← Фикх малики

Фикх малики · id 16968

المختصر الفقهي لابن عرفة

ابن عرفة

Полный текст (5 077 стр.). Показаны 4446–4485 · переход к 4451.

стр. 4446

ولما ذكر الصقلي قولها فى العبد: قال: يريد: أو نصرانياً أو ولد زنا. وفيها: وإن وجد أحدهم مسخوطاً لم يحد واحد منهم؛ لأن شهادتهم تمت باجتهاد الإمام في عدالتهم، وقد يعدل المسخوط، ويسخط العدول، ولم تتم في العمد وشبهه. قلت: يريد أن خطأه في المسخوط؛ كمخالفته دليلاً ظنياً، وخطأه فى العبد؛ كمخالفته دليلاً قطعياً. وفى النوادر من كتاب الشهادات: إن وجد أحدهم مسخوطاً؛ فقال ابن القاسم: ينقض الحكم كما لو كان عبدأ أو ذمياً، ويحد هو ومن معه من حر مسلم حد القذف إن كانت قبل أن يشهد. وقال أشهب: لا يرد الحكم في المسخوط، ولا حد عليه، ولا على من معه. قال محمد: ولا أعلم إلا، وقد قاله إبن عبد الملك. قال أشهب: وكذل لو كان الحكم بمال. قال محمد: وقول أشهب وعبد الملك أحسن إن كان القاضي غير الذي قضي بشهادته، فإن كان هو الذي قضى بشهادته فلينقضه ما لم يفت كالقطع والقتل والرجم، وأخبرنى بقول ابن القاسم أصبغ وأبو زيد. وسمع أبو زيد ابن القاسم: إن شهد أربعة بالزنا، ثم نزع واحد بعدما تمت الشهادة، ونفذت لا يحد إلا الذي نزع قبل، فإن كانوا خمسة فنزع واحد؛ قال: فلا شئ على الذي نزع، وإن نزع آخر من الأربعة بعد ما أقيم الحد؛ قال: يضربان الحد، ولا شئ على الثلاثة الذين ثبتوا. إبن رشد: إن رجع الخامس من الشهود قبل إقامة الحد أو بعده، فلا حد عليه على هذا السماع. وذكر محمد أن قول ابن القاسم اختلف فى وجوب حده، وأن قول أشهب: إختلف فى ذلك، واختار قوله: (لايحد). قلت: وهو نقل الصقلي عبد الملك. أصبغ: وكأن ابن القاسم فى قوله الذي خالف فيه عبد الملك رأى الراجع

стр. 4447

مقراً بقذفه عفيفاً، وأنه وبقية الشهود شهدوا عليه بزور، وإنه لقول حسن. إبن رشد: وإن رجع بعد ذلك أحد الأربعة قبل إقامة الحد حدوا كلهم لدليل هذ السماع أنه لايحد إذا تم نزع أحدهم بعدما تمت الشهادة، وأنفذت إلا الذي نزع وحدفه. وقيل: إنه لا يحد إذا نزع أحدهم بعدما تمت الشهادة، وأنفذت إلا الذي نزع وحده كان نزوعه قبل إقامة الحد أو بعده، وهو ظاهر قوله في المسألة التي بعد هذه. قيل له: فإن نزع أحد الأربعة؟ قال: يضرب الذي نزع، وهو الذي يوجبه النظر؛ لأنه يتهم أن ينزع ليوجب الحد على من شهد معه، وإن كان ذلك بعد إقامة الحد حد هو، والخامس الذى رجع قبله إن كان لم يحد، ولاحد على الثلاثه الذين ثبتوا، ولا إختلاف فى هذا. وقال اللخمي: فى رجوع أحد الخمسة بعد الرجم: أرى إن قال: أخطأت أو تعمدت، ولا علم ليى بما شهد به الآخرون؛ لأني لم أكن معهم أن لاشئ عليه من حد ولادية، وإن قال: شهادتنا واحدة، وأخطأنا جميعا أو تعمدنا؛ كان الجواب على ماتقدم لو كانوا أربعة فرجع أحدهم؛ فإنه يحد إذا قال: تعمدنا، ويختلف فى حده، وعقوبته إن قال: أخطأنا. وقول المازري: التحقيق عندى أن يكشف الراجع عن شهادته؛ فإن قال: كذبت، وكذا كل من شهد معي حد، وإن قال: إنفردت بالكذب عن الأربعة، ولا أعتقد كذبهم بل الظاهر صدقهم لعدالتهم لم يحد يقتضي إنفراده بهذا، وهو متفضى كلام اللخمي قبله. المازري عن الموازية: لو شهد ستة بزنا رجل فرجع إثنان، وظهر أن أحد الأربعة الذين لم يرجعوا عبد حد الراجعان، وغرما ربع الدية؛ لأن الحد أقيم بأربعة بطل أحدهم بكونه عبداً، والذي بطلت شهادته لو كان حراً رجع عن شهادته حد؛ وغرم ربع الدية، ولا غرم على العبد؛ لأنه لم يرجع عن شهادته، ويحد لقذفه من لم يثبت زناه بأربعة شهداء، ولا يلزم الثلاثة الأحرار حد ولا غرم، ويعترض هذا بأن العبد لما حد صارت الشهادة غير مستقلة، ولو كانت مستقلة لم يحد العبد؛ ففرق هنا بين شهادة

стр. 4448

العبد التي سقطت لكونه عبداً، ولم يرجع عن شهادته فيوهن شهادة الثلاثة، وقد يغمض الفرق بين سقوط شهادة العبد؛ لأنه عبد، وبين سقوطها بالرجوع لاسيما أن المذهب نقض الحكم إذا تبين أن الشاهد عبد، ولاينقض الحكم فى أحد القولين إذا تبين أن الشاهد فاسق. قلت: فوله: (يغمض الفرق ... إلخ) يرد بأن الفرق أمر ظاهر جلي، فصار الحكم بالشهادة؛ كحكم خالف نصاً جلياً، فيجب نقضه، والرجوع يحتمل كونه كاذباً فيه كفسق طرأ، فيكون الحكم بشهادته؛ كحكم خالف دليلاً ظنياً فلا ينقض. قلت: وظاهر كلام المازري إنما هو سؤال الفرق بين ظهور كون أحد الأربعة عبداً، ورجوع أحد الأربعة، وفهم منه ابن هارون ماصرح به ابن عبد السلام من عند نفسه من مناقضة مافي الموازية من عدم حد الثلاثة الباقين من الأربعة الشهداء الباقين من الستة الذين ظهر أن أحدهم عبد لقولها: (إذا شهد أربعة بزنا رجل فظهر أن أحدهم عبد حدوا أجمعون) وأجابا بأن مسألة المدونة إنتفض الحكم فيها بظهور كون الرابع من الشهود عبداً، ونقضه يوجب حد الثلاثة الباقين، ومسألة الموازية لم ينتقض الحكم فيها؛ لأن قصارى الأمر أنه شهد خمسة، وأقيم الحد ورجع منهم إثنان، وذلك غير موجب لنقض الحكم فذا لم يحد الثلاثة الباقون. زاد ابن عبد السلام: فإن قلت: فعلى هذا التقدير ينبقى أن لا يحد العبد. قلت: قذف العبد للمشهود عليه سابق على حد الزنا؛ فلعله لما كان مكالبا به، وظهرت الشبهة فى زنا المشهود عليه برجوع بعض الشهود استصحب حكم القذف، ووجب حد العبد لذلك، والمسألة مع ذلك مشكلة. قلت: لا إشكال في المسألة لما تقدم من جوابها. وقوله: (ينبغي أن لا يحد العبد) لا موجب لتوهم قوله: (ينبغي أن لا يحد) إلا قياس العبد على الثلاثة الباقين، أو عدم نقض الحكم، وكلاهما غير صحيح. أما القياس على الثلاثة فيرد على الفرق بأن الثلاثة شهداء لما يقع موجب لرد شهادتهم في أنفسهم والعبد؛ بطلت شهادته في نفسه فصار قادفاً.

стр. 4449

وأما أنه عدم نقض الحكم فمردود بحد الراجع من الأربعة مع عدم نقض الحكم برجوعه. وفى الموازية ما حاصله: إن رجع أحد ستة شهدوا بزنا رجل حده الرجم بعد فقء عينه به وثان بعد موضحة به، وثالث بعد موته فعلى الأول سدس دية عينه لفقئها بشهادته مع خمسة، وكذا على الثاني مع خمس دية الموضحة لكونها بشهادته مع أربعة، وعلى الثاث ربع دية نفسه لموته بشهادته مع ثلاثة. وفى سقوط ما على الثاني عنه، ولزومه إياه قولان. قلت: بناء على أن دخول دية فقء عين رجل، ودية موضحته فى دية قتله خطأ في الجميع بإعتبار استلزام دية النفس دية مادونها كلية فى أجزائها أو كلاهما. قال ابن عبد السلام: هذا الذي قاله محمد بناء على أن الشهود إذا رجعوا بعد الحكم، وقبل إستيفائه أنه لايستوفى. قلت: هذا واضح بين من تعليل قدر ما وجب على كل منهم. قال: وأما إن قلنا: إنهم إذا رجعوا حينئذ أنه يستوفى، ولايمنع رجعوهم من إستيفائه فيصير المرجوم كأنه أقيم عليه الحد بشهادة الستة جميعاً، فيكون كمن قتله بعد أن أوضحه وفقأ عينه فكان ينبغي أن لا يكون على هؤلاء الثلاثة الذين رجعوا عن شهادتهم سوى ربع الدية تكون عليهم بالسواء، ويسقط ماعدا ذلك فتأمله. قلت: قوله: فيكون كمن قتله بعد أن أوضحه وفقأ عينه وهمٌ، بل يكون كمن قتله بعد أن أوضحه وفقأ عينه؛ لأن قتله على هذا التقدير بنفس شهادتهم، ورجوعهم لغو فتأمله. ومن رجم بشهادة أربع بزناه وإثنين بإحصانه، ثم رجعوا أجمعون، ففي عدم غرم شهيدي الإحصان، وغرم كل منهما سدس الدية، وباقيها على بينة الزنا بالسوية، ثالثهما: على كل من شيهدي الإحصان ربعها، وباقيها على بينة الزنا بالسوية، لأصبغ مع سحنون وإبن القاسم وأشهب مع ابن الماجشون ومحمد، وأشار المازري إلى أن ذلك بناء على حصر حكم الرجم إلى إضافته لوصف زناه، ولغو إحصانه فيه؛ لأنه وصف

стр. 4450

كمال له لا وصف نقص فيه، وإضافته إلى وصفي إحصانه، وزناه من حيث عدد مثبتهما أو إضافته إلى الوصفين من حيث ذاتيهما. المازري: ولو رجع أحد شهيدي الإحصان؛ فعلى الأول: لا غرم عليه، وعلى الثاني: يغرم سدس الدية، وعلى الثالث: يغرم ربعها، ولو رجع أحد أربعة الزنا، فعلى الأول: يغرم ربع الدية، وعلى الثاني: يغرم سدسها، وعلى الثالث: ربع للإحصان، وثمن للزنا. ولو شهد أربعة بزناه إثنان منهم بإحصانه، ثم رجع أحد شهيدي الإحصان؛ فعلى الأول: لاشئ عليه بالإحصان، ويغرم في الزنا ربع الدية، وعلى الثاني: يغرم سدسها للإحصان، وسدسا للزنا، وعلى الثالث: يغرم ربعا للإحصان، وثمنا للزنا. قال: وعلى أصل سحنون فى لغو الغرم عن شاهدي الإحصان إذا رجعا. قال: ولو حكم الحاكم بشهادة رجلين فى مال بتزكية رجلين إياهما، ثم رجع المزكيان عن تزكيتهما لم يغرما شيئاً، وقاله ابن الماجشون مع قوله: بمشاركة شهيدي الإحصان لشهود الزنا فى الغرم، فيحتمل أن يكون إختلاف قول فيهما فيتخرج قول أحدهما فى الأخرى، ويحتمل أن يكون ذلك لفرق بينهما إليه سبيل. قلت: ولم يذكر فرقاً بوجه، ويفرق بضعف سببية التعديل بالنسبة إلى سببية الإحصان فى الحكم الواقع بهما، وبيانه أن سببية التعديل فى الحكم الواقع به عامة في الحكم الواقع به، وهو الحكم، وهو الحكم بالمال وغيره فدلالتها على الحكم المذكور كدلالة العام على بعض أفراده، وسببية الإحصان فى الحكم الواقع به خاصة بالحكم الواقع به دون غيره، فدلالتها على ثبةت الحكم المذكور كدلالة الخاص على مدلوله. وتقرر فى أصول الفقه أن دلالة الخاص على مدلوله أقوى من دلالة العام على بعض أفراده لإحتما لغو دلالة العام على بعض أفراده، وإمتناع لغو دلالة الخاص على مدلوله.

