← Фикх малики

Фикх малики · id 16968

المختصر الفقهي لابن عرفة

ابن عرفة

Полный текст (5 077 стр.). Показаны 4411–4450 · переход к 4416.

стр. 4411

قلت: لما علله المازري بأن الحق لمجموع يتعذر حصوله، والواحد منه لا يتقرر حقه فيه إلا بإحصاء المجموع، وقال: يجب أن يحلف المشهود عليه على إبطال شهادة الشاهد عليه كالشاهد عليه بالطلاق. قلت: وظاهر الروايات عدم حلفه لعدم تعين طالبه. ونقل اللخمي كالمازري قائلا: إن نكل لزمه ما شهد به عليه، ولابن الماجشون إن شهد شاهد بوصية بعشرين للفقراء، وبعشرة لزيد فللوارث الحلف معه ليحاصص ذا العشرة بعشرين في الثلث. ولسحنون عن ابن القاسم: إن شهد شاهد بوصية لعتق ومال لرجل، حلف الموصى له بالمال، ولم يقض له إلا بما فضل عن العتق، وهذا خلاف قول عبد الملك، ووجه قول ابن القاسم أنه يقال للحالف من أهل الوصايا: إن كانت شهادتك جائزة؛ فإنما لك ما ينوبك فيه، ومالك مع العتق إلا ما فضل عنه. الشيخ: قال محمد: إن قام شاهد واحد بحبس مسبل ومعقب، فقال أصحابنا: لا يصلح فيه يمين. وروى ابن الماجشون: إن حلف جلهم نفذ لهم ولغيرهم ولغائبهم، ومن يولد لهم، وللسبيل بعدهم. وروى أيضاً مع مطرف وابن وهب: إن حلف رجل واحد ثبت له، ولجميعهم وإن لم يحلف معه غيره. زاد اللخمي: وإن باد شهوده فلم يثبت إلا بسماع حلف واحد منهم، وثبت لجميعهم. وقال بعض شيوخنا: إن شهد شاهد بحبس على عقب فمن حلف ثبت حظه وحده، ومن نكل سقط حظه، وردت اليمين على المشهود عليه، وهو أقيس كما لو شهد لورثه منهم غائب وحمل، فإن لمن حضر بالغاً أن يحلف، ويستحق حقه. وذكر ابن الحاجب الاكتفاء بحلف الجل لرواية ابن الماجشون كالشيخ، فقال ابن عبد السلام: إنما حكاه المازري قولا لابن الماجشون لا لرواية.

стр. 4412

قلت: والذي وجدته للمازري نقله عنه رواية كالشيخ، ووجه الاكتفاء يحلف واحد بأنه إذا اخذ حظه شركه فيه بقية أهل الحبس؛ لاعترافه أن ما أخذ حق أخوته فيه على الشياع، فإذا أخذ منه شيء عاد لليمين لإكمال حظه فلا يزال كذا حتى يؤخذ الحبس كله فاكتفى بيمينه وحده يميناً واحدة. قلت: يرد بمنع مشاركتهم إياه؛ لأن استحقاقه حقه إنما هو بسبب فعله، هم قادرون عليه وتركوه، فوجب أن لا يشركوه فيه كشريكين في دين على رجل ملدٍ، فطلب أحدهما شريكه في طلبه معه اقتضاءه فأبى، فلا دخول له على المقتضي بشيء، وما عزاه اللخمي لبعض شيوخه عزاه المازري لبعض شيوخ القرويين قائلا: ولو انقرض البطن الأول بعد استحقاقهم باليمين فهل يكتفي البطن الثاني بيمين الأول أم لا يكتفون؟ فكان بعض الأشياخ يشير إلى عدم اكتفائهم؛ لأن كل واحد من أهل الحبس له حكم نفسه لا تعلق له بغيره، وقاله بعض الشافعية. وقال بعضهم: يكتفي البطن الثاني بحلف الأول، وقدر الانتقال إليه كانتقال حق بإرث حلف عليه مورثه، والقول الأول عندهم بناء على أن ثبوت الحق لهم إنما هو بعقد تحبيس المحبس لا بالإرث عن آبائهم، وهذا مقتضى النظر. والقياس على ما ذهب إليه بعض الأشياخ، ولو مات واحد من البطن الأول رجع حظه على بقية البطن الأول، وينظر في تجديد يمين عليهم لأجل الذي يرجع، فإن قيل: هذا الرجوع كالوارثة عن من مات على إحدى الطريقتين المذكورتين؛ لم يلزمهم يمين أخرى، وإن قدرنا رجوعه إليهم إنما هو عن المحبس حلفوا يميناً ثانية، ولو عرضت اليمين على البطن الأول فنكل جميعهم، ثم جاء بعدهم البطن الثاني فمن قال: أخذ البطن الثاني كأخذ الوارث عن آبائهم؛ لم يمكنوا من الحلف لبطلان حقهم بنكول آبائهم، وعلى الطريقة الأخرى، وهي الأظهر أن أخذهم إنما هو بعقد التحبيس من الحبس يمكنون من اليمين، ولم يضرهم نكول آبائهم. ولو حلف واحد فاستحق حقه، ونكل الآخر من البطن الأول، ثم مات الحالف وحده، وبقي إخوته الناكلون، فقيل: نكولهم كموتهم فيصير كل البطن قد ماتوا

стр. 4413

أحدهم حقيقة، وسائرهم حكما بنكولهم، فينتقل الحق للبطن الثاني، وهذا عندي لا يصح على إحدى الطريقتين اللتين ذكرناهما، وهو أن نكول من نكل لا يبطل حق من يأتي بعده، فلا يرجع حظ الناكل إلى أهل البطن الثاني، والأظهر أن المحبس إن اشترط أن لا يأخذ البطن الثاني شيئاً، إلا بعد انقراض البطن الأول، وموت جميعهم لم يأخذ أحد من البطن الثاني شيئاً مادام أحد من الناكلين حيا، ونقل ابن شاس كلام المازري على نحو ما ذكرناه. قال ابن الحاجب بعد القول الرابع معبراً عنه بقوله: فلو مات بقوله لمن حلف نصيبه فلو مات، ففي تعيين مستحقه من بقية الأولى أو البطن الثاني، أو من حلف أبوه خلاف، ثم في أخذه بغير يمين قولان، فقرر هذه الأقوال ابن هارون بما تقدم للمازري من الإجراء. وقال ابن عبد السلام: هذه الوجوه لم يحكها المازري أقوالاً هكذا، وإنما جعلها على قواعد فتأملها في كتابه فكلامه هناك ليس بصريح فيما ذكره المؤلف. قلت: ظاهر قوله قبوله الأقوال التي ذكر ابن الحاجب، وأن التعقب عليه إنما هو في تصريحه بأنها أقوال، وإنما هي في كلام المازري إجراءات على قواعده ذكرها، والحق أنها غير موجودة في كلام المازري؛ لأن حاصل كلامه لمن تأمله مسألتان: الأولى: انتقال الحبس عن الطبقة الأولى إلى الثانية، أو لبقية طبقة لموت غيرها، ففي وقف هذا الانتقال على حلف المنتقل إليهم قولان بناء على كون استحقاقهم الحق بعقد المحبس الحبس أو بالإرث من المنتقل عنه. الثانية: في صحة انتقاله لذوي الطبقة الثانية تلو ذوي الطبقة الأولى لنكوله، وبطلان انتقاله لذوي الثانية فلا حلف لهم قولان بناء عليهما، ومقتضى كلام ابن الحاجب أنهما مسألة واحدة فيهما ستة أقوال وهي: لو مات بعضهم. قيل: يستحق حقه بقية الأولى، وقيل: البطن الثاني، وقيل: من حلف أبوه، ثم في أخذه بغير يمين قولان، فظاهره أن القولين عامين في الاستحقاق المختلف فيه على الثلاثة أقوال في كل قول منها قولان، ومن أنصف علم أن لفظ المازري لا يدل على

стр. 4414

هذا بوجه. ولابن رشد في رسم الصبرة من سماع يحيى لو كانت شهادته لمن يحصره العدد كآل فلان، ومساكين آل فلان وشبهه، ففي استحقاقهم حقهم بحلف جلهم، وسقوط الحلف في هذا قولان قائمان من وصاياها الثاني، وتقدم حكم جراح العمد. [باب النقل] النقل عرفاً: إخبار الشاهد عن سماعه شهرة غيره، أو سماعه إياه لقاض،

стр. 4415

فيدخل نقل النقل، ويخرج الإخبار بذلك لغير قاض، وظاهر عموم الروايات، وإطلاقها صحة نقل النقل، ولم أقف على نص فيه. فيها مع غيرها: وتجوز على الشهادة في الحدود، والطلاق، والولاء وكل شيء. قلت: والنقل عن الأصل شيء، فإن قال المنقول عنه للناقل عنه: اشهد على شهادتي أو انقلها عني صح نقله اتفاقاً. الباجي: من سمع شاهداً ينص شهادته لم يجز نقلها عنه حتى يشهده على ذلك. قلت: هي في النوادر عن محمد عن ابن القاسم. فقال أشهب: وليس بضيق رفع ذلك إلى الإمام، وقيل: لا يرفع خوف أن يغلط فيقضي بها. الباجي: ولو سمعه الحاكم ينصها، ولم يؤدها عنده لم يعمل بها، وإن سمع شاهداً يشهد على شهادته غيره، ولم يشهده، فقال محمد: لا يشهد على شهادته بخلاف المقر على نفسه، ويتخرج عندي على من يسمع رجلاً يشهد عند قاض في صحة نقلها قولا مطرف وأشهب مع أصبغ قائلا: لا يجوز نقلها حتى يشهده، أو يشهد على قبولها القاضي. قلت: زاد الشيخ أن ابن حبيب قال كمطرف. وفيها من مدير التصدير: برجلين يتكلمان في أمر فسمع منهما شيئاً، ولم يشهداه، ثم يطلب

стр. 4416

أحدهما تلك الشهادة. قال: لا يشهد له. قال ابن القاسم: إلا أن يستوعب كلامهما من أوله فليشهد، وإلا فلا إذ قد يكون قبله ما يبطله أو بعده، ونحوها في سماع أبي زيد. ابن رشد: شهادة الرجل بما سمعه دون إشهاد له من المشهود عليه ثلاثة أقسام: الأول: ما سمعه منه من قذف فوجب حده أو عقوبته، شهادته به مقبولة اتفاقاً. الثاني: ما سمعه منه من إقرار على نفسه لحق لرجل في صحتها به قولان لابن القاسم فيها مع أحد قولي مالك، وابن أبي حازم مع ابن الماجشون، وروايته في المدينة ورواية محمد، وأحد قولي مالك فيها. الثالث: شهادته عليه بأن سمع منه من شهادته على غيره لحق أو قذف أو زنى لا تجوز اتفاقاً، وإن سمعه يؤديها عند الحاكم أو كان هو الحاكم فشهد بها عنده، أو سمعه يشهد غيره على شهادته، ولم يشهده؛ فالمشهور أنها جائزة. وهو قول ابن القاسم في هذا السماع إن شهد رجل عند قاض بحق لرجل، فذهب ليأتي بشاهد آخر فوجده مات، وعزل القاضي، فشهادة القاضي أنه شهد عنده فلان أن له على فلان كذا جائزة، إن شهد معه غيره، وهي رواية حسين بن عاصم عنه في بعض روايات العتبية. والآتي على قيس قوله في المدونة في إجازة شهادة الرجل على الرجل بما سمعه إذا استوعب كلامه، وإن لم يشهده، وقيل: لا تجوز، وهو الآتي على قولي مالك، وروايتي ابن الماجشون ومحمد. وفي نوازل سحنون: أتجوز الشهادة على الشهادة في العدالة، كما تجوز في الأموال مثل أن يكون لي علم عند رجل أخاف أن يطلبني القاضي بتعديله، ولا أحد من يعدله إلا رجلين مرضيين أخاف موتهما أو غيبتهما، فقلت لهما: اشهدا لي أن فلاناً عندكما من أهل العدل والرضا؛ فأشهدا لي على ذلك رجلين، ثم سألني القاضي عدالة شاهدي فشهد الشاهدان أن فلاناً وفلاناً أشهدانا أن فلاناً من أهل العدل والرضا.

