Полный текст (5 077 стр.). Показаны 4166–4205 · переход к 4171.
стр. 4166
وخرج عليهما القياسين، وفي كتب الأصول - المحصول وغيره -: الخلاف مذكور نصًا في القياسين في تحصيل السراج ما نصه حكم تعادل الأمارتين عند القاضي أبي بكر وأبي علي، وأبي هاشم التخيير.
وعرف بعض الفقهاء التساقط والأمارة عرفًا: كل ما أنتج الظن، وحكم الحاكم بعلمه في غير التعديل والتجريح.
قال اللخمي: لا يحكم بما علمه قبل ولايته، ولا بعدها في غير مجلسه ولا فيه قبل أن يتحاكما ويجلسا للحكومة؛ كسماعه إقرار أحدهما للآخر، فلما تقدما للحكومة؛ أنكر وهو فيه شاهد، وفي حكمه بما علمه من إقرارها في مجلس حكومتهما قولان؛ سحنون مع عبد الملك، وابن القاسم مع مالك، ولما عزا أبو عمر الأول للشافعي وجمهور الفقهاء قال: واستحب مالك أن يحضره شاهدان، ولم يبح في شهادتيهما مدفعًا، وذلك دليل على أن ذلك عنده استحباب.
ولابن رشد في سماع عيسى: حكمه بما أقر عنده بعد ولايته؛ لا يجوز الحكم به اتفاقًا من العلماء، فإن فصل فسحه هو من ولي بعده، وما أقر به غيره بعد ولايته في غير مجلس قضائه؛ لا يجوز حكمه به اتفاقًا في المذهب في غير الحدود، ومطلقًا في الحدود، وأجازه أهل العراق في غيرها، وروي عنهم: يقضي في الحدود بعلمه كغيرها، وهو بعيد، فإن قضى بما علمه بعد ولايته في غير مجلس حكمه؛ ففي فسخه غيره بعده، وقصر فسخه عليه قولا أشهب، والمشهور: وما أقر به أحد الخصمين في مجلس قضائه، ثم جحده؛ فالإختلاف فيه موجود في المذهب، وقال محمد: لا اختلاف فيه بين أصحاب مالك.
ابن الماجشون: الذي عليه قضاتنا بالمدينة وعلماؤنا، ولا أعلم مالكًا.
قال غيره: أنه يقضي عليه بما أقر به عنده، وقاله مطرف، وأصبغ، وسحنون.
ابن رشد: وهو دليل قوله ﷺ ، فأقضي له على نحو ما أسمع منه، ولم يقل صلى الله عليه وسلم
стр. 4167
على ما ثبت عندي من قوله، ومشهور المذهب أنه لا يقضي عليه إذا جحد، وهو قوله في هذا السماع.
الباجي: إن حكم بما علمه في مجلس قضائه؛ فقال ابن القصار: لا ينقض حكمه عند بعض أصحابنا قال: وعندي أنه ينقض.
ابن زرقون في الموازية: إن حكم بما علمه قبل ولايته؛ نقضه غيره، ولو حكم بما علمه في مجلس قضائه، ثم ولي غيره؛ لم ينقضه، وينقضه ما دام قاضيًا في الوجهين، وقاله أصبغ.
قال ابن الحاجب: لا يحكم بالتخمين؛ لأنه فسق وجور.
قُلتُ: في الصحاح: التخمين: الحدس وكثيرًا ما رأيت بعضهم يحكم في النازلة، وهو لا يستند في حكمه لنقل يذكره بحال لما استقرئ من حاله إذا روجع في بعض أحكامه، لم يذكره مستندًا من نص رواية ولا قول لبعض أهل المذهب، ولا قياس عليه.
ابن الحاجب: ولا يحكم عليه بعلمه مطلقًا إلا أن يكون بعد الشروع في المحاكمة فقولان، فلو حكم بعلمه في غيره؛ ففي فسخه قولان، وأما ما أقر به في مجلس الخصومة فحكم به؛ فلا ينقض، وقبله ابن عبد السلام وابن هارون، وظاهره: أنه لو حكم بما علمه قبل ولايته؛ ففي نقضه القولان، وظاهر ما تقدم لابن رشد: أنه يفسخه هو ومن بعده دون خلاف في ذلك.
قُلتُ: ولا يبعد إعمال ظاهر نقل ابن الحاجب؛ لأن ظاهر نقل ابن رشد؛ إنما هو على قوله: مات علمه قبل ولايته؛ لا يجوز حكمه به اتفاقًا من العلماء، وهو خلاف نقل أبي عمر قال: جاء من طرق أن رجلًا من بني مخزوم استعدى عمر على أبي سفيان بن حرب أنه ظلمه حدًا في موضع كذا، فقال عمر: إني لأعلم الناس بذلك ربما لعبت أنا وأنت فيه، ونحن غلمان، فإذا قدمت مكة، فأتني بأبي سفيان، فلما تقدم مكة أتاه
стр. 4168
المخزومي بأبي سفيان فقال له عمر: انهض بنا لموضع كذا، فنهضوا، فنظر عمر، فقال يا أبا سفيان: خذ هذا الحجر من هنا وضعه هنا، فقال: والله لا أفعل، فقال: والله لتفعلن، فقال: لا أفعل، فعلاه عمر بالدرة، وقال: خذه لا أم لك وضعه ههنا، فإنك ما علمت تحريم الظلم، فأخذ أبو سفيان الحجر ووضعه حيث قال عمر، ثم استقبل عمر القبلة، فقال: اللهم لك الحمد إذ لم تمتني حتى غلبت أبا سفيان على رأيه، وأذللته بالإسلام، فاستقبل أبو سفيان القبلة فقال: اللهم لك الحمد إذ لم تمتنى ختى جعلت في قلبي من الإسلام ما ذللت به لعمر، فقضى عمر بما علمه قبل ولايته، وإلى هذا ذهب أبو يوسف، ومحمد، والشافعي، وأبو ثور سواء عنده علمه قبل ولايته أو بعده في مصره أو غير مصره.
قال أبو حنيفة: علمه قبل ولايته، أو رآه في غير مصره؛ لا يقضي بعلمه فيه، وهو فيه شاهد، وما علمه بعد ولايته، أو رآه بمصره؛ قضى فيه بعلمه، واتفق أبو حنيفة وأصحابه أنه لا يقضي بعلمه في الحدود.
وقال الشافعي وأبو ثور: يقضي في الحدود وغيرها بعلمه، قلت: استدلال أبي عمر على القضاء بما علمه قبل ولايته بفعل عمر يرد بأنه إنما قضى به بعد رؤيته فهو قضاء بعلمه المستصحب إلى وقت الحكم، فهو حكم بما علمه في ولايته، فتأمله.
المازري: في حكمه بما علمه مطلقًا ثالثها: بما علمه بعد ولايته غير حد، ورابعها: هذا ولو علمه قبل ولايته، وخامسها: بما علمه غير حد في مجلس قضائه لأحد قولي الشافعي ومالك مع الأوزاعي، والشعبي، وجماعة، وأبي حنيفة، وأبي يوسف، وسحنون مع عبد الملك، وعلى المشهور أنه لا يحكم عليه بما أقر به في مجلس حكومته في صحة شهادته علته أنه عند غيره، سماع عيسى ابن القاسم، ونقل ابن رشد نقل محمد أحد قولي ابن القاسم.
اللخمي: إن حكم على الخصم بإقراره، ولم ينكر حتى حكم عليه، ثم أنكر بعد الحكم، وقال: ما كنت أقررت بشيء؛ لم ينظر إلى إنكاره هذا مشهور المذهب.
وقال ابن الجلاب: إن ذكر الحاكم أنه حكم بأمر، وأنكر المحكوم عليه؛ لم يقبل
стр. 4169
قول الحاكم إلا ببينة، وهو أشبه في قضاة اليوم؛ لضعف عدالتهم.
المازري من الحكمة والمصلحة منع القاضي الحكم بعلمه خوف كونه غير عدل، فيقول: علمت فيما لا علم له به، وعتلى هذا التعليل؛ لا يقبل قوله: ثبت عندي كذا إألا أن يسمي البينة، وقد ركب ابن القصار هذا وقال: لا يقبل منه حتى يسمي البينة، وكذا قال ابن الجلاب، فذكر ما نقله اللخمي عنه قال: وقال: أصبغ في الواضحة: إن أنكر المحكوم عليه أنه خاصم عند القاضي، وأعذر إليه، فحكم عليه قبل قول القاضي أنه فعله؛ ابن الجلاب: إن أنكر أنه أقر بعد الحكم؛ لم يفده على المشهور، وفي الجلاب: إن ذكر الحاكم أنه حكم، فأنكر المحكوم عليه؛ لم يقبل إلا ببينة على حكمه.
ابن عبد السلام: إنما فسر المؤلف الشاذ بقول ابن الجلاب؛ لأن كلامه ليس نصًا في مخالفته القول المشهور؛ لأن مسألة المشهور ما خالف الخصم في أن القاضي حكم عليه؛ إنما خالف في سببه القاضي بقول: حكمت عليك بعد إقراره، والخصم يدعي جوره أو سهوه، ويقول: حكم علي، ولم أقر.
وفي مسألة الجلاب: القاضي يقول: حكمت عليه، والخصم يقول: ما حكم علي، ولو عرضت مسألة المشهور على الجلاب؛ لاحتمل أن يوافق المشهور لإقرار الخصم فيها أن القاضي حكم عليه.
قُلتُ: هذا يدل على فهمه مسألة الجلاب على أن قبول قول القاضي إنما يتوقف على البينة بقضائه بذ لك فقط، ودليل قول المازري المتقدم: أنه متوقف على إثباته البينة التي حكم بها تسميتها لا البينة بمجرد حكمه، وهو مقتضى جعل اللخمي قول الجلاب خلاف المشهور؛ لأن المسألة التي جعل حكمها هو المشهور؛ إنما هو فيها قبول قول القاضي في إسناده حكمه الذي أنفذه لموجبه الشرعي، وهو إقرار الخصم المستمر لوقت نفوذ الحكم عليه، وجعل قول الجلاب خلافه، ولا يتقرر كونه خلافه إلا بما فسر به المازري من أنه موقوف على ثبوت ما استند إليه حكمه شرعًا بتسميته وهو البينة، وذلك بخلاف ما فسر به الشيخ فتأمله، ثم قال اللخمي: إن أنكر المحكوم عليه أنه خاصم عند هذا القاضي، وقال القاضي: خاصمت وأعذرت إليك وعجزت،
стр. 4170
فحكمت إليك؛ فقال أصبغ: القول قول القاضي، وقال ابن الجلاب: لا يقبل قوله إلا ببينة، وإن كان مضمون الحكم وقفًا على رجل؛ لم يقبل قوله على المحكوم عليه إلا ببينة؛ لأنه في هذا دافع عن نفسه، وقاله أصبغ في الواضحة، وفرق بين هذا وبين كون الحكم بين متنازعين، ولو حكم بغرم رجل مائة دينار لآخر ببينة معينة، فقالت: إنما شهدنا بها للمحكوم عليه على المحكوم له، والقاضي متيقن ما حكم به؛ ففي مضي حكمه ونقضه فيما بين المحكوم عليه، والحاكم يغرمه ذلك قولا ابن تالقاسم وسحنون قائلًا: ولا يرجع على الشهود بشيء، ومحمد قائلًا ويغرم المائة للمحكوم عليه، ولا يرجع على الشهود، وعليه ينبغي إن كان الحاكم فقيرًا؛ نزع المال من المحكوم له للمحكوم عليه إن رقع ذلك لحاكم غير الأول، وظاهر نقل اللخمي: أن القاضي إنما يغرم مائة واحدة، ولما نقل المازري عن محمد ما تقدم قال: ولم يكتف محمد بإغرامه المائة التي حكم بدفعها لمن صارت له فقط؛ بل أغرمه مائة أخرى هي المشهود بها للمحكوم عليه على المحكوم له، ولو قال القاضي: أشك في ىذلك؛ نقض حكمه بين الخصمين، ورجع لما تقوله البينة الآن، وغرم المحكوم له ما يبين.
قُلتُ: ذكر الشيخ عن ابن القاسم نحو ما تقدم، وقيده بكونه عدلًا.
اللخمي: لو أنكر الحاكم والمحكوم عليه الحكم وقال: ما حكمت بهذا، فشهدت بينة بحكمه له؛ وجب تنفيذه.
قُلتُ: وحكاه الشيخ عن ابن القاسم وابن وهب.
وفي التلقين: إن بنى الحاكم حكمًا حكم به، فإن شهد عنده عدلان؛ أنفذ شهادتهما.
المازري: هذا خلاف مذهب مالك خلاف مذهب أبي حنيفة والشافعي، ولم يذكر عن المذهب خلافًا فيه.
وفي جامع العتبية: قال مالك: قدم بالهرمزان، وجهينة على عمر، فأراد قتلهما، فكلمهما، فاستعجما عليه، فقال: لا بأس عليكما، ثم أراد قتلهما، فقالا: ليس لك ذلك قد قلت: لا بأس عليكما.
ابن شد: الهرمزان: سيد دستر حصره أبو موسى في قلعة له حتى نزل على حكم
стр. 4171
عمر، فقال: انتهيا به لعمر، قال له عمر: تكلم، قال: كلام حي أو ميت؟! قال: تكلم فلا بأس، قال: إنا وإياكم معاشر العرب ما خلا الله بيننا وبينكم كنا ونقتلكم، فلما كان الله معكم؛ لم يكن لنا بكم يدان، قال عمر: ما تقول يا أنس؟ قلت: يا أمير المؤمنين تركت بعده عدده كثيرًا، وشوكة إن قتله أيس القوم من الحياة، ويكون أشد لشوكتهم. فقال: أستحيي قاتل البراء بن مالك، ومجزأة بن ثور، فلما خفت أن يقتله قلت: ليس إلى قتله من سبيل، قد قلت له: تكلم؛ فلا بأس، فقال: لتأتين بمن يشهد له غيرك، فشهد الزبير معي، فأمسك عمر عنه، فأسلم وفرض له.