стр. 4451

الشيخ عن كتابي إبن المواز وإبن سحنون: إن إدعى من حكم عليه بشهيدين رجوعهما عما شهدا به عليه، فأنكرا، فإن لم يأت بلطخ فلا يمين عليهما، وأن أتى به حلفا وبرئا؛ فإن نكلا حلف المدعي، وأغرمهما ما أتلفا عليا؛ فإن نكل فلا شئ له عليهما، ولو أقام بينة بإقرارهما برجوعهما بعد الحكم بهما أنهما شهدا بزور غرما ما أشهدا به، ويغرمان الدية فى النفس والرجم مع حد القذف، ويغرمان أرش الجراح، ولا ينظر لرجوعهما بعد الإقرار. وقال محمد بن عبد الحكم: إن إدعى عليهما أنهما رجعا عن الشهادة فلا يمين عليهما إن أنكرا، وإن أقام شاهدين برجوعهما قضي عليهما بالمال، وكذا في قيام البينة برجوع أحدهما. وزعم أو حنيفة وأصحابه أنه لا تقبل عليهما شهادة برجوعهما، وهو خروج من المعقول، لأن من قولهم لو أقر بالرجوع لزمهما الغرم. ونقل إبن الحاجب توجه اليمين عليهما لا يفيد قيام اللطخ وهم، ونقله إبن شاء فى آخر كلامه مقيداً على الصواب. وفى الحريرية: من شهد عند حاكم، ثم رجع إليه فقال له: نالني من أجل شهادتي وبالله الذي لا إله إلا هو ماشهدت إلا بحق لكني راجع عن شهادتي فلا يقضى بها، فقال هاشم بن أحمد بن خزيمة: لاتسقط بهذا شهادته، وقاله أصبغ بن سعيد. وقال ابن زرب: لايقضى يها؛ لأنه إن رجع عن حق علمه سقطت بذلك شهادته. وقد روي عن مالك أنه قال: كان شريح القاضي يقول للشاهدين: بشهادتكما أقضي، أتشهدان أن الحق لهذا؟ فإن قالا: نعم أجاز شهادتهما، فكيف يقضى بشهادة من يقول: لا تقضى بشهادتى؟. قلت: الأظهر إن علم نزول ضرر به لشهادته قضى بها، وإلا فلا. الشيخ عن ابن عبد الحكم: ولو رجعا عن رجوعهما الموجب غرمهما لم يقالا، وقضي عليهما بما يقضي على الراجع. قال ابن الحاجب: إثر هذا الفرع أما لو ثبت كذبهم نقض إذا أمكن.

стр. 4452

قال ابن عبد السلام: ثبوت كذبهم عسير؛ لأنه راجع إلى تجريح الشهود، والمشهود عليهم بالكذب فى هذه الصورة يشهدون بكذب من شهد عليهم فيها. قلت: علف المؤلف ثبوت كذبهم على الإمكان، وإليه يعود هذا الشرط، لا إلى نقض الحكم. ومن هذا المعنى إذا شهدوا على رجل بالزنا، ثم تبين أنه محبوب. قلت: قوله بثبوت كذبهم عسير، يرد بما أقر به أخيرا من مسالة المجبوب، وعما تقدم من مسألة من شهد بقتله، ثم قدم حياًّ. وبقولها فى كتاب الاستحقاق فيمن شهدت بينة بموته؛ فقسمت تركته، وتزوجت زوجته، ثم قدم حيّاً، وهو نص ترجمة النوادر بقوله فى الحكم ينفذ، ثم يظهر مايبطل به مثل البينة تقوم بقتل رجل عمداً أو خطأ، فيحكم بذلك، ثم يقدم الشهود بقتله حيّاً، وشبه ذلك مما يظهر فيه الكذب، أو يظهر المرجوم مجبوبا. قلت: ومثل هذا لايقال فيه عسير، واستدلاله على ذلك بقوله إن الشرط فى قول ابن الحاجب إن أمكن راجع إلى ثبوت كذبهم، لا إلى نقض الحكم، وهم نشأ عن إعتقاده عسر كذبهم، والحق الواضح لمن أنصف أنه راجع إلى نقض الحكم، لا إلى ظهور كذبهم؛ لأن نقضه قد لايمكن، ككونه حكما بقتل أو قطع وقع، وقد يمكن ككونه بإستحقاق ربع ونحوه. وكقوله فى مسألة كتاب الإستحقاق المتقدمه، فإن لما تأت البينة بما تعذر من شبهة دخلت عليهم بذلكك كتعمدهم الزور، فيأخذ متاعه حيث وجده، وترد إليه زوجته، وله أخذ ما عتق من عبد، أو كوتب أو دبر أو أمة أتخذت أم ولد، وقيمة ولدها من المبتاع كالمغصوبة يجدها بيد مشتر. ولسحنون من نوازله: من قال لمن شهد عليه: بلغنى أنك شهدت علي بكذا؛ فقال له: إن كنت شهدت عليك بذلك؛ فأنا به مبطل، وكان شهد عليه، فهذا رجوع إن كان على قوله بينة، وتبطل شهادته، ولا يثبت بها شئ، إن كان ذلك قبل القضاء، وإن كانت مقالته هذه بعد القضاء ضمن ما استهلك من المال.

стр. 4453

ابن رشد: لابن حبيب فى هذه المسألة عن الأخوين وأصبغ أن قوله هذا لا يضره فى شهادته، وإن قامت عليه بينة إلا أن يرجع عن شهاده رجوعاً، ووجهه أن قوله يحتمل كونه إعتذارا، لا روعا، فلم يبطل الحاكم بشهادته إلا ببينتين. ولو شهدت عليه البينة أنه قال ذلك ابتدأ دون أن يعاتب على شهادته، كان رجوعا عنها اتفاقاً. الشيخ عن كتابي ابن المواز وابن سحنون: إن رجعا عن شهادتهما بطلاق البتة، والنكاح ثبت بغير شهادتهما، فإن كان بعد البناء فلا خلاف في أن لاشئ عليهما، وإن كان قبله؛ فقال ابن القاسم: يغرمان نصف المهر. أصبغ: هذا استحسان، والقياس لا شئ عليهما. ابن المواز: الصواب أن لا شئ عليهما، وقاله، أشهب وعبد الملك وغيرهما ممن أرضي. وفيها: إن رجعا بعد قضاء القاضي بشهادتهما بالطلاق قبل البناء، فعليهم نصف الصداق. عياض: كذا عندنا في الأصل. قال بعض الشيوخ: لم يبين لمن هذا النصف، وحمله أكثر الشيوخ على أن غرمه للزوج، وكذا جاء مفسراً فى كتاب العشور من الأسمعة، وحمله غير واحد على أن غرمه للمرأة، ليكمل لها صداقها الذي أبطلاه عليها بالفراق قبل الدخول. وعليه اختصر المسألة القرويون قالوا: وهذا مقتضى النظر والقياس أن غرمه للزوج لا وجه له، إذا النصف عليه متى حصل الفراق قبل الدخول. وأشهب وسحنون لايريان عليهما المهر شيئاً. الصقلي عن سحنون: إن رجعا عن شهادتهما بعفو ولي الدم عن قاتل وليه، أو مجروح عن جارحه عن جارحه بعد الحكم بإسقاط القود لم يضمنا شيئاً، ولا قصاص على القاتل، وشبهه في الموازية برجوعها فى الطلاق. سحنون: ويحد القاتل مائة، ويحبس سنة، ويؤدب الشاهدان.

стр. 4454

وقال محمد بن عبد الحكم: يغرمان الدية؛ لأن له في أحد قولي مالك أن يأخذ الدية. سحنون: ولو شهد بعفوه على أخذ مائة درهم، وهو ينكر، والجاني يدعي ذلك، ثم رجعا بعد الحكم بذلك فلا شئ لولي القصاص، ولا شئ على الشاهدين؛ لأن الجاني يخرج المال مقر بأنه عفي عنه بذلك، وولي القصاص إنما أبطلا عليه القصاص الذي لا ثمن له. ولو كان المنكر الجاني، وولي القصاص يدعي مصلحة بذلك أو بالدية، فقضي بذلك، ثم رجعا فعليهما أن يغرما للجاني ما أخرجا من يده، وقول إبن الحاجب: ولو رجعا في شهادة الدخول فى مطلقة غرما نصف الصداق هو نص الجلاب. ولو شهدا على رجل في زوجته أنه دخل بها؛ فطلقها بعد الدخول، وهو مقر بالنكاح والطلاق، ومنكر للدخول، ثم رجعا عن شهادتهما؛ غرما له نصف الصداق الذي لزمه بشهادتهما. المازري: لو شهد شاهدان بطلاق من ثبت نكاحها بغير شهادتهما، وآخران بأن الزوج دخل بها، وأرخى الستر عليها، ولم يعلم شاهد الطلاق كان قبل البناء أو بعده، ولم يعلم شاهدا الدخول بطلاقه؛ فلا غرم على شاهدي الطلاق على قولي أشهب وعبد الملك. قلت: وابن المواز. قال سحنون هذا مذهب أصحابنا، وأكثر الرواة، وبعض الرواة خالف فيه وإسقاط غرمهما؛ لأنهما إنما أتلفا منافع بضع، وذلك لايتقوم، وما غرمه الزوج من نصف الصداق واجب عليه بعقد النكاح فو رجع شاهدا الدخول غرما نصف الصداق؛ لأن شاهدي الطلاق لو اقتصر على شهادتها لم يلزم الزوج أكثر من نصف الصداق، وغرامة النصف الزائد عليه إنما هو بشهادة من شهد عليه بالبناء، فإذا رجعا عن شهادتهما غرما هذا النصف بينهما بالسواء، وإن رجع أحدهم غرم ربع الصداق. قال ابن الحاجب: وإن شهد إثنان بالطلاق، وإثنان بالدخول، ثم رجعوا؛ فالأكثر

стр. 4455

لاغرامة على شاهدي الطلاق. وقيل: كما لو انفردوا. قلت: إن أراد بقوله: كما لو انفردوا مجرد الإشارة إلى قول بعض الرواة فواضح، وإن أراد به ذلك مع تعليله بتقدير إنفرادهم رد بأن تقدير إنفرادهم باطل في نفسه ضرورة ثبوت نقيضه؛ لأن الواقع عدم إنفرادهم. على هذا فهمه إبن عبد السلام؛ لأنه قال مانصه: أكثر أهل المذهب على أنه لا غرامة شاهدي الطلاق. قال ابن سحنون وبعض الرواة على خلافه؛ ولعله يريد أن الصداق يكون على جميعهم، وكان ينبغي أن يقول: كما لو انفردوا. قلت: فقوله: وكان ينبغى أن يقول: (كما لو انفردوا) نص منه على تعليل قول بعض الرواة بالتقدير المذكور. والبحث فيها يشبه قول الجد في المسألة المسماة بشبه المالكية: لو كنتم دوني لم ترثوا شيئاً. المازري مع الشيخ عن كتاب ابن سحنون: لو غرم شاهدا البناء لرجوعهما، ثم ماتت الزوجة رجعا على الزوج بما غرما له؛ لأن إنكاره طلاقها والبناء يوجب أن موتها في عصمته قبل البناء، وذلك موجب عليه كل الصداق. المازري: قال عبد الملك فى كتابه: لو شهدا بطلاقه قبل البناء؛ فغرم الزوج نصف الصداق، ثم مات، ورجع الشاهدان غرما للزوجة ما حرماها من ميراثه، وما أسقطا من صداقها بالطلاق قبل البناء؛ لأن الموت أوجب إكماله. ولو ماتت الزوجة؛ غرما للزوج مايرثه منها فقط لاشئ مما غرم من الصداق، وهذا إن كان الزوجان ينكران ماشهد به الشاهدان من الطلاق، وذكر ابن الحاجب هذا في مسألة شهادة إثنين بالطلاق، واثنين بالدخول، ولا يتم ذلك فيها على قول بعض الرواة بغرم شاهدي الطلاق. وفي النوادر ظاهر من كتاب ابن عبد الحكم: ومن له أمة ذات زوج شهد شاهدان