стр. 4417

قال: يطلب القاضي من الخصم أن يعدله غيرهما، فإن لم يجد جازت الشهادة فيه على الشهادة إذا كان لغيب اللذان زكياه من أهل الحضر لا من أهل البادية؛ لأن البدوي لا يعدل الحضري. قيل: فالتجريح أتجوز فيه الشهادة على الشهادة كما وصفنا في العدالة في غيبة الشهود أو مرضهم. قال: نعم. ابن رشد للأخوين خلاف قول سحنون: هذا لأن العدالة لا تكون في الشهادة إلا عند السلطان بعد أن يشهدوا في الحين الذي يقطع بشهادته، وأما أن يستدعي الرجل تعديله الرجل، ويشهد على ذلك منه كما يفعل في الشهادة تكون عنده إذا أراد أن يشهد عليها، أو يكون الشاهد تحمل لشهادته من بلد، ويكون الذي تحمل شهادته لا يعرفه بالعدالة، ولا بغيرها فيعدله عنده من يثق به فهذا لا يجوز، ولا علمنا من قاله إلا أن يشهد شاهد على شهادة آخر غائب، فيخبر بعلمه بعدالته مع شهادته على شهادته، ولو شهد شاهد عند حاكم فاستعدله فكان رجل مريض يعدله لا يقدر بمرضه البلوغ إلى الحاكم، فأراد أن يبعث للقاضي بتعديله إياه مع رجلين عدلين يشهدهما أنه عدل فذلك جائز؛ لأن الشهادة وقعت عند الحاكم والعدالة هنا إنما هي القطع بالشهادة، وقاله أصبغ، واستحسنه. ولابن سحنون: أن أباه رجع عن الشهادة على الشهادة في العدالة والتجريح إلا في تعديل البدوي فهي جائزة، وهو الصواب؛ لأن التعديل لا يكون إلا بعد الشهادة، ولو جاز قبلها لجازت شهادة غير العدل لتغير أحوال الناس. قلت: ظاهر قولها تجوز الشهادة على الشهادة في كل شيء جوازها في التعديل والتجريح؛ لأنها شيء. ولما كان تمام شهادة النقل بأدائها ناقلها عنه كان ظرف مانع شهادة الأصل قبل أدائها ناقلها كطروه على شاهد قبل أداء شهادته وبعده، وقبل الحكم بها، والأول واضح، والثاني تقدم حكمه.

стр. 4418

المازري: تقدمت الرواية بأن حدوث سبب العداوة بعد تقييد شهادة الشاهد لا يمنع القضاء بها؛ لأن أداء شهادته قبل صيرورته عدواً لا توجب تهمته، ومنع بعض العلماء بما نقل عمن صار عدواً للمشهود عليه؛ لأنه رأى ظهور عداوته يشعر بمقدمات وسوابق. قلت: ظاهر كلامه أن المذهب عدم سقوط شهادة المنقول عنه بحدوث عداوته بعد سماع نقلها منه، وقيل: أداء نقله كحدوث ذلك بعد أدائها للحاكم قبل نفوذ حكمه، ولا يخفى أن أداءه للحاكم أدل على ثبوتها من سماعها للنقل عنه، ولذا قال ابن شاس: إذا طرأ فسق أو عداوة أو ردت امتنعت شهادة الفرع. قال المازري: وحدوث فسق الأصل بعد سماع النقل عنه، وقبل أدائه يبطل شهادته، وأشار بعض أصحابنا إلى أن الفسق إن كان مما يخفى ويكتم كالزنا أشعر بسابق مقدمات تمنع العدالة، وإن كان مما يجاهر به كالقتل لم يشعر بأنه كان كذلك فيما سبق. قال: ولو انتقل من طرأ فسقه لعدالة، ففي صحة النقل عنه بالسماع منه أولا، أو سماع منه بعد انتقاله خلاف بين الناس. قلت: قد يتخرج الخلاف المذكور على قولي ابن القاسم وأشهب في فسخ شراء من اشترى سلعة شراء فاسداً، ورجعت إليه بعد أن باعها وفوته بما تقدم من بيعه، والله أعلم. وطروء العمى والجنون: لغو في الأصل، والفرع للغوهما في شهادة غير النقل. وشرط النقل تعذر أداء الأصل أو تعسره كموته أو مرضه أو بعد مكانه عن محل الأداء. الشيخ عن الموازية: إنما ينقل عن مريض أو غائب لغيبة بعيدة، ويغير حداثة غيبتهم. اللخمي: لا ينقل عن حاضر قادر على أداء شهادته لإمكان أن تأخره لريبة، لو حضر ثبتت عليه؛ ولأن تخوف سهو الأصل، وكذبه وغلطه أخف من تخوف ذلك منه،

стр. 4419

ومن الناقل. وعبر عنه المازري بأن ظن القاضي حقية المشهود بسماعه من الأصل يقوي من ظنه بسماعه من الناقل. قلت: وعليه يشترط في قبول نقل الناقل ما يشترط في النقل. اللخمي: لابن الماجشون، وفي الواضحة: ينقل عن النساء، وإن حضرن، وهو الشأن. الباجي: رواه ابن حبيب عن مطرف قال: ولم أر قط بالمدينة امرأة قامت بشهادتها عند الحاكم، ولكنها تحمل عنها. قال المازري: ولما أمر النساء به من الستر والبعد من الرجال، ولذا قال بعض العلماء: لا يلزم المخدرة حضور مجلس القضاء للمحاكمة. وقال القفال: لابد من حضورهم للحكم. قال بعضهم: والمخدرة هي التي لا تبتذل بكثرة التصرف، ولا تخرج إلا لزيارة أو حضور ما لابد منه. قلت: تقدم هذا في الأقضية، والأظهر الفرق بين من يخشى من خروجها لمفسدة، ومن لا. وسمع عيسى رواية ابن القاسم لا تجوز شهادة النساء على شهادة رجل، ولو كن ألفاً إلا مع رجل. ابن رشد: هذا معلوم مشهور من مذهب ابن القاسم، وروايته في المدونة وغيرها خلاف قول ابن الماجشون، إن شهادتهن لا تجوز إلا فيما يجوز فيه شاهد ويمين. قلت: فإذا جاز نقلهن فكيف ينقل عنهن على حضورهن على قول ابن القاسم، وظاهر قول المازري أن ما ذكره ابن حبيب هو المذهب لقوله ما نصه: إذا بان عذر المنقول عنهم كالنقل عن النساء جاز النقل عنهن بحضرتهن. اللخمي: واختلف في حد الغيبة، فقال ابن القاسم في الموازية: إن كانت الشهادة في الحدود لم تنقل إلا في الغيبة البعيدة لا في ثلاثة أيام، وتجوز اليومان في غير الحدود.

стр. 4420

وقال سحنون: إن كانت المسافة تقصر فيها الصلاة، أو الستين ميلا جاز النقل، ولم يفرق بين مالٍ وحدٍ. ولابن القاسم في المدونة: من أراد أن يحلف خصمه لغيبة بينته، ثم يقوم بها إن كانت قريبة كثلاثة أيام؛ قيل له: قرب بينتك، وإلا فاستحلفه على تركها، والأول أحسن، والاحتياط للحدود أولى، وتبعه المازري في نقله، وقبل تخريجه من مسألة المدونة. قلت: فعليه في كون مسافة الثلاثة أيام قربا، وهو على مسافتها كحاضر أو بعدا، ثالثها: في الحدود لا في الأموال لتخريج اللخمي من متقدم قولها، وسحنون وابن القاسم في الموازية، وقد يرد تخريجه بأن قوله: (قرب بينتك) أعم من كونه بإحضارها أو نقل عنها، وبأنه لا يلزم من عدم الحكم لها بالبعد في تحليف الخصم مع القيام بها إن حضرت عدم الحكم لها بالبعد في النقل لمشقة الحلف في مسألتها، وعدمه في النقل، واختصارها أبو سعيد بقوله: وإن قال الطالب للإمام بينتي غائبة، فأحلفه لي، فإذا قدمت قمت بها نظر الإمام، فإن كانت بينته بعيدة الغيبة، وخاف تطاول الأمر، وذهاب الغريم أحلفه له، وكان له القيام ببينته، إذا قدمت، وإن كانت بينته قريبة الغيبة على مثل اليومين والثلاثة لم يحلفه، إلا على إسقاطها فأسقط لفظ قرب بينتك متعقب لإسقاطه ما منه التجريح، فإن قلت: لا يتعين كون التخريج من قوله: (قرب بينتك) بل مما اقتصر عليه أبو سعيد، ولذا قال المازري ما نصه: أشار في المدونة إلى كون الثلاثة أيام في غير الحدود قريبة، فقال: من أراد أن يستحلف خصمه لكون من له على ثلاثة أيام لا يمكن من ذلك حتى يسقط القيام بالبينة فجعلها في حكم الحاضرة. قلت: لا يتم الأخذ من هذا اللفظ؛ لأن عدم تمكينه من تحليفه دون إسقاطه القيام ببينته يحتمل أنه لقدرته على تسببه في نقلها دون مشقة لا؛ لأنها كالحاضرة. الباجي: وأما الغيبة القريبة كاليومين والثلاثة، ففي الموازية لا تنقل فيها شهادة، ووجهة إن تغيب عن مكانه اليومين والثلاثة، وأما من كان في موضعه على مسيرة يومين أو ثلاثة؛ فيصح نقلها عنه.

стр. 4421

قال محمد: إنما ينقل عنهم الشهادة إذا بعدت غيبتهم من يعرف الغيبة بعد مدة لا بإثر غيبتهم؛ يريد: أنه بإثر غيبتهم على مسافة قريبة، ولا يؤمن رجوعهم. الشيخ عن الموازية: ليس النقل عن الشاهد بتعديل له حتى يعدله الناقلون أو يعرفه القاضي بعدالة. أشهب: وإلا طلب منه من يزكيه. ابن حبيب: قال مطرف: وإن قال الناقلون: أشهدنا على كذا قوم كانوا عندنا يومئذ عدولاً، ولا ندري اليوم من هم، لم يجز شهادتهم حتى يسموهم فيعرف أنهم غيب أو أموات، فتجوز شهادتهم، وإلا لم تجز إذ لعلهم حضور نزعوا عن شهادتهم، أو نسوها أو حالت حالتهم بجرحتهم، وقاله أصبغ. وسمع أصبغ أشهب: إن شهد قوم على شهادة رجل لا يعرفونه، ويعرف القاضي عدالته أو يعدله عنده غيرهم جازت شهادته. قال أصبغ: وذلك بعد معرفة أخرى أنه الذي شهد على شهادته بعينه لا يحتمل أنه لغيره. ابن رشد: قوله: وهو لا يعرفونه؛ معناه: لا يعرفونه بالعدالة، ويعرفونه بالعين والاسم مع كونه مشهوراً لا يختلط بغيره، وإلا لم تجز الشهادة لاحتمال أن يكون الذي شهدوا على شهادته غير الذي عرفه القاضي بالعدالة والمعدلون؛ هذا معنى قول أصبغ، وهو تفسير قول ابن القاسم. عياض: قيل: إن لم يعدل الشاهد من شهد على شهادته، فهي ريبة في شهادته والصواب جوازها بتعديل غير الناقل. قلت: لم ينقل المازري عن المذهب غيره، وعزا الأول للشافعي قال: والمذهب أنه لا يجوز النقل عن من يعلم الناقل جرحته؛ لأن فيه على القاضي تلبيساً، وما نقله عياض أولا هو ظاهر نقل ابن عبد البر في كافية بقوله: ولا يجب لرجل أن يشهد على شهادة من لا يعرفه بالعدالة، ورد عياض أخذ بعضهم من قولها بصحة نقل النساء جواز نقل الرجل عمن لا يعدله لامتناع تعديلهن بأن منعه إنما هو بالسنة.

