Полный текст (5 077 стр.). Показаны 3816–3855 · переход к 3821.
стр. 3816
اللخمي: إن أقر الصانع بتلف المصنوع يوم قبضه غرم قيمته يومئذ، وإن ادعاه بعده، وقيمته أقل منها يوم قبضه، ولو قامت بينة برؤيته عنده أمس، وقال: ضاع اليوم ففى كونه كالأول، وغرم قيمته لآخر يوم رئى عنده.
وفى المقدمات: قيمته يوم قبض إلا أن يقر أن قيمته بمدة غرم قيمته يوم ظهر عنده، وإن كانت قيمته يومئذ أقل منها يوم قبض، وكذا الرهن والعارية، وفى موضع من سماع عيسى من الرهن: يضمن قيمته يوم ضاع وتأويله عندى أنه ظهر عنده فى الوقت الذى ادعى تلفه فيه؛ لأن قيمته يوم ضاع قد تكون أقل منها يوم الرهن، فإن لم يظهر عنده من حين رهنه لم يصدق فى وقت تلفه كما لا يصد فى تلفه.
وتأول بعض الشيوخ قوله فى الرواية: يغرم قيمة الرهن يوم ضاع على أنه لم تعرف له قيمة يوم الرهن؛ فيغرمها يوم ضاع على ما يقر به من الصفة مع يمينه، وهذا بعيد، وما تأولناه هو الصحيح، ويؤيده ما فى سماع أصبغ من كتاب الوديعة لابن القاسم وأصبغ.
قلت: فجعل ابن رشد القول هو الذى أثبته اللخمى تخريجا.
اللخمى: اختلف لو قطع الثوب، ثم غاب عليه بعد قطعه، ففى الموازية عليه قيمته صحيحا، ولو قطع منه ثوبين ادعى تلف أحدهما غرم قيمة نصف الشقة صحيحة لا قيمة نصف غير صحيح.
ولابن القاسم فى مختصر ما ليس فى المختصر: يغرم قيمته مقطوعا؛ وهو أحسن؛ لأنه إنما غاب عليه مقطوعا، ولو أفسده بخياطة أو قطع فعلى قولها يغرم قيمته صحيحا.
وقال ابن شعبان: إن أفسده بالقطع غرم قيمته مقطوعا، وهذا فقه حسن، وهو على قول ابن القاسم: إن غاب عليه غرم قيمته مقطوعا، فإذا كان الفساد فى القطع غرم قيمته صحيحا على حال ما غاب عليه.
قلت: وقال أبو حفص: إن قطع الخياط الثوب، ولو بحضرة ربه فى حانوته غرم
стр. 3817
قيمته صحيحًا، وإن أفسده بالقطع ضمن الذى يذهب به.
قلت: والصواب العكس أو يكون عليه الأكثر من قيمته يوم قبضه برفع العداء عنه فى القطع إن كانت قيمته يوم القبض أكثر، ويوم تعديه بالقطع.
وفى سقوط ضمانه ببينة بتلفه قولها، وتخريج اللخمى من قول أشهب فى الرهن والعارية.
وقوله فى الورثة: يقسمون العين فيطرأ دين بعد هلاك العين بأيديهم ببينة مع نقل الصقلى عن أشهب.
وقول الباجى: المشهور عن أشهب أنه ضامن مع البينة، وصوب اللخمى القول الأول لبقاء ملك ربه عليه، وإنما ضمن للتهمة.
وفيها: ما قامت بينة أنه ضاع أو سرق أو احتراق بمعاينة بينة بغير سبب الصانع لم يضمنه، ويضمن قرض الفأر إذ لا يعرف، ولو علم أنه قرضه من غير تضييع، وقامت به بينة لم يضمن.
الصقلى عن محمد: لا يضمن إن قامت بينة أنه قرض فأر، ولم يكن ضيع.
وقال ابن حبيب فيه وفى المرتهن إذا قامت بينة: إنه قرض فأر أو لحس سوس، وادعى رب الثوب تضييعهما أو أنكرا صدقا، وعلى رب الثوب البينة بتضييعهما؛ لأن قرض الفأر ولحس السوس غالب، والتعدى لا يثبت بالدعوى.
الصقلى: ظاهر المدونة أن عليه البينة ما ضيع؛ لأن الثوب بيده على الضمان؛ لأن البينة لو رأت الثوب فى النار لم يسقط ضمانه حتى يعلم أن النار من غير سببه.
وقال ابن حبيب فى لحس السوس فى الرهن: أنه يحلف ما ضيع فكذا فى قرض الفأر، وللخمى فى ذلك كلام ذكر فى الرهن: وإن تلف المصنوع بعد صنعه قبل قبضه ربه فلا أمر لصانعه، ولو لم يضمنه فى تضمن الصناع منها إن احترق الثوب عند القصار أو أفسده أو ضاع عنده بعد القصارة ضمن قيمته يوم قبضه أبيض، وليس لربه أن يغرم الصانع قيمته مصبوغا، ويعطيه أجره.
وفى الرواحل منها: إن قامت بينة بفراغه وهلاكه لم يضمن الصانع، ولا أجر له.
стр. 3818
الصقلي عن محمد: إن قامت بينة بفراغه وهلاكه وجب لصانعه أجره، وسقط ضمانه بناء على أن تسليم الصنعة كمبيع معين أو مضمون.
وسمع أصبع أشهب: إن أفسد الطحان القمح بطحنه على أثر نقش الحجارة ضمن مثل قمحه، وقاله أصبغ إلا أن يكون علم بالعيب بالأثر ورضى، وسأله عنه ابن القاسم إن نقص الدقيق فقال: يضمن الطحان ما يخرج مثل قمحه من الدقيق.
ابن رشد: إن أغرمه مثل قمحه على قول أشهب كان عليه طحنه، وليس له أن يغرمه مثل الدقيق سالما، ولو رضى الطحان به لم يجز؛ لأنه شراء دقيق بقمح وأجره فيدخله التفاضل، ويجوز على قول ابن أبى مسلمة أن الطحن صنعة، وقول ابن القاسم فى نقص القمح: يضمن ما يخرج مثله قمحه من الدقيق خلاف قوله فيها: لا يضمن الثوب مصنوعا، والآتى على قوله وروايته: غرم الطحان من القمح ما يخرج منه قدر نقص الدقيق، فإن كان القمح ثمانية أقفزة، ويخرج دقيقا تسعة أقفزة، ولم يوجد فيها إلا ثمانية غرم ثمانية أتساع قفيز من قمح يطحنه له، ويستحق جميع أجره، وإن لم يطحنه سقط ما ينوبه، وهو تسع الأجرة، ولا يجوز أخذ النقص دقيقا؛ لأنه تفاضل بين القمح والدقيق.
وقال ابن دحنون: كان الأصل أن يغرم قمحا ويطحنه؛ فاستخف ابن القاسم فضمنه دقيقا، وهذا غير صحيح؛ لأنه لو وجب له قمح ما جاز له أخذ دقيق أكثر منه وبالأجرة، وإنما قال: يأخذه بالدقيق؛ لأنه رآه الواجب له على قياس ضمان القصار الثوب مصنوعا.
وفى الموازية: يلزمه ذلك إذا ضاع بعد القصارة، ففى غرم الصانع قيمة المصنوع يوم قبضه، ولا أجر له أو قيمته معمولا، وله أجره، ثالثها: إن ضاع قبل العمل لها، ولابن القاسم فى هذا السماع ولمحمد.
ولما ذكر اللخمى قول ابن القاسم: يغرم الطحان نقص القمح دقيقا، وقول محمد: يغرمه قمحا.
قال: قولى ابن القاسم: لأن شأنهم بمصر دفعه للطحان وزنا، ويأخذه
стр. 3819
دقيقا وزنا.
ابن رشد: وقال التونسى: قول ابن القاسم هذا على قوله فى سماع يحيى فى الرواحل فى الكرى يبيع الطعام الذى استكرى على حمله ببعض الطريق، ولو قال قوله فى الكرى على قوله فى هذه كان أشبه؛ لأن هذه جارية على أصل فهى أشبه أن تكون أصلا لا فرعا، ولا يدخل شاء من هذا الخلاف فى مسألة أشهب؛ لأنها مسألة أخرى.
فقول العتبى: وسئل عنه ابن القاسم إذا نقص الدقيق غلط والصواب: سئل ابن القاسم إذا نقص الدقيق بإسقاط عنه.
اللخمى: ويضمن الفران ما يأخذه من قمح لطحنه وعجين لخبزه كالصناع، ويختلف فى القمح هل يضمنه قمحا أو دقيقا، وفى العجين هل يضمن مثله أو قيمته، وحامل ذلك إلى الفران ضامن إن ادعى التلف، وإن لم يكن صانعا؛ لأنه حامل طعام، ولو قال الحامل: سلمته للفران، وكذبه الفران حلف، وضمن الحامل، ولو اختلفنا بعد تسليمه فى رده إلى حامله حلف الحامل ما أخذه منه، وغرم الفران، فإن قال أحدهما: صدق وصلل إلى وضاع عندى برئ من ادعى تسليمه؛ لأن الشأن تسليم ذلك دون بينة وضمن الآخر.
وفى **** شرط الصانع طرح ضمانه ولزومه؛ نقل الشيخ مع اللخمى عن ابن القاسم مع مالك، ونقل الشيخ مع ابن رشد عن سماع أشهب، ونقلهم مع الباجى عن أشهب، ونقله ابن الحاجب رواية، وقبوله ابن عبد السلام وعزوها ابن شاس لأشهب؛ لا أعرفه.
ابن رشد: فعلى الأول له أجر المثل، وعلى الثانى المسمى، وقيد اللخمى قول أشهب ما لم يكثر منه، وعلى لغوه ففى صحة العقد، وسقوط الشرط، ويخير الصانع فى إسقاطه ليتم العقد، ويمسكه به فيفسخ، ثالثها: لزوم فسخه لنقلى اللخمى، وتخريجه على قول مالك: بفساد إجارة الراعى شرط عدم تصديقه فيما يهلك، وله أجر مثله.
قال: وعلى الثانى إن عمل فله الأكثر من المسمى.
الباجى لابن حبيب عن أصبغ: من أعطى لصانع ثوبا، وقال له: يكون عندك
стр. 3820
حتى آتي فأعاملك فيه فضاع ضمنه؛ لأنه تركه عنده على العمل لا على الأمانة.
ابن الحاجب: لو باعه دقيق حنطة على الكيل، وعليه طحنها؛ فالضمان على البائع.
ابن عبد السلام: إذا كان المبيع الذي فيه حق توفيه من دقيق، وشبهة ضمانه من بائعه حتى يقبضه مبتاعه بعد كيله لو وزنه فكيف إذا كان قبل طحنه، وإنما ينبغي أن يذكر هذا إذا باع حنطة على أن على البائع طحنها هنا إن قلنا بالجواز يمكن أن يقال أنه بيع، وإجارة فهل يضمنه مطلقاً أو ما لم تقم بينة بتلفه، والمنصوص وجوب الضمان من البائع فهذا هو محل الإشكال.
قلت: قوله المنصوص وجوب ضمانه البائع لا أعرفه فيما ذكره بحال بل نقل الشيخ فى نوادره عن سماع عيسى ابن القاسم جواز بيع الثوب على أن بائعه أن يخيطه له، والقمح على أن على بائعه طحنه.
قال سحنون: وإن ضاع هذا كله الذي أجازه مالك لم يضمن، ويحط عن المبتاع قدر الخياطة، وطحن القمح من الثمن إلا أن يكون بائعه ممن يعمل تلك الصنعة؛ فيضمن كالصناع.
