← Фикх малики

Фикх малики · id 16968

المختصر الفقهي لابن عرفة

ابن عرفة

Полный текст (5 077 стр.). Показаны 4131–4170 · переход к 4136.

стр. 4131

الصقلي: في منعه: ولو لم يقاعده وصحته مطلقًا ثالثها: إن أقيمت أبنية، لابن الماجشون، وسحنون، وابن القاسم. ابن رشد في رسم الشجرة من سماع ابن القاسم في الشهادات في صحة نزوعه قبل الحكم قولا مطرف وابن الماجشون. الشيخ: في صحة رجوع أحدهما: ولو لم يقاعده ثالثها: قبل النظر في شيء من أمرهما لا بعده، لسحنون وابن الماجشون ومطرف قال أصبغ: كما ليس له إن تواضعا الخصومة عند القاضي أن يوكل وكيلًا أو يعزله. قلت: فالأقوال أربعة، وعزوها واضح، ولابن الماجشون ولابن حارث: إن نظر المحكم بينهما؛ لم يكن لأحدهما رجوع اتفاقًا. الشيخ لابن سحنون عنه: إن حكم المحكم، ولم يشهد على حكمه؛ لم يصدق على ذلك الحكم، وإذا حكم؛ كتب للمقضي عليه: قضيت لفلان بن فلان على فلان بن فلان، كما يكتب القاضي. الشيخ عن أصبغ: إن حكماه بحكم فيما ذكرنا أنه لا يحكم فيه؛ أنفذ السلطان حكمه لقود أو لحد، ونهاه عن العود، وإن كان أقام هو ذلك؛ فقتل، واقتص، وضرب الحد، ثم رفع للإمام زجره وأدبه، وأمضى صواب حكمه، وكان محدوده بالقذف محدودًا، والتلاعن عنده ماضيًا. المازري: كل من جاز للإمام توليته؛ جاز تحكيمه. اللخمي: اتفقت أقوال من يذكر بعد على أن لا يحكم جاهل بالحكم؛ لأنه تخاطر، ولا يجوز تحكيم كافر ولا مجنون ولا موسوس اتفاقًا، والعبد والمرأة، والمسخوط والصبي في لغو حكمهم ثالثها: في الصبي فقط، ورابعها: والمسخوط، لمطرف، وأصبغ، وأشهب، وابن الماجشون: وشرط الثلاثة علم المحكم بالقضاء، وللشيخ عن أصبغ كأشهب. ابن الحارث: لا يجوز تحكيم صبي ولا معتوه ولا موسوس. اللخمي: إن حكم مالكيان مالكيًا؛ لم يلزمهما حكمه بغير مذهب مالك.

стр. 4132

المازري: ولأحد الخصمين تحكيم خصمه في خصومتهما إن كان المحكم عدلًا عارفًا، زاد اللخمي: عارفًا مجتهدًا أو عاميًا، واسترشد العلماء، وهو هنا أشد تخاطرًا إن دخل على الحكم بالجهل، أو على حكم غير عدل منه إن كان المحكم أجنبيًا. الشيخ عن أصبغ: لا أحب لخصم القاضي أن يحكمه فيما بينهما، فإن نزل؛ مضى، وليذكر رضاه بذلك، ثم ذكر عن ابن حبيب للأخوين: لو حكم أحد الخصمين صاحبه، فحكم لنفسه أو عليها؛ مضى ما لم يكن جوارًا أو خطأً بينًا. قلت: ينبغي إن كان جوارًا عليه ماليًا أمضاه؛ لأنه منه معروف لخصمه، قال: أوليس تحكيم الخصم خصمه؛ كتحكيم خصم القاضي للقاضي. قلت: ظاهره: عدم نفوذه حكمه إن حكم لتفرقته بينه وبين من ليس قاضيًا، ففي جواز تحكيم الخصم خصمه مطلقًا، وكراهته إن كان القاضي ثالثها: لا ينفذ حكمه إن كان القاضي كنقل المازري واللخمي عن المذهب، والشيخ عن أصبغ، وظاهر قول الأخوين: قال ابن الحاجب: ولو حكم خصمه؛ فثالثها: يمضي ما لم يكن المحكم القاضي. قلت: القول بعدم مضيه مطلقًا، وإن قبله، ابن هارون وابن عبد السلام: لا أعرفه، ولم يحكه ابن شاس. وقوله ابن عبد السلام: أشار بعض الشيوخ أو صرح أنه لا خلاف أن حكم القاضي بتحكيم خصمه غير ماضٍ لا أعرفه، وقد تقدم نص أصبغ: إن نزل؛ مضى، ويجب تفقد الإمام حال قضاته، فيعزل من في بقائه مفسدة وجوبًا فورًا، أو من يخشى مفسدته استحبابًا، ومن غيره أولى؛ عزله له راجح. الشيخ عن ابن حبيب عن أشهب ومطرف: ينبغي للإمام أن لا يغفل عن تفقد قضاته، كان عمر ﵁ يقدم كل عام أمراءه ومعهم من عملهم رجال، فإن أرادوا بدل عاملهم؛ عزله وأمر غيره. أصبغ: يعزل من يخشى ضعفه، ووهنه، وبطانة السوء، وإن أمن جوره في نفسه، ولا بأس إن عزل لغير دنية أن يخبر الناس ببراءته، كما فعل عمر بشر حبيل بن حسنة،

стр. 4133

وإن عزله عن سخطة؛ حق عليه شهرته، وإذاعته، وعزله بالشكاية به إن لم يكن مشهورًا بالعدالة حتى وجوبه بها أو الكتب إلى صالحي بلده؛ ليكشفوا عن حاله، فإن كان على ما يحب وإلا عزل ثالثها: إن وجد بدله، وإلا فالثاني للشيخ عن أصبغ، وغيره ومطرف قائلًا: لا يعزل بها مشهور العدالة، وقال أشهب: يعزل، وإن كان مشهورًا بالرضى معها إذا وجد منه بدلا في حاله، وقد عزل عمر سعدًا بالشكية، وسعد أنفذ حجة، وأظهر براءة ممن بعده إلى يوم القيامة، وإن تظاهرت الشكية؛ وقفه بعد عزله للناس، فيرفع من يرفع، ويحقق من يحقق، فقد وقف عمر سعدًا، فلم يصح عليه مكروه وبرأه الله، وكان عند الله وجيهًا. المازري: إن علم علم القاضي وعدالته، ولم يتقدم فيه قادح؛ لم يعزل بالشكية، وسئل عن حاله بسببها سرًا، فإن ثبت فيه مطعن؛ عزل وإلا أقر، ومن لم يتحقق عدالته في عزله بمجردها قولا أصبغ وغيره، واحتج أصبغ بعزل عمر سعدًا. قلت: تخصيصه الخلاف بمن لم يتحقق عدالته مع قبوله الاحتجاج بقضية سعد متناقضة؛ لأن سعدًا ممن علم علمه وعدالته. ابن عبد السلام: في النفس شيء من احتجاج الفقهاء في مسألة القضاة بقضية سعد وشبهها عن الأمراء؛ لأن نظر الأمراء أوسع؛ لأن له الاعتماد على علمه، وعلى ما سئل عنه خفية، وعلى ما يظنه ويتوهمه، فيتطرق إلى الكلام فيه بسبب ذلك، فللخليفة عزله بمجرد الشكوى، والقاضي نظره مقصور على مسائل الخصام، وهو مستند فيها إلى الإقرار والبينة وشبه ذلك، فيظهر عدله وجوره؛ فلا ينبغي أن يقتصر في عزله على مجرد الشكوى، ولاسيما مشهور العدالة؛ ولذا لم يحفظ أن عمر عزل قاضيًا بمجرد الشكوى، ولاسيما مشور العدالة؛ ولذا لم يحفظ أن عمر عزل قاضيًا بمجرد الشكوى، قلت: حاصله ترجيح القول التالي، ولا ينفق مطلقًا؛ بل الصواب بين مجرد الشكوى بقاضي بلد الخليفة، وغيره ليسر الاطلاع على حال من ببلده، وعسر الاطلاع على حال غيره. المازري: إذا كان في العزل مصلحة للعامة؛ أمر الإمام بالمبادرة إليه، وعن عمر أنه قال: لا يسألني قوم عزل أميرهم إلا عزلته، وإن وجد الإمام أفضل ممن ولي؛ فله

стр. 4134

عزله لتولية الأفضل، وإن لم يجد إلا من هو دونه؛ فلا يعزله، فإن عزله؛ لم تنفذ عزلته. قلت: في عدم نفوذ عزلته نظر؛ لأنه يؤدي إلى لغو توليته غيره، فيؤدي ذلك إلى تعطيل أحكام المسلمين. ابن الحاجب: إن عزله عن سخطه؛ فليظهره، وعن غيره؛ فليبرئه، وقد عزل عمر شرحبيل فقال: أعن سخطة يا أمير المؤمنين؟ فقال: لا، ولكن وجدت أقوى منك، قال: إن عزلك عيب، فأخبر الناس بعذري ففعل، وتعقبه ابن عبد السلام احتجاجه بقضية شر حبيل؛ لأن تبرئته كانت بطلب ذلك لا ابتداء من عمر؛ يرد بأن إجابته توجب كونه حقًا له فيجب؛ بل يرد بعموم دعواه في كل واد، وخصوص حجته بالإمام المعلوم؛ كون أفعاله لا عن هوى كعمر، ولا يلزم من لزوم تبرئته المبرأ؛ حيث العزل من مثل عمر لزومه من حيث كونه من غيره؛ لجواز كونه عن هوى، ولا يخفى حال الولاة في ذلك، وقد انتهى الأمر؛ لكون العزل لتولية الغير بالرشا. الشيخ: لابن حبيب عن أصبغ: لا ينعزل القاضي بموت موليه الإمام أو أميره. المازري: ذكر أصحاب الشافعي: إن ولى القاضي رجلًا على أمر معين؛ كسماع بينة؛ انعزل عن ذلك بانعزال القاضي، وإن ولاه حكومة مستقلة؛ ففي انعزاله بانعزاله ثالثها: إن لم يكن بإذن من ولاه؛ قلت: لم يعز المذهب منها شيئًا، ومفهوم ما تقدم لأصبغ انعزال نائب القاضي في حكم بموته أو عزله. وفيها: إذا مات القاضي أو عزل، وفي ديواه شهادة البينات وعدالتها؛ لم ينظر فيه من ولي بعده، ولم يجزه إلا أن تقدم عليه بينة، وإن قال المعزول: ما في ديواني شهدت به البينة عندي؛ لم يقبل قوله، ولا أراه شاهدًا، فإن لم تقم بينة على ذلك؛ أمرهم القاضي المحدث بإعادة البينة، وللطالب أن يحلف المطلوب أن هذه الشهادة التي في ديوان القاضي ما شهد عليه بها أحد، وتمامها يأتي في الشاهد واليمين، وعبر ابن الحاجب عن ذلك بقوله: ولو قال بعد العزل: قضيت بكذا، أو شهد بأنه قضى؛ لم يقبل، ومفهوم قوله: بعد العزل؛ أنه قبل العزل يقبل قوله مطلقًا، وليس كذلك، وسمع أصبغ ابن القاسم: شهادة القاضي بقضاء قضى به وهو معزول أو غير معزول؛ لا يقبل.

стр. 4135

ابن رشد: في هذه المسألة معنى خفي؛ وهو أن قول القاضي قبل عزله: قضيت لفلان بكذا؛ لا يقبل إن كان بمعنى الشهادة؛ كتخاصم رجلين عند قاض، فيحتج أحدهما بأن قاضي بلد كذا قضى له بكذا، وثبت عنده كذا، فسأله البينة على ذلك، فيأتيه من عنده بكتابه: أن حكمت لفلان بكذا أو أنه ثبت عندي لفلان كذا؛ فهذا لا يجوز؛ لأنه شاهد، ولو أتى الرجل ابتداء للقاضي، فقال له: خاطب لي قاضي بلد كذا بما ثبت لي عندك على فلان، أو بما حكمت لي به عليه، فخاطبه بذلك قبل ذلك؛ لأنه مخبر لا شاهد، كما يقبل قوله، وينفذ فيما يسجل به عن نفسه، وشهد به من الأحكام ما دام في قضائه، ووقع للأخوين ولأصبغ ما يعارض هذا السماع حسبما تقدم في سماع ابن القاسم. قلت: هو قوله في سماع ابن القاسم بعد ذكره نحو ما تقدم ما نصه: وذكر ابن حبيب أيضًا: أن القاضي إذا كتب بعدالة شاهد من عمله إلى القاضي الذي شهد عنده الشاهد؛ جاز وإن كان المشهود له سأله ذلك، فكتب له ذلك دون أن يكتب إليه القاضي الذي شهد عنده الشاهد؛ جاز، وإن كان المشهود له سأله ذلك، فكتب له ذلك دون أن يكتب إليه القاضي الذي شهد عنده الشاهد يسأله عنه، وحكاه عن الأخوين وأصبغ وهو بعيد. المازري: إذا ولى الإمام قاضيًا على بلد؛ انبغى قبل خروجه بحثه عن عدول البلد الذي يقدم عليه، إن كان بمكانه من يعرف حالهم؛ ليكون على بصيرة بحالهم، وقد يفتقر للاستعانة في حال قدومه بأحد منهم. قلت: ولهذا المعنى كنت أفهم من بعض من لقيت ممن يقتدى به أنه ينبغي لمن هو بحيثية ولاية القضاء أو الشورى فيما يعرض من الولايات الشرعية أن يسمع ما يذكر في أبناء الزمان ممن يعتبر قوله وحده أو مع غيره، نبه البناء عليه أحكام التعديل والتجريح الأبنية التفكه، وليس ذلك من سماع الغيبة، ومنع ذلك يوجب تعطيل الأحكام، أو تولية من لا تحل توليته، ولولا هذا؛ ما صح ثبوت تجريح في راو ولا شاهد ولا غيره.