стр. 4422

وفيها: قال مالك: تجوز شهادة النساء على الشهادة في الأموال والوكالة عليها، وهن وإن كثرن كرجل، فلا ينقلن إلا مع رجل نقلن عن رجل أو امرأة، وقاله أشهب. وقال غيره: لا تجوز شهادتهن على شهادة، ولا على وكالة في مال. سحنون: وهذا أعدل. عياض: يريد أن أشهب وافقه في نقلهن فقط لا في الشهادة على الوكالة بينه سحنون بعد هذا. وسمع عيسى ابن القاسم إن شهدت امرأتان على شهادة امرأتين بحق، ومعهما رجل شاهد بالحق مع المرأتين الغائبتين لم يجز ذلك إلا أن يكون مع المرأتين رجل، وإنما تجوز شهادة المرأتين بأبدانهما، فإن غابت أبدانهما فلابد أن يكون مع المرأتين رجل، واحتج بأن شهادة الرجل تجوز ببدنه، وتحلف معه، فإن غاب بدنه لم يجز أن يشهد على شهادته رجل واحد بل رجلان، ثم يكون ذلك كرجل يحلف معه. وفي سماع أصبغ من كتاب القضاء المحض قال أشهب: لا يعجبني هذا أرى ما جازت فيه شهادتهن تامة بلا رجل، ولا يمين كالاستهلال، وعيوب النساء تجوز شهادتهن فيه على شهادة مثلهن بلا رجل معهن. ابن رشد: قول ابن القاسم: إن غاب بدنه لم يجز أن يشهد على شهادته رجل واحد بل رجلان. يريد: أو رجل وامرأتان هو نص ما في شهادتها خلاف قول ابن الماجشون وسحنون في أن شهادة النساء لا تجوز إلا فيما يجوز فيه الشاهد واليمين، ولم يتكلم ابن القاسم في شهادة النساء على شهادة النساء فيما يجوز فيه شهادتهن دون رجل، وقول أصبغ: لا يعجبني هذا، وأرى ... إلخ. يدل على أن روايته عن ابن القاسم أنه لابد في شهادتهن على شهادة النساء في ذلك من رجل معين، وأنه لا يجوز في ذلك شهادة النساء وحدهن، وهو القياس؛ لأن شهادتهن وحدهن على الأصل إنما هي للضرورة، ولا ضرورة في انفرادهن في النقل، وظاهر قول أصبغ أنه يجرئ في ذلك امرأتان على امرأتين.

стр. 4423

وقال بعض أهل النظر: وأراه ابن لبابة معنى قول أصبغ أنه يجزئ في ذلك امرأتان على امرأتين، لا تقوم امرأتان بشهادة امرأتين حتى يكن أربعا، وهو تأويل بعيد لا وجه له في النظر. قلت: ففي لغو نقلهن مطلقاً، وصحته في مطلق ما تجوز فيه شهادتهن بشرط نقل رجل معهن، ثالثها: تجوز فيما لا يطلع عليه غيرهن، ولو كن اثنتين دون رجل، ورابعها: إن كن فيه دون رجل فلابد من أربع لابن الماجشون مع سحنون، وابن القاسم فيها مع سماعة عيسى، وقول أصبغ، وتأويله ابن لبابة. قال ابن الحاجب: وتنقل المرأتان مع رجل في شهادتهن، ومنعه أشهب. قلت: تبع في غزوه لأشهب ابن شاس، وهو وهم لما تقدم من قولها، وقاله أشهب، وبينه عياض حسب ما قدمناه. والعجب من ابن عبد السلام وابن هارون في قبولهما إياه، والظن بهما عدم جهلها لفظ المدونة، وكلام عياض، وقول اللخمي، أجاز أشهب نقل اثنين في الأموال، ولم يجز نقل النساء فيه؛ يريد: إن انفردن لنقله الشيخ عنه بزيادة غلا أن ينقل معهن رجل نقلن عن رجل أو امرأة. فإن قلت: قال المتيطي، وابن فتوح ما نصه: منع أشهب وعبد الملك نقلهن شهادة رجل وامرأة مع رجل أو دونه. قلت: هو عندي، وهم لنقل النوادر عن الموازية ما نصه: تجوز شهادتهن على الوكالة في المال عند ابن القاسم، وقال أشهب وعبد الملك: لا تجوز، ولا ينقلن شهادة، وإن كانت في مال إلا أن يزكى غيرهن، وينقل معهن رجل عن رجل أو امرأة. اللخمي عن محمد: إن شهد رجلان على شهادة رجل في حق وعدلاً رجلاً شهد به جاز، ولو شهد رجلان بحق لم يجز تعديل احدهما الآخر. وشرط نقل غير الزنا اثنان، ولو اشتركا في أصل آخر. فيها: وشهادة رجلين تجوز على شهادة عدد كثير، ولا يقبل أقل من اثنين في الحقوق عن واحد فأكثر.

стр. 4424

اللخمي: قال ابن الماجشون: لا يجزئ في الشهادة على السماع أقل من أربعة؛ لأنه كالشهادة على الشهادة فلا يجري على قوله في المال والحدود غير الزنا أقل من أربعة، وإن نقل عن حكم قاض، فإن كانت الشهادة على القاضي بحكم تضمن مالاً كفى اثنان، وإن كانت على بينة في الحكم لم يجز أقل من أربعة. وشرط نقل الزنا أربعة عن كل واحد اثنان، فتصح الشركة في كل أصل أو بعضه. في الرجم منها: تجوز الشهادة على الشهادة في الزنا مثل أن يشهد أربعة على شهادة أربعة، أو اثنان على شهادة اثنين، واثنين على شهادة اثنين آخرين، ولو شهد اثنان أو ثلاثة على شهادة أربعة لم يجد الرجل وحد الثلاثة إلا أن يقيموا أربعة سواهم على شهادة أربعة أشهدوهم، فلا يحدوا، ويحد الزاني. وسمع أبو زيد ابن القاسم: يجوز ثلاثة على ثلاثة في الزنا، واثنان على واحد. ابن رشد: هو نصها أن الشهادة على الشهادة في الزنا لا تتم بأقل من أربعة، وذكر ما تقدم. وقال: وإن تفرقوا لزم اثنان على كل واحد فيصيرون ثمانية، ويكفي في تعديلهم ما يكفي في غيرهم اثنان على كل واحد وأربعة على جميعهم، وقاله ابن الماجشون، وابن عبد الحكم، وأصبغ، وقول ابن القاسم في السماع يجز ثلاثة على ثلاثة، واثنان على واحد كلام خرج على سؤال سائل لا أنه لا يجوز عنده أقل من ذلك؛ لأنه يجوز على مذهبه اثنان على ثلاثة، واثنان على الواحد. وروى مُطرف أنه لا يجوز في النقل في الزنا إلا ستة عشر، أربعة على كل واحد من الأربعة اجتمعوا أو تفرقوا، وكذا لا يجوز عنده في تعديل الشهود على الشهود إلا أربعة وستون، أربعة على كل واحد من الستة عشر اجتمعوا أو تفرقوا، ويتخرج فيها قول ثالث، وهو جواز أربعة على جميعهم إن اجتمعوا، وأربعة على كل واحد إن افترقوا. المازري: ذكر في عدد ناقلي شهادة الزنا أربعة أقوال: أحدها: يقبل في ذلك رجلان كما يقبل في أحد القولين عندنا شهادة رجلين في الإقرار بالزنا، إذ الشاهدان على رجل أنه أقر عندهما بالزنا كالشهادة على أربعة رجال أنهم أقروا عندهم بأنهم يشهدون في

стр. 4425

الزنا، وأذنوا لهم في النقل عنهم، فلا يفتقر في النقل إلى أربع كما افتقر إلى ذلك في الشهادة بالمعاينة بالزنا؛ لأن طلب الأربعة في الشهادة بالمعاينة في الزنا لستر العورات بخلاف نقل الشهادة به أو الإقرار به، فيترجح هذا القول من أحد القولين في الشهادة بالإقرار بالزنا. وفيها: إن أثبت هذا القول بنص فهو في عهدته، وإن أثبته بتخريجه المذكور رد بأنه في إقراره أسقط حقه في طلب ستر الشرع عليه في تغليظ ثبوت زناه بأربعة شهداء بإقراره، وفضيحته نفسه، فصار ذلك عليه كسائر الحقوق، وهو في نقل الشهادة عليه باق على حقه في الستر؛ فوجب بقاء اعتبار العدد وجوباً أحروياً بدليل قول موجب ثمانية أو ستة عشر. قال: وقد يقبل في ذلك نقل أربعة ليطابق عدد الناقلين، عدد المنقول عنهم، وهذا كالقول بأنه لا يقبل في الإقرار بالزنا أقل من أربعة، وهذا إذا سمع من كل واحد من الأصل شاهدان من الأربعة الناقلين، وقيل: لا يقبل في ذلك أقل من ثمانية على أن كل واحد لا ينقل عنه إلا رجلان لا مدخل لهما في النقل عن غيره كذا حكي عن بعض الناس هذا القول مطلقاً. والذي في الرواية عن عبد الملك أنه يفتقر إلى ثمانية إذا نقلوا مفترقين، وقيل: يفتقر إلى ستة عشر، وعند قائل هذا القول لا يعدل المعاينين أقل من ستة عشر رجلاً، وكذا قال من ذهب إلى شرط ثمانية؛ وهو عبد الملك أن التعديل لا يكون بأقل من ثمانية. قلت: فيتحصل في المسألة خمسة أقوال: أول أربعة: المازري مع أربعة. ابن رشد: قال ابن عبد السلام: تقدم أن في المذهب قولاً شاذاً؛ أن شهود الزنا والحدود لابد أن يكونوا معلومي العدالة عند القاضي. قلت: تقدم تعقبه عليه بأن هذا القول إنما هو في الدماء لا في الحدود. قال ابن زرقون: ذكر ابن عبد الغفور أن التعديل يكون في الدماء، وفي كل شيء، وهو قول مالك في كتاب الديات في "المدونة".

стр. 4426

وقال أحمد بن عبد الملك: لا تكون عدالة في الدماء، ولم يصحب هذا القول عمل. وتتم الشهادة ببعض الأصل والنقل عن باقيه بشرط عدده عند قائليه. الشيخ: لمحمد عن ابن القاسم: إن شهد واحد على رؤية نفسه، وثلاثة على شهادة ثلاثة فذلك تام، ولا يجب الحد حتى يكون عدد الشهود أربعة عند الحاكم، وكذا لو شهد اثنان على الرؤية، واثنان على شهادة اثنين، وأما واحد على رؤية نفسه، واثنان على شهادة ثلاثة؛ لم تجز، وحد شاهد الرؤية للقذف، وشاهدا النقل إن لم يكن في لفظهم أنه زان، إنما قالا: أشهدونا على شهادتهم أن فلاناً زان رأيناه وفلان معنا لم يحدا، وإن قدم الثلاثة حدوا؛ إلا أن يثبتوا على شهادتهم حين قدموا، ويشهدوا بها فيحد المشهود عليه. محمد: هذا إن تأخر ضرب الشاهد الأول حتى قدم هؤلاء، وكذا لو مات واحد وقدم اثنان؛ لأنه قد ثبت شهادة اثنين على شهادة الميت منهم، وكذا إن لم يقدم منهم غير واحد فشهد، قاله ابن القاسم وأشهب وأصبغ. وروى مُطرف: عن حضر ثلاثة على الرؤية وغاب الرابع أو مات لم تقم شهادته إلا بأربعة ينقلون عنهم. وسمع عيسى ابن القاسم في الشهادة على الشهادة في الزنا: لا تجوز حتى يشهد أربعة على أربعة في موضع واحد، وساعة واحدة في موقف واحد على صفة واحدة. ابن رشد: ليس من شرط بينة الزنا تسمية الموضع، ولا اليوم، ولا الساعة، وإنما شرطها عند ابن القاسم ألا يختلف الشهود في ذلك، فإن شهد الشهود بمعاينة الفرج في الفرج تمت الشهادة، وإن قالوا: لا نذكر اليوم، ولا نحد الموضع، وإن سموهما كان أتم. وذكر بعض ما تقدم في بينة الزنا، ثم قال: لا تجوز شهادة أربعة على أربعة في الزنا؛ إلا أن يشهد الأربعة معاً على شهادة كل واحد من الأربعة أنهم رأوه معاً يزني بفلانة؛ فرجه في فرجها، كالمرود في المكحلة، وإن تفرق إشهادهم لهم مثل أن يشهد اليوم أحدهم، وغداً الثاني، وبعد غد الثالث، والذي يليه الرابع، وأما إن تفرقوا في الإشهاد

