Полный текст (5 077 стр.). Показаны 3851–3890 · переход к 3856.
стр. 3851
وقال في العتبية: إن لم يجده فله أجر مثله فرده فللإجارة الفاسدة لما جعل له جعلًا ثانيًا على كل حال، ورده في القول الآخر إلى الجعل الفاسد، وأن لا شيء له إن لم يجده؛ يريد: إن كانت النفقة يسيرة في قدر الجعل.
ابن زرقون: في الحكم له بحكم الجعل أو الإجارة مطلقًا، ثالثها: إن جاء به فالأول، وإلا فالثاني، ورابعها: عكسه لرواية الواضحة والأخوين وابن القاسم ولها.
قُلتُ: وخامسها: ثالث نقل ابن رشد، وسادسها: إن كان ما التزم على إن لم يأت به يسيرا فالأول، وإلا فالثاني لتفسير اللخمي ما تقدم.
وسمع عيسى ابن القاسم جعل الرجل على آبقين له عشرة دنانير لا أحبه حتى يجعل في كل واحد جعلًا معروفًا، فإن نزل الأول وأتى بأحدهما فله من الجعل بقدر قيمة الذي أتى به من مجموع قيمتها.
ابن رشد: هذا خلاف قول ابن القاسم فيها له قيمة عمله على قدر عنائه، وطلبه.
وقول ابن نافع فيها: له نصف العشرة.
قال: والجعل عليهما لا يخلو من أربعة أوجه، فإن جعل فيهما جعلًا واحدًا على أن لا شيء له إلا أن يأتي بهما معًا فسد اتفاقًا.
وفيه: إن وقع ما تقدم في الفاسد، فإن كان على إن أتى بأحدهما فله نصف الجعل أو على إن أتى بفلان منهما فله منه كذا، وإن أتى بالآخر فله منه كذا جائز.
قُلتُ: زاد التونسي: إن عين كل منهما بعينه قدرًا من الجعل متفاوتًا جاز إن عرفهما المجعول له، فإن جهلهما ففي جوازه قولان الأظهر الثاني.
اللخمي: إن اختلف الجعل فيهما فأجازه في الموازية، ولو جهلهما، ومنعه أحرى، وهو أشبه، ولو استوى واختلف قيمتهما فأجازه في الموازية، ومنعه في غيرها.
ابن رشد: وإن كان على أن له فيما أتى به منهما من الجعل بقدر قيمته من قيمة صاحبه ففي فساده وجوازه.
قال ابن الحاجب تابعًا لابن شاس: وحريم الدار المحفوفة بالموات ما يرتفق به من مطرح أو مصب ميزاب.
стр. 3852
قُلتُ: هذا الحكم في هذه الصورة لا أعرفه لأحد من أهل المذهب بحال لكن مسائل المذهب تدل على صحته منها قولها: لمن حفر بئرًا منع من أراد أن يبني أو يحفر بئرًا في حريمها، ولو لم يكن على البئر من حفر بئر أخرى ضرر لصلابة الأرض لما يضر بهم في مناخ الإبل، ومرابض المواشي عند ورودها، ونحو هذا في الأمهات كثير، وتبعا في نص لفظها.
الغزالي: قال في وجيزه: وأما الدار فإن كانت في موات فحريمها مطرح التراب والثلج ومصب الميزاب، والممر في صوب الماء.
ابن الحاجب تابعًا لابن شاس: والمحفوفة بألملاك لا تختص، ولكل الانتفاع بملكه وحريمه.
قُلتُ: في تسويته الانتفاع بحريمه، وملكه بمجرد عطفه عليه نظر؛ لأن مسمى حريمه المغاير لمسمى ملكه لعطفه عليه إنما يصدق على الفناء، وليس انتفاعه كانتفاعه بملك يجوز كراؤه مطلقًا، وأما فناؤه فسمع ابن القاسم لأرباب الأفنية التي انتفاعهم بها لا يضيق على المارة أن يكروها.
ابن رشد: لأن كل ما للرجل أن ينتفع به كان له أن يكريه.
قُلتُ: وهذه الكلية غير صادقة؛ لأن بعض ما للرجل أن ينتفع به لا يجوز له أن يكريه كجلد الأضحية، وبيت المدرسة للطالب ونحوه، وفناء الدار، وهو ما بين يدي بنائها فاضلًا عن ممر الطريق المعد للمرور غالبًا كان بين بابها أو غيره، وكان بعض شيوخنا يشير؛ لأنه الكائن بين يدي بابها، وليس كذلك لقولها في كتاب القسم، وإن قسما دارًا أن يأخذ كل واحد طائفة فمن صارت الأجنحة في حظه فهي له، ولا تعد من الفناء، وإن كانت في هواء الأفنية، وفناء الدار لهم أجمعون الانتفاع به.
ابن رشد: إثر كلامه السابق، وهذا لا أعلم فيه خلافًا، ولا يباح لذى الفناء أن يدخله في داره، فإن فعل وهو يضر بالطريق هدم عليه، ورد كما كان، وإن كان لا يضر ففي تهدمه كذلك قولان لسماع زونان ابن وهب مع أشهب، وأصبغ مع سماعه أشهب: والقائلون بالأول أكثر، والثاني أظهر، ونزلت بقرطبة فأفتى ابن لبابة وأيوب
стр. 3853
ابن سليمان، ومحمد بن وليد: بعدم الهدم.
وأفتى عبد الله بن يحيى، وأبيه يحيى، ويحيى بن عبد العزيز، وسعد بن معاذ، وأحمد بن نصر: بالهدم.
وسمع ابن القاسم: في كتاب ابن القاسم: ليس لمن له دار في رحبة لأهل الطريق ارتفاق بها حين ضيق الطريق بالأحمال، وشبهها أن يجعل عليها بابًا حتى تكون الرحبة له فناء، ولم يزد فيها ابن رشد، ونزلت عندنا بتونس في موضعين؛ فحكم بالهدم الباب وإزالته.
وسمع أصبغ: ابن القاسم: في الأقضية لمن له داران بينهما طريق أن يبني على جداريهما غرفة أو مجلسًا فوق الطريق، وإنما يمنع من الإضرار بتضييق الطريق.
ابن رشد: هذا إن رفع بناءه رفعًا يجاوز رأس المار راكبًا، ونحوه في الزاهي، وكذا الأجنحة.
وفيها: كل ما أحدثه ذو عرضة فيها من فرن أو حمام أو أرحية ماء أو غيرها أو كير للحديد أو أفرانا لتسييل الذهب والفضة أو آبارًا أو كنفًا فكل ما أضر بجاره من ذلك منع، واستخف اتخاذ التنور.
وسمع يحيى ابن القاسم في الأقضية: من له دار لاصقة بأندر قوم انتفاع ربه به، ودراسته يمنع من بنائه بأرضه ما يضر الأندر في قطع منفعة ربه به كالريح ونحوه، وقاله ابن نافع وسحنون في آخر قوليه وقال: أولًا له ذلك قائلا: وإحداث الأندر على رب الأندر أو الجنان ضرر يمنع ابن رشد إحداث أندار بإزاء دار أو جنان يضر ما يقع بأحدهما من تبن عند المذر، وبه ضرر وكذا دخان حمام أو فرن أو رائحة دبغ أو إلصاق كنيف بجدار جاره أو رحى تضر بجداره وشبهه اتفاقًا في الجميع، ومنه ضرر الاطلاع كإحداث كوة أو باب يطلع من إحداهما على دار جاره أو يتخد عليه قصبة يشرف منها على عياله، وشذ قول أشهب وابن الماجشون ومحمد بن سلمة ومحمد بن صدقة من أصحاب مالك: أنه لا يمنع، ويقال لجاره استر ععلى نفسك إن شئت.
قُلتُ: في لفظ إن شئت نظر، أشار إليه الصقلي في نحو هذا وقال: الجواب أن يستر
стр. 3854
على نفسه، وظاهر قول ابن رشد: على دار جاره قصره على الدور دون البساتين، ونزلت بتونس أوائل هذا القرن على ما أخبرني به بعض شيوخنا أحدث من كان له بعض معرفة بأهل الأمر من التجار في مرج جنانه طاقة يطلع منها على سطح جابية بجنان قاضي الأنكحة حينئذ، وتحاكما لقاضي وقتيهما الفقيه أبي إسحاق بن عبد الرفيع فأبصرت من إثر حكمه ما تربنا بجانب الطاقة المذكورة يمنع الاطلاع على السطح المذكور فما أدري هل كان بالحكم بينهما أو بتراضيهما، وفي الحكم فيه اختلاف حسبما يأتي إن شاء الله تعالى، وأشار لي بعض من لقيت بأن المسألة في نوازل ابن الحاج فيها ما نصه لا خلاف في منع الاطلاع على الدور والفدادين والمزارع لا خلاف في إباحة البناء الذي يطلع منه عليها والجنات مختلف فيها أخبرت به عن ابن الطلاع والكروم والقريبة كالجنات لا سيما عندنا لكثرة تكرار أهلها بعيالهم إليها.
الباجي: عن الأخوين من بنى على شرف يطل منه على موردة القرية على علوة أو علوتين، فإن كان لإشراف مكانه لم يمنع، ولو وجد عنه مندوحة، وكذا لو اطلع من ذلك الشرف على دور جيرانه إن كان ذلك حال الوضع قبل البناء، وغن كان اطلاعه على الموردة بعلية فتح بابها للموردة أو كوى منع ابن عات عن المشاور إنما يمنع الاطلاع إذا تبينت الأشخاص، وإلا فلا.
قُلتُ: انظر هل مراده الأشخاص باعتبار الصنف كالرجل من المرأة أو النوع كالإنسان من غيره، وأما بالجزئية كزيد من عمرو فلا، وانظر مع تحديد الأخوين بالعلوة والعلوة قدرها مائتا ذراع قاله ابن رشد في قصر المسافر.
وسمع عبد الملك بن وهب: من شكا بشجرة بدار جارة لإشراف من يطلعها لاحنائها على داره، وخوف أن يتطرق إليه منها لم يكن له قطعها، وله قطع ما دخل من أغصانها في أرضه.
ابن رشد: له قطع ما طال من الحادثة فأضر حائطه أو دخل هواء حقه، وقلعها إن أضرت حائطه، وإن كانت الشجرة قديمة قبل دار الجار فليس للجار قطعها، ولو أضرت بجدار، وفي قطعه ما أضر به مما طال من أغصانها قولا أصبغ مع مطرف، وابن
стр. 3855
الماجشون؛ لأنه علم أن هذا يكون من حال الشجرة فقد جاز ذلك من حريمها، والأول أظهر، واختاره ابن حبيب، ولمن له أرض بجانب شجره في أرض جاره قطع ما دخل في ؤأرضه، وامتد من فروعها على أرضه، ومن كانت في أرضه شجرة لغيره فليس له قطع ما طال، وانبسط منها قاله ابن القاسم وغيره.