قُلتُ: وهذا حجة لمالك.
قال ابن شاس بعد نقله كلام التلقين: وحكى الشيخ أبو محمد رواية: أنه لا يلتفت إلى البينة بذلك، ولا يحكم بها.
قُلتُ: لم أجد هذا في النوادر؛ بل نقيضه حسبما تقدم، وعدم ذكرها.
المازري واللخمي وابن رشد: وعدم وجدانها في النوادر يوجب منها في النفس شيئًا، ولما ذكر لي أن في بعض نسخ ابن شاس: الشيخ أبو عمر نظرت في كتابه الكافي، فذكر فيه الرواية معزوة لمالك وأصحابه قال: وقول من قال: لا يجيبه إلى ذلك، ولا يسمع من بينته أولًا؛ لأنها تشهد عنده على عقده ما لم يعلمه من نفسه.
قُلتُ: ما تقدم عن عمر رضى الله عنه يرده وروايات الأمهات واضحة بوجوب تسوية القاضي بين الخصمين في مجلسهما بين يديه، والنظر إليهما، والسماع منهما، ورفع صوته عليهما.
قال الشيخ عن أشهب: إلا من نظر إليه إغلاظًا عليه للردة إذا كان بحيث لو صدر ذلك من الآخر؛ فعل به مثله.
المازري: لو كان الخصمان مسلمًا وذميًا، ففي تسويتهما في مجلسهما كمسلمين، وجعل المسلبم أرفع قولان.
قُلتُ: لم يذكر الشيخ غير الأول معزوًا لأصبغ، والروايات مطلقة في وجوب التسوية بين مطلق الخصمين، وذكر اللخمي القولين، وقال: أرى أن يتقدم المسلم
стр. 4172
الذمي بيسير، وقال: قال أشهب: للقاضي أن يشد على عضد أحدهما إن رأى ضعفه عن صاحبه وخوفه منه؛ ليبسط أمله، ورجاءه في العدل، ويلقنه حجة عمي عنها إنما يمنع تلقين أحدهما الفجور.
قُلتُ: زاد الشيخ في المجموعة، وكتاب ابن سحنون: لا ينبغي أن يشد على عضد أحدهما، ولا يلقنه حجة.
الشيخ: لأشهب في المجموعة: إن جلس الخصمان بين يديه؛ فلا بأس أن يقول: ما لكما، أو ما خصومتكما، أو يسكت ليبتدآه، فإن تكلم المدعي؛ أسكت الآخر حتى يسمع حجة المدعي، ثم يسكته، ويستنطق الآخر منهم حجة كل واحد منهما، ولا يبتدئ أحدهما فيقول: ما تقول: أو مالك إلا أن يكون علم أنه المدعي، ولا بأس أن يقول: أيكم المدعي؟ فإن قال أحدهما: أنا، وسكت الآخر؛ فلا بأس أن يسأله عن دعواه، وأحب إلي أن لا يسأله حتى يقو خصمه بذلك، وإن قال كل منهما للآخر: هذا المدعي أقامهما عنه حتى يأتيه أحدهما، فيكون هو الطالب، وقاله أصبغ ابن عبد الحكم: إن ادعى كل منهما أنه المدعي، فإن كان أحدهما جلب الآخر؛ فالجالب المدعي، وإن لم يدر الجالب؛ بدأ بأيهما شاء، وإن كان أحدهما ضعيفًا، فأحب إلي أن يبدأ بالآخر.
اللخمي: إن صرفهما لدعوى كل منهما أنه الطالب، فأبى أحدهما الانصراف؛ بدأ به، وإن بقي كل منهما متعلقًا بالآخر؛ أقرع بينهما، وإن كان لكل منهما على الآخر طلب وتشاحا في الابتداء؛ أقرع بينهما، وقيل: الحاكم بالخيار، واستحب ابن عبد الحكم أن يبتدئ بالنظر لأضعفهما.
الشيخ لابن سحنون عنه: كان إذا سمع الدعوى والإنكار؛ أمر كاتبه بكتبهما؛ ثم عرض ما كتب عليهما؛ فإن وافقا عليه؛ أقره، وإن كان شيئًا غيره، ثم سأل البينة عن شهادتها، فإن خالفت الدعوي؛ لم يأمر بكتبها وأخرجهم، وإن وافقتها؛ كتبها.
ولأصبغ: إذا أقر أحدهما بما للآخر فيه نفع؛ فلا بأس أن ينبهه القاضي بقوله: هذا لك فيه نفع، هات قرطاسك أكتب لك فيه، ولا ينبغي له ترك ذلك، ويجب جواب دعوى أحد الشركاء في حق بادئه أو غيره على غريم طلبه، وإن لم يطلبه باقيهم إن لم
стр. 4173
يقوموا لطلبه معه، ولو حضر مع شركائه أو بعضهم لمخاصمته؛ فللمدعي عليه ترك مخاصمتهم مفترقين حتى يقدموا لخصومته واحدًا فقط.
وقول ابن المناصف: إذا كان لجماعة حق واحد على رجل؛ فإما وكلوا كلهم واحدًا على خصومته، أو خاصموه مجتمعين، ولا يتعاورون عليه واحدًا بعد واحد إطلاقه وهم، أما ألأول؛ فلقولها في الولاء لمن ورث حقًا في دار الخصومة فيه: ولا يقضي له إلا بحظه، ولجواب ابن رشد بقوله في سؤال عياض له لمن قام من أصحاب جنات: لهم حق في ماء الخصومة في حقه، ومكنه الحاكم من ذلك، وإن لم يقم بقية أصحابه معه.
وأما الثاني؛ فلجوابه عن ورثة قام بعضهم بقوله: من حق المطلوب اجتماع الورثة في مخاصمته، أو توكيل واحد عنهم لسماع ابن القاسم في الأقضية في ورثة ادعوا منزلًا بيد رجل يوكلون من يخاصمه، لا يتعاورونه هذا يومًا وهذا يومًا، وإذا ذكر المدعي دعواه؛ فمقتضى المذهب أمر القاضي خصمه بجوابه إن استحقت الدعوى جوابًا، وإلا فلا؛ كقول المدعي: هذا أخبرني البارحة أنه رأى هلال الشهر، أو سمع من يعرف للقطة، ولا يتوقف أمره بالجواب على طلب المدعي لذلك بوضوح دلالة حالة التداعي عليه.
المازري: إن لم يكن من المدعي أكثر من الدعوى، فإن قال للقاضي: لي عند هذا ألف درهم؛ فللشافعية في هذا وجهان: أحدهما: ليس للقاضي طلب المدعى عليه بجواب؛ لعدم تصريح المدعي بذلك، وذكر أن أخوين بالبصرة كانا يتوكلان على أبواب القضاة، ولهما فقه، فلما ولي عيسى بن أبان قضاء البصرة، وهو ممن عاصر الشافعي، أراد الأخوان أن يعلماه مكانهما من العلم، فأتياه، فقال له أحدهما: لي عند هذا كذا وكذا، فقال عيسى للآخر أجبه، فقال المدعى عليه: ومن أذن لك ان تستدعي جوابي، وقال المدعي: لم آذن لك في ذلك، فوجم عيسى بن أبان فقالا له: إنما أردنا ان نعلمك مكاننا من العلم، وعرفاه بأنفسهما، وعنده مناقشة لا طائل تحتها؛ لأن الحال شاهدة بذلك، وهو ظاهر مذاهب العلماء.
قُلتُ: وظاهر قول المازري: ومن نقل عنه توجه دعوى المدعي بإيجاب جوابه
стр. 4174
خصمه بمجرد قوله: لي عند هذا ألف درهم، وليس كذلك، بل لا بد من بيانه ما به تقررت له عليه من سلف أو معاوضة، أو بت عطية أو عدة بها؛ لجواز كونها بأمر لا يوجب وجوبها عليه، كعدة أو عطية من مال أجنبي ونحو ذلك، وحق المدعي المقرأن لا بينة له إن أنكر خصمه دعواه الجائز إقراره تحليفه إياه.
المازري: الأصل أن القاضي لا يستحلفه إلا بإذن المدعي إلا أن تدل قرينة الحال على أنه أراد من القاضي ذلك، وذكر عن بعض القضاة: أن رجلًا ادعى على رجل ثلاثين دينارًا، فأنكر المدعى عليه، فاستحلفه القاضي، فقال الطالب: لم آذن في هذه اليمين، ولم أرض بها؛ فلا بد أن تعاد اليمين، وامر القاضي غلامه أن يدفع عن المطلوب من ماله ثلاثين دينارًا كراهة أن يكلفه إعادة اليمين قضى عليه بها.
وفي الشهادات منها: وإن حلف المطلوب، ثم وجد الطالب بينة، فإن لم يكن علم بها؛ قضى بها، وإن استحلفه بعد علمه بها تاركًا لها، وهي حاضرة أو غائبة؛ فلا حق له، وإن قدمت بينته، وإن قال الطالب للقاضي بينتي غائبة، فأحلفه لي، فإن قدمت؛ قمت بها، فإن كانت بعيدة، وخاف القاضي تطاول الأمر، وذهاب الغريم؛ أحلفه له، وله القيام ببينته إذا قدمت، وإن قربت غيبتها كاليومين والثلاثة لم يحلفه إلا على إسقاطها، وظاهر قوله: إن لم يكن علم بها؛ قضى له بها دون يمينه أنه ما علم بها.
وقال الصقلي عن ابن الماجشون: كانت بينته حاضرة أو غائبة بعد حلفه ما علم بها، ولو وجد شاهدًا واحدًا، فقال الأخوان وابن عبد الحكم وأصبغ: لا يحلف معه، ولا يقضى لع إلا بشاهدين.
قُلتُ: ما ذكره عن ابن الماجشون من قوله: بعد حلفه ما علم بها ذكره ابن فتوح وغيره غير معزو لابن الماجشون كأنه المذهب.
قال ابن عات: تكون يمينه معتبرة القبول للبينة إلا ان يكون في الخصام تطويل ابن فتوح من الحزم للمدعى عليه إذا دعي اليمين؛ أن يلتزم المدعى عليه أنه أسقط بينته علمها أو جهلها، فإن عقد عليه هذا؛ لم تسمع بينته.
وسمع القرينان من كتاب الديات: من قضى من له عليه دينار ديناره ببينة، ثم
стр. 4175
تقاضاه منه بعد شهر، فقال له: قضيتكه وأشهدت عليك بذلك فلانًا وفلانًا، فأنكره، فقال: أتحلف، قال: نعم، فحلف وقضاه؛ فله القيام عليه بالشاهدين.
ابن رشد مثله في الموازية من رواية ابن عبد الحكم، وفي الثمانية للأخوين، وزاد ابن الماجشون: أنه آثم إلجائه إلى يمين باطلة، وبينته حاضرة يعلبمها.
وفي الواضحة للأخوين مثل المدونة: لا قيام له، ولا يدخل هذا الخلاف في الصلح، وذكر الصقلي استحسان بعض القرويين ما في المدونة: إن كان أمر البنات يطول عند القضاة؛ فالأقوال به ثلاثة.
ابن فتوح: إنما يكون له أن يحلفه، وبينته غائبة على أنه يقوم بها بعد حلفه أنه ببلد بعيد، ويسمي البينة، قلت: ويعين الموضع خوف أنم يعتقد فيما ليس بعيدًا أنه بعيد والخوف في المفاذة يصير القريب بعيدًا.
ابن فتوح: من ادعى على رجل بحقوق عددها، وقال بعضها: لا بينة له به، وله على بعضها بينة غائبة، وطلب حلفه على ما لا بينة له عليه به، وبناه على ما له عليه البينة؛ لم يكن له أن يحلفه على ما لا بينة له عليه إلا إن التزم أنه إن عجز عن بينة ما قال أن له عليه بينة؛ لم يحلفه عليه، وإلا أخر تحليفه لوقت إقامته تلك، فإن أقامها، وإلا جمع دعاوزيه، وحلفه على جميعها.
وسمع ابن القاسم: من طلب رجلًا بمائة دينار، وقال المدين: إنما علي مائة، وقال الطالب: ضاع ذكر حقي بالمائتين، ونسيت شهوده فصالحه على ما يبين دعواهما، ثم وجد كتابه بشهوده، فإن عرف هذا من قوله؛ فله القيام بذكر حقه، ويغرمه بقيته.
ابن رشد: يريد: بقوله عرف أنه كان قبل الصلح له ذكر حق ضاع، ودليله أنه إن لم يعرف ذلك من قوله؛ فلا قيام له؛ كقول مالك في كتاب الجدار: إن صالحه جاهلًا بينته؛ فلا شيء له، خلاف قولها في الصلح: من صالح جاهلًا ببينته؛ فله القيام ببقية حقه إن وجد بينة، ويحتمل أن يكون معنى قوله هنا رجع ببقية حقه دون يمين، وإن لم يعرف قوله ذلك؛ لم يرجع إلا بعد يمينه أنه إنما صالحه وكتابه قد ضاع، ولا يعرف شهوده؛ فلا يكون ما في السماع مخالفًا لما في المدونة، وفرق في كتاب الجدار بين
стр. 4176
المسألتين، فيتحصل فيها ثلاثة: عدم رجوعه بوجود ذكر حقه، ولا بعثوره على بينة لم يكن علمها، ورجوعه في الوجهين، ورجوعه بوجوده ذكر الحق لا بعثوره على البينة.