ابن رشد: قول سَحنون هذا إنما هو تفسير للحكم على قول مالك بإجازة هذا البيع على هذا الشرط، والحكم فيه على قول سحنون أن يكون ضمانه من بائعه على كل حال، ولو قامت البينة بتلفه، ولو كان ممن لم ينصب نفسه لتلك الصنعة؛ لأنه بيع فاسد تلفت فيه السلعة بيد بائعها، وعلى قول مالك: إن تلف الثوب بيد البائع، وهو صانع منتصب للعمل ضمن قيمته يوم البيع غير معمول، وفض الثمن الذى بيع به على الثوب والعمل؛ فكان للبائع منه مناب الثوب، فإن كان له فضل أخذه، وإن كان عليه أداه، وإن قامت بينة بتلفه لم يضمنه وفض الثمن على الثوب والعمل، ولم يكن لبائعه منه إلا مناب الثوب.
ولابن نافع فى المدنية: أن القيمة فيه يوم ذهب، ولعيسى عن ابن القاسم يوم البيع، وهو الصحيح.
стр. 3821
***** المصنوع دفعه للصانع:
ابن رشد: إن كان فيه عمل مثله فى ضمانه، وإلا فإن احتيج إلى دفعه فعلى طرح ضمانه سواء احتيج إليه فى العمل أو احتاج إليه المعمول، ولزومه فيها، ثالثها: الأول فيها احتاج إليه المعمول، والثانى فيما احتاج إليه فى عمله لسحنون لنصه فى المثال، والأم التى ينسخ منها الوراق، وتخريج الأعدال فى الطحان، والقصاع فى الفران على قوله فى الأولين.
وابن حبيب لنصفه بضمان القصاع تأتى بالخبز فيها، إن تلفت قبل زواله منها، ونصه على سقوطه فى المنديل يتلف فيه الثوب المصنوع، ولو كان رفيعا معللا بأنه لا يضطر إليه فيه.
والتخريج على قوله بضمان جفن السيف يصقل معللا له بعدم استغناء به عنه، ومحمد لنصه على طرح ضمان المنديل، معللا بأنه لا عمل فيه، والتخريج على تعليله طرح ضمان القطاع مع نصه بطرحه بجفن السيف، وعلى قولها يضمن المثال يعمل عليه، والأم ينسخ منها لحاجة الصانع إليها.
ونص ابن حبيب على ضمان الطحان فى الأعدال، وفى القصاع تأتى بالعجين فيها ليقرصه منها ضاعت بالعجين أو دونه إذ لا يستغنى فى عمله عنها، وقاله مالك فى سماع ابن خالد فى المثال، ولأشهب فى المنديل: يتلف به الثوب إن كان شريفا يغتفر مثله لوقاية ضمنه خلاف قول ابن حبيب.
ابن رشد: وما لا عمل فيه، ولا يحتاج إليه المعمول، ولا فى العمل غير مضمون اتفاقا؛ كالآتى لصانع بزوجى خف ليعمل له فى إحداهما عملا فيتركهما عنده فتضيعان فلا يضمن إلا ذات العمل، والأخرى وديعة عنده.
وفى غرمه قيمة المصنوع وحده أو قيمتهما معا مسقطا منها قيمة المصنوع وحده قولان الشيوخ، وهذا أصح كما لو استهلك له رجل أحدهما ضمن ما نقصه منها.
وفيها: يضمن القصار ما أفسده أجيره، ولا شاء على الأجير إلا أن يتعدى أو يفرط.
стр. 3822
الصقلي عن محمد: قال أشهب: إن كثر على الغسال الثياب فآجر أجراء يبعث لهم إلى البحر بالثياب فهم ضامنون.
ابن ميسر: هذا إذا آجرهم على عمل أثواب مقاطعة.
الصقلى: كأنه صانع دفع له صانع ما استعمل عليه.
قال بعض القرويين: إن ثبت دفع رب الثوب إلى الأول أجرته فله أجره، وله قد قبضه من الثانى دون أجرة، ويتبع الأول بأجره، والأشبه أن لا يأخذه إلا بدفع أجرته إذ ليس مستحقا لنفس الصنعة.
قلت: قوله له قبضه من الثانى دون أجره هو سماع ابن القاسم.
قال ابن رشد: زاد فيها فى الموازية تفسيرا وهو: دفع أجرة الأول له ببينة، وإن لم تقم بينة حلف الثانى ما قبض أجره، ثم دفع رب الثوب له، فإن كانت الأجرة الأولى خمسة، وهذه عشرة فلم يدفع إلى هذا إلا خمسة، ويتبع بباقى أجرته الأولى، وإن كانتا بالعكس دفع لهذا خمسة، وبقيت عنده خمسة للأول، فإن قدم الأول فأقر بقبض أجرته رجع الغارم على الثانى بما أخذ منه.
الشيخ: هذا غير مستقيم، ولا تقبل دعوى القادم على الثانى إن كان القادم عديما.
ابن رشد: قوله: لا يقبل قوله إن كان عديمت صحيح، ولم ينص محمد على أنه يرجع على الثانى بإقرار القادم إن كان عديما فينبغى جمل قوله على كون القادم مليا، ولا يقال فيه غير مستقيم.
وقول محمد: إن لم تقم بينة بدفع الأجرة للأول حلف الثانى، وأخذ الأقل من الأجرتين صحيح، وكذا لو أقر رب الثوب أنه لم يدفع للأول شيئا، وأجرة الثانى أكثر لم يلزمه أن يدفع للثانى إلا أجرة الأول إن علم أن ما ايتأجر به الأول أو أقر به الثانى، وإلا فلا يأخذه إلا بعد أن يدفع جميع أجرته إن عملت، وإن جهلت تخرج ذلك على قولين:
أحدهما: قبول قوله فى قدرها مع يمينه إن أتى بما يشبه، وإلا لم يصدق، وكان له أجر مثله.
стр. 3823
والثاني: لا يكون أكثر من أجر مثله، وإن أشبه ما ادعاه، وهو الآتى على قول ابن القاسم: وإنما لم يكن للثانى أن يأخذ من رب المتاع إلا أقل الأجرتين إن لم يكن دفع للأول أجرته؛ لأنه غريم غريمه بذلك لا من أجل أن السلعة بيده إذ ليست عنده برهن فلا يكون له حبسها حتى يقبض أجرته، ولا يكون أحق بها من غرماء رب المتاع إن فلس عند ابن القاسم، ولذلك لا يكون القول قوله فى الإجارة على مذهبه إن ادعى أكثر من أجر مثله، وإنما وجب أخذ رب المتاع متاعه معمولا دون غرم الثانى إذا كان دفع الأجرة للأول؛ لأن العمل وجب له باستئجار الأول عليه استئجارا مضمونا فى ذمته، ولو لم يكن له الأجرة مضمونة، وكان استأجره على أن يعمل بنفسه فاستأجر عليه غيره لما وجب لصاحبه أخذه، وإن دفع الأجرة للأول حتى يغرم للثانى أجر مثله إلا أن يعلم الثانى بتعدى الأول فى استئجاره إياه على ما وجب عليه أن يعمله بيده هذا الآتى على أصولهم، ولا أعرف فيه نصا.
وفيها: قال ابن القاسم: لا يضمن الأكرياء سائر العروض، ولا شيئا غير الطعام.
قال السبعة من فقهاء التابعين: لا يكون كراء بضمان إلا أن يشترط على الحمال ألا ينزل بلد كذا أو وادى كذا أو لا يسير بليل فيتعدى ما شرط فيتلف شاء بتعديه فيضمن.
ومن استأجرته ليحمل لك على دابته دهنا أو طعاما؛ فعثرت فانكسرت القوارير أو انقطعت الأحبل فسقط المتاع ففسد لم يضمن إلا أن يغر من عثار أو ضعف الأحبل فسقط المتاع ففسد لم يضمن، وإلا ففعل العجماء جبار ما لم يفعل بها رجل شيئا عثرت به فيضمن الفاعل.
ومن ***** منه دابة للطحن فكير المطحنة لما ربطته فيها لم يضمن إلا أن يغرك، وهو يعلم ذلك منها فيضمن لقول مالك: من أكرى دابته، وهى عثور أو ربوض قد علم ذلك، ولم يعلم بذلك مكتريها فربضت أو عثرت فانكسر ما عليها فهو ضامن، ولو كان ليحمل عليها دهنا من مصر إلى فلسطين فغزه منها فعثرت بالعريش ضمن قيمة الدهن بالعريش، وقال غيره: بمصر إن أراد؛ لأنه منها تعدى.
стр. 3824
الصقلي: عن ابن حبيب: إن غرم قيمته بالعريش فله من الكراء بحسابه لذلك الموضع.
اللخمى: قول غيره ابن القاسم يرجعان إلى أنه بالخيار.
فقول الغير إن أراد تخيير منه، وقول ابن القاسم بالعريش؛ لأنه قال، قيمته هناك ضعف قيمته بالفسطاط، وإنما يختار الإنسان الأكثر ليس أنه يمنع من قيمته بالفسطاط، ثم إن كان كراؤه على البلاغ فله تغريمه بالفسطاط؛ لأنه لا يستحق شيئًا إلا ببلوغه الفسطاط؛ فكأنه لم يسلم له شيئًا مما أكرى عليه، وله أن يغرمه قيمته بالعريش بخلاف من نقل ما غصبه؛ لأنه نقله لنفسه، وهذا نقله لصاحبه فهو يسقط العداء إلى آخر وقت هلك فيه، وأن كان على الإجارة فله أن يغرمه بالعريش؛ لأنه يقول: أرضى أن يكون كل يوم مضى كتسليم الصحيح فيدفع فيه الأجرة، ويأخذه بالتعدى، وله أن يقول لا يستحق عن تلك الأيام أجرة؛ لأنه بتسليم صحيح؛ لأن كل يوم مضت بيدك باقية بالتعدى لتتمادى به لمنهل آخر فله إغرامه بالفسطاط، وإن استوت فيمته بالموضعين أغرمه قيمته بالفسطاط ليسقط عنه الكراء.
قُلتُ: صرح ابن الحارث بأن قولى ابن القاسم وغيره اختلاف، وكذا التونسى ورجح كون الضمان يوم العداء كغاصب قال: فإن قيل: الغاصب هو كل يوم ضامن، والحامل كل مكان جاز عنه سالًما لا ضمان عليه فيه.
قيل: فيلزم غرم قيمته بموضع هلاكه، فأن قيل: إذا هلك قبل بلوغه فكأنه لم يزل متعديا من يوم حمله.
قيل: فلا يضمنه إلا يوم حمله.
وانظر على قول الغير: لو غصبه لصوص ببعض الطريق هل يضمنه الحامل لتعديه فى ابتداء حمله على دابه عثور فقد يقول ذلك؛ لأنه إذا ضمنه قيمته يوم حمله بعد أن سلم جل الطريق جاز أن يضمنه إن هلك بأمر من الله أو غصب؛ لأنه كأنه لم يؤذن له فى حمله على هذه الدابة.
قُلتُ: قوله هذا يرد بأن الغير إنما ضمنه بتعديه بأمر دل الواقع على تأثيره العادى،
стр. 3825
وهذا إنما يحصل إذا هلك بسبب فعله أما بغيره فلا، ولا اتفق المذهب فى المبيع بتدليس إن هلك بسبب التدليس ضمنه بائعه، وإلا فلا قال وقوله: إن استأجر ثورًا فلما ربطه فى المطحنه كسرها لم يضمن ربه إلا يكون علم ذلك وكتمه فظاهره أنه ضمنه بالقول؛ لأنه المكترى هو متولى ربطه.
وقال أبو إبراهيم: قوله: فكسر المطحنه هكذا فى أكثر الروايات، وفى بعضها ربطته، ويقوم منه بالضمان بالغرور بالقول، ومثله فى التدليس بالعيب، وخلاف فى كتاب الاستحقاق، وانظر فى النكاح الأول، وفى باب الأمه الغاره، وفى الثانى مسأله الأختين.
قُلتُ: القول إن تضمن عتقداً كان غروراً بالفعل لا بالقول، ومن تأمل وأنصف فهمه من قولها: ومن قال لرجل فلانة حرة، ثم زوجها منه غيره فلا رجوع للزوج على المخبر، ولو علم أنها أمة، وإن وليه عالًما رجع عليه بالصداق، وهذا يرد قول التونسى فى مكرى الدابة العثور: إن أسلمها مكريها وهو عالم بعثارها لمكتريها فحمل عليها، فهو غرور بالقول يختلف فيه، وإن أسلم المتاع ربه لرب الدابة فحمله عليها ضمن الحمال لتعديه.
