فيه، وله أن يعمل فيه حداداً أو قصاراً أو طحاناً إن لم يضر بالبناء، وفي الرواحل منها: من اكترى دابة ولم يسم ما يحمل عليها لم يجز إلا من قوم عرف حملهم فذلك لازم على ما عرفوا من الحمل.
قال غريه: لو سمى حمل طعام أو بز أو عطر جاز وحملها قدر حمل مثلها.
стр. 3744
قال أبو إبراهيم وغيره من شُيُوخنا: خالف كل منهما قوله في الكتابين، ولم يجب أبو إبراهيم، وأجاب غيره عن ابن القاسم: بأن الحيوان أسرع تأثراً للتغير من البناء وأجاب بأن السؤال على الغير إنما يلزم إن لو ثبت اتحاده في الكتابين قال: وإثباته متعسر.
قُلتُ: وهذا التزام لتنافي في القولين من حيث ذاتيهما ويجاب بأن قول الغير بالمنع في الحانوت قيده بتفاوت الأعمال، وفي الدابة أشار إلى تقييده بالتقارب بقوله: سمى حمل طعام أو بز أو عطر وأصل المذهب أن متعين ما تنقضي به منفعة المكتري بنص أو عرف جاز عقده كذلك وإلا فسد.
اللخمي: إن لم يسم ما يعمل في الأرض ولا عادة أو كانت مختلفة بما يختلف كراؤه فهو فاسد عند غير ابن القاسم، وإن كانت العادة فيما يعمل فيها مختلفة كان فاسداً مثل كراء الدابة، ولا يسمى الصنف الذي يحمل عليها أجازه ابن القاسم، ويحمل عليها ما لا يضر بها ومنعه غيره حتى يسمى ذلك الصنف.
وما يعمل في الأرض تختلف مضرته: فيها: الشعير أضر من القمح.
المتيطي: وقولها يزرعها ما شاء إذن من ربها لا كلام له بعد، وإن قال: يزرعها وسكت عن ما يزرعه.
قال محمد: جاز ولا يزرع إلا ما يشبه أن يزرع في مثلها.
قُلتُ: قال ابن فتوح: اختار بعض الموثقين أن يسمى ما يزرع من الحبوب في كل عام من أعوام الوجيبة وبعضهم يسقط ذلك، والأحسن ذكره لإزالة الإشكال بالاختلاف في ذلك.
قال ابن القاسم: لا بأس بكراء الأرض، وإن لم يسم ما يزرع فيها، وله أن يزرع فيها ما شاء من الحبوب إلا ما كان مضراً بالأرض أكثر من ضرر غيره فيمنع من الضرر، وغيره لا يجيز الكراء حتى يسمي ما يزرع فيها.
قُلتُ: لا أعرف نقله هذا عن ابن القاسم في الأرض وإنما وقع له نحو هذا في الحانوت حسبما تقدم، وفي الدواب: وتأمل نقله ففيه تناف نقل أو لا يجوز كراؤها، وإن
стр. 3745
لم يسم ما يزرع ثم قال: لا يزرع ما شاء إلا ما ضرره أكثر من غيره والمختلفة بعضها أضر من بعض فيلزم ألا يزرع إلا أقلها ضرر، وهذا مناف لقوله يزرع ما شاء، ومقتضى المذهب عندي أن ينظر فإن كان اختلاف حرثات ما يزرع فيها من الأنواع كاختلاف تلك الأنواع لم يجز على أنه يزرع ما شاء؛ لأنه حينئذ من بيعتين في بيعة وإن لم يكن كاختلافهما فيما بل كاختلاف أفراد نوع واحد جاز كشراء ثوب من أثواب يختاره.
وفيها: إن اكتراها لحرث شعير فأراد حرثها قمحاً فإن كان أضر بالأرض منع وله زرع ما ضرره كالشعير فأدنى.
الباجي: إن زرع ما هو أضر من الشعير فلربها كراء الشعير وقيمة زيادة الضرر، وقال الشافعي: كراء المثل، وعزا المتيطي الأول للقاضي.
وقال الصقلي: قال بعض القرويين: انظر لو رضي رب الأرض بذلك هل يجوز إذا كان الأمران مختلفين أو لا يجوز كمن اكترى إلى طريق فأراد أن ينتقل إلى ما يخالفها.
قُلتُ: مقتضى قبول الباجي، وللمتيطي ما قاله القاضي فيمن حرث أضر إن زيادة الأضر على غيره كزيادة الكل على بعضه، ومقتضاه أن اختلاف آحاد حرثات الأنواع المختلفة لغو وأنها متماثلة فيؤيد جواز كراء الأرض على أن يزرع ما شاء، ومقتضى نظر التونسي احتمال ذلك فيكون في كرائها لذلك نظر فتأمله.