وسئل ابن رشد: عن صومعة أحدثت يطلع منها على بعض الدور هل هي كالشجرة يطلع منها حين اجتنائها على دار الجار فأفتى بسد كل ما يطلع منه على دار، وفرق بينهما وبين الشجرة بكثرة صعود الصومعة، وقلة طلوع الشجرة، وفي حريم البئر منها من رفع بناءه ففتح كوى يشرف منها على جاره منع، وكتب عمر في هذا أن يوقف على سرير، فإن نظر منه إلى ما في دار جاره منع، وإلا لم يمنع.
قال مالك: يمنع من ذلك ما فيه ضرر، ونحوه في سماع عتبد الملك ابن وهب من كتاب السلطان.
ابن رشد: مثله لأشهب، وفي حريم البئر منها فذكر له نصها، وقال: لأن الأسرة مما تتخذ في البيوت، فإذا كان ما قام عليها اطلع على دار جاره منع، والمعنى في هذا كله أن ما لا يوصل إليه من الاطلاع إلا بكافة ومؤنة، وقصد إلى الاطلاع بتكليف صعود لا وجه إلا ذلك لم يمنع منه، وقيل: للذي يشكو الاطلاع بتكليف صعود لا وجه إلا ذلك لفم يمنع منه استر على نفسك، فإن أثبت أنه اطلع عليه بقصد إلى ذلك وجب على الإماغم تأديبه حتى لا يعود إليه.
وأفتى الشيوخ عندنا فيمن فتح في قصبته بابًا لا يطلع منه على دار جاره إلا بأن يخرج رأسه من الباب ليطلع أو يخرج إلى السقف أو إخراج أحد منه رأسه ليطلع، وهو أحسن من الفتوى، وإن ثبت ضرر الاطلاع ففي وجوب الحكم بسده، وإزالة أثره خوف دعوى قدمه وعدم وجوب سده، والاكتفاء بجعل أمام ذلك ما يستره قولان لسماع أشهب من الأقضية، وابن الماجشون في الواضحة.
وذكر المتيطي قبل ذكره ما تقدم من كلام ابن رشد ما نصه: من أراد أن يحدث على جاره كوة أو بابًا أو غرفة يشرف منها على ما في دار جاره أو أسطوانة أو غرفته منع من
стр. 3856
ذلك، فإن أحدثها قضي بغلق الكوة، والباب بالبناء وقلع عتبة الباب؛ لأنها إن تركت وطال الزمان ونسى الأمر كانت حجة للمحدث، وقال: إنما أغلفته لتعيده متى شئت، وكذا عتبة باب الدار.
قُلتُ: كذا ذكره غير معزو وكأنه المذهب، وذكره الصقلي جوابًا لسحنون عن سؤال حبيب إياه.
وقال ابن رشد في أول رسم من سماع القرينين في الأقضية: هو دليل هذا السماع.
وقال ابن وهب: كتب عمر بن الخطاب؛ فذكر ما تقدم.
وقال عقبة: والعمل على قول مالك.
قُلتُ: فظاهره أن قول مالك خالاف المروي عن عمر، وقال ابن أبي زمنين: قال بعض مشايخنا: السرير في هذا الحديث فرش الغرفة.
قاله بعض المتأخرين: وقيل: السرير السلم وأبواب الغرف أضر من أبواب الدور والضرر الذي يوجب إغلاق أبواب الغرف المحدثة هو أن يقف واقف في الباب المحدث، ويستبين له في دار المحدث عليه الوجوه، فإن لم يظهر الوجوه لم يكن الإحداث ضررًا، وبقي بحاله.
وفي تضمين الصناع منها: من كان له على جاره باب قديم أو كوة قديمة لا منفعة له فيهما، وعلى جاره مضرة بهما لم يمنع منهما؛ لأنه أمر لم يحدثه عليه، ولم أسمعه من مالك.
ابن رشد: ومثله لابن الماجشون قال: الأبواب والكوى القديمة قبل بناء الدار المطلع عليها لا يمنع.
الصقلي في حريم البئر: رأيت بعض فقهائنا يعني ويستحسن أن له منعه من التكشف، وإن كانت قديمة، وإن رضيًا بذلك لم يتركا؛ لأنه رضى بما لا يحل، وهو خلاف المنصوص.
ابن رشد عن ابن الماجشون: لو أراد رب عرصة منع جاره من فتح باب على عرصته قبل بنائها لضرر ذلك عليه إذا بنى لم يكن له ذلك.
стр. 3857
وقال مطرف: له منعه قبل البناء وبعده، ولو ترك منعه قبل البناء كان له منعه بعده إلا أن يكون رب العرصة اشتراها على ذلك، وقاله أصبغ وابن حبيب.
ابن زرقون: في منعه قبل بناء القاعة وبعدها وعدمه فيهما، ثالثهما: بعده لا قبله لمطرف وابن الماجشون وابن القاسم.
قُلتُ: نقلها الباجي قائلا: في الثالث أظن أني رأيته لابن القاسم وابن رشد، واختلف على ما في المدونة إن أشكل قدمه وحدوثه، ففي حمله على القدم أو الحدوث قولان لكتاب ابن سحنون وأحكام ابن زياد.
قُلتُ: زاد ابن زرقون: وبه الحكم لحديث "لا ضرر ولا ضرار".
قُلتُ: ويتخرجان على قولي ابن القاسم وأشهب فيهاك فيمن ابتاع سلعة بروبة متقدمة ادعى مبتاعها عند رؤيتها تغيرها.
المتيطي: إن لم تقطع البينة بمعرفة الأحداث، وقالت: رأيت أشياء يدل على الأحداث، وفيه ضرر على فلان وجب قطعه مع يمين القائم على أنه محدث كذا ما يمنع به دار جاره الضوء والشمس، والريح جائز.
ابن رشد: شذ قول ابن نافع بمنعه.
قُلتُ: كذا نكره لا بقيد وللصقلي عن ابن كنانة في المجموعة: إن رفعه ليضر بجاره في ذلك، ولا يقع له في بنائه منع، ومن له حائط به رف خرجت أكلبه لدار جاره في جواز بنائه عليه غرفة أو غيرها، ومنعه نقلا ابن سهل عن ابن العطار، وابن عتاب مع ابن مالك بناء على قصر يملك الهواء على ملك قاعة الأرض إضافة ملك كل هو الملك بنائه.
ابن سهل: الأول أشبه.
стр. 3858
قُلتُ: هو دليل قول قسمها في مسألة الأجنحة، وتقدمت.
الصقلي: وسئلت عن من بنى دارًا أو سطحًا على أن يبني فوق السطح فعجز عن البناء، والسطح يكشف جيرانه فلم يقوموا عليه حتى باعها بعد سنة من وقت بنائها فقام على المشتري منهم من يكشف عليه طالبًا له بالستر، فقال: كذا اشتريت، ولم أحدثه عليكم فظهر لي أنه عيب إن لم يبين البائع قرب بنائه، فيخير المشتري في تماسكه، والستر على الجار، وفي رده فيستر البائع إلا أن يمضي لذلك كثير السنين كالعشر سنين ونحوها، ولم يقوموا، وقاله جماعة من أصحابنا.
قُلتُ: لابن رشد في نوازل أصبغ من جامع البيوع في لغو استحقاق ملك الضرر المحدث بالجواز مطلقًا، وملكه بحوزه مما يجاز به الأملاك عشرة أعوام ونحوها أو بالعشرين ونحوها، رابعها: بخمسة عشر، وخامسها: بأربع سنين، وسادسها: قصر استحقاقه بالحوز على ما ضرره على عقد واحد، وما يتزايد أبدًا، كالمطمر إلى جانب الحائط وشببهه هو لغو فيه لابن حبيب، وأحد قولي أصبغ، وثانيهما، وابن الماجشون مع استحسانه.
ابن زرب وابن سحنون عنه وعن غيرهم.
قُلتُ: هذا عزاه ابن سهل لنقل ابن أبي زمنين عن فتوى يحيى بن إبراهيم بن مزين ومثل ما لا يزيد بفتح الأبواب، والكوى، وما لا يزيد كالكنيف ومحل الدبغ.
وفي سماع القرينين من كتاب الأقضية لمن أحدث على أرضه مرور ما سكت عنه أربعين سنة القيام بقطعه.
ابن رشد: هذا على القول أن الضرر لا يجاز.
قُلتُ: وسابعها: مطلق ما زاد على عشر، وثامنها: مطلق ما زاد على عشرين لمفهومي.
نقل ابن سهل عن ابن لبابة قوله: العشر سنين قليل، ونقله عنه سمعت رواية المبسوط وغيرها بناء على القولين في جميع الرجلين سلعتيهما في البيع؛ لأن جملة الجعل معلوم، وما يقع لكل عبد لا يعلم إلا بعد التقويم.
стр. 3859
قُلتُ: سبقه التونسي بهذا الأجر أو تقدم رده بأن الجهل إنما يرجع فيؤ السلعتين للبائعين فقط لا للمشتري والجهل هنا راجع لكل من العاقدين.
قال: وإن كان على إطلاق الجعل دون بيان ما يكون إن أتى بأحدهما فاختلف على ما يحمل من الأوجه الثلاثة علمه ابن القاسم فيها على ظاهره من أنه لا شيء له إلا بإتيانه بهما، فجعله فاسد أو حمله في هذا السماع إن وقع ما كراهته ابتداء على قصد أن له في الذي يأتي به منهما من الجعل بقدر قيمته من قيمة الآخر، وحمله ابن نافع على قصدهما ما يجوز، وهو إن له أن أتى بأحدهما نصف الجعل، فأوجب له ذلك.
ومن جعل في آبق له لرجل عشرة، ولآخر خمسة فأتيا به ففي كون الواجب له العشرة بينهما أثلاثا أو لكل واحد نصف جعله قولا ابن القاسم وابن نافع فيها، ورجحه التونسي واللخمي ومحمد وروي: لو عيب العبد بعد أخذه المجعول له أو قبله ونقصت قيمته عن الجعل فله جعله كاملًا.
[باب في العمل في الجعل]
والعمل فيه لا يشترط فيه علم متعسره بخلاف متيسره كل المذهب جوازه على الآبق مع جهلهما ناحيته بخلافه على استخراج الماء من الأرض.
стр. 3860
في "المعونة": يجوز بعد معرفة بعد ماء الأرض وقربه وشدتها ولينها، فإن لم يعرف ذلك لم يجز؛ لأنه جعل لا تدعو ضرورة إليه، وهو نص نقل ابن فتوح عن المذهب، وقول المقدمات: ليس من شرطه كون العمل معلومًا بل يجوز فيه المجهول ظاهره عدم شرط خبرة الأرض، وهو ظاهر ثاني مسألة في رسم أخذ يشرب خمرًا من سماع ابن القاسم، وقوله في المسألة الرابعة من أول رسم من سماع أصبغ.
ابن الحاجب: العمل كعمل الإجارة إلا أنه لا يشترط كونه معلومًا، فإن مسافة الآبق والضالة غير معلومة.