وفيها: وإن سألت خياطًا قيس ثوب فزعم أنه يقطع قميصًا؛ فاتبعته بقوله: فلم يقطعه فلا شئ عليه، ولا على بائعه، وكذا الصبر فى يقول فى درهم تريه إياه جيد فيلفى رديئًا فإن غرا من أنفسهما عوقبا.
الصقلى: فى العتبيًة لابن القاسم: من غر من نفسه عوقب، ولا أجر له، وإن غر من جهل، فقال مالك مرة: لا يضمن، ولا أجر له، وقال مرة: يضمن، وله أجره.
قال سَحنون: وهى أصح من قوله إن غر أدب ولاشئ.
ابن دينا: من استؤجر؛ لأنتقاد مال، فإن كان بصيرًا فلا شئ عليه فى خطأ به فيما يختلف فى مثله، وإن أخطأ فيما لايختلف فى مثله لبيان فساده ضمنه لتقصيره، ولو كان جاهلًا، ومن استأجر يعلم جهله فلا شئ عليه، ولو جهل جهله وغره بأنه عارف ضمن ما لا يختلف فى فساده، ولم يضمن ما يختلف فيه، ولكل منها أجره.
стр. 3826
قال غيره: هذا إن تصادقا أنها منه أو ببينة لم تفارقه.
قُلتُ: سمع ابن القاسم: من قال لخياط: أيخرج لى من هذا الثوب قميص؟
قال: نعم؛ فأعطاه على ذلك أجرًا فقطعه فلم يأت ذلك فيه لا غرام عليه.
ابن رُشْد: فيها إخلاق كثير تحصيله إن لم يغر لم يضمن، وإن غر فلا أجر له اتفاقًا.
فيهما إن قال له: انظره هل فيه قميص؟
فقال: نعم.
قال: اقطعه، ولك كذا، ولو أتاه بثوب فقال له: انظره إن كان فيه قميص فاقطعه ولك كذا فلم يجد فيه قميصًا لضمنه قولًا واحدًا، ومضى القول فى هذا فى سماع ابن القاسم فى الصرف.
قُلتُ: هو قوله من استأجر صرافًا ينتقد له دنانير، فوجد فيها قبيح لا ضمان عليه إلا أن يغر من نفسه، وأما إن كان عارفًا مثله يبصر فلا شئ عليه، وقد يختلف الناس فى البصر.
سَحنون: هذا أصح من التى تحتها حيث قال: إن غر فلا شئ عليه، وإن لم يغر فله الأجر.
ابن رُشْد: تحصيل اختلافهم إنلم يغر لم يضمن اتفاقًا.
وفى ثبوت أجرته مطلقا وسقوطها إلا أن يكون الردئ أقل منها فيكون له تمام أجره سماع أشهب فى دليل الطريق يخطئ، وسماع ابن القاسم فى الصراف، وأن غر فقيل لا يضمنه، ولا اجر له إلا أن يكون الردئ أقل من أجرته فله تمام أجره، وقيل: يضمنه ويحاسب بأجره فمن له فضل على صاحبه أخذه.
الباجى: روى محمد: لايضمن من دفعت له لؤلؤة ليثقبها فكسرها.
أَصْبَغ فى العتبيًة: أو خرم ثقبها، ولو تعداه ضمن.
قال مالك وابن القاسم وأشهب: وكذا القوس تدفع لمن يغمزها، والرمح لمن يقومه، والفص لمن ينقشه وابن حبيب، والدابة لمن يصرعها البيطار والسيف يقومه الصيقل، والمريض يسقى الدواء أو يكوى فيموت، والصبى يختن فيموت، والضرس
стр. 3827
يقلع فيموت صاحبها لا يضمن الحجام؛ لأن غالب كل هذا الغرور إذا فعل فى ذلك معتاده.
ولمالك فى الموازيًه معها: لا يضمن الفران ما احترق من الخبر لغلبة النار إلا أن يفرط أو يغر من نفسه، وليس كالخياط وشبه هـ مما يمكن فيه الاحتراز من الفساد غالبًا، وإن ادعى الفران احتراق الخبر غلبة؛ فروى ابن حبيب: لا يضمن أن يبقى من الخبز أو الغزل ما يعلم أنه خبز الرجل أو غزله، ولو ادعى احترق جمعيه ضمن.
ول أَصْبَغ: فى العتبيًة إن ادعى رب اللؤلؤة تعدى الصانع فى ثقبها فهو مدع، وكذا كل صاحب صنعة، ورواه ابن حبيب فى قرض الفأر ولحس السوس إن ادعى رب الثوب تضييع القصار؛ فهو مدع.
قال سَحنون وغيره: لو تلف الخبز عند الفران ضمن.
وسمع ابن وَهْب: يضمن مثل خبزته، وله أخذ أصغر منها لا أكبر.
ابن عبد الحكم: لا يأخذ غير خبزته فى قول مالك.
الشًيخ: يريد: أن الفران ضامن للرجلين.
ابن رُشْد: ما فيه تغرير كثقب اللؤلؤة، ونقش الفص، وتقويم الرمح، واحتراق الخبر، والثوب فى قدر الصباغ، وطرح البيطار الدابة فتموت لا ضمان فيه اتفاقًا، إن لم يخطئ فى فعله، وإن أخطأ وكسقى الطبيب مالا يوافق المراض أو تزايد الخاتن أو القاطع فيتجاوز فى القطع فيتجاوز أو الكلى أو يد الحجام؛ فيقلع غير الضرس التى أمر بها فهى من جناية الخطأ إن كان من أهل المعرفة، وإن غر من نفسه عوقب.
وفى كون الدية فى ماله مطلقًا أو على العاقلة إن بلغت الثلث قولان لظاهر سماعى ابن القاسم وأشهب من كتاب السلطان، وقول ابن دينا مع سماع أَصْبَغ ابن القاسم فى الديات: وفيها مع غيرها: لزوم ضمان الأكرياء الطعام والإدام إلا أن تقوم بينة بهلاكه أو يكون معه ربه، والسفينة كالدابة.
وفى الموازيًه: ووكيل رب الطعام، وقول ابن الحاجب، وقال به الفقهاء السبعه: لا أعرفه إنما فيها أمر ضمنه أهل العلم، ولم يجدوا من ذلك بدا.
стр. 3828
وفيها: بعد ذلك سَحنون عن ابن نافع عن ابن أبى الزناد عن أبيه عن السبعة: لا يكون كراء بضمان إلا أن يشترط على الحمال أن لا ينزل بلد كذا أو وادى كذا أو لا يسير بليل فيعتدى ما شرط.
ابن حبيب: إنما يضمنون القمح والدقيق والشعير والسلت والذرة والدخن والكراسنه لا الأرز؛ لأنه يتفكه به.
الشًيخ: لعل هذا فى بلد غير بلد الأرز، وفى بعض البلاد هو جل قوتهم، ويضمنون الفول والحمص والعدس واللوبيا والجلبان، ولا يضمنون الترمس؛ لأنه يتفكه به، ولا يضمنون من الإردام إلا الزيت العسل السمن والخل والبيضوالابزار لا المرى والرب والأشربة الحلال والجبن والشيراز واللبن والزبد وسائر اللحم والبصل والأبزار، ولا يضمنون من خضر الفواكه ورطبها ويابسها إلا التمر والزبيب والزيتون والملح، ولا يضمنون شيئًا من الأدهان.
الصقلى: ما ذكره استحسان، وظاهر المدَوًتة: ضمان سائر الطعام والإدام والترمس واللبن والزبد واللحم قوت وإدام.
وروى محمد: شرط الجمال طرح ضمان الطعام أو لزوم ضمان العروض ساقط والعقد فاسد فإن فات سقط الشرط، وله كراء المثل.
اللخمى: لمحمد عن أصبع لو كان بيعه ربه، ثم فارقه ببعض الطريق لم يضمن.
محمد: لأن أصل حمله على غير التسليم لحامله، ومعروف المذهب أنه ضامن فيما حمله فى المدينة، ولم يصحبه ربه، ولابن كنانة: لا ضمان عليه؛ يريد: لأنه قادر على أن يصحبه دون ضرر فتركه قصد لائتمانه.
قال ابن عبد السلام: عن بعضهم إن ذهب لربه على ألا يعود ضمنه الحمال، وإلا فلا كحامل العرض يجوزه بعد الغاية كالرهن فى أجره فى انتقاله لضمانه فينتقل حامل الطعام من عدم ضمانه، ورده ابن عبد السلام بأن حامل الطعام لم يتغير حاله بفعل ولايته إنما تغير حال ربه فلا يوجب على الحامل حكما بغير اختياره، وحامل العرض تسبب بحبسه.
стр. 3829
قُلتُ: يرد بتباين القياس الدال بذاته على سقوط القياس الفرق المذكور، وهو أن تقول علة ضمان الطعام انفراد حامله به عن ربه، فإن فارقه ربه على عدم عوده ثبت انفراد حامله به فوجب انتقاله على عدم ضمانه أليه عملا بعلية الحادثة قياسًا على حامل العرض الحادثة عله ضمانه على عدمه، ومن أنصف، وتذكر قواعد الأسئلة الواردة على الأقيسه علم أن كون حامل الطعام غير متسبب، وحامل العرض متسببًا لا أثر له فى القدح فى القياس المذكور لخروجه عن علة القياس المذكور، وعن مانع حكمه، ولذا قبله الصقلى.
والأظهر عندى جرى الضمان فى هذا الفرع على قولى محمد وابن كنانة فى ضمان حامل الطعام بالبلد بناء على اعتبار مطلق غبية ربه، ودلالة مفارقته بغير صحبته على ائتمانه كدلاله ترك صحبته بالبلد على ذلك.
قال اللخمى: وأرى أن يضمن القمح والشعير والقطانى وشبه ذلك، وإن صحبه ربه إذا نقص؛ لأنه علم منهم السرقة، ولو كان معه ربه، وإن ادعى ذهاب جمعيه، وربه معه صدق وليس العاده جحود جمعيه ولا الهروب إن كان الحمال واحدًا، وإن كانوا عددًا فتأخر بعضهم لم يصدق أنه غصب منه، وعهد من الجماعة تأخر أحدهم تعمدًا ليذهب به، وإن صحبه ربه فى البحر فنقص بعضه صدق عند مالك.
وفى كتاب أكرية السفن: لا يصدق قال: لأنه حازه، وإنما يدخل التاجر وقت إقلاعه وهو أحسن؛ لأن الطعام والزيت وشبهه يوسق، ويغيب عنه ربه إلى ليلة المبيت، وعهد منهم الخيانة فيه، وكذا لو لم يفارقه ربه من حين وسقه؛ فإنهم يخونون فيه بالليل وبعد الوصول وقبل التفريغ.
وضمانه فى دعوى تلفه بعد وصوله لغزمه فى موضع وصوله، واختلف إن ادعى ضياعه ببعض الطريق، وعلم كليه هل يغرم المثل الآن أو بعد وصوله كان تلفه مجهولا أو معلوما بعثار أو ضعف أحبل أو باستهلاكه، وأرى إن تنازعا فى موضع هلاكه غرم مثله فيه، وإن تحاكما فى موضع وصوله غرمه فيه؛ لأنه دخل على توصيله، ولأن فى الصبر حتى يعود إلى الموضع غررا، والظالم أحق أن يحمل عليه، وهذا إن هلك من عثار
стр. 3830
الدابة والكراء مضمون، وهو فى مستعتبه يعذر على خلف دابة، وإن كانت معينة لم يغرمه فى الموضع الذى اكرى إليه؛ لأنه بظهور أنها عثور ينفسخ الكراء، وكذا إن كان الكراء مضمونا، والهلاك فى غير مستعتب.
الصقلى: عن ابن حبيب: يغرم المكرى ما ضمنه من الطعام بالبلد الذى اكرى إليه جهل هلاكه أو علم بسبب عثار الدابة أو ضعف الأحبل، وقول بعض القرويين: يضمن مثله حيث ضاع خلافه.