стр. 4456

بطلاقها، والسيد يدعيه يقضى له، ثم شهد شاهدان على الشهدين بما أسقط شهادتهما من أنهما زورا شهادتهما، أو كانا غائبين عن البلد الذي شهدا به، فأثبت القاضي النكاح، وصح حكمه بالفراق، ثم رجع الشاهدان أخيرا فعليهما غر مابين قيمتها ذات زوج، وقيمتها خالية منه. الصقلي عن الموازية: قال أبن عبد الملك: إن رجعا عن شهادتهما بخلع على ثمرة لم يبد صلاحها بعد الحكم؛ غرما قيمتها على الرجاء والخوف. محمد: بل قيمتها يوم جدها الزوج. وكذا لو شهدا أنه خالعها على آبق أو شارد أو جنين في بطن أمه، ثم رجعا لم يلزمهما غرم إلا بعد خروج الجنين وقبضه، وبعد وجدان الآبق والشارد، وقبضهما، وإلى هذا رجع محمد ولعبد الملك قول تركته. قلت: ذكر الشيخ قول عبد الملك، وقول محمد في الثمرة، وفي الجنين حسبما تقدم. قال عنه: ولو كانت شهادتهما بخلعها بعبدها الآبق أو جملها الشارد كان عليهما لها قيمة ذلك على أقرب صفاته؛ فإن ظهر أنه كان ميتاً قبل الخلع لم يكن عليهما شئ، ولو ظهر أنه أصابه عور أو قطع يد قبل الخلغ لم يلزمهما إلا قيمته كذلك، هذا قول عبد الملك، وأحب إلى أن رجي أخذ ذلك قريباً إن رجي أخذ ذلك قريباً لم يعجل بغرمهما حتى يقبض ذلك الزوج، وإن لم يرج تعجيل وجدانه؛ غرما قيمة صفتهما على ماكانا يعرفان به قبل الإباق والشرود، فمتى ظهر نفص بعد ذلك أو موت رجعا بما زيد عليها، ثم رجع محمد عن هذا كله؛ فذكر ما ذكر الصقلي عنه. المازري: من أقام على دعواه نكاح امرأة شاهدين، وهى تنكر فقضي عليها بأن تمكنه من نفسها؛ فإن عملت بطلان دعواه، وشهادة الشاهدين بالزور، وجب عليها أن تمنعه من نفسها إذا قدرت؛ لأنه كزان على إعتقادها؛ فإن جبرت على تمكينه، ثم رجع شاهد النكاح، فقد استحقت الصداق المسمي الذي شهد به الشاهدان، وأقر به الزوج، ولا رجوع لها على الشاهدين إلا أن يثبت أن صداق مثلها أكثر من المسمى؛ فيغرمان لها فضل صداق مثلها على المسمى، ولو طلقها قبل البناء فلا صداق لها عليه على مقتضى

стр. 4457

إنكارها، وله أن يرجع إلى تصديقها في إنكارها، ويسقط عنه ما كان أقر لها به من نصف الصداق، وإن رجعت هي عن إنكارها وصدقت الزوج، فلها أخذ نصف الصداق منه إن إعتذرت عن إنكارها لكراهتها فيه وندمها على نكاحه، ويحلف على ذلك؛ كامرأة إدعت طلاق زوجها فأنكر ولم تقبل دعواها، فلما مات زعمت أنها كانت كاذبة في دعواها طلاقه، فإن ذلك يقبل منها إن إعتذرت بكراهتها للزوج وترثه. قال ابن أبي زيد: وتحلف، وكذا على تأويله تحلف المنكرة للنكاح. ولعبد الملك مثل هذا في رجلين شهدا بطلاق امرأة، فقضي به وزوجها منكر، ثم تزوجها أحد الشهيدين؛ فإن رجع عن شهادته طلقت عليه؛ وغرم نصف الصداق، وإن كان لم يبن بها لإقراره أنه تزوج زوجة غيره، ولو كان رجوعه بعد البناء لم يحد، ولو كان قبل تزويجها؛ منعه الإمام من تزويجها إلا أن يرجع عن رجوعه عن الشهادة، ويحلف على أن الحق في شهادته الأولى؛ فقبل عبد الملك رجوعه عن قول إقتضى تحريمها عليه، وهو كأحد قولي المدونة فيمن شهد على رجل بعتقه عبده، فلم يقض بشهادته، ثم إشترى العبد؛ فقال غير ابن القاسم: لا يعتق عليه إلا أن يتمادى على إقراره بعد شرائه أن العبد حر. وقال ابن القاسم: يعتق عليه، وإن لم يتماد على شهادته، وقول ابن القاسم هذا قد يتحرج منه أن لايقبل من هذا الشاهد بالطلاق المتزوج لهذه المرأة رجوعه عن شهادته، وهو ظاهر إطلاق إبن المواز فى هذه المسألة، وكذا في مسألة التى أنكرت النكاح، ثم رجعت عن إنكاره إلا أن يقال: إنما قال ابن القاسم حرمة العتق. قلت: ماذكره ولو كان رجوعه بعد البناء لم يحد هو نقل الشيخ عن ابن الماجشون فى الموازية إذا تزوجها أحدهما، ثم رجع عن شهادته؛ فلها الصداق، ويفرق بينهما بطلاق، ولا حد عليه، والوهم والعمد في ذلك سواء إلا أنه يؤدب فى العمد لا في الوهم. وذكر قبل قوله قول عبد الملك عن محمد ما نصه: لو رجع قبل أن يتزوجها، ثم جهل فتزوجها فلا صداق عليه إلا أن يبنى بها، فيلزمه مهرها، ولا يقر معها، وهو يقر أنها.

стр. 4458

ذات زوج. وفيها: وسقوط حد العامد في ذلك لوقوع الحكم بالطلاق مع عدم نقضه برجوعه. قال المازري: ولو كانت الزوجة هي المدعية للنكاح، والمدعى عليه ينكر العقد عليها، ورجع الشاهدان بعد بنائه، وصداق مثلها أقل من المسمى، ففي رجوعه بفضله على صداق مثلها على الشاهدين قولان بناء على تقرر غرمه عوض البضع بنفس وطئه فقط، أو بأن وطأه رضى بما شهد به عليه لقدرته على تركها بطلاقها. وفيها: لا يحل له القدوم على وطئها مادام معتقدأ كذب البينه عليه فى العقد كما قالوا في المرأة المنكرة العقد عليها: لا يحل لها تمكينها نفسها طوعاً لب الواجب حده؛ كمن وطئ أمة إبتاعها، وهو يعلم أنها حرة إلا أن يراعي شبهة حكم الحاكم. وفي سرقتها: وإن رجعا بعد الحكم، وقد شهدا بعتق ضمنا قيمة العتق. الصقلي: وفي كتاب ابن سحنون: وكذا لو كانت أمة غرما قيمتها إلا أنها لا يحل لها أن تبيح فرجها إن علمت أن البينة شهدت بزور، وإن لم تعلمه فذلك لها. قلت: وذكر الشيخ مسألة المدونة من كتاب ابن سحنون بلفظ: فإن كان السيد مقيماً عل الجحد فله قيمة العبد على الشاهدين، ويبقى ولاؤه له؛ لأن من أعتق عبداً عن رجل فالولاء للرجل، وعلله المازري بقوله: لأن الشاهدين معترفان بأن الولاء لسيده لا لهما، والسيد يستحق ماله على مقتضى إنكاره لكونه ملكاً له؛ فإن لم يكن له وارث أخذ السيد ماله على مقتضي قوله وقول الشاهدين. قلت: الصواب كونه على مقتضى ظاهر ما حكم به عليه، ولو كان على مقتضى قوله وقول الشاهدين من حيث رجوعهما لم يكن مشروطاً بعدم الوارث، وعلى ظاهر قول المازري. قال ابن عبد السلام: ينبغي أن يرد لهما من تركة العبد قدر قيمته التي أخذ منهما؛ لأنه إنما أخذها بمقتضى الملك فيما يزعم لا بمقتضى الولاء والجمع بين الملك وأخذ القيمة باطل.

стр. 4459

قلت: ما ذكره غير لازم على تعليل المازري لا بنفس حكم المسألة لجواز تمسك السيد بأنه أخذه بمقتضى ظاهر ماحكم به عليه؛ إلا أنه يأتي في الشهادة بالعتق إلى أجل ما يقتضى رجوعهما عليه بما غرما له مطلقاً. الشيخ عن كتاب ابن سحنون: لو رجعا عن شهادتهما بعتق عبد إلى أجل بعد القضاء به؛ غرما قيمته حالة، وأخذاها فى خدمته يؤاجرانه، أو يستخدمانه؛ فإن إستوفياها قبل تمام أجله كانت بقية خدمته إلى الأجل لسيده، وإن تم الأجل قبل إستيفائها؛ فلا شئ لهما، فإن مات العبد بيد سيده عن مال أو قتل، فأخذت قيمته أو مات بعد الحريه عن مال أخذ الشاهدان من ذلك ما بقي لهما. قلت: لم يقيدالشيخ أخذها فى موته حرا بشئ، والصواب تقييده بأن لا وارث له، وهذا يقتضي رجوعهما على سيده في المسألة السابقة حسب مابيناه. قال الشيخ: وذكر ابن الماجشون هذه المسألة وقال: إن أعتقه السيد قبل قبض الشاهدين من خدمته ما غرماه بعد عتقه، ورد لهما ما أخذ منهما أو ما بقي لهما منه. وذكر ابن المواز مثل ما ذكر سحنون، وزاد: لو قال السيد بعد أن أغرمهما قيمته لا آمنهما عليه، وإنما نستخدمه، وندفع لهما ما يحل علي من خدمته، فذلك له، وربما كان ذلك فى الجارية النفسيه، وذات الصنعة فذلك له. وقاله عبد الملك: وقال لي عبد الله بن عبد الحكم: يغرمان قيمته مسقطاً منها قيمة خدمته للأجل فلم يعجبنا، وقد تجاوز قيمة عمله إلى الأجل قيمته. وقال عبد الملك: لو كانا عديمين حكم عليهما بقيمة العبد، ثم إن شاء السيد حبسه، وحسب عليه قيمة خدمته؛ فمتى ما أيسرا رجع عليهما بباقى خدمته معجلاً، ويدفع إليهما فيما يستقبل قيمة خدمته شهراً بشهر أو سنة بسنة على قدر ما يرى، وله دفع العبد لغيره بإجارة يستوفيها السيد فى قيمته إن تمت السنون قبل تمام القيمة تبعهم بما بقي. وتعقب المازري قول محمد قد تجاوز قيمة عمله إلى الأجل قيمته بما نصه: هذا صحيح من جهة الفقه لو أمكن تصوره؛ لكنه ممتنع عادة فى جهة العقلاء؛ لأنه إذا حكم