стр. 4136

المازري: قال بعض أهل العلم: ينبغي أن يبدأ القاضي بالنظر في المحبوسين، فيعلم من يجب إخراجه ومن لا يجب؛ لأن ذلك أشد من النظر في الأموال، ثم ينظر في الأوصياء في المقامين؛ لكون من يكون له مطالبة عليهم قد لا يعرف عن نفسه، ثم اللقط والضوال، ثم بين الخصوم. المتيطي وغيره: أول ما يبدأ به القاضي النداء عن إذنه أنه حجر على كل يتيم لا ولي له، وعلى كل سفيه مستوجب للولاية عليه، وأن من علم منكم أحدًا من هذين؛ فليرفعه لنا لسؤلي عليه، ومن باع منهما بعد النداء؛ فهو مردود. وفيها: لا يتخذ القاض كاتبًا من أهل الذمة، ولا قاسمًا، ولا عبدًا، ولا مكاتبًا، ولا يتخذ في شيء من أمور المسلمين إلا المسلمين العدول. اللخمي عن محمد: لا يستكتب القاضي إلا عدلًا حرًا يكتب بين يديه، وينظر فيما كتب، وإذا اضطر لغير عدل؛ كتب بين يديه، ونظر فيما كتب، ولم يجز أن يوكل ذلك إليه، ولا يبعد حمل قول محمد نظر القاضي فيما كتب على الوجوب، وإن كان الكاتب عدلًا؛ ليحمل أمر الخصمين على أمر قطعي، وحمله على أمانة الكتب؛ حكم بغلبة الظن دون ضرورة، وليس كالمكشف؛ لأنه مضطر إليه. المازري: وإن كان عدلًا؛ فالمذهب أنه مأمور بالنظر إلى ما يكتب، وترجيح بعض أشياخي في وجوبه، ولا يبعد وجوبه عليه إلا أن يشق عليه؛ فيسقط، ويثبت الاستحباب، وينبغي أن يكون من يصرفه القاضي في أمور قضائه مأمونًا على ما يصرفه في ثقة عدلًا؛ كالحاجب والعون وغيرهما، وينهى عن اتخاذ من يحمي الناس عنه في وقت حاجتهم إليه، ويسوغ له اتخاذ من يقوم بين يديه لصرف أمره، ونهيه وزجره، وكف أذى الناس عنه وعن بعضهم لبعض، ولا يتخذ لذلك إلا ثقة مأمونًا؛ إذ قد يطلع من أمر الخصوم على ما لا ينبغي أن يطلع عليه الخصمان، وقد يرشى على المنع والأذى، وأمين على النساء إن احتجن إلى خصام. الشيخ عن المجموعة وكتاب ابن سحنون: قال أشهب: ينبغي للقاضي اتخاذ رجل صالح مأمون منبه، أو رجلين بهذه الصفة يسألان عن الشهود في السر في

стр. 4137

مساكنهم وأعمالهم. سحنون: يتخذ لذلك من هو منه على يقين من حسن نظره في دينه، وإن كانا رجلين؛ فهو أحسن. اللخمي: وينبغي أن لا يعرف مكشف القاضي؛ لأن فيه فساد. الشيخ عن أشهب: ولا ينبغي للمكشف أن يسأل رجلًا واحدًا أو اثنين، وليسأل ثلاثة فأكثر إن قدر، ومثله لابن حبيب عن الأخوين: ولا ينبغي للمكشف أن يسأل رجلًا إلا أنهما قالا أو يسأل الاثنين والثلاثة، ولا يقتصر على واحد. أشهب في المجموعة: خوف أن يزكيه من أهل وده، أو يجرحه عدو له. وسمع القرينان: إن احتكم للقاضي خصوم يتكلمون بغير العربية، ولا يفقه كلامهم؛ ينبغي أن يترجم عنهم رجل ثقة مأمون مسلم، واثنان أحب إلي، ويجزئ الواحد، ولا تقبل ترجمة كافر، ولا عبد، ولا مسخوط، ولا بأس بترجمة المرأة إن كانت من أهل العفاف والحق مما تقبل فيه شهادة النساء، وامرأتان ورجل أحب إلي؛ لأن هذا موضع شهادات. ابن رشد: هو كما قال؛ لأن كل ما يبتدئ فيه القاضي بالبعث والسؤال؛ كقياس الجراحات، والنظر للعيوب، والاستخلاف، والقسم، واستنكاه من استنكره سكره، وشبه ذلك من الأمور يجوز فيه الواحد. قال في المدونة في الذي يحلف المرأة: أنه يجوز فيه رسول واحد، وسمعه أصبغ من كتاب الحدود في الاستنكاه، ولا اختلاف فيه، والاختيار في ذلك اثنان عدلان، ويجزئ فيه الواحد العدل، وقوله: لا تقبل ترجمة كافر، ولا عبد، ولا مسخوط؛ معناه مع وجود عدول المؤمنين، ولو اضطر لترجمة كافر أو مسخوط؛ لقبل قوله، وحكم به كما يحكم بقول الطبيب النصراني، وغير العدول فيما اضطر فيه لقوله من جهة معرفته بالطب، وقد حكى فضل عن سحنون أنه قال: لا تقبل ترجمة الواحد، واحتج بقول مالك في القاضي: إذا لم يفقه لسانهم؛ كانوا بمنزلة من لم يسمع؛ ومعناه أنه لا ينبغي له أن يكتفي بترجمه الواحد ابتداء؛ لأنه إن فعل؛ لم يجز، ورد هذا لا يصح أن يكون إفادة.

стр. 4138

قلت: ظاهر السماع: صحة ترجمة المرأة، ولو وجد من الرجال مترجم، وساق الشيخ معنى هذا الكلام لابن حبيب عن الأخوين بعبارة: لا بأس بترجمة المرأة إذا لم يجد من الرجال من يترجم له، ولابن عبدوس مع ابن سحنون عنه: لا تقبل ترجمة النساء، ولا رجل واحد، ولا من لا تجوز شهادته؛ لأن من لا يفهم كالغائب. الشيخ: لابن كنانة عن مالك في العتبية: إن لم يجد القاضي لجراحات الناس عدلين؛ أجزأه عدل واحد. ابن حبيب عن ابن الماجشون: للقاضي أن يأخذ فيما يبعث إلى النظر فيه؛ لتحقيقه من العيوب فيما لم يفت من عبد أو أمة بمخبر واحد، وإن كان كافرًا أو مسخوطًا، ويكتفى في عيوب النساء بالمرأة الواحدة؛ لأنه خبر، وإن غاب العبد أو مات؛ لم يقبل فيه إلا ما يقبل في الشهادة، وإن غابت الأمة؛ لم يقبل فيها إلا امرأتان، وذلك فيما هو من عيوبهن تحت الثياب من برص وحيض وعذرة وغير ذلك، والمرأتان فيه كرجلين. وفي نوازل سحنون: لا يقضي بقول قائف واحد فإن لم يجد القاضي غيره؛ كتب إلى البلدان حتى يأتيه قائف آخر، فإن لم يجد؛ انتظر أبدًا، ولا يقضي بقائف واحد، وأخبرني ابن نافع عن مالك: لا يجوز م القافة إلا اثنان، ولا يكون القائف إلا عدلًا، وإلا لم يجز، وفي سماع محمد بن خالد: لابن القاسم كان مالك يقول: لا يقبل إلا عدلان، وأرى أن العدل الواحد مقبول. ابن رشد: القياس على أصولهم أن نحكم بقول القائف الواحد، وإن لم يكن عدلًا؛ لأنه علم يؤديه، وليس شهادة، كما يقبل قول النصراني في الطب فيما يحتاج إلى معرفته من ناحية الطب؛ كالعيوب والجراحات، فاشتراط ابن القاسم فيه العدالة استحسان، وروى ابن وهب: إجازة القضاء بقول واحد منهم، ولم يشترط فيه عدالة، وفي سماع أشهب من كتاب الاستلحاق مثل رواية ابن نافع. وفيها: قال مالك: القضاء في المسجد من الحق، وهو من الأمر القديم؛ لأنه يرضى فيه بالمدون من المجلس، وتصل إليه المرأة والضعيفو وإن احتجب؛ لم يصل إليه الناس.

стр. 4139

اللخمي: في استحباب جلوسه بالمسجد، أو برحابه خارجة عنه ثالثها: لا بأس به في منزله، وحيث أحب لها. ورواية ابن حبيب قائلًا: كان من مضى يجلس لنا عند موضع الخمائر، أو في رحبة مروان، وما كانت تسمى إلا رحبة القضاء، ولأشهب: والثاني أحسن لقوله ﷺ : "جنبوا مساجدكم رفع أصواتكم وخصوماتكم"، ولا يعترض باللعان؛ لأنها أيمان يراد بها الترهيب. المازري عن بعض أشياخي: قول أشهب ثالثًا بتساوي الأمكنة في الاستحباب، ويمكن حمله على التساوي في الإباحة لا الاستحباب. اللخمي عن ابن شعبان: من العدل كون منزل القاضي بوسط مصره، ويستحب استقبال القبلة، ولأنه بطرف المصر مضر بالناس هذا في المصر الكبير، وذلك في الصغير أخف، وتبعه المتيطي على أن الأقوال ثلاثة، ونقله المازري غير معزو لابن شعبان كأنه المذهب غير مفرق بين مصر كبير وصغير، وأخبرني بعض من لقيت عن بعض من ولي قضاء توزر أنه تحرى منزلًا بطرق البلد؛ لأنه رآه الوسط بالنسبة إلى الكور التي يتحاكم أهلها إليه، وقول ابن عبد السلام: مال بعض الأندلسيين إلى قول الشافعي بكراهة القضاء في المسجد. قلت: هو قول اللخمي، وهو خلاف اختيار ابن رشد قال في سماع أشهب من كتاب الصلاة: قال عمر بن الخطاب: يقعد بعد الظهر في المسجد يحتمل أنه كان يجلس للحكم بين الناس، والنظر في أمور المسلمين، فقد روي عنه: أنه بلغه عن أبي موسى الأشعري أنه يقضي في العراق بدار سكناه، فبعث إليه رسولًا بأن يضرمها عليه نارًا، فأتى الرسول العراق، فوافى أبا موسى في الدار يقضي، فنزل عن بعيره، وأوقد النار ببابها، فأخبر أبو موسى بذلك، فخرج فزعًا فقال له: ما بالك؟ فقال: أمرني أمير المؤمنين أن أضرمها عليك نارًا لالتزامك القضاء فيها، ثم انصرف الرسول فلم يعد أبو