ابن عبد السلام: كلامه يوهم العموم في كل أنواع عمل الجعالة، وليس كذلك مذهب المدونة، ولا يجوز الجعل في حفر البئر لا بعد خبرتها الأرض معًا، وشرط في العتبية استواء حال الجاعل والمجعول له في العلم بحال الأرض.
قُلتُ: عزوه للمدونة شرط الخبرة لا أعرفه في الجعل نصًا ولا ظاهرًا بل بلزوم يأتي محله إنما ذكره في الإجارة، وله اعتد في ذلك على ظاهر لفظ الصقلي قال ما نصه: قال مالك: لا بأس بالإجارة على حفر بئر بموضع كذا، وقد خبر الأرض، وإن لم يخبراها لم يجز.
قال يحيى بن يحيى عن ابن القاسم: إن عرفا الأرض بلين أو شدة إن جهلاها معًا جاز، وإن علم ذلك أحدهما وجهله الآخر لم يجز الجعل فيه انتهى.
وهذا كالنص في حمل مسألة المدونة على الجعل لذكره عليها نقل يحيى عن ابن القاسم في الجعل.
قُلتُ: لفظها في ألم قلت: إن استأجرت من يحفر لي بئرًا بموضع من المواضع.
стр. 3861
قال: إن خبروا الأرض فلا بأس، وإن لم يخبروها فلا خير فيه كذا سمعت مالكًا، وسمعته في الإجارة على حفر قفر النخل بحفرها إلى أن يبلغ الماء إن عرف الأرض فلا بأس، وإن لم يعرفها فلا أحبه.
قُلتُ: فلفظ الإجارة مع ذكر قفر النخل كالنص في عدم الجعل؛ لأن حفر قفر النخل إنما يكون في الأرض المملوكة دائمًا أو غالبًا، والجعل على الحفر على المشهور لا يكون فليما يملكه الجاعل.
وتقدم نقل الشيخ عن محمد عن ابن القاسم: إن كانت الأرض للمستأجر لم يجز فيها جعل على بناء أو حفر، وما نسبه لابن الحاجب من إيهام العموم مثله لفظ المقدمات والتلقين.
وسمع عيسى ابن القاسم: من علم موضع دابة ضلت لم ينبغ أن يجاعل على إتيانه بها إنما ذلك في المجهول، ولا ينبغي له كتمه موضعها، وله قيمة عنائه لموضعها إن جاء بها.
اللخمي: هذا أحسن من كلام ابن حبيب لا شيء إن كان ممن لا يخرج ليأتي به، وغن كان ممن يخرج له بنفسه لو علم موضعه، فقول ابن حبيب أحسن.
ولم يحكه ابن رشد بل قال: إن طلب الآبق مجهول لا يجوز الجعل فيه إلا باستوائهما في الجهل بمحله، ومن علمه منهما دون صاحبه، فهو غار له كبيع الصبرة جزافا لا يجوز الجعل فيه إلا باستوائهما في جهل قدرها، فإن كان المجعول له في الآبق أو الضالة ذلك دون الجاعل فله إمضاء الجعل ورده، فإن لم يعلم ذلك حتى جاء بالآبق فله الأقل من قيمة عنائه لذلك الموضع أو المسمى، هذا معنى قوله: لا أنه يكون له قيمة عنائه لذلك الموضع أو المسمى.
هذا معنى قوله: لا أنه يكون له قيمة عنائه إلى ذلك الموضع كان أقل من المسمى أو أكثر إذ ليس بجعل فاسد يرد فيه لأجر مثله أو جعل مثله ما بلغ إنما هو جعل عين المجعول له الجاعل بما كتمه من علمه بمحل العبد، ولو كان الجاعل هو الكاتم موضع العبد أو الضالة كان له الأكثر من قيمة عنائه أو المسمى.
стр. 3862
قُلتُ: ظاهر كلام اللخمي الجعل على الآبق جائز علم المجعول له موضعه أو جهله خلاف نقل ابن رُشْد إلا أن يحمل على الموضع الشخصي كتونس، ويحمل الموضع في قول اللخمي على الكلى كأحواز تونس، وظاهر كلام اللخمي جوازه فيما علماه معاً، وظاهر كلام ابن رُشد في غير موضع إن علمها موضعه معاً لم يجز فيه مجاعلة إنما تجوز فيه الإجارة، وأظن اني وقفت عليه رواية، وقولا لبعض الرواة.
وظاهر قول ابن الحاجب جواز الجعل فيه.
وفيها مع غيرها: الجعل لا يكون مؤجلاً؛ لأنه إن مضلا الأجل، ولم يتم عمله ذهب عناؤه باطلاً، وإن عمله في نصفه أخذ الجعل كاملاً، وسقط عن بقية عمل الأجل فهذا خطر إلا أن يكون إن شاء الله أن يرده رده وتقدم الكلام فيها في الإجارة على بيع نصف الثوب، وفي منعه فيما كثر نقلا القاضي مع غيره.
وقول ابن رُشد عن المذهب قائلا: قول القاضي مع غيره.
وقل ابن رُشْد عن المذهب قائلا: قول القاضي مع غيره غير صحيح وبين فيما يتوهم منه صحة نقل القاضي أن المنع فيه؛ لأنه فيما ينتفع فيه الجاعل إن لم يتم العمل.
اللخمي: اختلف فيه كثر أجاز مالك إعطاء الأرض لمن يغرسها مغارسة، وهو أمد يطول، وأجاز الجعل على الآبق، وهو مما يطول ويلزم من قصره على ما قل منع المغارسة والجعل على الآبق.
وقال محمد: لا بأس عند مالك وأصحابه بالشراء على الجعل حاضراً أو على السفر قل أو كثر، وليس كالبيع.
ابن حبيب: من قال لخارج البلد في تجر خذ هذه المائة إن ابتعت لي فيها ثياباً وصفها فلك عشرة دنانير، وإلا فلا خير فيه، وهذا أحسن.
زاد عنه الصقلي: ولو قال له خذ ثوبي فسر به إن بعته بكذا فلك كذا، ولا شيء لك إن لم تبعه لم يجز، وإن لم يخرج لذلك، ولما ذكر في قوله في المائة قال: ونحوه لابن ميسر، وهو خلاف نقل محمد عن مالك وأصحابه جواز الجعل على الشراء فيما كثر في حضر أو سفر.
стр. 3863
وفيها لا يجوز الجعل على بيع كثير السلع والدواب والرقيق كالعشرة ونحوها، ولا على ما فيه مشقة سفر ما قليلها، ويجوز في قليلها بالبلد، وإن لم يسم لها ثمنا كالدابة والعبد أو الثوبين إذ لا يقطعه لذلك عن شغلع.
الصقلي عن بعض القرويين: معنى قوله في الجعل على بيع كثير السلع أنه لا يأخذ شيئأً إلا ببيع جميعها، وهو عرفهم، ولو كان على أن ما باع به فله قدره من الجعل، وعلى أنه إن شاء ترك؛ يريد: ولم يتسلم الثياب جاز، وهو عرفهم، ولو كان لا يأخذ شيئاً إلا بشراء الجميع لم يجز فلا فرق بينهما.
الصقلي: ونحوه في لموازيَّة.
قُلتُ: والروايات ناصة بأن شرط الجعل على البيع تسمية الثمن أو تفويضه للمجعول له، وهو نقل ابن رُشْد والصقلي عن المذهب؛ فيجب تقييد قولها: يجوز الجعل في بيع قليل السلع بالسلعة سموا لها ثمناً أم بالتفويض أو فيه.
وفيها: كل ما جاز فيه الجعل جازت فيه الإجارة وليس كل ما جازت فيه الإجارة جاز فيه الجعل.
قلتُ: صدق هذه الكلية على ظاهر ابن الحاجب وابن رُشْد والتقين القائلين بصحة الجعل في العمل المجهول لا يصح، وعلى منعه فيه صدقها واضح ويلزم منه منع الجعل على حفر الأرض لاستخراج ماء ونحوه مع جهل حال الأرض لتقدم نصها بمنع الإجارة على حفرها لذلك مع جهل حالها، فلو جاز الجعل فيه مع الجهل كذبت الكلية لصدق نقيضها أو منافيها، وهو قولنا: بعض ما يجوز فيه الجعل ليس بجائز فيه الإجارة أو غير جائز فيه الإجارة الأول سلب، والثاني عدول وذلك البعض هو الأرض المجهول حالها لهما، ولما شاع زمن قراءتنا صحة قول ابن التلمساني في شرح المعلم الفقهية مهما صدقت القضية صدق عكسها إن كان لها عكس، وعكس نقيضها كان يمشي لنا قراءة، وإقراء اعتبار ذلك في كليات الكتاب فعكس القضية هذه بالمستوى واضح صدقه، وهو قولنا: بعض ما يجوز فيه الجعل،
стр. 3864
وعكس نقيضها بالمستوى، وهو قولنا: كل ما لا تجوز فيه الإجارة لا يجوز فيه الجعل وبالمخالف، وهو قولنا: لا شيء مما تجوز فيه الإجارة بغير جائز فيه الجعل صادقاً أيضا في جوازه على الخصومة في شفعة أو غيرها على إدراك حق الجاعل قولا مالك فيها.
ابن رُشْد: وهما قولا ابن القاسم في سماعه يحيى في البضائع والوكالات، وفي الجعل والإجارة مع الهبات، والأظهر جوازه.
وفي لزوم عقده طريقان.
ابن رُشْد: لا يلزم المجعول له بحال، وفي لزومه الجاعل بعقده أو بالشروع في العمل أحد قولي ابن حبيب مع ظاهر سماع عيسى ابن القاسم، ورواية علي مع رواية أشهب وقول سَحنون.
اللخمي: ثالثها: يلزم بالقول كالإجلرة والعقد فيه منحلا كالخيار، ولازما مالإجارة.
ابن الحاجب: ويسقط بالترك إلا أن يستأجر الجاعل على الإتمام فيكون له ما بقى.
وقيل مالم تزد عن نسبة عمله
ابن عبد السلام: قيل إذا هرب الصانع لم يكن له شيء، والمشهور خلافه ففي الجعل أحرى أن يكون له شيء.
قُلتُ: تقدم الاتفاق في الأجير قبل تمام معاملته لم يكن شيء مما عمل؛ لأنه ترك مل كان يجب له بتركه ما عومل عليه، وقاله أبو ميمونة فقيه فاس وغيره والقضاء والاستحسان أن كل من عمل له ما ينتفع به أن يدفع للأجير أجرته، ونحوه من القولين في مؤلفة ابن لبابه، وتقدم حكم إتمام الجعل بعاملين.
وسمع أَصبغ ابن القاسم: من جوعل على حفر بئئئر فحفر بعضها، ثم اعتل لا شيء له إلا أن ينتفع بها صاحبها؛ فيعطيه بقدر ما انتفع به، ولو قال: من جاء بخشبة من ربها، فينتفع بها فله أجره على قدر ما حملها من الطريق.
стр. 3865
ابن رُشْد: لم يبين وجه العمل فيه، وتفصيله تقدم في سماع عيسى المذكور في سماع عيسى ابن القاسم، وكذا في الخشبة كالبئر.