стр. 4460

بقيمة الرقبة على بقاء العبد مملوكا طول حياته علم قطعا أن تلك المنافع المؤجلة دخلت في هذا التقويم فلا يصح أن تكون أكثر منه. وقال ابن عبد السلام: ماقاله المازري صحيح لو كان الناس يلتفتون في تقويم العبد إلى مدة حياته، وأكثرهم يقطعون النظر عن ذلك. قلت: يرد قوله: (أكثرهم يقطعون النظر عن ذلك) بأن قطع النظر عن ذلك إنما هو فى تقويم ما لم يعتبر فيه قيمة خدمته لمدة مؤقتة، أما ما يعتبر فيه قيمة خدمته لمدة كما في مسألتنا هذه، فلا يقطع النظر عن ذلك فتأمله. الشيخ عن الموازية: لو رجعا عن شهادتها بتعجيل معتق إلى أجل بعد القضاء بتعجيل عتقه غرما قيمة خدمته إلى الأجل على غررها، ولو كان إلى موت فلان غرما قيمته على اقصر العمرين عمر العبد، وعمر الذي يعتق إلى موته. المازري: قد يعارض هذا الذي ذكره محمد وغيره بإقتضائه أن من أعتق عبدأ بعد موته أنه يلزمه كما لو كان في هذه المسألة العبد شيخاً، والمعلق عتقه عليه صبي صغير. وأجاب: بإمكان موت الصغير قبله فاعبتر في لزوم العتق، واعتبر في لزوم غرم قيمته العادة؛ لأنها أمر مالي. قلت: ونقل الشيخ في باب المدبر عن أصبغ أن يقول بغرم الراجعين عن شهادتهما بتعجيل المعتق إلى أجل قيمة رقبته لا خدمته. قال محمد: نحا به أصبغ إلى طريقة ابن القاسم في أم الولد. الشيخ لابن سحنون عنه: إن رجعا عن شهادتهما بتدبير عبده بعد الحكم على سيده به تعجل منهما قيمته، وإقتضيا من خدمته ما وديا، ويرجع باقي خدمته لسيده. محمد: يغرمان قيمته يوم الحكم، ويخير السيد فى إسلامه لهما ليأخذا من غلته ما وديا مادام سيده حياً، وإختصاصه بخدمته، ويدفع لهما قيمة تلك الخدمة. ابن عبد الحكم: يتعجل قيمته منهما، ويختدمانه في القيمة، ويرجع بعد إستيفائهما ما غرما لسيده، وإن مات المدبر قبل إستيفائهما لم يتبعا السيد بشئ؛ فإن كانا عديمين ضمنا فضل ما بين قيمته عبدأ، وقيمته مدبراً أن لو جاز بيعه مدبراً أولاً أخرج العبد من

стр. 4461

يده بغير شيء، ولا أقول بقول بعض أهل الحجاز يختدمه سيده قي قيمته إن إستوفاها لم يتبع الشاهدان بشئ إن أيسرا، وإن مات قبل أن يختدمه بوفاء القيمة يتبعهما بما بقي منها إذا أيسرا، ولو قال قائل: يقضي عليهما بما نقص التدبير من قيمته كانا موسرين أو معسرين لم أعبه، وهو أقوى من القول الآخر. محمد: فإن مات السيد قبل أن يستوفيا من الخدمة ما وديا، فإن خرج من ثلث سيده عتق، ولا شئ لهما غير ما أخذا، وإن رق بعضه فالشاهدان أحق بما رق منه حتى يستوفيا بقية ما غرما، وما فضل عن ذلك هو لوارثه. وكذا ذكر سحنون فى موت السيد قال: ولو مات المدبر عن مال أخذا منه ما بقي لهما، وكذا من قيمته إن قتل، ولو مات سيده، وعليه دين يرقه بيه لهم قبل الدين، كما لو جنى جناية والدين محيط أهل الجناية أولى برقبته. ولابن سحنون عنه: لو كان المرجوع عن الشهادة بتدبيره جارية لا تخارج كما نهى عثمان عن مخارجة الأمة التي لا صنعة لها خوف كسبها بفرجها غرما قيمتها، وعتقت إذا ليس فيها ما يستوفى منه ما غرما إلا أن يتفقوا عليها إلى أن يدركا شيئاً من رقها بموت السيد عاجزا ثلثه عن عتقها، وقاله ابن الماجشون في كتابه؛ فإن لم يتفقا عليها خرجت حرة، ولم يلزم سيدها نفقتها. الشيخ: لابن سحنون عنه، وفي الموازية: إن رجعا عن شهادتهما بكتابة عبد بعد الحكم على سيده غرما له قيمته ناجزة. محمد: يوم الحكم ويقتضيانها من الكتابة وباقيها إن كان لسيده، فإن وداها عتق وإلا رق لسيده، ولو عجز قبل قبضهما ما غرما بيع لهما منه تمام ما بقي لهما؛ فإن عجز عن تمامه لهما فلا شئ لهما هذا قول عبد الملك. وقال ابن القاسم: توقف قيمته بيد عدل، ويتأدى السيد الكتابة؛ فإن تأداها. وفيها: تمام القيمة ردت القيمة للشاهدين، فإن كانت الكتابة أقل أو مات المكاتب قبل الإستيفاء؛ دفع للسيد من تلك القيمة تمام قيمة عبده. ابن المواز: وهذا غير معتدل، وبقول عبد الملك أقول، وعليه أصحاب مالك.

стр. 4462

والسيد في قول ابن القاسم مظلوم منع من التصرف في عبده دون شئ وصل إليه، ولا راحة للشاهدين في وقفهما؛ ولعلها تتلف فيغركتمخت ثانية، ولو استحسنت قول ابن القاسم لقلت: كلما قبض السيد من الكتابة شيئاً دفع مثله للشاهدين من القيمةم الموقوفة خلاف ظاهر جوابه. سحنون: وقال بعض أصحابنا: إذا رجعا بيعت الكتابة بعرض؛ فإن كان فيه وفاء القيمة أو أكثر فهو للسيد، وإن كان أقل رجع عليهما بتمام القيمة، والقول الأول أكثر. وفي كتاب ابن الماجشونك تباع الكتابة بعرض؛ فإن شاء السيد أخذه، وإن شاء بيع العرض؛ فإن وفى ثمنه بالقيمة أو زاد فهو له، وإن كان أقل تبعهما بتمام القيمة. قال عنه ابن مهران: فإن أبى السيد من بيع الكتابة لم يغرم له الشاهدان شيئاً. قلت: فالأقوال أربعة: قول الأكثر، وقول ابن القاسم، وقول بعض أصحاب سحنون، وقول ابن الماجشون، وفي عد قول محمد: لو استحسنت قول ابن القاسم ... إلخ، خامساً: نظر. وقال ابن عبد السلام: أتفق المذهب على إلزام الشاهدين قيمة المكاتب. قلت: في صحة هذا الاتفاق مع القولين الأخيرين نظر. ومن كتاب ابن سحنون والموزاية قال سحنون: إن شهدا أنه أعتق مكاتبه. قال في الكتابين: شهدا أنه أخذ منه ماعليه من الكتابة. قال في الموازية: أو أسقطه عنه، وخرج حراً، وثبتت كتابته بغيرهما، أو بإقرار به؛ فكم القاضي بذلك، ثم رجعا غرما لربه ماكاتبه به عيناً أو عرضاً. قال فى الموازية: يؤديانه على نجومه، وقاله عبد الملك. قال سحنون إن شهدا على رجل أن فلانه كاتبه بمائتي دينار، وقيمته مائة، والمشهود عليه يجحد فقضي عليه وخرج حراً، ثم رجعا غرما له مائتين، ولا ينظهر إلى قيمته. قلت: لأنه حر الأصل. الشيخ: إن رجعا عن شهادتهما على رجل أنه أولد جاريته هذه بعد الحكم عليه

стр. 4463

بشهادتهما أن أم ولد له غرما قيمتها لربها، ولم يبق فيها خدمة يرجعان فيها بما غرما إلا أن يؤخد فيها أرش من جراحها أو فيمة من قاتلها؛ فيرجعان في ذلك بما غرما، وما فضل عنه لربها. سحنون: وكذا يرجعان فيما أفادت من مال بعمل أو هبة بما وديا فقط. وقال محمد: لارجوع لهما فيه. المازري: ولا مرجع لهما في سعيها وخدمتها. وقال ابن عبد الحكم: يخفف عنهما فيما يغرمانه من قيمتها لما بقي لربها فيها من استمتاع؛ ولذا لو كانت حاملاً غرما قيمتها على التخفيف، وإن كان لها ولد شهدا أنه أقر أنها ولدته منه، فألحق به، ثم رجعا غرما له قيمته. الشيخ: وروي عن بعض مشايخنا أن لاشئ عليهما إذا شهدا أنه إتخذها أم ولد، وهى رواية ما أدري حقيقتها، ولا أرى ذلك. المازري: والأمر كما ذكر؛ لأن هذا القول يخرم الأصول التي عقدناها في أمثال هذه المسألة، ولو كان ذلك مراعا للقول لجواز بيع أم الولد لكان في المدبر أولى؛ لأن الخلاف فى بيع المدبر أشهر منه فى بيع أم الولد، وإن رجعا عن شهادة بعتق أم ولد بعد الحكم به؛ ففي غرمهما قيمتها وعدمه، ثالثها: قيمة مخففة. للشيخ عن محمد عن ابن القاسم محتجاً بأنه كقتلها، وعن قول محمد مع عبد الملك وأشهب محتجاً بأنه كرجوعهما عن شهادة بطلاق مدخول بها، وصحة عتق السفيه إياها، وإبن عبد الحكم قائلاً: يخفف عنهما بقدر ما أبقيا له من الوطء، ونقل ابن عبد السلام، وقال أصبغ: لاقيمة على قاتل أم الولد، لا أعرفه له بل لسحنون. قال ابن رشد فى أول رسم من سماع عيسى من كتاب الضحايا مانصه: واختلف في أم الولد إن قتلت، فقيل: لاقيمة على قاتلها، وهو قول سحنون. وقال ابن القاسم: وروي أن عليه قيمتها. قلت: وقال ابن حارث فى باب جناية أم الولد مانصه: واتفقوا في أم الولد يجنى

стр. 4464

عليها فتقتل أن قيمتها قيمة أمة، وكذلك جراحها، وأن جميع ذلك لسيدها. وقال ابن عبد السلام: وانظر على قول ابن القاسم: لو شهدا باستيلاد أمة فرجعا عن شهادتهما، وغرما القيمة لسيدها، ثم شهد آخران بتبتيل عتقها، ورجعا عن شهادتهما، وغرما القيمة ما الحكم فى ذلك؟ قلت: الحكم فى ذلك واضح مما ذكره الشيخ. قال: لابن سحنون عنه: لو رجعا عن شهادتهما بعتق عبد في محرم عام أول بعد الحكم به فغرما قيمته، ثم شهد آخران أنه أعتقه في صفر عام أول لم ينفع ذلك الراجعين؛ لأنه بشهادتهما عتق. وقيل إن القاضي يقبل الشاهدين بعتقه في صفر على سيده، ويلزمه رد القيمة على الراجعين، وهذا أعم، وأكثر من الأول، وقاله إبن عبد الحكم، وفرض أن شهادة الأولين يعتقه في رمضان، وشهادة الآخرين يعتقه فى ذي الحجة من عام أول، وزاد إن كان السيد يختدمه فيما بين رمضان وذي الحجة، فللعبد طلبه بقيمة ذلك بشهادة الراجعين في قول أشهب لا في قول ابن القاسم، وبقول أشهب أقول: فإذا قضى له الحاكم بذلك رجع به السيد على الراجعين؛ لأن شهادتهما أوجبت ذلك. قلت: فعلى قول ابن عبد الحكم يزول الغرم عن الشاهدين بإيلاد الأمة الراجعين عن شهادتهما لبرائتهما بشهادة الأخيرين بعتقها، ويعود الغرم على الشاهدين بعتقها، ويعود الغرم على الشاهدين بعتقها لرجوعهما؛ لأن بشهادتهما برئ الأولان، وعلى القول الأول من نقلي ابن سحنون، وهو قول سحنون أن الغرم لا يزول عن الأولين بشهادة الأخيرين لا يكون على الأخيرين غرم برجوعهما فتأمله. الشيخ عن كتاب ابن سحنون: من ادعى أنه ابن رجل، والأب ينفيه؛ فأقام بينه أن الأب أقر أنه إبنه فكم بذلك الحاكم، ثم رجعا وأقرا بالزور بقرب ذلك، ولم يمت الأب فلا شئ عليهما في تثبيت النسب قبل أن يؤخذ بشهادتهما المال بالميراث؛ فيرث