أول مسألة من أقضيتها: قال مالك: وجه حكم القضاء إذا أدلى الخصمان بحجتهما، ىوفهم عنهما أن يقول لهما: أبقيت لكما حجة، فإن قالا: لا وقع الحكم، فإن أراد بعد ذلك نقض ذلك؛ لم يقبل منهما إلا أن يأتيا بأمر له وجه.
ابن القاسم: مثل أن يأتي شاهد عند من لا يرى الشاهد واليمين، وقال الخصم: لا أعلم لي شاهدًا آخر، فحكم عليه، ثم قدر على شاهد آخر؛ قضى لهذا الآخر.
عياض: مراد يفهم عنهما تحققه ما سمعه منهما دون احتمال، لا أنه فهم من معرض كلامهما، ولحن خطابهما، ليس هذا مما تقام الأحكام به.
وقد قال أشهب وسحنون وغيرهما: لا يقضي حتى لا يشك أنه قد فهم؛ فإمات أن يظن أن قد فهم، ويخاف ألا يكون فهم؛ فلا يقضي به، قلت: هذا خلاف ظاهر قول ابن محرز.
قوله: وفهم القاضي عنهما؛ لعل فهمه عنها يقوم مقام ما سمعه منهما؛ لأنه حمله على أنه يجتزئ بمجرد فهمه، وذلك عندي جار على الاختلاف في صحة الشهادة بأوله.
قال ابن رشد في رسم الطلاق من سماع القرينين في التخيير والتمليك في إعمال الشهادة بما يظهر من قصد المشهود عليه وإرادته ثالثها: وبت الشاهد شهادته بذلك بسماع القرينين مع سماع أصبغ ابن القاسم، وسماعه يحيى وأصبغ: وترك الشهادة بها أيام،
قضى ابن عبد السلام بتونس في مال معتبر نحو ألف دينار ذهبًا أمكيرية، فحكم بما فيها.
عياض: قوله (أبقيت لكما حجة قبل)؛ صوابه أن يقول للمحكوم عليه، وعليه اختصرها الشيخ ومن تبعه: فهو الذي يعذر له لا للمحكوم له، وقيل: صوابه بما فيها أن المطلوب إذا ذكر حجة، سئل الطالب عن جوابها، كأنه أبقي لكما كلام أسمعه منكما.
стр. 4177
عياض: وأوجه ما فيه عندي: أن الحكم يتوجه مرة على الطالب، ومرة على المطلوب، فيقول لهما: ذلك على الانفراد، فصح اختصار ذلك في لفظ واحد.
اللخمي: اختلف إذا لم يثبت على المدعي عليه بتلك الدعوى شيء هل يكتب له بذلك حكم؟ فقال عبد الملك: من ادعى شسيئًا، وعجز عن تزكية بينة له، فقال المطلوب للقاضي: احكم بعجزه؛ لئلا يقوم بها على ثانية؛ ليس ذلك على الاقاضي، وقال مطرف: عليه ذلك، واختلف إن أتى بعد ذلك من يزكيها، أو بينة عدلة بعد ذلك، فأصل مالك وابن القاسم: أنها تقبل، وقال مطرف: لا تقبل إلا في العتق والطلاق والنسب.
وسمع يحيى ابن القاسم في كتاب الشهادات: إذا قضى القاضي لرجل، وسجل له، وأشهد له عليه، ثم قام المحكوم عليه بينة تجريح بعض من حكم به؛ قبل يمينه إن رأى له وجهًا، كقوله: جهلت سوء حالهم حتى ذكر لي، وظهر أنه غير ملد، ومن ولي بعد القاضي في ذلك مثله إن كان ادعاه عند الأول، وإن كان لم يقم به عند الأول.
ابن رشد: تمكينه من التجريح بعد التسجيل عليه إن كان له وجه كقولها: وسكت عن جواب إن قام بذلك عند من ولي بعد الأول، ولم يقم به عنده وفيه ثالثها: لا يمكنه منه القاضي المسجل، ويمكنه من ولي بعده هذا في المطلوب، وفي الطالب رابعها: قول ابن الماجشون: الفرق بين أن يعجزه في أول قيامه قبل أن يجب على المطلوب عمل، وبين أن يعجز بعد أن وجب على المطلوب عمل، ثم رجع على الطالب، وهذا الاختلاف؛ إنما هو إن عجزه القاضي بإقراره بالعجز، ولو عجزه بعد التلوم والإعذار، وهو يدعي أن له حجة؛ لم يقبل منه ما أتى به من حجة بعد ذلك؛ لأن ذلك قد رد من قوله قبل نفوذ الحكم عليه.
وسمع أصبغ ابن القاسم: من ادعى على نكاح امرأة أنكرته بينة بعيدة؛ لم ينتظر إلا في بينة قريبة، ولا يضر ذلك بالمرأة، ويرى الإمام لما ادعاه وجهًا، فإن عجزه، ثم أتى ببينته، فقد مضى الحكم نكحت المرأة أم لا؟.
ابن رشد: لا يقبل منه بينة بعد التعجيز خلاف سماع أصبغ من كتاب الصدقات وظاهر المدونة؛ إذ لم يفرق فيها بين تعجيز الطالب أو المطلوب، ثم ذكر ما تقدم.
стр. 4178
المازري: إن سجل القاضي بحكمه لطالبه؛ ففي قبول ما يأتي به المطلوب مما يبطل ذلك الحكم ثالثها: عند ذلك القاضي لا غيره.
لها ولسحنون ومحمد: وتجري الثلاثة في عجز الطالب والإعذرًا سؤال الحاكم من توجه عليه موجب حكم هل له ما يسقطه؟ قال غير واحد: واللفظ لابن فتوح: لا ينبغي للقاضي تنفيذ حكم على أحد حتى يعذر إليه، قلت: ظاهره: ولو فيما شهد به على الخصم من إقرار بمحضر الحاكم.
ولابن رشد في رسم الجواب من سماع عيسى من الأقضية: يحكم عليه بتلك البينة دون إعذار، قاله ابن العطار، وفي ذلك اختلاف.
قُلتُ: قال ابن سهل: لا يعذر فيها لعلمه بها، وقطعه بتحقيقها.
قال أبو إبراهيم التجيبي: وسقوط الإعذار في ذلك إجماع من المتقدمين والمتأخرين، وكذا ذكره ابن العطار، وأنكره ابن الفخار وقال: في ذلك اختلاف قد قال معنى لا يحكم بعلمه، ولا بما يقر به عنده، فإذا هذ اكهذا؛ فكيف يقضي بالبينة دون إعذار، فقد تبين الإعذار فيهما أنهما غير عدلين.
قال ابن سهل: وهو القياس الصحيح لمن قال: لا يقضي بعلمه، ولا سيما بما سمعه في مجلس حكمه، وبما قاله أبو إبراهيم وابن العطار؛ جرى العمل.
وذكر ابن سهل في مسألة أبي الخير الزنديق الملقب لزندقته بأبي الشر: أنه شهد عليه بأنواع كثيرة من الزندقة الواضحة عدد كثير ثبتت عدالة نحو عشرين منهم، وأكثر من ضعفهم استظهار، فأفتى قاضي الجماعة منذر بن سعيد، وإسحاق بن إبراهيم، وصاحب صلاة الجماعة أحمد بن مطرف وغيرهم بقتله دون إعذار له، وأشار بعض من حضر من أهل العلم بأن يعذر إليه، فأخذ الناظر في أمره بالقول بعدم الإعذار، وإذا طلب قاض عزل بجرحة ثبتت عليه، فقال ابن الحاج في نوازله: لا يعذر له؛ لأنه طلب لخطة القضاء، وطلبها جرحة، فقال: إنما طلبتها لدفع معرة سقوط شهادتي، ولدرء الجرحة عني لا لطلب القضاء؛ احتمل أن يجاب بالإعذار له، فيسمى له شهود تجريحه إن جرحهم؛ سقط جرحه، وأن لا يجيب إلى ذلك؛ لأنه حق للمسلمين لا لمعين، وقبول
стр. 4179
تجريح السر؛ يمنع تسمية شهود تجريحه، فيسقط الإعذار، كما لو علم القاضي جرحه بغير واسطة، وأفتى الفقيه المشاور أبو الوليد هشام بن أحمد عرف بابن العواد بعدم الإعذار إليه قال: والقول به باطل، وتغيير لسنة الإسلام.
قُلتُ: ومقتضى تعليل ابن مغيث منع حكم الحاكم بعلمه يتعذر الإعذار فيه؛ لأنه لا يعذر في نفسه مع الإقرار على حكمه بعلمه في الجرح سقوط الإعذار فيه، فأفتى ابن رشد في نوازله إن عزل وصيًا من ولاه بأمر رآه باجتهاده؛ فليس عليه أن يعلمه به، وإن عزله لجرحة؛ ثبتت عنده، فطلبه أن يعذر إليه في ذلك، ووجد بخط الفقيه أبي القاسم بن البراء أحد قضاة تونس في أواسط القرن السابع: وجدت بخط ابن زيدان أن أهل الجزيرة الخضراء شكوا سوء حال قاضيهم ابن عبد الخالق لأمير المسلمين علي بن يوسف بن تاشفين، فرد أمره لقاضي سبتة ابن منصور فقال: سألت عنه سرًا؛ فصح عنه أنه لا يصلح للقضاء، فقال له المعزول: عرفني بمن صح عندك لعله عدو لي، فأبى تعريفه، فأفتى فقهاء قرطبة بلزوم تعريفه بمن ثبتت جرحته، وقال أبو الوليد بن رشد: لا يلزم تعريفه بمن ثبت تحريحه، واحتج بأن هذا ليس من باب الأحكام التي يعزل فيها بالتعديل والتجريح؛ بل يكفي في العزل للشكوى؛ كفعل عمر في سعد بن أبي وقاص قال: ولهذا المعزول أن يزكي نفسه؛ لتقبل شهادته، ولا يكون عزله جرحة؛ إذ القضاء حق للمسلمين؛ ولذا لا يمكن من الإعذار، فذكر ذلك للقاضي ابن أحمد فقال: لا يصح الاحتجاج بقضية سعد؛ لأن ذلك إنما هو للأمراء العام نظرهم في ذلك وغيرهم، ودليله أن من عزل منهم؛ قوسم بعضهم فيما بأيديهم، والقاضي ليس له ذلك، ومال إلى الإعذار للقاضي من أجل جرحته، وإذا ظن أن من أعذر إليه لجهل؛ ما يسقط عنه خصمه نبهه الحاكم عليه.
وفي السرقة منها: إذا زكيت البينة، والمطلوب بجهل التجريح من جهة الرجال، وضعفة النساء؛ أخبره القاضي بما له من ذلك، وبينة له لعل بينه وبينه عداوة، أو شركة مما لا يعلمه المعزولون، فإن كان مثله لا يجهل التجريح؛ لم يدعه إليه، وليس كرد اليمين؛ لأن الحكم لا يتم إلا بردها.
стр. 4180
قُلتُ: كذا الواقع في أكثر نسخ المدونة: أو شركة من الشركة، وفي بعضها: أو شر من الشرورة، وفهم هذه الرواية إن ثبتت واضح، وفي الرواية الأولى إشكال؛ لأن شهادة الشريك على شريكه جائزة، فقال بعضهم: معناه: إذا شهد أحد المتفاوضين لصاحبه، ورد بأن ظاهر اللفظ أن الشركة المذكورة هي بين الشاهد والمشهود عليه لا بين الشاهد والطالب، واجاب أبو موسى المومتاني من فقهاء فاس بأن معنى المسألة أن أحد الشركاء شهد على شريكه في ربع بينهما أنه باع حظه منه، فترد شهادته بتهمته على الشفعة، وكذا إن كان عبد بين اثنين أعتق أحدهما حظه منه وهو عديم، وشهد عليه شريكه أنه مديان لفلان بدين يرد عتقه؛ لأنه يتهم رد عتقه؛ لأنه يغيب عليه العبد، وكذا إن شهد عليه أنه ملي؛ لأنه يتهم في أن يقوم عليه.
وسمع القرينان: لا يقوم الحاكم لمن شهدت عليه بينة: عدلت دونك فجرح؛ لأنه توهين للبينة.
ابن نافع: أرى أن يقوله له.
ابن رشد: هذا الواجب عند مالك أن يقول له: إن كان عندك ما تسقط به شهادتهم، فأت به، وفي تمكين المطلوب من فسخه بما شاهد به عليه مطلقًا، أو إن كان فيما يشكل، ويحتاج المطلوب فيه إلى تدبر وتأمل نقلا المازري عن القاضي أبي طالب، والشيخ المازري، وعليه العمل، فإن ادعى المحكوم عليه أنه يأتي ببينته على ما له به نفع؛ أجل لها.
سمع القرينان: من أقام بينة على ملكه منزلًا بيد رجل، فسئل من بيده المنزل عن حجته، فيذكر حجة، لو قامت بها بينة؛ كان أولى بالمنزل من مدعيه، وسأل ضرب الأجل لإثباته بالبينة على ذلك، فأجل الأجل الواسع الشهرين والثلاثة، فيمضي الأجل، ولم يذكر شيئًا، ويحضر غيبة شهوده، وتفرقهم أيضرب له أجل آخر أم يقضي عليه؟ قال: أما الرجل المأمون الذي لا يتهم على المدعي بباطل، ولا يتقوله، فيزيده في الأجل، وأما الملد الذي يرى أنه يريد الإضرار بخصمه؛ فلا يمكن من ذلك إلا أن يذكر أمرًا يقارب شأنه، ثم يختبر كذبه في مثله.