ابن شاس: ولو شرط عليه أن لا يزرع فيها إلا صنفا عينه لم يجز.
قال في الموازيَّة: فإن نزل فعليه قيمة الكراء، ولو قال: إن شئت فازرعها وإن شئت فأغريتها جاز.
قُلتُ: كذا نصه ونصها في النوادر عن الموازيَّة: من أكرى أرضاً على أن لا يزرع فيها إلا قرطاً لم يجز، فإن نزل فعليه قيمة الكراء، وقال محمد وذلك عندي جائز.
قُلتُ: عدم ذكر ابن شاس قول محمد مخل بفائدة علمه، وقول محمد هو مقتضى قولها من أكرى بيتاً من رجل، وشرط عليه أن لا يسكن معه أحد فله أن يسكن معه زوجة يتزوجها أو رقيقاً يبتاعها إن لم يضر ذلك برب البيت كغرفة ضعيفة الخشب.
قال اللخمي في ترجمة ما يصح من الكراء من كتاب الرواحل: على قول غير ابن
стр. 3746
القاسم: لا يجوز كراء الدور إلا بعد معرفة ما يسكنها من العيال؛ لأنه سوى فيها بينها وبين الطرق في السهولة والشدة، وأرى إن كانت الحانوت في سوق قصره على صنعة أهل السوق حتى يذكر غيرها، وإن لم يكن في سوق معروفة بصناعة وأمكن كراؤها لما يغير حيطانه ويفسده لم يجز حتى يبين لما يكتريه، والديار أحق محمل الناس على الوسط من العيال إن ظهر أن المكتري كثير العيال والغاشية فللمكري متكلم، وقال في أكرية الدور: يستحب تسمية المكتري عياله وما يعمل بالدار، فإن لم يسم جاز ويسكن بما أحب من عيال ما لم يتفاحش ويرى أنه يلوث الدار فيمنع عن ما يضر إن قدر على رفعه وإلا أكراها، ولا يفسخ الكراء وذكر قولها فيمن شرط أن لا يسكن معه أحد، وقال: اختلف في شرط ما لا يفسد هل يوفي به والقياس في هذه التوفية؛ لأنه لخوف دخول ضرر فأشبه شرط أن لا يرعى مع غنمه غيرها، وقد ألزمه ابن القاسم الوفاء به، فإن لم يف المكتري وأسكن معه غيره قوم كراؤها على أن لا يسكن معه أحد، وعلى من أسكن معه غيره فيكون له المسمى، وفضل ما بين الكراءين.
وفيها: لمن اكترى داراً إدخاله فيها ما شاء من الدواب والأمتعة ونصب الأرحية والحدادين والقصارين ما لم يضر بها أو تكون داراً لا ينصب ذلك في مثلها لحسنها، فإن كان ضرراً منع منه وغيره جائز.
قُلتُ: هذا قول مالك، قال: هذا رأيي.
اللخمي: هذا ضرر عند أهل الرباع إلا بالبادية فلا تمنع الماشية، والدابة الواحدة للركوب إن علم أن المكتري ممن يركبها، والعادة أنها تكون في داره لم يمنع وإلا منع، ويمنع من أن يعمل فيها ظروفاً للخل أو اللبن أو الدباغ أو تبيع بها الزيت وشبهه.
وفيها: إن ربط المكتري بباب الدار دابة فرمحت فكسرته أو قتلت ولد رب الدار فذلك جبار، كقول مالك فيمن نزل عن دابته وأوقفها بالطريق لشرائه حاجة أو أوقفها بباب المسجد أو بباب الأمير.
قال أبو حفص: إن كان يعلم أنها تضرب برجلها فهو ضامن كمتخذ الكلب العقور حيث لا يجوز له فيضمن، وإن لم يتقدم إليه إنما يحتاج للتقدم إذا كان في داره فأما
стр. 3747
في الطرق فهو ضامن.
وفيها: إن اتخذ مكري الدار فيها تنوراً يجوز له فاحترقت منه الدار وبيوت جيرانه لم يضمن.
اللخمي: يريد: وأوقد على الوجه المعتاد، وإن جهل هل زاد على الوجه المعتاد ففي ضمانه قولان بناء على اعتبار براءة الذمة، واعتبار الغالب بأن ذلك لا يكون إلا عن زيادة على المعتاد أو إهمال في التحفظ قياساً على الصانع والمرتهن يحترق بيته، وقد اختلف فيهما.
قُلتُ: يرد قياسه بأن الأصل في الصانع الضمان، وفي مكتري الدار عدمه.
وفيها: إن شرط عليه المكري أن لا يوقد بها ناراً فأوقدها فيه لخبزه فاحترقت الدار ضمن.