وسمع أو زيد ابن القاسم: أن أعطى حامل الطعام ربه عن نقص طعامه ذهبا لم يجز إن كان انتقد كراه.
ابن رشد: لتهمتهما على إن ما دفع إليه من الكراء بعضه ثمن لحمل الطعام، وبعضه سلف فيدخله البيع والسلف، ولا شاء على فاعل ذلك فيما بينه وبين الله إن لم يقصد ذلك، وله أن يأخذ عن النقصان عرضا نعجلا أو صنفا آخر من الطعام.
ابن الحاجب: وأما أجير الحراسة فلا يضمن شيئا، وفى الإجارة منها لا ضمان على من جلس يحفظ ثياب من دخل الحمام؛ لأنه أجير.
وسمع ابن القاسم: لا ضمان على حارس الحمام.
ابن رشد: إن أكراه رب الحمام لحفظ ثياب داخله بأجر فى ذمته فى ضمان عليه اتفاقا، إلا أن يتعدى أو يفرط، وإن كان يحرس بجعل يأخذه من كل من يدخل الحمام لحرس ثيابه، فقال مالك: لا ضمان عليها.
بن لبابة: وغيره خطأ.
وقال ابن حبيب: يضمن كالراعى المشترك على قول ابن المسيب، والحسن ومكحول والأوزاعى؛ لأنه بنصبه نفسه لذلك كالصانع المشترك.
الصقلى: يروى محمد: إن نام حارس بيت فسرق ما فيه لم يضمنه، وله أجره، وكذا حارس النخل وغيره، وكذلك من أعطى متاعا ليبيعه أو يضيع ثمنه لا أجر له ولا ضمان عليه.
محمد: لا يضمن جميع الحراس إلا بتعد كان ما يحرسونه طعاما أو غيره.
стр. 3831
قلت: قوله لا ضمان عليه فى نومه يجب تقييده بكونه فى وقت نومه المعتاد له لا فى نومه فى وقت حاجة العسس والحرس، وتقدم نحو هذا للخمى فى نوم الراعى نهارا، وعلى قول اللخمى فى طعام أنه يضمن، ولو كان معه ربه لما عرف من خيانتهم يجب تضمين حارس الطعام إن علم منه ذلك، ولذا قال هنا: إن ألجأ قوما ضرورة لمن يخاف على الطعام منه أن يؤجر تقية لشره، وليدفع شر قوم لآخرين ضمن وكذا أن عملت خيانته.
وقول فيمن أعطى متاعا ليبيعه واضح إن كان لم ينصب نفسه لذلك، وإن نصب نفسه فالأظهر أنه كالصانع، وأظن إنى وقفت على ذلك لبعضهم فى الجليس، وهو من نصب نفسه فى حانوت لشراء الأمتعة.
قال عياض فى المرابحة: وهم كثير فى البلاد ينتصبون لذلك، وأما مسمى السمسار ففى ضمانه ما دفع له ليبيعه، وما طلبه من ربه لمشترى مزه بشرائه، ثالثها: ما لم يكن مأمونا، واربعها: فيما دفع لهم لا فيما طلبوه لنوازل ابن رشد عن سحنون مع ابن عات عن حمديس عن بعض أقواله، وله عن العتبية.
وفتوى ابن رشد ونقله: وعلى عدم ضمانه فى كون ما أرسلوا لطلبه من مرسله أو دافعه، ثالثهما، بينهما لنقليه، وقوله: لو قيل لكان له وجه.
ابن الحاجب: والحمامى أمين على الثياب، وقيل: يضمن.
ابن عبد السلام: ظاهره أن الحمامى هو مكترى الحمار لا حارس الثياب، فإن كان هذا مراده فالمشهور عدم تضمينه مطلقا إلا أن يفرط، وليس القول بتضمينه مطلقا بموجود فى المذهب، وخلاف فى عدم تضمينه إلا أن يفرط.
قلت: قوله: لا خلاف خلاف نقل عياض لما عرف فى مداركه بأبى على الحسن بن نصر السوسى قال: سمع من العامى، ويحيى ابن عمر وعيرهما كان فقيها عدلا ورعا زاهدا ولى أحكام سوسة؛ فكان لا يضمن صاحب الحمام ما تلف عنده فكثر شاكوه؛ فحكم بتضمينه لما حدث به يحيى بن عمر عن الحارث عن ابن وهب عن مالك بتضمين صاحب الحمام.
стр. 3832
قلت: فهذه الرواية ترد قوله: لا خلاف فى عدم تضمينه، ورواية ابن وهب هذه مثل سماع ابن القاسم: أمرت صاحب السوق أن يضمن أصحاب الحمامات ثياب الناس أو يأتى يمزعها.
الصقلى: فى بعض الحواشى مثله لابن عبد الحكم وزاد: ولا ضمان على من يحرسها.
قلت: فى استظهاره بما فى بعض الحواشى على سماع ابن القاسم نظر إذ لا يؤكد القوى بالضعيف إنما يؤكد الضعيف بالقوى، وكذا قوله: وزاد لا ضمان على من يحرسها لوجوده نصا فى سماع ابن القاسم حسبما قدمناه.
وقال ابن رشد: إنما ضمن صاحب الحمام إذا لم يأت بحارس لتضييعه ثياب الناس؛ لأنه لم يكن حارس عليها فلا يقطع سارقها إلا أن يحتال فى السرقة من خارج الحمام من لم يدخل الحمام على ما قاله فى المدونة، وسماع عيسى.
ابن الحاجب: كل من أوصل نفعا من عمل أو مال بأمر المنتفع أو بغير أمره لا بد له منه بغرم فعليه أجرة العمل، ومثل المال بخلاف عمل يليه بنفسه أو بعبده أو مال يسقط مثله عنه.
قلت: قوله فى النفع يتقرر.
سماع أبى زيد فى آخر الجعل والإجارة منه عن ابن القاسم: من استأجر حصادين لزراعه فحصدوا زرع جاره خطأ، فإن كان له عبيد أو أجزاء لا يحتاج معهم إلى أجر فلا شاء عليه، وإن كان لا يجد بدا من الإجارة لحصاد زرعه فعليه قيمة ما حصدوا، وإن كان الخطأ ممن استأجرهم أمرهم بحصده ظنا منه أنه زرعه غرم لهم أجرهم، وأخذ ممن حصد زرعه قيمة عمل الأجزاء إن كان لا يجد بدا من الأجارة على حصاده.
ابن رشد: مثله حكى ابن حبيب: وقيل: لا شاء عليه مطلقا، وإن لم يكن له عبيد ولا أجراء، وهو ظاهر سماع يحيى بن القاسم من كتاب البضائع فى الحصاد فى الخصام.
وقال ابن ميسر: إن كان له عبيد أو أجزاء لهم أن يستعملوهم فى مثل ما عملوا له وفى أثر (المسألة) فى السماع المذكور من استأجر من يحرث أرضه فأخطأ الأجير فحرث
стр. 3833
أرض جاره إن زرعها، وانتفع بحرثها فعليه أجرة حرثه وإن قال: لو أرد زرعها إنما أردت أن أكريها فلا شاء عليه.
ابن رشد: معناه إن لم يكن له بقر وعبيد أو أجزاء، كقوله فى المسألة الأولى، وحمل بعضهم هذه على ظاهرها، وقال فى إيجاب غرمه الأجر، ثالثها: الفرق بين أن يكون له عبيد وأجزاء أو لا.
الصقلى: فى آخر ترجمة من كتاب الجعل فى الواضحة: من حفر لرجل بئرا أو حرث أرضه أو حصد زرعه اليابس أو قطع ثوبه، وخاطه بغير إذن، وطلب الأجر، فإن كان رب هذه الأشياء لا بد له من الاستئجار عليها لا يليها بنفسه، ولا غلمانه، ولا دوابه فعليه الأجر، وإلا فلا.
الصقلى: ظاهره، ولو فعل ذلك عمدا، وقيل: لا شاء للعامد؛ لأنه كغاصب، وقول من مال كقولها فى تضمين الصناع: من أنفق على ولد رجل غائب، وهم ضغار بغير أمره أو أنفقت الزوجة على نفسها فى غيبته، ثم قدم فلهما الرجوع عليه بما أنفقا إن كان موسرا، وفى رهونها إن دفع مرتهن الأرض عنها خراجا حقا رجع به على ربها، وقوله: أو مال يسقط مثله عنه، كقولها فيمن انفق على ولد الغائب الصغار والمرأة على نفسها فى عسر الزوج، وفى إطلاق قوله: من أوصل نقدا نظر لقولها فى اللقطة.
قال مالك: من أتى بآبق لرجل وطلب منه الجعل على إتيانه به إن كان شأنه يطلب الضوال لذلك فله الجعل بقدر بعد الموضوع الذى أخذه فيه وقربه، وإن لم يكن ذلك شأنه، وإنما وجده فأخذه فلا جعل له.
قلت: فلم يجعل له الجعل إلا إن كان مما ممن شأنه ذلك، ولفظ ابن الحاجب مطلق فى حالتيه معا، وفى الجعل والإجارة منها: وإن قال الصانع: استعملتنى فى هذا المتاع، وقال ربه: سرق منى تحالفا، ثم قيل لربه: ادفع له قيمة عمله، وخذه فإن أبى.
قيل للعامل: ادفع له قيمة ثوبه غير معمول، فإن أبيا كانا شريكين هذا بقيمة ثوبه غير معمول، وهذا بقيمة عمله؛ لأن كلا منهما مدع على صاحبه، وقال غيره: العامل مدع، ولا يكونان شريكين.
стр. 3834
الصقلي عن الشيخ: يبدأ بالحلف رب الثوب ما استعمله، ويقال للصانع ادفع له ثوبه، وإلا فاحلف أنه استعملك، فإن حلف قيل لرب الثوب: ادفع له أجر عمله وخذه، فإن أبى قيل للصانع: ادفع له قيمة ثوبه، فإن أبى كانا شريكين.
وقال بعض القرويين: لا يتحالفان حتى يقال لرب الثوب ما تريد، فإن قال: أريد تضمينه.
قيل له: احلف ما استعملته، فإن حلف.
قيل للأجير: احلف لقد استعملك لتبرأ من الضمان، ثم قيل لرب الثوب: ادفع له قيمة الصبغ؛ لأنه برأ من المسمى بيمينه أولًا، فإن أبى قيل للآخر: ادفع له قيمة ثوبه، فإن أبى كانا شريكين، وإن قال رب الثوب أولًا: أريد أخذ ثوبي نظر لقيمة الصبغ، فإن كانت مثل دعوى الصانع فأكثر فلا أيمان بينهما؛ لأنه يقال له إن كان الأمر ككما قلت أنه سرق لك، وأردت أخذه لم تقدر على أخذه إلا بدفع الأجرة الذي قال الصانع إذا كانت مثل قيمة الإجارة أو أقل ولا يمين هاهنا، وإن كان ما ادعاه الصانع أكثر حلف المستحق وحده ليحط عن نفسه الزائد على قيمة الإجارة من التسمية التي ادعاها الصانع.
قُلتُ: ومثله لعبد الحق قال: إن أراد تضمينه، فإن طاع الصانع بدفع قيمته أبيض فلا حلف على واحد منهما، وإن أبى تحالفا وكانا شريكين هذا على قول ابن القاسم، وعلى قول غيره: فيحلف رب الثوب، ويغرم للصانع قيمة الثوب جبرا.
وفيها: قال ابن القاسم: وكذا إن ادعى أن الصانع سرقه منهم إلا أنه هنا إن كان ممن لا يشار إليه بذلك عوقب رب الثوب، وإلا لم يعاقب.
الصقلي: عن بعض القرويين: واليمين عليهما معًا ببينة ليوجب أحدهما الضمان ويبرأ منه الآخر.