стр. 4427

مثل أن يشهد أحدهم اليوم على شهادة جميع الأربعة، ثم يشهدهم الثاني غداً، ثم يشهدهم الثالث بعد غد، ثم يشهدهم الرابع في اليوم الذي يليه، فلا يجوز ذلك إلا على القول بجواز أن يفرق الشهود في تأدية الشهادة في الزنا، ومضى ذكر ذلك؛ لأن الإشهاد على الشهادة كتأدية الشهادة فيما يلزم فيها. ومراد ابن القاسم بقوله: (في موضع واحد، ويوم واحد، وساعة واحدة) أن يكون الزنا الذي شهد عليه الأربعة زناً واحداً. ويريد بقوله: (في موقف واحد) أن يشهدوا كلهم معاً على شهادتهم بكل واحد من الشهود الأربعة، وأن يؤدي الشهود الأربعة الشهادة على الشهادة عند الحكم؛ معاً غير مفترقين. وقيل: إن تفرقوا جاز، فإن شهد أربعة على أقل من أربعة، أو أقل من أربعة على أربعة؛ حدوا؛ إلا أن يأتوا بما يوجب الحد على المشهود عليه، وذلك أربعة سواهم يشهدون على شهادة أربعة، أو على معاينة الزنا، على القول بأنه لا يجوز تفرق الشهود في تأدية الشهادة في الزنا، وعلى القول بجواز ذلك يجزئهم إن كانوا ثلاثة أن يأتوا بشاهد يشهد معهم، يشهد على شهادة الأربعة، وعلى شهادة نفسه. قلت: ما حكاه- أولاً- خلاف حكم ما تقدم لمحمد عن ابن القاسم وأشهب وأصبغ فتأمله. الشيخ: سمع يحيى ابن القاسم في شاهدين نقلا شهادة رجل، وحكم بها، ثم قدم فأنكر أنه أشهدهما، أو عنده في ذلك علم، قال مالك: يفسخ ذلك. وفي سماع عيسى إن نقلا عن شاهد، فحكم له مع اليمين، أو عن اثنين فحكم بها، ثم قدم من نقلا عنه فأنكر؛ فالحكم ماض، ولا غرم عليهما، ولا يقبل تكذيبه لهما. وروى نحوه أبو زيد. وعن المازري: الأول؛ لرواية ابن حبيب، وعن الثاني لمُطرف وابن القاسم. ابن رشد: جعل ابن القاسم إنكار الشهود بعد الحكم كرجوع الشاهد عن الشهادة بعد الحكم في أن الحكم لا يرد لاستواء المسألتين في أن الحاكم حكم بما يجوز له

стр. 4428

من الشهادة دون تفريط. ووجه تفرقة مالك هو أن إنكار المشهود على شهادته إن كان صادقاً في إنكاره وتكذيبه من نقل عنه؛ بطلت الشهادة لتصديقه في تكذيبه شهادته؛ إذ لم يثبت عليه أنه أشهدهما على شهادته، ثم رجع عنها، فوجب رد الحكم لئلا يتلف على المقضي عليه ماله، والشاهدان إذا رجعا عن شهادتهما مقران بالعداء على المحكوم عليه. ابن الحاجب: وإذا كذب الأصل قبل الحكم بطلت، وبعده تامة. ابن القاسم: يمضي، ولا غرم. ابن حبيب: ينقض، وقيل: يمضي ويغرم الأصل لرجوعهم. قلت: قوله: قبل الحكم بطلت. قال ابن رشد: اتفاقاً، والقول الثالث لم يحكه الشيخ ولا ابن رشد. وقال اللخمي في كتاب الرجم: إن شهد اثنان على شهادة أربعة؛ فلم يحدوا على قول ابن القاسم حتى قدم الأربعة المنقول عنهم، فإن ثبتوا على شهادتهم؛ حد المشهود عليه، واختلف إن أنكروا أنهم أمروهما بالنقل عنهم، فقال محمد: يحد القادمون؛ لأنهما صارا شاهدين عليهم بقذفهم هذا الرجل، وجعلهم كالراجعين عن شهادتهم، وإن نقل اثنان عن ثلاثة، وواحد على المعاينة؛ فلم يحد حتى قدم الثلاثة، فإن ثبتوا على ما نقل عنهم؛ حدوا هم، والرابع الشاهد بالمعاينة على قول ابن القاسم، ولم يحدوا على قول أشهب، وحد المشهود عليه؛ لأنهم يضم الشهادة، وإن أنكروا، وقالوا: ما أشهدناهما بشيء لم يحد المشهود عليه، ويختلف في حد المنقول عنهم فعل قول محمد، وعلى قول مالك في شاهدين على شهادة رجلين بمال، فقضي بشهادتهما، ثم قدم المنقول عنهما فأنكرا الشهادة أنه يرد الحكم لا يحدون. وقال الأخوان، وأصبغ، وابن القاسم: الحكم ماض، ولا شيء على المنقول عنهم، ولا على الناقلين، فرد مالك الحكم، ولم يرهم كالراجعين عن شهادتهم، وعلى قوله هذا لا يحد القادمون، وعلى قول مطرف وابن القاسم أيضاً؛ لا يحد المنقول عنهم، وتسقط دية المرجوم إذا نقل أربعة عن أربعة، ورجم، ثم أنكر المنقول عنهم.

стр. 4429

وعلى قول محمد يغرم القادمون الدية والمال إذا كان الحكم بمال. وذكر ابن سحنون القولين إذا أنكر المنقول عنهم بعد الحكم: هل ينقض الحكم أم لا؟ قلت: فلا أعلم ما يثبت نقل ابن الحاجب القول الثالث إلا قول اللخمي. وعلى قول محمد يغرم القادمون الدية والمال إذا كان الحكم بمال. ويرد بأنه إنما قاله محمد في تكذيبهم من نقل عنهم قبل الحكم. وتقدم نقل ابن رشد الاتفاق على بطلان شهادتهم في تكذيبهم من نقل عنهم قبل الحكم، ولا يلزم من جعلهم راجعين قبل الحكم، جعلهم كذلك بعد الحكم لما تقدم من توجيه. ابن رشد: القول بإمضاء الحكم. وتبعه المازري في عزوه لمحمد في المسألة التي ذكر عنه أن المنقول عنهم بإنكارهم كالراجعين، ولم يصرح بإغرامهم. وزاد الشيخ في مسألة تكذيب الأصل من نقل عنهم قبل الحكم- من الموازية- أنه لا يجوز أن ينقل عنه إلا أن يكون صار ذلك إقراراً على نفسه، أو آل إلى أن صار بمجرده منفعة فينفذ ذلك عليه. قلت: صيرورته إقراراً بأن تكون شهادة الأصل بدين على رجل فلم تنقل عنه حتى مات المدين على المال، والأصل وارثه وصيرورة جحوده منفعة له أن تكون شهادة الأصل على المشهود عليه بدين، وهو مدين للأصل فلم ينقل عنه حتى فلس. المازري: ولو لم يعلم تكذيب المنقول عنهم للناقلين إلا من جهة أخرى نقلت عنهم أنهم كذبوا الناقلين عنهم؛ لمنع هذا من إيقاع الحكم لما وقع من الاختلاف في الشهادة على المنقول عنهم، ولم تثبت هذه البينة الأخرى بتكذيب الناقلين إلا بعد الحكم، فقد أشار بعض العلماء إلى أن نقض الحكم فيه آكد من نقضه بظهور فسق من حكم بشهادته لعدالته، ولعلة عنده أن بينة النقل وبينة نقل تكذيبهم للأصل إنما هما عن قطع، وبينتا التعديل والتجريح إنما هما عن ظن.

стр. 4430

وبالجملة لا يبعد إجراء المسألة على القولين في الحكم بشهادة من ظنت عدالته، ثم ثبت فسقه. المازري: لو أن الشهود الذين حكم القاضي بشهادتهم أكذبوه بعد أن حكم، ففي المجموعة: ينظر السلطان؛ فإن كان القاضي عدلاً أمضى حكمه، وتقدم عن الموازية فيمن حكم لزيد على عمرو بمائة فنسبه الشهود للغلط، وقالوا: إنما شهدنا بها لزيد على عمرو إن تيقن كذبهم لم ينقذ حكمه، ويغرم لزيد المائة للبينة عليه بأنه أثبت مال من حكم عليه. ومقتضى قوله: لو رفع الحكم لغيره والقاضي فقيراً انتزع المال ممن حكم له به، وقال محمد: لو شك القاضي في صدقهم وحرز أنه غلط نقض حكم نفسه. ولابن رشد في رسم (يوصي) من سماع عيسى: ولو لم يذكر الأصل شهادته، ولا قطع بأنه لم يشهد بنقلها، وإنما قال: لا أذكرها، وأنا شاك فيها تُخرج على الخلاف، في العمل بالحديث إذا رواه الراوي؛ فتوقف فيه المروي عنه، وشك فيه، ولم يقطع على أنه لم يحدث. قلت: ظاهر لفظه أنه لا نص فيها. وقد تقدم عن الموازية: إن شك الأصل في النقل عنه؛ كإنكاره، وكذا ذكره اللخمي. [باب الرجوع عن الشهادة] الرجوع عن الشهادة: هو انتقال الشاهد بعد أداء شهادته بأمر إلى عدم الجزم به دون نقيضه، فيدخل انتقاله إلى شك على القولين بأن الشاك حاكم أو غير حاكم.