стр. 4181
ابن رشد: ضرب الأجل للمحكوم عليه فيما يدعيه من بينة مصروف لاجتهاد الحاكم بحسب ما يظهر له من حال المضروب له الأجل، والأصل فيه قول عمر في كتبه لأبي موسى الأشعري من قوله: واجعل لمن ادعى حقًا غائبًا أو بينةً أمرًا ينتهي إليه، فإن أحضر بينة؛ أخذت له بحقه، وإلا استحللت عليه القضية، والذي مضى عليه عمل الحكام في التأجيل في الأصول ثلاثون يومًا تضرب له عشرة أيام، ثم عشرة أيام، ثم يتلوم له بعشرة، أو ثمانية، ثم ثمانية، ثمانية، ثم يتلوم له بستة، أو خمسة عشر يومًا، ثم ثمانية، ثم أربعة، ثم يتلوم له تتمة ثلاثين يومًا، أو يضرب له أجلًا قاطعًا من ثلاثين يومًا يدخل فيه التلوم والآجال كل ذلك مضى من فعل القضاة، وهذا مع حضور بينة في البلد، وإن كانت غائبة عن البلد فأكثر من ذلك على ما تضمنه هذ االسماع من اجتهاد الحاكم، قلت: ذكر ابن فتوح نحو هذا، وقال بتفريق الآجال جرى العمل، وعليه ثبتت السجلات، وليس يضرب لمن ذهب لاستدفاع يمين واجبة عليه مثل الآجال المذكورة، وإنما يؤجل في ذلك إذا زعم أن عنده ما يدفع عنه اليمين الأجل القريب ثلاثة ونحوها؛ لأن قوله هذا محمول على اللدد، والآجال في الديون والحقوق دونها في الخصام في العقار والأصول، وتختلف الآجال في الأصول باختلاف أحوال المضروب لهم.
اللخمي: ويقدم القاضي الخصوم الأول فالأول، إلا المسافر أو ما يخشى فوته، وإن تعذر معرفة الأول؛ كتب أسماؤهم في بطائق، وخلطت، فمن يخرج اسمه؛ بدئ به، وذلك كالقرعة بينهم.
وزاد المازري: إذا وجب تبدئة الأسبق، فقال أصحاب الشافعي: إنما يقدم الأسبق في خصام واحد لا في سائر مطالبه، وهذا مما ينظر فيه إن سبق بخصمين؛ قدم في خصومته فيهما معًا، وإن كان مما لا يطول، ولا يضر بالجماعة الذين بعده.
قُلتُ: ظاهره: أن هذا غير مخصوص لأصحابنا.
وفي النوادر عن أصبغ: إذا قضى بين الخصمين في أمر اختصما فيه، ثم أخذا في حجة أخرى في خصومة أخرى، فإن كان بين يديه غيرهما؛ لم يسمع منهما حتى يفرغ ممن بين يديه إلا أن يكون شيء لا ضرر فيه لمن حضره؛ فلا بأس أن يسمع منهما.
стр. 4182
الشيخ عن سحنون: الغرباء وأهل المصر سواء إلا أن يقدم الغرباء باجتهاده فيما لا يدخل على أهل المصر ضرر، وقاله أشهب، وزاد: وأرى أن يبدأ بالغرباء كل يوم ما لم يكثروا، فلا يبدأ بهم.
ابن حبيب عن الأخوين: من شأن القضاة تقديم الغرباء، وتعجيل سراحهم.
قال سحنون: ولا يقدم رجل؛ لفضل منزلته وسلطانه.
ولابن سحنون عنه: إن كثروا؛ كتب أسماؤهم في بطائق أو غيرها، ثم ألقوها، ثم يدعو بهم على ذلك.
سحنون: ويقدم النساء على حدة، والرجال على حدة.
أشهب: إن رأى أن يبدأ بالنساء في كل يوم أو بالرجال؛ فذلك له على اجتهاده؛ إما لكثرة الرجال على النساء، أو لكثرتهن على الرجال، ولا يقدم الرجال والنساء مختلطين، وإن رأى أن يجعل للنساء يومًا معلومًا أو يمين؛ فعل.
ابن عبد الحكم: أحب أن يفرد للنساء يومًا، وإن احتاج لكشف وجه امرأة؛ لتعرف، أو ليشهد شهودًا عليها؛ كشفه بين أيدي العدول، ويأمر بتنحية غيرهم، ويفرق بين الرجال والنساء في المجالس، ويجعل للنصارى يومًا أو وقتًا من بعض الأيام بقدر قلتهم وكثرتهم، يجلس لهم في غير المسجد.
المازري: إن كان الحكم بين رجل وامرأة؛ أبعد عن المرأة من لا خصام بينها وبينه من الرجال.
قُلتُ: وينبغي أن يبعد عنها خصمها، وفي إبعاده عنها أقصى ما يمكن أن يسمع كل منهما حجة صاحبه، وأقصى أو ما يسمع الحاكم منهما، ويذكر لكل منهما قول صاحبه نظر، والأول أقرب؛ لسرعة الحكم بينهما.
قال: وإن كانت شابة لها جمال، ويخاف إن تكلمت أدى سماع كلامها إلى شغف بها؛ أمرت أن توكل من ينوب عنها، وإن احتيج إلى أن يبعث إليها بدارها من تؤمن ناحيته لسنه ودينه وورعه من تكلف الحكومة في أمرها فعل، وقد حضرت العامرية فعل النبي ﷺ حتى أقرت بالزنا فرجمها، وقال في المرأة الأخرى: "واغد يا أنيس على
стр. 4183
امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها" فلم يأمر بإحضارها.
الشيخ عن أصبغ: إن كان في أعوان القاضي ثقة؛ ولاه تقديم الخصومة إليه على منازلهم، فإن لم يكن؛ فهو نفسه.
قال ابن شاس: وكذلك يفعل المفتي والمدرس عند التزاحم.
قُلتُ: لا أعرف هذا نصًا لأهل المذهب إنما قاله الغزالي في الوجيز، وتخريجهما على حكم تراجم الخصوم واضح، وكذا على سماع عيسى ابن القاسم: أحب في الصانع الخياط يدفع إليه الناس ثيابهم واحدًا بعد واحد أن يبدءوا بالأول فالأول، ولم أسمع فيه شيئًا، ولعله أن يكون واسعًا إن كان الشيء الخفيف الرقعة وأشباهها.
ابن رشد: جعل الاختيار تقديم الأول فالأول دون إيجاب عليه إن لم يجب عليه عمله في يوم بعينه، وكذا قال الأخوان: لا بأس أن يقدم الصانع من أحب ما لم يقصد مطلًا، وكذا يقولان في الرحى.
ولسحنون: لا يقدم صاحب الرحى أحدًا على من أتى قبله إن كان سنة البلد الطحن على الدولة، وإن تحاكموا؛ قضى بينهم بسنة بلدهم، وليس قول سحنون بخلاف لقول غيره؛ لأن العرفل كالشرط.
قُلتُ: وجرت عادة مدرسي تونس في الأكثر تقديم قراءة التفسير على الحديث، وتقديم الحديث على الفقه.
وسمع ابن القاسم وقال: إشهاد الحاكم بحكمه يوجبه حقًا للمحكوم له، ولو مات القاضي، او عزل، او مات المحكوم عليه أو له قبل حوز المحكوم؛ له ما حكم له به.
ابن رشد: اتفاقًا.
المازري: ويكتب الحاكم لمن حكم له بما حكم به، وبكل حجة له من تعديل
стр. 4184
وتجريح، وموجب حكمه؛ ليكون به حجة على المحكوم عليه إن نازعه، ويكتب بما حكم به الحاضر على غائب أبهم المكتوب له أو عينه.
وسمع عيسى ابن القاسم: من ثبت حقه عند قاض؛ فله أن يكتب له بذلك كتاباً إلي أي قضاة الآفاق كان لا يسمي فيه قاضياً بعينه، ولا بلداً بعينه.
ابن رُشْد: هو كما قال: اتفاقاً.
قُلتُ: قال ابن المناصف: ما لم يحجر عليه الإمام ذلك حين توليته إياه.
ابن رُشْد: يقول: كتابي لمن ورد عليه من القضاة بأي بلد كان، فيجب على كل من ورد عليه القضاء به، وكذا إن كتب إلي قاضي موضوع، فوجد ذلك القاضي مات أو عزل، وولي غيره؛ وجب عليه العمل به اتفاقاً، ولو كتب إلي قاضي بلد بعينه لظنه غريمه بذلك البلد، فألقاه ببلد آخر، فرفع الكتاب إلي قاضي ذلك البلد، فقال أَصْبَغ عن ابن القاسم: لا يعمل به، وقال أَصْبَغ: معناه: أنه لا يعرف بذلك البلد، ولو ثبت المدعي بينته في ذلك البلد أنه الرجل الذي حكم عليه القاضي الكاتب؛ أنفذه هذا.
ابن رُشْد: معنى قول أَصْبَغ: أن من تمام الصفة أن يقول فيه الساكن ببلد كذا، أو الملتزم في صنعة كذا: لا يوجد بذلك البلد، أو في تلك الصنعة بتلك الصفة، والنسبة والتسمية سواه، فيلزمه إذا رفع الكتاب إلي قاضي بغير ذلك البلد، لم يدر احد لعل صاحبه في بلد المكتوب إليه، فوجب أن لا يحكم له على من وافقت صفته من أصل بلده الصفة المذكورة في الكتاب حني يثبت عنده أنه هو بعينه، وهو بين صحيح، وظاهر قول ابن القاسم: أنه لا ينظر له بحال؛ لأن الذي كتب إليه حي.
وفيها: أن مات القاضي المكتوب إليه أو عزل، ووصل الكتاب لمن ولي بعده؛ أنقذه من وصل إليه، وإن كان إنما كتب إلي غيره أخذه منه غير واحد تعيين القاضي المكتوب إليه.
المازري: اختار بعض الشيوخ عدم تسمية المكتوب إليه؛ للخروج من الخلاف؛ لأن أبا حنيفة يقول: تعيينه يوجب عدم تنفيذ من ولي بعده ما كتب به للأول؛ لأنه جعل الكتب إلي المكتوب إليه؛ كالوكالة من الكاتب للمكتوب إليه، والوكيل إذا مات أو
стр. 4185
عزل؛ لم يقم غيره مقامه، وزاد في آخر كتاب الرجم في المدونة: وكذا أن مات القاضي الكاتب أو عزل.
وسمع عيسى ابن القاسم: إذا كتب قاض بما ثبت عنده من حق في مال أو نسب أو ارث وشبه ذلك أيقول في كتبه: أتاني فلان ببينه عدلت عندي، وقبلت شهادتهما، أو لا يسميها؟ قال: نعم هو قضاء القضاة.
العتبي: قيل: ينبغي أن يسميها في الحكم على الغائب؛ ليتمكن من دفع شهادتهم.
ابن رُشْد: عدم تسميتهم في الكتاب صحيح؛ إذ لا نظر للمكتوب إليه في عدالتهم إلا أنه يجب عليه أن يضع أسماءهم في ديوانه؛ إذ من حق المحكوم عليه إذا قضى عليه المكتوب إليه أن يذهب للقاضي الكاتب، فيعذر إليه في البينة التي ثبت عنده بها ذلك الحق الذي خاطب به إن جرحهم، وأبطل شهادتهم رجع فيما حكم به عليه هذا إن لم يثبت عنده ما خاطب به في عقد، فإن ثبت ذلك عنده في عقد؛ فالحكم أن يدرج إليه ذلك العقد في كتابه، وبه جرى العمل، فيأخذ المحكوم عليه أو نسخته يذهب به للقاضي الكاتب؛ ليطلب البينة عن نفسه فيما حكم به عليه.
وقول العتبي: قيل: ينبغي أن يسمي إلي أخر قول: وقع في بعض الروايات، وسياقاته في هذه المسألة غلط؛ إذ ليس فيها أن البينة لا تسمى في الحكم على الغائب؛ لأن كتب القاضي إلي قاض بما ثبت عنده على رجل في بلد المكتوب إليه ليس بحكم على غائب، وهى مسالة أخرى، والحكم فيها ما ذكرته بلا خلاف، والحكم على الغائب لابد من تسمية البينة فيه على القول بإرجاء الحجة له؛ ليتمكن من الطعن في البينة، وهو مشهور المذهب المعلوم من قول ابن القاسم وروايته، فإن لم يسم البينة فيه؛ فسخت القضية، قال أَصْبَغ، وهو صحيح على أن الحجة ترجى له، والحكم على الحاضر لا يفتقر لتسمية البينة فيه؛ إذ قد اعذر فيها للمحكوم عليه، وتسميتهم أحسن، قال أَصْبَغ، وبه مضى العمل.
قال ابن أبي زمنين: الذي عليه الحكم تسمية البينة هذا في الحاضر، وإما الغائب والصغير؛ فلابد من تسميتها.
стр. 4186
ولسحنون في المجموعة: أن تسميتها في الحكم على الغائب لا يلزم، وإن كان أحسن، وقوله هذا إنما يأتي على قول ابن الماجشون: أن الغائب لا ترجى له حجة، ولا مخرج له فيما حكم به عليه بجرحة البينة إلا أن يكون الشهود نصارى أو عبيد أو مولى عليهم.