стр. 4140

موسى إلى القضاء في داره؛ فلا ينبغي للقاضي أن يقضي إلا في المسجد، فإن ضمته ضرورة للقضاء في داره؛ فتح بابه، ولم يحتجب عن أحد. وفيها: لا بأس بيسير الأسواط أدبًا في المسجد، وأما الحدود وشبهها؛ فلا. قلت: أكره مالك للقاضي إن دخله هم أو نعاس أو ضجر أن يقضي إلا في المسجد، قال: سمعته يقول: لا ينبغي له أن يكثر جدًا؛ يريد: أن لا يحمل على نفسه لا يقضي، وبه هم يقضي عن الفهم إلا ما خف مما لا يضر به. اللخمي والصقلي عن الأخوين: لا بأس أن يتخذ أوقاتًا يجلس إلى الناس فيها، وينظر في ذلك بما هو أرفق به وبالناس. الصقلي عن الأخوين: ولا يجلس للقضاء بين المغرب والعشاء، ولا بالأسحار ما علمنا من فعله من القضاة إلا لأمر يحدث بتلك الأوقات؛ فلا بأس أن يأمر فيها، وينهى ويسجن، ويرسل الأمين والشرط، أما الحكم؛ فلا، ولأشهب: لا بأس أن يقضي بين المغرب والعشاء إن رضي الخصمان، أما إن تكلف الكاره الخصوم؛ فلا، ولا بأس أن يقضي بعد الأذان بالظهر والعصر، والمغرب والعشاء والصبح، ويرسل إلى الخصم ليحضره في بعض هذه الساعات، فيقضي عليه، ونقله المتيطي بلفظ يقضي عليه شاء أو أبى، وهو مناف لأول قوله. اللخمي: لا يجلب إلى الخصومة بين العشاء ولا بالأسحار، ولا فيما يخاف فواته، والضرر لتأخيره، أو ليمين يخاف حنث حالفها، ولا يجلس أيام العيد. قال محمد بن عبد الحكم: ولا قبلها كيوم التروية وعرفة؛ يريد: وإن لم يكونوا في حج، ولا يوم خروج الحاج بمصر؛ لكثرة من يشتغل يومئذ بمن سافر، وكذا في الطين والوحل، وكل هذا ما لم يكن ضرورة بمن نزل به أمر، فعلى القاضي أن يبعث وراء الخصم وينظر في مسألته. اللخمي: لا بأس أن يحكم، وهو ماش في مسألة نص، وما تحته من مسائل

стр. 4141

الاجتهاد، ولا يجوز فيما يحتاج لروية. الصقلي: اختلف هل يقضي في الطريق؟ فقال أشهب: لا بأس بقضائه، وهو ماش إن لم يشغله المسير، وزحمة الناس، والنظر إليهم، وقال سحنون: لا يقضي وهو ماش، ولا يكلم أحدًا من الخصوم، ولا يقف معه. قلت: ففي جوازه ماشيًا ثالثها في مسألة نص أو خفيف اجتهاد لأشهب وسحنون. واللخمي عن المذهب قال: ولا يجلس للقضاء، وهو على صفة يخاف بها أن لا يأتي بالقضية صوابًا، وإن نزل به في قضائه تركه؛ كالغضب والضجر والهم والجوع والعطش والحقن، وإن أخذ من الطعام فوق ما يكفيه؛ لم يجلس. قلت: يريد: إن أدخل عليه تغييرًا قال: وأصل ذلك قوله ﷺ : "لا يحكم أحد بين اثنين وهو غضبان"، أخرجه البخاري، قلت: ومسلم من حديث أبي بكرة. قلت: اتفق العلماء على إناطة الحكم بأعم من الغضب، وهو الأمر الشاغل، وإلغاء خصوص الغضب، وسموا هذا الإلغاء، والاعتبار بتحقيق المناط. المتيطي في كتاب القرويين: إن حكم وهو غضبان؛ جاز حكمه خلاف الداودي، وفرق ابن حبيب بين الغضب الكثير واليسير. اللخمي: اختلف إن دخله ضجر، فقال ابن عبد الحكم: لا بأس أن يحدث جلساءه إذا مل يروح قلبه، ثم يعود للحكم، وقال ابن حبيب: يقوم والأول أحسن، وهو أخف من قيامه، وصرف الناس. قلت: هذا إن ناله ذلك في أول مجلسه، ولأن ما مضى له ما له بال؛ فالثاني أصوب، وعن الصقلي: الأول لأشهب، والثاني للأخوين. اللخمي: لا يحكم متكئًا؛ لأن فيه استخفافًا وللعلم حرمة.

стр. 4142

المتيطي: ينبغي أن يكون جلوسه في مجلس حكمه متربعًا أو محتبيًا. وروى محمد: لا بأس أن يقضي، وهو متكئ، وعزاه الباجي لأشهب. زاد الشيخ في النوادر: ولسحنون قيل لإسماعيل القاضي: هل ألفت كتابًا في آداب القاضي؟ قال: إذا قضى القاضي بالحق؛ فليقعد في مجلسه كيف شاء ويمد رجليه. اللخمي والجلاب: ينبغي أن لا يحكم إلا بحضرة الشهود؛ ليحكم بشهادتهم لا بعلمه. اللخمي: وإن كان ممن يقضي بعلمه، فأخذه بالمتفق عليه أحسن، قال: واختلف فيه جلوس أهل العلم معه، فقال أشهب ومحمد: لا أحب أن يقضى إلا بحضرتهم ومشورتهم، وكان عثمان ﵁ إذا جلس للقضاء أحضر أربعة من الصحابة، ثم استشارهم، ومنعه الأخوان، وإذا قام من مجلسه استشارهمـ واختار إن لم يدركه الخصمان بحضورهم، فحضورهم أحسن، وإلا لم يحضرهم إلا أن يكون مقلدًا؛ فلا يقضي بغير حضرتهم. محمد: ولا يدع مشاورة أهل الفقه. المازري: ينبغي أن يستشير، ولو كان عالمًا، واختار بعضهم كونه ذوي مذاهب مختلفة؛ لأنه ادعى للعثور على الأوضح، ثم قال: إن كان حضورهم يوجب حصره؛ لم يختلف في عدمه، وإن كان بليدًا ببلادة لا يمكنه بها ضبط قولي الخصمين، وتصور حقيقة دعواهما؛ لم يختلف في حضورهم إياه، وكان عندنا قاض اشتهرت بالأمصار عدالته ونزاهته، ولم يطعن في عدالته ونزاهته عما في أيدي الناس طاعن يحضر إلى محاضر حرثه بين خصمين عنده كلف أحدهما إثبات دعواه، فأثبتها ببينة، فجرحها خصمه، فأتى ببينة اعتذروا عن التجريح، وطال خصامهم، فوجدت المحاضر تتضمن أن الخصمين متفقان في المعنى، مختلفان في العبارة، ولم يفطن القاضي لهما حتى كلفهما ما تقدم ذكره، فنبهته على ذلك، فخجل منه، وارتفع الخصام، فمثل هذا لا بد أن يحضر أهل العلم أو كاتب يؤمن معه مثل هذا. قلت: قبول من هذه صفته القضاء جرحة، وقبل ابن عبد السلام قول ابن

стр. 4143

الحاجب: لا يفتي الحاكم في الخصومات، وقال ابن عبد الحكم: لا بأس به كالخلفاء الأربعة، وهو اختصار قول ابن شاس، ولا يجيب من سأله فيما يتعلق بالخصومات، واختار محمد بن عبد الحكم: أنه لا بأس أن يجيب بالفتيا في كل ما سئل عنه بما عنده فيه علم، واحتج بأن الخلفاء الأربعة كانوا يفتون الناس في نوازلهم. قلت: فحملوا قول ابن عبد الحكم على الخلاف، وعزا ابن المناصف القول بعدم جوابه فيما يتعلق بالخصومات إلى مالك، وابن حارث إلى سحنون، ثم ذكر قول ابن عبد الحكم إلى آخره، وقال: الكلام الأول النهي فيه عن فتيا القاضي في نفس الخصومات لأحد الخصمين، وكلام ابن عبد الحكم في فتياه في جملة الأشياء لم يعين الخصومة بعينها. وفي الواضحة للأخوين: لا ينبغي أن يدخل عليه أحد الخصمين دون صاحبه لا وحده، ولا في جماعة. الصقلي عن الأخوين: لا يشتغل في مجلس قضائه ببيع، ولا ابتياع لنسفه. أشهب: ولا لغيره إلا ما خف شأنه، وقل شغله، والكلام فيه، سحنون: وتركه أفضل، قالوا: لا بأس بذلك في غير مجلس قضائه له ولغيره، وما باع أو ابتاع في مجلس قضائه لا يرد إلا أن يكون أكره على ذلك أحدًا أو هضمه؛ فليرد، ولو كان بغير مجلس قضائه. المتيطي عن أشهب: إن اشترى الإمام العدل، أو باع من أحد شيئًا، ثم عزل أو مات؛ فالبائع والمبتاع منه مخير في الأخذ منه والترك، كذا وجدته في نسختين، ولم أجده في النوادر؛ بل فيها عنه إن عزل، والبائع والمبتاع مقيم بالبلد لا يخاصمه ولا يذكر مخاصمته لأحد، فلا حجة عليه والبيع ماض. الشيخ عن ابن حبيب: كتب عمر بن عبد العزيز: تجارة الولاء لهم مفسدة، وللرعية مهلكة، قال عبد الله بن عمرو بن العاص: يقال: من أشراط الساعة تجارة السلطان. ابن شاس: الأدب السابع أن لا يشتري بنفسه، ولا بوكيل معروف حتى لا

стр. 4144

يسامح في البيع. قال محمد بن عبد الحكم: لا فرق بين شرائه بنفسه، وبين وكيله بذلك، قال: ولا يوكل إلا من يأمن على دينه؛ لئلا يسترخص له بسبب الحكم وما أشبه ذلك. قلت: ظاهر أقوال أهل المذهب ورواياته جواز شرائه وبيعه في غير مجلس قضائه، وما ذكره ابن شاس لا أعرفه لغيره، وذكره المازري عن الشافعي لا عن ابن عبد الحكم، ولا أحد من أهل المذهب، وما تقدم للمتيطي عن أشهب: أن من بايعه في ولايته له؛ عليه الخيار بعد عزله هو نحو من نقل ابن شاس عن ابن عبد الحكم، وللشيخ عن الأخوين: وليتنزه عن طلب الحوائج والعواري من ماعون ودابة والسلف، وأن يقارض، أو يبضع مع أحد، أو يبايعه إلا ما لا يجد منه بدًا، والأمر الخفيف ما لم يكن ممن يخاصم عنده، أو من تجر إلى من يخاصم عنده، وقاله أصبغ. الشيخ عن الأخوين: لا ينبغي له أن يجيب الدعوة إلا في الوليمة، وتركه الأكل أحب إلينا من غير تحريم ولا تضييق عليه إن أكل، ولأشهب: لا بأس أن يجيب الدعوة العامة كانت لوليمة أو صنيع عام لفرح، فأما لغير فرح؛ فلا، وكأنه دعي خاصة، وغيره وسيلة له. سحنون: يجيب العامة لا الخاصة، والتنزه أحسن. وفي الموازية: كره له أن يجيب أحدًا، وهو في الدعوة الخاصة أشد من دعوة العرس، وكره مالك لأهل الفضل أن يجيبوا كل من دعاهم. الشيخ عن أشهب: لا يقبل هدية من خصم، ولو كان قريبه وغير الخصم. قال سحنون: يجوز من ذي رحم أبويه، وابنه وخالته، وعمته وبنت أخيه، ومن لا يدخل عليه به ظنه، ومثله في الموازية والواضحة للأخوين: لا ينبغي أن يقبل هدية من أحد، ولو ممن كانت تجري بينه وبينه قبل ذلك، ولا من قريب، ولا من صديق، وإن كافأ بأضعافها إلا مثل الوالد والولد، وأشباههم من خاصة القرابة. أشهب في المجموعة: لا ينبغي أن يقبلها من غير خصم إلا أن يكافئه بمثلها، وذو الرحم كغيره لا يقبلها إلا أن يكافئه بمثلها.

стр. 4145

وقال ابن عبد الحكم: لا بأس بقبولها ممن عرف قبوله منه قبل ولايته من إخوانه. قلت: ففي جواز قبوله إياها من شبه الوالد والولد فقط، وإلحاق الخالة والعمة وبنت الأخ بهم ثالثها: كمن يكافئه بمثلها قرب أو بعد، ورابعها: ممن عرف قبوله من قبل ولايته. للأخوين وسحنون وأشهب وابن عبد الحكم في طرر ابن عات إثر هذا الفصل: ابن حبيب: للإمام أخذ ما أفاده العمال، ويضمه إلى ما جبوا قال: وكل ما أفاده الوالي من مال سوى رزقه في عمله، أو قاض في قضائه، أو متولي أمرًا للمسلمين؛ فللإمام أخذه للمسلمين، وكان عمر ﵁ إذا ولى أحدًا أحصى ماله؛ لينظر ما يزيد، ولذا شاطر العمال أموالهم حيث كثرت، وعجز عن تمييز ما زادوه بعد الولاية، قاله مالك، وشاطر أبا هريرة وأبا موسى وغيرهما. ابن عبد الغفور: ما أهدي للفقيه من غير حاجة؛ جائز قبوله، وما كان لرجاء العون في مسألة على خلاف المعمول به؛ لم يحل قبولها، وهي رشوة، وكذا ما أهدى له ذو خصومة ليعينه فيها، وقال بعض المتأخرين: ما أهدي للمفتي إن كان ينشط للفتيا أهدي له أم لا؟ فلا بأس به، وإن كان إنما ينشط إذا أهدي له؛ فلا يأخذها، وهذا ما لم تكن خصومة، والأحسن أن لا يقبل من صاحب فتيا؛ وهو قول ابن عيشون، وكان يجعل ذلك رشوة. قلت: قد يخفف قبولها لمن كان محتاجًا، ولاسيما إن كان اشتغاله بأصولها يقطعه عن التسبب، ولا رزق له عليها من بيت المال، وعليه يحمل ما أخبرني به غير واحد عن الشيخ القيه إلى علي بن علوان أنه كان يقبل الهدية، ويطلبها ممن يفتيه. وفي الطرز: وظاهره لابن عيشون، ومن هذا انقطاع الرغبة للعلماء والمتعلقين بالسلطنة؛ لدفع الظلم عنهم فيما يهدونه لهم، ويخدمونهم هو باب من أبواب الرشوة؛ لأن دفع الظلم واجب على كل من قدر على دفعه عن أخيه المسلم وعن الذمي. قال ابن عيشون: أجاز بعضهم إعطاء الرشوة إذا خاف الظلم على نفسه، وكان محقًا.