اللخمي: إن كان وقيده على ما يجوز له لو أذن له رب الدار لم يضمن غير داره، ولم يكن لمن يليه في ذلك مقال؛ لأن التعدي عليه هو من حقه وإن كان على وجه لجاره منعه ضمن.
وقال الصقلي عن بعض القرويين: يضمن دور جيرانه؛ لأنه متعد لمخالفته وما شرط عليه، وإن كان مما يجوز له لولا ما شرط عليه كمن حفر بداره بئراً للسارق فإنه يضمن ما سقط فيه من سارق وغيره، وإن كان حفره للسارق بداره جائز.
ابن شاس: ولا يشترط في كراء الأرض للبناء تعريف قدره أو وصفه أو ارتفاعه بخلاف كراء جدار لبناء عليه.
قُلتُ: ظاهره لا يشترط في كراء الأرض للبناء معرفة ما يبنى به والصواب تعيينه؛ لأن منه ما لا قيمة له بعد تهدمه فيفتقر في إخراجه من الأرض إلى أجرة، وقد يكون الباني حينئذ عديماً أو غائباً.
وفيها: كراء الدواب على وجهين دابة بعينها أو مضمونة، وفي المعونة المركوب المعين لابد أن يعرف بتعيين بإشارة إليه كهذه الدابة أو الناقة.
قُلتُ: يريد: ليحط بها المكتري معرفة كالمشتري.
стр. 3748
قال: والمضمونة يذكر جنسها ونوعها والذكورية والأنوثة، وتبعه ابن شاس وابن الحاجب واقتصرا عليه، وكذا المتيطي إلا أنه قال: قبل نقله يصف ذلك بأبلغ صفاته فيدخل فيه وجوب ذكر سن الدابة، وفي المعونة لا يحتاج لتعيين الراكب لتقارب الناس عادة ولا لوصفه وتبعه ابن شاس وابن الحاجب وقبله ابن عبد السلام، وظاهر عدم لزوم ذكر كونه رجلاً أو امرأة والأظهر لزوم تعيين أحدهما؛ لأن ركوب النساء أشق وهو ظاهر قولها من اكترى على حمل رجلين أو امرأتين لم يرهما جاز لتساوي الأجسام إلا الخاص، فإن أتاه برجلين فادحين أو امرأتين فادحتين لم يلزمه ابن شاس ويصف المحل بالسعة أو الضيق.
قُلتُ: السعة والضيق مختلفان في مسماهما فلابد من تعين ذلك بالقدر.
قال: ويعرف تفاصيل المعاليق، فإن أطلق في شيء من ذلك وهو معلوم بالعادة صح العقد، ولو اختلف اختلافاً متفاوتاً لم يصح إلا بالتفصيل.
وفيها: إن أكرى محملاً لمكة ولم يذكر وطأه أو زاملة لم يذكر ما يحمل عليها من أرطال جاز وحملا على فعل الناس فيهما؛ لأن الزوامل عرفت عندهم وعليه أن يحمل له المعاليق، وكلما عرفه الناس في الكراء لازم للمكري، ومقتضى المذهب في عدم وجوب تعيين الراكب جواز كراء مكتري دابة لركوبه من غيرها.
اللخمي: لمكتري منافع بيعها كالرقاب إلا ما يتعذر كونه كالأول أو يشك فيه ويخالف ذلك في الدواب والثياب والديار، ففي جوازه في الدواب وكراهته ورايتان.
وفيها: من اكترى دابة ليركبها فحمل مثله في الخفة والأمانة لم يضمن، وإن كان أثقل أو غير أمين ضمن فإن ادعى غير المأمون تلفها لم يضمنها إلا بسبب أو يتبين كذبه، وضمنها الأول بتعديه وأكره أن يكري من غيره، وأما في موته فلوارثه حمل مثله وأكثر قول مالك أن له ذلك في الحياة.
اللخمي: إن أكريت لحمل في سفر على مصاحبتها ربها فلا قوله له، وإن لم يكن على أن يصحبها أو كان لركوب فإن وافق أن الثاني كالأول فلا قول له وإن خالف نظر الحاكم، فلو سافر دون علمه فلا قول له فيه ماض وغيره على حكم التعدي إن سلمت
стр. 3749
أخذه بفضل كراء الثاني على الأول، وإن حدث عيب لركوب الثاني ضمنه فإن ضاعت ضمنها الأول لتعديه في كرائها من غير مأمون فإن كان عديماً والثاني جاهل كونها في يد الأول بعقد كراء لم يضمن لريها شيئاً؛ لأنه معه كمستحق وإن كان عالماً ضمن، ولو عيبت بغير سبب للثاني ففي ضمانها الأول خلاف بناء على اعتبار تعديه بخروجها من يده واعتبار كونه لا بسبب منه.