وعن سحنون: ترك تسمية الشهود في الحكم على الغائب أفضل؛ لأنه قد يحكم بشهادتهم، وهو عدول، ثم يحدث فيهم أحوال صحية توجب جرحتهم، فإذا عزل ذلك القاضي، أو مات؛ ادعى المحكوم عليه أن القاضي جار عليه، وقيل: غير عدول، وهذا على أن الغائب لا ترجى له حجة واستحسان.
أَصْبَغ: الذي جرى به العمل من تسمية الشهود في الحكم على الحاضر معناه على القول بأنه يعجز، ولا تسمع منه بينة بعد الحكم مراعاة للقول بأنه لا يعجز ولا يسمع منه ما يأتي به من بينة لم يعلم بها نحو قول مالك فيمن عرف خطه في الكتاب، ولم يذكر الشهادة أنه يؤديها ولا تنفع، وعلى القول: كل بينته تسمع بعد الحكم عليه؛ فلابد من تسمية البينة.
المازري: إذا كتب القاضي بما ثبت عنده من شهادة البينه اتفاقاً، ثم قال: إن لم يسمهم، وابرم القضية، والحكم على الغائب؛ فالمشهور عدم نفوذ حكمه، ووقع في المذهب رواية بنفوذه، وهى مطرحة عند القضاة المالكية.
وسمع عيسى ابن القاسم: لا اعرف من قضاء احد أنه كتب إلي قاض تسميته من يخرج عنده، ولا سمعت به.
ابن رُشْد: معناه: أنه ليس للقاضي أن يكتب في حكمة على الغائب إذا خاطب به قاضي موضعه، وقد شهدت له بينة، فجرحت مثل أن يثبت رجل ديناراً على رجل ميت أحد ورثته غائب، فقال الحاضر: قضاه الميت حقه، وإقام على ذلك بينة، فجرحها المدعى، فقضى له القاضي بحقه بعد يمينه أنه ما قضاه، ويكتب له إلي موضع الوارث الغائب بتسمية من يجرح عنده من الشهود إن كانوا جرحوا عنده؛ لأن الشهود إذا جرحوا؛ لا يعمل فيهم التعديل؛ لأن شهادة الجرح اعمل، وإذا عزل الشهود؛ أعمل
стр. 4187
فيهم الجرح؛ فلذا يجب كتب أسماء الذين عدلوا، ويجب كتب أسماء المجرحين لهم؛ لأنه بتسميتهم يجد سبيلاً إلى تجريحهم، فيسقط الجرحة عن شهوده.
ولابن محرز عن ابن عبدوس: إن رد القاضي شهادة من شهدوا للمدعي بجرحة ثبتت عنده بينة، فليشهد للمدعي عليه بأنه رد شهادتهم، ولو أنما جهلهم، أو علم جرحتهم؛ فلم يحكم بشهادتهم، فلمن جاء بعده النظر في شهادتهم، فإن صحوا؛ حكم بها.
وفيها مع سماع ابن القاسم: إن مات القاضي المكتوب له كتاباً من قاض آخر؛ فعلى من ولي بعده إنقاذ الكتاب.
ابن رشد: اتفاقاً إذا ثبت الكتاب عنده بشاهدين أنه كتابه، قال ابن القاسم، وابن الماجشون، وقال أشهب: لا تجوز شهادتهما أنه كتابه حتى يشهد أنه أشهدهما عليه، ولا يكفي فيه الشاهد الواحد، ولا الشهادة على أنه بخط القاضي، ولأن الختم ختمه، وهذا في الكتب التي تأتي من كورة لكوره، ومن مثل المدينة لمكة، وما جاء من أعراض المدينة إلى قاضيها من كتاب بغير بينة قبلة بمعرفة الخط، وبمعرفة الخط، وبالشاهد الواحد إذا لم يكن صاحب القضية لقرب المسافة، واستدراك ما يخشى من التعدي، قاله ابن جنيب، وقاله ابن كنانة، وابن نافع في الحقوق اليسيرة خلاف ظاهر قول ابن حبيب، وكان يعمل فيما مضى كتاب القاضي بمعرفة الخط والختم دون بينة حتى حدث اتهام الناس، فأحدثت الشهادة على كتاب الأقضية في رسم الأقضية من سماع أشهب من كتاب الوصايا: أول من أحدثه أمير المؤمنين وأهل بيته قلت: قال في كتاب لوصايا قوله: أمير المؤمنين وأهل بيته؛ يريد: به بني العباس، وقال في البخاري: أول من قال البينة على كتاب القاضي ابن أبي ليلى، وسوار بن عبد الله العنبري، والأصل أن قول القاضي به مقبول فيما أخبر أنه ثبت عنده، أو قضى به ينفذ ما أشهد به من ذلك على نفسه ما لم يعزل فيما كتب به من ذلك إلى قاض غيره؛ وجب على المكتب إليه تنفيذه؛ لأنه في كتبه بمعني المخبر لا بمعني الشاهد.
وسمع أصيغ ابن القاسم في القاضي يشهد على قضائه وهو معزول أو غير معزول
стр. 4188
ويرفعه إلى إمام غيره شهادته لا تقبل ولا يجوز ذلك القضاء إلا بشهيدين عليه غيره وقال أصبغ ابن رشد في هذه المسألة معني حقي هو أن قول القاضي قبل عزله وهو على قضائه حكمت لفلان بكذا لا يصدق فيه إن كان بمعني الشهادة مثل قول أحد المتخاصمين عند قاض حكم لي قاضي بلد كذا وكذا أو ثبت لي عنده كذا فيسأله البينة على ذلك فيأتيه من عنده بكتاب أني حكمت لفلان على فلان بكذا أو ثبت عندي له عليه كذا فهذا لا يجوز لأنه على هذا الوجه شاهد ولو أتى الرجل ابتداء للقاضي فقال له خاطب لي قاضي بلد كذا بما ثبت لي عندك على فلان أو بما حكمت لي به عليه فخاطبه بذلك لجاز لأنه مخبر لا شاهد كما يجوز قوله وينفذ فيما يسجل به على نفسه ويشهد به من الأحكام ما دام على قضائه وللأخوين وأصبغ في القضية الواضحة ما يعارض هذا السماع وذكرناه في سماع ابن القاسم.
قلت: ذكر فيه ما نصه سماع أصبغ هو معني ما ذكر ابن حبيب عن الأخوين وابن وهب وأصبغ من أن القاضي لا يمكن المشهود له من أن يعدل شهوده عند قاضي بلد من البلدان، فيكتب إليه بعدالتهم إلا أن يكتب هو إلى ذلك القاضي إذا كتب بعدالة شاهد من أهل عمله للقاضي الذي شهد عنده الشاهد؛ جاز، وإن كان المشهود له سأله ذلك، فكتب له به ابتداء دون أن يكتب إليه القاضي الذي شهد عنده الشاهد يسأله عنه، وحكاه أيضا عن الأخوين وأصبغ، وهو بعيد، وإذا كتب إليه يسأله عمن شهد عنده؛ اكتفي في جوابه بمعرفة الخط دون البنية على الكتاب، قال ابن حبيب ما لم يكن فيما سأله عنه، فكتب إليه فيه قضيه قاطعة، والقياس أن لا يكتفي في شيء من ذلك بمعرفة الخط إلا فيما قرب من أعراض المدينة، وفي نوازل سحنون: لا يثبت كتاب قاض لقاض في الزنا إلا بأربعة شهداء على أنه كتابه كالشهادة على الزنا.
ابن رشد: هذا على رواية مطرف في الشهادة على الشهادة في الزنا: لا تجوز إلا بأربعة على كل واحد من الأربعة اجتمعوا على الشهادة على جميعهم أو افترقوا، وعلى قول ابن القاسم؛ يجوز أن يشهد على شهادته اثنان، وهو قول ابن الماجشون: يجوز في
стр. 4189
كتاب القاضي في الزنا شاهدان، وهو القياس والنظر.
قال ابن راشد في أول مسألة من رسم جاع، فباع امرأته من سماع عيسى من كتاب الشهادات بعد أن ذكر أن حكم الحاكم يثبت بالشهد واليمين: لا يثبت كتاب القاضي بالشاهد واليمين اتفاقا.
قلت: وتحمل الشهادة على كتاب القاضي بقراءته على الشهود، وقراءتهم إياه عليه واضحة، وإلا ففيه خلاف.
الباجي: قال القاضي: اختلف قول مالك فيمن دفع إلى شهود كتابا مطويا، وقال: اشهدوا على بما فيه، أو كتب الحكام كتابا إلى حاكم وختمه، وأشهد الشهود به، ولم يقرأه عليهم، فقال الشهادة جائزة، وقال أيضا: لا يشهدوا به إلا أن يقرأه عند تحمل الشهادة، واحتج إسماعيل للقاضي للجواز بأنه ? دفع كتابا إلى عبد الله بن جحش، وأمر بأن يسير ليلتين، ثم يقرأ الكتاب تتبع ما فيه.
ابن الحاجب: لو قال: أشهدكما على أن ما في كتابي أو حكمي فروايتان، ومثله لو أقر مثله.
ابن عبد السلام: قوله: (ومثله لو أقر بمثله)؛ ظاهره: أن فيه الروايتين المذكورتين، والصحيح قبول هذه البنية، وإنما يحفظ الخلاف في المذهب بالكراهة في شهادة الشاهد، كذلك في الوصايا؛ لاحتمال أن يكون فيها جور، وحكى القاضي روايتين فيمن دفع لشهود كتابا مطويا، وقال: اشهدوا على بما فيه، قلت: قوله: إنما الخلاف في شهادة الشاهد، كذلك في الوصايا يرد بمتقدم نقل القاضي الروايتين مطلقا في الوصايا وغيرها، وما حكاه عن المذهب من الكراهة في الشهادة كذلك في الوصايا لا أعرفه، والمنصوص في أول كتاب الوصايا من المدونة.
وفي العتبية: الجواز؛ وإنما أعرف المذهب الكراهة في ذلك لغير أهل المذهب.
стр. 4190
قال ابن رشد في ثاني مسألة من رسم الأقضية من سماع القرينين في كتاب الوصايا: وذكر البخاري عن الحسن وأبي قلابة: أنهما كرها أن يشهد على وصية حتى يعلم ما فيها؛ لأنه لا يدري لعل فيها جورا، وكذا يستحب للعالم إذا أشهداه المتعاملان على أنفسهما في كتاب ذكر الحق فيما تعاملا فيه أن لا يكتب شهادته فيه إذا أشهداه على أنفسهما بما تضمنه، وأقرا عنده بمعرفة ما فيه حتى يقرأه؛ لئلا تكون المعاملة بينهما في ذلك فاسدة.
قلت: فإنما عزا للمذهب الاستحباب مطلقا لا في الوصايا ولا في غيرها، وإلا أن يؤول بأن نقبض المستحب مكروه، وليس بصواب.
وقال المازري في الجواب الثاني عشر في أواخر كتاب الأقضية ما نصه: وأشار المتأخرون من الأشياخ إلى إكرام الشاهد إذا أريد منه اتباع خطه في وثيقة أن يقرأ موضع العقد في الوثيقة، أو يقرأ عليه حتى ما شهد به؛ لئلا تشتمل الوثيقة على ما لا تجوز الشهادة به.
قلت: فهذا، وإن خالف ما تقدم لابن رشد، لم يفرق فيه بين الوصايا وغيرها، وتمامه في فصل تحمل الشهادة.
وفيها مع غيرها: شرط المحكوم فيه بما في كتاب قاض كتب بموجب الحكم فيه اشتمال الكتاب على صفة خاصة، مميزة موصوفها عن غيره، مطابقة لصفة المحكوم فيه.
في اللقطة منها: إذا أتى رجل لقاض بكتاب من قاض يذكر فيه أن شهد عندي أن فلانا صاحب كتابي هذا إليك ذهب منه عبد صفته كذا لحلاه ووصفه في الكتاب، وعند هذا القاضي آبق محبوس على هذه الصفة؛ فليقبل كتاب القاضي، والبنية التي شهدت فيه على الصفة، ويدفع إليه العبد.
стр. 4191
وسمع عيسى ابن القاسم في الأقضية: إن كتب قاض لقاض في رجل بصفته واسمه وكسبه في حق عليه، فيجد القاضي رجلين في ذلك البلد متفقين في الاسم والصفة أيأخذ صاحب الكتب من ذكر أنه منهم؟ قال: لا خيار له، ولا شيء حتى يثبت أنه أحدهما، أو لا يكون في ذلك البلد غيره كذلك، فحينئذ يستوجب عليه حقه إلا أن يكون له حجة.
ابن رشد: هو كما قال اتفاقا، فإن سأل ممن ادعي عليه منهم أنه هو حميلا حتى يأتي بالبينة.
فقال ابن القاسم في المدنية: لا يقضي عليه بحميل.
وقال الأخوان وأصبغ: تعدى عليه به إن لم تؤمن غيبته، ولم يكن من أهل الوفاء والملاءة، وإن وجد بالبلد رجل واحد على تلك الصفة؛ كشف القاضي عن الأمر، فإن لم يذكر بالبلد غيره على تلك الصفة، أعداه عليه، وإن وجد به سواه؛ لم يكن له على واحد منهما سبيل إلا أن يثبت على أحدهما أنه هو، وإن ترك القاضي ما يؤمر به من الكشف عن ذلك، فقيل: لا يؤخذ بالحق حتى يثبت الطالب أن ليس بالبلد من هو على تلك الصفة سواه، وهو دليل سماع زونان ابن وهب، والشهادة في هذا لا تكون إلا على العلم، وقيل: يؤخذ به إلا آت يثبت هو أن بالبلد من هو على تلك الصفة، وهو ظاهر قول أشهب في سماع زونان، ورواية عيسى عن ابن القاسم في المدنية، ويأتي هناك بقية الكلام.