стр. 4431

والأول قول الأصبهاني شارح المحصول. والثاني قول القرافي. وقيد بعد أداء شهادته، وهو ظاهر الروايات، وظاهر لفظ المازري صدقه على ما قبل الأداء؛ فعليه بحذف لفظ: (بعد أداء شهادته). قال في ثاني جوابه عن فصل الرجوع: إن سئل مريض عن شهادة فأنكرها، وقال: ما أشهد به بينكما باطل، ثم أداها واعتذر عن سابق قوله بخوف الوهم لمرضه ونحوه، فالأصل بطلانها. وقال مالك: تقبل لصدق عذره بقرينة مرضه، وقال أيضاً: من سئل عن شهادة فلم يذكرها، ثم قال: تذكرتها، قيل: إن كان مبرزاً، ولم يمض من الزمان ما ينكر فيه صحة ما اعتذر به. المازري: في الواجب قبولها على الإطلاق؛ لأن الشك يعرض للعالم، ثم يذهب. وقال سحنون: إن قال: أنا تذكرتها، ثم قال: ذكرتها؛ قبلت إن كان مبرزاً. قلت: وقول المازري في هذا أحرى منه في الأولى. قال سحنون: وإن قال: لا أعلمها، ثم رجع، ثم قال: علمتها، فقول مالك في

стр. 4432

ذلك اختلف. قلت: قوله: الواجب قبولها على الإطلاق؛ لأن الشك يعرض للعالم كالنص على أن ما سئل عنه مالك فيمن سئل عن شهادة لم يذكرها أنه شاك، وما ذكره عن سحنون في قوله: وإن قال: لا أعلمها ظاهر في صدقه على الشك، فيتحصل منه في قبول شهادة من صرح بشكه فيها، أو ملزمه، ثم رجع إلى الجزم بها، ثالثها: إن كان مبرزاً لإحدى روايتي سحنون مع قول المازري: الواجب قبولها مطلقاً، وثاني روايتي سحنون، ورواية المازري. ومسألة المريض هي سماع ابن القاسم من سئل عن شهادة وهو مريض؛ فأنكرها وقال: كل شهادة أشهدتها بين فلان وفلان باطلة، ثم شهد به، وقال: كنت مريضاً فخفت أن لا أكون أتثبت بها، وشهد هذا القول الذي له وجه يعرف جازت شهادته إن كان عدلاً لا يتهم. ابن رشد: معناه إن كان مبرزاً في العدالة، وهذا إن سألها لتنقل عنه على ما في سماع يحيى، لو لقيه من عليه الحق، فقال له: بلغني أنك تشهد علي بكذا، فقال: لا أشهد عليك بذلك ولا لي منه علم، وإن شهدت عليك به فشهادتي باطلة، ثم شهد لم يقدح ذلك في شهادته، وإن كان على قوله بينة، قاله ابن حبيب، وهو تفسير لقول مالك هذا. ولقول ابن القاسم في سماع يحيى، والفرق بين الموضعين أنه يقول في الوجه الثاني: إنما قلت له معتذراً، ولم أزل عالماً بما شهدت به، والوجه الأول لا عذر له فيها أقر به على نفسه من الجهل الشهادة فوجب أن تبطل؛ إلا أن يأتي بما له وجه من أنه خشي أن لا يقوم بها في مرضه فيصدق إن كان مبرزاً. قلت: سماع يحيى هو قوله من قيل له وهو عند القاضي: إن فلاناً ادعى أنك تشهد في ذكر حق له على فلان، فقال: ما أذكر أنه أشهدني عليه بشيء، وماله عندي علم، ثم انصرف فذكر فعاد إلى القاضي بعد أيام فشهد في ذلك الحق جازت شهادته إن كان مما لا يشك في عدالته، ولا يتهم في شيء من عمله. في أقضيتها: إن استقال الشاهد قبل الحكم، وادعى وهماً، وجاء بشبهة أقيل، ولا

стр. 4433

تبطل شهادته إلا أن يعرف كذبه فيما شهد فيه فترد شهادته في هذا، وفي غيره. وقال في كتب السرقة: إن رجعا قبل الحكم، ولهما عذر بين يعرف به صدقهما، وكانا بيني العدالة أقيلا، وجازت شهادتهما بعد ذلك، وإن لم يتبين صدقهما لم يقبلا فيما يستقلان، ولو أدبا لكان لذلك أهلا، ولو شهدا على رجل بالسرقة، ثم قالا قيل القطع: وهمنا؛ بل هو هذا الآخر، لم يقطع واحد منهما. وللشيخ عن الموازية: إن قالا قبل الحكم وهمنا؛ لم يقبلا، وقاله ابن القاسم وأشهب قالا: ولو قالا في آخر على هذا شهدنا، ووهمنا في الأول لم يقبلا على واحد منهما، ورواه ابن القاسم. قال أشهب: كان ذلك في حق أو قتل أو سرقة أو قتل في إخراجهما أنفسهما عن العدالة بإقرارهما أنهما شهدا على الوهم والشك. وفي سماع يحيى قال سحنون: وأنا أقول: إذا استقال الشاهد قبل القضاء أو بعده، وادعى أنه غلط، ثم ذكر أو شبه عليه قبل قوله، وأقيل في شهادته فيما يستقلا إذا كان عدلاً مرضياً. ابن رشد: إن كان ذلك قبل القضاء فلا خلاف في قبول قوله، فتجوز شهادته فيما يستقبل، ولا يؤدب إن كان عدلاً رضى، وإن استقال بعد الحكم؛ فقيل: لا تجوز شهادته فيما يستقبل، وإن شبه عليه، وهو قول مالك في أقضية المدونة خلاف قول سحنون، هذا أنه تجوز شهادته فيما يستقبل إذا شبه عليه، وكذا يختلف في وجوب غرمه إذا شبه عليه، ولا يؤدب. المازري: إن وقع بعد أدائها تشكك فعاد إلى القاضي، فقال: توقف في قبول شهادتي، ثم قال له: ذهب عني التشكك؛ فذهب بعض الناس إلى أن ذلك على قولين، ولا يبعد أن يكون هذا التشكك كما حكيناه عن المذهب إذا جرى ذلك منه قبل أدائه. قال ابن الحاجب: فإن قال: تشككت، ثم قال: زال الشك. فقال المازري: هي مثل التشكك قبل الأداء، ثم يقول: تذكرتها فالواضح قبولها، وثالثها: إن كان مبرزاً قبلت.

стр. 4434

قال ابن عبد السلام: قال المازري: فذكر ما نقلناه عنه آنفا، وقال: (وليس في كلام المازري بيان للأقوال الثلاثة) إذا شك قبل الأداء، وذكر ما نقلناه عنه أولاً. وقوله: (وليس في كلام المازري بيان للأقوال الثلاثة) يرد بما بيناه من دلالة لفظ المازري على تحصيل الأقوال الثلاثة. ورجوعهما بعد الحكم، وقبل إنفاذه في المال لا يسع إنفاذه. ابن حارث: إن رجعا بعد الحكم، وقبل قبض المال وجب للمحكوم له قبض المال اتفاقاً. وفي سرقتها إن رجعا بعد الحكم بدين ضمناه ظاهره، ولو قبل تنفيذه، وهو مقتضى نقل الصقلي عن الموازية: إن رجعا بعد الحكم فهرب المقضي عليه قبل أن يؤدي، فطلب المقتضي له الشاهدين بما كانا يغرمان لغريمه لو غرم؛ لم يلزمه غرم حتى يغرم المقضي عليه، ولكن ينفذ القاضي الحكم للمقضي عليه على الراجعين بالغرم؛ هرب أو لم يهرب؛ فإذا غرم أغرمهما، وكما لو شهدا بحق إلى سنة، ثم رجعا؛ فلا غرم عليهما حتى يغرم هو. وقال محمد بن عبد الحكم: للمقضي عليه أن يطلب الشاهدين بالمال، حتى يدفعاه عنه للمقضي له به. الصقلي والشيخ عن الموازية: لو شهدا بقتله عمداً؛ فحكم الإمام بقتله، ودفعه للولي فأقرا بالزور قبل أن يقتل؛ فهذا اضطرب فيه. قال ابن القاسم: مرة ينفذ الحكم بقتله؛ لأنهما الآن لا تقبل شهادتهما، ثم رجع فقال: هذا القياس، ولكن أقف عن قتله لحرمة القتل، وكذا القطع، وشبهه، والعقل فيه أحب إلي، واختلف فيه قول أشهب كابن القاسم. أصبغ القياس: القتل، والقطع، والرجم في زنى المحصن وكل شيء، وأستحسن لحرمة الدم خطر القتل أن لا يقتل؛ ولا دية على شاهد، ولا مشهود عليه، وأراه شبهة كبيرة، وقاله محمد. المازري: قول ابن القاسم: أحب إلي أن يكون فيه العقل، لم يذكر على من يكون

стр. 4435

العقل، هل على الشهود؛ لأنهم أبطلوا الدم فيغرموا ديته، وإن أراده فهل عليهم دية من شهدوا عليه أو دية القاتل؛ لأن الدية قد تختلق؛ قد يكون القتيل رجلاً، والقاتل امرأة، والأظهر أن مراده أن العقل على القاتل حتى لا يبطل الدم عنه. ولو كان رجوعهما ذلك في زنا محصن، ففي تنفيذ رجمه، وسقوطه لا لبدل، ثالثهما: يُحد حد البكر، للخمي عن أحد قولي ابن القاسم مع أحد قولي أشهب، وثاني قولي ابن القاسم والمازري عن محمد. قلت: إنما نقله الشيخ عن البرقي عن أشهب: ولو كان رجوعهما في زنا محصن، ففي إنفاذه، وسقوطه لعقوبته فقط قولا ابن القاسم مع اللخمي عن محمد واختياره. وفي القذف منها: وإن قالت البينة بعدما وجب الحد: ما شهدنا إلا بزور درء الحد. قال ابن الحاجب: الثانية بعد القضاء، وقبل الاستيفاء. قال ابن القاسم: يستوفي الدم كالمال، وقال أيضاً، وغيره: لا يستوفى لحرمة الدم، ومثله لو رجع شهود الإحصان لجلد جلد البكر. قال ابن هارون: معناه أنه لا يرجم؛ ويحد حد البكر. وقال ابن عبد السلام: مثل رجوع شهود القتل، رجوع شهود شرطه بإن شهود الزنا أجبوا مطلق الحد على الزاني، وقيد كونه رجماً وجب بشهود الإحصان، فإذا رجع شهود الإحصان قبل استيفاء هذا الحد، فعلى أحد قولي ابن القاسم في المسألة الأولى لا يعتبر رجوعهم، وعلى القول الآخر يعتبر في إسقاط ما أوجبته شهادتهم، وهو الرجم، ويبق مطلق حد الزنا، وهو صادق بحد البكر. قلت: مسألة رجوع شهود الإحصان دون شهود الزنا لا أعرفها لغير ابن الحاجب، وتفسيره ابن هارون خلاف تفسيره ابن عبد السلام، والصواب جريها على اختلافهم إذا شهد اثنان بإحصانه، وأربعة بزناه، ثم رجعوا أجمعون فعلى القول الأول ألا غرم على بينة الإحصان لا ينفذ الحكم برجمه اتفاقاً، وعليه يأتي تفسير ابن هارون على القول بغرمهم يأتي تفسير ابن عبد السلام تقدم قولها: إن رجعا بعد الحكم عن شهادتهما بدين ضمنا، وظاهره، ولو لشك.

стр. 4436

الشيخ عن سحنون: اختلف أصحابنا في رجوع البينة بعد الحكم، فقال: إن قالوا: أوهمنا أو شبه علينا؛ فلا غرم عليهم ولا أدب، وإن قالوا: زورنا، غرموا ما أتلفوا وأدبوا. وقال آخرون: يغرمون، ولو في الوهم والشك؛ ويؤدب المعتمد. قلت: إن قيل: الخطأ في أموال الناس كالعمد اتفاقاً في المذهب، ولذا رجح غير واحد القول الثاني بما وجه القول الأول. قلت: إنما وقع الاتفاق على أن الخطأ كالعمد في أموال الناس في فعل غير المأذون له في الفعل، والمأذون له في الفعل ليس كذلك كالراعي يضرب الشاة ضرب مثلها فتهلك لا يضمنها، والوكيل على شراء عبد فيشتري أبا الموكل خطأ لا ضمان عليه، والشاهد مطلوب بالشهادة؛ فالقول بعدم ضمانه بناء على أنه يطلب الشهادة منه كالمأذون له في الفعل منضماً إلى أن الأصل عدم التفريط، وعدم الضمان. وعزا ابن رشد في سماع عيسى القول الأول لسماع عيسى ابن القاسم قال: وهو قول ابن الماجشون حكاه عنه ابن حبيب. وقال: هو قول جميع أصحابنا المغيرة وابن دينار وابن أبي زيد وغيرهم، وعزا الثاني لقول ابن القاسم في السرقة من المدونة، وهو ظاهر ما في أو رسم من سماع ابن القاسم، ونص قول ابن حبيب عن مُطرف، وابن القاسم وأصبغ. الشيخ: قول محمد لم يحفظ عن مالك في غرم الشهود جواباً إذا شهدوا بحق فحكم به، ثم رجعوا، ولكن قال ذلك أصحابه أجمع المدنيون والمصريون. قال ابن القاسم: أخبرني من أثق به عن عبد العزيز بن أبي سلمة في رجوع أحد الشاهدين بعد الحكم قال: يغرم نصف الحق؛ ولا يرد الحكم. قال ابن القاسم: فسألت عنه مالكاً فقال: يمضي الحكم، ولم يتكلم فيما وراء ذلك. وقال ابن القاسم وأشهب وابن وهب وابن عبد الحكم وعبد الملك وأصبغ: إنه يغرم نصف الحق. قال ابن القاسم: ولا شيء عليهما حتى يقرا بتعمد الزور؛ ولو قال ذلك أحدهما،