اللخمي: إن كان يشبه أن يسرق، وهو منتصب للصنعة فالجواب كالأول؛ لن الشبهة قائمة، وإن كان مثله لا يشبه أن يسرق صدق الصانع، وعوقب رب المتاع، ولو قال ربه: أودعتكه، وقال الصانع: استعملتنيه، ففي قبول قوله أو قول ربه قولا ابن القاسم مع مالك وغيره فيها.
стр. 3835
عبد الحق: وعلى الأول إن ادعى ما يشبه من الأجر حلف عليه وحده، وإلا حلف هو لدفع العداء عنه، وربه ليسقط فضل ما ادعى عليه من الأجر على أجر المثل، وعلى قول غيره: يحلف ربه إن كان ما ادعاه الصانع من الأجر أكثر من أجر مثله، وغرمه، ولا يضمنه؛ لأنه أقر أنه وضعه تحت يده بخلاف قوله سرق مني.
الصقلي وقال ابن حبيب: كالغير: وكذا قوله: سرق مني، ويحلف، ويأخذ ثوبه مصبوغًا أو مغسولًا دون غرم إلا أن ينقصه الصبغ أو يفسده فيخير في أخذه أو تركه، وأخذ قيمته، وإن زاده الصبغ أخذه بغير غرم.
اللخمي: قول الغير العامل مدع؛ يريد: أنه على حكم المتعدي؛ لأنه لم يقر له.
قُلتُ: كذا هو في جل ما رأيت لم يقر له فقط فلعله؛ يريد: لم يقر له بإذنه في صبغه فيه، وفي بعضها لم يفرط.
قال: وأصل سحنون: أن القول قول الصانع في طرح العداء، وقول الآخر في طرح بعضها لم يفرط.
قال: وأصل سحنون أن القول قول الصانع في طرح العداء، وقول الآخر في طرح التسمية، ويكونان شريكين.
قُلتُ: هذا نص في ثبوت حق الصانع في صنعته، وعدم إسقاطها خلاف ما تقدم للصقلي عن ابن حبيب، ومثله لابن رشد في سماع ابن القاسم في كتاب تضمين الصناع سمع فيه مثل قوله، وروايته في المدونة.
فقال ابن رشد: قبل ذكره مثل ما تقدم لعبد الحق قيل: معنى قول الغير أن العامل مدع في الأجرة إن ادعى أكثر من أجر المثل، وحلف على دعواه لم يستحق ما عليه،
وحلف رب الثوب، وسقط عنه ما زاد على أجر المثل، وإن نكل العامل، وحلف رب الثوب أخذ ثوبه مصبوغًا، ولم يكن عليه شيء من الأجر، وقيل معناه: أنه مدع في أنه استعمله إياه فلا يصدق، ويحلف رب الثوب؛ فيأخذه مصبوغًا دون غرم إلا أن ينقصه الصبغ أو يفسده، فذكر مثل ما تقدم لابن حبيب.
قُلتُ: والأظهر نقل اللخمي لنصها في الغاصب والسارق: يصبغان الثوب أن
стр. 3836
حقهما في الصبغ ثابت، ولما يأتي عن قرب للصقلي.
وإن اختلفا في صفة الصنعة صدق الصانع فيما يشبه: فيها: إن صبغه أحمر أو أسود، وقال: بذلك أمرني ربه، وقال ربه: بأخضر صدق الصباغ إلا أن يصبغه صبغا لا يشبه مثله، وإن صاغ الصائغ سوارين، وقال ربه: أمرتك بخلخالين صدق الصائغ.
الصقلي عن ابن حبيب: إن ادعى الصانع ما لا يشبه صدق رب الثوب مع يمينه، وخير في أخذه مصبوغًا، ويدفع أجرته أو يسلمه، ويأخذ قيمة ثوبه أبيض.
الصقلي: هذا وفاق لمالك قال: إلا أن يشاء الصباغ أن يسلم صنعته بلا ثمن، فإن أبى كان شركة بينهما هذا بقيمة ثوبه أبيض، وهذا بقيمة صنعته، واختلف فيه؛ وهذا أحسن.
الصقلي: هو أصلنا؛ لأنه إن أتى الصباغ بما لا يشبه، وصدق رب الثوب مع يمينه صار حكم الصباغ حكم المتعدي فيخير ربه في أن يغرمه قيمة ثوبه أو يأخذه، ويدفع قيمة الصبغ.
قُلتُ: هذا خلاف ما تقدم له عن ابن حبيب: إن قال رب: الثوب وديعة على قول الغير أن لربه أخذه دون غرم، وقال: من أجر حجاما على قلع سن بعد القلع قلعت غير التي أمرتك، وأكذبه الحجام، ففي قبول قوله أو قول ذي السن قولان فيها لابن القاسم قائلا: لأنه علم به حين قلعه وغيره.
اللخمي: محل الخلاف أن المقلوعة والباقية مهتلتين؛ لأن كلا منهما أتى بما يشبه، ولو كانت الباقية سالمة قبل قول الحجام؛ لأنفراده بالشبه ودعوى الآخر سقوط الأجر، ولو كانت المقلوعة سليمة، وتبين ذلك فيها، وفي موضعها، والباقية معتلة قبل قول ذي السن لإتيان الآخر بما لا يشبه فيحلف ذو السن لاحتمال غلطه فيما أراه لمقارنة الألم، ويستحق دية سنه، ويقلع الأخرى إلا أن يكون دليل لذي السن لفساد الباقية، وسوادها وصفاء المقلوعة؛ فيسقط عنه اليمين.
قُلتُ: تعليله أولًا حلفه بإمكان غلطه لألمه يلغي دلالة فساد الثانية على إسقاط يمينه، ولأن فرض المسألة عنده كون الباقية فاسدة؛ لأنه الموجب عنده لقبول قوله:
стр. 3837
فإن قيل: دليل قبول قوله عنده مجرد اعتلال الباقية المسقط ليمينه عنده هو أخص من ذلك، وهو فسادها واسودادها.
قُلتُ: تعليله ثبوت يمينه باحتمال غلطه فيما أراه لألمه حاصل بالسوية في مطلق المعتلة، والأخص منها بما ذكره من فسادها وسوادها.
الصقلي عن سحنون: معنى قول غيره الحجام مدع أنه في الأجر، وكل منهما مدع على صاحبه يتحالفان، ويكون للحجام أجر مثله ما لم يجاوز المسمى يمينه ترفع عداءه، وتوجب له التسمية، ويمين الآخر تسقط عنه ما زاد على أجر المثل من التسمية، فإن لم تزد عليه فلا يمين عليه إلا أن ينكل الحجام عن اليمين فيحلف الآخر، ويسقط عنه الأجر، وقاله بعض شيوخنا.
ابن شاس: إن اختلف الصانع ورب الثوب في قدر الأجر؛ فالقول قول الصانع بخلاف البناء يقول هذا البناء بدينار، ويقول ربه بأقل فالقول قول بيمينه؛ لأنه حائز لذلك إلا أن يدعي ما لا يشبه والصانع حائز لعمله، وتبعه ابن الحاجب، وقبله ابن عبد السلام، وابن هارون، ولم يعزوه لأصل مشهور كالموازية ونحوها، وعادة المحققين عدم الاكتفاء بنقل المتأخر إذا لم يعزه لأصل مشهور معروف.
وما ذكره ابن شاس يقوم من قولها، وكذا الصباغ إذا صبغ الثوب بعشرة دراهم عصفرا، وقال: بذلك أمرني ربه، وقال ربه: ما أمرتك إلا بخمسة دراهم؛ فالصباغ مصدق بيمينه إن أشبه قوله، فإن أتى بما لا يشبه فله أجر المثل، ولو قال ربه: كان لي فيه صبغ متقدم لم يصدق؛ لأنه ائتمنه حين أسلمه إليه، وهذا إذا أسلم إليه الثوب، وإن لم يسلمه، ولا تغيب عليه صدق رب الثوب.
قُلتُ: فتفرقتها بين إسلام الثوب وعدمه مثل تفرقة ابن شاس بين الصانع والبناء.
ولابن عات في الاستغناء: روى ابن نافع: إن قال البناء: بنيته بثلاثة دراهم، وقال ربه: بنصف دينار فالقول قوله؛ لأنه حائز للبناء كقبول قول الحائك لحوزه لما استعمل إلا أن يدعي ما لا يشبه.
قال ابن هارون: لو أسلم الصانع المصنوع لربه كان القول قوله، وصار كالبناء.
стр. 3838
قُلتُ: هو مقتضى قول اللخمي في كلامه على قولها إن ادعى رب المتاع أن الصانع عمله له باطلًا، وقال الصانع بأجر صدق بيمينه فيما يشبه من الأجر، وإلا رد لأجر مثله، وقال غيره: يحلف الصانع، وله الأقل مما ادعى أو من أجر مثله.
اللخمي: إن كان المسمى أقل حلف الصانع وحده، وأخذه، وإن كان أكثر حلف ما عمله باطلًا وحلف الآخر ما استأجره بتلك التسمية، وغرم أجر المثل، وهذا إن كان بينهما مات يشبه أن يعمل له باطلًا، وإلا أخذ المسمى إن كان أقل بغير يمين.
قُلتُ: هذا خلاف نصوص المدونة في توجه يمين المعروف مطلقًا.
قال: وإن كانت إجارة المثل أقل حلف رب الثوب وحده، ودفع أجر المثل، فإن نكل حلف الصانع، وأخذ المسمى، وهذا إن اختلفا بعد أن أسلمه، وإن لم يسلمه حلف الصانع وحده، وأخذ المسمى قولًا واحدًا إن أتى بما يشبه؛ لأنه لو أقر أنه استأجره بثمانية، وقال الآخر بعشرة قبل قول الصانع.
قُلتُ: فجعل قبول قول الصانع مقيدًا بعد إسلامه الثوب.
الصقلي: في آخر ترجمة الجعل ابن المواز: من دفع ثوبًا لخياط فقال: لا أخيط إلا بدرهمين، وقال ربه: لا إلا بدرهم وجعله عنده فخاطه فليس له إلا درهم، ولو سكن منزلا، فقال ربه: بدينارين في هذه السنة، وقال الساكن: لا إلا بدينار، وإلا خرجت إن لم ترض سكن، ولم يجب بشيء حتى تمت السنة لم يلزمه إلا دينار.
وإن اختلف الأجير، ومن آجره في مرضه أو عطلته في مدة الإجارة، ففي قبول قول من آجره إن أواه إليه ليله ونهاره، وإلا فالأجير وعكسه، ثالثها: الأول في العبد، وفي الحر القول قول الأجير مطلقًا، ورابعها: القول قوله مطلقًا، وخامسها: عكسه لابن عات عن ابن مغيث عن ابن القاسم مع أصبغ، وفتوى الشيوخ، وعن اللخمي مع محمد مع أشهب، وعن ابن حبيب مع ابن الماجشون، وعن التونسي عن أصلي ابن القاسم، وغيره.
ابن عات: يريد: في ثبوت الأجر وسقوطه في دعوى تلف الشيء المستأجر.
стр. 3839
ولو اختلفا في رد المصنوع، ففي قبول قول ربه مطلقًا أو إن دفعه ببينة قولها مع عزوه.
ابن رشد: في نوازله لكل أصحاب مالك غير ابن الماجشون وعنه ناقلًا عنه إنكار عزو الأول لمالك، وفي المقدمات عزو الأول لابن الماجشون في موضع آخر.
стр. 3840
[كتاب الجعل]
الجعل: عقد معاوضة على عمل آدمي بعوض غير ناشاء عن محله به لا يجب إلا بتمامه به، فيخرج كراء السفن والمساقاة والقراض، وقولنا به خوف نقض عكسه
стр. 3841
بقوله إن أتيتني بعبدي الآبق فلك عمله كذا أو خذ منه شهرًا؛ لأنه جعل فاسد لجهل عوضه والمعروف حقيقته المعروضة للصحة والفساد وأوجز منه معاوضة على عمل آدمي يجب عوضه بتمامه لا بعضه ببعضه فتخرج المساقاة والإجارة لاستحقاق بعضه ببعض فيهما، والقراض لعدم وجوب عوضه لجواز تجره، ولا ربح.