стр. 4146

قلت: يقوم من هذا من قولها: وإن طلب السلابة طعامًا، أو ثوبًا، أو شيئًا خفيفًا رأيت أن يعطوه. ابن عبد الغفور في كتاب الأوائل: أول من رشى في الإسلام. المغيرة بن شعبة قال: إن كان ليفرق الدرهم في يدي أعطيته؛ فلا يستبان لي على عمر، ويروى أول من قبل الرشوة في الإسلام، وفي اختصار الواضحة عن الأخوين: لا ينبغي له أن يكثر الدخال عليه، ولا الركاب معه، ولا المستحقون له في غير ما خاصته كانت منهم به قبل ذلك إلا أن يكونوا أهل أمانة ونصيحة وفضل، فلا بأس بذلك، ويمنع أهل الركوب معه في غير حاجة، ولا رفع مظلمه، ولا خصومة، ويقام من جلس مجلسه مدعيًا أنه يريد التعلم أقضيته؛ لأنه من حيل مستأكلي الناس إلا من كان مأمونًا مرضيًا، وينبغي أن لا يتضاحك مع الناس، وأن يكون فيه عبوسة بغير غضب، ويلزم التواضع في غير وهن ولا ضعف، ويتقدم إلى أعوانه، ولو استغنى عنهم؛ كان أحب إلي، ولم يكن لأبي بكر ولا عمر أعوان، وكان عمر يطوف وحده إلا أن يضطر إلى الأعوان، فليخفف منهم ما استطاع. وفي الزاهي: ينبغي أن يتفقد من يركب خلفه؛ لئلا يدلس بهم على الناس أو يدلسوا، ولا يقبل الإسرار إلا عن الأخيار، ولا يطرق له إذا ركب، ولا يسرع المسير؛ فإنه يذهب بهاء الوجه. ولابن حبيب عن الأخوين: إن شتم أحد الخصمين صاحبه عند القاضي، أو أسرع إليه بغير حجة كقوله: يا ظالم يا فاجر؛ فعليه زجره وضربه إلا إذا مروءة في فلتة منه، فلا يضربه؛ لأنه إن لم ينصف الناس في أعراضهم؛ لم ينصفهم في أموالهم. قلت: ظاهره: انحصار الحق للخصم، والحق أن فيه حقًا لله؛ لأنه إهانة لمجلس الشرع. سمع ابن القاسم: إن ألد أحد الخصمين بصاحبه، وتبين ذلك ونهاه؛ فللقاضي أن يعاقبه. ابن رشد: لأن إلداده إذاية وإضرار توجب على الإمام أن يكفه، ويعاقب عليه بما

стр. 4147

يراه، ومثله في سماع أشهب وأصبغ، وفي حفظي عن بعضهم إن قال لخصمه: ظلمتني أو غصبتني ونحوه بالفعل الماضي أو تظلمني؛ فلا شيء عليه، وإن قال: يا ظالم ونحوه باسم الفاعل؛ أدب إن لم يترجم. وسمع أيضًا: أرأيت من يقول للقاضي: ظلمتني، قال مالك: يختلف، ولم يجد فيه تفسيرًا إلا أن وجه ما قال: إن أراد أذاه، والقاضي من أهل الفضل عاقبه، وما ترك ذلك حتى خاصم أهل الشرف في العقوبة في الإلداد. ابن رشد: للقاضي الفاضل العدل أن يحكم لنفسه، والعقوبة على من تناوله بالقول، وأذاه بأن ينسب إليه الظلم والجور مواجهة بحضرة أهل مجلسه بخلاف ما شهدته عليه أنه آذاه وهو غائب؛ لأن مواجهته من قبيل الإقرار، وله الحكم بالإقرار على من انتهك ماله، وإذا كان له الحكم بالإقرار في ماله؛ كالحكم لغيره، كأن جرى أن يحكم بالإقرار في عرضه، كما يحكم به في حكم عرض غيره؛ لما في ذلك من الحق لله؛ لأن الاجتراء على الحكام بمثل هذا توهين لهم، فالمعاقبة فيه أولى من التجافي، وهو دليل قوله: وما ترك ذلك حتى خاصم أهل الشرف في العقوبة في الإلداد؛ ولذا قال ابن حبيب: العقوبة في هذا أولى من العفو. الشيخ: لابن سحنون عنه: إن قال الخصم لمن شهد عليه: شهدت علي بزور، أو بما سألك الله عنه، أو ما أنت من أهل الدين، ولا من أعمل العدالة؛ لم يكن ذلك لأهل الفضل، ويؤدب المعروف بالإذاية بقدر جرمه، وقدر الرجل المنتهك حرمته، وقدر الشاتم في إذاية الناس، وإن كان من أهل الفضل، وذلك منه فلتة تجافى عنه، ولابن كنانة: إن قال له: شهدت علي بزور، فإن عنى أنه شهد عليه بباطل؛ لم يعاقب، وإن قصد أذاه أو الشهرة به؛ نكل بقدر حال الشاهد والمشهود عليه. ابن عبد الحكم: إن قال للقاضي: اتق الله؛ فلا ينبغي أن يضيق لذلك، ولا يكثر عليه، وليثبت ويجيبه جوابًا لينًا يقول رزقني الله تقواه، أو ما أمرت إلا بخير، أو من تقوى الله أن آخذ منك الحق إذا بان لي، ولا يظهر لذلك غضبًا. الشيخ عن ابن عبد الحكم: وأحب إلي أن يجعل القاضي رجالًا من إخوانه يثق بهم

стр. 4148

وبصدقهم ومعرفتهم يخبرونه بما يقول الناس فيه من خلفه، وما ينكرونه من أموره. [باب ما يقضى فيه بالصفة في الشهادة] وشاهد الزور: الشاهد بغير ما يعلم عمدًا، ولو طابق الواقع كمن شهد بأن زيدًا قتل عمرًا، وهو لا يعلم قتله إياه، وقد كان قتله، ولو كان لشبهة لم يكنه، وقول الباجي: من ثبت عليه أنه شهد بزور، فإن كان بنسيان أو غفلة؛ فلا شيء عليه، ومن كثر ذلك منه؛ ردت شهادته، ولم يحكم بفسقه؛ يقتضي أن غير العامل شاهد زور، ويرد بما في استحقاقها إن شهدوا بموت رجل، ثم قدم حيًا، فإن ذكروا عذرًا كرؤيتهم إياه صريعًا في قتلى، أو قد طعن، فظنوا أنه مات؛ فليست شهادتهم زورًا، وإلا فهم شهداء زور. وفي شهاداتها: إن أخذ شاهد الزور ضرب قدر ما يراه الإمام، ويطاف به في المجالس. ابن القاسم: يريد: في المجلس الأعظم. ابن وهب: كتب عمر إلى عماله بالشام: إن أخذتم شاهد زور؛ فاجلدوه أربعين وسخموا وجهه، وطوفوا به حتى يعرف الناس، ويطال حبسه، ويحلق رأسه. الباجي عن ابن عبد الحكم: يضرب ضربًا موجعًا. ابن كنانة: ويكشف عن ظهره، قال مالك: ويطاف به، ويشهر في الأسواق والمساجد والجماعات ويسجن، وروى مطرف: لا أرى الحلق والتسخيم. قلت: في إتيان سحنون برواية ابن وهب إياه عن عمر ميل منهما إليه. اللخمي: اختلف في عقوبته إن أتى تائبًا، ولم يظهر عليه. قال ابن القاسم: من رجع عن شهادته، ولم يأت بعذر لو أدب كان لذلك أهلًا.

стр. 4149

وقال سحنون: لا يعاقب لو عوقب؛ لم يرجع أحد عن شهادته خوف العقوبة كالمرتد؛ يريد أنه لا يعاقب إن رجع للإسلام. ولمالك في المبسوط: من سأل عن إصابة أهله في رمضان؛ لا يعاقب؛ لأنه ﷺ لم يعاقبه. أبو عمر: أجمعوا أن شاهد الزور إن لم يكن له مخرج بغفلة أو خطأ أو نسيان؛ أنه يؤدب. قلت: ظاهره: ولو جاء تائبًا، وهو خلاف ما تقدم عن سحنون في نقل اللخمي قوله ذلك في العتبية، ونحوه قول المتيطي: إن رجع الشاهد عن شهادته قبل الحكم، وقال: شبه علي إن كان عدلًا مأمونًا؛ قبل رجوعه، وإن كان بغير هذه الصفة؛ قال ابن القاسم وعبد الملك: أدب أدبًا وجيعًا. ولابن القاسم في موضع آخر: لو أدب؛ لكان أهلًا، وقال ابن عبد الحكم وأشهب وسحنون: لا يؤدب؛ لأنه داعية إلى أن لا يرجع أحد عن شهادته، وروى مثله ابن الجلاب، وبه مضى العمل بقبول شهادته إن تاب. عبارات ابن رشد: ظاهر سماع أبي زيد ابن القاسم: إن عرفت منه توبة وإقبال، وتزيد في الخير؛ قبلت شهادته خلاف قولها: لا يجوز أبدًا، وإن تاب وحسنت حاله، وقيل معنى السماع: إن أتى تائبًا مقرًا على نفسه قبل أن يظهر عليه، ومعنى ما فيها إن ظهر عليه. اللخمي: إن أتى تائبًا، ثم انتقل حاله لخير وصلاح؛ قبلت إلا أن يكون عرف قبل ذلك بالخير والصلاح؛ فلا يقبل، ولأصبغ: لا تقبل أبدًا إن أقر بشهادة الزور، واختلف إن ظهر عليه، ثم تاب، وانتقل لخير وصلاح، فقال محمد آخر قولي ابن القاسم: لا يقبل.

стр. 4150

الباجي: روى ابن القاسم فيها، وأشهب وابن نافع في الموازية: لا تقبل، وفي الموازية لابن القاسم: له تقبل إن تاب، وأظنه لمالك، وعن ابن عبد الحكم: ويكتب القاضي بذلك كتابًا يجعله على نسخ تكون بأيدي ثقات. المتيطي: لم يصحب سماع أبي زيد عمل. قلت: ففي قبول شهادته بتوبته بتزيده صلاحًا لم يكن له ثالثها: إن أتى تائبًا لا إن ظهر عليه؛ لسماع أبي زيد مع نقل اللخمي غير معزو كأنه معروف المذهب، وله عن أصبغ مع الباجي عنها، وعن رواية الأخوين، ونقل ابن رشد. الباجي: وإذا قلنا: تقبل شهادته إذا تاب، فقال محمد: تعرف توبته بالصلاح والتزيد في الخير، وأشار إليه ابن الماجشون. قلت: في اختصار الواضحة عنه: إن كان من أهل الفضل ظاهر العدالة؛ سقطت شهادته أبدًا، وإن أظهر توبة وازداد صلاحًا وفضلًا؛ لأنه كان كذلك يوم اطلع عليه بالزور، ومن لم يكن بهذه الحال، ولا يعرف بالفضل؛ جازت شهادته إن ظهرت منه التوبة والصلاة والبين، والعدالة الظاهرة. ولابن شاس عن محمد بن عبد الحكم: من صح أنه شهد بالزور، ويأخذ على شهادته الجعل؛ طيف به في جموع الناس، وضرب ضربًا وجيعًا، ولا يحلق شعره، ولا تجوز شهادته أبدًا إن كان ظاهر العدالة حين شهد؛ لأنه لا يكاد تعرف توبته. واختصره ابن الحاجب فقال: ابن عبد السلام: قال بعض الشيوخ: كما أشار إليه المؤلف إن كان ظاهر العدالة؛ لم تقبل توبته فلا خلاف، وإن كان غير ظاهر فقولان. وقال ابن رشد بالعكس: إن كان العدالة فقولان، وإن لم يكن ظاهرها؛ لم يقبل أبدًا قولا واحدًا، والطريق الأول أنسب للفقه، والثانية أقرب لظاهر الروايات؛ لأن محمدًا قال: تعرف توبته بالصلاح والتزيد في الخير، وأشار إليه ابن الماجشون: لأن (تزيد الخير) لا يكون إلا في ظاهر العدالة. قلت: ما ذكره عن ابن رشد لا أعرفه له ولا لغيره. قال في المقدمات ما نصه: وأما شاهد الزور أبدًا، وإن تاب وحسنت حاله، قاله في