стр. 4437

وقال الآخر: وهمت، أو شبه علي، أو كان قضاه الدين ونسيت، فهذا يغرم، ويغرم الآخر نصف الحق، وكذا قال عبد الملك وابن عبد الحكم وأصبغ وقال أشهب: يضمنان إذا رجعا، وإن لم يتعمدا، واعتذرا بسهو أو غلط. قلت لابن عبد الحكم: لم لا يلزمهما ما أدخلاه فيه مما لم يكن عليه بجنايتهما، وإن كانت خطأ، فقال لي: ما أقر به، وانظر فيه. قلت: قد تقدم جوابه. قال محمد: ولا يمين على المقضي له برجوع أحدهما، ولو كان قبل قبضه حقه. قال ابن رشد في سماع عيسى: وفي الديات أربعة أقوال: الأول: الدية في مالهما إن تعمدا الزور أو شبه عليهما لابن القاسم في هذا السماع، وفي الواضحة ومُطرف وأصبغ فيها، وظاهر كتاب السرقة من المدونة. الثاني: إن تعمدا كان عليهما القصاص، وإن شبه عليهما فالدية في أموالهما، قاله ابن نافع وأشهب، وروي عن علي ابن أبي طالب ﵁. الثالث: إن تعمدا فالدية في أموالهما، وإن شبه عليهما كانت على عواقلهما، قاله أصبغ في سماعه من الديات. الرابع: إن تعمدا فالدية في أموالهما، وإن شبه عليهما كان هدراً، قاله ابن الماجشون والمغيرة وابن دينار، وابن حازم وغيرهم. ففي العمد قولان: القصاص، والدية في أموالهما. وفي التشبيه في كونها في المال أو على العاقلة، ثالثها: هدر. عزا المازري القولين في تعمد الزور بالقصاص، وكون الدية في أموالهما لروايتين قال: والأولى: اختيار بعض حذاق البغداديين. والثانية: أشهر عند أصحاب مالك، والناظر في القولين بغمض وعد هذه المسألة أبو المعالي على استئجار في العلوم الشرعية أصولاً وفروعاً من المعضلات. قلت: الأظهر أنها غير معضلة لوضوح أمرها، فإن القتل إنما وقع بشهادتهما، وإكراههما القاضي على قتله، وصيرورته بشهادتهما كآلة قتل بهما.

стр. 4438

المازري: لو قال الشهود لما رجعوا: لم نتعمد بشهادتنا الكاذبة قتله ظناً منا أن القتل لا يلزمه، وأن القاضي لا يقبل شهادتنا، فقد اضرب فيه العلماء، وربما لحق هذا بمسائل شبه العمد، وهو القتل الذي ليس بعمد محض، ولا خطأ محض. قال: ولو أن القاضي علم بكذب الشهود فحكم بالجور وأراق هذا الدم، كان حكمه حكم الشهود إذا لم يباشر القتل بنفسه بل أمر به من تلزمه طاعته، ولو أن ولي الدم علم بكذب الشهود في شهادتهم، وبأن القاضي علم ذلك، فقتل قاتل وليه اقتص منه بلا خلاف عند المالكية والشافعية، وقول أبي حنيفة: لا يقتل كالشهود خيال فاسد، وتبع ابن شاس وابن الحاجب المازري فيما ذكره في علم القاضي بكذب الشهود، فقال ابن الحاجب: لو علم الحاكم بكذبهم، وحكم، ولم يباشر القتل فحكمه حكمهم. فقال ابن عبد السلام: ظاهر كلامه أن الخلاف المتقدم بين ابن القاسم وأشهب جار هنا. وقد قال في آخر الرجم من المدونة: إن أقر القاضي أنه رجم، وقطع الأيدي أو جلد تعمداً للجور أقيد منه، وهو ظاهر في أن القود يلزم القاضي، وإن لم يباشر، وعليه حمله بعض الشارحين، وما أظنه يختلف في ذلك. قلت: ما في المدونة مثله في النوادر لرواية ابن القاسم ولان سحنون عنه فيما أقر به من تعمد جور إن قامت عليه بينة فليقتص منه. قلت: وقد يفرق بين مسألة المازري، وبين مسألة كتاب الرجم، وما وافقهما مما ذكرناه بأن محمل مسألة كتاب الرجم أنه أقر بالعداء، والجور دن استناد منه لسبب ظاهر. وفي مسألة المازري، وهو مستند في الظاهر لسبب، وهو البينة المذكورة، والاستناد إلى السبب الظاهر، وإن كان كاذباً له أثر وشبهة كقولها: إن لمن قذف، وهو يعلم من نفسه صدق قاذفه، فيما رماه به أن يحده خلافاً لابن عبد الحكم. سحنون: إن رجعوا عن شهادتهم بشتم أو حد قذف أو زنا بكر، أو لطمة أو ضرب بسوط يوجب الأدب بعد القضاء في ذلك بالأدب، وأقروا بالزور؛ فإنما فيه عند

стр. 4439

أصحابنا إلا الأدب من السلطان لا قود ولا حد، ولا تقع المماثلة في اللطمة، ولا ضرب السوط. قال ابن عبد السلام: وقد يسبق إلى الذهن أن من يرى القود في السوط من أصحابنا يرى للمشهود عليه هنا أن يقتص من الشهد، وهذا إنما يتم لو كان أشهب الذي يوجب للمشهود عليه القصاص من الشهود يقول بالقود من السوط. قلت: يرد تعقبه التخريج بان الحكم على المشهود عليه بالضرب بالسوط إن كان به فهو عند الحاكم مماثل؛ فيجب الحكم به على الشهود برجوعهم. والتخريج إنما يتصور على هذا التقدير، وإن لم يحكم على المشهود عليه بالضرب بالسوط لعدم تماثله غيره، وحكم عليه بمطلق الأدب فواضح؛ لأنه لا يحكم على الشهود إلا بالأدب. وقوله: (وهذا إنما يتم ... إلخ) يرد بأن القول بعدم القود في السوط بناء في تصور التخريج المذكور، وإنما يتصور على القول بالقود في السوط حسبما بيناه فتأمله. الشيخ في الموازية عن ابن القاسم: إن شهد رجلان بان هذا الرجل قتل ابن هذا عمداً فقضي بقتله فقتل، ثم قدم الابن حياً غرم الشاهدان ديته في أموالهما؛ إن تعمدوا ذلك، ولا شيء على الإمام، ولا على عاقته، وعلى الأب، وقاله أصبغ إن كان ذلك من الشاهدين عمداً. ابن القاسم: ولو صالح الأب القاتل بمال لرده؛ فإن كان عديماً لم يتبع الشاهدان بشيء، وقاله ابن سحنون لا بقيد إن تعمدوا ذلك، وزاد عنه: ولا يرجع الشاهدان فيما غرما على القاتل بشيء؛ لأنهما اللذان تعديا، فإن كانا عديمين رجع ولي المقتول على الولي القاتل، فإن أخذ ذلك منه لم يرجع على الشاهدين؛ لأنه الذي أتلف النفس كمن تعدى على مال رجل فأطعمه لآخر لم يعلم بعدائه، فلربه طلب المتعدي، ولا رجوع للمتعدي على الآكل، فإن كان المتعدي عديماً رجع على الآكل، ولا يرجع به الآكل على المتعدي. المازري: هذا تشبيه صحيح لولا أن الآكل انتفع بالطعام، وربما وفر به ماله،

стр. 4440

والمقتص لم ينتفع بالقتل، ولا وفر به نفساً. سحنون: وروي أن ولي الدم خير إن شاء اتبع الشاهدين، إن اختار ذلك لم يكن له التحول عنهما إل لعدمهما؛ لأنه إن أخذ ذلك منهما رجعا به على الولي، وإن اختار تضمين القاتل؛ فليس له التحول عنه إلى الشاهدين أعدم أو لم يعدم، وإن ودى القاتل إلى الولي لم يكن له رجوع على الشاهدين، وقد روي أنه لا يرجع على الولي بشيء؛ لأن ظهور المحكوم بقتله حياً أبطل الحم، والولي إنما أخذ ما أعطاه الشاهدان على أنهما صدقا عنده، والذي أخذ قصاص لا ثمن فيه، وعلى الشاهدين غرم الدية؛ لأنهما اللذان أتلفا ذلك. قلت: فحاصله إن قدم من اقتص بقتله ببينة حياً ففي تغيير رجوع ولي من قتل به على الشاهدين عليه بديته في أموالهم إن كانا مليئين؛ وإلا فعلى المقتص، وتخييره في ذلك، وفي رجوعه على المقتص، ثالثها: لا جوع على المقتص بشيء مطلقاً. لمحمد عن ابن القاسم قائلاً: إن تعمدا ذلك، وإن شبه فالدية على عاقلتهما مع أصبغ وابن سحنون عن أبيه غير قائل ذلك، ونقليه بلفظي، وروي على الأول إن غرم المقتص لعدم الشاهدين لم يرجع عليهما بما غرمه، وعلى الثاني إن اختار إتباع الشاهدين فليس له التحول إل المقتص إلا لعدمهما؛ لأنهما إن غرما رجعا عليه لما غرماه، وإن اختار إتباع المقتص فليس له التحول إلى الشاهدين، ولو كان عديما؛ لأنه إن غرم لم يتبع الشاهدين بما غرم. قال ابن عبد السلام: والظاهر تخيير المستحق في أخذ الدية ممن شاء، وأخذ البعض من الشهود والبعض من القاتل. قلت: فيما قاله نظر؛ لأنهما إن تساويا في موجب الغرم لم تجز تعيين أحدهما له دون الآخر؛ فيبطل التخيير، وإن لم يتساويا؛ لانفراد كل منهما بمعنى يناسب الغرم دون صاحبه أمكن التخيير في ترجيح ما اختص به أحدهما على ما اختص به الآخر في إيجاب الغرم؛ لأن البينة اختصت بالعداء، ولم تباشر الإتلاف، والمقتص اختص بالمباشرة دون العداء، وإغرام كل منهما ملزوم لترجيح كل منهما على الآخر، وهو محال وتساويهما

стр. 4441

باطل لما مر. قال ابن الحاجب: قال المازري: لا خلاف في تعلق الغرامة بهم إن شهدوا على قتل عمد فاقتص، ثم ثبت أنه حي، وإنما الخلاف في البداية وفي الرجوع، فقال ابن القاسم: يبدأ بالشهود، وإن كانوا فقراء فمن القاتل، وقيل: المستحق مخير، وفي الرجوع؛ قيل: إنما يرجع الشهود بما أدوا على القاتل، وقيل: بالعكس، وقيل: لا رجوع، فقال ابن عبد السلام: نقله عن المازري الثلاثة الأقوال، وقال ابن هارون: وقوله: (وقيل بالعكس) يقتضي أنه يبدأ بالقاتل، فإن كان فقيراً رجع على الشهود، وهذا القول مما انفرد به، وكذا قوله: (وقيل لا رجوع) يوهم نفي الرجوع مطلقاً عن الولي والشهود، وإنما هو منقول عن الولي فقط. قلت: قوله: (وقيل بالعكس) يقتضي أن القاتل إذا أدى إما لعدم الشهود. وإما لاختيار الولي تغريمهم؛ فإنه يرجع على الشهود بما أدى، ولا يرجعون هم عليه إن أدوا مطلقاً سواء أدوا بتبدئتهم في الغرم أو باختيار الولي تبدئتهم، وهذا القول لا أعرفه لا في النوادر، ولا في نقل المازري، إنما نق عن سحنون عدم رجوع الغارم مطلقاً كان الغارم البينة أو القاتل، ونقل على القول بالتخيير رجوع البينة إن غرمت على القاتل. قال: وهو خلاف ما تقدم لسحنون، وذلك من لفظه واضح لا إجمال فيه، ولا احتمال. وتفسير ابن هارون قوله: (وقيل بالعكس) بأنه يبدأ بالقاتل، فإن كان فقيراً رجع على الشهود غير صواب؛ لأن هذا العكس إنما هو في التبدئة لا في الرجوع، والعكس في لفظ ابن الحاجب إنما ذكره في الرجوع لا في التبدئة. الشيخ عن سحنون: ولو كانت الشهادة بقتل خطأ، ثم قدم من شهد بقتله بعدم غرم العاقلة الدية رجعت على البينة بها حالة، فإن أعدمت فعلى الولي، ومن غرمها منهما لم يرجع على آخر بشيء. وروي أن العاقلة مخيرة إن اتبعت البينة فلا تحول لها عنها إلى الولي إلا في عدمها؛