ابن عبد السلام: إن كان جعل الأول في الخشبة خمسة، وجعل الثاني عشرة فظاهر العتبيَّة أن للأول عشرة؛ لأنه جعل للثاني على نصف الطريق عشرة، وعلم قطعاً أن للأول مثلها، وهو مراد المؤلف بقوله له ما بقي؛ أي: على نسبته، ويحتمل أن يريد أن للأول ما بقي من جعله بعد طرح الأجرة الثانية منه إن كانت أقل، وإن كانت مساوية أو أكثر لم يكن للأول شيء والتأويل الأول أولى لمساعدته النقل دون الثاني.
قُلتُ: ما عزاه لظاهرة «العتبَّية» هو نص فيها حسبما مر في السماع المتقدم، وقوله له ما بقي؛ أي: على نسبة ما بقي، ولو قال على تسمية ما بقي لكان أبين في تفسير قول ابن الحاجب بما في سماع ابن القاسم، وفسر قول ابن الحاجب، وقيل: ما لم يزد على نسبة عمله بقوله أنه لا يكون للأول ما بقي على الوجه الذي قدمناه إلا بشرط أن لا يزيد على نسبة عمله يعني فلا يكون له على المثال المتقدم إلا درهمان ونصف.
قُلتُ: حاصل القول الثاني على تقسيره أنه لا يكون للأول على حساب تسمية الجعل الثاني مالم يزد على تسمية جعله، وهذا لا ينتج أن يكون له في المثال المفروض درهمان ونصف بل الجاري عليه أن يكون له خمسة، وهي جعله، وتسقط الزيادة عليه من جعل الثاني؛ لأن الغرض أن البناء فيما يأخذه على نسبة ما بقي لا على نسبة ما تقدم، وهذا القول لا أعرفه.
وقال الصقلي: إثر ما في «العتبَّة»: انظر الأول قد رضي بجعله عن كل العمل، فيجب أن يعطى نصفه بعمله نصف العمل، وهو حمله الخشبة لنصف الطريق ولآن المغابنة جائزة في الجعل وغيره، وقد تغلو الإجارة يوم عقد الثاني فكيف يعطى الأول على حساب عمل الثاني.
قُلتُ: ومقتضى هذا البحث أن يكون للأول من جعله بقدر عمله من جهة العمل، فيكون الصقلي: لا على الأصل الذي ذكره الشَّيخ فتأمله.
стр. 3866
قُلتُ: تمام عمل مجاعل بفعل من جاعله كبيعة ثوبه بعد نداء مجاعل على بيعه، وبلوغه ثمنا لم يرض ربه ربه، ثم باعه في استحقاقه الجعل وسقوطه، ثالثها: إن باعه بقرب نداء الآول لابن حارث عن قولي أصحاب لقمان بن يوسف، وعنه مع المعاصي له هي الرواية ابن حارث: وإنما هذا الخلاف إن باعه بمثل ما بلغ أو قريب منه أو كان البائع جاهلاً بقيمتها، فإن كان جاهلاً فقد انتفع بما أخرج له من ثمنها، ولو كان عالماً أو باع بأزيد بكثير فلا شيء للمنادي إلا أن يبيع ممن دله المنادي عليهت، فلذلك يوجب حق الدلال، وتقدم قول ابن رُشْد آنفا أن القياس أن للدلال بحساب ما عمل من جعله، وأما تمام عمله فيما يرى بالإجتهاد أو على الجاعل بقدر انتفاعه به، ثالثها: عليه بقيمة عمله يومه، ورابعها: بقيمة اليوم لسماع عيسى ابن القاسم في انفلات الآبق، وسماعه في حفر البئر ومتقدم قوله في هذا السماع ولابن كنانة، وخامسها: اللخمي إن جاعل الثاني محتسباً بعمل الأول فالتاني، وإلا فالأول، وسادسها: الثاني ما لم يزد على الجعل الأول وسابعها: له من جعلهبقدر عمله من العمل لتفسير ابن عبد السلام ثاني نقلي ابن الحاجب.
ومقتضى بحث الصقلي: ولو مات المجعول له على اقتضاء دين قبل اقتضائه ففي كون وراثة مقامه إن كان أمنياً وأتى بأمين مطلقاً أو شرع الميت في عمله تخريج ابن رُشْد على لزوم الجعل الجاعل بالعقد، وسماع أَصبَغ ابن القاسم، وفيه موت المدين المجعول على اقتضاء دينه كحياته، ولو مات الجاعل لم يكن للعامل إتمام ما بقى إنما يلزم الجاعل ما دام حياً.
أَصبَغ: هذا استحسان، وفيه مغمز.
ابن رُشد: لأن الجعل لزم الجاعل باقتضاء البعض، ولو مات قبله، وبعد شخوصه فيه ثبت حقه خوف ذهاب عنائه باطلاً، ولوراثه اقتضاء ما أشرف على اقتضائه، وكذا في طلب الآبق، وحفر البئر له، ولوراثه إتمامه في موت الجاعل لا في حصاد زرع، ولقط زيتون اتفاقاً في الجميع.
стр. 3867
قُلتُ: فيلزم عدم لزوم الجعل الجاعل بالشروع، وفي لقط الزيتون ونحوه، وفوت المجعول عليه بفعل الجاعل بعد لزوم عقده يوجب عليه جعله.
سمع القرينان: من جاعل على اقتضاء دين له بثلث ما يقتضيه عم آخر مدينة بعد اقتضاء ثلثي دينه بباقيه للعامل تمام جعله.
ابن رُشد: قول بعضهم ويتقاضى الثلث الباقي عاجلاً؛ لأن تأخيره يضر به غير صحيح؛ لأن التأخير لزم رب الدين، فيقتضي العامل ثلث الباقي، ويسقط تقاضي باقيه.
قُلتُ: يتخرجان على قوليهما في عتق سيد الجاني، الجاني، وموت الآبق قبل إيصاله يسقط جعله لعدم إتمام عمله.
ابن عبد السلام: لو فرضنا أن العقد عليه كان إجارة استأجره على طلبه شهراً فمات العبد في نصف الشهر انفسخت الإجارة هذا الجاري على المذهب لتعذر الحلف غالباً، ويلحق هذا الفرع بالمسائل التي استثنوها.
قُلتُ: ظاهر قوله فرضنا إلى آخره يقتضي أن ما وقع عليه عقد الجعل وقع عليه عقد الإجارة، ولا يصح ذلك؛ لآن العمل في الجعل لا يشترط العلم بقدره، ولا بصفته، وفي الإجازة لا بد منه فلا يصح فرض الإجارة إلا مع العلم بجملة الطلب وصفته، وقوله: انفسخت الإجارة اللا آخره خلاف المنصوص.
سمع عيسى: ابن القاسم: من علم محل آبقه فاستأجر رجلاً بكراء معلوم في طلبه، وقال له: إن جئتني به أو غيره فلك الأجرة؛ فبلغ الأجير قبل بلوغه بعد خروجه إن العبد خالفه، ورجع لربه فرجع الأجير أن للأجير الكراء بتمامه، ويرسله إن شاء في مثل ما قصر من الطريق، قد قيل: ليس له أن يرسل فيها قصر فيه من الطريق إلا برضاه، وقيل: لايجوز وإن رضي لأنه عسخ دين في دين إنما له أن يبعثه في بقية الطريق بعينها أو يعطيه أجره كاملاً، فعلى القول بمنع بعثه في مثل الطريق أو على القول بجوازه برضاه فلم يرض يكون له من الأجر بقدر ما سار من الطريق إلى المحل الذي رجع منه؛ لأنه فات برجوعه سيره ما بقى له من الطريق بعينه، ولو عثر على ذلك قبل رجوعه لم يكن
стр. 3868
للمستأجر على هذين القولين إلا سيرة بقية الطريق بعينها أو دفع كل أجرته.
قُلتُ: فنص السماع وما ذكره ابن رُشد من الأقوال خلاف قوله: انفسخت الإجارة، ولا فرق بين موت العبد وإتيانه.
ولابن رُشْد: في سماع أصبغ: لو استأجر رجلاً على تبليغ عبد موضع كذا فمات في بعض الطريق أو أبق، ففي لزوم الإجارة، ويستعمله في مثل ما بقى، وانفساخها، وله من الأجر بقدر ما بلغ، ثالثها: الفرق بين الموت والإباق، ورابعها: تنفسخ في الإباق، ولا يكون له بقدر ما مضى، ولا تنفسخ في الموت لابن القاسم، وابن وَهْب من سماع أَصبغ ابن القاسم ولمالك، وللتخريج على قول مالك في تلف المستأجر على حمله من قبل ما عليه ابن الحاجب إن تنازعا في قدر الجعل تحالفا، ووجب جعل المثل.
قلتُ: تبع فيه ابن شاس قال: إن أنكر المالك سعى العامل في الرد: فالقول قول المالك، وإن تنتزعا في قدر الجعل تحالفا، ورجعاً لجعل المثل.
ابن هارون: القياس قبول الجاعل؛ لأنه غارم، ولأنه كمبتاع سلعة سلعة قبضها، وفاتت بيده؛ فالقول قوله إن ادعى ما يشبه، وإلا فقول خصمه إن ادعى ما يشبه، وإلا كمبتاع سلعة قبضها، وفاتت بيده؛ فالقول قوله إن ادعى ما يشبه، وإلا فقول خصمه إن ادعى ما يشبه، وإلا تحالفا، ورد الجعل المثل.
ابن عبد السلام: إنما يصح ما قاله إن أتيا بما لا يشبه وإلا فإن كان العبد باقياً بيد المجعول له، وأتى بما يشبه يشبه قبل قوله، فإن ادعى ما لا يشبه حكم بما قاله المؤلف هذا الجاري على حكم الإجارة.
قُلتُ: هذا أصوب من قول ابن هارون، والأظهر تخريج المسألة على قولها في القراض: القول قول العامل إن أتى بما يشبه، وفي رد فاسده لحكم نفسه؛ فيجب جعل مثله إن تم عمله، وإلا فلا شيء له أو للإجارة، فيجب أجر مثله فيما عمل، ثالثها: للأول في بعض المسائل، وللثاني في بعض لابن رُشْد في المقدمات قائلا: كالثلاثة في القراض.
стр. 3869
قال: وتأتي في فاسد الجعل أقوال خارجة عما أصلناه، وهذا هو الصحيح فيها، وتقدم نقل قوله في البيان.
ابن شاس: مشارطة الطبيب على البرء، والمعلم على تعليم القرآن، والحافر على اسستخراج الماء في أرض معلومة الشدة، واللين وقرب مائها، وبعدها والمغارسة في أرض الجاعل وكراء السفن مختلف في كون جميعها جعلا أو إجارة.
الباجي: في مجاعلة الطبيب على البرء روايتان لها ولسَحنون.