стр. 4151

المدونة، ولأبي زيد عن ابن القاسم: تجوز شهادته إن تاب، وعرفت توبته بتزيد حاله في الصلاح. قال: ولا أعلمه إلا قول مالك، فقيل ذلك اختلاف من القول، وقيل: رواية أبي زيد: إن أتى تائبًا قبل أن يظهر عليه، وهو الأظهر، ونحو هذا له في أول مسألة من سماع يحيى، وقوله: وطريقة ابن رشد أقرب لظاهر الروايات؛ لأن (تزيد الخير) لا يكون إلا في ظاهر العدالة؛ يرد بأن إدراك (تزيد الخير) في المتصف بمطلق العدالة أبين وأوضح من إدراكه في المتصف بالعدالة الظاهرة؛ لأن زيادة الحركة على المتصف بمطلقها أوضح من زيادة الحركة على المتصف بكثرتها. الشيخ: لأشهب في المجموعة، وكتاب ابن سحنون: لا يجوز أن يقضي القاضي لنفسه. ولابن رشد في رسم تأخير الصلاة من سماع ابن القاسم: له الحكم بالإقرار على من انتهك ماله، فيعاقبه، ويتمول المال بإقراره، ولا يحكم بشيء من ذلك بالبينة. ودليله قطع أبي بكر الصديق يد الأقطع الذي سرق عقد زوجته أسماء لما اعترف بسرقته، هذه الرواية الصحيحة. وفي صحة حكمه لمن لا تجوز شهادته له ومنعه ثالثها: إلا لزوجته وابنه الصغير ويتيمه، ورابعها: المنع إن قال: ثبت عندي، ولا يدري أثبت أم لا؟ وإن حكم ببينة، وجاز في الثلاثة. للخمي مع الشيخ عن قوله: رأيته في كتاب أصبغ قائلًا: ولو لزوجته أو مدبره أو ولده أو مكاتبه، وهو من أهل القيام بالحق لا من أهل التهم. وقد يحكم للخليفة وهو فوقه، فهو اتهم فيه لتوليته إياه، ومطرف وابن الماجشون وأصبغ مرة. اللخمي: المنع أحسن، وهذا في المال وغيره مما تدرك فيه الحمية لم تجز بحال. وما اجتمع فيه حق له ولله في جواز حكمه بما هو لله؛ كمن شهد عنده عدلان بأنه سرق لا يقطع فيه في حكمه بقطعه قولا ابن المواز ومحمد بن عبد الحكم.

стр. 4152

قلت: هذا يوهم أن قول محمد إنما هو فيما شهد به عدلان. وفي النوادر ما نصه: قال أشهب في المجموعة: إن أخذ القاضي من سرقه، فله قطعه، ولا يحكم عليه بالمال، وكذا في الموازية. وفي المجموعة: وكذا في محارب قطع عليه الطريق، فليحكم عليه بحكم المحارب، ولو جاء تائبًا؛ سقط عنه حكم الله، ولا يستقيل السلطان منه لا بإقراره، ولا ببينة، ولا يرفعه لمن هو فوقه. قلت: وجدته في نسخة عتيقة من النوادر، ولا يرفعه لمن هو فوقه، والصواب: إن كان ذلك ببينة أن له رفعه لمن هو فوقه، ثم قال: لو كان السلطان أحد الشاهدين عليه بالحرابة، وأخذ قبل أن يتوب، فله أن يقيم عليه الحد، وأحب إليه رفعه لمن فوقه. وقال ابن عبد الحكم: قال ابن القاسم وأشهب: إن سرق من بيت القاضي، وقامت به عنده بينة؛ قطعه. قال محمد بن عبد الحكم: لا يقطعه. ابن حبيب عن الأخوين وأصبغ: إن تخاصم عنده خصمان له قبل أحدهما دين، فلا بأس أن يقضي بينهما إن كان غريمه مليًا، وإن كان عديمًا؛ لم يجز. اللخمي: إن شهد القاضي وآخر على أنه سرق؛ للقاضي رفعه لمن هو فوقه، فقطعه بشهادتهما، وأغرمه بشهادة الأجنبي مع يمين القاضي، وقيل في هذا الأصل: لا يقطع بشهادتهما؛ لأن شهادة القاضي تسقط للتهمة؛ فلا تتبعض الشهادة. وقول ابن شاس: لا يقضي على عدوه، ويحيل على غيره تبع فيه نص الغزالي في الوجيز، والأولى أن يتبع نص النوادر. قال ابن المواز: إذا حكم القاضي، فأقام المحكوم عليه بينة أن القاضي عدو له؛ فلا يجوز قضاؤه عليه، وهذا اللفظ أتم؛ لأنه بعد الوقوع. وفي نوازل ابن الحاج: قال الماوردي في الأحكام السلطانية: لا يشهد العدو على عدوه، ويحكم عليه؛ لأن أسباب الحكم ظاهرة، وأسباب الشهادة دقيقة. قال ابن الحاج: وهذا خلاف مذهب مالك، وخلاف ما في نوازل سحنون من

стр. 4153

أقضية العتبية في حكم القاضي على عدوه. وفي نظر من ولي في أحكام من قبله أسمعة وروايات حصلها ابن رشد في رسم الصبرة من سماع يحيى بأن قال القاضي: العد العالم لا تتصفح أحكامه، ولا ينظر فيها إلا على وجه التوجيه لها إن احتيج إلى النظر إليها لعارض خصومة، أو اختلاف في حد لا على وجه الكشف، والتعقب لها إن سأل ذلك المحكوم عليه، فتنفذ كلها إلا أن يظهر في شيء منها عند النظر إليها على الوجه الجائز أنه خطأ ظاهر لم يختلف فيه، فيرد ذلك، والقاضي الجائر ترد أحكامه دون تصفح، وإن كانت مستقيمة في ظاهرها إلا أن يثبت صحة باطنها. والقاضي العدل الجاهل تتصفح أحكامه، فما هو صواب أو خطأ فيه خلاف أنفذ، وما هو خطأ لا خلاف فيه رد. ويختلف في أحكام القضاة الذين لا ترضى أحوالهم، ولا تجوز شهادتهم إن لم يعلموا بالجور في أحكامهم، وفي أحكام أهل البدع والأهواء، فقال ابن القاسم والأخوان: هي كأحكام الجائر لا يمضي منها إلا ما علم صحة باطنة بالبينة العادلة. وقال أصبغ: كأحكام العدل الجاهل تتصفح، فيمضي منها ما كان صحيحًا في الظاهر. وحكى الفضل عن ابن الماجشون: أن القاضي الجاهل تتصفح أحكامه كالقاضي الجائر، وهو شذوذ. [باب في الخطأ الموجب لرد حكم العالم العدل] والخطأ الموجب لرد حكم العدل العالم: فسره اللخمي بما خالف نص آية أو سنة أو إجماع.

стр. 4154

قُلتُ: أو ما ثبت من عمل أهل المدينة؛ لأنه عند مالك مقدم على الحديث الصحيح عنده. وزاد المازري عن الشافعي: أو قياسًا لا يحتمل إلا معنى واحدًا. قال: والظاهر أنه يشير إلى القياس الجلي الذي لا يشك في صحته. وللشيخ عن ابن حبيب عن ابن الماجشون: من الخطأ الذي ينقض فيه حكم العدل العالم الحكم باستسعاء العبد لعتق بعضه، وبالشفعة للجار، وتوريث العمة والخالة والمولى الأسفل، وما يشبه ذلك، ولما ذكرها المازري قال: وابن عبد الحكم لا يرى النقض في شيء من هذه المسائل؛ لأن نقلها غير قطعي. وقول ابن الماجشون بعيد؛ لأن الاستسعاء ورد به حديث ثابت. الصقلي عن ابن عبد الحكم عن ابن القاسم: من طلق امرأته البتة، فرفعها لمن يراها واحدة، فجعلها واحدة، فزوجها البات قبل زوج، فلمن ولي بعده؛ أن يفرق بينهما، وليس هذا من الاختلاف الذي يقر الحكم به. وقال ابن عبد الحكم: لا ينقض ذلك كائنًا ما كان ما لم يكن خطأ محضًا. ابن حبيب: لا يعجبني ما انفرد به ابن عبد الحكم، ولو رفع من قتل رجلًا غيلة لقاض يرى فيه العفو، فأسلمه لأوليائه، فعفوا عنه؛ ففي منع من ولي بعده نقض حكمه قولا ابن القاسم وأشهب.

стр. 4155

ولابن رشد في ثالث مسألة من رسم الجواب من سماع عيسى: لا خلاف في نقضه حكم من قبله إن كان خطأ لم يختلف فيه، وغن كان اختلف فيه؛ لم يرده، وقيل: يرده إن كان شاذًا. وقال ابن الماجشون: يرد، وإن كان الخلاف قويًا مشهورًا إن كان خلاف سنة قائمة وتعقب ابن عبد السلام قول أهل المذهب: لا يتعقب حكم العدل العالم، ولا ينقض منه إلا ما خالف القطع بأن التعقب أعم من النقض نفي، فينتفى النقض، فكان ينقض منها ما خالف القطع. وأجاب: بأن مرادهم بالنقض المنفي هو نظر ما جهل من أحكامه، والنقض هذا ما علم بظاهره الخطأ، وهذا حسن افتقار التأويل عنه في نازلة نزلت بتونس في نحو عام ست وثلاثين وسبعمائه، وهي مسألة شيخنا ابن عبد الله بن الحباب كان حكم عليه قبل هذه المرة بنحو عشر سنين الشيخ الفقيه أبو إسحاق بن عبد الرفيع في جنة استحقها منه بنو البسطي في عنفوان كمال تمكنهم من دولة السلطان الأمير أبي يحيى: فحكم عليه في بناء أحدث بها بعد خروجها من يد أبي بني البسطي كان أحدثه القائد ابن يعقوب، وكان بناء رفيعًا، فحكم عليه فيه بقيمته منقوضًا مقلوعًا، فلما انتسخ تمكن بني البسطي طلب ابن الحباب أن يجعل له مجلسًا ينظر فيه في الحكم المذكور، فأمر به السلطان، واجتمعوا بدويرة جامع الزيتونة كل من ينطلق عليه اسم فقيه معتبر حينئذ حقيقة أو مجازًا، فلما اجتمعوا ورئس المجلس حينئذ القاضي ابن عبد السلام، وكان اعتذر للسلطان عن الحكم بينهما بأن شهادته تقدمت في الحكم المذكور، فصرف الحكم بينهما لقاضي الأنكحة حينئذ؛ وهو الشيخ أبو محمد الأجمي فقال لأهل المجلس: ما تشهدون به من حال الفقيه أبي إسحاق بن عبد الرفيع هل كان من قضاة العدل والعلم أم لا؟ فقال جلهم: هو من قضاة العدل والعلم، فقال لهم: أشهدوا علي بأني أمضيت حكمه هذا، وكل ذلك بمحضر الشيخ الفقيه ابن عبد السلام، فلم يتعرض له في ذلك لا بسؤال، ولا إنكار، فكان شيخنا ابن الحباب ينكر هذا الحكم أيضًا، ويحتج بما تقدم أن القاضي العدل العالم ينظر في حكمه المعين البين الخطأ، ولا أبين من خطأ الحكم بقيمة