قلت: الأول بناء: على المتمسك باستصحاب حال ما ثبت حتى يثبت رافعه؛ لأن الأصل عدم توجه الطلب على المدعي عيلة أنه المكتوب فيه، والثاني: بناء على المتمسك بأن الأصل عدم الاشتراك، واستصحاب حال العدم في مماثله؛ لأن الأصل في المحدثات العدم، وما وجد به من بقية الكلام هو قوله في سماع زونان قول ابن وهب: أن القاضي يكتب للطالب بما أثبت عنده من صفة عبده الآبق، كما له يكتب له في الدين له على الغائب باسمه ونسبه وصفته، والشهادة بذلك على الصفة؛ كالشهادة على العين يحكم بها المكتوب إليه هو قول مالك وكل أصحابه إلا ابن كنانة فإنه في المدينة لم يجز في
стр. 4192
شيء من ذلك الشهادة على الصفة، وأجازها ابن دينار في الدين دون الآبق، والفرق عنده بينهما أن الآبق لا يعرف موضعه، ومن تمام الصفة ذكر الموضع؛ ليستبحث هل في ذلك الموضع على تلك الصفة سواه أم لا؟ ولا تمم الشهادة حتى يقولوا: أنهم يعرفونه في يديه ملكا له لم يزل ملكه عنه في علمهم حتى أنشده آبقا، ثم يحلفه القاضي أنه ما باع، ولا وهب، ولا تصدق، ثم يكتب له كتابا باستحقاقه البعد صفته كذا وكذا، فإن لم يكن حلقه؛ لم يقض له به المكتوب إليه حتى يكتب لقاضي بلده، فيحلفه ويأتيه بذلك كتابه، فإذا وصل بالكتاب لقاضي الموضع الذي به العبد، فإن وجده قد حبسه بما ثبت عنده أنه آبق أو غير محبوس، إلا أنه يقر بالإباق، وينكر أن مدعيه سيده، ولا يسمي سيدا؛ فلا خلاف أن القاضي يحكم له به، ويدفعه له على قول من يجيز الشهادة على الصفة، وعلى قول من لا يجيزها؛ لأنه لو ادعاه ووصفه دون بينة؛ لأعطاه إياه بعد التلوم واليمين؛ لأنه كلقطة، وعلى ما في الآبق من المدونة في الأمتعة المسروقة.
وإن قال العبد: أنا لفلان رجل غير مدعيه حاضر أو غائب، فإن قال الحاضر: لا حق لي فيه؛ دفع لطالبه، وإن ادعاه طلب بالبينة إن أتى بها؛ كان أحق به وإن لم يأت ببينة؛ قضي به للطالب، وإن كان غائبا؛ كتب السلطان لذلك الموضع، فإن كان كما قال، وإلا أسلم إليه العبد، وإن أقر العبد للذي لحقه أنه عبده، وادعى عليه أنه أعتقه، فكما قال في السماع: إن كانت له بينة بحريته؛ أعتقه، وأبطل كتاب المستحق، وإلا دفع إليه عبده، وإن ادعى الحري.
فقال في السماع: إن المكتوب إليه الذي هو بين ظهرانيه ينظر له في حجته وبينته، ولا يلجئه لغيره، ووجه العمل في ذلك أن ينظر، فإن كان واقعا بالبلد، ليس من أهله معروفا بالحرية من أصله، وليس في البلد من يشبهه في صفته وجنسه واسمه، سئل المخرج مما كتب عليه من رق هذا، فإن أتى بمخرج بأن يثبت أنه حر من حر من أصله، أو أنه أعتقه من كان له ملكا؛ بطل عنه الكتاب، وإن لم يأت بشيء؛ دفع إلي هذا عبدا إلا أن يكون في البلد من يشبهه في صفته وجنسه واسمه؛ فلا ينتفع بالكتاب حتى تشهد البينة أنه هو بعينه، مثل هذا حكي ابن حبيب عن مطرف وأصبغ خلاف قول ابن
стр. 4193
القاسم؛ لأن قوله ما حكاه الفضل أن الشهادة على الصفة لا تتم إلا بذكر الموضع، والآبق لا يعرف له موضع، وقوله: إن المكتوب إليه يكشف هل في ذلك البلد من هو على تلك الصفة، والاسم سواه في الآبق، والدين صحيح لا اختلاف في أمره يفعل هذا كما يؤمر بالسؤال والكشف عن أحوال الشهود عنده، فإن لم يفعل؛ كان على المشهود له عنده أن يعدل عند شهوده الذين شهدوا له، فإن لم يكشف هو عن ذلك، فذكر ما تقدم من قولي أشهب مع ابن القاسم وابن وهب.
وقول ابن شاس: إن كان أحد المشتركين في الصفة قد مات؛ لم يستحف عليه الحي منهما ما في الكتاب حتى تشهد البينة أنه الذي استحق عليه إلا أن يطول زمان الميت، ويعلم أنه ليس المراد بالشهادة لبعده، فيلزم الحي صواب، وكذا نقلته من ذلك البلد لآخر قال: ويثبت أنه حكم القاضي بالمشافهة، كما إذا كانا قاضيين لبلدة واحدة، أو يتناديا من طرفي ولا يتهما؛ فهو أقوى من الشهادة.
وتبعه ابن الحاجب، وقبله ابن عبد السلام، وابن هارون، ولا أعرف من جزم به من أهل المذهب؛ وإنما تبعا في ذلك الغزالي، قال في الوجيز: ولو شافه القاضي الآخر؛ لم يكشف؛ لأن السامع أو المسمع لا به، وأن يكون في غير محل ولايته؛ فلا يصح سماعه ولا إسماعه إلا إذا جوزنا قاضيين ببلدة واحدة، أو تناديا من طرفي ولايتهما؛ فذلك أقوى من الشهادة، وتقدم تعقب هذا بأنه لا يجوز لفقيه عزو منصوص أقوال مذهب لمذهب آخر إلا ببيان إجرائها على أصول المذهب المعزو إليه، كما يفعله المازري في غير ما مسألة، وقال في هذه المسألة ما نصه: لا شك أن ذكر القاضي ثبوت شهادة عنده على غائب ليس بقضية محضة، ولا نقل محض؛ بل هو مثبت بالأمرين؛ فينظر أولهما به، ولا يتفرع على هذا أن قاضيين لو قضيا بمدينة على أن كل واحد منهما ينفذ ما ثبت عنده، فأخبر أحدهما الآخر أنه ثبت عنده شهادة فلان وفلان لرجلين بالبلد، وقضى ثبوتهما فإن قلنا: إنه كنقل شهادة؛ فلا يكتفي بهذا القاضي المخاطب بأنهم شهدوا عند الآخر؛ لأن المنقول عنهم حضور، وإن قلنا: إنهم كقضية؛ فالقاضي الثاني ينفذ ما قاله الأول، وهذا قد يقال فيه أيضا: إذا جعلنا قول القاضي واحدا، وإن كان كالنقل تكتفي
стр. 4194
به لحرمة القضاء، فكذا يصح نقله، وإن كان من نقل عنه حاضرا، وهذا مما ينظر فيه.
فإن قلت: مقتضى قول المازري: وإن قلنا: إنه كقضية؛ فالقاضي الثاني ينفذ ما قاله الأول يصحح ما نقله ابن شاس عن المذهب.
قلت: لا دلالة فيه على صحة ذلك؛ لأنه إنما ذكره على تقدير تولية قاضيين بموضع واحد، وقد تقرر أن لزومية الشيء الشيء لا تدل على صحة الملزوم، وقد تقدم في شرط وحدة القاضي ما يدل على أن مقتضى المذهب شرط وحدته وجدته، فتذكره وقول ابن الحاجب تابعا لابن شاس لو كان المسمع في غير محل ولايته؛ لم يسمع واضح عزوه للمذهب؛ لأن حلوله بغير محل ولايته؛ يسقط حكم ولايته، فصار قوله ذلك كقوله بعد عزلته.
ابن سهل عن ابن عبد الحكم: إن حج قاض، فحل بغير محل ولايته؛ فليس له أن يسمع فيه بينة على من في عمله، ولا ينظر في بينة أحد، ولا أن يكتب بما شهد عنده إلى قاض آخر، ولا أن يشهد على كتابه بذلك بذلك إلى أحد، وله أن يسأل عن حال بينة؛ شهدت عنده.
وفي كتاب منهاج القضاة لابن حبيب عن أصبغ: أن يبعث الإمام القاضي لبعض الأمصار في شيء من أمر العامة فحل به؛ فله أن يسمع فيه بينة بحق على غائب في عمله، ويسأل من قام بها تعديلها، وله أن يسأل قاضي ذلك المصر عنهم، ويحتذي بما أخبر به من عدالتهم؛ لأنهم من عمله، ولو اجتمع الخصمان عنده بذلك المصر للمخاطبة عنده، وما يختصمان فيه في بلد القاضي الغائب عن نظره؛ لم ينظر بينهما إلا أن يتراضيا عليه؛ كتراضيهما بمن يحكم بينهما، وبعض جواب أصبغ بخلاف ما تقدم لابن عبد الحكم، وسألت ابن عتاب عن قاض جعل بغير بلده، وقد ثبت عنده ببلده حق لرجل، فطلب منه أن يخاطب به قاضي موضع المطلوب قال: لا
يجوز له ذلك، فإن فعل؛ بطل خطابه، ثم قال: ولا يبعد أن ينفذه، قلت له: فإن كان الحق الثابت عنده ببلده على من هو بموضع اختلاله، فأعلم قاضي الموضع بذلك مشافهة بما ثبت عنده؛ أيكون كمخاطبته بذلك؟ قال: ليس مثله، قلت: وما في الفرق؟ قال: هو في إخباره هنا بما كان
стр. 4195
ثبت عنده طالب فضول ما ادعاه لذلك، قلت: ما يمنع من إخباره به، ويشهد عنده بذلك، وينفذه كما يشهد بما يجري في مجلسه من إقرار وإنكار ويقضي به، قال: ليس مثله، ولكن إن أشهد هذا القاضي المخبر بذلك شاهدين في منزله، وشهدا بذلك عند قاضي ذلك الموضع؛ نفذ وجاز.
قال ابن سهل: رأيت فقهاء طليطلة يجيزون إخبار القاضي المجتاز بذلك البلد قاضي البلد، وينفذ ويرونه كمخاطبته إياه.
قلت: ففي لغو مخاطبة قاض حل بغير محل ولايته يكتب لآخر بما ثبت عنده في محله، ولغو سماعه به بينة على من في عمله وصحتهما ثالثهما: إن دفع كتبه؛ لم يبعد أن ينفذ، لابن عبد الحكم مع أول جواب ابن عتاب، ولابن حبيب عن أصبغ، ولثاني جواب ابن عتاب، وفي لغو مشافهته بذلك في غير محل قاضيه وأعماله جواب ابن عتاب قائلا: لو أشهد على نفسه بذلك في غير محله بينة؛ شهدت به عند قاضي ذلك الموضع وجب إنفاذه، وسماع ابن سهل: فتوى أهل طليطلة بجوازه، وإنفاذه كمخاطبته بذلك.
المازري: إن طلب من في ولاية قاضي قاضية، وهو بغير محل ولايته أن يكشف له عن عدالة بينة له هي بمحل ولاية قاضيه؛ جاز ذلك، وإن سأله التسجيل له بذلك؛ لم يجز، وإن سأله سماع بينة له فقط، ففي جوازه قولا أصبغ، وابن عبد الحكم قائلا: لو كتب قاضي مكة لقاضي مصر، ثم ورد قاضي مصر مكة؛ لم يكن له أن يسمع البينة على كتاب قاضي مكة الذي كتبه له، وهو بمصر.
قال ابن الحاجب: ولو كان السامع؛ فهي شهادة؛ يريد: حل في غير محل ولايته.
ابن عبد السلام: ظاهره: لو طلب منه أن يروي ما سمعه من هذا القاضي لقاض ثالث؛ كان له ذلك، فيحكم بقوله مع يمين الطالب أو مع شاهد آخر، وفي هذا الأصل قولان هل يكتفي في الشهادة بذلك، أو لابد من السماع من القاضي؟
قوله: أشهد علي بكذا، ولو قيل: لا يشهد في هذه الصورة من غير خلاف؛ لما كان بعيدا؛ فإنما ذلك الخلاف إنما هو إذا أشهد القاضي شهيدين على نفسه، وحضر مجلسه اثنان غيرهما؛ فهل لهذين أن يشهدا بما أشهد به الأولين؟ في ذلك قولان، وفي هذه
стр. 4196
الصورة لم يقصد القاضي المسمع الإشهاد بوجه؛ إنما قصد إعلام قاض آخر مشافهة، ولم يتم الحكم بها، فتأمل.
قلت: قوله في هذا الأصل قولان؛ يرده بأن القولين إنما هما في كتاب القاضي حسبما تقدم لابن رشد، والقول أشد من الكتاب؛ لأن من طلق زوجته نطقا؛ لزومه من غير توقفه على شيء، ولو كتب به؛ لم يلزمه بمجرد كتبه حتى يخرجه عازما حسبما تقدم، ولو سلم كونه مثله؛ لا يشهد من غير خلاف إلى آخره؛ يرد بأن الشاهد من السامعين لم يقصد إسماعهما بوجه، والقاضي السامع قصد القاضي الذي أسمعه إسماعا قطعا، وقوله: إن القاضي المسمع؛ إنما قصد إعلام قاض آخر مشافهة، ولم يتم الحكم؛ يرد بأنه إنما لم يتم الحكم بها من حيث استقلال سماعهما، ولا يلزم منه عدم الحكم بها مع انضمام شاهد آخر بها، وثبوت حكم الحاكم بشاهد ويمين، يأتي إن شاء الله تعالى في فصله.