المتيطي: إنما المجاعلة على أنه إن برأ فله كذا، وإن لم يبرأ فلا شيء له، وللعبيدي عن القابسي أن الدواء يكون من عند العليل، ولو كان من عند الطبيب كان غررا، ولا يصلح في حفر بئر أو عين إلا في عين ملك الجاعل، وقاله الجم الغفير.
قال بعض الموثقين: وهو أحسن، وأجاز مالك الجعل في الغرس في ملك الجاعل، وعقد ابن العطار وثيقة جعل في حفر بئر وطيها بالصخر في ملك الجاعل، واشترط الصخر على المعجول له.
قُلتُ: فيدخله أمران الجعل في أرض الجاعل، واجتماع الجعل والبيع.
ابن عات: الجعل على الحفر في أرض يملكها الجاعل خطأ، وما عقده ابن العطار جوزه مالك في المغارسة، وهي في أرض الجاعل.
قُلتُ: إنما جوزها مالك في ملك الجاعل؛ لأن عدم تمام العمل فيها لا يبقي نفعا للجاعل في أرضه بخلاف الحفر فيها، فتأمله فاعتراضهم بها لغو.
стр. 3870
[كتاب إحياء الموات]
إحياء الموات: لقب لتعمير أثر الأرض بما يقتضي عدم انصراف المعمر عن انتفاعه بها.
стр. 3871
[باب موات الأرض]
وموات الأرض: قال ابن رُشْد: في رسم الدور من سماع يحيى ابن القاسم من كتاب السداد والأنهار: روى ابن غانم: موات الأرض هي التي لا نبات بها، لقوله تعالى ﴿وَاللَّهُ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [النحل: ٦٥] فلا يصح الإحياء إلا في البور.
البخاري عن عائشة عن النبي ﷺ قال ((من أعمر أرضاً ليست لأحد فهو أحق))
قال عروة: قضى به عمر في خلافته.
النسائي عنها عن رسول الله ﷺ : (من أحيا أرضا ميتة ليست لأحد فهو أحق بها)، وفي رواية: ((وليس لعرق ظالم حق))، وخرجه أبو داود، وصححه عبد الحق بقبوله إياه، ولم يتعقبه ابن القطان.
ابن الحاجب: الموات الأرض المنفكة عن الأختصاص، فتبع ابن شاس الغزالي، وتركا رواية ابن غانم، وهي أجلى لعدم توقف تصور مجلولها على الاختصاص وموجبه.
стр. 3872
[باب في معروض الإحياء]
ومعروض الإحياء ما لم يتعلق به حق ذي حق، ويمتنع فيما يتعلق به ملك بغير إحياء، ولا يصح بتبوره بالتراك.
الباجي: من اشترى أرضاً لم يرتفع ملكه لها باندارسها اتفاقاً.
ابن رُشْد: غيها: ما استحق أصله بخطه أو شراء لم يزل ملكه عه بتركه حتى عاد لحالته الأولى ولا أعلم فيه نص خلاف، ويدخله بالمعنى من الصيد يند من يديه فيتوحش ويصيد غيره.
قال محمد: هو للثاني، ولم يفرق بين ملك الأول وإياه بصيد أو ابتياع فيلزم مثله في موات الأرض، ففي كون الأول أحق به أو الثاني، ثالثها: إن كان الأول اختطه أو اشتراه.
ومحمد بن عبد الحكم: يرى الأول أحق به في الصيد على كل حال، ففي الصيد، ثالثها الفرق بين كون الأول ابتاعه أو صاده، وقد يفرق على قول ابن عبد الحَكم بأن الصيد غلب ربه على بقائه بيده والموات ربه تركه فيتحصل فيهما بالثلاثة، ورابعها: الفرق بين الصيد والموات، الثاني أحق بالصيد والأول أحق بالموات، وهو الآتي على حكاية ابن عبدوس حيث قال عن سَحنون: من أحيا مواتاً لم يخرج عن ملكه بتعطيله.
стр. 3873
ولو عمره غيره.
ابن عبدوس: قلت له: أولاً يشبه الصيد إن ند من يد صاحبه؟
قال: لا، وخامسها: الثاني أحق بالموت، والأول أحق بالصيد، وإنما يكون الثاني أحق بالموات، والأول أحق بالصيد، وإنما يكون الثاني أحق بالموات، عند قائله إن طالت مدة عودة عوده لحالته الأولى، ولو أحياه الثاني بحدثان عوده لحالته الأولى، فإن كان عن جهل منه بلأول فله قيمة عمارته قائماً؛ لأن له شبهة، وإن كان عن علم منه بذلك فقيمته منقوضاً بعد حلف الأول ما تركه إسلاماً منه لحقه فيه، وأنه كان على إعادة عمارته، ولا يصدق إن طالت المدة في ذلك.
قُلتُ: لما ذكر الصقلي قولها: إنها لمحييها ثانياً بعد عودتها لحالتها الأولى.
وقل سَحنون: إنها للأول قال: وقال الأخوان: إن كان إحياء الثاني بحدثان ترك الأول فهي له، وللثاني قيمة عمارته قائماً إن كان جاهلاً ومنقوضاً إن كان عالماً، وإن عمر بعد طول من ترك الأول، وكان تركه كالإسلام لها فهي للآخر.
قُلتُ: فظاهره أنه قول ثالث، وذكر ابن رزقون قولي ابن القاسم وسَحنون، وقال: وحكى ابن رُشْد قولاً ثالثاً الفرق بين القريب والبعيد.
قال ابن عبدوس: قلت لسَحنون: أولا يشبه الصيد إن ند من ربه؟
قال: لا
قُلتٌ: ونقل هذا الثالث على نحو ما ذكره ابن رزقون بكلام ابن عبدوس.
ابن عبد السلام عن ابن رشد: لا بواسطة.
ابن رزقون: ولم أجد لابن رشد ما ذكراه عنه؛ بل قال: إثر سماع يحيى ابن القاسم: من استحق مواتاً بعمله فتركه حتى صار خراباً ليس يكون لمن أحب أن يعمره.
قال: يلي ما نصه هذا مثل ما في المدَوِّنة وقال سَحنون: معناه فيما بعد من العمران، وما قرب لا يبطل استحقاقه له بتركه حتى عاد لحاله الأولى، وقوله صحيح على معنى ما في المدَّونة، وقال سحنون: معناه فيما بعد العمران، وما قرب لا يبطل استحقاقه له بتركه حتى عاد لحاله الأولى، وقوله صحيح على معنى ما في المدَوَّنة فيما قرب من العمران ليس لأحد أن يحييه إلا بقطيعة من
стр. 3874
الإمام؛ لأن الإمام إذا أقطعه إياه صار بمنزلة ما اختلط أو اشترى، ونص في المدونة على أن ما استحق اصله بخطط أو اشتراه لا يزول ملكه بتركه حتى يعود لحالته الأولى، ولو أحيا القريب من العمران بغير إذن الإمام على قول من يرى له ذلك لبطل حقه فيه بتركه إياه، ولا فرق بين القريب والبعيد على قول من لا يرى استئذان الإمام، وأحيانا فيما قرب انتهى.
قُلتُ: فهذا نص في عدم التفرقة بين القريب والبعيد، ويمتنع في حريم المعمور.
قال ابن رُشْد: في ثاني مسأله من سماع يحيى: قال ابن حبيب: الشعراء المجاورة للقرى أو المتوسطة بينها لا يقطع الإمام م نها شيئاً؛ لأنها ليست كالعفا من الأرض الذي هو لعامة المسلمين إنما هي حق من حقوقهم كالساحة للدور أنما العفا من بعد.
وتعقب الفضل قوله: ليس للإمام أن يقطع شيئاً من الشعر القريبة جداً؛ لأن إقطاعها ضرر في قطع مرافقهم التي يختصون بعا لقربهم على ما نذكره في أول مسألة من رسم الدور.
قُلتُ: قال فيه: القريب من العمران قسمان، فذكر في الثاني ما نصه: القريب الذي في إحيائه ضرر كالأفنية التي أخذ شيء منها ضرر بالطريق وشبهه لا يجوز إحياؤه بحال ولا يبيحه الإمام، ونحوه نقل الباجي عن ابن القاسم: ينظر فيما قرب، فإن كان فيه على أهل القرى ضرر في مسرح أو محتطب منع.
زقال ابن الحاجب في وجوه الاختصاص المانعة من الإحياء الثاني حريم عمارة، وحريم البلد ما يرتفق به لرعي مواشيهم ومحتطبهم مما تلحقه غدَّوا ورواحاً، ومثله لابن شاس.
قال ابن عبد السلام عن سَحنون: ما كان من العمارة على يوم، ولا تدركه الماشية في غدوها ورواحها فهو بعيد، وما تدركه الماشية في غدوها ورواحها فهو بعيد، وما تدركه فيهما وأبعد من ذلك قليلاً مما فيه المرفق لأهل العمارة فهو قريب، ونحوه لابن القاسم.
وقال أبو يوسف: الحد في ذلك أن يصبح الصائح من طرف العكران فلا يسمع
стр. 3875
من بالموضع الآخر صوته.
قُلتُ: هذا الذي نقله من كلام سَحنون إلى آخره، إنما هو في القسم الأول من مسمى القريب حيث قسمه ابن رُشْد: في أول نسألة من رسم الدور، وهو خلاف في صحة الإحياء بإذن الإمام، واختلفت فيه دونه، وفي ساقه الصقلي.
وكذا ابن رُشْدحيث جعله مقابل البعيد فقال: حد البعيد من العمران ما لم ينته إليه سرح ماشية العمران، واحتطاب المحتطبين إذا رجعوا لمبيتهم من العمران.
وقال أبو حنيفة: هو أن يصيح صائح إلى آخر ما تقدم عن أبي يوسف ونحوه للباجي قال: من أحيا أرضا في الفيافي فليس لغيره أن يحيى بقربه إلا بإذن الإمام قاله سَحنون في المجموعة، وله في كتاب ابنه ما رأيت من وقت حد القرب والبعد من أصحابنا، وما كان من العمارة عن يوم، وما لا تدركه الماشية في غدوها ورواحها فهو بعيد وما تدركه فيها، وأبعد من ذلك قليلاً مما فيه مرفق أهل العمارة فهو القريب ونحوه لابن القاسم، وقال أبو يوسف فذكر ما تقدم والإنصاف أن في كلام الباجي إجمالاً فيه ما يجب حمله على القريب المتوسط، وما يجب حمله على القريب الأقرب والأصوب تقسيم ابن رُشْد القريب إليهما، وبه يفهم كلام ابن الحاجب هذا مع ذكره بعد هذا جواز الإحياء في القريب بعض شُيُوخنا المفتييت يقول: لا يستحق الصرر بالعشرين إلا بما زاد، وذكر ابن سهل الفتوى بالثاني لعبيد الله بن يحيى، وابن لبابة، وأيوب بن سليمان، وابن الوليد قال: والقول الآخر ل أَصبغ في آخر كتاب الاستحقاق فيمن أحدث كوةً أو باباً على دار غيره أو أندراً على جنانه أو ميازيب على حائطه، وهو ينظر ولا ينكر لا يستحق هذا بعشرين سنة بعد أن يحلف انه ما كان عن رضى، ولا تسليم إلا أن يطول بالدهور الكثيرة جدّاً فيستحقه.