стр. 4156

البناء منقوضًا في مذهب مالك ممن علم منه اتباعه وتقليده، وتقدم في الاستحقاق الجواب عن هذا، فتذكره. قال ابن الحاجب: لا يتعقب أحكام العدل العالم، ولا ينقض منها إلا ما خالف القطع، أو قامت البينة أن له فيه رأيًا، فحكم بغيره سهوًا. قُلتُ: تعليقه النقض على ما خالف القطع لا أعرفه، وعبارة المازري ما نصه: بالجملة إن تعارضت الأحاديث، وقدم بعضها على بعض بالترجيح الذي لا يصل إألى القطع، ولا يقاربه لم تتعرض الأحكام، وكذا إن تعارضت التأويلات، ولم يرجح بعضها على بعض إلا بالنظر الضعيف لم ينقض، وكذا الأقيسة هذا كشف القاضي عن هذا الأصل. وقد حكم شريح في ابني عم أحدهما آخ لأم بأنه أولى بالإرث فقال علي رضى الله عنه: ما دليلك على هذا؟ قال: قوله تعالى: ﴿وأُوْلُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ [الأنفال: ٧٥]، فرده علي عليه، ونقض حكمه، وهذا قد يحمل على أن عليًا رضى الله عنه حفظ خبرًا عنه ﷺ بخلاف حكم شريح أو ظاهر خبر كالنص أو قياسًا جليًا، وكذا لما ضاع لعلي رضى الله عنه يوم الجمل درع، فوجدها عند رجل، فترافعا لشريح، فشهد لعلي عبد الله بن جعفر ومولًا لعلي، فرد شريح شهادة مولاه له، فمديده، وأخذ الدرع كالمنكر على شريح وشهادة المولى لمولاه مع جواز شهادة ابن الأخ لعمه، وهو أقرب من المولى فرآه كالمخالف للقياس الجلي. وحكم عمر رضى الله عنه في الفريضة المشتركة؛ وهي زوج وأم، وأخوة لأم، وإخوة أشقاء بمشاركة الأشقاء الإخوة للأم قالوا له: هب أن أبانا كان حمارًا، وقضى أيضًا بأن لا مشاركة، فقيل له في ذلك، فقال: تلك على ما قضينا، وهذه على ما قضينا، ولم ينقض حكمه بحكمه لما كانت أدلة الحكمين متقاربة، وعلى هذا ينبغي أن يجري جميع الآثار. قُلتُ: فلم يقصر المازري النص على القطع، فنص ابن الحاجب عليه غير مستند لنص رواية تابعًا لابن شاس متعقب. وقول ابن الحاجب: أو قامت البينة على أن له فيه رأيًا، فحكم لغيره سهوًا ذكره

стр. 4157

ابن محرز وصوره بأن تعلم بينة حضرت حكمه قصده الحكم بشيء، فحكم بغيره وهلًا. قُلتُ: هذا على القول بصحة الشهادة بالفهم؛ واضح، وعلى القول بلغوها؛ فيه نظر. وتصويره بإقراره يوجب فيه إشكالًا؛ لأنه إن أقر بذلك في ولايته؛ وجب عليه إشهادة بنقضه بدل إقراره به، وتركه نقضه بعد إقراره؛ كرجوعه عن إقراره، فيبطل، وإن أقر بذلك بعد عزله؛ لم تقبل شهادته على حكم نفيه، فتأمله. وسمع ابن القاسم قوله في كتابه في قضاء: كان أخاه عاملان، فنظر فيه العامل الثالث، فجاءه رجل يستعين بالكتب إليه، فكتب إليه إن كان من قبلك فالغوه، فأنقذه لصاحبه. ابن رشد: هذا يدل على أن للفقيه المقبول القول الكتب للحاكم بالفتوى، وإعلامه بما يصنع، وإن لم يسأله الحاكم، وهذا في غير القضاة، وأما القضاة؛ فلا ينبغي الكتب إليهم بما يفعلانه إلا أن يسألوا؛ لأنه يؤدي إلى أنفذ تؤذي. وقوله: إن كان أمضاه بحق يدل على أنه أمره بالنظر فيما حكم به من قبله، فإن كان بحق أنقذه؛ فعلى هذا حكم حمل الحكام حمل أحكام العمال على الرد حتى يتبين أنها بحق، فتمضي وهو خلاف قولها: ما قضت به ولاة المياه جائز إلا أن يكون جورًا بينًا؛ لأنه يقتضي أنها على الإجارة؛ فلا ينظر فيها، ولا تتعقب، وهذا الاختلاف لإنما يصح في غير العدل في الولاة، فرآها مرة جائزة ما لم يتبين فيها جور، وهو مذهب أصبغ، ورآها مرة مردودة ما لم يتبين فيها الحق، وهو اختيار ابن حبيب قياسًا على الشهادة. وأما العدل منهم؛ فحكمه محمول على الجواز، ولا يرد منه إلا ما تبين فيه الجور اتفاقًا. قُلتُ: لازم قوله: أن الاختلاف إنما هو في غير العدل مع قوله: أنها على الإجارة، فلا ينظر فيها أن غير العدل ينظر في أحكامه، وهو خلاف ما حمله في رسم الصبرة من سماع يحيى، فتأمله.

стр. 4158

قال: ويحتمل أن يحمل ما في المدونة على العدل، وما في هذا السماع على غير العدل؛ فلا يكون اختلافًا. والذي أقول: أن ينظر إلى الأمير الذي ولاه، فإن كان عدلًا؛ فهو محمول على العدالة، وإن كان جائزًا؛ فهو يولي غير العدل، حمل على غير العدالة، وإن كان غير عدل، ولا يعرف بالجور في أحكامه، ولا بتوليته غير العدل؛ جرى على الاختلاف في جواز أحكامه. الشيخ: من خالف على إمام، وتغلب على بعض الكور، وولى قاضيًا فقضى، ثم ظهر عليه؛ فأقضيته ماضية إن كان عدلًا إلا خطأ لا خلاف فيه، وكل قضاء بحق لا يحل فسخه، وقاله أصبغ. قُلتُ: لم يجعل في قبوله الولاية المخالف على الإمام جرحه خوف تعطيل الأحكام. قال ابن رشد في السماع المذكور: واختلف شيوخنا في أحكام ولاية الكور مثل القواد، فأمضاها أبو إبراهيم، ولم يجزها اللؤلؤي حتى يجعل له من القيادة، والنظر في أمور الكورة النظر في الأحكام. واستحسن ابن أبي زمنين إن كان للكورة قاض قد أفرد النظر في الأحكام؛ أن لا يجوز حكم الولاة، وإن لم يكن لها قاض؛ أن يجوز حكمهم؛ لما للناس في ذلك من الرفق، وهو أحسن الأقوال إلا أن تولية القاضي مع القائد دليل على أنه حجر عليه النظر في الأحكام، وإن لم يول معه فيها حكم؛ وجب أن يجوز حكمه؛ كقول مالك في ولاة المياه. وجزم القاضي بحكم شرعبي على وجه مجرد إعلامه به، وهو فتوى لا حكم، وجزمه به على وجه الأمر به حكم. وفي شرطه يكون متعلقة تغيير أمر عن حاله أو لا، قولا ابن الماجشون وابن القاسم. اللخمي: ما هو ترك لما فعل، وإمساك عن الحكم بغير الفاعل؛ كالحنث بالطلاق

стр. 4159

قبل النكاح، والعتق قبل الملك، ونكاح المحرم، والحكم بالقسامة، فحكم حاكم بإمضاء النكاح، واستمرار الرق، ثم رفع لمن يرى خلاف ذلك؛ فليحكم به، ولا يمنعه من ذلك ترك الأول، قاله ابن الماجشون، ورأى أن الترك ليس بحكم، وقال ابن القاسم في كتاب النكاح: ذلك حكم، وفسخه الثاني خطأ، وهو أحسن؛ لأن الأول حكم بحلية الزوجة لزوجها، وملك العبد لسيده. قلت: وإجراء قوليهما على قول بقاء الأعراض، وقول جمهور أهل السنة بعدمه تكلف، وإن أشبه ما ذكر المازري من إجراء عد الأرباح حاصلة يوم ملك أصلها أو الشراء، أو يوم حصولها على الكمون، والظهور في مسألة الأعراض، وله نحو هذا في كتاب الوكالات. اللخمي: وقال محمد: إن حكم القاضي بشاهد ويمين، ثم ولي آخر بعده؛ ففسخه كان للثالث فسخ نقض الثاني، قال: وهذا عظيم أن يرد ما حكم به رسول الله ﷺ قال: وإن قال الأول: لا أحكم بشاهد ويمين، ثم ولي آخر يرى الحكم بالشاهد واليمين؛ كان له الحكم به؛ يريد: أن الأول من باب الترك، وتقدم قول ابن القاسم أن الترك حكم. ابن شاس: لو رفع إليه نكاح امرأة زوجت نفسها بغير ولي، فقال: أنا لا أجيزه، ولا أحكم بفسخه؛ فهذا ليس بحكم، ولكنه فتوى، فتتبعه ابن الحاجب. قال ابن عبد السلام: هذا متفق عليه، ونحوه لابن برهان. قُلتُ: مقتضى جعله فتوى أن لمن ولي بعده أن ينقضه ضرورة أنه لم يحكم به للأول؛ والظاهر أنه لا يجوز للثاني نقضه؛ لأن قول الأول حين رفع إليه لا أجيزه، ولا أفسخه حكم منه بفسخه بأنه مكروه، والكراهة أحد أقسام الشرع الخمسة يجب رعي كل حكم منها ولازمه، وحكم المكروه عدم نقضه بعد وقوعه، ولا سيما على قول ابن القاسم في حكم الحاكم إذا كان متعلقه تركًا، ولما كان حكم الحاكم إنما يتعلق بجزئي لمن لم يكن حكم حاكم ثان بنقيض حكم الأول في جزئي آخر نقضًا لحكمه، وكذا قال المازري: كان أبو بكر يسوي في العطاء من الفيء بين الشريف والمشرف، فلما ولي عمر فاضل بين الناس، فلما ولي علي سوى بينهم، فلم يكن اختلافهم نقضًا لقضاء

стр. 4160

بعضهم بعضًا. قُلتُ: تقدم في الجهاد سؤال ابن رشد في فعلي الشيخين في أهل الردة، فقد كره ابن شاس: إن رفع لقاض رضاع كبير، فحكم بأن رضاع الكبير يحرم، وفسخه نكاحه لذلك، فالقدر الذي ثبت من حكمه هو فسخ النكاح فقط لا تحريمها عليه في المستقبل؛ بل هو باق لتعلق الاجتهاد فيه، وكذا فسخه نكاح، وتحريمها على زوجها الثابت من حكمه فسخه لا تحريمها عليه، وتبعه ابن الحاجب وقبلوه. قُلتُ: وهو صواب في مسألة المعتدة، وأما في نكاح الكبير فغير صحيح، أو فيه نظر، وبيانه أن علة منع حكم الثاني بخلاف حكم هي كون حكم الثاني رافعًا لمتعلق حكم الأول بالذات، وهذا لأنه دار معه وجودًا وعدمًا. أما وجودًا: ففي أمثال حكم الحاكم الثاني يكون المبتاع الأول فيما باعه الآمر، والمأمور أحق بالمبيع، ولو قبضه المبتاع الثاني بعد حكم الحاكم الأول بأن قابضه أحق. وأما عدمًا: ففي جواز حكم عمر وعلي رضى الله عنهما بخلاف ما حكم به من قبلهما في قسم الفيء، وتقرر في أصول الفقه اعتبار الدوران إذا ثبت هذا ونظرنا وجدنا حكم الثاني في حكم الناكح في العدة غير رافع لنفس متعلق حكم الأول؛ لأن متعلق حكمه بالذات الفسخ، والتحريم تابع له؛ فلم توجد علة منع حكم الثاني فيها، ووجدنا حكم الثاني في مسألة رضاع الكبير رافعًا لنفس متعلق حكم الحاكم الأول بالذات، وهو تحريم رضاع الكبير، فسخ نكاحه تابع المتعلق لهذا بالذات لا أنه متعلق حكمه بالذات، فيجب منع حكم الثاني عملًا بالعلة الموجبة لمنعه، فتأمله. وفيها: أكان مالك يرى للقاضي بقضية تبين له أن غير ما قضى به أصوب أن يرد قضيته، ويقضي بما رأى بعد ذلك، ولو كان ما قضى به مما اختلف فيه؛ قال: إنما قال: إن تبين له أن الحق غير ما قضى به؛ رجع فيه، وإنما لا يرجع فيما قضت به القضاة مما اختلف فيه. ابن محرز: قال ابن الماجشون وسحنون وغيرهما: لا يجوز له فسخه، وهذا أحسن، وإلا لم يوثق بحكم.