وقول ابن رشد: هو جعل الرجل جعلا على عمل رجل إن لم يكمله لم يكن له شيء، وينتقض بالقراض.
روى البخاري عن أبي سعيد الخدري رضى الله عنه قال: انطلق نفر من أصحاب رسول الله ﷺ في سفرة سافروها حتى نزلوا على حي من أحياء العرب فاستضافوهم فأبوا أن يضيفوهم فلدغ سيد ذلك الحي فسعوا بكل شيء لا ينفعه شيء، فقال بعضهم: لو أتيتم هؤلاء الرهط الذين نزلوا لعل أن يكون عند بعضهم شيء فأتوهم فقالوا: يا أيها الرهط إن سيدنا لدغ، وسعينا له بكل شيء لا ينفعه شيء فهل عند أحد منكم من شيء.
فقال بعضهم: والله إني لراقي، ولكن والله لقد استضفناكم فلم تضيفونا فما أنا براق لكم حتى تجعلوا لنا جعلا فصالحوهم على قطيع من الغنم، فانطلق يتفل عليه، ويقرأ الحمد لله رب العالمين فكأنما نشط من عقال فانطلق يمشي، وما به قلبة. قال: فأوفوهم جعلهم الذي صالحوهم عليه، فقال بعضهم: اقسموا، فقال الذي رقى لا تفعلوا حتى نأتي النبي ﷺ فنذكر الذي كان فننظر ما يأمر، فقدموا على رسول الله ﷺ فذكروا له ذلك، فقال: وما يدريك أنها رقية، ثم قال: لقد أصبتم اقسموا لي واضربوا لي
стр. 3842
معكم سهما فضحك رسول الله ﷺ .
قُلتُ: تمسك به غير واحد من أشياخ المذهب في جواز الجعل، وفيه نظر لجواز كون إقراره ﷺ إياهم على ذلك لاستحقاقهم إياه بالضيافة فأجاز لهم استخلاص ذلك بالرقية، وهو رخصة اتفاقًا.
[باب في شرط الجاعل]
وشرطه أهلية المعاوضة فيهما.
ابن شاس وابن الحاجب: شرطهما أهلية الاستئجار والعمل.
ابن عبد السلام معنى قوله: والعمل أن عمل الجعالة قد يمتنع من بعض الناس كما لو جوعل ذمي على طلب مصحف ضاع لربه، وكذا الحائض مدة الحيض.
قُلتُ: هذا الامتناع إنما هو شرعي، ولا يتم بعض الجعالة على الجائز منها،
стр. 3843
والأظهر اعتبارها من حيث ذاتها، ويفسر الامتناع بالامتناع العادي كمجاعلة من لا يحسن العوم على رفع متاع من قعر بئر كثيرة الماء طويلة.
ابن شاس: ولا يشترط في المجعول له التعيين لمصلحة العقد لو قال: من رد عبدي الآبق فله كذا فمن أحضره بعد قوله: ذلك فله الجعل علم ما جعل فيه أو لم يعلم، وعبر عنه ابن الحاجب بقوله: ولا يشترط في المجعول له التعيين، ولا العلم بالجعالة لو قال: من رد عبدي الآبق فله دينار فمن أحضره استحقه علم بالجعل أو لم يعلم، وقبله ابن عبد السلام وابن هارون وفيه تعقب؛ لأنه يقتضي أن هذا هو كل المذهب أو مشهوره، وليس كذلك لما تعقب عليه.
سمع عيسى ابن القاسم: من جعل في عبد له عشرة دنانير لمن جاء به فجاء به من لم يسمع بالجعل، فإن كان يأتي بالإباق فله جعل مثله، وإلا فليس له إلا نفقته، وإن جاء به من سمعه فله العشرة، ولو كان ممن لا يأخذ الإباق.
ابن رشد: حكى ابن حبيب: أن له الجعل المسمى، وإن لم يعلم به إن أخذه بعد أن جعل فيه، وإن لم يتكلف طلبه عن ابن الكاجشون وأصبغ وغيرهما من أصحاب مالك وأنه قول مالك، وقول ابن القاسم: أظهر؛ لأن الجاعل إنما أراد بقوله تحريض من سمع قوله على طلبه فوجب أن لا يجب ما سمى من الجعل إلا لمن سمعه، فطلبه بعد ذلك فلا حق في الجعل لمن وجد العبد قبل أن يجعل فيه اتفاقًا إذ قد وجب عليه رده لربه قبل أن يجعل فيه الجعل، واختلف إن وجده بعد أن جعل فيه الجعل، فقال ابن القاسم: لا شيء له إلا إن سمع الجعل، ويطلب العبد، وقال ابن الماجشون: ومن ذكر معه له الجعل، ولو لم يسمعه ولا طلب العبد.
قُلتُ: فجعل ابن شاس وابن الحاجب قول ابن الماجشون هو المذهب وليس كذلك.
وسمع ابن القاسم: من جاء بعبد آبق جعل له فيه جعل، وقد أنفق عليه نفقة فنفقته عليه والجعل له فقط، وإن أرسله بعد أخذه عمدًا ضمنه.
ابن رشد: هذا أبين؛ لأن الجعل إنما جعل له على أن يوصله لربه، فإن وجده في
стр. 3844
مكان بعيد من سيده تستغرق نفقته إلى وصول لربه الجعل رفعه لقاضي موضعه ينظر فيه لربه بما يراه من سجنه أو بيعه، فإن أرسله آخذه ضمنه.
وتعقب ابن عبد السلام: كون النفقة على المجعول له بأن النفقة حينئذ جزء من العوض، وذلك بيع مقترن بالجعل إلا أن يقال إنه من ضروريات هذا العقد، ولا انفكاك عنه إلا بجعله سلفًا من المجعول له يؤديه على الجاعل صار سلفًا وجعلًا، وهو أشد فسادًا من بيع وجعل.
قُلتُ: يجاب بأن كل العوض من العامل إنما هو نفس الإتيان بالآبق لا مؤنته، ومؤنته أمر يتوقف الإتيان به عليه لا مدخل له في العوضية كأصل المذهب في استئجار العبد على أن يأتيه بالغلة العوض فيها من العدد منافعه لا عوضها.
وكذا قال ابن رشد: إن ساوت مؤنته الجعل رفعه للإمام، ويحكم له بالجعل، وهذا إنما هو مؤنة توصيله لا في نفقة قوته وكسوته التي يقضى بهما على ربه لو كان حاضرًا هذا على ربه مطلقًا فاعلمه.
ولعل الشيخ توهم أن المراد بالنفقة هذا، وليس كذلك فتأمله، فإن لفظ النفقة في هذه المسألة وقعت في كلامهم مشتركة بين نفقة الإيصال ونفقة القوت، وقد علمت أن نفقة القوت واجبة على السيد، وأن من قام عن غيره بنفقة من تجب عليه نفقته تبعه بها.
وفي اللقطة منها: قيل: هل لمن وجد بقاٍ خارج المصر أو في المصر جعل إن طلبه؟
قال: قال مالك: فيه ولم يذكر خارج المصر، ولا داخله إن كان شأنه يطلب الضوال لذلك، ويردها فله الجعل بقدر بعد الموضع الذي أخذه فيه أو قربه، وإن لم يكن ذلك شأنه إنما وجده فأخذه فلا جعل له، وله نفقته.
قُلتُ: يريد\: إلا أن يدعه ربه فلا نفقة عليه، وهي مؤنة إيصاله لقوله فيها: ما أنفق على ما التقط من عبد أو أمة أو غيرهما ليس لربه أخذه حتى يدفع ما أنفق عليه أو يسلمه لمن أنفق عليه، ولابن رشد في رسم محض القضاء مع الصقلي عن محمد: لا نفقة له، وعزوه ابن عبد السلام لابن الماجشون لا أعرفه، واختصرها أبو سعيد سؤالًا وجوابًا؛ لأنه أوجب الجعل بمجرد كون الآتي به شأنه ذلك، ولم يعتبر هل ربه ممن يلي
стр. 3845
طلبه بنفسه أو بأعوانه أو لا؟
كما تقدم اعتبار ذلك فيمن حرث أرض رجل، واعتبر ذلك اللخمي قاله في مسألة من جوعل على آبق فاستحق من يده حسبما يأتي إن شاء الله.
وفي كتاب اللقطة: سمع عيسى ابن القاسم: من جعل جعلا لرجل على آبق فانقلب به، ثم أفلت فأخذه آخر فأتى به إن أفلت بعيدًا من مكان سيده فكل الجعل للثاني، ولا شيء فيه للأول، وإن أفلت قريبًا منه فالجعل بينهما على قدر شخوص كل منهما.
ابن رشد: هذا بين؛ لأن المجعول له الثاني هو المنتفع بعمل الأول إذا أفلت بالقرب بخلاف المجاعلة على حفر الآبار كما مر في رسم أخذ يشرب خمرًا من سماع ابن القاسم في كتاب الجعل.
قُلتُ: ونقل ابن شاس سماع عيسى فأجاد.
وقال ابن الحاجب: لو أفلت فأخذه آخر فجاء به، فقال مالك: الجعل بينهما بقدر شخوص كل واحد.
ابن عبد السلام: هذا صحيح إن كان العبد لم يبعد عن الموضع الذي أفلت فيه، ولو رجع إلى حيث وجده الأول لابتغى أن لا يكون للأول شيء.
وأشار بعض الشيوخ لرعي هذا المعنى ذكره في مسألة أخرى.
وسمع عيسى ابن القاسم: من جوعل على حفر بئر حتى يدرك ماءها فعمل، وترك ثم جوعل غيره عليها فللأول بقدر ما انتفع الثاني بعمله بالاجتهاد، ولا حد له رب أرض صلبة، وأخرى رخوة.
قال العتبي: وسمع عيسى رواية ابن االقاسم: يكون للآخر جعله كاملا، والجعل من الأول بقدر ما نتفع بحفره، وكنت أقول له قيمة ما عمل يوم عمل، وقال ابن كنانة: بل قيمة ما عمل اليوم فدخلنا على مالك فقال له على قدر ما انتفع بحفره يأخذه الآخر كل جعله، وينظر لقيمة ما انتفع به من عمل الأول فيعطاه لا يلتفت للجعل الأول لو كان الجعل الأول عشرة، وقيمه ما انتفع به من قيمة عمله خمسة عشر فله ذلك
стр. 3846
لا يلتفت للجعل الأول.
ابن رشد: معنى قول مالك: ينظر إلى قيمة ما نتفع به من عمل الأول أن ينظر على ما جعل من تمامها للثاني، وعلى ما كان بجعل على حفر كلها لو لم يتقدم فيها حفر يومه ذلك فيكون للأول ما زاد على ذلك على تمامها للثاني؛ لأنه الذي انحط عنه لعمل الأول، وكذا لو أتمها باستئجار فللأول فضل ما يستأجر به على حفر جميعها على ما استأجر به على حفر تمامها، ولو كان أكثر من الجعل الأول، وهو أظهر من قول ابن القاسم وابن كنانة؛ لأنه لما كان لا يجب عليه شيء إن لم ينتفع وجب أن لا يكون عليه إن انتفع إلا قدر ما انتفع به، وإنما يشبه أن يكون عليه قيمة عمله يوم انتفع به أو يوم عمله، إذا انتفع به كما هو دون أن يتمه بإجارة أو جعل في وجه من وجوه المنافع من كنيف يحدثه وشبه ذلك.
والقياس أن يكون له في هذا بحساب ما عمل من جعله الذي جاعل عليه، وشبه هذا الدلال يجعل له الجعل على شيء فيسوقه، ثم يبيعه ربه بغير حضرته، ولو باعه له دلال آخر بجعل أخذه منه كان الجعل بين الدلالين بقدر عنائهما؛ لأن الدلال الثاني هو المنتفع بتسويق الأول دون رب السلعة إذ أدى للثاني جعلًا كاملًا لم ينقص منه بسبب الأول شيئًا، وهو قياس سماع عيسى في كتاب اللقطة فيمن جعل لرجل جعلًا في طلب آبق فيجده فيأتي فينفلت منه، ويذهب ويجعل ربه عليه جعلًا آخر لرجل آخر فيأتي به أنه إن أفلت بعيدًا نمن مكان ربه فالجعل كله للثاني، ولا شيء فيه للأول، وإن أفلت قريبًا من مكانه فالجعل بينهما على ق ٤ در شخوص كل واحد منهما بقدر ما يرى.