стр. 4465

المقضي له، ويمنع العصبة؛ فحينئذ يغرمان للعصبة ما أتلفا عليهم، وكذا إن كانت الشهادة على من مات، وترك عصبة فقضي للإبن بالميراث. وفي الموازية: لو رجعا عن شهادتهما على رجل في عبده أنه أقر أنه أبنه بعد القضاء بإلحاقه به، وحريته غرما له قيمته عاجلاً؛ فإن مات الأب وترك ولداً آخر معلوم النسب قسما تركته إلا قدر قيمة المستلحق يختص بها المعلوم النسب؛ لأن المستلحق مقر أن أباه ظلم فيها البينة، وأنه لا إرث له فيهان ويغرم الشاهدان للثابت النسب قدر ما أخذه المستلحق من التركة. محمد: وإنما إختص الثابت النسب بالقيمة؛ لأنا لو قسمناها بينهما رجع الشاهدان على المستلحق فيما أخذ منهما لإقراره أنه لا رجوع لأبيه عليهما لصحة نسبه عنده، فإذا أخذا ذلك منه قام عليهما الابن الأول النسب فأخذ ذلك منهما؛ لأنه يقول: لو بقي بيد المستلحق رجعت بمثله عليكما لوجوب غرمكما كلما أخذ من التركة من ألحقتماه بأبي. الصقلي عن الموازية: ولو طرأ على الميت دين مائة دينا لرجل أخذ من كل من الولدين نصفها؛ فإن عجز عن ذلك أتم قضاء الدين من القيمة التي إنفرد بها المعلوم النسب، ورجع الشاهدان عليه بمثل ما غرمه الملحق؛ لأنهما غرما له مثل ما أخذ الملحق، وما أخذه الملحق قضي به دين الأب، ولا ميراث للمعلوم إلا مافضل عن الدين، وأيضاً فهو كما لم يأخذ الملحق شيئاً، وكان يجب عليهما غرم ذلك للثابت نسبه؛ فلذا وجب أن يرجعا عليه. قال: ولم لم يترك ولداً غير الملحق، وترك مائتي دينار؛ يريد: إحداهما قيمة الولد الملحق فالمائة الواحده له فقط، والأخرى للعصبة أو لبيت المال، ويغرم الشاهدان مائة أخرى للعصبه أو لبيت المال؛ لأنهما لولا شهادتهما أخذ العصبة مائتين فلو طرأ على الميت دين مائة دينا أخذت من الملحق وحده ورجع الشاهدان فأخذ المائة التي وديا للعصبة أو لبيت المال، وإنما غرم الدين الملحق وحده؛ لأنه مقر أن الذي ترك أبوه مائة، والمائة التى هى قيمته أخذت من الشهيدين ظلماً؛ فوجب أن يؤدي المائة التي ورث إذ لا ميراث قبل الدين، وإنما رجع الشاهدان بالمائة على العصبة؛ لأنهما غرما لهم

стр. 4466

ما أخذ الملحق، وما أخذه قضي به دين وليهما، ولا إرث إلا بعد الدين. الشيخ عن كتاب ابن سحنون: لو رجعا عن شهادتهما في إمرأة ورجل أنهما لفلان، وهما يجحدان ذلك بعد القضاء بذلك، وأقرا بالزور فلا ضمان في ذلك. قلت: هذا يناقض ما نقله إبن رشد واللخمي. قال ابن رشد فى سماع عبد الملك من جامع البيوع: من باع حراً، وغاب فعليه طلبه حتى يرده، فإن عجز عن رده؛ فقيل: يغرم ديته لورثته؛ وكتب بها للقاضي إبن بشير بقرطبة، فجمع أهل العلم، وكتب لقاضيه الذي سأله أن أغرمه ديته كاملة. قلت: وحكاه اللخمي رواية لإبن حبيب في ترجمة غصب ما لا يجوز بيعه، وكان يجرى الجواب عن المناقضة بأن تسبب الشاهدين في رقة أضعف من تسبب البائع في رقه؛ لإستقلال بائعة برقه، وعدم إستقلال الشاهدين برقه لمشاركة مدعي رقه لهما فى ذلك. ابن عبد الحكم: إن شهدا على رجل أنه عبد فلان، وهو يدعي الحرية؛ فقضي برقه، ثم رجعا فلا قيمة عليهما، ويغرمان للعبد كلما أستعمله سيده وخراج عمله، وما أنتزعه منه، وليس لمن قضي له بملكه أخذ ذلك منه؛ لأنه عوض ما أخذه منه، ولو مات العبد لم يرث ذلك السيد، ولكن يوقف ذلك حتى يستحق ذلك مستحق، ثم يرثه بالحرية، فإن أعتق العبد قبل موته منه عبداً جاز عتقه، وكان ولاؤه بعد لمن كان يرث عنه الولاء لو كان حراً، ولايرثه العبد إن مات، ومعتقه حي. قلت: كذا وجدته في نسخة عتيقة من النوادر أنه لايرثه العبد إن مات، ومعتقه حي، وهو مشكل إن كان المراد بالعبد المرجوع عن الشهادة برقه، وقد عتق إلا أن يريد بقوله: (ومعتقه حي) أن المعتق هو من أعتق العبد المرجوع عن شهادته فتأمل ذلك، وإن أوصى منه العبد كان ذلك فى الثلث، وإن وهب منه أو تصدق جاز ذلك، ويرث باقيه ورثته إن كان له من يرثه إن كان حراً، وليس للعبد أن يتزوج منه؛ لأن النكاح ينقص رقبته. ومن كتاب ابن سحنون: إن شهدا على رجل أنه عبد لمن ادعاه، والمدعى عليه

стр. 4467

يجحد، فحكم برقه، ثم قاطعه المحكوم له بما أخذه منه، وأعتقه أو كاتبه عليه؛ فأدى وعتق، ثم أقرا بالزور غرما للمشهود عليه ماودى إلى السيد، والحكم ماض، والولاء قائم. الشيخ عن ابن عبد الحكم إن شهدا على رجل أنه أقر لفلان وفلان بمائة دينار، ثم رجعا بعد القضاء، وقالا إنما شهدنا بها لأحدهما وعيناه، رجع المقضي عليه بمائة بخمسين عليهما، ولا تقبل شهادتهما للآخر بكل المائة لجرحتهما برجوعهما، ولا يغرمان له شيئاً؛ لأنه إن كان له حق فقد بقي على من هو عليه، وليس قول من قال: يغرمان له خمسين بشئ؛ لأنهما إنما أخذا خمسين من المطلوب أعطياها لمن لاشئ له عليه، ولو كان عبداً بعينه شهدا أنه أقر به لفلان وفلان فرجعا بعد القضاء به لهما، وقالا: إنما أقر به لفلان منهما فهاهنا يغرمان لمن أقرا له قيمة نصفه؛ لأنهما أتلفاه عليه هذا إن أقر من كان العبد بيده أنه لمن شهدا له أخيرا، وإن إدعاه لنفسه، وأنكر شهادتهما غرما نصف قيمته للمشهود عليه، وليس للمقر له أخيرا إلا نصفه. قال ابن عبد السلام: لم يضمن أهل المذهب الشاهدين للمشهود له أخيرا، وعذروهما بالنسيان، واختلف في ضمان المودع بالنسيان، وضمنوا من أقر بثوب لزيد، ثم أقر به لعمرو، ولم يعذروه بالنسيان، وقد يفرق بأن الشاهد قد يكثر تحمله للشهادات فلو ضمن بالنسيان كان عليه ضرر عظيم، ولو أقر بتعمد الزر لا نبغى أن يتفق على تضمينه. قلت: قوله: (وعذروهما بالنسيان) يرد بأن النسيان فى هذا الباب عند الفقهاء إنما هو عدم ذكر الإنسان ما كان ذاكراً كودع شيئين لرجلين، ثم لايذكر ما لأحدهما منهما بعينه لا فعل ما يعتقد جوازه، أو قوله، وهو فى الواقع غير جائز؛ لأن هذا إنما يعبر عنه بالخطأ الذي هو في أموال الناس كالعمد، ومن البين أن الصادر من الشاهدين في هذه المسألة إنما هو المعنى الثاني لا الأول، وإنما أوجب عدم تضمينها م قاله ابن عبد الحكم، وهو صواب فتأمله، ويقوم منه أن مافي الذمة لا يتعين بحال مادام في الذمة، وأن التعرض إليه بغير الواجب لايوجب فيه حكماً.

стр. 4468

ونزلت في أوائل هذا القرن مسألة هي أن رجلا له دين على رجل فعدا السلطان على رب الدين فأخذه من غريمه، ثم تمكن رب الدين من طلب المدين بدينه، فإحتج المدين بجبر السلطان على أخذه منه من حيث كونه حقا لرب الدين، فأفتى بعض الفقهاء ببراءة المدين، وأفتى غيره بعدم براءته محتجاً بأن ما في الذمة لا يتعين. وقوله: (فلو ضمن بالنسيان كان ضرر عظيم) مقابل بأن عدم تضمينه ضرر بالمشهود عليه، وهو غير مفرط والشاهد هو المفرض فكان أولى بالخسارة. وقوله: (لو أقر متعمداً لزور) لا نبغى أن يتفق على تضمينه فيه نظر؛ لأن مقتضى قول إبن عبد الحكم: (ولا يغرمان له شيئاً؛ لأنه إن كان له حق ... إلخ) أن تعمدهما الزور، وعدمه سواء فتأمله. الشيخ فى الموازيه: إن رجع أحدهما عن شهادتهما بحق بعد الحكم غرم نصفه فقط، وقاله عبد الملك، وابن عبد الحكم، وأصبغ. محمد: ولو رجع أحدهما عن نصف ماشهدا به غرم الربع، وإن رجع عن الثلث غرم السدس، ولو رجع أحدهما عن نصف ما شهدا به غرم الربع، وإن رجع عن الثلث غرم السدس، ولو اختلف رجوعهما غرم كل واحد منهما ما شهد به. الصقلي عن ابن القاسم: لو كانت البينه ثلاثة فرجع أحدهم بعد الحكم فلا شئ عليه لبقاء من يثبت الحق به؛ فإن رجع ثان غرم هو، والأول نصف الحق. وقال ابن عبد الحكم: يغرم الراجع أولاً من الثالثة ثلث الحق، وذكر أن أشهب قاله فى أربعة شهدوا بدرهم فرجع ثلاثة أن عليهم ثلاثة أرباعه. محمد: لو شهد ثلاثة بثلاثين فرجع أحدهم عن الجميع، وآخر عن عشرين وآخر عن عشرة فقد بقيت عشرة إجتمع عليها رجلان، وإجتمعوا في الرجوع عن عشرة فهي عليهم أثلاثا والعشرة الثلاثه رجع عنها إثنان، وأثبتها واحد فعلى الاثنين نصفهما إثنان، ونصف على كل واحد، وهما الراجع عن الجميع، والراجع عن عشرين. قال: ولابن سحنون عنه لو رجع رجل وثلاث نسوة عن شهادة بحق غرم الراجل نصفه، والنسوة نصفه، ولو رجع من النسوة، وهن عشرة واحدة إلى ثمانية فلا غرم

стр. 4469

عليهن، فلو رجع منهم تسع فعليهن ربع المال بينهن بالسواء. قلت: لأن التسع كامرأة من إمرأتين. وقد قال الشيخ عن ابن الماجشون: لو شهد رجل وإمرأتان بمال، ثم رجعت المرأتان فعلى كل واحدة ربعه، وغن لم ترجع إلى واحدة فعليها الربع. قال ابن الحاجب فلو كان مما يقبل فيه إمراتان كالرضاع وغيره، ورجعوا فعلى الرجل سدس، وعلى كل إمرأة نصف سدس، فلو رجعوا إلا إمرأتين فلا غرم فلو رجعت أخرى فالنصف على جميع من رجع. قلت: يريد أن الشهود رجل، وعشر نسوة كذا صورها إبن شاس، وذكر فيها من الحكم مثل ما ذكر ابن الحاجب. قال ابن هارون: جعلوا على الرجل ضعف ماعلى المرأة، وفيه نظر، والقياس إستواء الرجل والمرأة في الغرم في هذا الفصل؛ لأن شهادة المرأة فيه كشهادة الرجل، وقاله ابن عبدد السلام، ثم قال: ولعل وجهه أن الشهادة لما آلت إلى المال حكم بالرجوع فيها بحكم الرجوع عن شهادة الأموال. قلت: هذا التوجيه وهمٌ؛ لأن رجوع الرجل مع نسوة في الأموال يوجب عليه غرم نصف الحق لا ضعف ما يجب على المرأى حسبما تقدم؛ وعندي أنه يتوجه على غير المشهور في إضافة الغرم إلى عدد الشهود من حيث عددهم لا على أقل النصاب منهم، وهو قول ابن عبد الحكم وأشهب في أربعة رجع ثلاثة منهم أن عليهم ثلاثة أرباع الحق خلاف المشهور أن عليهم نصفه فتأمله، ثم تعقب توجيهه المذكور بقول ابن شاس وابن الحاجب: لو رجعوا إلا إمرأتين فلا غرم. قال: فهذا مما يقوي ما نقلناه أن الرجل في هذا الباب كالمرأة فلذا استقل الحكم بالمرأتين، ويرد بأن بقاء المرأتين يثبت حكم الرضاع، وكلما ثبت فلا غرم فهذه الصورة التى نقض بها علة الحكم في صورة النزاع مباينة لصورة النزاع، فلا ترد نقضا فتأمله، ولا أعرف هذه المسألة لأحد من أهل المذهب، ولقد أطال الشيخ والصقلي في هذا الباب بذكر مسائل كثيرة، ولم يذكراه.