وقول ابن الحاجب: لو اقتصر الأول على سماع البينة، وأشهد بذلك وجب على المنتهي إلية الإتمام، هو نقل ابن رشد في سماع ابن القاسم: يجب على المكتوب إليه أو من ولي بعده أن يصل بنظره بما ثبت عند الكاتب، إن كتب بثبوت شهادتهم فقط؛ لم يأمر بإعادة شهادتهم، ونظر في تعديلهم، وإن كتب بتعديلهم أو بقبوله إياهم أعذر للمشهور عليه، وإن كتبه بأنه أعذر له، فعجز عن الدفع؛ أمضى الحكم عليه.
قلت: ظاهر قوله: بيني على قبوله إياهم أنه ينبي عليه مطلقا، ولو كان مذهب الكاتب حمل المستور الحال على العدالة، ومذهب المكتوب إليه حمله على غير العدالة، وفي هذا الأصل اختلاف.
قال ابن المناصف: لو كتب قاض بحكمه بشيء فيه اختلاف، ورأى المكتوب إليه فيه بخلاف حكم الحاكم الذي كتب به؛ ففي وجوب إنفاذه إياه قول أشهب في المجموعة، وقول سحنون: لا ينبغي له أن يجيزه، ولا أن ينفذه.
قلت: فهم الخلاف من هذا اللفظ واضح، وفي فهمه من لفظ النوادر إشكال فيها ما نصه: قال أشهب في المجموعة: إن كتب قاض لقاض بأمر فيه اختلاف، والمكتوب
стр. 4197
إليه لا يرى ذلك الرأي، فإن كتب له أنه حكم بما في كتابه وأنفذه؛ جاز وأنفذه هذا، وإن لم يكن؛ قطع بحكم، إنما كتب بما ثبت عنده للخصم، فلا يعمل هذا برأي الذي كتب، وليعمل فيه برأيه.
وقال سحنون: إن كتب إليه برأيه، فرأى خلافه؛ فلا ينفذه؛ لأن ذلك لم ينفذ شيئا يقتضي أن عدم إثبات الثاني إنما هو فيما لم ينفذه الأول، وقول أشهب إنما هو فيما أنفذه الأول، فلا يكون خلافا لقول سحنون.
قال ابن عبد السلام: ولا يكون قول القاضي ثبت عندي كذا حكما منه بمقتضي ما ثبت عنده، فإن ذلك أعلم منه، وإنما أوجب هذا البيان أن بعض من ينتمي إلى علم الأصول من أهل القير وإن غلط في ذلك، فألف الإمام المازري جزءاً في الرد عليه، وجلب فيه نصوص المذهب، والمسألة جلية لا تحتاج إلى بيان.
قلت: نقلت للشيخ حين قراءة هذه المسألة قول المازري: اختلف العلماء في اقتصار القاضي على تسمية بينة ثبتت عدالتها عنده هل ذلك كنقل شهادة عن شهادة، أو كالقضية المنفذة؟ فمن رآه كالقضية المنفذة تناقض في تفريقه بين أن يحكم القاضي، أو يسمع بينة عليه، ويحكم بثبوتها عنده؛ لأن حكمها بثبوتها عنده يمنع القاضي الآخر من الاجتهاد في ثبوتها، وكذا من أجرى ذلك مجرى نقل الشهادة عن الشهادة تناقض؛ لأن القاضي واحد، وإذا كان قوله: ثبت عندي بشهادة فلان وفلان نقلاً، فنقل واحد شهادة شهود لا يعول عليه؛ لكنهم جعلوا حرمة القضاء ومنصبه يصير القاضي، وإن كان هو واحدا، وكذا نقله عن شهود شهدوا عنده بخلاف ناقل عن شهود ليس له أن يقضي بشهادتهم، ولا شك أن ذكر القاضي بثبوت شهادة عنده على غائب ليس بقضية محضة، ولا نقل محض؛ بل هو مشوب بالأمرين، فينظر أولاهما به، فيسد إليه: فقال لي: نقلك عن المازري: أن قول القاضي ثبت عندي أنه كالقضية المنفذة عند بعضهم؛ بعيد، فإنه ألف جزءاً خطأ فيه من زعم أن قول القاضي: ثبت عندي حكم، فوقفته بعد انقضاء مجلس الدرس على قول المازري المتقدم، فدخل منزله، وأخرج إلى الجزء الذي ذكره
стр. 4198
المازري، وأنا أذكر لبابه مختصراً، فإنه يتفيهق فيه بخطابات أدبية لا تحتاج لذكرها هنا، قال: حدث سؤال أفتيت فيه أنا وجميع من يستفتى بالمهدية بجواب واحد، وعلى أن ما خالفه باطل فاسد، فطعن بعض من نشأ هنا ممن ينسب للفقه أنه خفي شأنه، وأخمل زمانه، فأراد أن يعلم إخوانه بمخالفته إيانا محله ومكانه، ولا بد من ذكر السؤال بنصه، وإيضاح مكنونة وكشفه، وهو أن بعض القضاة أنفذ كتابا لقاض ذكر فيه: وثبت لدي أن فلاناً وفلاناً اشتريا من فلان في عقد واحد كذا وكذا سهما بثمن سماه، ثم ذكر بعد ذكر هذا: وما يتعلق به، فسألني الحامل لهذا الكتاب إنهاء جميع ذلك للقاضي ليفعل فيه موجبه، فاتفق رأي الجماعة الذي استرشدوا فيه على أنه لا يوجب نقل ملك البائع، فتتعلق به الأحكام التابعة لنقل الملك من الشفعة وغيرها، وعن تعلق الشفعة، وقع الكلام والدليل على أن هذا الكتاب لا يوجب على الشريك أخذ الشفعة أو تركها؛ أنه لا تجب إلا بعد انتقال الملك؛ لأن بيع الخيار لا حب فيه الشفعة ما لم يبيت، والملك قد انتقل فيه على أحد القولين عندنا، والملك لا يثبت انتقاله إلا إذا اعترف به المتعاقدان، أو حكم به عليهما عند الإنكار، وهذا الكتاب لم يذكر فيه اعتراف البائع بالبيع، ولا صرح من بعثه بأنه حكم بالبيع وقضى به؛ بل أورد لفظاُ محتملاً للحكم، ولما سواه، ولا تلزم القضاء والأحكام بلفظ فيه إشكال وإيهام، وهذا مما لا يختلف فيه أحد من ذوي الأفهام، واللفظ الذي أشرنا إليه بالاحتمال هو قول القاضي: وثبت عندي أن فلانا اشتري من فلان، وقوله: ثبت عندي لفظ يتردد بين ثبوت حكم وقضيته، وبين استماع لما أثبته من بينة زكية دون اتباع حكم، وإبرام قضية, فإن تعسف متعسف، ورأى أن الثبوت نص في القضايا والأحكام؛ قيل له: إنما يتحاكم في هذا لأهل اللسان وأرباب البيان، ووجدنا أهل اللسان يقولون: ثبت عندنا موت الخليفة، وخصب أرض كذا، وثبت عندنا ظلم فلان وعداوته إلى غير ذلك مما علموه بالخبر عنه، وتلقوه بالقبول من أفواه العدول مما لا يصح أن ينتصب له الحكام، وتطلب فيه القضايا والأحكام، وعلة الأمر أن المعني بالثبوت لغة حصول الأمر وتحققه، ولهذا حد بعض المتكلمين العلم بأنه إثبات المعلوم على ما هو به، وإن كان هذا الحد مرغوباً عنه عندنا، والروايات
стр. 4199
مسطورة بصحة ما قلناه.
قال أشهب: إذا كتب قاض إلى قاض بأمر مختلف فيه, والمكتوب إليه لا يرى ذلك الرأي, فإن كتب إليه أنه حكم بما في كتابه وأنفذه؛ جاز ذلك وأنفذه هذا, وإن لم يكن قطع فيه الحكم, وإنما ينبغي له أن يعمل برأي الكاتب, ومثله لابن حبيب عن الأخوين.
وفي الموازية: يجب إنقاذ ما في كتاب القاضي إن كان فيه أني قضيت لفلان على فلان, وإن لم يكن في الكتاب الفراغ من الحكم؛ فعلى المكتوب إليه أن يتم الحكم, ولا يستأنفه حكم بما ثبت عنده للحكم؛ فلا.
قلت: مسألة النزاع بين المازري ومنازعه مبنية على تحقيق أمرين: أحدهما: أن فاعل ثبت في كتب القاضي لقاض آخر بلفظ ثبت كذا عندي هل هي بمنزلة المقضي به عنده أم لا؟ والحق أنه يختلف فيه على قولين: الأول: أنه ليس كالمقتضي به, وظاهر قول ابن رشد حيث قال فيما قدمناه عنه في مسألة تسمية القاضي في كتابه: من شهد عنده ما نصه؛ لأن كتاب القاضي إلى القاضي بما ثبت عنده على رجل في بلد المكتوب إليه ليس بحكم على غائب, والثاني: أنه كالمقتضي به, وهو ظاهر فهم ابن رشد المذهب حيث قال: إن كتب بثبوت شهادة البينة فقط؛ لم يأمر بإعادة شهادتهم, وإن كتب بتعديلهم أو بقبوله إياهم إلى آخر كلامه المتقدم, ولفظ المازري الذي نقلناه عنه من شرح التلقين نص في أنه مختلف فيه بين العلماء, ولم يصرح فيه عن المذهب بشيء, ونقل الشيخ عن أشهب: يقتضي أنه ليس كالأمر المقتضب به, الأمر الثاني: هو أن مسمى اشترى هل يقتضي ثبوت ملك المشتري مفعول اشترى وهو المشترى أم لا؟ فالمزري ومن ذكر أنه وافقه على فتواه من فقهاء المهدية يقول: إنه لا يقتضي ملكه, وخصمه يقول: يقتضي ملكه, قلت: وهذا هو مقتضى ألفاظ المدونة عندي منها قوله الزكاة الأول: من اشترى بمال حل حوله, ولم يزكه خادماً, فماتت؛ فعليه الزكاة.
وفي الجهاد: ومن اشترى من المغنم أم ولد رجل أو ابتاعها من حربي؛ فعلى سيدها أن يعطيه جميع ثمنها.
стр. 4200
وفي كتاب الشفعة: من ابتاع شقصاً بثمن إلى أجل؛ فللشفيع أخذه ما أخذه بالثمن إلى ذلك الأجل إلى غير ذلك مما لا يعد كثرة, فعلى هذا منضما للقول أن ثبت كالمقتضي به يكون الصواب فتوى منازع.
المازري: وإلا فلا, وبالجملة؛ فليس قول منازع المازري بالذي يحسن أن ينشد في الرد عليه قول المتنبي.
وليس يصح في الإفهام شيء ... إذا احتاج النهار إلى دليل
فإن المازري في الجزء المذكور أغلظ في الكلام على منازعه, وانشد البيت المذكور ولا تباعة.
قال اين عبد السلام: والمسألة جليلة لا تحتاج إلى بيان, ومن أنصف وحقق ما قلناه من لفظ المازري؛ علم أن نقل ابن عبد السلام عن منازع المازري أنه قال قول القاضي الكاتب: ثبت عندي كذا حكم منه بمقتضى ما ثبت عنده أنه ليس كذلك؛ لأن هذا اللفظ يقتضي أن منازع المازري بقول: قول القاضي الكاتب ثبت عندي شراء فلان نصف الديار الفلانية المشتركة بين فلان وفلان, وملكه إياه حكم منه بالشفعة فيها؛ لأنه مقتضى ما ثبت عنده, وليس كذلك إنما زعم الحكم بثبوت الملك فقط حسبما تقدم فتأمله, ولما كانت نصوص الروايات واضحة بلغو ثبوت كتاب القاضي بمجرد الشهادة على خطه.
قال ابن المناصف: اتفق أهل عصرنا في البلاد التي ينتهي إليها أمرنا على قبول كتب القضاة في الأحكام والحقوق بمجرد معرفة خط القاضي دون إشهاده على ذلك, ولا حاكم معروف, ولا يستطيع أحد فيما أظن على صرفهم عنه مع أني لا أعلم خلافاً في مذهب مالك أن كتاب القاضي لا يجوز بمجرد معرفة خطه؛ بل قولهم القاضي يجد في ديوانه حكماً بخطه, وهو لا يذكر أنه حكم به أنه لا يجوز له إنقاذه إلا أن يشهد عنده بذلك الحكم شاهدان, وكذا إن وجده من ولي بعده, وثبت أنه خط الأول؛ فإنه لا يعمل به, ولا يتخرج القول بعمله بما يتيقنه من خطه دون ذكر حكمه به من الخلاف في الشاهد بتيقن خطه بالشهادة بالحق, ولا يذكر موطنها لعذر الشاهد إذا ما عمله هو
стр. 4201
مقدور كسبه, والقاضي كان قادراً على إشهاده على حكمه, ثم وجه عمل الناس بأن الخط الحاصل بأنه كتاب القاضي الباعث به حصوله بالشهادة على خطه منضماً للشهود, وهو القول بجواز الشهادة على خط الغير حسبما تقدم في المذهب يوجب كون هذا الظن كالظن الناشئ عن ثبوته ببينة على أنه كتابه لضرورة دفع مشقة مجيء البينة مع الكتاب مع انتشار الخطة في بلد.