стр. 4442

لأنها لو غرمت رجعت على الولي، وإن اتبعت الولي فلا تحول لها عنه إلى البينة، ولو أعدم، لأنه إن غرم لم يكن له رجوع على البينة، وذكر قبل هذا عن ابن القاسم أن الأب يرد على العاقلة ما أخذ منها، فإن وجد عديما غرمت ذلك البينة بخلاف رجوعهما لاحتمال كذبهما في رجوعهما فلم ينقذ الحكم به، وهذا لما قدم حياً علم كذبهما، ولما ذكر المازري قول ابن القاسم قال: وقيل: يبدأ بالشهود في غرم الدية للعاقلة، فإن كانوا فقراء رجعت على الأب بالدية، ولا يرجع الغارم من الشهود على الأب، ولا الأب على الشهد، ثم ذكر القول بالتخيير على نحو ما ذكره الشيخ. المازري: فتلخص من هذا أن المذهب لم يختلف في توجه الطلب على الأب، وعلى البينة لكن إن كان أحد الصنفين فقيراً طلب الأب بغير خلاف، وإن كانا مليئين فاختلف هل تخير العاقلة في طلب الأب أو الشهود أو يقع الطلب على الترتيب، وعليه اختلف فيمن يبدأ به هل الأب أو الشهود، ثم رجوع الغارم على المصنف الآخر فيه ما قدمناه من كون الشهود إذا غرموا فيه قولان: هل يرجعون على الأب أو الأب إذا غرم لا يرجع عليهم. وفيها: وإذا شهد أربعة على رجل بالزنا، فرجمه الإمام، ثم وجدوه مجبوباً لم يحد الشهود، إذ لا يحد من قال لمجبوب: يا زان، وعليهم الدية في أموالهم مع وجيع الأدب، وطول السجن. الصقلي لمحمد عن أشهب: الدية على عاقلة الإمام، وعليهم الأدب، وطول السجن إلا أن يقولوا: رأيناه يزني قبل جبابه؛ فتجوز شهادته، ولا حد عليهم بكل حال. قلت: عزا الشيخ قول أشه له، ولابن عبد الحكم. قال ابن عبد السلام: لا يبعد تخريج كون الدية على عواقل الشهود من قولها في حريم البئر في منع ذوي بئر ماشية فضل مائها مسافرين عجزوا عن قتال أهل البئر حتى ماتوا عطشاً ديتهم على عواقل المانعين. قلت: إن صح التخريج ناقض قولاها في البئر، والمجبوب، ويرد التخريج

стр. 4443

بوضوح أن تسبب البينة في قتل المجبوب أوقوى من تسبب المانعين لإحتمال إعتقادهم نجاة المسافرين بماء آخر أو عدم إيجاب عطشهم موتهم. اللخمي: أما السجن والعقوبة فصواب، وأما الدية فلا أراها علي بينة، ولا إمام؛ لأنه قادر على أن يظهر ذلك من نفسه، وذلك كله كالبينة العادلة، يرد بها شهادة من شهد عليه. قلتُ: فيما قاله نظر على أصل المذهب لقولها: إن شهد على إمرأة بالزنا أربعة عدول، فقالت: أنا عذراء أو رتقاء، ونظر إليها النساء فصدقوها لم ينظر إلى قولهن، وأقيم عليها الحد؛ لأنه قد وجب. قلتُ: فهذا يرد قول اللخمي؛ لأنه قادر على أن يظهر ذلك من نفسه، وإنما يتمم ما إختاره فى مسألة المرأة أنه ينظر إليها. الشَّيح عن كتاب محمد بن عبد الحَكم: إن شهد شاهدان أن رجلاً حلف بحريَّة عبده أن فى قيده عشرة أرطال، وقد حلف بحريته أن لاينزع عنه القيد شهراً لفعل فعله العبد يتوجب به ذلك، ثم شهد شاهدان أنه ليس في القيد ثمانية أرطال. قال عبد الله: أراه يريد: فحكم الحاكم بعتق العبد. قال فى الكتاب: ثم إن السيد نزع القيد. قال عبد الله: يريد: بعد الشهر. قال: فوجد فيه عشرة. قال: محمد: فلينقض القاضي حكمه لظهور كذب الشاهدين. قلتُ: مافسر به الشَّيخ قول ابن عبدالحَكم ذكره المازري على أنه من لفظ إبن عبد الحَكم، فقال: مانصه: ذكر إبن الحَكم في رجل قيد عبده بقيد، وحلف أن لاينزع من رجله شهراً، وحلف أيضاً بحريَّة العبد أن في وزن القيد عشرة أرطال؛ فشهد شاهدان أن وزن القيد ثمانية أرطال؛ فحكم الحاكم بحريَّة العبد لأجل شهادتهما بحنث السيد الشاهد فما كمل الشهر وحل الأجل الذي حلف السيد أن لاينزع القيد قبله، وجد فى القيد عشرة أرطال كما حلف عليه السيد؛ فإن الحكم ينقض، ويرد العبد

стр. 4444

إلى الرق. قلت: تفسير الشيخ قول ابن عبد الحكم بأن الحاكم حكم بحرية العبد، وتفسيره، ثم إن السيد نزع القيد بأنه نزعه بعد الشهر، وذكر المازري ذلك على أنه من لفظ إبن عبد الحكم كلام متناقض؛ لأن الحكم بحريته قبل مضي الشهر يوجب تعجيل نزع القيد قبل مضي الشهر؛ لأنه حر، وتأخير نزعه لإنقضاء الشهر يقتضي عدم الحكم بحريته قبل مضي الشهر، والصواب حمل المسألة علي أن البينة بوزن القيد ثمانية إن كانت قامت بعد مضي الشهر، وقبل نزع السيد القيد عن العبد، فكم الحاكم بحريته فنزع السيد قيده فوجده عشرة نقض الحكم بحريته، وإستقام حكم المسألة، وإن قامت قبل مضي الشهر حكم الحاكم بحنث السيد، وحرية العبد، وتعجيل نزع القيد، فإن قلنا بأن الإكراه الشرعي معتبر فى درء الحنث لم يلزم السيد بنزع القيد قبل مضي الشهر حنث، وكذا إن قلنا إن الإكراه الشرعي غير معتبر فى درء الحنث به؛ لأن هذا الإكراه تبين أنه غير شرعي لترتبه على حكم غير شرعي لوجوب نقضه، والإكراه غير الشرعي معتبر في درء الحنث به إتفاقاً، فلا حرية للعبد بحنث، وبالبالحكم لوجوب نقضه، وتقدم الحكم بحد شاهد الزنا لرجوعه، وسواء رجع قبل الحكم أو بعد تنفيذه. وفيها: إن رجع أحد أربعة شهود الزنا قبل إقامة الحد حدوا كلهم، وإن رجعوا بعد الحكم فكذلك، وإن رجع أحدهم حد وحده. اللخمي: وإليه رجع أبن القاسم فى الموازية بعد أن قال: يحدون كلهم، ونقل المازري القول الثانى غير معزو، وعقبه بقوله: وأنكر هذا بعض الأشياخ الحذاق، وأشار إلى أنه يقتضي نقض الحكم إذا رجع الشهود بعد إنفاذه، وهذا خلاف مذهب فقهاء الأمصار إلا ماحكيناه عن ابن المسيب، والأوزاعي، ورجحه ابن عبد السلام واحتج عليه بأن حد بعض الشهود عليه ملزوم لعفاف المشهود عليهم، إذ لايحد لا من قذف عير عفيف، وكلما تثبت عفته وجب نقض الحكم بزناه، ويرد بأن حده لإقراره أنه قذف عفيفا، ولا يلزم منه ثبوت عفته شرعاً فلا يرتفع عنه حد وجب عليه. وفيها: إن علم بعد الجلد أو الرجم أن أحدهم عبد حد الشهود أجمعون، فإن لم

стр. 4445

يعلم الشهود كانت الدية في الرجم على عاقلة الإمام، وإن علموا بذلك فذلك على الشهود في أموالهم، ولاشئ على العبد فى الوجهين. اللخمي: وقال ابن سحنون: قيل: لاشئ على الحاكم، ولا على البينه إن لم يعلموا أن معهم عبداً او علموا وجهلوا رد شهادتهم مع العبد، وإن علموا أن شهادتهم مع لا تجوز فعليهم الدية، وإن علم العبد وحده أن شهاته لا تجوز وجهل ذلك البينة، فكل الدية جناية فى رقبته، وإن علمت البينة مع ذلك فالدية على جميعهم أرباعاً، وهو قول أبي مصعب، واختلف إن كاننت الشهادة بقطع أو قتل؟ فقال ابن القاسم فيها: إن شهد شاهدان على رجل بقطع يد عمداً فاقتص منه، ثم تبين أن أحدهما عبد أو ممن لا تجوز شهادته فلا شئ على المقتص له؛ يرد: إن لم يعلم الحر أن الذي معه عبد. وقال ابن سحنون: إن تبين أن أحدهما عبد أو ذمي أو مولى عليه حكم المحكوم له بالقصاص فى اليد مع الشاهد الباقي، أو حلف المقضي له بالقتل مع رجل من عصبته خمسين يميناً، وتم ماحكم به ونفذ، وإن نكل عن اليمين فى اليد، ولم يعلم أن شاهده عبد، وكانت الحرية فيه ظاهرة، وحلف المقتص منه فى اليد أن ماشهد عليه به الشاهد باطل، ونكل المحكوم له بالقتل عن القسامة إنتقضت الأحكام حتى كأنها لم تكن. وقال بعض أصحابنا: لاضمان على الحاكم؛ لأنه لم يخطئ، ولا على المحكوم له بالقصاص؛ لأنه أخذ ما أعطته البينة، والحاكم بإجتهاده، ولم يأخذ مالاً فيرده، وغرم ذلك على الشاهد إذا كان جاهلاً برد شهادة العبد أو الذمي. وقال بعض أصحابنا: ذلك على عاقلة الإمام. وقيل: إنه عذر. قلت: كذا وقع فى بعض نسخ اللخمي، وذكره الشيخ فى النوادر. وقولها: (إذا كان جاهلاً برد شهادة العبد حكموا به) صوابه: (وإن كان جاهلاً). قال الشيخ: وقد إختلف في قبول شهادة المولى عليه لسوء نظره في المال دون جرحة.