قُلتُ: والأظهر عده تاسعلً.
المتيطي: من كانت له كوة قديمة يشرف منها على جاره فلا قيام له عليه فيها، ولا له جارة، إن بنى داره وعلاها مقابل تلك الكوة حتى ينقطع دخول الضوء عليه قيام، ونحو لمالك في العتبيَّة.
стр. 3876
وقال أبو عمر في كافيه: إلا أن تكون الكوة للضوء، وهو يحتاج إليها فيمنع جاره من إلصاق بنائه إليها، فإن عمل في جداره كوة في قدرها، وإزائه يتأدى إليه ما كان ينال من الكوة من الضوء وغيره فله ذلك.
قُلتُ: قوله: ونحوه لمالك في العتبيَّة هو سماه يخيى رواية ابن القاسم في كتاب السلطان: من فتح في جداره موة إلى الدار أو الزقاق للضوء والشمس لم يمنع غيره من بناء جدار له يظلم به تلك الكوة.
ابن رُشْد: هذا صحيح على معنى ما في المدوَّنة، وفيه اختلاف تحصيله في رسم المكاتب من سماع يحيى من كتاب الأقضية، وفي ضرر صوت الحركات طرق.
الباجي: روى ابن القاسم في المجموعة: من احدث رحى تضر بجاره منع.
الباجي: إن أضرت بالجدار منع، وأما صوتها؛ فلا.
ابن حبيب عن الأخوين في الغسال: والضراب يؤذي جاره رفع صوتها لا يمنعان، وتحتمل رواية ابن القاسم خلاف؛ لأنه لم يبين وج الضرر الذي يمنع منه ووجه الأول أن ذلك في الصوت الضعيف ليس له كبير مضرو، أو نا لا يستدام، وما كان صوتاً شديديً مستداماً، كالكمادين والصفارين والرحى ذات الصوت الشديد، فهو ضر يمنع كالرائحة، ولم يحك الصقلي غير نقل ابن حبيب عن الأخوين، ولم يقيده بشيء.
حكى أب حبيب انه لا يمنع، ورواه مُطرِّف، وذهب بعض الفقهاء المتأخرين إلى منع ضرر الصوت، واحتج بقول سعيد بن المسيب لبرد: اطرد هذا القاريء عني فقد آذاني.
قُلتٌ: سمع أشهب في كتاب الصلاة: كان عمر بن عبد العزيز يخرج في الليل في آخره، وكان حسن الصوت يصلي جهراً، فقال سعيد بن المسيب لبرد: اطرد هذا القاريء عني فقد
стр. 3877
آذاني، فقال له برد: إن المسجد ليس لنا إنما هو للناس، فسمع ذلك عمر فأخذ نعليه وتنحى.
ابن رشد: أمر سعيد بطرد القارئ عنه، يريد: من جواره لا من المسجد جملة، ولم ينتبه لمكانه من الخلافة لجزالته وقوته في الحق، وقلة مبالاته بالأئمة، ولا أنف عمر بن عبد العزيز من قوله وفضله وانقياده للحق.
قلت: انظر هذا مع قول مالك: كان الناس في الزمن الأول يتواعدون لقيامهم لأسفارهم بقيام القراء بالمسجد بالأسحار تسمع أصواتهم من كل منزل استدل به ابن عتاب على رفع الصوت بالذكر في المساجد، وقاله ابن رشد.
واستدل بعض الشيوخ بهذه الحكاية على أن الأصوات من الضرر الذي يجب الحكم على الجار بقطعه عن جاره كالحدادين والكمادين والندافين وشبه ذلك، وليس بدليل بين؛ لأن ما يفعله الرجل في داره مما يتأذى به جاره بخلاف ما يفعله في المسجد من رفع صوته لتساوي الناس في المسجد، ولو رفع رجل في داره صوته بالقراءة لما وجب لجاره منعه، والرواية منصوصة في أنه ليس للرجل منع جاره الحداد من ضرب الحديد في داره، وإن أضر به.
قلت: وما في رسم المكاتب من سماع عيسى من الأقضية: رأيت لابن دحون قال: لم يختلف في الكماد والطحان أنهما لا يمنعان، وإن كان محدثا يضر بأسماع الجيران، فإن أضر بالبناء منع.
المتيطي في ثمانية: أبي زيد عن مطرف: سألت مالكا عن الحداد جار الرجل فيعمل في بيته، وليس بينهما إلا حائط يضرب الحديد الليل والنهار فيؤذي جاره فيقول: لا أقدر أن أنام فهل يمنع من ذلك؟
قال: لا، هذا رجل يعمل لمعاشه لا يريد بذلك الضرر لا يمنع.
وقال ابن عتاب: تنازع الشيوخ ببلدنا قديما وحديثا فيمن يجعل بداره رحى، وشبهها مما له دوي أو صوت يضر به جاره كالحداد وشبهه.
فقال بعضهم: يمنع إذا عمل به بالليل والنهار، وقال طائفة: لا يمنع، وقال
стр. 3878
أصبغ بن سعيد: اتفق شيوخنا على منعه بالليل إن أضر جاره، ولا يمنع بالنهار، وقاله ابن عبد ربه.
وقال أبو بكر بن عبد الرحمن أحد الفقهاء السبعة: إذا اجتمع ضرران أسقط الأكبر، ومنع الرجل من الانتفاع بماله، وصنعته أكثر ضررا من التأذي بدوي ما يصنع.
ابن عتاب: الذي أقوله: وأتقلده من مذهب مالك أن جميع الضرر يجب قطعه إلا رفع البناء المانع من الريح وضوء الشمس، وما في معناهما فلا يقطع على مذهب ابن القاسم إلا أن يثبت قصد محدثه ضرر جاره، وكذا كل ضرر يؤول للفساد كالكماد والنداف.
ابن عات في كتاب كراء الدور من المدونة: للرجل أن يصنع في الدار المكتراة ما شاء من الأمتعة والدواب والحيوان والحدادين والقصارين ما لم يكن ضررا بالدار فلا.
ابن عبد الغفور: على هذا يكون لرب الدار أن ينصب فيها ما شاء من الصنائع ما لم يضر بحيطان جاره، ولا يمنع من رفع صوت أو دوي رحى أو كمد لصوته، وكذا ما أشبهه.
قال المشاور: مثله كله.
وفي المجالس: قضى شيوخ الفتيا بطليطلة: يمنع الكماد إذا استضرت بهم الجيران والأول أولى.
قلت: ما حكاه من لفظ المدونة أخذه منه حسن، وترك من لفظها عطفها على القصارين والأرحية، وذكر مثله في مكترى الحانوت.
قلت: ففي لغو إحداث ضرر صوت الحركة، ومنعه مطلقا، ثالثها: إن عمل ليلا لا نهارا، ورابعها: إن حق ولم يكن فيه كبير مضرة للمتيطي مع ابن رشد عن رواية مطرف مع ابن عتاب عن بعض الشيوخ، وابن رشد عن ابن دحون قائلا: اتفاقا، وابن عات عن أخذه ابن عبد الغفور منها كالمشاور، والمتيطي عما تقلده ابن عتاب من مذهب مالك مع ابن عات عن فتوى شيوخ طليطلة في الكمادين، والمتيطي عن أصبغ بن سعيد قائلا: اتفق عليه شيوخنا، واختيار الباجي: ورفع الصوت بالدعاء والذكر في
стр. 3879
المسجد آخر الليل مع حسن النية قربة، وفي جوازه بعسعسة الليل بعد مضي نصفه.
ومنعه نقلا ابن سهل عن ابن عتاب محتجا بقول مالك بعدم منع صوت ضرب الحداد مع الصقلي وابن دحون مع ابن فرج محتجين بوجوب الاقتصار على فعل السلف الصالح، وفي قسمها: ليس لك في سكة غير نافذة فتح باب يقابل باب جارك أو يقاربه، ولا تحويل بابك هنالك، وذلك في النافذة جائز.
ابن رشد: في منع فتح باب في غير النافذة مطلقا إلا بإذن جميع أهل الزقاق، وجوازه ما لم يقارب باب جاره بحيث يقطع به مرفقا له، ثالثها: له تحويل بابه كذا إن سد الأول لا فتح باب لم يكن لابن زرب مستدلا بقولها في الدارين إحداهما في جوف الأخرى فيقسم الداخلة أهلها؛ فيريد كل منهم أن يفتح لداره بابا في الدار الخارجة ليس لهم ذلك إنما لهم الممر الذي كانوا يمرون عليه، وبه جرى عمل أهل قرطبة، ولابن القاسم فيها مع سماع عبد الملك ابن وهب في كتاب السلطان، وظاهر قول أشهب في هذا السماع.
قلت: لم يحك المتيطي إلا منع إحداثه أو تحويل القديم لقرب باب جاره بحيث يضره ذلك، ثم قال: ولو حوله عن بعد من باب جاره لم يكن عليه قيام؛ لأنه لم يزده شيئا على ما كان عليه.
قال: وقال أبو عمر في كافيه: ولا يحدث في غير النافذة عسكر، وهو الذي يدعى التابوت والجناح والأسقفية، فإن أذن بعضهم في ذلك، وأبى البعض، فإن كان الآذنون آخر الزقاق، وممرهم لمنازلهم على الموضع المحدث قبل إذنهم.
ابن رشد: وفي فتحه بابا أو حانوتا قبالة باب جاره في الزقاق النافد، ومنعه إلا أن ينكب عن ذلك، ثالثها: إن كانت السكة واسعة لابن القاسم فيها مع أشهب في السماع المتقدم، وسحنون وابن وهب في السماع المذكور.
ابن سهل عن يحيى بن إبراهيم: من فتح بابا في زقاق، ولو كان غير نافد يطل منه على جاره، وجدار داره مضير نحو الحائطين، وهو إن بنى ثالثا لم يطل عليه جبر جاره على بناء ثالث، ولا يمنع فاتح الباب من فتحه.
стр. 3880
وأجاب ابن رشد فيمن أحدث بداره بابا وحانوتين قبالة باب جار له بينهما زقاق نافد، ولا يخرج احد من دار الجار، ولا يدخلها إلا على نظر الحائطين الحالين بالحانوتين لعمل صنعتهم، وهو ضرر بين برب الدار بأن يؤمر أن ينكب بابه وحانوتيه عن مقابلة باب جاره، فإن لم يقدر على ذلك لم يحكم عليه بغلقها، وترك بينهما زقاق نافد، ولا يخرج أحد من دار الجار.
ابن رشد: والسكة الواسعة سبعة أذرع لحديث ابن عباس في مسند ابن أبي شيبة أن رسول الله ﷺ قال: (الطريق الميتاء سبع أذرع)، ولما ذكر المتيطي الحديث قال: الميتاء: الواسعة.
قال ابن الهندي: حضرت الفتيا بذلك.
الباجي: للشيخ في نوادره: اختلف في ذلك قيل: الواسعة ثمانية أشبار، وقيل: سبعة أشبار.