стр. 4470

قلت: ذكره الغزالي في وجيزه بلفظ ما ذكره ابن شاس فأضافه ابن شاس إلى المذهب على عادته في ذلك ظناً منه أنها جارية على أصول المذهب، وعليه في ذلك تعقب عام، وهو إضافته ما يظنه أنه جار على المذهب إلى المذهب؛ كأنه نص فيه، وتعقب خاص، وهو حيث يكون الإجراء غير صحيح كهذه المسألة؛ فتأمل ذلك منصفاً. ولما ذكرها الغزالي قال: وتنزل كل امرأتين منزلة رجل؛ لأن هذا يثبت بشهادة النسوة فلا يتوقف شطره على الرجل. قلت: وهذا التوجيه يعم لقوله في كتاب الرضاع: والشهادة فيه بأربع نسوة، وشهادة الرجل عندنا في الرضاع كالمرأة، قاله في النكاح الثاني منها. وقول ابن الحاجب: وقياس قول أشهب خلافه؛ يريد أن رجوع بعضهم يوجب عليه غرم منابه، ولو بقي من يتم الحكم به حسبما تقدم. الشيخ عن الموازية: إن رجعا بعد الحكم بشهادتهما، وهرب المقضي عليه قبل الغرم فليس للمقضي له تغريم الراجعين بما يغرمانه للمقضي عليه إذا غرم ما شهدا به عليه؛ ولكن ينفذ الحكم عليهما للمقضي عليه؛ فإذا أغرم أغرمهما كما لو شهدا بحق مؤجل، ثم رجعا فلا يرجع عليهما حتى يحل الأجل، ويغرم وله طلب الحكم له عليهما الآن، ولا يغرمان الآن. قال ابن عبد الحكم: للمقضي عليه طلب الشاهدين بينة دفع المال عنه للمقضي له. وقال أصحاب أبي حنيفة: لا يحكم على الراجعين بشئ حتى يغرم المقضي عليه، وفي هذا تعرض لبيع داره فإتلاف ماله، واللذان أوجبا ذلك عليه قيام؛ أرأيت لو حبسه القاضي في ذلك أيترك محبوساً، ولا يغرم الشاهدان؟ بل يؤخذان بذلك، حتى يخلصاه، فإن أبيا حبسا معه، ولو شهدا عليه بمائة دينا فحكم عليه بها، وأجله الإمام فيها عشرة أيام، ثم رجعا قبل تمام الأجل غرما ذلك الآن وبرئ المطلوب، وكذا نقله ابن شاس. وقال ابن الحاجب: وللمقضي عليه مطالبتهما قبل غرمه ليغرمه للمقضي له،

стр. 4471

وللمقضي له ذلك إذا تعذر من المقضي عليه، وقيل: لا يلزمهما إلا بعد غرم المقضي عليه، وضعفه إبن عبد الحكم. قلت: قوله: (عن المذهب) وللمقضي له ذلك وهم؛ لأنه خلاف المنصوص، ولو ذكره بعد ذكر المنصوص أمكن أن يكون قولا انفرد بمعرفته وقوله. وقيل: لايلزمهما إلا بعد غرم المقضي عليه، وضعفه ابن عبد الحكم ظاهره أن هذا القول في المذهب، وهو وهمٌ، وما نقله من تضعيفه ابن عبد الحكم قد نقله الشيخ حسبما تقدم. ابن عبد السلام: إذا وقف غرمهما على غرم المقضي عليه، فغرمهما مشروط بغرمه، فيلزمه تأخير الشرط عن المشروط، وذلك مناقض لأصل المسألة أن للمقضي عليه أن يطالبهما بالدفع للمقضي له قبل غرمه. ألا ترى أن غرمهما سابق على غرمه، فيكون غرمهما سابقاً لاحقا؛ وهو باطل، فلو صح مانقله المؤلف من تضعيف ابن عبد الحكم لكان وجهه هذا. قلت: وقفه على غرمه إنما هو في غيبته لا مع حضوره، ولا يتوهم تأخر الشرط عن المشروط إلا في مجموع توقف غرمهما على غرمه مع لزوم غرمهما بمجرد طلبه غرمهما قبل غرمه، ويرد بأنه إنما شرط غرمهما بغرمه في حال غيبته لا في حال حضوره؛ لأنه في غيبته يمكن أن لو حضر أقر بالحق المشهود عليه به، وإذا حضر وطلب غرمهما إنتفى هذا الإحتمال فقوله: (يلزم تأخير الشرط عن المشروط)؛ وهم فتأمله. وقوله: (لو صح مانقله المؤلف من تضعيف ابن عبد الحكم) يدل على أنه لم يصح، وقد تقدمت صحته، وقوله: (لكان وجهه هذا) يدل على أن ابن عبد الحكم لم يذكر وجه تضعيفه، وقد تقدم توجيهه لو نصّاً. [باب تعارض البينتين] تعارض البينتين: إشتمال كل منهما على ما ينافي الأخرى. عبد الحق: روى النسائي بسنده عن أبي موسى: ((أن رجلين إختصما إلى النبي صلى الله عليه وسلم

стр. 4472

في دابة ليس لواحد منهما بينة فقضى بها بينهما نصفين)) وقال: إسناده جيد، وذكر عبد الرازق بسنده إلى سعيد بن المسيب أن النبي ﷺ ((قضى أن الشهود إذا استووا أقرع بين الخصمين)) عبد الحق: هذا مرسل، وفي سنده إبراهيم بن محمد بن أبي يحي، وهو متروك. وذكر الدارقطني بسنده عن جابر ((أن رجلين إختصما النبي ﷺ في ناقة؛ فقال كل واحد منهما: نتجت هذه الناقة عندي، وأقامه بينة فقضر بها رسول الله ﷺ للذي هي في يده)) فمهما أمكن الجمع بينهما جمع كالدليلين، وتتقرر صورة الجمع مثل قولها: ومن قال لرجل: أسلمت إليك هذا الثوب في مائة أردب حنطة، وقال الآخر: بل هذين الثوبين لثوبين سواه فى مائة أردب حنطة، وأقاما جميعا البينة لزمه أخذ الثلاثة الأثواب في مائتي أردب، ولو قال المسلم إليه: أسلمت لي هذا الثوب الذي ذكرت مع العبد فيما سميت، وأقاما البينة قضي بالبينة الزائدة فيأخذ من الثوب والعبد، وتلزمه المائة لذي الأردب. وفيها مع غيرها: إذا تعارضت البينتان قضي بأعدلها. ولابن رشد في سماع يحيى من الشهادات: إن شهدت إحدى البينتين بخلاف ما شهدت به الأخرى مثل أن تشهد إحداهما بعتق، والثانية بطلاق، أو إحداهما بطلاق إمراة، والثانية بطلاق إمرأة أخرى، وشبه هذا فم يختلف قول ابن القاسم، ورواية المصريين في أنه تهاتر يحكم بأعدل البينتين، فإن تكافأتا سقطتا. وروى المدنيون أنه يقضى بهما معا إذا استوتا في العدالة؛ أو كانت إحداهما أعدل.

стр. 4473

وفي نوازل سحنون: إن شهدت بينة بقتل زيد عمراً يوم ذكا، وبينة بأنه كان ذلك اليوم ببلد بعيد عن موضع القتل قضي ببينة القتل. ابن رُشْد: هذا مشهور المذهب، وقاله أَصْبَغ. وقال إسماعيل القاضي: يقضي ببينة البراءة إن كانت أعدل، وإن كانتا في العدالة سواء طرحتا، وقال ابن عبد الحكم. وفي نوازل أصبغ: إن شهدت بينة بزنا رجل بمصر في المحرم يوم عاشوراء، وأخرى أ، هـ كان ذلك اليوم بالعراق حد، ولو شهدت الأخرى بأنه سرق ذلك اليوم بالعراق أو قتل إنساناً بالعراق سقطتا، ولو شهدت الأخرى بأنه زنى ذلك اليوم بالعراق حد، وكذا لو شهدت بينة أنه قتل فلاناً بمصر، وشهدت أخرى أنه قتل فلانًا بالعراق قتل بهما. ابن رُشْد: تفرقة أصبح هذه هي على قياس مشهور قول ابن القاسم أن البينتين إذا اختلفتا بالزيادة أعملت ذات الزيادة، وإن اختلفت في الأنواع سقطتا إلا أن يكون إحداهما أعدل فيقضي بها، وقال أيضًا: إن اختلفتا بالزيادة سقطتا إلا أن تكون إحداهما أعدل فيقضي بها كاختلاف الأنواع، فيلزم على قياس هذا إن شهدت الأخرى بانه زنى ذلك اليوم بالعراق أن تسقطا إلا أن تكون إحداهما أعدل، فيقضى بها كما لو شهدت أنه سرق ذلك اليوم بالعراق، وهو الذي يوجبه القياس لتكذيب كل بينة الأخرى، وتعليل أَصْبَغ لإقامة الحد والقتل بأنه يعلم صدق إحدى البينتين غير صحيح؛ لأنه إذا علم أن إحداهما كاذبة، واحتمل أن تكون كل واحدة هي الكاذبة احتمل كذبهما معا، وإذا احتمل كذبهما معا أو كذب إحداهما لم يصح أن يحكم بأن إحداهما صادقة إلا أن تكون هي أعدل، وإلى هذا نحا ابن عبد الحَكم على ما ذكرناه عنه في نوازن سَحنون، ويأتي على قياس قول الأخوين عن مالك في أن البينتين إذا شهدت إحداهما بخلاف ما شهدت به الأخرى واستويتا في العدالة أنه يقضى بما شهدتا به معا أنه يُحَدّ للزنا، والسرقة إذا شهدتا بهما، وهو بعيد جدًّا. قول ابن الحاجب: ومهما أمكن الجمع جمع يدل على أنه إن شهدت إحداهما بأنه

стр. 4474

طلق الكبرى، والأخرى بأنه إنما طلق الصغرى، أنه يجمع بينهما، وتقدم من نقل ابن رُشْد أنه خلاف قول ابن القاسم، ورواية المصريين، وحوز أحد المتداعيين، ولا مرجح. وفيها: من كانت بيده دور أو عبيد أو عروض أو دنانير أو غير ذلك فادعى ذلك رجل وأقام بينة، وأقام ذلك من بيده بينة أنه له قضي بأعدل البينتين، وإن تكافأتا سقطتا، وبقي الشيء بيد ائزه، ويحلف. عياض: ثبت قول ابن القاسم، ويحلف عند ابن وضاح، وسقط لغيره. وفي الموازيَّة: لا يمين عليه. وفي الولاء منها: ومن ورث رجلاً بولاء يدعيه، ثم قام آخر البينة أنه مولاه، وأقام قابض الميراث مثلها، وتكافأتا فالمال بينهما. قيل: ولم، وقد قال مالك: إذا تكافأت البينتان فالمال الذي هو بيده؟ قال: إنما ذلك إذا لم يعرف أصل المال، وهذا مال عرف أصله، وقال غيره: هو للذي بيده كمن بيده ثوب ادعاه رجل، وأقام بينة أن ذلك الثوب كان لزيد يملكه، وأن المدعي اشتراه منه، وأقام حائزه بينة مثلها، ومات البائع، ولم تؤرخ البينتان، وهم في العدالة سواء سقطت البينتان، وبقي الثور لحائزه ويحلف. الصقلي: مسألة الولاء بخلاف هذه؛ لأن الولاء لم يحزه أحدهما، وإنما وقع الحوز في مال عرف أصله. وعبر عنه المارزي بقوله: إن عرف مبدأ حوزه ففي الترجيح به قولان فذكر مسألة الولاء، قال: وكذا لو التقط الرجل لقطة فأخذها منه من أقام بينة أنها له، فقيل: إذا عورضت بينته ببينة مثلها بقيت له. قلتُ: ومنه مسألة من طلبته امرأته بكسوتها؛ فقال لها: الثوب الذي عليك لي، وقالت: بل هو لي، ففي كون القول قولها أو قوله نقل الطرر عن الاستغناء، وفتوى ابن دحون، وابن الفخار قال: حكى قوليهما الفقيه أبو القاسم البوياني، واختار الأول. قلتُ: بناء على اعتبار كونها في حوز الزوج أو حوزها في نفسها.