стр. 4446

ولما ذكر الصقلي قولها فى العبد: قال: يريد: أو نصرانياً أو ولد زنا. وفيها: وإن وجد أحدهم مسخوطاً لم يحد واحد منهم؛ لأن شهادتهم تمت باجتهاد الإمام في عدالتهم، وقد يعدل المسخوط، ويسخط العدول، ولم تتم في العمد وشبهه. قلت: يريد أن خطأه في المسخوط؛ كمخالفته دليلاً ظنياً، وخطأه فى العبد؛ كمخالفته دليلاً قطعياً. وفى النوادر من كتاب الشهادات: إن وجد أحدهم مسخوطاً؛ فقال ابن القاسم: ينقض الحكم كما لو كان عبدأ أو ذمياً، ويحد هو ومن معه من حر مسلم حد القذف إن كانت قبل أن يشهد. وقال أشهب: لا يرد الحكم في المسخوط، ولا حد عليه، ولا على من معه. قال محمد: ولا أعلم إلا، وقد قاله إبن عبد الملك. قال أشهب: وكذل لو كان الحكم بمال. قال محمد: وقول أشهب وعبد الملك أحسن إن كان القاضي غير الذي قضي بشهادته، فإن كان هو الذي قضى بشهادته فلينقضه ما لم يفت كالقطع والقتل والرجم، وأخبرنى بقول ابن القاسم أصبغ وأبو زيد. وسمع أبو زيد ابن القاسم: إن شهد أربعة بالزنا، ثم نزع واحد بعدما تمت الشهادة، ونفذت لا يحد إلا الذي نزع قبل، فإن كانوا خمسة فنزع واحد؛ قال: فلا شئ على الذي نزع، وإن نزع آخر من الأربعة بعد ما أقيم الحد؛ قال: يضربان الحد، ولا شئ على الثلاثة الذين ثبتوا. إبن رشد: إن رجع الخامس من الشهود قبل إقامة الحد أو بعده، فلا حد عليه على هذا السماع. وذكر محمد أن قول ابن القاسم اختلف فى وجوب حده، وأن قول أشهب: إختلف فى ذلك، واختار قوله: (لايحد). قلت: وهو نقل الصقلي عبد الملك. أصبغ: وكأن ابن القاسم فى قوله الذي خالف فيه عبد الملك رأى الراجع

стр. 4447

مقراً بقذفه عفيفاً، وأنه وبقية الشهود شهدوا عليه بزور، وإنه لقول حسن. إبن رشد: وإن رجع بعد ذلك أحد الأربعة قبل إقامة الحد حدوا كلهم لدليل هذ السماع أنه لايحد إذا تم نزع أحدهم بعدما تمت الشهادة، وأنفذت إلا الذي نزع وحدفه. وقيل: إنه لا يحد إذا نزع أحدهم بعدما تمت الشهادة، وأنفذت إلا الذي نزع وحده كان نزوعه قبل إقامة الحد أو بعده، وهو ظاهر قوله في المسألة التي بعد هذه. قيل له: فإن نزع أحد الأربعة؟ قال: يضرب الذي نزع، وهو الذي يوجبه النظر؛ لأنه يتهم أن ينزع ليوجب الحد على من شهد معه، وإن كان ذلك بعد إقامة الحد حد هو، والخامس الذى رجع قبله إن كان لم يحد، ولاحد على الثلاثه الذين ثبتوا، ولا إختلاف فى هذا. وقال اللخمي: فى رجوع أحد الخمسة بعد الرجم: أرى إن قال: أخطأت أو تعمدت، ولا علم ليى بما شهد به الآخرون؛ لأني لم أكن معهم أن لاشئ عليه من حد ولادية، وإن قال: شهادتنا واحدة، وأخطأنا جميعا أو تعمدنا؛ كان الجواب على ماتقدم لو كانوا أربعة فرجع أحدهم؛ فإنه يحد إذا قال: تعمدنا، ويختلف فى حده، وعقوبته إن قال: أخطأنا. وقول المازري: التحقيق عندى أن يكشف الراجع عن شهادته؛ فإن قال: كذبت، وكذا كل من شهد معي حد، وإن قال: إنفردت بالكذب عن الأربعة، ولا أعتقد كذبهم بل الظاهر صدقهم لعدالتهم لم يحد يقتضي إنفراده بهذا، وهو متفضى كلام اللخمي قبله. المازري عن الموازية: لو شهد ستة بزنا رجل فرجع إثنان، وظهر أن أحد الأربعة الذين لم يرجعوا عبد حد الراجعان، وغرما ربع الدية؛ لأن الحد أقيم بأربعة بطل أحدهم بكونه عبداً، والذي بطلت شهادته لو كان حراً رجع عن شهادته حد؛ وغرم ربع الدية، ولا غرم على العبد؛ لأنه لم يرجع عن شهادته، ويحد لقذفه من لم يثبت زناه بأربعة شهداء، ولا يلزم الثلاثة الأحرار حد ولا غرم، ويعترض هذا بأن العبد لما حد صارت الشهادة غير مستقلة، ولو كانت مستقلة لم يحد العبد؛ ففرق هنا بين شهادة

стр. 4448

العبد التي سقطت لكونه عبداً، ولم يرجع عن شهادته فيوهن شهادة الثلاثة، وقد يغمض الفرق بين سقوط شهادة العبد؛ لأنه عبد، وبين سقوطها بالرجوع لاسيما أن المذهب نقض الحكم إذا تبين أن الشاهد عبد، ولاينقض الحكم فى أحد القولين إذا تبين أن الشاهد فاسق. قلت: فوله: (يغمض الفرق ... إلخ) يرد بأن الفرق أمر ظاهر جلي، فصار الحكم بالشهادة؛ كحكم خالف نصاً جلياً، فيجب نقضه، والرجوع يحتمل كونه كاذباً فيه كفسق طرأ، فيكون الحكم بشهادته؛ كحكم خالف دليلاً ظنياً فلا ينقض. قلت: وظاهر كلام المازري إنما هو سؤال الفرق بين ظهور كون أحد الأربعة عبداً، ورجوع أحد الأربعة، وفهم منه ابن هارون ماصرح به ابن عبد السلام من عند نفسه من مناقضة مافي الموازية من عدم حد الثلاثة الباقين من الأربعة الشهداء الباقين من الستة الذين ظهر أن أحدهم عبد لقولها: (إذا شهد أربعة بزنا رجل فظهر أن أحدهم عبد حدوا أجمعون) وأجابا بأن مسألة المدونة إنتفض الحكم فيها بظهور كون الرابع من الشهود عبداً، ونقضه يوجب حد الثلاثة الباقين، ومسألة الموازية لم ينتقض الحكم فيها؛ لأن قصارى الأمر أنه شهد خمسة، وأقيم الحد ورجع منهم إثنان، وذلك غير موجب لنقض الحكم فذا لم يحد الثلاثة الباقون. زاد ابن عبد السلام: فإن قلت: فعلى هذا التقدير ينبقى أن لا يحد العبد. قلت: قذف العبد للمشهود عليه سابق على حد الزنا؛ فلعله لما كان مكالبا به، وظهرت الشبهة فى زنا المشهود عليه برجوع بعض الشهود استصحب حكم القذف، ووجب حد العبد لذلك، والمسألة مع ذلك مشكلة. قلت: لا إشكال في المسألة لما تقدم من جوابها. وقوله: (ينبغي أن لا يحد العبد) لا موجب لتوهم قوله: (ينبغي أن لا يحد) إلا قياس العبد على الثلاثة الباقين، أو عدم نقض الحكم، وكلاهما غير صحيح. أما القياس على الثلاثة فيرد على الفرق بأن الثلاثة شهداء لما يقع موجب لرد شهادتهم في أنفسهم والعبد؛ بطلت شهادته في نفسه فصار قادفاً.

стр. 4449

وأما أنه عدم نقض الحكم فمردود بحد الراجع من الأربعة مع عدم نقض الحكم برجوعه. وفى الموازية ما حاصله: إن رجع أحد ستة شهدوا بزنا رجل حده الرجم بعد فقء عينه به وثان بعد موضحة به، وثالث بعد موته فعلى الأول سدس دية عينه لفقئها بشهادته مع خمسة، وكذا على الثاني مع خمس دية الموضحة لكونها بشهادته مع أربعة، وعلى الثاث ربع دية نفسه لموته بشهادته مع ثلاثة. وفى سقوط ما على الثاني عنه، ولزومه إياه قولان. قلت: بناء على أن دخول دية فقء عين رجل، ودية موضحته فى دية قتله خطأ في الجميع بإعتبار استلزام دية النفس دية مادونها كلية فى أجزائها أو كلاهما. قال ابن عبد السلام: هذا الذي قاله محمد بناء على أن الشهود إذا رجعوا بعد الحكم، وقبل إستيفائه أنه لايستوفى. قلت: هذا واضح بين من تعليل قدر ما وجب على كل منهم. قال: وأما إن قلنا: إنهم إذا رجعوا حينئذ أنه يستوفى، ولايمنع رجعوهم من إستيفائه فيصير المرجوم كأنه أقيم عليه الحد بشهادة الستة جميعاً، فيكون كمن قتله بعد أن أوضحه وفقأ عينه فكان ينبغي أن لا يكون على هؤلاء الثلاثة الذين رجعوا عن شهادتهم سوى ربع الدية تكون عليهم بالسواء، ويسقط ماعدا ذلك فتأمله. قلت: قوله: فيكون كمن قتله بعد أن أوضحه وفقأ عينه وهمٌ، بل يكون كمن قتله بعد أن أوضحه وفقأ عينه؛ لأن قتله على هذا التقدير بنفس شهادتهم، ورجوعهم لغو فتأمله. ومن رجم بشهادة أربع بزناه وإثنين بإحصانه، ثم رجعوا أجمعون، ففي عدم غرم شهيدي الإحصان، وغرم كل منهما سدس الدية، وباقيها على بينة الزنا بالسوية، ثالثهما: على كل من شيهدي الإحصان ربعها، وباقيها على بينة الزنا بالسوية، لأصبغ مع سحنون وإبن القاسم وأشهب مع ابن الماجشون ومحمد، وأشار المازري إلى أن ذلك بناء على حصر حكم الرجم إلى إضافته لوصف زناه، ولغو إحصانه فيه؛ لأنه وصف

стр. 4450

كمال له لا وصف نقص فيه، وإضافته إلى وصفي إحصانه، وزناه من حيث عدد مثبتهما أو إضافته إلى الوصفين من حيث ذاتيهما. المازري: ولو رجع أحد شهيدي الإحصان؛ فعلى الأول: لا غرم عليه، وعلى الثاني: يغرم سدس الدية، وعلى الثالث: يغرم ربعها، ولو رجع أحد أربعة الزنا، فعلى الأول: يغرم ربع الدية، وعلى الثاني: يغرم سدسها، وعلى الثالث: ربع للإحصان، وثمن للزنا. ولو شهد أربعة بزناه إثنان منهم بإحصانه، ثم رجع أحد شهيدي الإحصان؛ فعلى الأول: لاشئ عليه بالإحصان، ويغرم في الزنا ربع الدية، وعلى الثاني: يغرم سدسها للإحصان، وسدسا للزنا، وعلى الثالث: يغرم ربعا للإحصان، وثمنا للزنا. قال: وعلى أصل سحنون فى لغو الغرم عن شاهدي الإحصان إذا رجعا. قال: ولو حكم الحاكم بشهادة رجلين فى مال بتزكية رجلين إياهما، ثم رجع المزكيان عن تزكيتهما لم يغرما شيئاً، وقاله ابن الماجشون مع قوله: بمشاركة شهيدي الإحصان لشهود الزنا فى الغرم، فيحتمل أن يكون إختلاف قول فيهما فيتخرج قول أحدهما فى الأخرى، ويحتمل أن يكون ذلك لفرق بينهما إليه سبيل. قلت: ولم يذكر فرقاً بوجه، ويفرق بضعف سببية التعديل بالنسبة إلى سببية الإحصان فى الحكم الواقع بهما، وبيانه أن سببية التعديل فى الحكم الواقع به عامة في الحكم الواقع به، وهو الحكم، وهو الحكم بالمال وغيره فدلالتها على الحكم المذكور كدلالة العام على بعض أفراده، وسببية الإحصان فى الحكم الواقع به خاصة بالحكم الواقع به دون غيره، فدلالتها على ثبةت الحكم المذكور كدلالة الخاص على مدلوله. وتقرر فى أصول الفقه أن دلالة الخاص على مدلوله أقوى من دلالة العام على بعض أفراده لإحتما لغو دلالة العام على بعض أفراده، وإمتناع لغو دلالة الخاص على مدلوله.
следующие страницы →