стр. 4161

ابن رشد في رسم الجواب من سماع عيسى: إن أرى خلاف ما قضى به باجتهاده؛ فالمشهور إن أرى ما هو أحسن نقضه، ورجع إلى ما رأى ما دام في ولايته، ولو كان قضاه أولًا مما اختلف فيه، وقال ابن عبد الحكم: لم يختلف أصحابنا في ذلك، وأنا لا أراه وقضاؤه؛ كقضاء غيره لا يرجع عما اختلف فيه إلى ما هو أحسن منه حتى يكون خطًأ صراحًا، ولم يعجب ابن حبيب ما انفرد به ابن عبد الحكم، وحمل فضل المدونة على قول ابن عبد الحكم، وحملها غيره على ما أجمع عليه أصحاب مالك سواه، والأمر محتمل على رواية: لا يَرجع بفتح الياء، وعلى رواية: يُرجع بضم الياء؛ لا يحتمل قول ابن عبد الحكم. وقال ابن سحنون: إنما يرجع في قضائه إذا اختلف فيه إن قضى به وهلًا أو نسيانًا، وهو يرى خلافه، ولو كان رأيه يوم قضى به؛ لم يرجع فيه، وقضى في المستقبل بما رأى، والذي أقوله: أن الخلاف في رجوعه عنه ما دام على قضائه بحاله؛ إنما هو إذا قضى، وهو يراه باجتهاده يوم قضى به، وأنه جار على الخلاف في تصويب المجتهدين، ولو قضى به وهلًا أو نسيانًا؛ فلا يسع الخلاف في أنه لا يصح له الرجوع عنه إلى تقليد آخر، فهي ثلاثة أوجه وجه يرجع فيه، ومقابله اتفاقًا فيهما ومختلف فيه، ولا خلاف في أنه لا يرجع ما دام في ولايته فيما قضى به مما لم يختلف فيه كان اجتهادًا أو وهلًا أو نسيانًا. المتيطي عن ابن زمنين: من المختصرين من تأول المدونة على أنه ينقض ما حكم به، وإن أصاب قول قائل من العلماء، وتأول بعضهم: لأنه لا ينقض ما وافق فيه قول قائل من العلماء، وهذا أقرب للفظها. المتيطي: على هذا اختصرها حمديس، وعلى الأول اختصرها الشيخ، ولفظه: إن بان له أنه أخطأ في قضائه نقصه، وإن أصاب قول قائل ابن أبي زمنين أكثر أصحاب مالك على أنه إن قضى بقضية، ثم رأى ما هو أحسن منه؛ فله أن يرجع إلى أحسن ما رأى، وإن كان الأول مما اختلف فيه. قُلتُ: ظاهر لفظ المدونة: أنه إنما يرجع في حكمه إذا تبين له أن الحق في غير ما قضى به لا فيما تبين له أنه راجح، وظاهر لفظ ابن أبي زمنين وابن رشد: أن له نقض

стр. 4162

حكمه الأول إذا تبين له أن ما ظهر له ثانيًا أحسن وأصوب، وهو نص سماع أصبغ قال له: تغيير حكمه الأول إذا رأى أحسن منه، وظاهر لفظ المدونة: أن بقاءه على ولايته ليس شرطًا في نقضه ما حكم به مما فيه اختلاف، وظاهر لفظ ابن رشد: أن بقاءه على ولايته شرط فيه، وهو نص سماع أصبغ. قال ابن رشد: لا أعلم فيه خلافًا، ولما حكى الصقلي قول المدونة قال: وقال الأخوان: ما دام في ولايته؛ فظاهره: أن التقييد بدوام كونه في ولايته خاص بها، وقال المازري: إن غلب على ظنه أنه أخطأ في اعتقاده الأول، ففي نقضه ذلك ثالثها: إن بقي على ولايته لها، ولسحنون والأخوين: بناء على أن تجدد ولايته بعيده كقاض آخر أولًا. قُلتُ: الأقوال أربعة فيها لا ينقض الأول إلا إن شاء هو الصواب إلا الأصوب، ولو تجددت ولايته. الأخوان: هذا بشرط دوام ولايته. ابن رشد: ينقصه، ولو كان الثاني أصوب بشرط دوامها. الشيخ عن ابن زيد عن أشهب: ينقضه في الأموال لا في إثبات نكاح أو فسخه. اللخمي: وعليه لا ينقصه إن كان بإثبات عتق أو ردة أو حد، أو إثبات قتل أو إبطاله؛ ومقتضى جواب سحنون سؤاله شجرة عما سمعه من البينات في ولاية عزل عنها ثم تولي هل يبني على سماعه إياها أم يعيد سماعه إياه ببنائه على ما تحقق منها أن تجدد ولايته كدوامها خلاف قول الأخوين؟ وعلى هذين القولين يتخرج اختلاف الأندلسيين في الحكم الأول؛ كصاحب الشرطة إذا نظر في مسألة، ثم ارتفع لخطة القضاء قبل إكمال نظره فيها في بنائه على ما تقدم نظره واستئنافه فيها فتوى ابن عتاب وغيره. قال ابن سهل: قال ابن عتاب: بهذا أفتيت أبا علي بن ذكوان حين ارتفع من خطة الشرطية والسوق لخطة القضاء. قلت له: أفتاه بعضهم بابتداء النظر، وقال لي: قاله من لم يعمل بقوله، ولا اشتغل بخلافه، ووافقني أبو المطرف بن جرح وغيره، وكان ابن القطان لا يستفتي حينئذ

стр. 4163

لمحمول أدركه منها على أن تحدد الصفة الحكمية مقرونة بعارض لها يضره؛ كموصوف بها آخر أولًا، والعارض المقارن لها في مسألة سحنون كونها أثر عزلة، وفي مسألة الأندلسيين أخص وصف الخطة التي ارتفع إليها؛ فالأول بناء على أن الجهل بالصفة مانع من العلم بموصوفها دونه، والثاني على عدم مانعيته، فتأمله. ابن الحاجب: ويجب عليه نقض حكم نفسه فيما ينقض عليه حكم غيره، وفيما له فيه رأي، فحكم بغيره سهوًا. ابن عبد السلام: ظاهر كلامه بالنقض في الصورتين، والذي قاله سحنون فيما له فيه رأي، فحكم بغيره سهوًا أن له نقضه، ولم يقل يجب عليه نقضه، فتأمله. قُلتُ: قوله: (ولم يقل يجب عليه) تبع فيه الصقلي. وفي النوادر في كتاب ابن سحنون عنه: إذا قضى بأمر ليس من رأيه، وهل فيه أو نسي؟ فهذا يرجع فيه، وإن وافق اختلاف الناس، وقد قال عمر بن عبد العزيز: ما من طينة أيسر على فتى من طينة طبيعتها على باطل. قال سحنون: وإن عزل، ثم رد؛ فإنه يغيره أيضًا. قُلتُ: وظاهر هذا وجوب نقضه كما نقل ابن الحاجب لا كما نقل الصقلي، وفي تقرر فسخه حكمه بمجرد إشهاده بفسخه، ووقفه على تبيينه موجبه نقلا الشيخ عن ابن الماجشون، وابن نافع مع مطرف قائلًا: إلا أن يقول: تبين لي أن الشهود شهدوا بزور، واتفقوا على وقفه عليه في فسخه حكم غيره، وحكم الحاكم بموجب في الظاهر، وهو في باطنه حرام لا يحله في المعونة، ولو كان ما يملك الحاكم ابتداء كمن أقام على دعواه نكاح امرأة بينة زور، فحكم له بها لا يحل له وطؤها، وهو به زان، وكمن أقامت على دعواها طلاق زوجها إياها ثلاثًا بينة زور، فحكم الحاكم بطلاقها؛ لا يحل لها أن تنكح غيره، وقال أبو حنيفة: حكم الحاكم يحلهما، قال: ومن أقام بينة زور بدعوى نكاح امرأة هي ذان محرم منه في الباطن؛ لم تحل له بحكم الحاكم، وكذا بما ليس له أنه له، وفرق بأن كل موضع لا ولاية له في ابتداء فعله لم ينفذ حكمه إلا في الظاهر دون الباطن، وما لا ولاية له في ابتداء فعله؛ نفذ حكمه فيه ظاهرًا وباطنًا.

стр. 4164

فإن قلت: هل يتخرج مما وقع في بعض التعاليق عن ابن الماجشون، وجماعة من أصحاب مالك، وحكاه المازري: أنه وقع في المذهب أن من ابتاع عبدًا؛ ردت شهادته بعتقه لا يعتق عليه، ولو بقي على إقراره، مثل قول الحنفي والجامع بينهما اعتبار حكم الحاكم الصحيح بظاهره الباطل بباطنه، فعدم إيجاب العتق على الشاهد به مع إقراره إنما هو لاعتبار حكم الحاكم الصحيح بظاهره الباطل بباطنه؛ فيلزم مثله في مسألة بينة الزور في مسألة الحنفي. قُلتُ: يرد بمنع كون الحكم في مسألة العتق باطلًا في الباطن، بل هو صحيح فيه؛ لأنه لا يرد شهادته لفسقه، والحكم برد شهادة الفاسق حق، ولو شهد بحق، وليس القول بعدم وجوب العتق على الشاهد المردودة شهادته بموجب كون الحكم المذكور متعلقًا بباطل في باطن الأمر، وإنما لم يجب عتقه عليه عند قائله؛ لأن متعلق شهادته، وإقراره إنما هو إنشاء ربه عتقه وهو يكذبه لا أنه حر؛ بل كونه حرًا لازم لماهية إعتاقه ربه، فلما لم يثبت ماهية إعتاقه ربه؛ لم يثبت لازمها، وهو حريته، فلم يحكم عليه بها هذا تقرير وجهه، ولما حكى المازري هذا القول قال: قد يسبق للنفس أنه شبه قول الحنفي، ولعلنا أن نبسط المسألة إن شاء الله. ابن شاس: إنما القضاء إظهار لحكم الشرع لا اختراع له، فلا يحل للمالكي شفعة الجوار إن قضى بها الحنفي، وتبعه ابن الحاجب. قال ابن عبد السلام: هكذا قالوا، وليس بالبين؛ لأن ما تقدم الظاهر فيه مخالف للباطن، ولو علم القاضي كذب البينة ما حكم بها إجماعًا، وفي هذه الصورة الباطن؛ كالظاهر، وما قلناه هو ظاهر كلام السيوري في بعض مسائله. قُلتُ: ظاهر قوله: هكذا قالوا مع عزوه ما ظهر له من خلاف ذلك للسيوري؛ أن المذهب ما قاله ابن الحاجب، وليس كذلك؛ بل مقتضى المذهب خلافه. قال المازري في ائتمام الشافعي بالمالكي وعكسه: الإجماع على صحته، واعتذر عن قول أشهب: أن من صلى خلف من لا يرى الوضوء من القبلة؛ يعيد. وفي كتاب الزكاة منها: إن لم يبلغ حظ كل واحد من الخليطين ما فيه الزكاة، وفي

стр. 4165

اجتماعهما ما فيه الزكاة؛ فلا زكاة عليهما، فإن تعدى الساعي، فأخذ من غنمهما شاة من غنم أحدهما ترادا فيه على عدد غنمهما. قُلتُ: فتحليله لمن أخذت الشاة من غنمه الرجوع على خليطه بمنابه منها نص في صحة عمل المحكوم عليه بلازم ما حكم به الحاكم المخالف لمذهب المحكوم عليه، فأجرى إذا كان نفس ما حكم به له، ولا سيما على القول بأن كل مجتهد مصيب واتباع. ابن الحاجب: لابن شاس في ذلك قصور، ولا أعلم لابن شاس مستندًا فيما نقله إلا اتباعه الغزالي في وجيزه قال ما نصه: ولا يحل للشافعي شفعة الجوار إن قضى له الحنفي، ولا يمنعه القاضي من الطلب اعتمادًا على اعتقاد قضاء نفسه، وهذا لا يجوز له؛ لأنه انتصب للنقل عن المذهب، فلا ينسب إليه ما ليس منه؛ ولذا يقول المازري في مسائل يذكرها للشافعي أو لغيره، ولا يحفظ فيه لأهل المذهب نصًا الجاري على مذهبنا كذا، أو كفعل ابن بشير في العاقل العاجز عن مطلق الإيماء لا نص فيه عندنا، وذكر قول الشافعي حسبما تقدم في كتاب الصلاة. اللخمي: إن أشكل الحكم على القاضي؛ وقف وحسن أن يدعوهما للصلح. الشيخ: قال سحنون في جوابه لحبيب: إذا كان في أمر الخصمين شبهة وإشكال؛ فلا بأس أن يأمرهما بالصلح. اللخمي: روى محمد: قال مالك في بعض المسائل: لو اصطلحا، واختلف إن كان مجتهدًا في صحة تقليده غيره، وأن يقلده أحسن؛ لأنه فيما أشكل عليه كعامي بعد أن يسأله عن دليله، فإن أشكل عليه قلده، وإن بان له لغوه؛ لم يقلده، ويتقرر الإلأشكال من ثلاثة أوجه: عدم وجدان أصل النازلة في كتاب ولا سنة، والثاني: أن يشك هل هي من أصل كذا أم لا؟ والثالث: أن يجد بها أصلان بالسوية دون ترجيح، ويختلف في هذا القسم هل حكمه الوقف أو التخيير في الحكم بأيهما شاء قياسًا على تعارض الحديثين دون تاريخ؟ قيل: الحكم الوقف، وقيل: المفتي مخير بأيهما شاء، وقيل غير ذلك، والوقف أحسن. قُلتُ: ظاهر قوله: أن الخلاف المذكور؛ إنما هو مذكور في تعارض الحديثين،