قلت: فإن قيل: تدفع المشقة بإشهاد القاضي على كتابه بينة تشهد على خطها في بلد المكتوب إليه, كما يفعله كثير من أهل الزمان لنكتة تذكر بعد.
قلت: ثبوته بالشهادة على خط القاضي أقوى من ثبوته بالشهادة على خط البينة بشهادتها على القاضي؛ لأن ثبوته بالشهادة على خط القاضي ما له توقفه على مجرد الشهادة على الخط, وثبوته بالشهادة على خط البينة ما له توقفه الشهادة على الخط مع شهادة البينة على القاضي, وما توقف على أمر واحد فقط أقوى مما يتوقف عليه مع غيره؛ لتطرق احتمال وهن ذلك الغير كاحتمال فسق البينة, أو رقها في نفس الأمر.
قال: وإذا ثبت وجه العمل بذلك, فإن ثبت خط القاضي ببينة عادلة عارفة بالخطوط؛ وجب العمل به, وإن لم تقم ببينة بذلك, والقاضي المكتوب إليه يعرف خط القاضي الكاتب إليه؛ فجائز عندي قبوله بمعرفة خطه, وقبول سحنون كتب أمناء بلا بينة يدل على ذلك, وليس ذلك من باب قضاء القاضي بعلمه الذي لا يجوز القضاء به, لأن ورود كتب القاضي عليه بذلك الحق؛ كقيام بينة عنده بذلك, فقبوله الكتاب بما عرف من خطه كقبوله بينة بما عرف من عدالتها, ويحتمل أن يقال: لابد من الشهادة عنده على خطه.
قلت: نحوه قول ابن سهل: إن أتى بخبر على شهيدي كتاب القاضي, وإن لم يكن تعديلاً بيناً, أو زكى أحدهما, أو توسم فيهما صلاح, وخطه وختمه يعرفه المكتوب إليه؛ استحسن إنقاذه لعمل صدر الأمة بإجازة الخاتم, ومنه: أن محمد بن شماخ قاضي غافق خاطب قاضي قرطبة محمد بن الليث بخطاب أدرج فيه كتاب عيسى بن عتبة فقيه مكناسة, وعقد استرعاء بملك بغل بعث فيه ثبت استحقاقه عند
ابن عتبة على عين
стр. 4202
البغل وعين مستحقه, وفي الكتاب ثبت عندي كتاب ابن عتبة يستحلف قاضي الحوف, ولم يسم من استحلفه, ولا ابن عتبة ولا أن ثبوته عنده كان على عين البغل ومستحقه, فأفتى ابن عتاب, وابن العطار وابن مالك بإعمال خطاب ابن شماخ؛ لفضله وعلمه, وإنما جرى بين يديه محمول على الكمال, ولعافية ابن عتبة, وفي اتفاقهم على هذا الوجوب عجب وفيه من الضعف ما فيه, وكانوا يختلفون فيما هو أوضح من هذا.
ابن المناصف: ويجب على القاضي الذي ثبت عنده كتاب قاض إليه في حق تأخر الحكم فيه أن يشهد على نفسه بثبوت ذلك الكتاب عنده الذي قبله بمعرفته خطه؛ لأنه إن لم يفعل ذلك, واتفق أن مات, أو عزل, وقد مات الذي كتب له أو عزل, وخلف مكان المكتوب له قاض آخر ألها صاحب الحق لإثبات ذلك الكتاب عنده بشهود على القاضي الذي كتبه في حين ولايته أنه كتابه؛ إذ لا يكتفي في ذلك بمعرفة سماع نطقه بذلك, والسماع منه ذلك؛ إنما يعتبر مادام في ولايته, وأما بعد عزله؛ فلا لقولها مع غيرها: أن مات القاضي أو عزل, وفي ديوانه شهادة البينات وعدالتها؛ لم ينظر فيها من ولي بعده, ولم يجزه إلا أن تقوم عليه بينة, وإن قال المعزول؛ قد شهدت به البينة عندي؛ لم يقبل قوله, ولا يكون شاهداً بذلك, وغلط في هذا النوع اليوم جماعة من الطلب, وجرى بيننا وبينهم فيه نزاع كثير؛ لأنهم حملوا ما وقع لمالك وغيره في قبول كتب القضاة ماتوا, أو عزلوا على إطلاقه, وتوهموا ذلك في مثل ما عهدوه, ووقع التساهل فيه من ترك إشهاد القضاة على كتبهم, والاجتزاء بمعرفة الخط.
قلت: ونزلت هذه المسألة في عام خمسين وسبعمائة من هذا القرن الثامن وقت نزول الطاعون الأعظم أيام أمير المؤمنين أبي الحسن المريني في خطاب ورد من مدينة فاس لتونس, فوصل خطاب قاضي فاس, وقد تقرر علم موته بتونس, فطرح خطابه, فشكي من وصل به إلى أمير المؤمنين, فسأل إمامه ومفتيه شيخنا عبد الله السطي, وكان إماماً حافظاً, فأفتى بإعمال خطابه, واحتج بنحو بما ذكره ابن المناصف عن من نازعه, فوقفه أصحابنا على كلام ابن المناصف هذا, فرجع إليه, وظهر أنه لم يكن له شهود.
قال ابن المناصف: وتجوز خطابات الإمام, وقضاة بعضهم لبعض, ولو ولي بعض
стр. 4203
قضاة الإمام قضاه في عمله لبعد المحل عنه, صح مخاطبته إياهم, ومخاطبتهم إياه, ومخاطبة بعضهم بعضاً إن أذن لهم في ذلك, وإن قصرهم على مخاطبته؛ لم تج مخاطبه بعضهم بعضاً؛ لأنهم وكلاء, فلا يتعدوا ما حده لهم, ولا ينبغي أن يخاطبهم قاضي إقليم غير الذي ولا هم, ولا يخاطبونه هم إلا أن يكون ذلك بإذن من ولاهم, وإن كان تقديم القاضي قضاته بإذن الإمام الذي ولاه؛ جازت خطاباتهم مطلقاً فيما بينهم وبين غيرهم.
قلت: للشيخ عن سحنون في رجل من بعد كور تونس أراد أن يثبت بكورته حقاً له على رجل بمصر؛ ليكتب له به قاضي كورته قال: لا يكتب قضاة الكور إلى قضاة البلدان, وليكتب قاضي تونس إلى قاضي القيروان, فيكون هو الذي يكتب إلى قاضي مصر, ولا يجوز كتب ولاة الكور, وولاة المياه إلى قاضي بلد آخر, وأنكر ما روي عن مالك من ضرب ولاة المياه أجل المفقود؛ لأنه لا يكون إلا بعد الكتب إلى البلدان, وولاة المياه لا يجوز كتبهم إلى البلدان.
قلت: فيقوم منه جواز كتبهم إلى البلدان, وشرط قبول خطاب القاضي صحة ولايته ممن تصح توليته وجه احترازاً من مخاطبة قضاة أهل الرجل كقاضي مسلمي بلسانية وطر طوشة وقو صرة عندنا, ونحو ذلك.
قال ابن المناصف: وشأن قضاة وقتنا رسم الخطاب أسفل وثيقة ذكر الحق, وقد يكون في ظهر الصحيفة, أو أحد عرضيها إن عجز أسفلها, وربما كان في ورقة ملصقة بالوثيقة إن تعذر الموضع, واستحب أن يبدأ باسم الله الرحمن الرحيم, واستخف قضاة زماننا ترك ذلك في صدور مخاطبات الوثائق, وأراه لاكتفائهم بالاستفتاح الواقع في صدر العقد, وإعادة ذلك أولى؛ لأنه ابتداء فصل غير الأول.
قلت: وهذا كما ذكر هو عمل أكثر الناس في ابتداء كتب الوثائق؛ وذكر بعض المؤرخين أن وثيقة وقعت بيد بعض القضاة غير مصدرة ببسملة ولا تصلية, فطرحها وقال: أنى كتبت هذه أكتبت ببلد كذا, فعين بعض بلاد الكفر, فقيل له: إنها بخط ابن مجاهد, فرفعها وقبلها.
стр. 4204
قال: وكيفية الكتب: أن يكتب أعلم بصحة الرسم المقيد فوق هذا على ما يحب الشيخ الفقيه الأجل أبا فلان بن فلان أدام الله توفيقه وتسديده وليه في الله تعالى, ومؤثره فلان بن فلان, والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته؛ وذكره تأريخ المخاطبة أحسن وأحوط؛ لاحتمال كون القاضي الكاتب عزل, ولم يبلغه العلم بعزلته, فخاطبه على القول بسقوط فعل الوكيل بنفس عزله ساقط, وعلى القول بعدم سقوطه عامل, ولأن البينة التي خاطب بقبولها, وثبوت الحق ما انتقلت أحوالهم بعد ذلك إلى جرحة لم تكن, فإذا تأخر العمل بذلك الخطاب, ثم أعذر لمن ثبت عليه ذلك الحق, ولم يكن بتاريخ أمكنه إبطاله بإثبات جرحة البينة الآن, ولا يمكنه ذلك مع ذكر التاريخ والسلامة وقت الأداء, والقبول في الجرحة الحادثة؛ وإنما قدموا في التخاطب مفعول أعلم, وهو اسم المكتوب إليه على الفاعل الكاتب يراد بالمكتوب إليه.
قلت: الذي استقر عليه عمل القضاة بإفريقية عدم تسمية القاضي المكتوب إليه, وغالب أمرهم إن كان الذي كتب الإعلام هو قاضي الجماعة بتونس؛ فإنه لا يكتب آخر خطابه, والسلام على من يقف عليه, ورحمة الله وبركاته, وإن كان الكاتب غيره كتب في إعلامه لفظ السلام إلى أخره, وذكر لي بعض من يوثق به أنه كان ورد خطاب من قاضي بجاية إلى تونس, والقاضي بها حينئذ أبو إسحاق بن عبد الرفيع, ولم يكن فيه لفظ السلام, فتوقف في قبوله.
قال ابن المناصف: وإن شاء جعل فعل الإعلام حالاً, وكتب أعلم بضم الهمزة وكسر اللام, ورفع آخر الفعل؛ ثم يقول بعد ذكر اسم المكتوب إليه: وكتب فلان بن فلان, وإن شاء كتب استقل العقد المقيد فوق، أو صح الرسم أو ثبت الحق, وما أشبهه مما يدل على هذا المعنى, فإن كان في طرته؛ قال المرتسم: هذا في عوضه أو بطرته اليمنى, أو القيد خطابي هذا يمنة منه, ونحوه, فإن كان التقييد بورقة ملصقة بالعقد المخاطب عليه؛ فلابد أن يزيد في الخطاب البينة على ذلك الحق, فيقول بصحة العقد المرتسم في الورقة
стр. 4205
العليا المتصلة بهذه المتضمن لفلان قبل فلان كذا, أو المتضمن توكيل فلان فلاناً على كذا, ونحوه مما يعين الحق المكتوب فيه خوف أن يلصق بورقة الخطاب ورقة بحق غير الحق الذي به وقع الخطاب, وإن اشتملت الوثيقة على عقود كثيرة؛ صح جميعها عنده نص على ذلك في خطاب واحد, فيقول: أعلمت الشيخ الفقيه القاضي أبا فلان بصحة الرسوم الثلاثة أو الأربعة المقيدة أو الرسمين المقيدين فوق كتابي هذا أو بمقلوبة, وإن صح بعضها دون جميعها؛ نبه على ما صح منها؛ إما بالمقيد أول هذا الصفح, أو الموالي لكتابي هذا, ويعينه تعييناً يرفع الإشكال, فيذكر الحق بعينه, وإن لم يكن في العقد المخاطب عليه إلا شاهد واحد, أو كان فيه شهود؛ لم يقبل منهم إلا واحداً خاطب فيه من غير أن يذكر صفح الرسم, وإلا استقل, ولا يثبت بمن يقول: أعلم الشيخ الفقيه أبا فلان بقبول شهادة فلان ابن فلان المسمى عقب ذكر الحق المقيد فوق هذا فيما شهد به من ذلك على ما يجب, وشبه هذه العبارة, وهذه إنما هو في الحقوق المالية, فيحلف صاحبها مع الشاهد, ويستحق حقه.
وأما الوكالات والحدود: وما لا يثبت بشاهد ويمين؛ فليس للمخاطبة فيه على الشاهد الواحد وجه إلا إن رجا أن يضاف إليه في غير ذلك الموضع شاهد آخر, فإن أحلفه القاضي الكاتب, وثبتت يمينه عنده بشهيدي عدل كما يجب, خاطب القاضي: أعلم الشيخ الفقيه القاضي أبا فلان بصحة الرسم المقيد فوق هذا بشهادة فلان بن فلان, ويمين صاحبه على الحق المشهود له فلان على صحة ما شهد له به من ذلك وثبوته عندي, كما يجب بعد سؤاله الإذن مني في يمينه المذكور, ورأيت إباحة ذلك له, وكتب فلان بن فلان, فإن كان الخطاب بقبوله خطاباً وصل إليه؛ كتب أعلم الشيخ أبا فلان بقول الخطاب الثابت عنده المرتسم فوق هذا, أو يمينه أو يسرته أو بمقلوبة, وإذا لم يكتب القاضي تحت العقد خطاباً يصرح فيه بالإعلام بصحة ذلك العقد عنده, واقتصر على أن كتب صح الرسم عندي, أو ثبت أو استقل, وكتب فلان بن فلان؛ فذلك لغو غير جائز قبوله بمجرد الخط.
وقول ابن الحاجب: ويجب قبول ما يراد عليه عن الحاكم في المال والقصاص,
следующие страницы →