اللخمي: إن أتى المجعول له بالعبد فأبق منه في بعض الطريق فلا شيء له من الجعل، ولا من نفقته عليه، فإن ترك العمل فجعل ربه فيه لآخر بعد أن رجع للموضع الذي أخذ منه أو قربه، وجعله للثاني في طلبه من مثل الموضع الذي هرب منه كان للأول بقدر ما انتفع به سيده، وإن جاعل الثاني على طلبه حيث يجده قرب أو بعد والجعل الآن مثل الأول فلا شيء للأول، وإن كان الثاني أقل؛ لأنه لا يطلبه إلا في المواضع القريبة فللأول بقدر ما انتفع به في طلبه.
стр. 3847
قُلتُ: ويأتي تمام الكلام فيه.
وسمع أصبغ ابن القاسم: من جوعل على آبق فاستحق منه بعد أخذه إياه، وقبل أخذ جعله، وقبضه من جاعله رجع بجعله على من جاعله، ولا شيء على مستحقه.
ابن رشد في الموازية: إثر هذا ويكون على مستحقه الأقل من جعل مثله، والمسمى وناظرت فيها من أرضى فقال مثله.
محمد: لأن كل آت بآبق تكلف طلبه له جعل مثله، ولا نفقة له، وإن جاء به من لم يطلبه فلا جعل له ولا نفقة.
ابن رشد: قوله فيمن لم يطلبه لا نفقة له خلاف قولها، والأظهر قول ابن القاسم؛ لأن المنفعة فيه إنما هي للجاعل دون مستحقه؛ لأن ضمانه منه لو لم يوجد خسر الثمن الذي أدى فيه، فإذا وجد فأخذه مستحقه رجع على بائعه بثمنه، والمستحق إن لم يوجد لم تكن مصيبته منه؛ لأن له إجازة البيع، وأخذ الثمن من بائعه، وهذا الخلاف إنما هو إن أخذه مستحقه، ولو أجاز البيع، وأخذ الثمن كان الجعل على الجاعل اتفاقًا.
ولابن أبي جعفر الدمياطي عن ابن القاسم: من جوعل على بيع ثوب فباعه، ثم استحق فلا جعل له، وهذا بين؛ لأن المستحق إن أخذ ثوبه انتقض البيع، فإن أجاز البيع، وأخذ الثمن ثبت الجعل على الجاعل، ويرجع به على المستحق.
قُلتُ: ذكر اللخمي قول محمد وقال: هذا أبين إلا أن يكون المستحق ممن يطلبه بنفسه أو بغير ذلك بغير أجر، وفي السماع المذكور استحقاقه بحرية كاستحقاقه بملك.
الشيخ عن أصبغ: إن استحق بحرية من الأصل فلا جعل له على أحد.
قُلتُ: ولم يتكلم ابن رشد على استحقاقه بحرية بوجه.
وفي النوادر: قال عبد الملك: من جعل في آبق جعلًا، ثم أعتقه فلا شيء لمن وجده بعد ذلك، وإن لم يعلم بعتقه، ولو أعتقه بعد أن وجده فله جعله، فإن كان عديما فذلك في رقبة العبد؛ لأنه بالقبض وجب له الجعل.
قال أحمد: إن أعتقه بعد قدومه فكما قال: وإن أعتقه بعد علمه أنه وجده لزمه جعله، فإن لم يجد عنده لم يصح عتقه حتى يقبض هذا جعله مبديا على الغرماء.
стр. 3848
أحمد: كالرهن.
قُلتُ: وقبله الشيخ، ولم يتكلم عليه بشيء، وكذا الباجي، وذكر قيل: قول عبد الملك عن أصبغ: من جعل على آبق وأعتقه بعد أن عمل وشخص فله جميع الجعل، وإن لم يعمل شيئًا، ولا شخص فلا شيء له وفيه نظر؛ لأن قول أحمد: إن أعتقه بعد قدومه فكما قال: وإن أعتقه بعد علمه إلى آخره نص في قصده مخالفته قول عبد الملك في هذا القسم، وإذا تأملتهما لم تجد بين قول عبد الملك، وما قاله أحمد فرقًا إلا أن الجعل على ظاهر قول عبد الملك في ؤغير العبد: فإن هلك فلا شيء على ربه من جعله كالعبد الجاني في أرش جنايته، وعلى ظاهر قوله أحمد الجعل في ذمة ربه لا يسقط عنه بموت العبد كدين العبد به رهن، ولذا قال أحمد آخر كلامه: كالرهن.
وهذه التفرقة ينبغي كونها على العكس؛ لأنه إذا أعتقه بعد قدومه به كان عتقه إياه بعد تقرر الجعل في ذمته؛ لأنه بنفس رإتيان المجعول له به، ثم عمله فوجب جعله على من جاعله، وتعلق العبد بذمته، وصار العبد بيد المجعول له رهنا لجعل فكان عتق ربه إياه بمنزلة عتق رب العبد عبده الرهن، وإن أعتقه قبل قدومه كان ربه أخرجه من ملكه قبل تمام عمل المجعول له فناسب عدم تعلق الجعل بذمته ضرورة تأخر تقرره عن خروج العبد من ملك ربه فانحصر تعلق الجعل برقبة العبد.
[باب في شرط الجعل]
وشرط الجعل أن لا غرر فيه.
فيها: ما لا يجوز بيعه لا يجوز أن يكون ثمنًا لإجارة أو جعل.
وذكر ابن رشد لفظ المدونة هذا في أول رسم من سماع ابن القاسم من كتاب الجعل من مسائل منتخبة لابن لبابة قال: رأيت فيها: قال قال ابن القاسم: كل ما جاز
стр. 3849
بيعه جاز الاستئجار به، وأن يجعل جعلا، وما لم يجز بيعه لم يجر الاستئجار به، ولا جعله جعلا إلا خصلتان فيمن يجعل لرجل على أن يغرس له أصولا حتى يبلغ حد كذا، ثم هي والأصل بينهما، فإن نصف هذا لا يجوز بيعه، وفيمن يقول القط زيتوني فما لقطت من شيء فلك نصفه فهذا يجوز؛ يريد: وبيعه لا يجوز.
قال: وعن مالك: لا يجوز واتفق.
قوله على جواز: اقتض مائة ولي على فلان، وما اقتضيت لك نصفه، وهما سواء.
ابن رشد: الفرق في لفظ الزيتون غرر، إلا أن أوله أهون من آخره، ولا يدري الجاعل هل يتم العامل العمل أولًا، والأظهر منع الجعل فيه، وهو على الاقتضاء بجزء من المقتضى جائز، ومنعه أشهب لما قررناه؛ لأن اقتضاء أوله أهون من باقية لا لقول أصبغ؛ لأنه رآه من الجعل على الخصومة.
قُلتُ: عزا في غير موضع لأشهب أنه لا يجيزه.
وفي رسم البيوع من سماع أصبغ ما نصه: قال أشهب: لا يعجبني على حال.
قال أصبغ: كرهه من باب الجعل على الخصومة، وعلى الجواز لو قال: اقتض مائة من فلان ولك نصفها، وما اقتضيت، ولك نصفه جاز، ولو لم يزد فلك نصفه، ففي جوازه قولان لابن القاسم كابن وهب.
ابن رشد: بناء على حمله على الإجارة والجعل.
وسمع عيسى ابن القاسم: من قال لرجل: صح على هذه السلعة، فإن بعتها بعشرة دنانير فلك من كل دينار سدسه لا بأس به كأنه قال: بعها ولك دينار وثلثان، فإن باعها بأكثر فليس له إلا ذلك، ولو قال: بعها فما بعتها به من دينار فلك من كل دينار سدسه، ولم يؤقت له ثمنا كان حرامًا لا خير فيه.
ابن رشد: لأن شرط الجعل أن يكون معلومًا.
وفيها: قبل ما تقدم من قال من جاءني بعبدي الآبق فله نصفه لم يجز؛ لأنه لا يدري ما دخله، فإن جاء به فله أجر مثله، وإلا فلا شيء له.
عبد الحق: من قدم به فهلك بيده فله قيمة عنائه في طلبه ونصف قيمة عنائه في
стр. 3850
رجوعه لوقت هلاكه، ولربه عليه قيمة نصف عبده يوم قبضه، وهو جعل فاسد على سمع ابن القاسم من جاعل في آبق له فقال: إن وجدته فلك كذا وكذا، وإن لم تجده فلك نفقتك وطعامك وكسوتك لا خير فيه.
ابن القاسم: إن وقع فله جعل مثله إن وجده، وإن لم يجده فله أجر مثله.
أصبغ عن ابن القاسم: لا أجر له.
ابن رشد: في رد فاسد الجعل لحكم نفسه إن أتى به فله جعل مثله، وإلا فلا شيء له أو الحكم الإجارة له أجر مثله، وإن لم يأت به، ثالثها: هذا إن التزم له عوض، وإن لم يأت به كهذه المسألة، وإلا فالأول وجه الأول بناء على جعل دليل الجعل أصلا في نفسه، والثاني على جعله إياه نوعا من الإجارة إجارة ذات غرر بشروط، والثالث على أن لزوم العوض في حالتيه قوي شبهه بالإجارة، وهذا أظهرها، واختاره ابن حبيب، وحكاه عن مالك والأخوين.
والأقوال الثلاثة راجعة لأصل جارية على قياس، وقول ابن القاسم في هذا السماع: له جعل مثله إن وجده، وأجر مثله إن لم يجده لا يرجع لأصل، ولا يجري على قياس، وكذا قوله في المدونة: في إن جئت بعبدي الآبق فلك نصفه له أجر مثله إن أتى به، وإن لم يأت به فلا جعل له، ولا إجارة لا حظ له في نظر ولا قياس.
ابن عبد السلام: معنى قوله فيها: إن جاء به فله أجر مثله أنه إن أتى به، وإن لم يأت به فلا جعل، ولا إجارة عند المحققين جعل مثله؛ لأن أجر المثل يجب، ولو لم يزظهر لعمله فائدة، وجعل مثله لا يجب حتى يظهر له فائدة، وهي الإتيان بالآبق، ولما علق وجوب العوض منه على إتيانه به دل على أنه أطلق لفظ الأجر على الجعل مجازًا.
قُلتُ: ما عزاه للمحققين هوما تقدم لعبد الحق، وهو خلاف ما تقدم لابن رشد، ودليل ابن رشد قوله في المدونة: لا جعل له، ولا إجارة فعطفه الإجارة على الجعل ظاهر في عدم إرادته بالإجارة الجعل.
اللخمي في الموازية: من جعل في آبق أو في اقتضاء دين جعلا، فإن لم يجده أو لم يقبض الدين فله نفقته فسد، وإن وجده أو اقتضاه فله جعل مثله، وإلا فلا شيء له.
стр. 3851
وقال في العتبية: إن لم يجده فله أجر مثله فرده فللإجارة الفاسدة لما جعل له جعلًا ثانيًا على كل حال، ورده في القول الآخر إلى الجعل الفاسد، وأن لا شيء له إن لم يجده؛ يريد: إن كانت النفقة يسيرة في قدر الجعل.
ابن زرقون: في الحكم له بحكم الجعل أو الإجارة مطلقًا، ثالثها: إن جاء به فالأول، وإلا فالثاني، ورابعها: عكسه لرواية الواضحة والأخوين وابن القاسم ولها.
قُلتُ: وخامسها: ثالث نقل ابن رشد، وسادسها: إن كان ما التزم على إن لم يأت به يسيرا فالأول، وإلا فالثاني لتفسير اللخمي ما تقدم.
وسمع عيسى ابن القاسم جعل الرجل على آبقين له عشرة دنانير لا أحبه حتى يجعل في كل واحد جعلًا معروفًا، فإن نزل الأول وأتى بأحدهما فله من الجعل بقدر قيمة الذي أتى به من مجموع قيمتها.