стр. 4166

وخرج عليهما القياسين، وفي كتب الأصول - المحصول وغيره -: الخلاف مذكور نصًا في القياسين في تحصيل السراج ما نصه حكم تعادل الأمارتين عند القاضي أبي بكر وأبي علي، وأبي هاشم التخيير. وعرف بعض الفقهاء التساقط والأمارة عرفًا: كل ما أنتج الظن، وحكم الحاكم بعلمه في غير التعديل والتجريح. قال اللخمي: لا يحكم بما علمه قبل ولايته، ولا بعدها في غير مجلسه ولا فيه قبل أن يتحاكما ويجلسا للحكومة؛ كسماعه إقرار أحدهما للآخر، فلما تقدما للحكومة؛ أنكر وهو فيه شاهد، وفي حكمه بما علمه من إقرارها في مجلس حكومتهما قولان؛ سحنون مع عبد الملك، وابن القاسم مع مالك، ولما عزا أبو عمر الأول للشافعي وجمهور الفقهاء قال: واستحب مالك أن يحضره شاهدان، ولم يبح في شهادتيهما مدفعًا، وذلك دليل على أن ذلك عنده استحباب. ولابن رشد في سماع عيسى: حكمه بما أقر عنده بعد ولايته؛ لا يجوز الحكم به اتفاقًا من العلماء، فإن فصل فسحه هو من ولي بعده، وما أقر به غيره بعد ولايته في غير مجلس قضائه؛ لا يجوز حكمه به اتفاقًا في المذهب في غير الحدود، ومطلقًا في الحدود، وأجازه أهل العراق في غيرها، وروي عنهم: يقضي في الحدود بعلمه كغيرها، وهو بعيد، فإن قضى بما علمه بعد ولايته في غير مجلس حكمه؛ ففي فسخه غيره بعده، وقصر فسخه عليه قولا أشهب، والمشهور: وما أقر به أحد الخصمين في مجلس قضائه، ثم جحده؛ فالإختلاف فيه موجود في المذهب، وقال محمد: لا اختلاف فيه بين أصحاب مالك. ابن الماجشون: الذي عليه قضاتنا بالمدينة وعلماؤنا، ولا أعلم مالكًا. قال غيره: أنه يقضي عليه بما أقر به عنده، وقاله مطرف، وأصبغ، وسحنون. ابن رشد: وهو دليل قوله ﷺ ، فأقضي له على نحو ما أسمع منه، ولم يقل صلى الله عليه وسلم

стр. 4167

على ما ثبت عندي من قوله، ومشهور المذهب أنه لا يقضي عليه إذا جحد، وهو قوله في هذا السماع. الباجي: إن حكم بما علمه في مجلس قضائه؛ فقال ابن القصار: لا ينقض حكمه عند بعض أصحابنا قال: وعندي أنه ينقض. ابن زرقون في الموازية: إن حكم بما علمه قبل ولايته؛ نقضه غيره، ولو حكم بما علمه في مجلس قضائه، ثم ولي غيره؛ لم ينقضه، وينقضه ما دام قاضيًا في الوجهين، وقاله أصبغ. قال ابن الحاجب: لا يحكم بالتخمين؛ لأنه فسق وجور. قُلتُ: في الصحاح: التخمين: الحدس وكثيرًا ما رأيت بعضهم يحكم في النازلة، وهو لا يستند في حكمه لنقل يذكره بحال لما استقرئ من حاله إذا روجع في بعض أحكامه، لم يذكره مستندًا من نص رواية ولا قول لبعض أهل المذهب، ولا قياس عليه. ابن الحاجب: ولا يحكم عليه بعلمه مطلقًا إلا أن يكون بعد الشروع في المحاكمة فقولان، فلو حكم بعلمه في غيره؛ ففي فسخه قولان، وأما ما أقر به في مجلس الخصومة فحكم به؛ فلا ينقض، وقبله ابن عبد السلام وابن هارون، وظاهره: أنه لو حكم بما علمه قبل ولايته؛ ففي نقضه القولان، وظاهر ما تقدم لابن رشد: أنه يفسخه هو ومن بعده دون خلاف في ذلك. قُلتُ: ولا يبعد إعمال ظاهر نقل ابن الحاجب؛ لأن ظاهر نقل ابن رشد؛ إنما هو على قوله: مات علمه قبل ولايته؛ لا يجوز حكمه به اتفاقًا من العلماء، وهو خلاف نقل أبي عمر قال: جاء من طرق أن رجلًا من بني مخزوم استعدى عمر على أبي سفيان بن حرب أنه ظلمه حدًا في موضع كذا، فقال عمر: إني لأعلم الناس بذلك ربما لعبت أنا وأنت فيه، ونحن غلمان، فإذا قدمت مكة، فأتني بأبي سفيان، فلما تقدم مكة أتاه

стр. 4168

المخزومي بأبي سفيان فقال له عمر: انهض بنا لموضع كذا، فنهضوا، فنظر عمر، فقال يا أبا سفيان: خذ هذا الحجر من هنا وضعه هنا، فقال: والله لا أفعل، فقال: والله لتفعلن، فقال: لا أفعل، فعلاه عمر بالدرة، وقال: خذه لا أم لك وضعه ههنا، فإنك ما علمت تحريم الظلم، فأخذ أبو سفيان الحجر ووضعه حيث قال عمر، ثم استقبل عمر القبلة، فقال: اللهم لك الحمد إذ لم تمتني حتى غلبت أبا سفيان على رأيه، وأذللته بالإسلام، فاستقبل أبو سفيان القبلة فقال: اللهم لك الحمد إذ لم تمتنى ختى جعلت في قلبي من الإسلام ما ذللت به لعمر، فقضى عمر بما علمه قبل ولايته، وإلى هذا ذهب أبو يوسف، ومحمد، والشافعي، وأبو ثور سواء عنده علمه قبل ولايته أو بعده في مصره أو غير مصره. قال أبو حنيفة: علمه قبل ولايته، أو رآه في غير مصره؛ لا يقضي بعلمه فيه، وهو فيه شاهد، وما علمه بعد ولايته، أو رآه بمصره؛ قضى فيه بعلمه، واتفق أبو حنيفة وأصحابه أنه لا يقضي بعلمه في الحدود. وقال الشافعي وأبو ثور: يقضي في الحدود وغيرها بعلمه، قلت: استدلال أبي عمر على القضاء بما علمه قبل ولايته بفعل عمر يرد بأنه إنما قضى به بعد رؤيته فهو قضاء بعلمه المستصحب إلى وقت الحكم، فهو حكم بما علمه في ولايته، فتأمله. المازري: في حكمه بما علمه مطلقًا ثالثها: بما علمه بعد ولايته غير حد، ورابعها: هذا ولو علمه قبل ولايته، وخامسها: بما علمه غير حد في مجلس قضائه لأحد قولي الشافعي ومالك مع الأوزاعي، والشعبي، وجماعة، وأبي حنيفة، وأبي يوسف، وسحنون مع عبد الملك، وعلى المشهور أنه لا يحكم عليه بما أقر به في مجلس حكومته في صحة شهادته علته أنه عند غيره، سماع عيسى ابن القاسم، ونقل ابن رشد نقل محمد أحد قولي ابن القاسم. اللخمي: إن حكم على الخصم بإقراره، ولم ينكر حتى حكم عليه، ثم أنكر بعد الحكم، وقال: ما كنت أقررت بشيء؛ لم ينظر إلى إنكاره هذا مشهور المذهب. وقال ابن الجلاب: إن ذكر الحاكم أنه حكم بأمر، وأنكر المحكوم عليه؛ لم يقبل

стр. 4169

قول الحاكم إلا ببينة، وهو أشبه في قضاة اليوم؛ لضعف عدالتهم. المازري من الحكمة والمصلحة منع القاضي الحكم بعلمه خوف كونه غير عدل، فيقول: علمت فيما لا علم له به، وعتلى هذا التعليل؛ لا يقبل قوله: ثبت عندي كذا إألا أن يسمي البينة، وقد ركب ابن القصار هذا وقال: لا يقبل منه حتى يسمي البينة، وكذا قال ابن الجلاب، فذكر ما نقله اللخمي عنه قال: وقال: أصبغ في الواضحة: إن أنكر المحكوم عليه أنه خاصم عند القاضي، وأعذر إليه، فحكم عليه قبل قول القاضي أنه فعله؛ ابن الجلاب: إن أنكر أنه أقر بعد الحكم؛ لم يفده على المشهور، وفي الجلاب: إن ذكر الحاكم أنه حكم، فأنكر المحكوم عليه؛ لم يقبل إلا ببينة على حكمه. ابن عبد السلام: إنما فسر المؤلف الشاذ بقول ابن الجلاب؛ لأن كلامه ليس نصًا في مخالفته القول المشهور؛ لأن مسألة المشهور ما خالف الخصم في أن القاضي حكم عليه؛ إنما خالف في سببه القاضي بقول: حكمت عليك بعد إقراره، والخصم يدعي جوره أو سهوه، ويقول: حكم علي، ولم أقر. وفي مسألة الجلاب: القاضي يقول: حكمت عليه، والخصم يقول: ما حكم علي، ولو عرضت مسألة المشهور على الجلاب؛ لاحتمل أن يوافق المشهور لإقرار الخصم فيها أن القاضي حكم عليه. قُلتُ: هذا يدل على فهمه مسألة الجلاب على أن قبول قول القاضي إنما يتوقف على البينة بقضائه بذ لك فقط، ودليل قول المازري المتقدم: أنه متوقف على إثباته البينة التي حكم بها تسميتها لا البينة بمجرد حكمه، وهو مقتضى جعل اللخمي قول الجلاب خلاف المشهور؛ لأن المسألة التي جعل حكمها هو المشهور؛ إنما هو فيها قبول قول القاضي في إسناده حكمه الذي أنفذه لموجبه الشرعي، وهو إقرار الخصم المستمر لوقت نفوذ الحكم عليه، وجعل قول الجلاب خلافه، ولا يتقرر كونه خلافه إلا بما فسر به المازري من أنه موقوف على ثبوت ما استند إليه حكمه شرعًا بتسميته وهو البينة، وذلك بخلاف ما فسر به الشيخ فتأمله، ثم قال اللخمي: إن أنكر المحكوم عليه أنه خاصم عند هذا القاضي، وقال القاضي: خاصمت وأعذرت إليك وعجزت،

стр. 4170

فحكمت إليك؛ فقال أصبغ: القول قول القاضي، وقال ابن الجلاب: لا يقبل قوله إلا ببينة، وإن كان مضمون الحكم وقفًا على رجل؛ لم يقبل قوله على المحكوم عليه إلا ببينة؛ لأنه في هذا دافع عن نفسه، وقاله أصبغ في الواضحة، وفرق بين هذا وبين كون الحكم بين متنازعين، ولو حكم بغرم رجل مائة دينار لآخر ببينة معينة، فقالت: إنما شهدنا بها للمحكوم عليه على المحكوم له، والقاضي متيقن ما حكم به؛ ففي مضي حكمه ونقضه فيما بين المحكوم عليه، والحاكم يغرمه ذلك قولا ابن تالقاسم وسحنون قائلًا: ولا يرجع على الشهود بشيء، ومحمد قائلًا ويغرم المائة للمحكوم عليه، ولا يرجع على الشهود، وعليه ينبغي إن كان الحاكم فقيرًا؛ نزع المال من المحكوم له للمحكوم عليه إن رقع ذلك لحاكم غير الأول، وظاهر نقل اللخمي: أن القاضي إنما يغرم مائة واحدة، ولما نقل المازري عن محمد ما تقدم قال: ولم يكتف محمد بإغرامه المائة التي حكم بدفعها لمن صارت له فقط؛ بل أغرمه مائة أخرى هي المشهود بها للمحكوم عليه على المحكوم له، ولو قال القاضي: أشك في ىذلك؛ نقض حكمه بين الخصمين، ورجع لما تقوله البينة الآن، وغرم المحكوم له ما يبين. قُلتُ: ذكر الشيخ عن ابن القاسم نحو ما تقدم، وقيده بكونه عدلًا. اللخمي: لو أنكر الحاكم والمحكوم عليه الحكم وقال: ما حكمت بهذا، فشهدت بينة بحكمه له؛ وجب تنفيذه. قُلتُ: وحكاه الشيخ عن ابن القاسم وابن وهب. وفي التلقين: إن بنى الحاكم حكمًا حكم به، فإن شهد عنده عدلان؛ أنفذ شهادتهما. المازري: هذا خلاف مذهب مالك خلاف مذهب أبي حنيفة والشافعي، ولم يذكر عن المذهب خلافًا فيه. وفي جامع العتبية: قال مالك: قدم بالهرمزان، وجهينة على عمر، فأراد قتلهما، فكلمهما، فاستعجما عليه، فقال: لا بأس عليكما، ثم أراد قتلهما، فقالا: ليس لك ذلك قد قلت: لا بأس عليكما. ابن شد: الهرمزان: سيد دستر حصره أبو موسى في قلعة له حتى نزل على حكم
следующие страницы →