قلت: حديث سبع أذرع إنما ذكره عبد الحق عن مصنف عبد الرزاق، وقال في سنده جابر الجعفي، ولم يزد، وقال المزني في كتاب (رجال الكتب الستة): هو أكبر علماء الشيعة، وثقة شعبة وتركه جماعة وروى عنه شعبة والسفيانان، وفي كون إحداث حمام أو فرن قرب دار تجاوره لا يضرها بحال إلا أنه يحط من ثمنها ضررا يمنع أو لا نقلا المتيطي مع ابن سهل عن أبي المطرف مع بعض شيوخ ابن عتاب، وله مع بعض شيوخه.
الباجي: من باع داره، وقد أحدث عليه مطلع أو مجرى ماء أو غيره من الضرر، فقال الأخوان وأصبغ: إن لم يقم حتى باع فلا قيام للمشتري، ولو كان خاصم فيه فلم يتم له الحكم، فباع فللمشتري القيام، ويحل محله.
ابن زرقون في أحكام ابن بطال: معناه: أن الحكم قضي به، وأعذر وبقي التسجيل والإشهاد، ولو بقي شيء من المدافع والحجج لم يجز البيع؛ لأنه بيع ما فيه خصومة،
стр. 3881
وهذا أصل فيه تنازع.
فيها: من أقام بينة غير قاطعة في أرض فلمن هي بيده بيعها.
وقال سحنون: بيعها حينئذ غرر هذا إن كان البائع في المسألة الأولى قام على محدث الضرر، وإن باع قبل أن يعلم ذلك، ففي صحة قيام المبتاع على المحدث، ومنزلته منزلة البائع، ولغو قيامه عليه، ثالثها: إنما له الرد على البائع لحبيب عن سحنون، ومتقدم قول الأخوين، وقولها في العبد يتزوج بغير إذن سيده، ثم يبيعه قبل أن يعلم أن لمشتريه رده بالعيب، فإن رده فلبائعه القيام به كذا أخذته عمن أرضى من شيوخنا أنها ثلاثة أقوال، وتأملت قول الأخوين، وظاهره أن البائع باع بعد عمله بإحداث الضرر، ولم يقم فيه، وهذا لا يختلف في سقوط القيام فيه فتأمله.
ابن سهل: نزل أن رجلا فتح بابا في زقاق غير نافد، وسكت عنه أهل دوره نحو ثلاثة أعوام، وباعوا دورهم فأراد مبتاعوها سد الباب المحدث.
فأجاب ابن عتاب: لا كلام فيه للمبتاع إنما الكلام للبائعين، فإن لم يفعلوا حتى باعوا فهو رضى منهم.
وقال أحمد بن رشيق فقيه المرية مثله.
وقال ابن مالك: روى ابن حبيب عن مطرف وابن الماجشون وأصبغ: لا قيام في ذلك إلا أن يكون البائعون باعوا، وقد خاصموا في ذلك، وعلى أن ليس لهم ذلك يدل ما في النكاح الأول من المدونة.
ابن سهل: يريد مسألة العبد يتزوج بغير إذن سيده، وفي سماع القرينين من الأقضية ما يدل على خلافه، وكذا في وثائق المعروف بالملون للمبتاع القيام على محدث الضرر كوكيل البائع على ذلك.
قلت: وما أشار إليه من سماع القرينين فيه سكوت ذي أرض على إحداث مرور ماء على أرضه أربعين عاما، ثم باع أرضه تلك لا يمنع القيام عليه، فقال ابن رشد: لم يلزمه ذلك وجعل للمشتري أن يمنع منه، ولم يجعل بيعه الأرض رضى بترك القيام على المار بالماء في أرضه خلاف قول الأخوين وأصبغ في أن من أحدث عليه ضرر فلم
стр. 3882
يتكلم فيه حتى باع لزم المشتري، ولم يكن له فيه قيام، ثم ذكر الثلاثة الأقوال لسماع القرينين والأخوين من أصبغ، ولها في نكاحها الأول.
قلت: وزعم ابن زرقون أن يبيعه بعد علمه بالإحداث مع عدم قيامه به يسقط القيام اتفاقا، يرد بأنه إنما يصح هذا أن لو كان ضرر الإحداث يجاز بالعلم به مع السكوت عنه اتفاقا، وليس الأمر كذلك لما قاله ابن رشد هنا، وفي نوازل أصبغ حسبما تقدم، والعجب من قول ابن زرقون هذا مع كثرة اعتماده على كلام ابن رشد.
قال ابن زرقون في زاهي ابن شعبان: إن كان لإحدى الدارين باب في دار أخرى لما يستحق أرباب الدار التطرق إلا ببينة، فإن قامت بينة بالتطرق منه، ولم يقولوا بحق، فقيل: هي لغو إذ قد يتطرق بإذن رب الدار، وبغير إذنه، وقيل: يترك له على ما يثبت له بحق، ولا يمنع إلا بحق، وهذا كقول ابن سحنون فيما أشكل قدمه، وحدوثه أنه على القدم.
وفي منع المالك إحداث بئر يملكه في غير الفلاة تضر ببئر سابقه لجاره وجوازه، ثالثها: إن استفرغ ماء بئر جاره، ورابعها: إن وجد بدا من احتفاره، ولم يضطر إليه، لابن رشد عنها، وعن ابن كنانة وسماع القرينين في السداد، والأنهار وأشهب.
واللخمي: قال مالك: من أمر الناس اتخاذ أبراج الحمام، وإن عمرت من حمام الناس فلا بأس به.
اللخمي: يريد: أن كل من بنى برجا بعد تقدمه غيره فلا ينفك أن يصير إليه من برج من تقدمه، ولا يقدر على الامتناع منه، وهذا إذا لم يحدث الثاني بقرب الأول، فإن فعل منع؛ لأن فيه ضررا عليه.
ابن حدير: سئل أصبغ بن محمد من شيوخ الأندلسيين عن المسألة، وقول اللخمي فيها؛ فأجاب بأن للثاني أن يبني بقرب الأول، وقال: إن أراد اللخمي أن المنع لضرر الاطلاع أو إذاية الزرع أو الثمرة فله وجه، وإلا فلا.
قلت: الأظهر أن إحداث برج قرب برج أقدم منه يجري على ما تقدم في إحداث بئر قرب بئر سابقة.
стр. 3883
اللخمي: ونصب الأجباح يجري على ما تقدم في الأبراج.
ولابن كنانة: لا ينصبها قرب أجباح الناس بل بعيدا من العمران.
وقال أشهب: إن فعل وليس هناك إلا نحل مربوب فهو فيما دخل إليه أسوة غيره، وإن كان فيه نحل كثير غير مربوب، ونحل مربوب فلينصب، وما دخل إليه هو له؛ يريد: لأن الذي يدخل إليه غير المربوب؛ لأن الشأن في المربوب أن أصحابه يرصدونه، وإن دخل حمام برج في برج آخر، فإن عرف وقدر على رده رد قولا واحدا، وإن عرف وعجز عن رده ففي كونه ملكا لمن صار إليه ووجوب رد أفراخه قولا ابن القاسم وابن حبيب: وإن جهل أو جهل عشه فهو لمن ثبت عنده.
وقول مالك: إن عرف وقدر على رده رد للأول، كقول ابن عبد الحكم في الصيد أنه للأول وإن لم يتأنس عنده لا يزول ملكه عنه؛ لأنه في حال كونه في برج الأول على حال التوحش؛ فينبغي على قول مالك أن يكون لمن صار إليه بل هو في هذا أضعف؛ لأن ما في البرج ليس بملك محقق ورد ما تقرر ملكه أولى.
وقول ابن حبيب برد الفراخ حسن على قول ابن عبد الحكم، وأحسن ذلك أن لا يرد للأول شيء، وإن قدر على رده؛ لأنها غير مملوكة للأول إنما هي عنده على وجه الإيواء، وتأوي اليوم بموضع وغدا بآخر، وإن أوى حمام برج لدار رجل آخر إن علم أنه بري أو جهل صاحبه جاز له ملكه، وإن عرف برجه على قول مالك.
وقال ابن القاسم وأشهب: يرده إن عرف برجه، وإلا تصدق بقيمته، ومحمل قوليهما على أنه طالت إقامته، وإن كان بحدثان أخذه، ولم يقصه أرسله فالشأن عوده لو كره، وإن كان من حمام البيوت تأوي إليه، ولم يتعرض لحبسه فحكمه حكم اللقطة يخير في بيعه والصدقة بثمنه أو حبسه والصدقة بقيمته وحبسه دون الصدقة بشيء واسع، واستخف مالك حبسه كيسير اللقطة.
وقال ﷺ في الثمرة: لولا أن تكون من الصدقة لأكلتها، وإن دخل فرخ جبح لبيت آخر، فقال سحنون: هو لمن دخل إليه.
ابن حبيب: يرده إن عرف موضعه، وإن لم يقدر رد فراخه ويلزمه رد قدر ما يكون
стр. 3884
من عسله، وأرى إن رضي من صار إليه أن يعطي صاحبه قيمته كان ذلك له، والحكم للأول في النحل أقوى من الأبراج؛ لأن تلك إنما تأوي إليها، وهذه تصاد وتملك، ثم تجعل هناك؛ فينبغي أن تجري على حكم المربوب.
قلت: وتقدم شيء من هذا في كتاب الصيد حيث ذكره اللخمي.
الباجي: والحيوان الذي لا تستطاع حراسته كالنحل يضر شجر القوم، وفرخ الحمام والعصافير تضر بالزرع والدجاج الطائرة والأوز وشبهها.
قال مطرف: يمنع من اتخاذها؛ لأن هذا طائر لا يستطاع الاحتراز منه كما يستطاع في الماشية.
وقد قال مالك في الدابة الضارية: تعرب وتباع، وهذا أشد، واختاره ابن حبيب.
وقال أصبغ وابن القاسم: النحل والحمام والدجاج كالماشية لا يمنع من اتخاذها، وإن أضرت وعلى أهل القرية حفظ زروعهم وشجرهم، ومثله لابن كنانة، وقال: وما أحب أن يؤذي أحد.
قلت: كثيرا ما تقع هذه النازلة، والصواب أن يحكم فيها بقول مطرف وابن حبيب: وإن كان خلاف قول ابن القاسم؛ لأن منع أرباب الحيوان أخف ضررا من ضرر أرباب الزرع والثمار؛ لأنهم لا يتأتى لهم حفظها، ولا نقل زروعهم ولا أشجارهم، وأرباب الحيوان يمكنهم قص دجاجهم وإوزهم والاستغناء عن عصافيرهم، ونقل أجباحهم، وإذا عرض ضرران ارتكب أخفهما، وبعضهم يذكره أثرا، وبعضهم يذكره حديثا، وبعضهم يذكره حكما مجمعا عليه.