ابن رشد: هذا خلاف قول ابن القاسم فيها له قيمة عمله على قدر عنائه، وطلبه.
وقول ابن نافع فيها: له نصف العشرة.
قال: والجعل عليهما لا يخلو من أربعة أوجه، فإن جعل فيهما جعلًا واحدًا على أن لا شيء له إلا أن يأتي بهما معًا فسد اتفاقًا.
وفيه: إن وقع ما تقدم في الفاسد، فإن كان على إن أتى بأحدهما فله نصف الجعل أو على إن أتى بفلان منهما فله منه كذا، وإن أتى بالآخر فله منه كذا جائز.
قُلتُ: زاد التونسي: إن عين كل منهما بعينه قدرًا من الجعل متفاوتًا جاز إن عرفهما المجعول له، فإن جهلهما ففي جوازه قولان الأظهر الثاني.
اللخمي: إن اختلف الجعل فيهما فأجازه في الموازية، ولو جهلهما، ومنعه أحرى، وهو أشبه، ولو استوى واختلف قيمتهما فأجازه في الموازية، ومنعه في غيرها.
ابن رشد: وإن كان على أن له فيما أتى به منهما من الجعل بقدر قيمته من قيمة صاحبه ففي فساده وجوازه.
قال ابن الحاجب تابعًا لابن شاس: وحريم الدار المحفوفة بالموات ما يرتفق به من مطرح أو مصب ميزاب.
стр. 3852
قُلتُ: هذا الحكم في هذه الصورة لا أعرفه لأحد من أهل المذهب بحال لكن مسائل المذهب تدل على صحته منها قولها: لمن حفر بئرًا منع من أراد أن يبني أو يحفر بئرًا في حريمها، ولو لم يكن على البئر من حفر بئر أخرى ضرر لصلابة الأرض لما يضر بهم في مناخ الإبل، ومرابض المواشي عند ورودها، ونحو هذا في الأمهات كثير، وتبعا في نص لفظها.
الغزالي: قال في وجيزه: وأما الدار فإن كانت في موات فحريمها مطرح التراب والثلج ومصب الميزاب، والممر في صوب الماء.
ابن الحاجب تابعًا لابن شاس: والمحفوفة بألملاك لا تختص، ولكل الانتفاع بملكه وحريمه.
قُلتُ: في تسويته الانتفاع بحريمه، وملكه بمجرد عطفه عليه نظر؛ لأن مسمى حريمه المغاير لمسمى ملكه لعطفه عليه إنما يصدق على الفناء، وليس انتفاعه كانتفاعه بملك يجوز كراؤه مطلقًا، وأما فناؤه فسمع ابن القاسم لأرباب الأفنية التي انتفاعهم بها لا يضيق على المارة أن يكروها.
ابن رشد: لأن كل ما للرجل أن ينتفع به كان له أن يكريه.
قُلتُ: وهذه الكلية غير صادقة؛ لأن بعض ما للرجل أن ينتفع به لا يجوز له أن يكريه كجلد الأضحية، وبيت المدرسة للطالب ونحوه، وفناء الدار، وهو ما بين يدي بنائها فاضلًا عن ممر الطريق المعد للمرور غالبًا كان بين بابها أو غيره، وكان بعض شيوخنا يشير؛ لأنه الكائن بين يدي بابها، وليس كذلك لقولها في كتاب القسم، وإن قسما دارًا أن يأخذ كل واحد طائفة فمن صارت الأجنحة في حظه فهي له، ولا تعد من الفناء، وإن كانت في هواء الأفنية، وفناء الدار لهم أجمعون الانتفاع به.
ابن رشد: إثر كلامه السابق، وهذا لا أعلم فيه خلافًا، ولا يباح لذى الفناء أن يدخله في داره، فإن فعل وهو يضر بالطريق هدم عليه، ورد كما كان، وإن كان لا يضر ففي تهدمه كذلك قولان لسماع زونان ابن وهب مع أشهب، وأصبغ مع سماعه أشهب: والقائلون بالأول أكثر، والثاني أظهر، ونزلت بقرطبة فأفتى ابن لبابة وأيوب
стр. 3853
ابن سليمان، ومحمد بن وليد: بعدم الهدم.
وأفتى عبد الله بن يحيى، وأبيه يحيى، ويحيى بن عبد العزيز، وسعد بن معاذ، وأحمد بن نصر: بالهدم.
وسمع ابن القاسم: في كتاب ابن القاسم: ليس لمن له دار في رحبة لأهل الطريق ارتفاق بها حين ضيق الطريق بالأحمال، وشبهها أن يجعل عليها بابًا حتى تكون الرحبة له فناء، ولم يزد فيها ابن رشد، ونزلت عندنا بتونس في موضعين؛ فحكم بالهدم الباب وإزالته.
وسمع أصبغ: ابن القاسم: في الأقضية لمن له داران بينهما طريق أن يبني على جداريهما غرفة أو مجلسًا فوق الطريق، وإنما يمنع من الإضرار بتضييق الطريق.
ابن رشد: هذا إن رفع بناءه رفعًا يجاوز رأس المار راكبًا، ونحوه في الزاهي، وكذا الأجنحة.
وفيها: كل ما أحدثه ذو عرضة فيها من فرن أو حمام أو أرحية ماء أو غيرها أو كير للحديد أو أفرانا لتسييل الذهب والفضة أو آبارًا أو كنفًا فكل ما أضر بجاره من ذلك منع، واستخف اتخاذ التنور.
وسمع يحيى ابن القاسم في الأقضية: من له دار لاصقة بأندر قوم انتفاع ربه به، ودراسته يمنع من بنائه بأرضه ما يضر الأندر في قطع منفعة ربه به كالريح ونحوه، وقاله ابن نافع وسحنون في آخر قوليه وقال: أولًا له ذلك قائلا: وإحداث الأندر على رب الأندر أو الجنان ضرر يمنع ابن رشد إحداث أندار بإزاء دار أو جنان يضر ما يقع بأحدهما من تبن عند المذر، وبه ضرر وكذا دخان حمام أو فرن أو رائحة دبغ أو إلصاق كنيف بجدار جاره أو رحى تضر بجداره وشبهه اتفاقًا في الجميع، ومنه ضرر الاطلاع كإحداث كوة أو باب يطلع من إحداهما على دار جاره أو يتخد عليه قصبة يشرف منها على عياله، وشذ قول أشهب وابن الماجشون ومحمد بن سلمة ومحمد بن صدقة من أصحاب مالك: أنه لا يمنع، ويقال لجاره استر ععلى نفسك إن شئت.
قُلتُ: في لفظ إن شئت نظر، أشار إليه الصقلي في نحو هذا وقال: الجواب أن يستر
стр. 3854
على نفسه، وظاهر قول ابن رشد: على دار جاره قصره على الدور دون البساتين، ونزلت بتونس أوائل هذا القرن على ما أخبرني به بعض شيوخنا أحدث من كان له بعض معرفة بأهل الأمر من التجار في مرج جنانه طاقة يطلع منها على سطح جابية بجنان قاضي الأنكحة حينئذ، وتحاكما لقاضي وقتيهما الفقيه أبي إسحاق بن عبد الرفيع فأبصرت من إثر حكمه ما تربنا بجانب الطاقة المذكورة يمنع الاطلاع على السطح المذكور فما أدري هل كان بالحكم بينهما أو بتراضيهما، وفي الحكم فيه اختلاف حسبما يأتي إن شاء الله تعالى، وأشار لي بعض من لقيت بأن المسألة في نوازل ابن الحاج فيها ما نصه لا خلاف في منع الاطلاع على الدور والفدادين والمزارع لا خلاف في إباحة البناء الذي يطلع منه عليها والجنات مختلف فيها أخبرت به عن ابن الطلاع والكروم والقريبة كالجنات لا سيما عندنا لكثرة تكرار أهلها بعيالهم إليها.
الباجي: عن الأخوين من بنى على شرف يطل منه على موردة القرية على علوة أو علوتين، فإن كان لإشراف مكانه لم يمنع، ولو وجد عنه مندوحة، وكذا لو اطلع من ذلك الشرف على دور جيرانه إن كان ذلك حال الوضع قبل البناء، وغن كان اطلاعه على الموردة بعلية فتح بابها للموردة أو كوى منع ابن عات عن المشاور إنما يمنع الاطلاع إذا تبينت الأشخاص، وإلا فلا.
قُلتُ: انظر هل مراده الأشخاص باعتبار الصنف كالرجل من المرأة أو النوع كالإنسان من غيره، وأما بالجزئية كزيد من عمرو فلا، وانظر مع تحديد الأخوين بالعلوة والعلوة قدرها مائتا ذراع قاله ابن رشد في قصر المسافر.
وسمع عبد الملك بن وهب: من شكا بشجرة بدار جارة لإشراف من يطلعها لاحنائها على داره، وخوف أن يتطرق إليه منها لم يكن له قطعها، وله قطع ما دخل من أغصانها في أرضه.
ابن رشد: له قطع ما طال من الحادثة فأضر حائطه أو دخل هواء حقه، وقلعها إن أضرت حائطه، وإن كانت الشجرة قديمة قبل دار الجار فليس للجار قطعها، ولو أضرت بجدار، وفي قطعه ما أضر به مما طال من أغصانها قولا أصبغ مع مطرف، وابن
стр. 3855
الماجشون؛ لأنه علم أن هذا يكون من حال الشجرة فقد جاز ذلك من حريمها، والأول أظهر، واختاره ابن حبيب، ولمن له أرض بجانب شجره في أرض جاره قطع ما دخل في ؤأرضه، وامتد من فروعها على أرضه، ومن كانت في أرضه شجرة لغيره فليس له قطع ما طال، وانبسط منها قاله ابن القاسم وغيره.
وسئل ابن رشد: عن صومعة أحدثت يطلع منها على بعض الدور هل هي كالشجرة يطلع منها حين اجتنائها على دار الجار فأفتى بسد كل ما يطلع منه على دار، وفرق بينهما وبين الشجرة بكثرة صعود الصومعة، وقلة طلوع الشجرة، وفي حريم البئر منها من رفع بناءه ففتح كوى يشرف منها على جاره منع، وكتب عمر في هذا أن يوقف على سرير، فإن نظر منه إلى ما في دار جاره منع، وإلا لم يمنع.
قال مالك: يمنع من ذلك ما فيه ضرر، ونحوه في سماع عتبد الملك ابن وهب من كتاب السلطان.
ابن رشد: مثله لأشهب، وفي حريم البئر منها فذكر له نصها، وقال: لأن الأسرة مما تتخذ في البيوت، فإذا كان ما قام عليها اطلع على دار جاره منع، والمعنى في هذا كله أن ما لا يوصل إليه من الاطلاع إلا بكافة ومؤنة، وقصد إلى الاطلاع بتكليف صعود لا وجه إلا ذلك لم يمنع منه، وقيل: للذي يشكو الاطلاع بتكليف صعود لا وجه إلا ذلك لفم يمنع منه استر على نفسك، فإن أثبت أنه اطلع عليه بقصد إلى ذلك وجب على الإماغم تأديبه حتى لا يعود إليه.
وأفتى الشيوخ عندنا فيمن فتح في قصبته بابًا لا يطلع منه على دار جاره إلا بأن يخرج رأسه من الباب ليطلع أو يخرج إلى السقف أو إخراج أحد منه رأسه ليطلع، وهو أحسن من الفتوى، وإن ثبت ضرر الاطلاع ففي وجوب الحكم بسده، وإزالة أثره خوف دعوى قدمه وعدم وجوب سده، والاكتفاء بجعل أمام ذلك ما يستره قولان لسماع أشهب من الأقضية، وابن الماجشون في الواضحة.
وذكر المتيطي قبل ذكره ما تقدم من كلام ابن رشد ما نصه: من أراد أن يحدث على جاره كوة أو بابًا أو غرفة يشرف منها على ما في دار جاره أو أسطوانة أو غرفته منع من
следующие страницы →