стр. 4475

وإن تكافأت بينتا من ادعى ما بيد ثالث: فقال اللخمي: إن ادعاه لنفسه؛ فقيل: ينتزع منه، ويكون بينهما نصفين لاتفاق البينتين على انتزاعه منه، وقيل: يبقى لحائزه لترجيح كل من البينتين الأخرى. قلتُ: ذكرهما المازري روايتين، والثانية قولها، والأولى هي ظاهر قول الغير فيها. اللخمي: فإن اعترف بها لأحدهما فعلى القول الأول إقراره لغو، ويقتسمانه، وعلى الثاني هو لمن أقر له به. المازري: اختلف القول عندنا في رجلين ادعيا عفوا من الأرض لا يد عليه، وأقاما البينة هل يصرفان عنه ويقسم بينهما بعد الاستيناء؟ اللخمي: اختلف إن تنازعا عفوا من الأرض، فقيل: يقتسمانه بمنزلة ما لا يد عليه. وقال في المدَوَّنة: تبقى كغيرها من عفو بلاد المسلمين. يريد: لأن العبد والدار لابد لهما من مالك، وعفو الأرض يصح أن يكون لا مالك له. وفيها: لابن القاسم بلغني عن مالك: إن تكافأت بينتا المتنازعين في عفو من الأرض سقطتا، وبقيت الأرض كغيرها من عفو بلاد المسلمين حتى تستحق ما ثبت من ذلك. ابن القاسم: مثل أن يأتي أحدهما ببينة هي أعدل من الأولى. وقال ابن القاسم عن مالك في باب بعد هذا: كل ما تكافأت فيه البينات، وليس بيد واحد منهما، ولا يخاف عليه مثل الدور والأرضين يترك حتى يأتي أحدهما بأعدل مما أتي به صاحبه إلا أن يطول الزمان، ولا يأتيا بغير ما أتيا به، فإنه يقسم بينهما. ابن القاسم: لأن وقف ذلك يصير إلى الضرر. قلتُ: ففي ترك العفو مطلقًا، وقسمه بعد الطول رواية ابن القاسم فيها، وقول أبي إبراهيم، وروي ابن نافع أن العفو يوقف أيضاً مثل رواية بان القاسم أولاً. واقتصار ابن عبد السلام على قوله: روي ابن نافع في العفو أنه يوقف أبدًا، ورواية

стр. 4476

ابن القاسم أنه يقسم بينهما بعد إيمانهما يدل على أن لا رواية لابن القاسم إلا القسم، وأنه لا يشترط فيه استيناء طول الزمان، وكلاهما غير صحيح لما تقدم من قول الأمهات. وإذا وجب قسم المدعى فيه فقال ابن شاس: إن لم يكن في أيديهما قسم على قدر الدعاوي، زاد ابن الحاجب اتفاقاً. قال ابن هارون، فعليه إن ادعى أحدهما جميع الثوب، والآخر نصفه قسم بينهما أثلاثا. قلتُ: وذكر المسألة ابن حارث وقال فيها عن عبد الملك وسَحنون: لمدعي الكل النصف بإجماعهما على ذلك، والنصف الثاني الذي تداعيا فيه بينهما نصفين. قلتُ: وكذا نقله الشَّيخ عن أشهب في كتاب ابن سحنون، وهو خلاف قول ابن الحاجب اتفاقًا. الشَّيخ في الموازيَّة لابن القاسم: إن قال أحد الشريكين في مال بأيديهما لي ثلثاه، وقال الآخر: لي نصفه، وإنما لك نصفه فلمدعي الثلثين النصف ولمدعي النصف الثلث، والسدس الباقي بينهما نصفين بعد تحالفهما. وقال أشهب: يقسم بينهما نصفين، فعبر غير واحد عن قوليهما: بكون القسم على الدعاوي أو نصفين. وفي تعيين المبدأ منهما باليمين خلاف. قال المازري: ذكرنا الاختلاف في اختلاف المتابعين في الثمن هل يبدأ البائع أو المبتاع؟ وذلك يجري هنا. قلتُ: إنما يتصور الإجراء لو أمكن اختصاص أحدهما بكونه كالبائع، واختصاص الآخر بكونه كالمبتاع، ولا يخفى تعذر ذلك، ثم قال: وكان شيخنا يختار في هذا الأصل القول بالقرعة، وقيل في هذه المسألة الحاكم بالخيار فيمن يبدئه بالحلف. قلتُ: الأظهر تبدئة آخرهما دعوى على صاحبه؛ لأنه الأول منا لمدعي عليه منهما، ثم أجرى حلف كل واحد منهما على نفي دعوى صاحبه فقط، أو عليه مع صحة

стр. 4477

دعواه رجاء أن ينكل صاحبه عن اليمين على الحكم في ذلك في اختلاف المتبايعين، وعلى كونه على التداعي في كونه على قدر مدعي كل منهما كعول الفرائض، أو على اختصاص مدعي الأكثر بما سلم له، وقسم المتنازع فيه بالسويَّة نقلاً الشَّيخ عن مطرف مع ابن كنانة وابن وهب وأشهب وابن القاسم مع ابن الماجِشُون. قال ابن الحاجب: ولو زادوا على اثنين فقولان: أحدهما: اختصاص مدعي الأكثر بما زاد على الدعويين جميعا، وهو الصواب. والثاني: اختصاصه بما زاد على أكثرهما؛ فلو كان ثالث يدعي الثلث مع مدعي جميعه، ونصفه جاء القولان؛ فعلى الأول يختص مدعي الكل بالسدس، ثم يأخذ من الباقي نصفه، وهو ربع وسدس، ثم يختص مدعي النصف بما زاد على الثلث، وهو نصف السدس، ويقتسمان الثلث، وعلى الثاني يختص مدعي الكل بالنصف، ثم يأخذ من الثاني نصف ما زاد على الثلث، وهو نصف الثلث، ويأخذ مدعي النصف نصف سدس، ثم يقسم الباقي أثلاثاً. قلتُ: يريد بالأول الاختصاص بما زاد على الدعويين، والثاني الاختصاص بما زاد على أكثرهما، وتقرير كلامه واضح. وعن الشيخ في النوادر: الأول لمحمد بن الموَّاز، وقال ابن حارث: رأيته لبعض المصريين في كتاب أبي إسحاق البرقي، وعزا الشيخ الثاني لأشهب، وقرره بقوله: يقال لمدعي النصف، ولمدعي الثلث: سلمتما النصف لمدعي الكل؛ فيكون له ستة أسهم من اثني عشر، ويقال لمدعي الثلث: سلمت السدس، وهو سهمان يكون بين مدعي الكل، ومدعي النصف نصفين، ويبقى الثلث، وهو أربعة يدعونه كلهم؛ فيقسم بينهم أثلاثا فيصير لمدعي الثلث سهم وثلث من اثني عشر، ولمدعي النصف سهمان وثلث، ولمدعي الكل ثمانية وثلث. قال: هو نحو جواب ابن القاسم، وقرر محمد قوله بقوله: يقال لمدعي النصف، والثلث سلما السدس لمدعي الكل، وبقي خمسة أسداس يدعيها صاحب الكل وصاحباه يدعيانها فيعطيانه نصفها، ثم يقتسمان نصفها، وهي عشرة قراريط من أربعة

стр. 4478

وعشرين قيراطًا، يقال لمدعي الثلث: أنت لا تدعي في قيراطين منهما فسلمهما لمدعي النصف، وتقسم الثمانية بينهما نصفين. وقال ابن حارث: وفي هذا الأصل قول ثالث هو أعدل الأقاويل أن القسمة في ذلك على حساب عول الفرائض، وهو من معني قول مالك في الدينار الواقع في مائة دينار، وكثيراً ما كنت أسمعه من شيوخنا، وهو لأصحابنا أيام الدرس لهم، والمناظرة لهم. قلت: حكاه الشيخ في نوادره من نقل أشهب قال: قال أشهب: وقال بعض أصاحبنا: يقسم بينهم على حسب عول الفرائض فيقسم على أحد عشر سهمًا لمدعي الكل ستة، ولمدعي النصف ثلاثة، ولمدعي الثلث اثنان. وما به الترجيح أمور الأعدلية في الترجيح بها معروف المذهب، ونقل ابن حبيب عن بعض علمائنا، ونقله ابن عبد السلام رواية عن مالك لا أعرفه، وابن رشد إنما عزاه لبعض أهل العلم، قال: وقاله المخزومي. قال اللخمي: اختلف في الترجيح بالأكثر، والأعدل على ثلاثة أقوال رجح في المدونة بالأعدل لا بالأكثر. وروى ابن حبيب: يرجح بهما. قال ابن حبيب: وسمعت غير واحد من علمائنا يقول: إذا شهد عدلان، ومن هو أعدل منهما أو أكثر عدداً فهما سواء، وتبعه المازري على ذلك. ابن حارث: اتفقوا في البينتين تتضادان في الأموال، والبياعات أن الأعدل منهما أحق بالقبول، واختلفوا إذا تضادت في النكاح؛ فقال ابن القاسم في المدونة، لا ينظر في هذا إلى الأعدل، ويفسخ النكاح إن كان الشهود كلهم عدولاً، وقال أشهب، ولابن عبدوس عن بعد الملك وسحنون أن يقضى بالأعدل في النكاح. قال: وقال اصبغ في الشهادات من المستخرجة في باب مسائل النوازل أن الجراح والدماء والعتق والقصاص والحدود كلها لا ينظر فيها تكافأت فيه الشهادات إلى الأعدل بعد أن يكون من شهد عدلاً مرضياً؛ فهو أحق ممن يعرض لترك الشهادة.