عبد الحق: ذكر الزهري عن سعيد بن المسيب عن النبي ﷺ أنه قال: حريم البئر المحدثة خمس وعشرون ذراعا، وحريم البئر العادية خمسون ذراعا، وحريم الزرع ثلثمائة ذراع، وحريم العين السيح ستمائة ذراع هذا الحديث يروي مسندا عن الزهري عن سعيد عن أبي هريرة عن النبي ﷺ ، ويروي مرسلا كما تقدم والمرسل أشبه ذكر
стр. 3885
الحديث والتعليل الدارقطني، وذكره أبو داود في المراسيل عن الزهري.
وحريم البئر: ما يستحقه مستحقها من أرض هي محل انتفاعه بها.
فيها: لأهل البئر منع من أراد أن يبني أو يحفر بئرا في ذلك الحريم؛ لأنه حق للبئر وضرر بهم، ولو لم يكن على البئر من حفر بئر أخرى ضرر لصلابة الأرض كان له منعهم لما يضر بهم في مناخ الإبل، ومرابض المواشي عند ورودها.
وفي حده بما يضر إحداث غير مستحقها فيه مستحقها في انتفاعه بها أو بالقيس قولان لها ولغيرها.
وفيها: ليس للآبار في المدونة عند مالك حريم محدود، ولا للعيون إلا ما لا يضر بها.
قال مالك: لأن منها ما هو في أرض رخوة، وما في أرض صلبة أو في صفاء.
عياض: الذي في أصل ابن عتاب وغيره من الأصول، وعليه كثير من المختصرين ورواية يحيى: إلا ما لا يضر بها قال: كذا روى سحنون والصواب إلا ما يضر بها.
قال فضل: كذا قرأناه على غير يحيى.
عياض: كلاهما صواب معناه لا يضر أنه من حريمها، ومعنى ألا يضر حد حريمها، وعلى القياس في كونه في العادية، وهي القديمة خمسون ذراعا، وفي البادية وهي التي ابتدئ حفرها نصفها أو العكس، نقلاه عن ابن نافع وأبي مصعب قائلا في بئر الزرع خمسمائة ذراع.
وقاله ابن المسيب. وعنه أيضا: ثلاثمائة ذراع.
قلت: زاد اللخمي من كل نواحيها.
قال ابن شهاب: وكان يقال: حريم الأنهار ألف ذراع، وقول مالك أحسن
стр. 3886
لاختلاف حال الآبار فمن ماء في أرض لا غياض فيها، ولا شعراء، ولم يعمل أكثر من الحفر ترك له سقي ذلك الماء أو ما يستطيع عمارته، وحمى شجر ما ابتدئ غرسه بموات.
روى اللخمي: ما يرى فيه مصلحتها، ولا يضرها.
وسئل فيه أهل المعرفة، وقد قالوا: اثني عشر ذراعا من نواحيها إلى عشرة، ويسأل عن الكرم، وعن كل شجرة أهل العلم بذلك؛ فيكون لها بقدر مصلحتها، فإن كان عشرة أمر محدث غيرها قربها أن يبعد عنها بقدر حريمها، فإن لم يفعل قطع على الثاني ما دخل من شجره في حريم الأول بباطنه أو هواه، ولو باع نخلة وشرط حقوقها وفناءها جعل لها على هذا القول عشرة أذرع من جميع نواحيها.
وفي نوازل الشعبي جوابا لسحنون: حريم شجرة رجل في أرض آخر هو ما أخذ ظلها حين استواء الشمس عليها قبل فيئها.
قلت: ذكر عبد الحق للطحاوي عن أبي سعيد الخدري قال: اختصم رجلان إلى النبي ﷺ في نخيلة فقطع منها جريدة، ثم ذرع بها النخيلة، فإذا فيها خمسة أذرع فجعلها حريما، وقال أبو داود: خمس أذرع أو سبع، وصححه بسكوته عنه، ولم يتعقبه ابن القطان.
قلت: وفيه متمسك لجواب سحنون، ومستند ما ذكره اللخمي حديث ابن عباس عن النبي ﷺ قال: (لا ضرر ولا ضرار) خرجه الدارقطني.
قال عبد الحق: في إسناده إبراهيم بن إسماعيل هو ابن أبي حبيبة، وثقه أحمد بن حنبل وضعفه أبو حاتم، وقال: هو منكر الحديث لا يحتج به.
ورواه عبد الملك بن معاذ النصيبي عن الداوودي عن عمرو بن يحيى عن أبيه
стр. 3887
عن أبي سعيد عن النبي ﷺ قال (لا ضرر ولا ضرار)، وذكره أبو عمر، ورواه مالك عن عمرو بن يحيى بن يحيى عن أبيه أن رسول الله ﷺ قال: (لا ضرر ولا ضرار) كذا رواه مرسلا.
قلت: تعقبه ابن القطان بأن عبد الملك هذا لا تعرف حاله، ولا أعرف من ذكره.
اللخمي: من أحيا للسكنى، فقال لمن أراد أن يحيى بعده: ابعد عني فإنك تكشفني إن قربت مني كان له ذلك قضى عمر بن عبد العزيز فيه أن ينزل عنه نحو مائة ذراع قال: حيث لا تتبين امرأة، ولا يسمع كلام الحي، وإن شكى أنه ضيق عليه في المرعى أبعد عنه، وأرى أن يبعد إذا خاف الكشف أكثر من مائة ذراع، ولا يضيق على النساء في تصرفهن هناك.
قلت: هذا الذي ذكره اللخمي كأنه المذهب عنده خلاف ما تبع فيه ابن شاس وابن الحاجب الغزالي، وجعلاه المذهب، وهو قولهما: حريم المحفوفة بالموات ما يرتفق به من مطرح تراب ومصب ميزاب والحق عندي أن الإحياء إن كان أذن الإمام فيه أو مقتضى حال الموضع المحيا فيه جعل ذلك الموضع مدينة أو قرية لا تتقرر غالبا إلا باجتماع الساكنين، واتصال مساكنهم فالحق ما قاله ابن شاس وابن الحاجب، وإن لم يكن الأمر كذلك كما ذكر لي عن مساكن أهل الجبال، كجبال زواوة ونحوها فالحق ما قاله اللخمي.
стр. 3888
[باب التحجير]
التحجير: هو ضرب حدود حول ما يريد إحياءه، وهو ممن لا يقوى على الإحياء لغو اتفاقا، وما يقوى عليه وتأخيره بيسير الأيام لتليين الأرض أو لرخص الأجير معتبر لسماع يحيى ابن القاسم، ونقل اللخمي والباجي عن أشهب.
وفي السماع مع اللخمي: إن حجر كثيرا وعمر منه يسيرا فالزائد عليه كمنفرد عنه، والتحجير لأكثر من ذلك في لغوه مطلقا أو إن زاد على ثلاثة أعوام سماع يحيى ابن القاسم، مع قولها، ونقل ابن رشد عن الواضحة مع اللخمي عن الأخوين.
الباجي: لأشهب في المجموعة عن عمر فيمن حجر أرضا ينتظر به ثلاث سنين ورآه حسنا.
زاد ابن رشد: وأنكر ابن القاسم في المدونة أن يكون سمع من مالك في ذلك شيئا.
قلت: فلأشهب القولان صرح بهما عياض عنه.
[باب الإقطاع]
والإقطاع: تمليك الإمام جزءا من الأرض، لا يصح فيما هو موقوف لمصالح
стр. 3889
المسلمين في التجارة لأرض الحرب لا يجوز شراء أرض مصر، ولا تقطع لأحد.
قال غير واحد: لأنها فتحت عنوة.
وسمع يحيى ابن القاسم في كتاب السداد والأنهار: ما قارب الأمصار والمدن من الموات التي لا يجوز إحياؤه إلا بإذن الإمام إن أقطعه رجلا فله بيعه، ويورث عنه، ويكون أحق به، وإن لم يعمره، وليس حاله كحال المعادن.
ابن رشد: الإقطاع يكون في البراري والمعمور إلا معمور أرض العنوة التي حكمها أن تكون موقوفة.
قلت: يريد: إقطاع التمليك، وأما إقطاعها للانتفاع بها مدة فجائز.
قاله الطرطوشي وغيره وابن رشد: فإذا أقطع أحدا شيئا من الأرض المعمورة فلا كلام في أن المقطع يستحقه بنفس الإقطاع، وإن أقطعه شيئا من الموات ليحييه استحقه بنفس الإقطاع، وإرث يورث عنه، وله بيعه وإعطاؤه إلا أن للإمام أخذه بإحيائه، فإن لم يفعل أو عجز أقطعه لغيره لما روي انه ﷺ أقطع بلال بن الحارث من العقيق ما يصلح للعمل فلم يعمله فقال له عمر: إن قويت على عمله فاعمله وإلا أقتطعه للناس، فقال له: أقطعينه رسول الله ﷺ ، فقال له عمر: إنه ﷺ اشترط عليك فيه شرطا فأقطعه عمر للناس، فإن باعها أو وهبها بعد عجزه قبل نظر الإمام في ذلك مضى ذلك وحل
стр. 3890
المبتاع والموهوب له فيه محل البائع أو الواهب، فقوله في السماع: يكون أحق به، وإن لم يعمره معناه إن قال: أعمرها، ولو قال: لا أعمرها أو عجز عنها فللإمام أن يقطعها غيره.
ولو أحياها غيره بعد عجزه دون قطيعة من الإمام جرى على الخلاف فيمن أحيا ما قرب من العمران دون إذن الإمام.
قلت: وللخمي عن الأخوين: من أقطعه الإمام أرضا على عمارتها فله بيعها وهبتها والصدقة بها ما لم ينظر في عجزه فيقطعها غيره.
قال: وظاهر المذهب أن من أقطع أرضا ليملكها لا بشرط العمارة كانت له، وإن عجز عن عمارتها، وذكر قصة بلال وعمر عن ابن وهب.
قلت: كذا ذكر اللخمي في غير نسخة قول الأخوين أن الإقطاع مقيد بأنه على العمارة.
وقال الباجي ما نصه: ما افتتح ملكه على قسمين إقطاع، وإحياء فما يملك بإقطاع من الإمام.
سمع يحيى ابن القاسم: أنها للمقطع، وإن لم يعمرها، ويبيع ذلك، ويورث عنه.
وقال ابن حبيب عن الأخوين: من أقطعه الإمام فلم يقدر على عمارته فله أن يبيع ويهب ويتصدق ما لم ينظر في عجزه عنها فيقطع غيره، فرأى ابن القاسم الإقطاع تمليكا تاما، ورآه الأخوان إذنا في الإحياء، ومن شرطه العمل.
ابن زرقون: ورآه غير واحد من الشيوخ وفاقا، وجعلوا قول الأخوين تفسيرا.
قلت: فذكر الباجي قول الأخوين في الإقطاع العري عن شرط العمارة، وجعله خلاف قول ابن القاسم، ونقله اللخمي مقيدا به كما مر.
وفسر ابن رشد سماع يحيى بمعنى قول الأخوين.
وذكر ابن شاس عن الأستاذ أبي بكر أنه حمل سماع يحيى على ملك المقطع ما أقطعه.
следующие страницы →