قُلتُ: الأول ظاهر قولها إن أكرى من هو أثقل منه لو من غير مأمون ضمن، فإن أراد بالأثقل الفادح قيد به وإلا ناقض ما تقدم من لزوم أي راكب كان إلا الفادح.
اللخمي: ولو كان الثاني كالأول في الأمانة وأضر في ركوبه فيختلف إن ضاعت أو علم ضياعها هل يكون كمن لم يتعد؛ لأن التعدي ليس من هذا الوجه فصدق الثاني ولا شيء على الأول أو يضمن لتعديه في تسليمها وركوب الثاني، وأرى أن لا ضمان عليه إلا بما يحدث بسبب ما تعدى به وكراء الدار من غيره خفيف.
قُلتُ: إن كانت الدور معروضة للغصب المسمى بالنزول كما كان بتونس قبل اليوم لا أعاده الله لم يكن للمكتري المحترم أن يكريهما ممن دونه في الاحترام؛ لأن ربها ينقص من كرائها لتسلم باحترام مكتريها، وفيها: لمكتري الدابة المحمولة أو السفينة والدار كراؤها من مثله في مثل ما اكتراها له، وكذلك الفسطاط له كراؤه من مثله في حاله وأمانته وصنعه فيه، ومن استأجر ثوباً يلبسه يوماً إلى الليل لم يعطه غيره يلبسه لاختلاف اللبس والأمانة، فإن دفعه لغيره ضمنه إن تلف، ولو بدا له عن السفر بالدابة أو مات أكريت من مثله، وكذا في الحياة والممات.
اللخمي: المنع في الثياب أحسن لاختلاف اللبس واليسير فيه يؤثر والأمر في الخباء والفسطاط أخف.
ابن شاس: وكيفية السير وتفصيله وقدر المنازل ومحل النزول في معمور أو صحراء معتبر بالعرف واستئجارها لحمل بتعيين المحمول إن حضر، ووصفه إن غاب وقدر الكيل والوزن أو العدد فيما لا تتفاوت آحاده بكبر أو صغر، وحيث كون الكراء في الذمة لا يفتقر لوصف الدابة، إلا إن اختلف الغرض في المحمول باختلاف الدابة
стр. 3750
كزجاج ونحوه.
قُلتُ: ويجب تعيين انتهاء غاية الركوب إلى موضع كالحمل إليه.
وفيها: من اكترى على حمولة لبلد فليس له صرفها لغيره وإن ساواه في المسافة والصعوبة والسهولة إلا بإذن المكري ولم يجزه غيره وإن رضيا؛ لأنه فسخ دين في دين إلا بعد صحة الإقالة.
اللخمي: اختلف فيمن اكترى دابة لبلد فأحب الذهاب بها لغيره مما لا يضر بها هل يجوز، وإن كره ربها ثم ذكر قولي ابن القاسم وغيره، قال: ويصح الجبر إن تساويا في البعد والسهولة والأمن، والمكتري يمضي بها وحده ويردها أو كان ربها يمضي معها إلا لحاجة في البلد الأول، وإن اختلف الطريقان أو كان ليترك الدابة بمحل الوصول أو لتعاد وخروج ربها معه لأهل له بذلك البلد أو لتجزئه لم يجبر، وإن اكتراها لركوبها بالحضر ففي جاوز نقلها لحمل عليها أو لسفر، ثالثها: فيما قل كاليومين لأشهب وابن القاسم وسَحنون، وإن اكتراها لطحن الحنطة جاز أن يطحن غير الحنطة مما لا يضر بها، وإن شرط أن لا يطحن إلا الحنطة جاز، لأنه لا يتعذر وجوده ويختلف في طحنه غيرها على شرط ما لا يفيد، وإن شرط أنه لا يطحن إلا هذه الحنطة ففي جوازه قولان.
قُلتُ: هما على القول بلزوم الوفاء لما لا يفيد فيلزم التحجير ولغوه فينتفي، قال: وكذا في كرائها لحمل صنف فأراد غيره.
قُلتُ: وتقدم نحوه في حرث الأرض.
ابن شاس: والسقي يعرف فيه قدر الدلاء والعدد وموضع البئر وبعد الرشاء إلا أن يكون كل ذلك معروفاً عادة، والحرث يعرف فيه القدر بالمدة أو تعيين الأرض وصلابتها ورخوها، وقاله ابن الحاجب وابن شاس والغزالي قبلهما.
ابن شاس: على مكري الدابة تسليم ما العادة تسليمه معها من إكاف وبردعة وحزام وسرج في الفرس وغير ذلك من معتاد؛ لأن العرف كالشرط.
قُلتُ: هذا كالنص في أنه لم يكن بذلك عرف لم يلزمه.
قال: وكذا الحكم في إعانة الراكب في النزول والركوب في المهمات المتكررة، وكذا
следующие страницы →