стр. 4479

قلت: لم أجده في العتبية، وليست هذه المسألة من مسائل الترجيح بل من باب الاختلاف في تعارض البينتين في الإثبات، ولانفي هل هو من باب التهاتر؟ فينظر فيه إلى الترجيح أو البينة المثبتة مقدمة، وليس من باب التهاتر، وعليه يتنزل قول أصبغ هذا فتأمله. قلت: لغو الترجيح بالكثرة، واعتباره قولها ورواية ابن حبيب. وفيها لابن القاسم: لو شهد لهذا شاهدان، ولهذا مائة وتكافأوا في العدالة لم يرجح بالكثرة. اللخمي والمازري، ومحمله على الغايات، ولو كثروا حتى يقع العلم بصدقهم لقضي بهم وذكر في تمام رواية ابن حبيب ما نصه: إن كان كلاهما كثيراً يكتفي بهم الحاكم فيما يلتمسه من الاستظهار بالكثرة لم ينظر إلى الأكثر في الترجيح به، وعزاه الشيخ لرواية الأخوين، ووجه المشهور القرافي بأن المقصود من القضاء قطع النزاع، ومزيد العدالة أشد في التعذر من مزيد العدد؛ لأن كلا من الخصمين يمكنه زيادة العدد في الشهود، ولا يمكنه مزيد العدالة، وتعقبه ابن عبد السلام بقوله زيادة العدد إنما هي معتبرة بقيد العدالة نسلم، ولا نسلم أن زيادة العدد بهذا القيد سهلة، وتقرر في علم الأصول أن الوفاء بهما أن الوصف بهما كان أدخل تحت الانضباط، وأبعد عن النقض، والعكس كان أرجح وزيادة العدد منضبط محسوس لا يختلف، والعدالة مركبة من قيود، فضبط الزيادة فيها متعذر أو متعسر فلا ينبغي أن تعتبر في الترجيح. قلت: رده أولاً بقوله: (لا نسلم أن زيادة العدد بهذا القيد سهلة)، يرد بأن القرافي لم يتمسك بأنها سهلة؛ بل بأنها ممكنة غير ممتنعة، وكونها ليست سهلة لا يمنع إمكانها عادة، وقوله: (ضبط زيادة العدالة متعذر أو متعسر) يرد بمنع ذلك فإنا نعلم بالضرورة في شهود شيوخنا، وأمثالنا من هو أعدل من غيره منهم، ووجهه المازري بأن الشارع لما قيد شهادة الزنا بأربع والطلاق باثنين، وقبل في المال الواحد مع اليمين دل على أن لا تأثير في العدد. قلت: الأظهر في الترجيح بالأعدلية دون الكثرة أن ما به الأعدلية دون الكثرة إن

стр. 4480

ما به الترجيح في الأعدلية هو وصف حاصل فيما وجب الحكم به، وهو الشاهدان اللذان يجب الإعذار فيهما للمحكوم عليه، والكثرة وصف خارج عما وجب الحكم به. وسمع أبو زيد ابن القاسم: يقدم الشاهد الأعدل مع يمين القائم به على شهادة عدلين. ابن رشد: هذا خلاف قوله في سماع أصبغ من كتاب الدعوى، وما حكاه ابن حبيب عن الأخوين من تقديم العدلين عليه، ولو كان أعدل أهل زمانه، وهو أظهر والأول إغراق في القياس. قلت: تقديم شهادة الأعدل مع امرأتين على رجلين عدلين، ولغو أعدليته بتقدم شهادة الرجلين نقل اللخمي عن ابن القاسم مع المازري عن المذهب، وتخريج اللخمي على أن التقديم تخريج من المقدم لمن قدم عليه، وهو نص محمد، وتبعه المازري، وزاد وحكى هذا الذي خرجناه بعض الأشياخ حكاية مطلقة. وقال ابن الحاجب في الشاهدين: على الشاهد واليمين والشاهد، والمرأتين قولان ورجع عنه ابن القاسم. قلت: يريد مع التساوي في العدالة لما يذكره بعد، وكذا قيده ابن شاس بالتساوي، ولفظ ابن الحاجب يقتضي أن أول قولي ابن القاسم تقديم الشاهدين على الشاهد والمرأتين، وقبله ابن عبد السالم وابن هارون، وتقدم أن اللخمي لم يثبته إلا تخريجاً مع قول المازري حكاه بعض الأشياخ حكاية مطلقة، وهذا يضعف نسبته لابن القاسم لاسيما مع قول ابن شاس. قال أشهب يقدم الشاهدان على الشاهد والمرأتين إذا استووا في العدالة، وقال ابن القاسم: لا يقدمان. قال ابن الحاجب: وعلى التساوي لو كان الشاهد أعدل من كل منهما فقولان. قلت: تقديمه هو سماع أبي زيد، ومقابل هذا القول تقدم الشاهدين عليه، وهو متقدم نقل ابن رشد على الأخوين. قلت: وانظر قول اللخمي: أوقف ابن القاسم شهادة رجلين بشهادة رجل

стр. 4481

وامرأتين إذا تكافؤوا. وفي سماع عيسى قال ابن دينار: لا أرى أن يقضي بمن هو أعدل من المعدلين فيقدم على من هو عدل. ابن رشد: هذا قول ابن الماجشون، وروى مطرف أنه يؤخذ بأعدل المعدلين، والأول هو الجاري علىق ول ابن القاسم أن الترجيح لا يكون إلا بالعدالة؛ لأن زيادة عدالة المعدلين لا تفيد زيادة عدالة في المعدلين، وإنما تفيد زيادة غلبة الظن بصحة عدالة المعدلين، ورواية مطرف على القول بالترجيح بكثرة العدد. وفي اعتبار بينة الحائز للمدعى فيه بتعارض بينة المعدي، ولغوها معروف المذهب، ونقل غير واحد عن ابن الماجشون، وهو قول المخالف. قال بان الحاجب: (فلو ترجحت البينة سقط اعتبار اليد، وفي يمين الخارج حينئذ قولان)؛ يريد: إذا ترجحت بينة المدعي على بينة المدعى عليه الحائز للمدعى فيه قضي للمدعي، وفي وجوب اليمين عليه قولان. قلتُ: نقل القولين الصقلي قال: قال بعض القرويين: اختلف إذا كانت إحدى البينتين أعدل هل يحلف صاحب الأعدل؟ ففي المدونة أنه يحلف في مسألة عفو الأرض مع أعدل البينتين. وقال ابن محرز: إن كانت إحدى البينتين أعدل قضي لصاحب الأعدل مع يمينه، وعند محمد: لا يمين عليه. وقال ابن شاس: تقدم بينة الداخل على بينة الخارج عند التكافؤ مع يمينة على الرواية المشهورة. وقال ابن محرز: إذا تكافأتا فالقول الحائز مع يمينه. وقال محمد: لا يمين عليه. وقال عياض في مسألة عفو الأرض: وقد يقال: إن إلزامه اليمين هنا؛ لأنها في غير يد مالك فاستبرأ باليمين لحق بيت مال المسلمين. قلتُ: مفهومه إنما هو في حوز حائزه لا يمين عليه، وانظر ما ذكره ابن شاس في

стр. 4482

ذلك من الروايتين من حكاهما من المتقدمين. الشيخ عن ابن عبد الحكم: إذا أُرِّخَت بينتا المتداعيين قضيت لأبعدهما تاريخاً، وإن لم تؤرخا قضيت بأعدلهما. وذكره اللخمي غير معزو، كأنه المذهب قال: وسواء كان المدعى فيه تحت أيديهما أو تحت يد أحدهما أو تحت يد ثالث. قالك واختلفا إن أُرِّخَت إحداهما هل يكون لمن أُرِّخَت أو أو بمنزلة من لم يؤرخ؟ وذكرت الروايات على نحو ما وردت. المازري عن أشهب: إن شهدت بينة بأنه يملك هذا العبد منذ سنة، وشهدت بينة بأنه لآخر يملكه منذ ثلاث سنين قضي به لذي الثلاث، ولو قالت الثانية: بل هو في يد الآخر يملكه منذ ثلاث سنين قضي به لذي الثلاث، ولو قالت الثانية: بل هو في يد الآخر منذ سنتين قدمت شهادة من شهد بالملك منذ سنة حتى يقولوا إنه في يد الآخر يملكه منذ سنتين، فرجح أشهب الشهادة بالملك على الشهادة بالحوز. وكان بعض أشياخي يرى خلاف هذا، وأن الواجب رد السلعة لمن تقدم حوزه لها، حتى يثبت ما يوجب خروجها من يده. قال أشهب: لو شهد لمدعي أمة أنها بنت أمته لم تفده؛ لأنها لم تتضمن إثبات ملكه، وقد تكون ولدتها قبل أن يشتريها. قال المازري: وهذا واضح لكنه لو شهدت له أنها ولدت عنده لم تفده. واعترضه بعض أشياخنا وقال: إنما أسقطها بالجواز أن تكون ولدت عنده؛ وهي وديعة عنده أو رهن، وتعقبه بأن احتمال الوديعة والرهن بعيد. قلت: لما ذكر اللخمي قول أشهب هذا قال: وقول ابن القاسم أنها لمن ولدت عنده أصوب، ومحمل الأمر على أنها له حتى يثبت أنها وديعة أو غصب. وفيها: لو أن أمة ليست بيد أحدهما أتى أحدهما ببينة أنها له ولدت عنده لا يعلمون أنها خرجت من ملكه بشئ، قضي بها لصاحب الولادة. قال غيره: ولو كانت بينة الآخر أعدل، وليس هذا بتهاتر لكن لما زادت قدم

стр. 4483

الملك كانت أولى، كما لو شهدت بينة أحدهما أنه يملكها منذ عام، وبينة الآخر أنه يملكها منذ عامين؛ قضي ببينة أبعد التاريخين، وإن كانت الأخرى أعدل. المارزي: إلا أن يؤرخ الشهود بالملك دون الولادة عنده بتاريخ، فيعلم قطعاً أنه سبق تاريخ الولادة؛ فتكون هاهنا الشهادتان، وقد تكافأتا وتعارضتا؛ مثل أن يشهد قوم في فتاة لم تبلغ الحلم أنها ولدت عند زيد على ملكه، وشهد آخرون أنها مملوكة لعمرو منذ ثلاثين عاماً فهذا يعلم قطعاً أن إحداهما كذبت، فيقع التعارض، ويعود الحكم إلى ما قدمناه أولاً. قلت: فرضه أن الأمة لم تبلغ الحلم يوجب سقوط البينة بأنها مملوكة منذ ثلاثين عاماً؛ لأنها مخالفة للضرورة، فيجب سقوطها فلا يقع التعارض الذي زعمه، والعجب منه كيف وقع في هذا. وقد نبه اللخمي على ما قلناه، وقال: إن شهدت بينة كل منهما بنتاجها عنده، أو أرخت بوقتين مختلفين أو متفقين فهو تكاذب؛ إلا أن يتبين كذب إحداهما؛ لأنها مما تتوالد دون ذلك الوقت أو قبله فتكون لمن أشبه. وفيها: النسج كالولادة. اللخمي والمازري: اختلف في ذلك فذكر قولها: قال: وفي كتاب ابن سحنون البينة له بالملك تقدم على البينة بالنسج، ويقضي لمن شهدت له بالنسج بقيمة عمله بعد حلفه ما عمله باطلاً؛ وإنما الخلاف إذا كان الناسج إنما ينسج لنفسه، ومن انتصب لنسج الناس بأجر أو للبيع، فالبينة له بالنسج لغو. وكذا نسج الكتاب. اللخمي: وقيل: إن كان مما ينسج مرتين كالخز، فقالت: كل بينة هذا نسجه، وعرف الأول كان له، وللثاني قيمة عمله، وهذا فاسد لا أعلم أحدًا نقض ثوب خز جديد، ثم أعاده. وأيضاً فلا يعرف لو نقض أن الحرير أو الصوف الذي في هذا هو عين الأول، إنما يعلم ما دام ثوبًا، ويستحيل أن يشهد على حرير أو صوف بعد أن يصنع أنه المتقدم قبل

стр. 4484

العمل، وإن كان الأول قديمًا، والثاني جديدًا فهو أبين أن لا يعرف. [باب الملك] الملك: استحقاق التصرف في الشئ بكل أمر جائز فعلًا أو حكمًا لا بنيابة،

стр. 4485

فيدخل ملك الصبي ونحوه لاستحقاقهما ذلك حكمًا، ويخرج تصرف الوصي والوكيل وذو الإمرة، وتقدم قول بعضهم بعسر إدراكه، وتعذره فيذكر. اللخمي: قال سحنون: من حضر رجلًا اشترى سلعة من السوق، فلا يشهد أنها ملكه، ولو أقام رجل بينة أنها ملكه، وأقام هذا بينة أنه اشتراها من السوق كانت لذي الملك، وقد يبيعها من لا يملكها، والشهادة بالملك أن تطول الحيازة، وهو يفعل ما يفعل المالك لا منازع له، وسواء حضروا بدء دخولها في يديه أم لا، وإن لم تطل الحيازة لم يثبت الملك إلا أن يشهدوا أنه غنهما من دار الحرب وشبهه. انتهي. قوله: وإلى هذا ذهب أشهب أن لا يثبت الملك بمجرد ولادة الأم إلا أن تطول الحيازة؛ لأنه لو كانت المنازعة في الأم؛ فشهدت بينة أحدهما بملكه إياها، وللآخر بينة أنها كانت في يده يومًا أو يومين ترجح الملك، وهذا يحسن في عدم التاريخ، فإن علم أن يد هذا تقدمت، ثم ملكها الآخر، ردت لمن تقدمت يده. وقال ابن القاسم: من شهد له شاهد في مسكن أنه ملكه، وآخر أنه حيزه فملكه وحيزه سواء؛ يريد: في حيزه إذا طال.
следующие страницы →